بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء. لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حيّاكم الله أيها الكرام في مجلس جديد من التعليق على كتاب الداء والدواء للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، هذه الرحلة التي ما زالت مستمرة منذ أشهر ونحن نتفيّأ في ظلال هذا الكتاب المبارك ونقف على معانيه. وإن من توفيق الله للعبد أن يشغله بالنظر فيما يعود على نفسه بالصلاح، إن من توفيق الله للعبد أن يرزقه الديمومة في النظر على ما يعود على قلبه بالصلاح. فإن أكثر الناس ربما يمل من كثرة الالتجاء إلى الله سبحانه وتعالى، يعني لو مللت من كل شيء، إياك أن تمل من البحث في صلاح نفسك.
يمكن تمل حتى من بعض العلوم ومن بعض الدورات ومن بعض الكتب والمصنفات التي تتعمق حتى في بعض العلوم الفقهية أو ما شابه ذلك، أنا أتصور. لكن الكلام في صلاح النفس شيء لا يُمل؛ لأنه هو زادك في السير إلى الله سبحانه وتعالى. وحقيقة لو أردت أن ألخص لك جملة ما ورد في كتب السلوك والتزكية في جميعها، فإنها تدندن على ثلاثة معاني، أو تدندن على معدن أساس يقوم على ثلاثة معاني، وهو كيف الوصول إلى الله سبحانه وتعالى.
والوصول إلى الله والأنس بالله ينبني على ثلاثة أشياء إذا حققتها، فهذا خلاصة ما في كتب التزكية وما حولها يدندنون: أولاً: أن تعرف الله بجماله وجلاله وكماله وغناه، وكلما ازددت به معرفة، ازددت به حبا. ثانياً: أن تعرف نفسك بعجزها وضعفها وعيبها ونقصها وفاقاتها إلى الله. ثالثاً: أن تزيل الحجب التي تمنع هذه النفس من الوصول إلى الله، وهي المعاصي والذنوب.
هذا ما يدندن حوله علماء السلوك في مختلف مصنفاتهم، فهو إما يحدثك عن الله بكماله، وإما يحدثك عن نفسك بنقصانها وتقصيرها، وإما يحدثك بالحجب التي تحجبك عن الله. فمن أحكم هذه المعاني، فعرف ربه بكماله، وعرف نفسه بعجزها، وعرف كيف يزيل الحجب التي تمنعه من الوصول إلى مولاه، فهذا وصل إلى الله سبحانه وتعالى. ومن قصر في معنى من هذه المعاني الثلاث، فحرم أو ابتعد عن الله بقدر تقصيره في أحد هذه المعاني.
هذه الخلاصة من تمسك بها وعض عليها بالنواجذ أيها الأحبه أفلح، وكلما ضعفت في جانب منها كما قلنا، كلما ضعف سيرك إلى ربك عز وجل. وصلنا مع ابن القيم رحمه الله عليه إلى الأبواب الأربع التي يدخل منها الشيطان على النفس الإنسانية، ومنها يتساقط الناس على الطريق، ومن خلالها أو بأسبابها يتساقط الناس على الطريق. قلنا: ما هي هذه البوابات الأربع؟ هذا ختمنا به المجلس السابق. ما هي البوابات التي تدخل منها المعاصي إلى النفس، أو الشيطان عفى إلى النفس الإنسانية، فيكون منها الهلاك؟
أولاً: قلنا ماذا؟ اللحظات اللحظات، هي النظرات سماها اللحظات. ثم الخطرات، الأفكار. ثالثاً: الخطوات، أن تبدأ تتخذ الخطوات. رابعاً: اللفظات، وهذه قبل الخطوات.
إذاً ابن القيم يختصر عليك، يقول لك الشيطان من أين يدخل عليك حتى يحجبك عن الله سبحانه وتعالى، وحتى يسقطك في مزالق الطريق؟ هي أربعة أبواب، هي أربعة أبواب: اللحظات، ثم الخطرات وهي الأفكار، ثم اللفظات، ثم الخطوات، وهي طبعا مرتبة ترتيباً علمياً سلوكياً منطقياً.
فإن مبادئ الفساد إنما هي أيها الأحبة من أين؟ مبادئ الفساد من العين من اللحظات. يعني بعض الناس يقول لك مبادئ الفساد من الخطرات. لا، ما هي الخطرات والافكار إنما تتشكل بناء على ما يدخل من هذه العين ويصل إلى الدماغ. فأنت إذا أدخلت في هذه العين الصور المحرمة والنظر إلى ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، فهذا هو الذي سيشكل بعد ذلك الخطرات التي تجول في ذهنك ويسبح فيها خاطرك.
فإذا أغلق الباب الأول يقول لك ابن القيم وهو اللحظات، فإن فشلت فاغلق الباب الثاني وهو الخطرات الأفكار، الإرادات حاول أن تسيطر عليها، ليست هي التي تسيطر عليك، أنت من يحاول التحكم بها. فان فشلت، فعلى الأقل حافظ على اللفظات. إذا تعلق قلبك بشيء لا يرضي الله سبحانه وتعالى، حاول قدر المستطاع ألا تتلفظ له بهذا التعلق وألا تتحدث معه، يعني أبقي الأمر أبقه في مساحة ماذا؟ الخطرات تمام، لا ينتقل بك إلى مساحة اللفظات والحديث مع المعشوق.
فان سقطت في باب اللفظات أيضاً، فعلى الأقل يبقى الباب الأخير وهو باب ماذا؟ الخطوات، الذي يفتح عليك باب الزنا والفواحش والعياذ بالله. إذا كسرت هذا الباب، انتهى ما بقي شيء، نقول لك لا تكسر، أنت كسرت كل الحواجز هذه الأربع. سيعالج ابن القيم الآن معالجة حثيثة ودقيقة وبدانا أظن بمعالجه الباب الأول، أليس كذلك؟ الا وهو اللحظات.
وأين وصلنا؟ من آفات النظر، من البداية ومن آفات النظر. نعم، إذا وصلنا عند قول المصنف رحمه الله عليه: ومن آفات النظر أنه يورث الحسرات. بسم الله يا شيخ. بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولإخواننا في فلسطين وللمسلمين أجمعين. قال المصنف رحمه الله: ومن آفات النظر أنه يورث الحسرات والزفرات والحرق، فيرى العبد ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه.
جميل، هذه قاعدة مهمة: كلما مددت عينك إلى الحرام، كلما كثرت حسرات قلبك، وكثرت الزفرات. بتعرف ما معنى الزفرات؟ الزفرات جمع ماذا؟ زفير، وكان هناك شهيق وزفير، وهو الشوق إلى المعصية التي لا ترضي الله سبحانه وتعالى. فهي حسرات وزفرات وحرقات، يحترق قلبك خاصة لمن لا يريد يعني لمن يتقي الله ويخشى من مقارفة المعاصي ولا يريد الوقوع فيها. فكلما ازددت نظراً، كلما ازددت حسرة وزفرة وحرقة، وازداد القلب ألماً؛ لأنك أنت تري القلب شيئاً يريد الوصول إليه وهو يعلم حرمة ذلك.
تريه شيئاً ليصل إليه وهو يعلم حرمة ذلك، وأن هذا الشيء لا وصول إليه إلا باقتراف الفواحش والكبائر والعياذ بالله. فتمنعه أنت، تعطيه النظر وتمنعه الوصول، فماذا يحصل؟ زفرات وآلام وأفكار وخطوات وخطرات عفوا تؤلمك وتتعبك، وبالكاد تستطيع الفكاك منها، وقد توقعك في تعلق وعشق محرم. فابن القيم يقول لك: عليك من البداية أن تخفف وتقلل من اللحظات، فإن هذه اللحظات ستبقى آلاماً أو أنك تعطي النفس مرادها، وعندئذ ستزداد الآلام لكنها آلام معصية الله سبحانه وتعالى والتجرؤ على أحكامه.
النظر إذاً قال يورث الحسرات والزفرات والحرق. نعم قال: فيرى العبد ما ليس قادراً عليه ولا صابراً عنه. يعني أنت ترى من الصور المحرمة ما أنت لست صابراً عليه، أنت كلما أعطيت عينك النظر للحرام، بعض الناس بعض الشباب يظن أنه إذا وصل مثلاً لمرحله من التعب فيما يتعلق بأفكار الشهوات، يقول لك: خليني أعطي نفسي مناها بنظرة لعل هذه الحرقة تخف. هكذا يعالج نفسه، يظن المسكين أنه إذا وصلت به الشهوة إلى مستوى عالي فكيف يهدئها؟ بماذا يسكنها؟ بنظرة حرام، حتى هكذا.
والمسكين لا يعرف أنه يزيد الطين بلة، ويزيد الجرح انفتاحاً، ويزيد الخرق انفتاحاً. أنت تضحك على نفسك ولا تعرف كيف تعالجها، أنت تعطي العلاج الخاطئ، كإنسان عطشان شرب خمراً، الخمر يقولون تزيد العطش، فتخيل إنسان عطشان عطشان بده يعالج عطشه ايش فعل؟ شرب خمراً، ماذا فعل؟ ازداد عطشاً ولم يحل المشكلة، بل زاد الطين بلة.
كذلك أنت تكون عندك كما قلنا منسوب الشهوة مرتفع، والنفس هكذا حاقنة وتطلب شيئاً من هذه الأمور، فيضحك عليك الشيطان ويغرّك، يقول لك: أعطي نفسك نظرة لعلها تهدا، أعطيها هكذا مقطع قصير لعل هذا الشوق يخف. والمسكين لا يعرف أنه يودي نفسه في المهالك، وأن الشوق سيزداد. نعم، ربما في لحظة معينة تشعر أنك فترت، خاصة إذا قضى الإنسان وطره بطريقة محرمة، يشعر بالفتور والهدوء، لكنها في اليوم التالي ستزداد الحسرة حسرة وسيزداد التعلق أكثر وأكثر.
ويصل الأمر إلى إدمان والعياذ بالله، فيصعب بعد ذلك عليه الانفلات من هذه الشبكة التي أسقط نفسه فيها. فهذا يعني تصديق كلام ابن القيم لما قال: فيرى العبد ما ليس قادرا عليه ولا صابرا عنه. أنت عم تزيد مشكلة بإطلاق النظر مش عم بتحلها، نعم. قال رحمه الله: وهذا من أعظم العذاب أن ترى ما لا صبر لك عنه ولا عن بعضك، ولا قدرة لك عليه. قال الشاعر: وتريد أن تحبس نفسك عنه؟ يعني أنت تري نفسك ما لا صبر لها عنه، تري نفسك شيئاً هي تريده ولكنك لأنك مسلم تعرف أن الوصول إليه هذا الشيء ماذا؟ كبيرة من الكبائر، زنا؛ فتوقع نفسك في قمة العذاب، وكلام النفس لا تصبر على هذا وأنت لا توصلها إلى المعشوق، فما الذي يحدث؟ ألم وحسرة وإلى غير ذلك من الأمور.
نعم، قال الشاعر: وكنت متى أرسلت طرفك رائداً لقلبك يوماً أتعبتك المناظر. رأيت الذي لا كله أنت قادر عليه، ولا عن بعضه أنت صابر. أنت لا تستطيع الوصول إلى كل النساء، ولا تستطيع الصبر حتى عن بعض النساء. نعم، قال رحمه الله: وهذا البيت يحتاج إلى شرح، ومراده أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر على شيء منه، فإن قوله: لا كله أنت قادر عليه، نفي لقدرته على الكل التي لا تنبغي إلا بنفي القدرة على كل واحد. وكم ممن أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلاً! جميلة هذه العبارة من ابن القيم أحفظها، يقول: وكم من مرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلاً! يعني كم من إنسان أردى نفسه في المهالك بسبب كثرة النظر إلى الحرام.
هو كل مرة يعطي نفسه هواها، كل مرة يعطي نفسه هواها؛ كلما طلبت النفس صورة المعشوق أعطاها، فمع كثرة النظر والعياذ بالله أوصل نفسه إلى الوقوع في المهالك والحرام، هذا معنى وهو يتشحط قتيلاً؛ يقصد قتيلاً في الوقوع في ماذا؟ في قمة الفواحش والحرام، لأنه ماذا؟ هو الذي أعطى لنفسه مساحة النظر والتأمل، وكل مرة يقول: أنا لن أجاوز النظر. هو المسكين إيش يقول؟ أنا أمري لا يتجاوز النظر، أنا لا يمكن أن أفعل الحرام أو أن أسقط في الزنا أو الدخول في العلاقات المحرمة، فإذا به يسقط وإذا به ينهار، حتى كما قال ابن القيم يصل إلى مرحلة الهلاك وهو الوقوع بما يغضب الرب سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: كما قيل: يا ناظراً ما أقلعت لحظاته، حتى تشحط بينهن قتيلاً. ولي من أبيات: مل السلامة فاغتذت لحظاته وقفا على طلل يظن جميلا. ما زال يتبع مل السلامة؛ يعني هو لا يريد درب السلامة كأنه ملها، ملها أي مل المحافظة على سلامة نفسه، فماذا فعل؟ أطلق العنان لبصره. نعم، ما زال يتبع إثر لحظاته حتى تشحط بينهن قتيلاً. ومن العجب أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه حتى يتبوأ مكاناً من قلب الناظر. جميل، يقول لك: ومن العجب أن سهم النظر الحرام؛ النظر الحرام هي سهم خرج من عينك، هذا السهم الذي خرج من عينك قبل أن يصل إلى المنظور إليه، قبل أن يصل إلى معشوقك يكون قد قتل قلبك.
لذلك ماذا قال؟ قال: إن لحظة الناظر أي ما أطلقته من البصر هو سهم، هذا السهم لا يصل إلى المعشوق إليه أو المنظور إليه إلا وقد أحدث في قلبك ماذا؟ جرحاً وألماً، فهو يوقع الجرح في قلبك قبل أن تصل إلى ما تريد أن تصل إليه. نعم، قال رحمه الله: ولي من قصيدة: يا رامياً بسهام اللحظ مجتهداً أنت القتيل بما ترمي فلا تصب، وباعث الطرف يرتاد الشفاء له أحبس رسولك لا يأتيك بالعطب. وأعجب من ذلك أن النظرة تجرح القلب جرحاً فيتبعها جرحاً على جرح، ثم لا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضاً في هذا المعنى: ما زلت تتبع نظرة في نظرة في أثر كل مليح وتظن ذاك دواء جرحك وهو في التحقيق تجريح على تجريح.
هذا ما قلته لكم: وتظن ذاك دواء جرحك؛ أنت تظن كلما أطلقت البصر كلما شفيت القلب وسكنت النفس، وأنت بالعكس إيش يقول ابن القيم؟ تزيد الجرح جرحاً، ويزيد الجرح فتقاً. وهذه هي المشكلة التي كثير من الشباب لا يعقلها في هذه المواطن. نعم، قال: فذبحت طرفك باللحاظ وبك فالبقلب منك ذبيح إي ذبيح. وقد قيل: حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات. قال: وهذه أيضاً عبارة جميلة؛ حبس اللحظات، يعني احبس بصرك في البداية أفضل من أن تطلق العينان لبصرك ويبقى القلب يتحسر على مناظر وصور ومعشوق، ويعلم أن الوصول إليها حرام، والنفس تمنيه بالوصول إليها.
مسكين هذا الإنسان يتعذب في المشاهد التي في مخيلته، وكلما أكثرت مخزون الصور في المخيله كلما ازددت حسرة وألماً. يعني يا شاب، أيها الشاب، أيها الفتاه، قد تكون وقعت في بعض النظرات وكلنا يسقط مفروض، لكن حاول قدر المستطاع أن تقلل مخزون الصور في مخيلتك، كلما ازداد مخزون الصور في المخيلة كلما ازدلت حسرة وألماً وتعلقاً ونظراً إلى مفاتن كثيرة، حاول أن تقلل من هذا المخزون على قدر استطاعتك.
نعم، فصل من مداخل المعاصي الخطرات. بعد أن انتهيت من معالجة الباب الأول من أبواب آفات النفس أو مداخل الشيطان وهو اللحظات، سينتقل إلى الخطوة الثانية وهي الخطرات. إذا دخلت الصور إلى داخل العقل الآن اصبحت المهمة أصعب، لأنه الآن أنت ابتداءً كنت تتعامل مع عين؛ المطلوب منها أن تغلق أمام المشاهد المحرمة، الآن الأمور وصلت إلى الدماغ، إلى التفكير، وسيصبح المعالجة أصعب، لأن الصور دخلت ووصلت فكيف الآن سيتعامل العقل الذي هو في القلب أساساً؟ كيف سيتعامل العقل مع هذه الصور؟ كيف؟ هل يستطيع أن يصرفها؟ هل يستطيع أن يتحاشاها ويتغافل عنها؟ نعم يستطيع بإذن الله، لكن الأمر سيكون فيه ماذا؟ مشقة، وأن تعود نفسك وأن تعلمها إذا هجم عليك خاطر السوء كيف تهرب منه.
فإن أكثر الشباب يسقط في هذه المرحلة وهي مرحلة هجوم خاطر السوء وخاطر الشهوة عليه، فلا يحسن التعامل معه ويستسلم بين يديه، فيسقط مرة أخرى ويعود إلى نظرة أخرى وإلى فيلم آخر وصورة وما شابه ذلك. فمعاملة ملف الصور خلينا نقول الذي في الذهن هذه مهمة شريفة وعظيمة، من أحسن التعامل معها بإذن الله وفق إلى كل خير، ومن سقط أمامها المشكلة ستصبح معقدة أكثر وأكثر.
نعم، قال رحمه الله: وأما الخطرات فإنها أصعب، فإنها مبدأ الخير والشر، ومنها تتولد الإرادات والهمم والعزائم؛ فمن راعى خطراته ملك زمام إرادته أن تفعل خيراً أو شراً، وهمتك أن تفعل خيراً أو شراً، وعزيمتك أن تفعل خيراً أو شراً، مبداه من ماذا؟ من الخطرة. فالخطرة هي التي تولد إرادة لفعل الشيء وهمة وعزيمة عليه، سواء في الخير أو في الشر. فلذلك قال: الخطرات هي أساس الأعمال والإرادات بعد ذلك.
نعم، قال رحمه الله: فمن راعى خطراته ملك زمام نفسه وقهر هواه، ومن غلبته خطراته فهواه ونفسه له أغلب، ومن استهان بالخطرة قادته قهراً إلى الهلكات. نعم، من استهان بالخطرة قادته إلى الهلكات والعياذ بالله، وهذا يحدث كثيراً، وهو أن الإنسان يسبح في خاطره ويسبح ويفكر ويحاول الوصول إلى المعشوق في خاطره؛ يقول: إذا لم استطع الوصول إلى المعشوق حسّاً لأن ذلك كبيرة وزناً وفاحشةً، فلا مانع من أن أصل إلى المعشوق بماذا؟ بالعقل والخاطر والتفكير فيه. وكما قال ابن القيم في غير ذلك من الكتب أو في غير هذا من الكتب: أن بعض الناس هانت عليه نفسه فينشغل طوال وقته بخاطر الوصول إلى المعشوق. ما معنى ذلك؟ أنه يفكر دوماً بمعشوقه وأنه جلس معه وحدثه، ونسج قصة رومانسية كذا من الخيال كذا؛ خرجنا نحن وإياها المطعم وجلسنا... مسكين، لأنه يعلم أن الوصول إلى المعشوق حرام، الخروج الحقيقي والزنا الحقيقي كبيرة من الكبائر؛ فيقول: إذا أغلق هذا الباب فلأسرح خاطري لعل الخاطر هكذا يهدا، فيبدا يتخيل قصة كاملة.
مع هذا المعشوق وكيف خرج معه ونزل معه وجلس معه إلى آخر الفيلم، والمسكين لا يعرف أن هذا من أبواب الشيطان، وأن هذا يزيد الألم ويزيد الحسرة؛ لأنك أنت الآن نعم ربما الأمر ما زال في دائرة الخيال، لكن إذا استمر هذا المنوال في يوم من الأيام سيخرج عن السيطرة وستصبح تطلب هذا الخيال أن يكون واقعاً.
وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا، احترم ضعفك يعني لا تتوقع في نفسك القوة وأنك أعلى من الوقوع في الفواحش، فإنما هي خطوات الشيطان، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ، الشيطان ترى هو الذي يقول لك إنه أنت أقوى، الشيطان هو الذي عم يضحك عليك وعم يقول لك إنه أنت أقوى، لا تخاف، فكر واشغل خيالك، أنت ما راح يصبح معك شيء واقعي، لن لن يترجم هذا الأمر زنا، الموضوع فقط في مساحة الخواطر فقط، هو يقنعك أنك أنت أقوى، ثم بعد ذلك تنهار رويداً رويداً.
احترم ضعفك واعلم أنك لست أقوى، وأن هذه الفتن متى سلمتها الزمام شيئاً بعد شيء أهلكت والعياذ بالله.
نعم قال رحمه الله: ولا تزال الخطرات ترد على القلب حتى تصير منى باطلة، قال الله تعالى: منى باطلة، اللي هي كما قلت لكم تصير منى أي أماني للوصول إلى هذا المعشوق والتفكير فيه والخروج معه والولوج معه، وكله باطل يعني لا فائدة فيه، بل هو مهلكة ومفسدة للقلب.
نعم، قال تعالى: كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ.
وأخس الناس همة وأوضع نفساً من رضي من الحقائق بالأماني الكاذبة واستجلب لنفسه وتحلى بها، وهي لعمر الله رؤوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين، يعني هو يتكلم الآن عن كل الأفكار والخواطر الرديئة اللي أنت بتفكر فيها، قال: هي رأس مال مفلس، إنسان بطال ما عنده مشاريع وشيء يقدمه لأمته، يجلس على الفراش يتبطر يطلق العنان لبصره عفواً يطلق العنان لخاطره، فهذا شغل إنسان بطال إنسان، لذلك أيها الأحبة من أكثر الأمور التي تعينك على السيطرة على خواطرك هي أن تكون صاحب مشروع، إنسان عندك أفكار وأهداف تنفذها، من كتب علم تقرأها، من مصنفات تبحث فيها، من متون، من قرآن، من مجالس خير وتزكية، إلى غير ذلك من الأمور.
الإنسان الذي عنده أعمال وإنتاج، الخطرات هذه ترد عليه لكنها لا تمتلكه، أما الإنسان كما قال لك المفلس البطال ما عنده شيء، ما عنده مشروع، ما عنده أي برنامج في الحياة، طوال وقته مستلقٍ على فراشه، هذا ستاكله الخطرات وتاكل قلبه وإيمانه، لذلك من ابتلي بالخطرات عليه أن يصارعها بماذا؟ بالأعمال والمشاريع والنجاحات على أرض الواقع.
نعم، قال رحمه الله: وهي لعمر الله رؤوس أموال المفلسين ومتاجر البطالين، وهي قوت النفس الفارغة التي قد قنعت من الوصل بزورة الخيال، ومن هو لا يستطيع الوصال مع المعشوق فماذا؟ كما قلت لكم اقنع نفسه بزورة الخيال، يقول: هذه المعشوقة لا أستطيع وصالها حقيقة، أما لأسباب دينية عنده مثلاً ما زال وازع ديني، أو لأسباب حسية يخشى من مثلاً المجتمع ونظرة الناس له، أو أنا طالب علم، أسباب كثيرة تمام.
فهو قال لك: ما دام لا أستطيع الوصال على أرض الواقع فلا أقل من زورة الخيال، يسميها ابن القيم إيش يعني زورة الخيال؟ أن يزورها خيالي ما دام جسمي لا يستطيع زيارتها.
نعم، قال: ومن الحقائق بكوا تهذب الآمال، كما قال الشاعر: أمَانِيهِ مِنْ سَعْدَى رِوَاءٌ عَلَى الظَّمَا، سَقَتْنَا بِهَا سَعْدًا عَلَى ظَمَاءٍ بُرْدًا، مُنًى إِنْ تَكُنْ حَقًّا تَكُنْ أَحْسَنَ الْمُنَى وَإِلَّا فَقَدْ عِشْنَا بِهَا زَمَنًا رَغْدًا.
وهي أضر شيء على الإنسان وتتولد من العجز والكسل وتولد التفريط وال هذا، شخص يحب فتاه اسمها سعدى، فهو بضل يفكر فيها فيقول: أمَانِيهِ مِنْ سَعْدَى رِوَاءٌ عَلَى الظَّمَا، أنا بفكر في سعدى وطول الوقت بفكر في سعدى، وهذا التفكير يعني يروي هذا الظماء، فإذا لم يترجم على أرض الواقع وسعدى وصلتني وأنا وصلتها حصلنا ما نريد، وإلا فقد استمتعت على الأقل يعني إذا لم يحصل هذا على أرض الواقع فقد استمتعت على الأقل بماذا؟ بزيارتها في الخيال، وهذا طبعا من شغل البطالين كما قال هذا شغل إنسان بطال لا يفكر بأمته ولا بحاجة هذا الدين إليه.
نعم، قال رحمه الله: وهي أضر شيء على الإنسان وتتولد من العجز والكسل يولد التف هذا، انتبهوا له، كل كلمة هنا توقفني حتى أنا أريدك أن تفهم من أين المشكلة، العجز والكسل، إنسان كسول وعاجز لا يفعل شيئاً في نهاره وليله، برجع بقول ما عنده برنامج، ما عنده تخطيط، ماذا سيفعل من النهار لليل؟ هذا الكسل وهذه الساعات الفارغة هي التي ستورث هذه الخطرات الرديئة.
نعم، قال رحمه الله: وتولد التفريط والحسرة والندم، شرى الحقيقة الحسية حول صورتها في قلبه وعانقها وضمها إليه، فقنع بوصال صورة وهمية خيالية صورها فكره، وذلك لا يجدي عليه شيئاً، وإنما مثله مثل الجائع والظمآن يصور في وهمه صورة الطعام والشراب وهو لا يأكل ولا يشرب.
جميل هذا التشبيه، يقول لك الذي يتخيل صورة فتاة ومعشوق في ذهنه، وكذلك يمكن أن يحصل الأمر في الجنس الآخر يعني يمكن الفتاة هي التي تجلس تتخيل صورة شاب وأنه فعل وفعل، فالكلام ترى أنا أوجّهه للشباب، ولكن فليقس الفتيات هذا الكلام على حالهن أيضاً، هي نفس البلاء يبتلى به الرجل وتبتلى به المرأة، فعموماً يقول الرجل الذي يفكر بفتاه وأنه وصلها وأنها فعلت وخرج معها، كل هذا في الخيال، قال: كمثل جائع، هذا الجائع إنسان جائع حقيقي لو جلس يتخيل الطعام هكذا وأن إنسان أصدر منسف وهكذا ولا هل سيشبع؟ ما خيال ما راح تشبع.
قال فيقول لك: هكذا هو إنسان عطشان ظمآن حقيقي لو تخيل أن هناك شلال من الماء ينزل في فمه هل سيشبع؟ سيروى؟ لن يروى، فيقول لك: هكذا أنت تفعل، أنت ظمآن أنت ظمآن، والشهوات ستبقى ناراً في قلبك، هي جزء من منظومة البلاء التي ابتلى الله بها الذكور والإناث، هذه الشهوة لها طرق شرعية في تفريغها، وما سوى ذلك لو بقيت تفكر من الآن لليوم الثاني بصور وخيالات ترى أنت لن تشبع، أنت تضحك على نفسك وتزيد الحسرة والألم في قلبك.
نعم، قال رحمه الله: والسكون إلى ذلك واستجلابه يدل على خساسة النفس ووضعتها، آه شوف السكون إلى ذلك واجبه يدل على خساسة النفس ووضعتها، ترى هذا يجعل الإنسان ينحرج صحيح لما يسمع ابن القيم يقول هذا يعني استجلابه لهذه الصور وتفكيرك الدائم في مخيلتك أنك وصلتها وأنك فعلت معها و قال: هذا من خساسة النفوس، يعني الذي نفسه خسيسة ووضيعة عليه هو الذي يجلس يفكر في وصال النساء بخياله.
أما الذي نفسه شريفة تطمح إلى معالي الأمور وتفكر في الوصول إلى الله والانس بالله وما الذي ينجيها من عذاب الله، وتفكر في أمتها المكلومة والجراح الكثيرة وكيف يوقظ المسلمين وكيف يفعل مشاعر نافعة، هل هذا مثل هذا بالله عليك إنسان نفسه تفكر بالوصول إلى الله والجنة والخوف من النار وفي الأمة وآلامها وجروحها، كإنسان جالس على فرشه ومخدته يفكر في وصال النساء، هل هذه كهذه النفس؟ لا يمكن، لا يستويان عند الله سبحانه، لا يمكن أن تكون هذه عند الله كذاك يطحن شيئاً نافعاً وهذا يطحن الرديء من الخطرات.
نعم، قال رحمه الله: وإنما شرف النفس وذكاؤها وطهارتها وعلوها بأن ينفي عنها كل خطرة لا حقيقة لها، ولا يرضى أن يخطرها بباله، وأنَف لنفسه منها.
ثم الخطرات بعد أقسام تدور على أربعة أصول: خطرات يستجلب بها منافع دنياه، وخطرات يستدفع بها مضار دنياه، وخطرات يستجلب بها مصالح آخرته، وخطرات يستدفع بها مضار آخرته، فليحرر خطراته وأفكاره وهمومه في هذه الأقسام الأربعة، بقول لك الإنسان الناجح هو الذي تدور خطراته وتفكيره فقط في هذه الأمور الأربعة، جلب مصلحة دنيوية مباحة، دفع مضرة دنيوية، جلب مصلحة أخروية، دفع مضرة أخروية، ها هنا أعطي المساحة لخطرتك، ما بعد ذلك أنت دخلت في المكان الخطأ.
نعم، قال رحمه الله: فإذا انحصرت له فيها فما أمكَن اجتماعه
منها لم يتركه لغيره، وإذا تزاحمت عليه الخطرات لتزاحم متعلقاتها قدم الأهم الذي يخشى فوته، وأخر الذي ليس بأهم ولا يخاف فوته.
بقي قسمان آخر. يعني يقول: فإذا تزاحمت عليك الخطرات الجيدة، اللي هي في هذه الأقسام الأربعة، إذا تزاحمت في عقلك الخطرات الجيدة واستطعت أن تجمع بينها فاجمع. مش هيك عند الأصوليين؟ إذا تدافعت الأمور وتعارضت، إيش أول خطوة؟ الجمع بين الأدلة، لكن هذا جمع بين الخطرات وليس بين الأدلة؛ أن تجمع بين الخطرات، مثلاً تزاحمت خطرات تتكلم عن أمور دنيوية مباحة لي فيها مصالح، وخطرات في أمور أخروية، وأستطيع أن أجمع التفكير في مشاريع دنيا والتفكير في مشاريع أخروية في مجال ما، ما عنا مشكلة.
فيقول: إذا ازدحمت الخطرات واستطعت أن تجمع، اجمع التفكير في دينك ودنياك، و...، يقدم لك الأعلى والأهم. لذلك أعد العبارة.
قال: فإذا حصلت، -طبعا ما هو الأعلى؟ خطرات الآخرة، الأعلى هو خطرات الآخرة- قال: فإذا ان حصلت، قال رحمه الله: فإذا حصلت له فيها فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره. يعني ما استطعت أن تجمع بينه اجمع، ما في مشكلة في حال تزاحمها.
نعم، قال: وإذا تزاحمت عليه الخطرات لتزاحم متعلقاتها قدم الأهم الذي يخشى فوته، وأخر الذي ليس بأهم ولا يخاف فوته. بالتالي هنا إذا لم تستطع الجمع بين كل الخطرات الجيدة، فماذا تقدم؟ ما هو أهم وأولى بصلاح قلبك وعلاقتك مع الله. والخطرات الأخرى وإن كانت مباحه ومشروعه لكنك تؤخرها. هكذا يسوس الإنسان نفسه.
أمور دقيقة شيخ أحمد. مشت الأمور أب على نفس التسجيل السابق يا رب بسم الله.
قال رحمه الله: بقي قسمان آخران؛ أحدهما مهم لا يفوت، والثاني غير مهم ولكنه يفوت، ففي كل منهما ما يدعو إلى تقديمه، فهنا يقع التردد والحيرة. فإن قدم المهم خشي فوات ما دونه، وإن قدم ما دونه فاته الاشتغال به عن المهم، وذلك بأن يعرض له أمران لا يمكن الجمع بينهما ولا يحصل أحدهما إلا بتوفي.
يعني هو يقول: وين بتصير القضية شائكة في مزاحمة النفس لما تأتيك أشياء مهمة لكنها لا تفوت، يعني بطبيعتك يمكن تحصلها في أي وقت. هذا معنى لا تفوت؛ يعني أمور مهمة لكن تستطيع أن تحصلها بشكل دائم. وفي المقابل جاءت خطرة ليست كثير مهمة، لكنها ماذا؟ تفوت، يعني هي لها وقت معين وتزول.
يعني مثلاً جاءت خطرة تتعلق بأمور الآخرة، في مثلاً عندنا قراءة كتاب علمي الآن، هذا الكتاب ممكن تقول والله إذا ما حضرت الشيخ بينزله هنا على اليوتيوب، لكن في هذا الوقت الدرس في شيء هو غير مهم، لكن إذا ما فعلته راح يفوت، خلص. يعني مثلاً في جلسة مع أخ مثلاً لم أره منذ مدة، أو ضيف أتاني من سفر. فهنا ما الذي تعارض؟ أمر مهم، وهو مجلس خير ومجلس علم وشرح كتاب وفيه فوائد وكذا، لكنه ايش يقول لك؟ لا يفوت.
إيش يعني لا يفوت؟ يمكن استدراكه. هذا معنى أنه لا يمكن استدراكه وتحصيله، أو ممكن الشيخ يعيد الدورة أو ما شابه ذلك. وهناك في المقابل أمر غير مهم، لكنه سيفوت إذا لم أفعله الآن. غير مهم مش يعني غير مشروع، لا هو مشروع ومطلوب، لكن ليس على درجة عالية من الأهمية.
كما قلت: والله زميل لك لم تره منذ 20 سنة جاء من سفر، الآن هل هذا في درجة أهمية حضور كتاب فيه نفع لقلبك وصلاح لدينك؟ أكيد ليس بنفس المنزلة، لكن شو المشكلة؟ كما قلت إن الدرس أو الفائدة لا تفوت، يمكن استدراكها، وهذا الصديق ربما، صح ليس بذاك الأهمية، لكن هي ساعات ربما وسيسافر أو لن أره بعد ذلك، فهنا يصبح الإنسان يحاول ايش يقول لك: عددد وقاربوا، هل أقدم المهم مع أنه لا يفوت لو آخرته، أم أقدم غير المهم لأنه سيفوت إذا تركته؟
فيقول هنا ابن القيم: وهذه مساحة للعقل فيها موازنة، ممكن شخص يقول لك لا أنا بدي أقدم المهم حتى لو فاتني غير المهم، وممكن شخص يقول لك لا، أنا بدي أقدم الآن غير المهم لأنه سيفوت، والمهم أستطيع أن أستدركه بعد ذلك ما دام لا يفوت. فهمتم يعني وين هاي؟
فيقول: هذه فيها مساحة للاجتهاد. وكلهم، وهذا يصب يعني كل انسان اكيد يصاب بشيء من هذا، ممكن الشخص مثلاً وقت الدرس يكون عنده هذا اليوم اختبار اليوم التالي، هذا الاختبار غير مهم صح؟ الاختبار غير مهم، لكنه ماذا؟ يفوت، يعني يا برسب يا راحت، وهناك مجلس علم وهو أهم، لكن الشيخ ما شاء الله بجل لنا أحضر الدرس ولا أدرس الاختبار، مثل هذه الأمور تاتي على الإنسان.
نعم قال رحمه الله: فهذا موضع استعمال العقل والفقه والمعرفة. هنا أنت عقلك وموازنته وفهمك بيساعدك على اختيار أو تقديم ما هو الأولى.
نعم، قال: ومنها هنا ارتفع من ارتفع، وانجح من انجح، وخاب من خاب، وأكثر من ترى ممن يعظم عقله ومعرفته يؤثر غير المهم الذي لا يفوت على المهم الذي يفوت، ولا تجد أحداً يسلم من ذلك، ولكن مستقل ومستكثر.
يعني يقول لك حتى الناس الأفاضل كثير منهم يقع منهم في بعض الأحيان إيثار ماذا؟ غير المهم الذي ماذا؟ لا يفوت أصلاً، يعني فهمت علي؟ قال يعني هو يقول لك كثير حتى من الناس الأفاضل ممن عظم عقله للاسف يقع منه تقديم لايش؟ لغير مهم ولا يفوت لسه هذه أسوأ وأسوأ، يعني أنت قدمت شيء غير مهم وهو لا يفوت يمكنك تحصله، يقدمه على مهم ويفوت. أنتم شايفين هو ايش التقسيم؟ في مهم يفوت، ومهم لا يفوت بامكانك تاتي به في أي وقت، والغير مهم نفس الشيء ينقسم: غير مهم يفوت، وغير مهم لا يفوت.
فيقول لك: أرذأ الأنواع أنك تقدم ماذا؟ أن تقدم شيء غير مهم وهو لا يفوت، تقدمه على شيء مهم ويفوت. تمام؟ يعني بدك تخرج مع أصحابك على مطعم، وفي نفس الوقت مجلس علم أو كتاب يجب تقراه، وتعرف أن الشيخ لا يصور الدرس ولا يسجل، أنت الآن بين امرين: غير مهم ولا يفوت لأنك بتقدر تروح على المطعم في أي وقت غير وقت الدرس، فموضوع المطعم أصلاً هو غير مهم ولا يفوت يمكنك أن تفعله بعد ذلك، قدمته على مجلس علم مهم وهو غير مسجل فيفوت، فهذا بخس حقه.
يعني هذه تصرفات ويمكن أن تصدر من بعض الفضلاء، والانسان يعني يضعف في بعض الأحيان، لكن إياك أن يكثر منك هذا النوع الرابع. إياك أن يكثر منك هذا النوع الرابع، حاول أن تكون من أصحاب النوع الأول أو الثاني أو الثالث بناء على الأمور التي ظهرت لكم في الموازنة والمقارنة.
نعم، قال رحمه الله: والحكم في هذا الباب للقاعدة الكبرى التي عليها مدار الشرع والقدر، واليها يرجع الخلق والأمر، وهي إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما، وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها. قال: فيفوت مصلحة ليحصل ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها. وهذا مهم جداً في ترتيب البرنامج اليومي والحياة.
هذه القاعدة: قاعدة تحصيل أعلى المصلحتين، يقول لك ابن القيم يعني صحيح الفقهاء بيستعملوها في الكتب للأحكام الشرعية، لكن أنت عليك أيضاً أن تطبقها وتبرمج عليها حياتك وتخطيطك لمشاريعك اليومية. قاعدة أعلى المصلحتين، كل ساعة لك فيها مصالح تتزاحم، صح أفعل كذا ولا أفعل كذا، أروح هون ولا أروح هون، فلان جاي وفلان جاي أروح هنا ولا... وبقول لك ابن القيم: قاعدة أعلى المصلحتين تقدم، هذه القاعدة ليست فقط فقهية بل قاعدة حياتية أيضاً عظمى، أنه في تخطيطي لبرنامج اليومي علي أن أعرف ما هي أعظم المصالح لأقدم في هذا اليوم، وما هي أدناها فأخبرها، هكذا يكون يومك منتج، والمسكين هو الذي دائماً يقدم أدنى المصالح ويبيع أعلى المصالح، فهذا مغبون.
نعم، قال رحمه الله: فخطرات العاقل وفكره لا تتجاوز ذلك، وبذلك وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم.
إلا على ذلك، وأعلى الفكر وأجلها وأنفع ما كان لله والدار الآخرة، فما كان لله أنواع. إذاً، الآن سيقول لك ابن القيم قاعدة: أعظم أنواع الخطرات هي الخطرات التي تفكر في أسماء الله وصفاته وأفعاله، وتفكر في الدار الآخرة؛ هذه أعلى وأجل أنواع الخطرات. ثم سيبدأ يفصل أكثر، فقال: فأما الخطرات التي تفكر في ذات الله سبحانه، أو في الله سبحانه فهي أنواع. أولاً قال رحمه الله: فما كان لله أنواع؛ أحدها: الفكرة في آياته المنزلة وتعقلها وفهم مراده منها، ولذلك أنزلها الله تعالى لا لمجرد تلاوتها، بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أنزل الله القرآن التلاوة والحفظ كلاهما.
هنا ابن القيم يقول لك: أولاً، أول أنواع التفكير في الله، ما أول نوع من أنواعه؟ أن تفكر في آيات القرآن وأن تتدبر، وأما مجرد التلاوة أو الحفظ للقران بدون تفكر وتدبر فهذا لا يصل بك إلى المقصد؛ فالحفظ وسيلة، وأما المقصد والغاية والفهم والتعقل عن الله. نعم، قال بعض السلف رحمهم الله: أنزل الله القرآن ليعمل به، فاتخذوا تلاوته عملاً. شوف هذا الكلام خطير! يقول الله سبحانه: أنزل القرآن من أجل ماذا؟ ليتفكروا. فماذا فعلهم؟ قصروا فجعلوا خلاص أقصى ما يمكن أن يصل إليه هو تلاوته. تمام، أقصى ما يصل إليه هو ماذا؟ تلاوته، وإن كان المطلوب ماذا أيها الأحبة؟ ليس أن أتلو القرآن تلاوة لا فيها تدبر ولا تورث عملاً، يعني هذا ذم للتلاوة الذي يقتصر على علاقته مع القرآن أنه يتبرك به؛ بيجي الصبح بقرا له صفحتين قرآن، الحمد لله رب العالمين. فهمتهم؟ لا، ما فهمتهم. طيب ايش بتعمل؟ قال: بنبرك كلام ربنا، اخي أكيد الله عز وجل كلام فيه البركة والخير، لكنك أنت لم تحقق المقصود، ليس المقصود أن تتخذ القرآن فقط تلاوة، هذه فقط وسائل، وإنما المقصد من انزال هذا الكتاب من فوق سبع سماوات أن يتلى ليفهم وليعمل به.
إذاً، قال بعض السلف: أنزل الله القرآن ليععمل به، فاقتصر بعض الناس على ماذا؟ فقط على تلاوته، واما منهج حياته فليس له علاقة بالقران؛ مشاريع محرمة ومال حرام ونظر حرام. ايش علاقتك بالقران؟ قال: انا فقط أتلوه، وأما أن أتدرجه واقعاً عملياً فهذا ليس من شأنه، فهذا أول تقصير. نعم، قال رحمه الله: الثاني: الفكرة في آياته المشهوده والاعتبار بها، هذا نوع آخر أنت من انواع التفكر في الله. إذاً النوع الأول من انواع التفكر في الله: التفكر في ماذا؟ في آياته المسطورة القرآن. النوع الثاني: التفكر في آياته المشهودة، وهو الكون في سمائه وأرضه وجباله وبحاره وأفعاله سبحانه، وأفعاله في هذا الكون وتطلب لها الحكم وتنزيلها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى.
نعم، قال: والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وأحسانه وبره وجوده، وقد حظ سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك. قال رحمه الله: الثالث: الفكرة في آلائه واحسانه وانعامه على خلقه بأصناف النعم وسعة رحمته ومغفرته وحلمه. وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجائه، ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يصبغ القلب في المعرفة والمحبه صبغة تامة. يعني أنا اتحداك أن يكون إنسان عاكف على تدبر القرآن، وعلى تدبر الآيات المشهودة، وعلى التفكر في آلاء الله، وتجد في نفسه وفي عقله مساحة الخطرات الرديئة. هو بيقول لك يا اخي عبي عقلك الخطرات النافعة، لا تظلك اخي تفكر في النساء والشهوات والملذات، لابد يكون هناك بديل للخطأ السيء. ما هو البديل؟ الخطرات النافعة. وما أجل الخطرات النافعة؟ التفكير في الله والدار الآخرة.
طيب ما معنى أن أفكر في الله؟ قال: أن تفكر في آياتك وتعكف بقلبك عليها مستخلصاً ما فيها من المعاني، أن تنظر في أفعال الله في هذا الكون وتتطلب لها الحكم، أن تنظر في نعم الله عليك وما أسبغ عليك وتربط طبعاً كل هذه الثلاث باسمائه الحسنى وصفاته ليتجلي لك المشهد. هكذا استبدلت الخطرات الرديئة بخطرات جيدة. شوفوا العقل لابد يطحن، يعني العقل لا يصل لمرحلة السكون أنه لا يطحن خطرات رديئة ولا خطرات نافعة؛ لا، كما قال علماء السلوك: النفس والعقل لابد يطحن كالرحى التي تدور شو ما تحط فيها بطحن، إذا حطيت فيها شهوات وصور نساء وكذا سيطحن وسينتج لك والعياذ بالله إنتاج رديء، وأما إذا وضعت في الطاحون الأفكار النافعة والخطرات الجيدة والتفكير في الله سيطحن ويخرج لك إنتاج نافع، فأنت وما تضع، فانت وما تضع للطحن!
إياك أن تعتقد أنك ستصل، يعني بعض الشباب يقول لك: أنا بدي أترك الخطرات الرديئة خلص، لكنه ايش يظن؟ يظن أنه خلص، أنا بس المطلوب أترك الخطرات الرديئة، أما أني اشتغل بالعلم وشيخ والله حضور مجالس التفسير والتزكيه بالله سامحني أنا صعب، أنا مشغول، آه! هذا برايكم سينجح في تجاوز الخطرات الرديئة؟ لا! ليه؟ يعني إيا، يعني مش بتقول: إياك من الخطأ أن تتخذ قرار ترك الخطرات الرديئة ولم تستبدل هذه الخطرات بأفكار صحيحة؛ لازم يتم استبدال مش فقط إزالة، فهمت؟ مش فقط إزالة للخطرات الرديئة، لا يمكن لا يمكن أن تقتصر على الإزالة فقط، هذا بعض الشباب عمله خاصة موظفين أو كذا في شركات أو مؤسسات، إذا مثلاً وقع في فساد أخلاقي أو سلوكي ياتيك يقول لك: أنا يا شيخ بدي أتوب وبدي أترك هاي الأفكار، طب ممتاز، بدي أترك هاي الأفكار. طيب يا فلان، طيب ليش ما تجي تحضر مجالس العلم والخير ويكون لك رفقة صالحة تفكر أنت وإياه في امور نافعة؟ بقول لك: والله اخي ما عندي وقت! ما هو لا بدك تصنع الوقت؛ لأنه أنت لا يمكنك أن تعالج نفسك بقرار أنه بدي أرفع هذه الخطرات الرديئة بدون ما تضع في الطاحونة أفكار نافعة، والأفكار النافعة لن تأتيك إلا من مجالس الخير وملازمة أهل العلم وملازمة الصالحين، لن تأتيك إلا بهذه الطريقة.
فهذا منهج علموه للناس: إذا جاءك شخص وقال لك: أنا اريد أن أترك خطرات الرديئة، فهمه الطريقة، قول له: لازم تستبدل، أما مجرد إزالة لن يصلح؛ بعد شهر شهرين ستضعف وستعود إلى الخطرات الرديئة وبتراجع تطحن أفكار، ولذلك ينتكس من ينتكس مرة أخرى. كثير من الشباب يتخذ قرار العودة إلى الله ممتاز، لكنه لا يعبي ولا يستبدل، فقط أنه بدي أترك هاي المعصية؛ يوم يومين شهر شهرين، ثم بعد ذلك ايش بصير؟ بسقط مرة أخرى لماذا؟ لأن المسكين لم يقم بعملية الاستبدال، وإنما حاول فقط أن يزيل ما في الطاحونة، والطاحونة بتقول لك: أنا بدي أطحن، أنا بستحمل لك شهر شهرين تخليني فاضي ممكن، لكن بعدين ما بزبط، بدي أطحن! فأنت إذا لم تستبدل بأفكار جيده تطحن طاحونة العقل، ستعود النفس وتطلب الخطرات الرديئة لتستمر عملية الطحن مرة أخرى، فهذه من سياسة النفس المهمة حتى لا تخادع نفسك في هذا الملف.
نعم، قال رحمه الله: الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل، وهذه الفكرة عظيمة النفع وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى كسرت عاشت النفس. هذا ما زال إذا هو في مقام سرد الخطرات التي تكون لله، ذكر أول ثلاث أنواع، ثم ما زال يتبعها بنوع رابع وخامس. نعم قال الفكرة في عيوب النفس، جعل ذلك من قبيل ماذا؟ من قبيل التفكير في أمور الله؛ باعتبار أن النفس الأمارة بالسوء هي التي تصرفك عن الله، فهكذا هو جعل قضية التفكير في الله مفهوم عام: كل ما يقربك من الله هذا من التفكير في الله، وكل ما يبعدك عن الله أن تفكر في كيف أبعدك هذا من التفكير في الله تماماً. فإذا هو عمم مفهوم التفكير في الله بهذه النقاط.
نعم قال رحمه الله: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفي عيوب العمل، وهذه الفكرة عظيمة النفع وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى كسرت عاشت النفس المطمئنة وانتتعشت، وصار الحكم لها فحي القلب، ودارت كلمته في مملكته وبث أمراءه وجنده في مصالحه. قال رحمه الله: الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع
الهم كله، عل وهذه قضية مهمة. بس هي الفكرة الرابعة اختصرها دائما: عليك أن تتهم نفسك بالنقص؛ لأنه هي علاج المشكلة شعورك بالنقص. بعض الناس ترى هو مش عارف إنه عنده نقص، بعض الناس يتعامل مع نفسه إنه أنا ما عندي مشاكل يا شيخ، هو خلص مقتنع تماما أنه لا يعاني من أي مشكلة إيمانية. هذا بحد ذاته هو أول درجات الخسران؛ وهو عدم إدراكك إنه لا يمكن أن لا يكون عندك عيوب، كلنا جبل على نقص وعيوب. فالسلف لما أشغلت عيوبهم وصلوا إلى الكمالات الإيمانية، وأما نحن فلأننا نظن زورا وبهتانا أننا في حالة كمال إيماني ولا نعي ولا نوقن أننا في نقص نبقى في ماذا؟ في نزول إيماني وليس في ارتفاع وصعود.
نعم، قال رحمه الله: الخامس الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه. قال العارف: ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، وإن ضيعه لم يستدركه أبدا. قال الشافعي رضي الله عنه: صحبت الصوفية فلم استفد منهم سوى حرفين. أحدهما -قال الشافعي بقولك صاحبت الصوفية سنوات لما استفدت منهم إن كلمتين جزاهم الله خيرا عليها، ما هي؟- قال أحدهما قولهم: الوقت سيف، فإن قطعته وإلا قطعك. وذكر الكلمة الأخرى: ونفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك بالباطل.
صحيح، قال رحمه الله: فوقت -وهذا، قال- نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بايش؟ بالباطل. هي نفس فكرة الطاحون اللي كنت أقول لكم إياها، هي النفس بدها تطحن، يا بتطحن حق، يا بتطحن باطل. فإذا أنت ما عبيتها بأفكار صحيحة ومشاريع نافعة، أبشر بسوء صبيحة، ستعبى بماذا؟ بالأفكار الرديئة، ما في مجال.
نعم، قال رحمه الله: فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم. وهو يمر أسرع من مر السحاب، فمن كان من وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا في حياته، وإن عاش فيه عاش عيش عيش البهائم. فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير له من حياته.
قال رحمه الله: وإذا كان العبد وهو في الصلاة ليس له من صلاته إلا ما عقل منها، فليس به من عمره إلا ما كان فيه بالله ولله. وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فإما وساوس شيطانية وإما أماني، أماني باطلة. يعني بعد أن ذكر هذه الأقسام الخمس قال: وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر فهي أما ماذا -نعود إلى أصل العبارة- فهي وساوس شيطانية وأماني باطلة وخدع كاذبة بمنزلة... نعم، قال: بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والحشاشين والموسوس.
ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق: إن كان منزلي في الحشر عندكمو * ما قد لقيت فقد ضيعت أيامي أمنية ظفرت نفسي بها زمنا * واليوم أحسبها أضغاث أحلامي
يعني كثير من الناس عندما يقف بين يدي الله يوم القيامه سيجدون الحسرات، يكتشف أنه أنا عشت 60 سنة نعم 50 سنة، لكنني كنت على هامش الحياة، كنت إنسان فقط على أريكتي أفكر في خطرات رديئة، وأفكر في وصالي مع معشوقين، وأفكر... ما قدمت فكر منتج لهذه الأمة، ما أنجح شيء في عالم الحياة. ومتى سيعرف الثمن؟ خاصة من هو في غفلاته، عند الموت وعندما يرى الرابحين يوم القيامة فازوا عند الله بالمنازل العليا، والمسكين خرج بخفي حنين -هذا إذا لم يدخل النار بسبب الأفكار الرديئة والعياذ بالله-.
سيجد الإنسان حسرات عندئذ؛ أنه أنا ماذا فعلت خلال هذا الوقت؟ وشريط الحياة، ماذا كنت أفعل؟ معقول أني أنا أجلس 30 40 سنة فقط همي أن أصل فتاة، وأن أتخيل امرأة، وأن أصل معشوقا، وأن أكل في مطعم، وأن أخرج سياحة؟ هذه فقط الحياة هكذا ترجمت هذا العمر؟ مسكين الذي يفكر بهذه الطريقة إخواني، مسكين! ولن يدرك مسكنته الآن إلا أن يقظه الله، لكن متى سيدركها؟ عندما كما قلت يرى الرابحين وقد فازوا عند الله بالمراتب العليا، وهو -إذا دخل الجنة- فهو في أدنى منازلها، وهذا إذا لم يدخل النار بسببه والعياذ بالله ما ارتكبه من المعاصي والذنوب.
نعم، قال رحمه الله: واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته. طيب، هذه قاعدة مهمة. ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى واعلم أن ورود الخاطر لا يضر وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته؟ اه حبيبنا، تجمل فهذه لا تضرك، ومتى تضرك الخواطر؟ إذا -وبدي تشرع عبارته- متى؟ إذا استدعيت، إذا... أحسنت. يقول لك الآن قضية أنه لا يأتيك خاطر من المعاصي والذنوب هذا لا يمكن، قضية أنه لا يرد عليك خاطر وأنت تسير في طريقك إلى الله هذا لا يمكن؛ لأن الشيطان هي شغلته الشغلانة أن يأتيك بهذه الخواطر.
فيقول لك: إذا ورد الخاطر، ورود هذا لا يضرك باذن الله. لكن أين المشكلة؟ أن تستجلب أنت الخاطر، كما قلنا تجلس على فراشك وتقلب نظرك هكذا وأنت تحاول أن تستحضر تلك الصورة، الصورة يا اخي مغلقة عليها مين قال لك تفتح عليها الباب؟ لا، بعض الشباب هو اللي بده يفتح الباب وهو بده يستدعي الصورة وهو بده يصير يفكر، لا، هذا اللي بيضر. نعم، فإذا يقول: واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر الخواطر التي أنت تستدعيها، هي مغلقة عليها وأنت حضرتك يعني جهزت كاسة الشاي وجلست من أجل أن تستدعيها وتحثها على على الورود وتبدا في رحلة الخيال التافهة التي تعيش أو التي تعيشها، فهذا هو الذي يضر.
قال: وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته -اللي هي كما قلنا نسج القصة الخيالية مع تلك المعشوقة-. نعم، فالخاطر قال رحمه الله: فالخاطر كالمار على الطريق، فإن لم تستدعه وتركته مر وانصرف عنك. قال هيك الخاطر، الخواطر السيئة مرار طريق، إذا أنت خليته ماشي لحال، واحد مار في الطريق لا بتعرفه ولا بيعرفك، مش هو بشف طريقه وأنت ماشي في طريقك يا اخي؟ أما إذا أنت قلت: يقف يا فلان، تعال تعال! اه، هنا هنا ستبدأ المشكله، أن ستبدأ معه حوار وتشكل معه علاقه.
فيقول لك الخاطر: خليه يمر، فهو مرار طريق لا توقفه ولا تستدعيه. إذا استدعيت مرار الطريق ووقفت معه، اي نعم، سيصبح بينك وبينه علاقة وأنت بتاخذ رقمه وهو بيخذ رقمك، وتبدا والعياذ بالله رحلة من الآلام المضنية. نعم، قال رحمه الله: وإن استدعيتَه سحرك بحديثه وخدعه وغروره. نعم، وهو أخف شيء على النفس الفارغة الباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة.
يعني النفس الشريفة تنفر من الخواطر الرديئة، خواطر البطارية بقول لك: يا اخي، أنا فاضي اقعد أتكلم أفكر في معشوق وأنني وصلته وخرجت معه؟ قال: هذه مش شغلتي، أنا شغلتي أقرا وأستفيد وأنتج للأمة وأقدم شيئا نافعا. أما النفس البطالة، نعم، تحب هذا النوع من الخواطر وتستلذ به، فعرف أين أنت. نعم، قال رحمه الله: وقد ركب الله سبحانه في الإنسان نفسين: نفسا أمارة ونفسا مطمئنة، وهما متعاديتان. فليس على النفس الأمارة أشق من الإخلاص لله والعمل لدين الله، إن النفس الأمارة تكره هذا تمام الكرة وتراه شاقا عليها.
نعم، قال: وليس لها شيء أنفع منه، وليس على النفس المطمئنة اشق من العمل لغير الله وإجابة وإجابة وإجابة داعي الهوى. وأما النفس المطمئنة فأشق شيء عليها هو أن تجيب داعي هواك وأن تترك العمل لله. فإذا نفسك في أي المساحة؟ هل أنت ممن استقرت نفسه فأصبحت مطمئنة، أم أنت مازلت في حيز النفس الأمارة؟ هي هي حقيقة نفس واحدة، لكن في مرحله تكون أمارة، فإذا هذبتها وزكت انتقلت إلى ماذا؟ إلى نفس مطمئنة.
ليس المراد أنه أنت في داخلك نفسين، نفس هون أمارة ونفس هون مطمئنة، لا، هي نفس واحدة، لكن في مرحلة معينة إذا كنت مسرف على نفسك بالذنوب والمعاصي وضعيف العلاقة بالله والأوراد وما شابه ذلك تكون في حيز النفس الأمارة فتجدها تلتذ بالمعاصي والآفات والهوى وما شابه ذلك وتكره العمل لله. فإذا شغلت على نفسك، تعبت عليها، زكيت بالأوراد والأذكار والقرآن ومجالسة الصالحين... ترتقي من أمارة لتصبح ماذا؟ مطمئنة. وعندئذ...
يتبدل حالها إذا أصبحت مطمئنة، تصبح تكره العمل لغير الله، تصبح تكره الهوى، وهذا معنى قوله تعالى: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. النفس المطمئنة هي التي تكره الكفر والفسوق، لأنه بعض الناس بيقول لك: كيف يعني الإنسان يكره العصيان؟ أليست هذه أمور محبوبة الوصال للمعشوقين وما شابه ذلك؟ للنفس المطمئنة هذه مكروهة، وأما للنفس الأمارة بالسوء نعم الشهوات محبوبة ومرغوبة، فإن يصل الله بك إلى هذه المرحلة أن تكره الكفر والفسوق والعصيان هذا معناه أنت في خير عظيم؛ لأنك انتقلت من النفس الأمارة إلى النفس المطمئنة وأصبحت تكره المعاصي وتتركها وتنفر منها وتأن وتقرف وتشمئز من هذه الحالة، هذه من أعظم النعم التي يمكن أن يسبغها الله على عبده.
نعم، قال رحمه الله: وليس عليها شيء أضر منه، والملك مع هذه عن يمنة القلب والشيطان مع تلك عن يسرة القلب. مع هذه أي مع المطمئنة، الملك مع النفس المطمئنة والشيطان مع النفس الأمارة. نعم، قال: والحرب مستمره لا تضع أوزارها إلا أن تستوفي أجلها من الدنيا. آه، يعني الحرب بين النفس الأمارة والمطمئنة وبين الملك والشيطان حرب على أشدها حتى تلفظ آخر نفس من أنفاس الحياة، لن تنتهي. وبالتالي هل يمكن أني أكون في مرحلة معينة نفسي أمارة بالسوء ثم انتقل إلى مطمئنة ثم أرجع في أيام وتصبح ترجع أمارة ثم انتقل لمتطمئنة؟ أي نعم، يمكن أن تتراوح.
بعض الناس هو راسخ في النفس الأمارة بالسوء، وبعض الناس راسخ في النفس المطمئنة، وأكثر الناس خلطوا عملاً صالحاً وآخراً سيئاً، فأحياناً يكون في النفس الأمارة وأحياناً يعلو ثم ينزل ثم يعلو، فهي معركة أحياناً تكون الدولة هنا وأحياناً تكون الدولة هنا. نعم، قال رحمه الله: والباطل كله يتحيز مع الشيطان والأمارة، والحق كله يتحيز مع الملك والمطمئنة. كل معاني الباطل في هذا الوجود من شياطين الإنس وشياطين الجن كله متحيز للنفس الأمارة، وكل دعاة حق والكتب النافعة والبرامج النافعة وأي شيء يقودك إلى الله كله مع حزب النفس المطمئنة.
نعم، قال رحمه الله: والحرب دول وسجال، والنصر مع الصبر، وَمَن صَبَرَ وَصَابَرَ وَرَابَطَ وَاتَّقَى اللَّهَ فَلَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وقد حكم الله حكماً لا يبدل أبداً أن العاقبة للتقوى والعاقبة للمتقين. فالقلب لوح فارغ، والخواطر نقوش تنقش فيه، فكيف يليق بالعاقل أن تكون نقوش لوحه ما بين كذب وغرور وخدع وأمانيه باطله وسراب لا حقيقة له؟ فأي حكمه وعلم وهدى ينتق مع هذه النقوش؟ وإذا أراد أن ينقش ذلك في لوح قلبه كان بمنزله كتابه العلم النافع في محل مشغول بكتابة ما لا منفعة فيه، فإن لم يفرغ القلب من الخواطر الردية لم تستقر فيه الخواطر النافعه.
جميل، هذه أيضاً فكرة أخرى في موضوع الخواطر، وهو أنه يصور لك القلب كاللوح، الآن اللوح أنت وما تعبئه، إذا كتبت على اللوح نقشت عليه الخداع والكذب والنظر للحرام وما شابه ذلك، وأصبح اللوح معبئاً في حالة تعبئته وأنت لم تمسح ما عليه، هل يمكن أن تعبئه بشيء آخر؟ لا، خلص اللوح الآن مكتوب عليه، مكتوب عليه نظرات وصور وكلمات محرمة.
فاللوحة ثم بعد ذلك تعال قل لي: بدي أضع الخواطر الممتازه؛ لأنه بعض الشباب بقول لك: أنا والله يا شيخ بدي أتوب إلى الله، وفعلاً بدي أغير وأبدل في حياتي، ايش أسوي؟ تمام، أصير أحضور مجالس العلم وكذا وكذا، بس أنا في كم معصية بدك تصبر علي شوي؛ لأنه يعني حتى أفكر أني أتركهم. بقول: أخي، ما بضبط أنك تحضور لي مجالس العلم والخير والصلاح وتبدأ تقول لي: أنا أريد أقرأ القرآن وكذا، وأنت مصر على أن يبقى اللوح معبئاً! يعني أنت تريد أن تأتي بمعالم الإيمان وتنقش على اللوح بس المشكلة إيش اللي عم بتصير؟ أنه لما تأتي معالم الإيمان لتنتق لا تجد مكاناً، اللوح معبأ! يا أخي، اقلع عن الذنوب والمعاصي وتب إلى الله واترك هنا، أنت بتترك مساحة في اللوح حتى تأتي معاني الإيمان لتنتقي فيه. فقضية أنه أنا بدي أبقى مصر على بعض الذنوب بس في المقابل والله هيني بعمل أشياء منيحة يا شيخ وال بقرا قرآن؛ آه، نعم أنت بتضحك على نفسك هنا؛ لأن لوحك معبأ، هذا القرآن وهذه المعاني هي لا تعب، هي لا تبني لأنك مصر على ذنوبك ومعاصيك. إذا اردت أن تنتفع من الطاعات كما يقول لك ابن القيم: امسح اللوح باختصار.
نعم، قال رحمه الله: فإنها لا تستقر إلا في محل فارغ، كما قيل: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً فارغاً فتمكن. وهذا كثير من أرباب السلوك، أي شيء، سلام، رحمة، أي شيء يأتيك على قلب فارغ يتمكن منه، فما هو أسبق إلى قلبك هو الذي يكون أسبق في التمكن. يقول: أتاني هذا بيت يشدون به كثيراً علماء السلوك، أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكن. لما يكون قلبك خالي ما فيش أي تعلقات ولا شيء على اللوح، أول شيء بيجي على اللوح بمكن منه صح؟ أي شيء يسبق هو الذي سيتمكن إلى المكان الفارغ، عندك هنا نقطة فارغة، أول طالب ياتي فيها هو الذي سيجلس، فيقول: أول وحدة أنت مثلاً لم تعرف طعم الحب، مكان الحب عندك فارغ، ممتاز! فيقول: أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكن، يعني قلبي ما كان في مكان للهوى، فهذه أول مقبوبة أحببتها دخل هواها في قلبي، فلما جاء هواها لم يجد هوى يزاحمه فجلس مرتاح وقعدت.
فأنت ما الذي سيسبق إلى قلبك؟ هل سيسبق حب الله أم سيسبق حب المخلوقين والتعلق بهم؟ إذا سبق حب الله إلى قلبك تربى على عرش القلب، فاذا جاءت بعد ذلك تعلقات وصور أخرى محرمة لن تجد مكاناً؛ لأن القلب مزدحم بحب الله، لكن المشكلة هي أنه يكون اللي سبق إيش العكس؟ أنه يكون اللي سبق إلى قلبك حب المعلوم والمعشوق والصور، عندئذ ستربى على عرش قلبك؛ لأنها وجدت القلب خالي، فإذا فكرت بعد ذلك أن يأتي حب الله ليأتي ويرث بقلبك والانس بالله هو عندما يرد لن يجد مكاناً فارغاً، سيقول لك القلب: هذا مشغول، أنت بتفكر بفلانة وعلانة وخاطرك هنا وهناك، لا يمكن أن يأتي حب الله على قلب مشغول، فتي فكرة ماذا؟ امسح اللوح، أخرج ما في قلبك لياتي شيء آخر ليحل محله. هي هكذا الحياة، هذه قواعد إخواني ترى هي قد تكون لبعضكم واضحة، لكننا قليل ما نلتزم بها، يعني الكلام سهل كما يقولون، الكلام سهل لكن المشكله في التطبيق والقدرة على إخراج هذه المحبوبات من القلب وتنظيف اللوح وجعل الشيء النافع هو الذي يحل، هذا الذي يحتاج إلى دربة ومجاهدة.
نعم، قال رحمه الله: وكثير من أرباب السلوك بنوا سلوكهم على حفظ الخواطر، وأن لا يمكنوا خاطراً يدخل قلوبهم حتى تصير القلوب فارغة. يعني كثير من علماء السلوك بدايتهم في تربية طلابهم يقولوا ايش؟ احفظ الخواطر، وهو يتكلم بها الحارث المحاسبي وغيره، احفظ الخواطر، انتبه لخاطرك؛ لأنه أساس الأمور بعد البصر الخواطر، الذي يحسن إدارة الخواطر أنا أقول لك: حياتك ناجحة بإذن الله، والذي يفشل في إدارة الخواطر سيرسب.
نعم، قال رحمه الله: حتى تصير القلوب فارغة قابلة للكشف وظهور حقائق العلويات فيها. نعم، مشك بقول إخواننا الصوفية بقول لك: كيف سيفتح لك باب العلويات والنظر في الفناء وغير ذلك من عباراتهم؟ يقول لك: أزل ما في قلبك من ماذا؟ من الذنوب والمعاصي حتى تتضح لك الصورة، وهذا كلام صحيح في الجملة.
نعم، قال رحمه الله: وهؤلاء حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياء. يعني بقول لك الصوفية أحسنوا في أشياء وغابت عنهم أشياء كثيرة من الصواب، لكن هذا من الأشياء الصحيحة، يعني شوف إنصاف ابن القيم يقول لك: بغض النظر عن موقف من هؤلاء، لكن فكرة حبس الخواطر التي يدندنون حولها فكرة صحيحة قرآنية، ليس هم أول من ابتدعها بل القرآن هو الذي حث عليها، وهم يركزون عليها ربما أكثر من غيرهم ربما من المد، لكنها فكرة
صحيحه لا غبار عليها. نعم، قال رحمه الله: وهؤلاء حفظوا شيئاً وغابت عنهم أشياء؛ فإنهم أخلوا القلوب من أن يطرقها خاطر فبقيت فارغة لا شيء فيها، فصادف الشيطان خالياً فبذ فيها الباطل في قوالب أوهمهم أنها أعلى الأشياء وأشرفها.
نعم، هم مشكلتهم كما قلت: حفظوا الخواطر عن الحرام، لكنهم لم يعبئوا قلبهم بالخواطر الصحيحة من معين الكتاب والسنة، عبوها خواطر من الشياطين وأفكار في البدع والحوادث هي التي حلت مكان الخواطر الرديئة. إيش استفدنا؟ تركنا المعاصي وحطينا مكانها بدع.
فيقول: أنتم يعني ما حليتوا القضية حل متكامل. نعم، قال رحمه الله: عوضهم بها عن الخواطر التي هي مادة العلم والهدى، وإذا خلى القلب عن هذه الخواطر جاء الشيطان فوجد المحل خالياً فشغله بما يناسب حال صاحبه، حيث لم يستطع أن يشغله بالخواطر السفلية شغله بإرادة التجريد والفراغ من الإرادة التي لا صلاح للعبد ولا فلاح إلا بأن تكون هي المستولي على قلبه، وهي إرادة مراد الله الديني الأمري الذي يحبه ويرضاه.
يعني أن يجب أن يكون مرادك تابعاً لمراد الله اتباعاً للكتاب والسنة. نعم، قال: ويشغل اهتمامه بمعرفته على التفصيل به والقيام به وتنفيذه في الخلق، والتطرق إلى ذلك والتوصل إليه بالدخول في الخلق لتنفيذه. فأفضلهم الشيطان عن ذلك بأن دعاهم إلى تركه وتعطيله من باب الزهد في خواطر الدنيا وأسبابها.
قال رحمه الله يعني: الشيطان غر كثيراً من الصوفية فجعلهم يتركات مراد الله سبحانه وتعالى. نعم، كثير من الصوفية حفظوا خواطرهم عن المعاصي، لكنهم لم يأتوا بخواطر صحيحة تحل محلها. الله عز وجل أمرنا بخواطر الكتاب والسنة وأفكار الكتاب والسنة، وهي العمل بشرعه والدخول في ميدان العمل عطاء للأمة، وليس العزلة وأن يجلس الإنسان في مسجد ولا كهف ويسكر على نفسه الباب ولا يدعو الناس ولا يتحرك بهذا الدين.
فابن القيم ينتقد الصوفية في هذا الجانب، فيقول: الشيطان زهدهم في ماذا؟ في هذه الامور يعني في العمل لدين الله والشغل والإقدام، وجعلهم يعكفون على ماذا؟ على الجلوس في الصوامع والجلوس في المساجد وأغلاق الأنفاس والحضارات، بدلا من أن يجعلوا الدين منهج حياة به يصولون وبه يجولون وبه يرفعون لواء الإسلام.
هذا هو النافع هذا هو المفيد. فأنت نعم صح يعني فكرتك الأولى صح: حفظ الخواطر، لكنك لم تترجمها بشكل صحيح كما ينبغي. وأما أهل السنة والجماعة فجمع لهم الله عز وجل كل هذه المعاني النافعة.
نعم، قال رحمه الله: واهمهم أن كمالهم في ذلك التجريد والفراغ. وهيهات هيهات إنما الكمال في امتلاء القلب والسر. قال: وإنما الكمال في امتلاء القلب والسر من الخواطر والارادات والفكر في تحصيل مراد الرب تعالى من العبد ومن الناس.
أنتم فهمتوا مشكلة الصوفية؟ الصوفية ركزوا على التفريغ، يعني كمان هو يركز ابن القيم على هذه الفكرة: أن الصوفية في جل كلامهم يركزون على ماذا؟ على التفريغ: فرغ قلبك من الخواطر الرديئة، لكنهم لا يركزون على الملء. بقول لك هذا خطا، أنت صح بتفكر. قال ماذا؟ قال: واهنم أن كمالهم في التجريد والفراغ. إيش يعني؟ هم خلص فكروا أنه أعلى الامور التخلية. طيب، بعد التخلية بدنا ايش؟ تحلية. أما أنت جالس لي فقط فرغ فرغ فرغ! ممتاز، بس احنا قلنا: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
وهذه فكرة الشافعي أخذها من بعض الصوفية النافعين. فابن القيم هنا ينتقد ترى نوع من التصوف حتى نكون منصفين، وهو النوع الذي فكر بطريقة التخلية وفكر في التجريد والتفريغ، لكنه لم ينتبه أنه ماشي أنت شردت وفرغت، طب بعدين وين الملء؟ باتباع الكتاب والسنة والانشغال بتفاصيلها وحمل هذا الدين والدعوة ليصبح منهج حياة، هذا قصور في النظر.
نعم، قال رحمه الله: وفي تحصيل مراد الرب تعالى من العبد ومن الناس، والفكر في طرق ذلك والتوصل إليه، فأكمل الناس أكثرهم خواطر وفكراً وإرادات لذلك. لذلك أي لأمر الله وشرعه. نعم، كما أن أنقص الناس أكثرهم خواطر وفكراً وإرادات لحظوظه وهواه، أين كانت؟ والله المستعان.
قال: وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كانت تتزاحم عليه الخواطر في مرضى الرب تعالى، في مرضاة الرب في مرضاة الرب تعالى، فربما استعملها في صلاته، وكان يجهز جيشه وهو في الصلاة فيكون قد جمع بين الجهاد والصلاة، وهذا باب من تداخل العبادات. قضية أشكلت على كثير من الطلبة، وهي قضية أن عمر بن الخطاب يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. هذا أثر ثابت عن عمر أنه ايش يقول: إني لأجهز جيشي وأنا في الصلاة. فماذا اشكل؟ قالوا: أليست الصلاة محل الخشوع والاقبال على الله؟ كيف عمر بن الخطاب يجهز الغزوة ويفكر فيها في ثناء الصلاة؟ هل هذا مقام عمر بن الخطاب؟
فيقول ابن القيم: أنتم يعني لم تعرفوا مقام عمر ورسوخه في مقامات العبودية، أنه يستطيع أن يجمع بين ماذا؟ مش قلنا: إذا المصالح تزاحمت واستطعت أن تجمعها فجمعها؟ استطاع أن يجمع بين الخشوع والجهاد في آن واحد، لكن هذا يحتاج إلى مقام عمر في الإيمان. هذا يحتاج إلى مقام عمر في الإيمان.
لذلك ماذا قال؟ قال: وهذا عمر تتزاحم عليه الخواطر الخشوع والإقبال على الله في الصلاة، وأعداد الجيش المجاهدين للغزوات ووضع القادة وما شابه ذلك. قال: فربما استعملها في صلاته يعني استطاع أن يجمع بين كل هذه الخطرات، فكان يجهز جيشه وهو في الصلاة، فيكون قد جمع بين الخشوع في الصلاة وتحقيق الجهاد في الصلاة. وأنا في الصلاة عم بجاهد ومش عم بفكر في مطعم أو في مشرب أو في لذة، ويفكر حتى بتنفيذ أوامر ربه وهو في الصلاة وما الذي يريده الله منه.
نعم، قال رحمه الله: وهو باب عزيز شريف. شو شو قال؟ وهذا باب عزيز شريف يعني أنت لا تطرق الآن باختصار يعني لا تستعجل تقول: أنا عمر بن الخطاب كان يفعل هذا عمر سيدينا تمام. أنت روق شوي، أنت أول شيء اخشع في الصلاة بعدين بنسهم مع الباقي. احنا نخشع في الصلاة، احنا نخشع في الصلاة بعدين بنتفاهم على مرتبة عمر رضي الله تعالى عنه.
نعم، قال رحمه الله: وهو باب عزيز شريف لا يدخله إلا حاذق القلب متضلع في العلم عالي الهمة، بحيث يدخل في عباده يظفر فيها بعبادات شتى، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. جميل.
نعم، فصل من مداخل المعاصي اللفظات: بعد أن انتهى من موضوع الخطرات سينتقل إلى اللفظات. نعم اقرأ، قال رحمه الله: وأما اللفظات فحفظها بأن لا يخرج لفظة ضائعة، بأن لا يتكلم إلا فيما يرجو فيه الربح والفائدة في دينه.
فإذا أراد أن يتكلم بالكلمة نظر هل فيها ربح وفائدة أم لا، فإن لم يكن فيها ربح أمسك عنها، وإن كان فيها ربح نظر هل تفوته بها كلمة هي أربح منها فلا يضيعها بهذه.
وإذا أردت أن تستدل على ما في القلب فاستدل عليه بحركة اللسان، فإنه يطلعك على ما في القلب شاء صاحبه أم أباه. ومن هنا يعني هذه قضية فقط هامشية في قضية اللفظات: كثير من علماء السلف يقول: إذا تعلق قلبك بمعشوق فحاول قدر المستطاع ألا تدخل معه في التلفظ ولا تتوسع في هذا، فإن هذا يفسد قلبك وقلبه.
يحاول الإنسان قدر المستطاع، نعم قد يضعف الإنسان في بعض لحظات الحياة، لكن عموماً يقولون: إذا تعلق قلبك فيعني أنت خلص صار عندك نظرات وصار عندك خطرات وضعفت أمامها، يقول لك: على الأقل لا تترجمها إلى لفظات، على الأقل يعني خلص فشلت أمام الباب الأول والثاني، قف هنا، قف! لا تبقى مستمر حتى تتحول إلى لفظات ثم بعد ذلك إلى خطوات.
فموضوع اللفظات هذا مهم جداً، لأنك إذا فتحت على نفسك باب اللفظات سيصبح تدارك الأمر أيضاً في شيء من الصعوبة الزائدة إذا بثفت بما في نفسك لهذا المعشوق. نعم، قال: قال يحيى بن معاذ رحمه الله: القلوب كالقدور تغلي بما فيها، وألسنتهم مغارفها. فانظر إلى الرجل حين يتكلم فإن لسانه يغترف لك مما في قلبه: حلو وحامض، وعذب وذاج وغير ذلك، ويبين لك طعم قلبه اغتراف لسانه.
يعني إذا أردت أن تعرف
ماذا في قلب الإنسان؟ انظر، ما هي المواضيع التي يتطرق إليها؟ إذا نظرت، إذا وجدت إنساناً كلما جلست معه تكلم عن الدينار والدرهم الأسواق والسوق العالمية وكذا، ويشكو حال الاقتصاد، فعرف أن قلبه ممتلئ بحب المال. وإذا جلست مع إنسان فوجدته دائماً يتكلم عن النساء والصور والعلاقات وكذا وفي وحدة شفنا وكذا وجلست، فاعرف أن قلبه مملوء بالنساء. وإذا جلست مع إنسان فوجدته يتكلم عن مسائل علمية وبعض الأمور الشرعية وفي خطرات إيمانية، فاعلم أن قلبه ملآن بحب الله.
فيقول لك: القدر يغلي بما فيه، والقدر وهو القلب يغلي بما فيه فيخرج. فكل إنسان كيف تعرف ما نمط حياته؟ من خلال المواضيع التي يعالجها في مجالس، يعرف هو بماذا يفكر عموماً. نعم، قال رحمه الله: أي كما تطعم بلسانك طعم ما في القدور من الطعام فتدرك العلم بحقيقته، كذلك تطعم ما في قلب الرجل من لسانه، يعني بدك تذوق طعم إنسان شوف شو بيحكي لسانه هيك باختصار يعني. نعم، قال: فتذوق ما في قلبه من لسانه كما تذوق ما في القدر بلسانك. وفي حديث أنس المرفوع: لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: الفم والفرج. طبعا هي معادلة شوية متعاكسة إذا أنتم شايفينها بناءً على حديث: ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، هي الفكرة. طب أليس القلب هو الذي فيه الخطرات وبيستمتع؟ لسانك حتى يصلح قلبك، فالحقيقة الموضوع نعم هو متعاود من هنا وهنا، لسانك بيساعد قلبك، وقلبك بيساعد لسانك، يعني لا تظن أن القضية من جهة واحدة. أنت لما ممكن تكون قلبك ضعيف وتذكر الله بلسانك بدون حضور قلب، لكن علماء السلوك يقولون: مش مشكلة، استمر على الذكر باللسان ولو ضعف حضور القلب، فانه مع الوقت لعله يفتح على القلب، فهنا اللسان هو الذي عم يغذي القلب، كما أنه في زوايا أخرى القلب هو الذي يغذي، فهذا عليك أن تفهمه، كلاهما يغذي الآخر وليست القضية من جهة واحدة. نعم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة ويبعده من النار، فأخبره برأسه وعموده وذروته، ثم قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: كف عليك هذا. فقال: أو إنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس على وجوههم أو مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو قال على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ نعم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
ومن العجب أن الإنسان يهون عليه التحفظ والاحتراز من أكل الحرام والظلم والزنا والسرقة وشرب الخمر ومن النظر المحرم وغير ذلك، ويصعب عليه التحفظ من حركة لسانه، حتى ترى الرجل يشار إليه بالدين والزهد والعبادة وهو يتكلم بالكلمات من سخط الله لا يلقي لها بالاً، ينزل بالكلمة الواحدة منها أبعد ما بين المشرق والمغرب. وكما ترى من رجل متورع عن الفواحش والظلم ولسانه يفري في أعراض الأحياء والأموات ولا يبالي بما يقول، وهذا ابتلي به كثير ممن ينسب نفسه إلى طلب العلم، بل حتى ممن يتصدر للعلم، وهو أنه يتورع عن الفواحش والمحرمات وما شابه ذلك، لكن لا يتورع عن الخوض في أعراض العلماء، خاصة ممن يخالفه في المنهج، ويسمي ذلك جرحاً وتعديلاً، وهو في أغلبه إنما هو غيبة ونميمة وذكر للعلماء وإسقاط للرموز والشخصيات بأدنى شبهة وبشيء لا يعرفونه تماماً.
فهنا هذا الذي يعالجه ابن القيم هنا، أن إنساناً متورع عن الظلم والفواحش ولكن أعوذ بالله أن أفعله فواحش، لكن طب راقبت لسانك قبل أن تخوض في مخالفك؟ هذا يبتلى به كثير من طلاب العلم من باب -طبعا- هو الشيطان بيزخرف لك إياه، أنه هذا نصرة لأهل السنة والجماعة، يا أخي نصرة لمنهج الحق، وأن هذا إظهاره لبدع أهل الباطل. الآن شوف، هي القضية تحتاج إلى توازن بالتحقيق، فهناك أناس يحذر منهم من أهل البدع والضلال، والتحذير من هؤلاء بموطنه الصحيح وبالقدر المناسب هو مطلوب، وهو من الأمور الشرعية التي لا مناص عنها.
لكن كلامي عن من؟ عن من يكون طوال مجالس، هو عبارة عن ماذا؟ قال الشيخ فلان: هذا ساقط وهذا مجروح، وجرحوا شيخنا، وأسقط شيخنا، وعدل شيخنا، بص شو أعمل فيه شيخنا، هذا أربع وعشرين ساعة، هذا مش منهج عاد، هذا أصبح غيبة ونميمة وإسقاط للحرمات، ويصبح والعياذ بالله داءً دويًّا. وأنا هذا عشرته مع كثير من الشباب ممن يطلب العلم، أنه هو يعتقد قبل أن يدرس الكتاب والسنة، وقبل أن يتعلم السلوك والسير إلى الله علم نفسه، يقول لك منهج أهل السنة نبدا نعدل ونجرح، فإذا به لا يحفظ حرمة لشيخ ولا لعالم. فرق بين إنسان يتكلم على قدر الحاجة، في موطن الحاجة، في المكان الصحيح، وعن الرجل الصحيح، وبين إنسان أصبح منهجه مصبوغاً بالخوض واللمز، ويضحك على نفسه ويضره الشيطان أن ذلك هو طريق الأئمة في الجرح والتعديل. أنت وين والناس وين وأهل السنة وين؟ يعني أنت لا تعرف شيئاً وتغر نفسك بمثل هذه المخادعات.
نعم، قال رحمه الله: وإذا اردت أن تعرف ذلك فانظر إلى ما رواه مسلم في صحيحه من حديث جندب بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألّى عليّ أني لا أغفر لفلان؟ قد غفرت له وأحبطت عملك كله. شوف، هذا إنسان عابد زاهد، شوف الكلمة اللي حكاها، كانوا قاعدين مع بعض اثنين سولفوا وكان في رجل عاصي في بلدتهم أو قريتهم، فهم هذا العابد الزاهد التقي الذي يقوم الليل ويصوم النهار قال: والله ربنا ما راح يدخل هذا العاصي الجنة. فالله عظم عنده هذه الكلمة، قال: من الذي يتألّى على الله؟ أنت إيش علاقتك تحكم على الناس أنه فلان في الجنة وفلان في النار؟ أنت وظيفتك تامر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وإذا كان من أهل الفسق تحذر من فسقه، لكن ليس من عملي ولا من عمل أي شخص أن يحكم على إنسان حي أنه ماذا من أهل الجنة أو من أهل النار. من الذي يتألّى على الله ويقول لن يدخل الله فلاناً الجنة؟ فماذا فعل الله بهذا الزاهد العابد؟ أدخله النار، وماذا فعل بذلك الفاسق؟ أعانه على التوبة وأدخله الجنة، ليعرف الناس أنك حتى ولو كنت في الزهد والعبادة والعلم ما كنت، عليك أن تنتبه لألفاظك، لا تتألّى ولا تتكلم بكلمة تسخط الرب عليك.
نعم، قال رحمه الله: فهذا العابد الذي قد عبد الله ما شاء أن يعبده، أحبطت هذه الكلمة الواحدة عمله كله. وفي حديث أبي هريرة نحو ذلك. ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وأخرته، أوبقت يعني أهلكت عليه دنياه وأخرته. نعم، في الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالاً يرفعه الله بها درجات، وأن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم. وعند مسلم: أن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. ما يتبين ما فيها يعني لا يتدبرها قبل أن يتكلم بها، قبل أن تخرج من فيه. بعض الناس بتكلم بدب الكلام دب، مش بقول لك بدب؟ لا يعرف ماذا خرج من فيه، وهذا يوبقك ويهلكك. نعم، قال: يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. وعند الترمذي من حديث بلال بن الحارث المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وأن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم يلقاه.
يوم يلقاه. وكان علقمة يقول: كم من كلام قد... معنيه. حديث بلال بن الحارث يعني هذا الحديث، شوف كيف الانتفاع بالعلم، هذا نموذج الانتفاع بالعلم، يعني يقول: من لما سمعت هذا الحديث ربطت نفسي وحرمتها من كثير من الكلام، هذا مثال على الذي يأخذ العلم ليعمل به وهذا نموذج جميل.
نعم، قال وفي جامع الترمذي أيضاً من حديث أنس قال: توفي رجل من الصحابة فقال رجل: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك، فلعله تكلم فيما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه، قال: حديث حسن. يعني لما قال له أبشر بالجنة، النبي صلى الله عليه وسلم قال له: من الذي قال لك إنه من أهل الجنة؟ طيب، ثم ذكر أشياء تحرم صاحبها من الجنة، ما هي؟ قال: لعله تكلم فيما لا يعنيه. شوف هي الشغلة؛ رجل مات فقال رجل من الأنصار يعني هنيئاً له الجنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك أنه من أهل الجنة؟ طيب، ثم ذكر نموذج عليه الصلاة والسلام من أعمال قد تحرمه من الجنة أو تجعله على الأقل تحرمه ليس أبداً، لكن المراد إما يسقط في النار فترة ويخرج أو تؤخر حتى يدخل الجنة، ما هي؟ أن يتكلم فيما لا يعنيه.
إحنا هذا الملف يعني على السوشيال ميديا اليوم 99% من الناس يتكلم فيما لا يعني، يعني هذا حاله أكثر الناس لحظات وخطرات وكل واحد يغلق لشخص وما شابه ذلك، فمثل هذه الأمور ينتبه لها فإن كثيراً من الناس عنها في غفلة.
نعم، قال رحمه الله: وفي لفظ أن غلاماً استشهد يوم أحد فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجهه وقالت: هنيئاً لك يا بني الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وما يدريك لعله كان... وما يدريك لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: يمنع من الكلام ما لا يضره. يمنع أي يترك أشياء لا تضره، وكان حري بها أن يفعلها، هذا المعنى ويمنع ما لا يضر.
نعم، قال وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة يرفعه: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت. وفي لفظ مسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إذا شهد أمراً فليتكلم بخير أو ليسكت. وذكر الترمذي بإسناد صحيح عنه صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، قال: قل آمنْتُ بالله ثم استقم، قلت يا رسول الله ما أخوف ما تخاف علي؟ فأخذ بلسان نفسه ثم قال: هذا. والحديث صحيح، اخاف عليك هذا أي لسانك، أخذ بلسانه وقال هذا الذي أخافه عليك.
نعم، قال وعن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمراً بمعروف أو نهياً عن منكر أو ذكراً لله عز وجل، قال الترمذي حديث حسن. كل من كلام آدم عليه أي وزر لا له إلا ما كان كذا.
نعم، وفي حديث آخر قال وفي حديث آخر: إذا أصبح الععبد فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، تقول: اتق الله فينا فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا وإن اعوججت معوج... تكفر اللسان أي تخضع للسان، هذا معنى تكفر هنا مش ليس من التكفير، إنما هو من ماذا يعني من الخضوع، كلها تقول للسان إحنا خاضعين لك، إذا صلح اللسان صلحنا وإذا فسد فسدنا.
نعم، قال: وقد كان السلف يحاسب أحدهم نفسه في قوله يوم حار ويوم بارد. ولقد تصوروا، يعني كان علماء السلف وأهل السلف إذا قال أحدهم: والله هذا يوم حار، يحاسب نفسه على هي الكلمة، أنا ليش حكيتها؟ شو الفائدة منها؟ طيب، إحنا ايش نسوي على يعني إذا بس حكى أنه هذا يوم حار بقول لك هذه كلمة زائدة ما لها فائدة، كان الأصل أتكلم بكلمة ف... شوف لعين حاسبوا أنفسهم لأي مرحلة وصلوا من المحاسبة.
نعم، قال رحمه الله: ولقد رؤي بعض الأكابر من أهل العلم في النوم فسئل عن حاله فقال: أنا موقوف على كلمة قلتها، قلت: ما أحوج الناس إلى غيث، فقيل لي: وما يدريك، أنا أعلم بمصلحة عبادي. وقال بعض الصحابة لجاريته... شوف هذا أحد الأكابر الفضلاء العلماء رؤي في النوم بعد موته فقيل له: ماذا فعل الله بك؟ قال: أوْقَفني عن دخول الجنة ليحاسبني وليعتبر، قال هيك في مجلس كان جالس مع طلابه: ما أحوج الناس إلى مطر، شوف هذه الكلمة يعني أنت بالنسبة لنا ربما الله يرحم ضعفنا، إذا هذا يعني الإنسان متكلم بكلام أحياناً عفوية أو مش منتبه على الموضوع، طبعا هذا طبعا هذه هي ليست دليل وإنما يستانس بها، مثل هذه القصص يعني لا يعتبر دليل على الناس بكره الاقيك بترويها في كل مجلس، لكن أنا بدي أيك تفهم كيف حاسبوا أنفسهم، والا هذه رؤية لكن خذ الفكرة، أنت الفكرة العامة أهمية أنه تحافظ أو تحاسب نفسك على الكلمات.
نعم، قال رحمه الله: وقال بعض الصحابة لجاريته يوماً هات السفرة نعبث بها، ثم قال: استغفر الله، ما أتكلم بكلمة إلا وأنا خطم وأزم إلا هذه الكلمة خرجت مني بغير خطام ولا زمام أو كما قال. بس لأنه قال هات السفرة نعبث بها يعني كلمة نعبث بها اعتبر نفسه أخطأ وأجرم.
نعم، قال: وشر حركات الجوارح حركة اللسان. ايش قلت أنت؟ قال: وشر حركات الجوارح حركة اللسان، ولا مش وشر... وشر حركات الجوارح حركة اللسان، لأن هو يتكلم عن ماذا؟ عن أنها يعني أن أعظم حركات وأكثر جرماً وجرحاً له اللسان، لكن أنت تقصد إذا كان يقصد أنها أيسر من حيث الحركة والفعل؟ إيه نعم إذا كان هكذا فهمت.
نعم، فهمت، قال رحمه الله: وأيسر حركات الجوارح حركة اللسان وهي أضرها على العبد. وأختلف السلف والخلف: هل يكتب جميع ما يلفظ به أو الخير والشر فقط؟ هذه مسألة سريعة أن نبحثها: هل يكتب على الإنسان كل ما يتكلم به حتى المباحات الملائكة تكتبها عليه، أم الملائكة فقط تكتب ما هو إثم أو معصية والمباح هذا عفو؟ فالصحيح أن الملائكة تكتب كل شيء وإن كان المسألة فيها خلاف، قال: على قولين، أظهرهما الأول، وأظهرهما الأول يعني أن الملائكة التي على اليمين والشمال تكتب كل شيء حتى المباحات.
نعم، وقال بعض السلف: كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا ما كان من ذكر الله وما ولاه. وكان الصديق رضي الله عنه يمسك بلسانه ويقول: هذا أوردني الموارد. والكلام أسيرك فإذا خرج من فيك صرت أنت أسيره، والله عند لسان كل قائل، قال تعالى: والكلام أسيرك، يعني الكلام ما دام في الداخل لم يخرج أنت ماسكه، فإذا تلفظت به أصبحت أنت أسيره، ليه؟ لك يوم القيامة ستحاسب عليه، إن خيراً فخير وإن شرا فشر، جميل.
نعم، قال تعالى: مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وفي اللسان آفتان عظيمتان، إن خلص من إحداهما لم يخلص من الأخرى: آفة الكلام وآفة السكوت، وقد يكون كل منهما أعظم إثماً من الأخرى في وقتها؛ فالساكت عن الحق شيطان آخرس، صمتك جريمة وأحياناً يكون كلامك جريمة، فإذا رايت منكراً وأنت تستطيع إنكاره فسكت وأنت تستطيع إنكاره فسكت فسكوتك جريمة، الساكت عن الحق شيطان أخرس، وإذا سقط في شيء لا ينفعك فكلامك جريمة، فبيقول لك أحياناً يكون هذا جريمة وأحياناً يكون هذا.
نعم، قال رحمه الله: فالساكت عن الحق شيطان أخرس عاص لله مراء مداهن إذا لم يخف على نفسه والمتكلم
بالباطل شيطان ناطق عاص للهرم الخلق منحرف في كلامه وسكوته، إذاً فالمتكلم بالباطل شيطان والساكت عن الحق شيطان، يعني هو باختصار المتكلم بالباطل شيطان والساكت عن الحق أيضاً شيطان، بس الساكت عن الحق إذا كان بإمكانه أن يقول أحياناً قد لا يستطيع الإنسان الكلام.
نعم، قال رحمه الله: وأكثر الخلق منحرف في كلامه وسكوته، فهم بين هذين النوعين وأهل الوسط وهم أهل الصراط المستقيم مستقيم، كفوا ألسنتهم عن الباطل وأطلقوها فيما يعود عليهم نفعه في الآخرة.
نعم، أما أهل السنة والجماعة ومن وفقه الله للخير فهؤلاء تكلموا عند الحق ولم يخرسوا، وسكتوا عن الباطل ولم يخوضوا، فهذا هو منهج السلامة.
نعم، قال: فلا ترى أحدهم يتكلم بكلمة تذهب عليه ضائعة بلا منفعة، فضلاً عن أن تضره في آخرته، وإن العبد يأتي يوم القيامة بحسنات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها عليه كلها، ويأتي بسيئات أمثال الجبال فيجد لسانه قد هدمها من كثرة ذكر الله وما اتصل به.
جزاكم الله خيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. كما قلنا المجلس القادم يبدأ الساعة الرابعة بإذن الله وليس الرابعة والربع؛ لأن المغرب يتقدم، جزاكم الله خيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل