بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأسواء والأهواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.
حياكم الله معاشر طلبة العلم وطالبات العلم في مجلس جديد نعقده في مدارسة كتاب الداء والدواء للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. الحمد لله سبحانه وتعالى على نعمة استمرارية مجالس العلم، هذه النعمة أيها الأحبة قد ينساها الإنسان وقد تتلاشى في ذهنه مع اعتياده حضور المجالس، لكنك لو أعدت النظر وفتشت لوجدت أن هذه النعمة من النعم العظيمة التي يمكن أن ينعم الله سبحانه وتعالى بها على الإنسان؛ أن يصبح حضور مجالس العلم والتعلم عادة. عادة ليس بمعنى مقابل العبادة، لا، عادة بمعنى الشيء المستمر الذي يألفه ويحبه، وإذا جاء يومه لا يكاد يعرف مرور هذا اليوم إلا إذا حضر مجلس العلم. إذا فاته مجلس العلم يشعر بشيء من النقص، أن تعتاد يا طالب العلم حضور مجالس العلم وتستمر وتصبح منهج حياة، هذه من أعظم النعم التي ينعم الله سبحانه وتعالى بها عليك.
ليس شرطاً دائماً أن تنجز الكتب، لكن الأعظم أن تستمر؛ يعني بعض الناس هو كل فترة يريد شيئاً جديداً، ويريد أن يقدم له دورة جديدة أو كتاب جديد، وسريع الملل من الكتب التي بين يديه. لذلك أكثر طلاب العلم عادتهم إذا أعلن عن برنامج جديد يأتي ويندفع، وأول أسبوع أسبوعين ما شاء الله في الصفوف الأولى، ثم بعد أن يألف الكتاب ويصبح خلص الموضوع بالنسبة له واضح، يفتر وينقطع، ثم تاتي دوره جديدة وإعلان وتحدثه نفسه: آه هذا كتاب جديد وعلي أن أحضر وعلي أن ألتزم بالمجالس العلمية، يرتفع سقف الهمة عنده هكذا، ثم بعد مجلس مجلسين ثلاث يألف الكتاب فتعود همته تنحدر، وهذه مشكلة.
إذا ألفت الكتاب إياك أن تقطع، حتى لو جلس الكتاب ما جلس، عود نفسك ووطن نفسك على الاستمرارية حتى تنهي الكتب العلمية من الجلدة إلى الجلدة، وتمر على كلام الأئمة والمصنفين سطراً سطراً وفكرة فكرة. هكذا تنبغ يا طالب العلم، هكذا تستفيد، هكذا تحصل من ثنايا كلام العلماء بغيتك. أحياناً قد تكون الفائدة المرجوه في آخر الكتاب، يعني أنت تقرا تقرا تقرا في بداية الكتاب، فإذا بالفائدة التي ستصدق لبك وتحلق بروحك تجدها في الصفحة الأخيرة. وأحياناً سبحان الله الله عز وجل يترك بركات لطلاب العلم الذين يختمون، يترك لهم شيئاً من البركات في الأسطر الأخيرة التي تكون في كلام الأئمة، تشعل الوقود لديهم وتصلح شأنهم ويكتب فيها من الخير العظيم، لكن هذه البركات تحتاج أن تستمر وتداوم على حضور المجالس حتى تصل إليها.
فهذه فكرة دائماً أطرحها على نفسي وعلى إخواننا وأخواتنا، وهي قضية الاستمرارية. نحن في زمن أيها الأحبة السوشيال ميديا والحياة المعاصرة أشغلت كثير من الشباب، فما عاد عنده قدرة أن يبرمج نفسه على الاستمرارية وعلى الديمومة في العلم والتعلم، وإنما يريد هكذا شيئاً خاطفاً؛ أسبوع، خمسة أيام، ثلاثة أيام ينجز وإذا بإنجاز عظيم! هذا لا يوجد أيها الأحبة، هذا لا يوجد، وإنما الذي يوجد عمل دؤوب واستمرارية. لكن بعد أربع خمس سنوات ستجد نفسك انجزت أربعين خمسين مصنفاً من الرعيل الأول؛ يعني من كلام الائمة ومن كتب التراث التي ما كنت ربما تفكر أنك تنجزها، لكن رحلة الالف ميل تبدا بخطوه واحده، ليس كذلك؟
هذه الخطوة عليك أن تخطوها وتتحملها وتصبر، لكن أنظر إلى نفسك بعد خمس سنوات من هذه الديمومة، سيحمد القوم السرى. من راى نفسه بعد خمس سنوات من هذه الاستمرارية سيشعر بالفرق الكبير علمياً ومعرفياً وحياتياً وسلوكياً وعلى جوانب متعددة. الشيطان يتعبك للحظة الراهنة، يتعبك أنه حالياً الكتاب ما زال يحتاج وقتاً، هذه الكتب ربما تحتاج إلى أشهر، فيضحك عليك باعتبار اللحظة الراهنة. لكن أنت اضحك على الشيطان باعتبار اللحظة القادمة، باعتبار المستقبل، نعم. باعتبار المستقبل أنا أكون انجزت عشرين ثلاثين أربعين، وكلما ازدادت همتي في الالتزام بمجالس العلم وما دام لواءها قائم في هذا البلد إلى الان بحمد لله، استغل استغل هذه اللحظات وهذه الساعات وهذه الأيام، ما ذهب لن يعود أيها الأحبة، ما ذهب لا يعود.
وهي سنة الله سبحانه وتعالى من المدافعه بين الحق والباطل، وهذا الصراع المستمر يقتضي مني أن استغل لحظات الرخاء لحظات السعة، حتى تكون وقوداً لي في لحظات الضيق ولحظات الشدة التي قد تمنع فيها من حضور المجالس. قد يحدث طارئ، قد يمنع الجميع، قد يحدث ما يحدث من بلاء الحياة الدنيا، فالإنسان العاقل يوفقه الله عز وجل لاستغلال هذه الفترات وهذه الأزمنة وهذه الساعات، فهي وقودك لأيام أخر. نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يحرمنا من بركة التعلم، وأن يرزقنا الهمة والديمومة والاستمرارية، وأن يحفزنا دوماً لما فيه خير لنا في ديننا ودنيانا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
نشرع إن شاء الله في إكمال قراءة هذا المصنف مع ابن القيم عليه رحمه الله، ووصلنا إلى قوله: فصل: الذنوب كبائر وصغائر. يريد ابن القيم أن يبين أن هذا التقسيم للذنوب إلى كبائر وصغائر هو الذي استقر عليه جماهير أهل العلم، وإن كان فيه شيء من الخلاف حقيقة؛ فإن بعضهم يرى أن الذنوب كلها كبائر باعتباره: أنظر إلى عظمة من عصيت. فالبعض يقول لك: الذنوب كلها من الكبائر ولا يوجد صغائر. لكن استقراء نصوص الكتاب والسنة يؤكد أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وإلى صغائر، وتقسيمها إلى صغائر لا يعني الاستهانة بعظمة الله سبحانه وتعالى، ولكنه يدل على أن النظرة إلى الحرام ليست مثل الزنا، وهذا شيء يتوطن في النفس؛ هل النظرة إلى الحرام مثل ارتكاب الزنا؟ لا يمكن أن يتساوى هذا مع هذا، مع أن كليمهما عظيم إذا نظرنا باعتبار عظمة من عصي وهو ربنا سبحانه وتعالى. وسيبدا ابن القيم يذكر ما قاله أهل العلم في هذا التقسيم.
بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسا معين، وانصر إخواننا المجاهدين، آمين يا رب. قال المصنف رحمه الله: وقد دل القران والسنة وإجماع الصحابة والتابعين بعدهم والأئمة على أن من الذنوب كبائر وصغائر.
إذا ابن القيم يعني هنا ينقل الإجماع، يعني كأنه لم يعتد بخلاف من خلاف، كأنه لم يعتد بخلاف من خالف فقال: نصوص الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم كله يدل على أن الذنوب منها ما هي كبيرة ومنها ما هو صغيلة. نعم قال تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. فهذه من أظهر الآيات الدالة على انقسام الذنوب إلى كبائر والصغائر، لأن الله ماذا قال: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. المراد بالسيئات هنا الصغائر فقط. المراد: نُكَفِّر عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ما المراد بالسيئات؟ قالوا الصغائر، فالله يعدنا وعدا حقا صدقا أن الانسان الذي يجتنب الكبائر في حياته اجتناباً تاماً، ويكون معاصيه ضمن دائرة الصغائر فقط، هناك وعد من الله أنه سيمسح وسيعفو عن هذه الصغائر، وهذا يعطيك تحفيز، يعطيك تشجيع.
الله عز وجل يعطيك هذا الحافز يقول لك يا ابن آدم: إذا تركت الكبائر في حياتك تماماً وكانت معاصيك ضمن دائرة الصغائر، فساعده. تنتبه أن المداومة على الصغيرة بحد ذاته هو ماذا؟ ينقلها للكبيرة حتى أنت ما تصير تتفهم تقول: ما دام الله عز وجل أعطانا وعدا حقاً أنه من اجتنب الكبائر سيغفر له الصغائر، إذا خلاص استمر على فعل الصغائر وأديم عليها لكنني أحتاط فلا أصل إلى الكبائر. لا، ننتبه أن الإصرار على الصغيرة هو بحد ذاته كبيرة.
فإذا الذي سيغفر الله لك إذا اجتنبت الكبائر هي صغائر الذنوب التي أنت غير مدمن عليها حتى يكون كلامنا دقيقاً: صغائر الذنوب التي تكون فلتات في لحظات الضعف الإنساني، وليست صغائر الذنوب التي أنت مدمن ومصر عليها، لأن هذا النوع من الذنوب هو أصلاً ماذا؟
كبيرة ما دام فيه إصرار. نعم، وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ. هذه آية أخرى استدل بها ابن القيم على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، لأن الله يقول: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا ماذا؟ إلا اللَّمَمَ، واللمم هي الصغائر.
إذن، نص الآية الله يقول: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلا اللَّمَمَ. والمراد طبعا بهذه الآية أنه ما من إنسان إلا وسيقع في لمم، لا يوجد معصوم إلا من عصمه الله من الأنبياء، وإلا فسائر البشر كلنا يخطئ، كلنا لابد وأن يقع في شيء من اللمم.
فلأن الله عرف ضعفنا، أخبرنا أن اللمم ساعف عنه ما دامت فلتات، ساعف عنها، لكن الكبائر لا، هذه خطوط حمر، عليك أنك تجاهد نفسك وتستطيع أنك تعيش حياتك بدون الوقوع في كبائر. نعم، أنت لا تستطيع أن تعيش الحياة بدون وقوع في صغائر. صح، لا تستطيع أن تعيش الحياة بدون وقوع في صغائر، لأن الله لم يعصمك، وأما الكبائر فأنت تستطيع، لأن هي مرتبتها عليا جدا وهي قبائح، وبالتالي النفس السوية تستطيع أن تعيش حياتها بدون السقوط في واحد الكبائر. لذلك شدد الله في الكبائر ما لم يشدد في الصغائر.
نعم، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر. هذا دليل من كلام النبي صلى الله عليه وسلم يدل أيضا على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: الصلوات الخمس، يعني ما من الظهر إلى العصر، ومن العصر إلى المغرب، ومن المغرب إلى العشاء، ومن العشاء إلى الفجر، كل صلاتين ما بينهما يعفو الله سبحانه وتعالى عن الانسان المحافظ على الصلوات الخمس، أليس كذلك؟
فكل صلاة تمحو ما سبقها، كل صلاة تمحو ما سبقها، كذلك من الجمعة إلى الجمعة، من حافظ على الجمعة ثم على الجمعة التي تليها غفر الله له ما بين الجمعتين، ومن حافظ على صيام رمضان ثم رمضان العام القادم غفر الله له ما بين الرمضانين. لكن ما الذي يغفر بين الرمضانين وبين الجمعتين وبين الصلاتين؟ الذي يغفر الصغائر.
هل يمكن أن تغفر الكبائر الآن؟ ابن القيم سيعلق على هذا الحديث، لكن عموما قول النبي عليه الصلاة والسلام: مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر، معناتها إذا كنت بفعل كبائر من رمضان إلى رمضان لا، الموضوع مختلف، إذا كنت بفعل كبائر من صلاة إلى صلاة الموضوع مختلف، هل تقوى هذه العبادات على أن تكفر الكبائر؟ دعونا ننظر ماذا سيقول.
نعم، وهذه الأعمال المكفرة لها ثلاث درجات. انظر إلى هذا التقسيم النافع من ابن القيم. نعم، بسم الله، إحداها: أن تقصر عن تكفير الصغائر لضعفها وضعف الإخلاص فيها والقيام بحقوقها. جميل هذا، لفتة طيبة من ابن القيم عليه رحمة الله، أنه احنا دائما نكرر على أنفسنا أنه من رمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهما، من الجمعة إلى الجمعة، من الصلاة إلى الصلاة، لكن ابن القيم بقول لك: أنتبه، ترى لما تقول من الصلاة إلى الصلاة مكفرات لما بينهن هذا مشروط بأن تؤدي الصلاة على وجهها بخشوع وتمامها. خطأ أنك تلقن نفسك أنه خلاص إذا صليت العصر إن شاء الله سيغفر لي ما بين الظهر والعصر، بس بشرط أنك تصلي العصر، تصلي العصر مش تصلي العصر وانت رحان وانت لاهٍ، بدون خشوع في قيام ولا ركوع ولا سجود.
فابن القيم يقول: المرتبه الأولى أنه هذه الأعمال قد تضعف أصلا عن تكفير حتى الصغائر. هذه الأعمال التي هي الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان، هذه الأعمال قد تضعف حتى عن تكفير الصغائر. كيف؟ قال: إذا لم تؤدى بحقها بتمام خشوعها والإنابة إلى الله والإقبال عليه واستحضار عظمة الله فيها، وعندئذ لا تتوقع أن هذه الأعمال قادرة حتى على تكفير صغائر الذنوب. هذا شرط علينا أن ننتبه له حتى لا نخادع أنفسنا في مثل هذه القضايا، والله احنا خلاص بنصلي معناه ما بين الصلوات مشى الحال، لا لا، أنت هل صليت كما يريد الله أن تصلي، أم كانت صلاة الغافل الساهي؟ وهذا فرق بين هذا وهذا.
بمنزلة الدواء الضعيف الذي ينقص عن مقاومة الداء كمية وكيفية. نعم، يعني لو أنا قلت لك هذا الدواء يعالج مرض معين، لكنك اخذته مثلا لازم تاخذ منه 500 غرام، أنت اخذت 250 تمام، إذن أنت لم تأخذ الجرعة الكافية. نعم، هذا الدواء يعالج بشرط أن يؤخذ منه بالنسبة الكافية، قال لك الطبيب 500، أنت أخذت 250 أو 100 غرام، وبالتالي دواء ضعيف لن يعالج الداء، وإن كان هذا الدواء لو أخذ بالجرعة المناسبة هو قادر أن يعالج.
الثانية: أن تقاوم الصغائر ولا ترتقي إلى تكفير شيء من الكبائر. هذه المرتبة الثانية، وهي أن تكون الصلوات ورمضان والجمعة قوية متقنة، لكنه ليس في غاية الدرجة وليس في أعلاها، وبالتالي يقوى على أن يكفر الصغائر فعلا، يقوى على تكفير الصغائر فعلا، لكن ما عنده رصيد حتى يكفر الكبائر، لسه درجة الاتقان وحجم الخخشوع والاستحضار لم يصل إلى مرتبة تقوى فيها على أن تكفر الكبائر.
ناتي إلى المرحلة الثالثة. نعم، الثالثة: أن تقوى على تكفير الصغائر وتبقى فيها قوة تكفر بها بعض الكبائر. جميل، هذه المرتبة الثالثة، وهي أن تصلي الصلوات الخمس، وأن تصوم رمضان، أو أن تفعل عمرة وما شابه ذلك، في غاية الاتقان، في غاية الاستحضار، في غاية الإقبال على الله، فيكون هذا، أو فيكون هذا العمل الصالح قادر على أن يكفر الصغائر ويبقى فيه مقدار من قوة يجعله مؤهلا ليكفر بعض الكبائر أيضا.
ولاحظ أنه قال: يكفر بعض الكبائر، حتى لم يعمم ابن القيم. نعم، فتأمل هذا، فانه يزيل عنك إشكالات كثيرة.
نعم، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور. فهذا أيضا حديث آخر أتي به ابن القيم ليستدل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ إذا ما المفهوم؟ أن هناك كبائر وهناك صغائر، والكبائر نفسها تنقسم إلى أكبر الكبائر والكبائر الاعتيادية.
نعم، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم: اجتنبوا السبع الموبقات. هذا دليل آخر. قيل: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات.
نعم، وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الذنب أكبر عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك. قيل: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك. يعني أن تزني بزوجة جارك، هذا من اعظم الزنا، لأن جارك استأمنك على بيته وزوجه، فأن تخونه وتزني بزوجته، هذا أعظم من الزنا بأي امرأة أخرى.
فانزل الله تعالى تصديقها: وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ. طبعا هو كل هذه الأحاديث الهدف منها اثبات أن هناك كبائر وصغائر، هذا المراد من كل استحضار هذه النصوص في هذا السياق.
نعم، واختلف الناس في الكبائر هل لها عدد يحصرها على قولين؟ نعم، هذه مسألة أخرى، إذا اتفقنا أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، اختلف أهل العلم بعد ذلك هل الكبائر يمكن حصرها بعدد معين أم لا يمكن حصرها؟ والصواب أنها تحصر. الصواب أنه يصعب حصر عدد. الذهبي وغيره ممن صنف في الكبائر عددوا مجموعات منها.
لكن هي في الحقيقة عددها كبير، بالتالي لا تظن أن عدد الكبائر محصور برقم معين، وأنك أمنت أن تقع في كبيرة ما دام عدد الكبائر كبير ولا يمكن حصره. إذاً، هذا يستوجب أولاً أن تعرف ما هو ضابط الكبيرة، ثم تعرف هذا الضابط أين تحقق في المعاصي، لتعرف بعد ذلك كم هي أعداد الذنوب التي يمكن أن توصف بأنها كبائر. وتبقى على وجل ما دام لا يمكن الحصر؛ ستبقى على وجل من اقتراف كثير من الذنوب خشية أن يكون تصنيفها من الكبائر وأنت لا تدري أو لم تحقق المناط فيها بشكل دقيق.
نعم، ثم الذين قالوا بحصرها اختلفوا في عددها، فقال عبد الله بن مسعود: هي أربع. وقال عبد الله بن عمر: هي سبع. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: هي تسعة. وقال غيره: هي أحد عشر. وقال آخرون: هي سبعون. وقال أبو طالب المكي: جمعتها من أقوال الصحابة فوجدتها أربعة في القلب وهي: الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله. وأربعة في اللسان وهي: شهادة الزور، وقذف المحصنات، واليمين الغموس، والسحر. وثلاث في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا. واثنان في الفرج وهما: الزنا واللواط. واثنان في اليدين وهما: القتل والسرقة. وواحد في الرجلين وهو: الفرار من الزحف. وواحد يتعلق بجميع الجسد وهو: عقوق الوالدين.
والذين لم يحصها بعدد؛ منهم من قال، الذين لم يحصها بعدد لجأوا إلى تعريف الكبيرة وقالوا: نضع ضابطاً عاماً، وفي أي معصية تحقق هذا الضابط العام فإن هذه المعصية تصنف من الكبائر. يعني هذا طريقهم، الذين لم يحصرها في عدد قالوا: نعطي تعريفا، وما كان ينطبق عليه التعريف فهو كبير، وما لم يكن كذلك فيعتبر صغيراً. نعم، والذين لم يحصها بعدد منهم من قال: كل ما نهى الله عنه في القرآن فهو كبيرة، وما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم فهو صغير.
فأصحاب القول الأول إذاً جعلوا التفريق بين الكبيرة والصغيرة باعتبار من الذي حرم؛ إذا كان المحرم هو القرآن تكون كبيرة، إذا كان المحرم هي السنة تكون صغيرة. لكن هذا الكلام غير صحيح، التفريق بين القرآن والسنة في هذه الأماكن غير صحيح وتشعر فيه شائبة أقوال المتكلمين، يعني في عدم وضع القرآن والسنة في نفس المرتبة من الاحتجاج.
نعم، وقال طائفة: ما اقترن بالنهي عنه وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، وما لم يقترن به شيء من ذلك فهو صغيرة. هذا من أقوى التعريفات حقيقة، هذا من أقوى التعريفات؛ ما ترتب عليه وعيد في الآخرة أو لعنة أو غضب أو عقوبة في الدنيا فهو كبيرة. كل معصية رتب الله عليها عقوبة في الدنيا مثل الزنا وشرب الخمر وقطع الطريق وما شابه ذلك، أو رتب عليها وعيداً في الآخرة أو لعنة أو غضب سواء في القرآن أو في السنة، فهذه المعصية تصنف أنها كبيرة. وأما ما حرم ولم يرتب الله عز وجل عليه عقوبة في الدنيا، ولم يقترن بتحريمه لعنة أو غضب أو سخط في الآخرة، فهذا يصنف من ضمن ماذا؟ الصغائر.
وإذا طبقنا هذا التعريف فسنجد أن عدد الكبائر يعني يفوق المئة. إذا طبقنا هذا التعريف فإننا سنجد أن هناك مئات من المعاصي ينطبق عليها حد الكبيرة، لذلك لما نقول شيء كبيرة اياك انك تحصر الكبيرة فقط في الزنا وشرب الخمر، لا، كبيرة شيء واسع، مدلولاتها واسعة، فعليك أن تتحرى وأن تحتاط.
نعم، وقيل: كل ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة، وما لم يرتب عليه لا هذا ولا هذا فهو صغيرة. نعم، وهذا قريب حقيقة من التعريف السابق، يعني ربما التعريف السابق جعل وعيد قال: وعيد من لعن أو غضب أو عقوبة فهو كبيرة، هذا التعريف الثاني قال: كل ما رتب عليه حد في الدنيا أو وعيد في الآخرة فهو كبيرة. أنا أرى أنه ما في مسافة كبيرة في التفريق بينهما، يعني متقاربين جداً، وليس هناك، يعني لا أدري لماذا جعل هذا تعريفا وهذا تعريفا.
نعم، وقيل: كل ما اتفقت الشرائع على تحريمه فهو من الكبائر، وما كان تحريمه في شريعة دون شريعة فهو صغيرة. وهذا يصعب الوقوف عليه وهذا يصعب ضبطه وخاصة أن الشرائع السابقه يعني كثير من تفاصيلها لم يصل إلينا، فكيف نعرف أن هذه المعصية مما اتفقت عليه الشرائع؟ أو قد يحصل فيها جانب من السهو أو الغفلة، فهذا الضابط لا يصلح حقيقة.
نعم، وقيل: كل ما لعن الله أو رسوله فاعله فهو كبيرة. لا شك أن ما لعن الله فاعله فهو كبيرة، لكن الكبير أوسع من ذلك كما مر معنا. نعم، وقيل: هي ما ذكر من أول سورة النساء إلى قوله تعالى: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. وهذا لا يصلح ضابطاً أيضاً.
نعم، والذين لم يقسموه إلى كبائر وصغائر، بعد أن انتهى من قول الجماهير بل هو نقل الإجماع على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر، أراد أن يبين لك سريعاً وجهة نظر من قال إن الذنوب كلها كبائر، أراد أن يبين لك وجهة نظرهم فماذا قال؟
نعم، والذين لم يقسموه إلى كبائر وصغائر قالوا: الذنوب كلها بالنسبة إلى الجرأة على الله سبحانه ومعصيته ومخالفة أمره كبائر. نعم، فالنظر إلى من عصي وانتهكت محارمه يوجب أن تكون الذنوب كلها كبائر، فهؤلاء إذاً مرتكز نظرهم ماذا؟ انظر إلى عظمة من عصيت ستجد أن الذنوب كلها كبائر ولا تنظر إلى طبيعة المعصية في نفسها. نعم، وهي مستويه في هذه المفسدة، وهي يعني جميع الذنوب هي مستويه في هذه المفسدة أنها كلها جرأة على الله سبحانه وتعالى، فينبغي إذاً أن تكون كل الذنوب كبائر.
لكن هذه النظرة كما قلنا ما ينتقد فيها هو أولاً أنها مخالفة لظواهر نصوص الكتاب والسنة، فإن نعم كل معصية إذا نظرنا إلى جانب الله ستكون شيء كبير، لكن في النهاية نصوص الكتاب والسنة هي التي دلت على انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر. النصوص هي التي دلت، يعني ليس اجتهاد عالم أو نظرة شخصية أو ذوق، وإنما هو نص القرآن والسنة هو الذي أخبر فيه ربنا سبحانه وتعالى أنه قسم الذنوب إلى هذا وهذا.
ثم زيادة النظر أيضاً توجب التفريق، توجب التفريق بين المعاصي بحجم الجناية. نعم كلها عظيمة بالنسبة إذا نظرنا إلى أمر الله، لكن هل الزنا بالنسبة لله مثل النظرة التي تكون على سبيل السهو أو الفلتة؟ حتى بالنسبة إلى مقام الله سبحانه، ليس الزنا في الجرأة على الله مثل فلتة العين في الجرأة على الله، أليس كذلك؟ فهذا أيضاً مما هو مستقر في النفوس وهو التفريق بين هذين المقامين، فمن زنى اشترأ على الله أكثر ممن جاءت عينه على سهوه، فهذا نعم اشترأ، لكن هل هذه الجرأة مثل هذه؟ لا، فحتى هذه النظرة تقبل التفاوت.
قالوا: ويوضح هذا أن الله سبحانه لا تضره الذنوب ولا يتاثر بها، فلا يكون بعضها بالنسبة اليه أكبر من بعض، فلم يبق إلا مجرد معصيته ومخالفته ولا فرق في ذلك بين ذنب وذنب. قالوا: ويدل عليه أن مفسدة الذنوب إنما هي تابعة للجرأة والتوثب على حق الرب تعالى، ولهذا لو شرب رجل خمرا أو وطئ فرجا حراما وهو لا يعتقد تحريمه لكان قد جمع بين الجهل وبين مفسدة ارتكاب الحرام، ولو فعل ذلك من يعتقد تحريمه لكان آتيا باحدى المفسدتين وهو الذي يستحق العقوبة دون الأول، فدل على أن مفسدة الذنب تابعة للجرأة والتوثب.
لكن حقيقة الأمر ليس محصوراً في الجرأة والتوثب، بل محصور أيضاً من مفاسد الذنوب قد تنساب على الواقع الحياتي، يعني هل مفسدة الذنوب هي فعلاً فقط أنك اشترات على الله؟ هل الزنا مفسدته فقط أنك اشترات على الله أم له مفاسد أيضاً في الحياة الواقعية؟ له مفاسد من اختلاط الأنساب وغيرها. فحصر مفسدة الذنوب بأنها فقط التوثب على الله سبحانه والجرأة على الله، هذا كلام يحتاج إلى نظر؛ لأن مفاسد الذنوب أيضاً لها تعلق بحياه الناس من اختلاط الأنساب وما شابه.
ذلك من هتك الحرمات، ومن ذهاب العقول، وما يترتب على ذهاب العقول من تصرفات غير رشيدة من إتلافات. فقوله: فدل هذا على أن مفسدة الذنب تابعة للجرأة والتوثق، يعني الجرأة على مقام الله والتوثق على مقام الله. هل هذا فقط في مفسدة الذنوب؟ وإن كان هذا بالتأكيد من أعظم مفاسدها، لكن هل هي كمفاهيم؟
جعلنا النظرة إلى الحرام ليست مثل الزنا، لأنه النظرة إلى الحرام لا يوجد فيها اختلاط للأنساب، ولا يوجد فيها من الآثار الاجتماعية والسلوكية ما يترتب على نفس الوقوع في فاحشة الزنا. فهنا تشعر أن سبب القول بعدم التفريق بين الذنوب وحصر أن مفسدة الذنب مشكلتها فقط في علاقتك مع الله والجرأة على الله، هذا نظر فيه نوع قصور، فيه نوع قصور وعدم إدراك أن مفسدة الذنوب أعم من مجرد انتهاك حرمة الله سبحانه وتعالى.
نعم، قالوا: ويدل على هذا أن المعصية تتضمن الاستهانة بأمر المطاع ونهيه وانتهاك حرمته، وهذا لا فرق فيه بين ذنب وذنب. كما قلت لك، هؤلاء مشكلتهم أنهم مركزين على جانب واحد، وهم ينظرون إلى الذنوب لكنهم لا ينظرون إلى المفاسد الأخرى الحياتية التي أراد الله منع وقوعها من الزنا وشرب الخمر والقذف، فهناك مفاسد قد لا تتعلق بالله سبحانه وتعالى، لكنها تتعلق بالمجتمع وحياة الناس.
نعم، قالوا: فلا ينظر العبد إلى كبر الذنب وصغره في نفسه، ولكن ينظر إلى قدر من عصاه وعظمته وانتهاك حرمته بالمعصية. وهذا لا يفترق فيه الحال بين معصية ومعصية، فإن ملكا مطاعا عظيما لو أمر أحد مملوكه أن يذهب في مهمة إلى بلد بعيد، وامر آخر أن يذهب في شغل له إلى جانب الدار فعصاه وخالف أمره، فكان في مقته والسقوط من عينه سواء.
لكن هذا كلام أيضا يمكن أن يناقشه، فانه قد يكون هناك مفسدة تترتب على أحد المشوارين لا تترتب على المفسدة الأخرى، فيكون تعزير الإمام لمن كانت مفسدة تخلفه أعلى، يكون تخليف يعني تعزيره أشد. يعني لو أن الإمام بعث أحد رسله إلى ملك من ملوك الأرض برسالة، فتخلف هذا الرسول عن إيصال الرسالة، وأمر شخصا آخر أن يأتي له بشربة ماء فتخلف هذا الرجل عن الاتيان بشربة ماء، هل جريمة الذي تخلف عن الاتيان بكأس ماء كجريمة من لم يوصل الرسالة إلى قطر من الأقطار؟ لا.
والسبب في ذلك أن المفسدة التي ستترتب على هذا تختلف عن المفسدة التي تترتب على عدم إحضار كأس ماء، فرضا يعني. وبالتالي مثل هذه المقارنات هي غير دقيقة لو أنك تأملت فيها بعين الإنصاف. نعم، قالوا: ولهذا كانت معصية من ترك الحج من مكة، أو ترك الجمعة وهو جار المسجد، أقبح عند الله من معصية من تركه من المكان البعيد، والواجب على هذا أكثر من الواجب على هذا.
ولو كان مع رجل مئتا درهم فمنع زكاتها، ومع آخر مئتا ألف ألف فمنع زكاتها، استويا في منع ما وجب على كل واحد منهما، ولا يبعد استواؤهما في العقوبة إذ كان كل منهما مصرا على منع زكاة ماله، قليلا كان المال أو كثيرا. نعم، فصل، وكشف الغطاء عن هذه المسألة أن يقال: إن الله عز وجل أرسل رسله، وأنزل كتبه، وخلق السماوات والأرض ليعرف ويوحد ويعبد، ويكون الدين كله لله، والطاعة كلها لله، والدعوة له.
كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. وقال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا. وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا. وقال تعالى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
فأخبر سبحانه أن القصد بالخلق والأمر أن يعرف باسمائه وصفاته، ويعبد وحده لا شريك له، وأن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السماوات والأرض. كما قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. فأخبر أنه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل، ومن أعظم القسط التوحيد بل هو رأس العدل وقوامه. نعم، وَإِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. فالشرك أظلم الظلم، والتوحيد أعدل العدل. فما كان أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها في درجاتها بحسب منافاتها له.
إذا ابن القيم رحمه الله عليه يقول: أن الله خلق السماوات والأرض وأوجد البشر والجن والعرب والعجم من أجل إقامة القسط، هذا هو المعيار الأساس، والقسط هو العدل. قال: فكل معصية كانت مخله بالعدل الإلهي أكثر وأكثر، كانت مصيبتها في الكبيرة أكثر وأكثر. وكل معصية كانت منافاتها للعدل الإلهي أقل، كانت مرتبتها من حيث الضرر أقل. لذلك ماذا قال؟ قال: فالشرك أظلم الظلم والتوحيد أعدل العدل، فما كان أشد منافاة لهذا المقصود -يقصد العدل الإلهي- فهو أكبر الكبائر.
يعني هو يؤكد أن يا أخوه الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر، ويعطيك فلسفة ذلك في أن الله أخبر في الكتاب أنه خلق السماوات والأرض ليقوم الناس بالعدل، فكل ذنب وكل معصية كان يخرم العدل خرما أكبر كان آثاره أكبر، وبالتالي لا يمكن أن يستوي مع ذنب آخر كان خرقه لهذا العدل الإلهي أقل. فهذا معنى قوله: فما كان يعني من الذنوب أشد منافاة لهذا المقصود فهو أكبر الكبائر، وتفاوتها أي وتفاوت الذنوب في درجاتها بحسب منافاتها للعدل الإلهي، وكلما كانت أشد منافاة للعدل الإلهي كلما كانت أكبر في نظر الله سبحانه وتعالى ووجوب تركها أحزم. وما كان أشد موافقة لهذا المقصود من الطاعات يقصد فهو من أوجب الواجبات وأفرط الطاعات، يعني ما كان من الطاعات يثبت العدل الإلهي أكثر وأكثر كان الواجب فيه أعظم وأعظم. هي القاعدة من هنا ومن هنا تاتي.
نعم، فتامل هذا الاصل حق التأامل واعتبر به تفاصيله، تعرف به حكمه أحكم الحاكمين وأعلم العالمين فيما فرضه على عباده وحرمه عليهم، وتفاوت مراتب الطاعات والمعاصي. إذا لاحظ ابن القيم بنى كل فكرة انقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر على فكرة العدل الإلهي، وأن الله خلق السماوات والأرض ليقوم الناس بالقسط بالعدل، فما كان خارما لهذا المقصد الإلهي أكثر كان تحريم الله له أشد، وما كان يحقق هذا المقصد أعظم وأعظم كان إيجابه في الشريعة أعلى وأعلى. هذا أصل على طالب العلم أن يحفظه ويتقنه في هذا الباب.
نعم، ولما كان الشرك بالله منافيا بالذات لهذا المقصود، كان أكبر الكبائر على الإطلاق. لذلك لماذا جعل الشرك أكبر الكبائر على الإطلاق؟ لانه ينافي العدل الإلهي بأعلى درجاته ومراتبه، ينافي أصل التوحيد؛ لأنه أساس العدل الإلهي أن توحد الله واحدا بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، فلم لذلك كان الشرك منافيا أساس العدل، أساس العدل هو التوحيد والشرك ينافي أساس العدل، فكان اعظم الذنوب في النظر الإلهي ولا يغفره الله سبحانه وتعالى أبدا إذا مات صاحبه عليه.
نعم، وحرم الله الجنة على كل مشرك، وأباح دمه وماله وأهله لأهل التوحيد، وأن يتخذوه عبيدا لهم لما تركوا القيام بعبوديته، وأبى الله سبحانه أن يقبل من مشرك عملا، أو يقبل فيه شفاعة، أو يستجيب له في الآخرة دعوة، أو يقيل له فيها عثرة. فان المشرك أجهل الجاهلين بالله حيث جعل له من خلقه ندا، وذلك غاية الجهل به كما أنه غاية الظلم منه، وإن كان المشرك لم يظلم ربه وإنما ظلم نفسه. نعم، في النهاية شركه سيعود على نفسه، لكن الله سبحانه وتعالى غني عنك وعن شركك.
نعم، وقعت مسألة وهي أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك... هنا في هذه الصفحات المتتالية سيفصل ابن القيم في معصية الشرك باعتبارها أكبر الكبائر، ويبيّن لماذا جعلها الله هي أكبر الكبائر، سيأخذ وقتا في بيان هذا حتى يحذر الناس من الوقوع في هذه المعصية الكبرى وهي معصية الشرك وخرم التوحيد، ويبين أن التوحيد هو أعظم شيء، وأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يقاتل ولا يصول ولا يجول لا بقومية ولا وطنية ولا عروبة ولا ما.
وما شابه ذلك من الرايات العمية، وإنما يصول ويجول بالتوحيد. وإن كثيراً من الناس اليوم إنما دخل عليهم النقص عندما هونوا في أنفسهم هذه المعصية، ورأوا أن الإنسان إذا كان جيدا في خلقه وسلوكه وتصرفاته مش مشكلة هذا بحد ذاته يغفر له شركه بالله سبحانه وتعالى. الأخلاق والقيم أيها الأحبة كلها تأتي بعد التوحيد، فمن لم يكن موحدا لو كان أفضل الناس أدبا وسمتا وكلاما ولكنه مشرك بالله فهذا لا عبرة بكل أعماله، لانه نقض أساس العدل الإلهي ألا وهو أن يوحد الله سبحانه وتعالى لا شريك له.
وبالتالي على الإنسان المسلم أن يتحرى أن لا تأخذه العاطفة ولا ما يسوقه الإعلام ولا ما يروجه من اعتبار أمور أخلاقية وسلوكية أعظم من ماذا من الأمور العقدية التوحيدية. بقيام التوحيد في قلوب الناس جميعا وفي قلبك أيها الإنسان، وأن تعيش عليه وتموت عليه أعظم من كل شيء، أعظم من كل شيء من الأراضي والأوطان والدول والبلدان، كل شيء يهون مقابل أن يبقى التوحيد عاليا. هذا الأصل كلما اختل في حياة الأمة كلما تأخر نصرها، وكلما زدنا تحقيقا لمعاني التوحيد كلما اقترب نصرنا. فلذلك دائما نقول تجريد القلب من التعلق بالمخلوقين، والتفاف القلب حول المعاني الإلهية الصحيحة، وقطع العلائق بكل ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، وأن يعظم الله حق التعظيم، وأن يوحد الله حق التوحيد، وأن يخاف الله وحده لا شريك له، وأن يثبت له ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العليا، وتعطى هذه الصفات والأسماء حقها من النظر والتعبد. هذا من أعظم معاني النصر ومن أعظم معاني الثبات ومن أعظم معاني الفلاح ومن أعظم معاني النجاح، واما سائر الأمور الأخرى الدنيوية فهي دنيا يعطيها الله سبحانه وتعالى لمن يشاء من عباده.
هذه قضية مهمة لذلك سيركز عليه ابن القيم هنا؛ لأن كثيرا من الناس تختل عندهم الموازين في مسائل التوحيد فيهون عليهم تعظيمه. نعم وقعت مسألة وهي أن المشرك إنما قصده تعظيم جناب الرب تبارك وتعالى، وأنه لعظمته لا ينبغي الدخول عليه إلا بالوسائط والشفعاء. هذه شبهة أثارها البعض أراد ابن القيم أن يعالجها، وهي أن بعض الناس يقول: إن المشركين الذين اتخذوا وسائط بينهم وبين الله أليسوا عظموا الله سبحانه وتعالى بشركهم؟ كيف قال هم قالوا أننا لا نستطيع الدخول على الله مباشرة لأن مقامه عظيم وأمره جليل، فنحتاج إلى وسائط بيننا وبين الله حتى هم يدخلوا عليه من أنه نحن ندخل عليه، فوضعوا الأولياء من أصحاب القبور وسيدنا البدوي وسيدنا كذا وسيدتنا زينب ونفيسة وكل الجماعة الطيبين، وهؤلاء وضعهم بينهم وبين الله سبحانه وتعالى باعتبار أن مقامنا لا يصلح أن ندخل على الله سبحانه وتعالى فنحتاج إلى وسائط.
وهذه أصلا شبهة كفار قريش، ماذا قالوا؟ قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى. إذاً كفار قريش يقولون: نحن لم نتخذ أصناما ولا آلهة إلا لأن هذه الاصنام هي الوساطة التي ستعلق بالله وتربطنا به، ونحن اقل من أن نتكلم مع الله مباشرة. هذه من أكثر الشبهات التي تدور في أوساط المشركين وأوساط من يقع في الشرك للأسف من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ممن يقصد القبور ويدعو أصحاب القبور وما شابه ذلك. ابن القيم سيسعى للإجابة عن هذه القضايا فيقول: نعم فالشرك لم يقصد الاستهانه بجناب الربوبية وإنما قصد تعظيمه وقال: إنما أعبد هذه الوسائط لتتقربني إليه وتدخلني عليه فهو المقصود وهذه وسائل وشفعاء.
فلما كان هذا القدر موجبا لسخطه وغضبه تبارك وتعالى ومخلدا في النار وموجبا لإحلال أموالي وأن أكون من المشركين الذين لا يغفر الله لهم هو يستغرب ويحاول أن يبحث عن إجابة فيقول: نعم، وترتب على هذا سؤال آخر وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله سبحانه لعباده التقرب إليه بالشفاء والوسائط، فيكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول ممتنع أن تأتي به شريعة؟ هذا السؤال مضمونه: هل اتخاذ الوسطاء والشفعاء مع الله هل هذا تحرمه الفطرة والعقل والشرع أم أن الفطرة والعقل تجيزه وإنما جاء تحريمه فقط من الشرع؟
هذا طبيعة هالأسئلة: هل تحريم اتخاذ الوسطاء والشفعاء هل العقل يقبل اتخاذ الوسطاء والشفعاء والفطرة تقبل ذلك وإنما جاء النهي عن اتخاذهم فقط من جهة النصوص الشرعية؟ أم أن العقل والفطرة أيضا يأبيان ويرفض اتخاذ الشفعاء مع الله كما أن الشرع يحرم ذلك؟ فهل هي مسألة شرعية فقط أم شرعية عقلية باختصار؟ نعم، أم ذلك قبيح في الفطر والعقول ممتنع أن تأتي به شريعة، بل جاءت الشرائع بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كل قبيح؟ وما السر في كونه لا يغفر من بين سائر الذنوب؟
نعم، هذا السؤال الاخير ما السر أن الشرك هو الذنب الوحيد الذي لا يغفر من بين سائر الذنوب إذا مات الإنسان ولم يتب منه؟ لماذا هو الذنب الوحيد؟ هذا أيضا ضمن دائرة الأسئلة الشائكة، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ. فتأمل هذا السؤال واجمع قلبك وذهنك على جوابه، ولا تستهن فانه به يحصل الفرق بين الموحدين والمشركين والعالمين بالله والجاهلين به وأهل الجنة وأهل النار.
نعم، فنقول وبالله التوفيق والتاييد ومنه نستمد المعونة والتسديد، فانه من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ولا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع. الشرك شركان: شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، طبعا هنا أطلق الشرك وكانه أراد به الكفر عموما، هنا صحيح إطلاق الشرك لكنه أراد به الكفر عموما فيقول كأنقول الكفر كفران: كفر يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وكفر هو الذي نسميه شركا وهو الشرك معه في عبادته ومعاملته.
نعم، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. يعني كأنه انقسم الأمر أما شرك خلينا نمشي على عبارته فقال: هناك شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته هذا النوع الأول، النوع الثاني شرك يتعلق في عبادته وقصده وصاحب النوع الثاني وهو الذي يشرك في العبادة والقصد قد لا يكون ماذا أشرك في أسماء الله ولا في صفاته ولا جعل لله نده. فبالتالي يقول: هناك فرق بين الشرك الأول والشرك الثاني؛ الشرك الأول شرك في الذات والصفات والأفعال، الشرك الثاني شرك في العبادة والقصد مع أن صاحبه اه وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله. سيأتي الآن يفصل أكثر وأكثر في التفريق بين هذين النوعين.
فقال: والشرك الأول نوعان أحدهما شرك التعطيل، وهو الشرك الأول وهو الشرك بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله. قسمه إلى نوعين فقال: الشرك الأول النوع الأول منهما قال شرك التعطيل والتعطيل والتعطيل وأنواع. طبعا التعطيل بمعنى الخلو، ما هو التعطيل؟ أن تعطل شيئا أن تقول إنه خالي من هذا، فالتعطيل أنواع منها أن تعطل وجود الإله أصلا كما يفعل الملاحدة اليوم، أن تعطل وجود الإله أصلا تقول ما في إله وكما قال فرعون سياتي قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ هذا أعلى أنواع شرك التعطيل وهو أن تنفي وجود إله متصرف وذات تقوم على هذا الكون خالقة ومدبرة له.
لذلك قال: وهو أقبح أنواع الشرك ثم مثل بشرك فرعون إذ قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ ولما استهزأ قال فرعون: يَا أَيُّهَا المَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ. ففرعون عطل، ما معنى عطل؟ قال إن الكون لا يوجد فيه رب إلا هو ونسب إلى نفسه الربوبية، وإن كان كما قال سبحانه وتعالى: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا، لكنه في الظاهر عطل وجود الرب سبحانه وجحده وأنكره، فهذا أعلى أنواع شرك التعطيل.
نعم أحدهما شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك كشركه قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ وقال لهامان: ابن لي صرحا لعلي اطلع إلى إله موسى وإني لأظنه من الكاذبين. والشرك والتعطيل متلازمان فكل مشرك معطل وكل معطل مشرك.
مشرك لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته. نعم، هذه قاعدة مهمة، أنه ليس دائما المشرك في الحقيقة يكون معطلا، فأحيانا المشرك قد يشرك بالله مع أنه يقر بأسمائه وصفاته وأفعاله، لكنه يدخل عليه الشرك من جهة أخرى، فقوله وكل معطل كل مشرك معطل هو لا يقصد التعطيل التام، لأنه لو لو كان التعطيل التام كان معناته كل المشركين ملحدين، وهل كل أنواع الشرك هي الإلحاد؟ لا، الشرك أنواع وأصناف، فهناك من هو ملحد لا يؤمن بوجود الإله، وهناك من يؤمن بوجود إله غير الله الذي نعبده، وهناك من يعبد الله الذي نعبده لكنه يعبد معه وثنا أو حجرا، فالشرك أنواع وأنماط، وكل نمط فيه شيء من التعطيل وعدم إعطاء الله حق، لكنه على مراتب.
نعم، بل قد يكون المشرك مقرا بالخالق سبحانه وصفاته ولكنه عطل حق التوحيد، وهذا هو أكثر صورة أصلا، أكثر الشرك ليس إلحادا عبر التاريخ دعوكم من ظاهرة الإلحاد في الواقع المعاصر، لكن عبر التاريخ الإلحاد لم يكن هو الظاهرة الأبرز، أكثر شرك الاقوام قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم ليس شرك تعطيل، وإنما شرك اتخاذ وسطاء وشفعاء مع الله سبحانه وتعالى، فهم كانوا مقرين بالخالق كما قال ابن القيم، لكنهم عطلوا ماذا؟ عطلوا توحيد أفرده أي لم يفرد، فهذا جهة التعطيل.
إذا، التعطيل قد يكون بنفي وجود الخالق هذا تعطيل، وقد يكون التعطيل لا بماذا؟ بنفي توحيده وعدم إعطائه صفة الوحدانية، فهذا أيضا شكل من أشكال التعطيل، هذا ما يريد ابن القيم أن يصل إليه، أن التعطيل قد يكون بنفي أصلا وجود إله وتقول الحياة مادة وما فيش إله هذا تعطيل لأنك أخليت الكون عن وجود إله أصلي، وقد يكون التعطيل في صورة أخف وهي صورة ماذا؟ اثبات وجود إله لكنك تعطله عن صفة الوحدانية فشرك معه سواه، فهذا أيضا شكل من أشكال التعطيل لكنك لم تعطل وجوده بل عطلت صفة من أعظم صفاته ألا وهي الوحدانية.
نعم، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام، لاحظ ابن القيم كأنه يقول لك الكفر كلياته لو اردت أن تقيمه كل اشكال الكفر لتعود إلى ماذا؟ إلى التعطيل، وهو عدم إعطاء الله حقه هذا هو التعطيل، الآن سيعطيك ثلاثة أنواع للتعطيل.
النوع الأول: نعم، تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهذا هو الإلحاد، النوع الأول من أنواع التعطيل هو الإلحاد، قال تعطيل المصنوع عن صانعه لأن تقول إن هذا المصنوع وهذا المخلوق ليس له خالق ليس له رب أوجده وهذا أسوأ وأشنع أنواع التعطيل تنفي وجود الإله أصلا.
نعم، وتعطيل الصانع سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل اسمائه وأوصافه وأفعاله، هذا نوع ثاني، وهو أنك تثبت وجود الله لكنك لا تعطيه الأسماء التي يستحقها والصفات التي يستحقها والأفعال التي يستحقها ولا تنزهه التنزيه الحقيقي، فهذا شكل من أشكال التعطيل لأنك أخليت الله عما يستحقه في جانب من هذه الجوانب.
نعم، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد، وهذا نوع ثالث وهو ماذا؟ اللي هو جعله النوع الثاني من أنواع الشرك وهو لا تخلص في عبوديتك لله، يعني أنت قد تثبت وجود الله وتثبت له عديد من الصفات والاسماء بل لكنك لما تأتي تعامل الله ترائي ولا تكون صادقا في إخلاص المعامله له، فهذا أيضا شكل من أشكال التعطيل لكنه تعطيل في المعاملة في أثناء المعاملة والممارسة وإن كنت أثبت له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وهذا كثير ما يقع فيه المسلم بل حتى طلاب العلم.
هذا النوع الثالث من التعطيل قد يقع فيه المسلم أو حتى طالب العلم، وهو أن لا يعامل الله المعاملة التي يستحقها من الإخلاص وعدم الرياء وعدم النفاق وطلب المخلوقين، فقد تكون أنت فيك جانب من التعطيل وأنت لا تشعر يا أيها المسلم، إذا هو جعل التعطيل إما إلحاد أو عدم إعطاء الله ما يستحقه من الصفات والاسماء أو عدم إعطاء الله ما يستحقه في المعاملة، فهذه ثلاثة أنواع من التعطيل قال عليها يدور مدار الشرك والكفر بانواعه وأشكاله بل حتى الفرق المبتدعة من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرهم يقع عندهم الخلط أو الإشكال في نوع من انواع هذه التعطيل الثلاثة.
نعم، ومن هذا شرك طائفة اهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثم خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان بل الحق المنزه هو عين الخلق المشبه، طبعا ابن القيم مثله مثل شيخه وشيخ ابن تيمية رحمه الله عليه لأنه ظهر في زمنهم غلاة التصوف اتباع ابن عربي الذين يقول بوحده الوجود لازم كل يعني حتى في كتب التزكية يشير إلى هذه المناهج الضالة ليحذر منها اهل زمانه.
وحدة الوجود الذين كانوا يقولون إن الله اتحد مع الكون فالكون هو الله والله والكون ولا يوجد ذات منفصلة عن الكون اسمها الله، هؤلاء أهل وحدة الوجود الذين يقولون لا يوجد ذات منفصلة اسمها الله ويقابلها العالم، لا هذا الكون هو نفسه الله والله نفسه الكون، فهؤلاء اعتبرهم ابن القيم من النوع الأول من أنواع المعطل وهم الذين عطلوا الصانع أو المصنوع عن الصانع ولم يثبتوا وجود إله حقيقي في هذا الكون، أنك إذا قلت الله هو العالم والعالم هو الله جعلت الخالق هو المخلوق والمخلوق هو الخالق ودخلت الأمور ببعضها، فعليا أنت عطلت وجود الصانع سبحانه وتعالى ولم تثبت له وجودا حقيقيا قائما بذاته مباينا لمخلوقاته.
نعم، ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته وانه لم يكن معدوما أصلا بل لم يزل ولا يزال، وهذا نوع أيضا من أنواع ماذا؟ أيضا الإلحاد، وهو القول بماذا بقدم العالم وأن هذا العالم ليس له بداية أوجدها الله سبحانه بل العالم قديم كما أن الله قديم، أن العالم قديم كما أن الله قديم، وهذا شرك يقرب إلى النوع الثاني وهو ماذا؟ تعطيل الصانع عن اسمائه، ومن أبرز أسماء الله ما هي؟ الأول أحسنت.
فإذا قلت إن العالم قديم مع الله إذا لم تجعل لله أولية فعطل اعظم اسماء الله الحسنى وأعظم صفاته وهي الأولية، وهذا من افعال الفلاسفة الإغريقيين خصوصا الذين كانوا يقولون بقدم العالم كأرسطو طاليس وغيرهم.
نعم، والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها يسمونها العقول والنفوس، وهذه العقول والنفوس تكون أزلية عندهم كما أن الله أزلي، بعضهم يجعل الله العقل الفياض يعني حفلتهم حفلة.
نعم، ومن هذا شرك من عطل أسماء الرب تعالى وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، نعم وكل الفرق المبتدعة التي نفت اسماء الله الحسنى وصفاته العلى هي وقعت في التعطيل، لذلك غلاة الجهمية معطلة، والمعتزلة معطلة، والأشاعرة والماتورية معطلة، لكنهم على مراتب كل على حسب ما نفاه، منهم من نفى كل شيء الأسماء والصفات، ومنهم من نفى كل الأسماء وأبقى شيئا من الصفات، ومنهم من نفى حتى عفوا ومنهم من أثبت كثير من الصفات وأثبت بعضها، فهؤلاء أنواع وأشكال.
وبالتالي التعطيل ليس مرتبة واحدة، التعطيل ليس مرتبة واحدة بل بحسب سيئة الإنسان، فمنه كما قلنا من نفى الأسماء والصفات برمتها، ومنهم من نفى كل الصفات وأثبت الأسماء ولم يعطها حقها، ومنهم من أثبت بعض الصفات مع الأسماء، فهذه كلها مراتب للتعطيل وأهل السنة سالمون من جميعها بحمد الله.
نعم، فلم يثبتوا له اسما ولا صفة بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها، فصل الذات إنما تكمل بأسمائها وصفاتها أي ذات في الوجود ما الذي يجعلها نبيلة؟ ما لها من الأسماء وما لها من الصفات، فأنت إذا عطلت الله عن اسمائه وصفاته جعلت بعض المخلوقين أكمل من الله سبحانه وتعالى لأنك تثبت للمخلوقين أسماء وصفات ولكنك أيها المعطل تنفي عن الله ما له من الأسماء والصفات، والذات إنما تنبل بقدر ما لها من الأسماء الحسنى والصفات العلى، فكل من كان أشد تعطيلا كان أكثر انتقاصا لربه سبحانه وتعالى.
نعم، قال المصنف رحمه الله: فصل النوع الثاني شرك من جعل معه إلها آخر نعم ولم يعطل، طبعا هذا النوع الثاني من أي أنواع؟ من أنواع الشرك الأول، ت هو عمل لكم حفلة هو قال لك الشرك
شركان؛ شرك يتعلق بذات المعبود، وشرك يتعلق بمعاملته. ثم ذهب إلى النوع الأول، وهو الشرك الذي يتعلق بذات المخلوق وأسمائه، فقسّمه إلى قسمين: أولاً شرك التعطيل، وثانياً هذا النوع، وهو شرك من جعل مع الله إلهاً آخر. إنه شرك التعطيل أيها الأحبة، إذا لاحظتم شرك التعطيل هو أساسه أن تنفي وجود الإله، مش أنك تجعل مع الله إلهاً آخر، أساس شرك التعطيل الذي قصده ابن القيم هو نفي وجود الإله. ترى بعدين هو استطرد شوي، استطرد وتكلم عن أنواع التعطيل، لكن هذا كله استطراد دعكم، ارجع لأصل التقسيم.
والشرك الأول شركان؛ أحدهما شرك التعطيل، قصد به الإلحاد، النوع الثاني الشرك بالمعروف المتبادر إلى ذهننا، وهو أن تجعل مع الله إلهاً آخر. فإذاً هو اعتبر الإلحاد اللي هو عدم وجود الإله نوع من أنواع الشرك الأول، واعتبر النوع الثاني هو ماذا؟ هو أنك تعترف بوجود إله، لكن تجعل معه إلهاً آخر، كما كان يفعل كفار قريش، وكما كانما يفعل النصارى الذين جعلوا الله ثالث ثلاثة، وكما يجعل اليهود وهكذا ممن قالوا عزير ابن الله.
نعم، النوع الثاني شرك من جعل معه إلهاً آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك الذين جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلهاً وأمه إلهاً. ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة؛ لأن المجوس كانوا يعتقدون أن العالم له إلهان: إله النور وهذا الذي يخلق الأشياء الخيرة، وإله الشر وهذا الذي يخلق الأشياء سموه الظلمة وهذا الذي يخلق الأشياء السيئة، وكانوا يعتبرون إله النور أقوى من إله الظلمة يعني حتى هم يعني عندهم هذه التقاسم أن إله النور أقوى من إله الظلمة. وإذا كان أقوى، هل يصلح أن يكون الظلم إلهاً؟ الإله يجب أن يكون في تمام قوته.
تمام. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذي يخلق أفعال نفسه، وهذا يعني يدخل فيه المعتزلة ومن سار في فلكه ممن يقولون أن العبد هو الذي يخلق فعله بنفسه، وهذا فيه شرك بالله؛ لأنك جعلت هناك خالقاً مع الله وهم المخلوقين نعم يخلقون أفعالهم وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا أشباه المجوس.
نعم، ومن هذا شرك الذي حاج إبراهيم في ربه إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت، فهذا جعل نفسه ندا لله. آه يعني هو لم النمرود هو لم ينفي وجود الله، لكنه جعل نفسه ندا لله يفعل كما يفعل الله بخلاف فرعون، فرعون لا اعتبروا شرك شرك تعطيل؛ لأنه أصلاً نفى وجود رب قال ما رب العالمين بخلاف النمرود الذي حاجه إبراهيم قالوا إنه لم ينفي وجود الإله، لكنه أثبت لنفسه من الصفات ما لِلإله من الإحياء والإماتة والاعطاء والمنع.
نعم، فهذا جعل نفسه ندا لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طرد قولك أن أن تقدر على الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها، يعني إذا أردت أن تجعل نفسك ندا لله فطرد هذا القول يعني اضطرا يقتضي أن الله يأتي بالشمس من المشرق فأنت حضرتك اتينا بالشمس من المغرب إذا أردت أن تجعل نفسك في كمال الندية لله.
نعم، وليس هذا انتقالا كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزام على طرد الدليل إن كان حقاً. هو يعني هنا يناقش قضية جدلية؛ لأن بعض علماء الجدل في كتبهم قالوا هل انتقل إبراهيم من دليله إلى دليل آخر أم هو لم ينتقل من الدليل الأول لما قال أنا أحيي وأميت؟ الآن لما قال فإن الله يأتي بالشمس من المشرق هل هذا يعتبر من سيدنا إبراهيم انتقال إلى دليل ثاني لما عجز عن الأول؟ ابن القيم يقول: لا، إبراهيم عليه السلام هو لم يعجز عن الدليل الأول، بل أراد أن يبين له أن عليك أن تطرد في كل أقوالك. فإذا كنت تحيي وتميت وتستدل بهذا على أنك تفعل كما يفعل الإله تماماً، فساأعطيك جزئية أخرى، انظر هل عندك قدرة على الاضطراب أيضاً؟ الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب. هذا معنى قوله: وابراهيم لم ينتقل إلى دليل آخر كما زعم بعض أهل الجدل في مصنفاتهم، بل ألزمه على طرد الدليل؛ عليك أن تطرد في كل مساقات إذا كنت صادقاً أنك رب وأنك تستحق أن تنافس الرب سبحانه وتعالى الحقيقي في هذا الوجود.
نعم، ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أرباباً مدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مشرك الصابئة، الصابئة الذين الله عز وجل حذرنا من طريقهم في القرآن: والصابئين والنصارى. نعم، ومن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة؛ يعني الذين يجعلون مع الله إلهاً آخر على أنواع فيما يتفوهون به.
فبعضهم يقر أن معبوده الحقيقي هو الله، وأن كل ما يعبده إنما هي مجرد وسائط لا تسمى آلهة، ومنهم لا من يقول هذه وسائط أو من جعلته شريك هو أيضاً إله كما أن الله إله، ومنهم من يزعم أن الله سبحانه وتعالى أكبر الآلهة لكن هناك آلهة أخرى يمكن أن تتخذ معه، ومنهم من يقول لا رب العزة هو مجرد إله من الآلهة هناك كمشة آلهة في هذا الكون يعني كل منهم له ليلة كل منهم له طريقة في توصيف شركه مع الله واتخاذه إلهاً آخر معه.
نعم، ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة أن الله هو مجرد إله من جملة آلهة موجودة في الكون وليس هو الوحيد المختص باللوهية، تال الله عما يقولون علواً كبيراً. نعم، وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه، حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه. فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل، يعني أنت ونصيبك مع المشركين، ممكن واحد عنده خمس وسائط لرب العزة، وفي واحد عنده وسائط ثلاث حسب يعني هو كيف يترجم الموضوع، نسأل الله العافية.
نعم، قال المصرحف رحمه الله: فصل. الآن انتهى من النوع الأول من أنواع الشرك، وهو الشرك بذاته وأسمائه وصفاته، وقسمه إلى شرك تعطيل وشرك اتخاذ إله آخر مع الله. الآن سيذهب إلى النوع الثاني من أصل القسمه وهو شرك المعاملة؛ اللي هو النفاق والرياء، أن تعمل أعمالاً لا تبتغي بها وجه الله، وإن كنت أنت مسلماً تعبده وتوحده لكن مشكلة ذلك إذا بدأت تعامله فإنك لا تخلص له القلب ولا تتوجه إليه وحده، بل ترائي وتنظر وتلتفت في أفعالك إلى غيره، فتريد الناس ومدح الناس، وأن يقال فلان طالب علم وفلان عالم وفلان؛ فهذا شرك، ويبدأ شركاً أصغراً وإذا استمر معك قد ينقلك والعياذ بالله إلى شرك أكبر. الآن أراد أن يؤصل هذا النوع الثاني الذي يسمى شرك المعاملة.
نعم، واما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك واخف أمراً، فانه ي يعني الآن بدنا نقص القاعده أن أيهما أصعب النوع الأول من أنواع الشرك ولا النوع الثاني؟ ايش قال لكم؟ النوع الأول أصعب. النوع الأول كما قلنا أما إلحاد وأما أنت قررت أن تتخذ إلهاً مع الله تعبده، فهو بالتأكيد أصعب من النوع الثاني وهو ماذا شرك المعاملة. إن شرك المعاملة إنما يقصد به أنك تعبد الله ولا تريد أن تتخذ إلهاً معه شريكاً، لكنك ماذا ترائي أو تفعل شيئاً من الأفعال التي تنقص من توحيدك حقاً عملياً لله سبحانه وتعالى.
نعم، وهذا سيدخل فيه حال كثير ممن يتوسل بالقبور أو يتمسح بها أو يطوف بها وهو لا يقصد أن يجعلها آلهة مع الله، كحال كثير من المتصوفه ممن يذهب إلى القبور تقول له يا اخي لا تطوف حول القبور لا تستغيث، هؤلاء لو سالتهم هل أنتم تعتبرون هذا المقبور إلهاً مع الله تشركون به؟ ماذا يقولون؟ لا، بيقول لك أنا مسلم موحد أنا لا، لكن بقول له صح أنت مسلم.
موحد في اعتقادك لكن تصرفاتك من حيث الطواف بالقبور والاستغاثة بالقبور هذا باعتباره هو شكل من أشكال ماذا؟ الشرك، فالشرك في المعاملة هو يقصد إدخال حتى هذه الصور، صور الاستغاثة بالمقبورين والتوسل به، والشرك في المعاملة ليس شركاً أصغر، بل هو سيأتي معك، هو شرك أكبر، لكن هو لماذا اعتبره أهون من الصورة السابقة؟
هو يقول لك الصورة السابقة هناك شخص تعمد وتقصد أن يجعل إلهاً مع الله، فهمتم؟ يعني لو قلت له أنت اتخذت هؤلاء آلهة مع الله، يقول لك: نعم، فهذا صرح بكامل أن هناك آلهة، لكن هنا في هذا النوع هو سيتكلم عن أناس بألسنتهم يقولون إننا لا نعتقد إلهاً إلا الله، لكن ممارساتهم وأفعالهم تدل على أنهم أشركوا بالله، عرفوا أو جهلوا، تقصدوا أو لم يقصدوا.
لكن هذا النوع هو لا يقول إنه يتخذ إلهاً مع الله، لو أتيته وكشفته لا يقول إنني أتخذ آلهة مع الله، وإن كان هو من حيث الواقع قد يكون اتخذ، لكن لجهله يعتقد أن الاستغاثة بالقبور وما شابه ذلك والله ليست من قبل اتخاذ إله مع الله وإن كانت في النهاية هي كذلك، فلذلك هو جعل هذا النوع أسهل وأخف.
بس كلمة أسهل وأخف مش بدي أبارك تفكر أنه يعني خلص بيمشي الحال فيها، لا ما بيمشي، وقد وهي كثير من صورها كفر يخرج خارج أسوار الشريعة، لكنها أخف حالاً من هذه الجهة التي أقولها؛ أن صاحبها لا ينص على أنه يعبد إلهاً مع الله، وإن كان يقع في الشرك من حيث لا يدري.
نعم، واما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمراً، فانه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر وينفع ويعطي ويمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، يعني يعني يصدر من شخص يؤمن بكل هذا الكلام ومع ذلك يقع منه هذا الشرك، تنتبه؟ نعم.
ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته، نعم، بل يعمل لحظ نفسه تاره ولطلب الدنيا تاره وهذا رق نعم، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، نعم، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس.
وهو الشرك الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان في صحيحه: الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك أنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم.
إذاً فهذا النوع الثاني من أنواع الشرك قل من يسلم منه، حتى طلاب العلم والمشايخ والمص قل من يسلم منه وينجو لأنه يدب في الإنسان ويقع فيه وهو غير ملاحظ لنفسه أنه بدأ يقصد مع الله غيره، نعم أنت موحد وتقول لا إله إلا الله وأن الله هو المعبود، لكن من الناحية العملية وقع عندك رياء، وقع عندك ملاحظة للمخلوقين والله عم تبحث عن ثناء الناس تقع فيه بشكل من الأشكال.
نعم فالرياء كله شرك، قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَىَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا، أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، وكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإله يجب أن يفرد بالعبودية.
فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة، نعم وهذا شرط قبول العمل أن يكون لله خالصاً وأن يكون اتباعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وليس ابتعاداً، نعم وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وهذا الشرك في العبادة يبطل ثواب العمل، إذاً الرياء أول مشكلة في أنه يبطل ثواب عملك من صلاة من درس علمي من كذا، هذه أول مشكلة في الرياء أنه يضيع الثواب، طيب وهل سأعاقب؟ هل في أيضاً عليه حساب وعقاب؟ فماذا يقول ابن القيم؟ وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجباً.
قال: وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجباً، يعني أنت تصلي صلاة مفروضة أو تؤدي شيئاً من الأعمال الواجبة ورايت فيه، هنا ذهب الثواب وستعاقب أيضاً لأنك لم تؤدي العمل الواجب كما طلبه الله، مفهوم الكلام أنه إذا وقع في عمل مستحب وليس واجباً إذا وقع فيه رياء الثواب راح اتفقنا، لكن هل ستعاقب؟ تردد ابن القيم، تردد يعني لم يجزم ابن القيم بضرورة العقاب على كل حالة، لكن يكفي أنه أضاع ثواب العمل كمرحلة أولى.
نعم, فإنه ينزله منزلة من لم يعملها، المرائي في عمله هو ينزل منزلة من لم يعمل العمل في المنظور الإلهي، هذا معنى قوله فإن الإنسان إذا راءى في عمله ينزل منزلة من لم يعمله، لأنه ما قيمة عمل أنت راءيت فيه عند الله صفر فكأنك لم تعمل، نعم فيعاقب على ترك الأمر، فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ، فمن لم يخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتي به شيء غير بل الذي أتي به شيء غير المامور به فلا يصح ولا يقبل منه.
نعم ويقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به وأنا منه بريء، وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور وأكبر شرك المعاملة منه ما هو شرك أكبر ومنه ما هو أصغر والشرك الأكبر من هذا غير مغفور والشرك الاصغر من هذا نعم يغفره الله سبحانه وتعالى بواسع رحمته.
فشرك المعاملة للذي نحن فيه الآن ينقسم إلى أكبر وأصغر ومغفور، هذا الذي ينقسم إلى أكبر وأصغر، أما النوع الأول من الشرك وهو شرك التعطيل أو اتخاذ إله مع الله هذا لا ينقسم إلى أكبر وأصغر ذاك كله خارج الإسلام قولا واحداً، هذا النوع وهو شرك المعاملة هو الذي يقسمه العلماء إلى شرك أكبر وشرك أصغر، والشرك الأكبر غير مغفور والشرك الأصغر مغفور.
نعم والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفوراً، والنوع الأول وهو ماذا؟ النوع الأول يقصد الشرك الذي ذكرناه، الشرك في ذات الله اللي هو الالحاد واتخاذ إله مع الله، النوع الأول كله كبير ومنه ما هو أكبر لأن الإلحاد أسوأ من جعل إله مع الله، لذلك قال هذا الشرك وهو شرك المعاملة ينقسم إلى أكبر وأصغر، والأكبر طبعا غير مغفور والاصغر مغفور، قال: وأما النوع الأول اللي هو قبل صفحتين مر معنا وقسمنا إلى شرك تعطيل وشرك اتخاذ إله مع الله فهذا ما في أكبر وأصغر، هذا في إيش؟ في أكبر وأكبر الأكبر.
الأكبر قال: فهذا ينقسم إلى أكبر وأكبر الأكبر، لأن الإلحاد بالتأكيد هو أكبر من جعل إله مع الله، وإن كان كلاهما صاحبه خارج أسوار الشريعة، لكن حتى الكفر دركات اليس كذلك؟ فأيهما أسوأ عند الله من ألحاد أو من جعل إلهاً آخر مع الله؟ الاثنين كفار صح؟ نعم بس أيهما أسوأ؟ يعني ألحد، لذلك قال: والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر بس ما في أصغر، كله خارج أسوار الشريعة.
فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم أن يحب مخلوقاً كما يحب الآن، فمنه الآن هذا عوده إلى ايش؟ إلى هذا الشرك الذي نحن فيه وهو شرك العبادة والمعاملة الذي قسمه إلى أكبر وأصغر فقلت: والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس مغفوراً، هذا خلص انتهى الكلام جملة استطراد.
الان نعود إلى ما نحن فيه وهو الشرك المعاملة والذي ينقسم إلى أكبر وأصغر، فأراد أن يبين صور الأكبر منه فمثال ما منه شرك أكبر، فمنه الشرك في المحبة وهو أن تحب مخلوقاً كما تحب الله تماماً والعياذ بالله، نعم أو أن تخاف مخلوقاً كما تخاف الله أو ترجو مخلوقاً كما ترجو الله فتجعله شريكا مع الله فيها.
نعم فهذا من الشرك الذي لا يغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: وَمِنَ النَّاسِ مَن
يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم: تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين. ومعلوم أنهم ما سووه سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووه به في الحب والتعالي والخضوع لهم والتذلل.
نعم، وهذا غاية الظلم والجهل، فكيف يسوى التراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوى الفقير بالذات، الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم، بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غناه وقدرته وملكه وجوده واحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟
وهذه هي إجابة السؤال الذي طرحه صاحب الشبهة اللي عليها أسس ابن القيم: أنه إذا كنت أنا أعظم الله وأتخذ وسطاء أعبد مع الله فلماذا أعتبر مسيئا؟ أَلَسْتُ أنا معظما لله عندما اتخذت وسطاء معه وأنني لا أدخل عليه مباشرة؟ فهذه هي الإجابة، وهي هذا كل ما ذكر هذا كيف هذا ظلم لله سبحانه وتعالى أن تقصد بالمعاملة والعبادة شيء سواه؟ شيء فقير؟ شيء لا يستحق؟ شيء لا يقوم مقامه بحال من الأحوال تتقصد بالمعاملة والتوجه والذل مع أن كل هذه الأمور لا تصلح إلا أن تكون لله سبحانه وتعالى، ولا يقبل لأي واسطة أو شفيع أو شريك أنت تزعمه أن يوجه إليه بمثل هذه العبوديات.
هذه هي الإجابة الحقيقية للسؤال. نعم، فأي ظلم أقبح من هذا؟ هذا ظلم هذا ظلم لله، فالمشرك ظلم ربه سبحانه وتعالى وظلم نفسه. نعم، وأي حكم أشد جوراً منه حيث عدل من حيث عدل من لا عدل له؟ نعم، حيث عدل من لا عدل له بخلقه، كما قال تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظَّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ. فعدل المشرك من خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور لمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، فيا له من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه!
فياله من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه. نعم، هو ليس عدل، وإنما العدل هنا بمعنى التسويَة، تقول: عدلت بفلان فلان، أي سويت بينه وبين فلان. هذا معنى العدل هنا، وليس العدل بمعنى القسط.
نعم، قال المصنف رحمه الله: فصل، ويتبع هذا الشرك الشرك به سبحانه في الأفعال والأقوال والإرادات والنيات. نعم، فالشرك في الأفعال كالسجود لغيره. ويتبع هذا الشرك، الان هو النوع الاول من انواع يعني أو الصورة الأولى من صور الشرك الأكبر في المعاملة هي أن تحب مع الله شخصا آخر وتجعله في نفس المرتبة في المحبة والخوف والرجاء، فهي باختصار أعمال القلوب: أن تسوي بين الله وبين شيء من المخلوقات في أعمال القلوب الباطنة.
قال: ويتبع الشرك في أعمال القلوب الباطنة الشرك مع الله في الاقوال والأفعال الظاهرة. هذا معنى قوله: ويتبع هذا الشرك الشرك به في الأقوال والأفعال، قال: والارادات والنيات. حتى هنا ادخل بعض الأعمال الباطنة كالإرادات والنيات الحقها وجعلها ملحقة بأعمال القلوب وهي المحبة والخوف والرجاء، أن تسوي بين الله وبين غيره في هذه الأعمال. فقد يلحق هذا النوع أيضا شرك في الأقوال وشرك في الأفعال وشرك في الإرادات.
فمثال الشرك في الأفعال قال: كالسجود لغير الله، تمام. والطواف بغير بيت، لاحظوا هنا ينص ابن القيم على أن الطواف بالقبور شرك، لأن هي المسألة وقع فيها خلاف، أن البعض قال هي ذريعة للشرك، لكن ابن القيم هنا يصنفها على أنها صورة من صور الشرك، قال: كالسجود لغير الله، والطواف بغير بيته، وحلق الراس عبودية وخضوعا لغيره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذي هو يمين الله في الأرض، أو تقبيل القبور واستلامها والسجود لها. نعم، وقد لعن، اقرأ: وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها، فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟
نعم، في الصحيحين عنه أنه قال: لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد. نعم، وفي الصحيح أيضا عنه صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام أن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك. وفي مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عنه صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام: لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، وقال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. وقال: إن من كان قبلكم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة.
فهذا حال من سجد لله في مسجد على قبر، فكيف حال من سجد للقبر نفسه؟ يعني إذا كان من سجد لله في مسجد فيه قبر عليه هذا الوعيد الشديد، فما بالك بمن سجد لنفس القبر ولنفس الولي وقال: أنا أسجد للبدوي ولا لسيدنا فلان؟ إذا كان الله تواعد من سجد له في مسجد فيه قبر، فمن باب أعظم أن تسجد لنفس المدفون المقبور، هذا من أقبح صور الشرك والعياذ بالله. نعم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد.
وقد حمى النبي صلى الله عليه وسلم جانب التوحيد أعظم حماية، حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها. يعني لماذا وقت طلوع الشمس ووقت غروب الشمس وقت نهي لا تجوز الصلاة فيه؟ هو حماية لجناب التوحيد، حماية لجناب التوحيد، لأن كثيرا من النصارى وعباد يعني في ذاك الزمان كانوا يسجدون للشمس عند طلوعها وعند غروبها، فهذا من أسباب النهي عن الصلاة في هذين الوقتين حتى لا تظهر وكأنك تحاكيه في السجود للشمس. نعم، لأن لا يكون ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها في هاتين الحالتين، وسد الذريعة بأن منع وسد الذريعة بأن منع من الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس.
وأما السجود لغير الله فقال: لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله. ولا ينبغي في كلام الله ورسوله للذي هو في غاية الامتناع شرعاً، هذه ملاحظه وفائدة يعني لطيفه من ابن القيم، يقول: في القرآن والسنة إذا وجدت لفظة لا ينبغي فلا تستعمل إلا فيما اشتد قبحه، يعني لا يستعملها الله ورسوله في أمر يعني من الصغائر. مفردة لا ينبغي إذا وردت في الكتاب والسنة إنما يستعملها الله ورسوله فيما اشتد وعظم أمره، لذلك قال: وإنما تجيء لا ينبغي في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم لما هو في غاية الامتناع يعني في أعلى درجات التحريم. نعم، لقوله تعالى: وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا، وقوله: وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ، وقوله: وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ، وقوله عن الملائكة: مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ.
نعم، فهنا ذكر صورا من صور الشرك الفعلي الذي يكون بالجوارح، وهذا نوع مخرج من الملة. هذا النوع مخرج من الملة، فالسجود لاصحاب القبور والاستغاثة به، الاستغاثه ربما ستأتي معنا في الشرك اللفظي، لكن المهم السجود لاصحاب القبور وحلق الرأس لسيدي فلان ومش سيدي فلان هو حقيقة من صور الشرك المخرج من الملة. الان طبعا تاتي قضية عدم اسقاط الاحكام على الأعيان حتى تتأكد الشروط وتنتفي الموانع، لكن هو كتوصيف كتوصيف من صور الشرك الاكبر.
نعم، قال المصنف رحمه الله: فصل، ومن الشرك به سبحانه الشرك به في اللفظ. إذا هذا من أنواع الشرك الأكبر أيضا التي تكون من أنواع الشرك المعاملة: الشرك بالألفاظ. وسياتي بصور قد تكون ليست كلها من صور الشرك الأكبر، بعض الصور التي سيذكرها ستندرج تحت صور الشرك الاصغر، مثل قال: كالحلف بغيره. الحلف بغير الله كما هو
معلوم هو أساساً من ماذا؟ من صور الشرك الأصغر، ولكن لماذا جعل صورة من صور الشرك الأصغر؟ لأن المداومة عليه والاستمرار عليه هو ذريعة للوصول إلى ماذا؟ إلى الشرك الأكبر، وتعظيم غير الله بمنزلة تعظيمك لله، فلأنه ذريعة إليه يسمى صورة من صور الشرك الأصغر. نعم، كالحلف بغيره، كما رواه الإمام أحمد وأبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: من حلف بغير الله فقد أشرك، صححه الحاكم وابن حبان. ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً قال له: ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندّاً؟ قل: ما شاء الله وحده. هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة كقوله: لِمَن شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ.
فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا في حسبي الله وحسبك، وما لي إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك؟ كل هذه الألفاظ فيها نوع من الشرك وعدم تعظيم الله، وأنه لا يجوز أن تسوي بين المخلوق وبين الله. دائماً تقول بعض الناس بيقول لك: توكلت على الله وعليك، أو داخل على الله وعليك، وغير هذا هي ألفاظ نوع من أنواع الشرك. نعم، لا تخرج صاحبها من الملة، لكن الاستمرار عليها والاستهانة بها والعياذ بالله قد يصل بك إلى الشرك الأكبر.
نعم، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لي في السماء وانت لي في الأرض، أو يقول: وحياة فلان، أو يقول: نذراً لله ولفلان، أو أنا تائب لله ولفلان، أو أرجو الله وفلاناً، ونحو ذلك. ووازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: ما شاء الله وشئت، ثم انظر أيهما أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي صلى الله عليه وسلم لقائد تلك الكلمة. لقائد تلك الكلمة ماذا أجابه النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: أجعلتني لله ندّاً؟
فاللي بيقول: داخل على الله وعليك، ومتوكل على الله وعليك، هو أولى أن يقال له: أجعلتني لله ندّاً. نعم، وانه إذا كان قد جعله لله ندّاً بها، فهذا قد جعل من لا يداني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من الأشياء، بل لعله أن يكون من أعدائه، ندّاً لرب العالمين. يعني إذا كان ذاك الصحابي اللي أخطأ، جعل النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعظم المقامات جعله لله ندّاً، وأزره النبي عليه الصلاة والسلام، فما بالك بمن يقول هذه الألفاظ لأشخاص لا يساوون نعل النبي عليه الصلاة والسلام، ويجعلهم أنداداً لله، بل قد يكون عدواً للشرع وتجعله ندّاً لله وتعطف على الله؟ هذا أشنع وأشنع.
نعم، السجود والعبادة والتوكل والإنابة والتقوى والخشية والتحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعاً وتعبداً والطواف بالبيت والدعاء، كل ذلك محض حق الله الذي لا يصلح ولا ينبغي لِسِوَاهُ من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفي مسند الإمام أحمد أن رجلاً أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أذنب ذنباً، فلما وقف بين يديه قال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد. فقال: عرف الحق لأهله. سبحان الله، نعم، عرف الحق لأهله، أن التوبة ليست لي وإنما إلى الله.
نعم، قال المصنف رحمه الله: فصل، وأما الشرك في الإرادات والنيات، فذلك البحر الذي لا ساحل له وقل من ينجو منه، وقل من ينجو منه يعني أن تعمل عملاً خالصاً لله لا شائبة فيه لمخلوق، هذا قل من ينجو منه من طلاب العلم وطالباته، ومن السالكين والعباد ومن من كان، لأنه قضية أنك لا تلتفت إلى غير الله وانت تفعل العمل هذا يحتاج إلى مراقبة شديدة ومتابعة حثيثة لتفكيرك وتوجهك وقلبك في كل كلمة تقولها. نعم.
فمن أراد بعمله غير وجه الله، أو نوى شيئاً غير التقرب إليه وطلب الجزاء منه، فقد أشرك في نيته وإرادته. والإخلاص أن يخلص لله في أقواله وأفعاله، وأراداً من الخاسرين، وهي ملة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أفه السفهاء.
فصل، إذا عرفت هذه المقدمة، فتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، لا برجعك للسؤال المذكور الذي ابتدأ به كل هذا التفصيل. نعم، فنقول، ومن الله وحده نستمد الصواب: حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق والتشبيه للمخلوق به. إذا جعل يقول خلاصه الشرك، لو اردنا أن ننظر في أنواع الشرك وأصنافه وأشكاله، فإن خلاصه الشرك هو ماذا؟ يقول هو أن تتشبه بالخالق في نفسك، أو أن تشبه مخلوقاً بالخالق.
سيعطي شرحاً لهذه العبارة، لكن هو يقول: باستقراء لأنواع الشرك وجدت أن الشرك يدور على ماذا؟ على التشبه بالخالق، أن الإنسان يتشبه بالخالق في أسمائه وصفاته وأفعاله، أو يشبه مخلوقاً آخر بالله سبحانه وتعالى. كيف ذلك؟ انظر ماذا قال. نعم، هذا هو التشبيه في الحقيقة، فهذا هو التشبيه الذي ينبغي أن يحارب وأن يذم، وليس طريقتهم أهل السنة والجماعة في إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى هي التشبيه المذموم، وإن كان المعطلة من الأشاعرة وغيرهم يذمون أهل السنة والجماعة بأنهم ماذا؟ مشبهة ومجسمة، والحفلة اللي تعرفونها دائماً.
فيقول: التشبيه الذي يحارب ليس إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى، وإنما التشبيه الذي يحارب هو التشبيه الذي يصل بصاحبه إلى الشرك والعياذ بالله. نعم، هذا هو التشبيه في الحقيقة، لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم. فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته، وركس بلبسه الأمر، يعني أنهم أصبحوا يلبسون الأمر فيجعلون التشبيه المذموم وإثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى ويجعلون اتخاذ وعبادة القبور والتوسل بها والاستغاثة بها قمة التوحيد، وعكسوا كل الأمور.
سبحان الله، اصبحت استغاثة بالمقبور والذهاب إلى قبور الأولياء توحيداً، واصبح الذي يثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى مجسماً مشبهاً. وأما الواقع هو أن ما تفعلونه أنتم من عباده القبور وقصدها والتوجه إليها ودعوه الناس، هذا هو التشبيه الحقيقي الذي ينبغي أن يذم وأن يحارب وقمطر الشرك. واما إثبات الأسماء الحسنى والصفات العلى فهذا قمة التوحيد حقيقة. لكن ايش يقول ابن القيم؟ ماذا نفعل لمن انتكست قلبه وفطرته، نعم، وركس بلبسه الأمر، وجعل التوحيد تشبيهاً، وجعل التشبيه كعبادة القبور والاستغاثة تعظيماً وطاعةً.
نعم، فالمنشرك مشبه للمخلوق بالخالق في خصائص الإلهية. كيف ذلك؟ قال: نعم، فان من خصائص الإلهية التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق. نعم، فانت عندما تقول للشخص: اذهب إلى قبر الولي الفلاني وادعوه، أو إلى السيد الفلاني وتقرب إليه واعطه، انت حقيقة جعلت النفع والضر والعطاء والمنع بيد مخلوق، فشبهت المخلوق بالخالق في عطائه ومنعه، فمن المشبه حقيقة؟
نعم، هذا الذي يجب أن يدرس. وجعل ما لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشوراً، فضلاً عن غيره، شبيهاً لمن له الأمر كله، فازمر الأمور كلها بيده ومرجعها إليه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، بل إذا فتح لعبده باب رحمة لم يمسكها أحد، وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات. إذاً، من أقبح أنواع التشبيه هو تشبيه أصحاب القبور العاجزون بالذات، وأصل خلقتهم، تشبيههم بالقادر الغني بالذات سبحانه وتعالى، وإعطاء ما الله لهؤلاء، فهذا هو أصل الشرك الذي وقع في حياة الناس.
نعم، ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده، والتعظيم والاجلال والخشية والدعاء والرجاء والإنابة والتوبة والتوكل والاستعانة وغاية الذل مع غاية الحب، كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون له وحده، ويمنع عقلاً وشرعاً وفطرةً أن يكون لغيره. هذه إجابة السؤال السابق: هل عبادة غير الله منهي عنها شرعاً أم شرعاً وعقلاً وفطرةً؟ هنا.
ينص ابن القيم على الجواب في ثنايا كلامه: كل ذلك يجب عقلاً وشرعاً وفطرة أن يكون لله وحده، وليس النهي عن الشرك فقط مأخذه شرعي، بل عقلي وفطري قبل أن يكون شرعياً. نعم، جعل شيئاً من ذلك لغيره، فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له ولا ند له، وذلك أقبح التشبيه وأبطله.
ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم، أخبر سبحانه عباده أنه لا يغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
طيب، نقف إن شاء الله عند هذا القدر اليوم، ونكمل في المجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل