تسجيل الدخول

التّعلِيق عَلى كتاب الدَّاء وَالدَّوَاء | المجلس الرابع عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.

حياكم الله مع عش طلبة العلم في مجلس جديد نقيده في مدارسة كتاب الداء والدواء للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. هذا الكتاب الذي يعالج المشكلة الأساسية في حياة كل مسلم ومسلمة، ألا وهي مشكلة الذنوب والمعاصي من كبائرها إلى صغائرها، ويعلمك كيف تعالج هذا الملف وكيف تتعامل معه من خلال جوانب متعددة. وهو من أعظم وأنفع الكتب التي كتبها أهل العلم في معالجة هذا الملف بالتدقيق والتفصيل.

وحقيقةً أحياناً أيها الأحبة، مجرد إثارة هذه المواضيع بشكل مستمر في حياة الإنسان هي قد تكون سبباً من أسباب علاجه من آفة المعاصي. يعني أحياناً يقول الإنسان: ما فائدة أن استمر في حضور مثل هذا المجلس؟ ألا يكفي مثلاً أن آخذ قسطاً من الكتاب ويكفي؟ ألا يكفي أن أعالج موضوع آثار الذنوب وأقفز عن باقي الكتاب؟ حقيقةً أيها الأحبة، من أعظم منافع الاستمرارية في قراءة هذه الكتب ومدارستها أن يبقى هذا الملف مفتوحاً على الطاولة كما يقولون. أن يبقى هذا الملف، ملف الذنوب والمعاصي وهذه الآفة، أن يبقى الملف مفتوحاً، وتبقى تنظر في طرق العلاج ووسائل النظر والآليات التي يذكرونها؛ فإنك لا تدري متى تأتي الكلمة التي تنفعك، اليس كذلك؟

لا تعرف من أي توجيه أو في أي سطر أو في أي صفحة من الصفحات سيصيب ابن القيم قلبك. لا تعرف، هي قد تكون سطراً أو جملة أو فكرة طرحها ابن القيم هي التي ستغير حياتك، وتفتح لك ملفاً جديداً مع الله سبحانه وتعالى في هذا الموضوع. بالتالي، لو لم يكن لحضور هذه المجالس قيمة وأهمية إلا إبقاء ملف المعاصي والذنوب مفتوحاً أمامك لتنظر فيه، ولتعرف نقصك وتقصيرك، ولتبكي على خطيئتك، لكفى بذلك فضلاً وشرفاً! فما بالك، كما قلنا، أن ابن القيم يعطيك معالجات، ويعطيك وسائل، ويعطيك مهارات، ويعطيك تمارين، ويعطيك آثاراً، ويحاول أن يفهمك كيف تتعامل مع هذا الملف؟

وأنت أيها المسلم، ينبغي أن تكون عندك إرادة وعزيمة أنك تريد التغيير، أنك تريد الإصلاح، وأنني جاد في التعامل مع هذا الملف الآن. إذا أنت غير جاد في التعامل مع هذا الملف، أي نعم، قد تكون الفائدة محدودة، أما إذا أنت جاد في إصلاح نفسك وإرادتك التغيير والارتقاء والسمو نحو الأفضل في علاقتك مع الله عز وجل، نعم، استدامة القراءة وتكرار القراءة وفتح هذا الموضوع مرة بعد مرة، والاستمرار على الأقل أسبوعياً في حضور مجلس في هذا الملف، سيكون شيئاً جيداً في حياتك، على الأقل ألا تغفل، وعلى الأقل يبقى القلب مستيقظاً أنه في خطأ في الحياة يجب معالجته.

فإن أكثر الناس نسي هذا الخطا، وأكثر الناس قد يعيش دهوراً سنوات وموضوع الذنوب والخطايا لا يخطر في باله أن يستغفر منه أو ينتبه عليه. فاحمد الله أن لك مجلساً أسبوعياً يجدد لك هذه النظرة، ويزكيك، ويدفعك، ويرفع همتك وشكيمتك: ضروري أعالج هذه القضية، ضروري أعيد النظر، لابد كذا وكذا. تبقى تكرر على نفسك مثل هذه الأفكار، هذا من أعظم الأمور حتى لا يموت القلب.

أظن أننا وصلنا مع ابن القيم في الكلام عن أعظم الذنوب والمعاصي ألا وهي ماذا؟ ايش قال؟ اعظم الذنوب ما هي؟ الشرك. فما زal ابن القيم يتكلم لماذا الشرك هو أعظم الذنوب؟ لماذا الشرك؟ وطرح سؤالاً: لماذا اتخاذ وسطاء وشفعاء مع الله يعتبر من أعظم الذنوب؟ لماذا جعله الله أعظم من الزنا والخنا وشرب الخمر وشهادة الزور؟ أليس الإنسان الذي يتخذ شفعاء وشركاء يوصلونه إلى الله، أليس هذا الإنسان فعل شيئاً جيدا في نظره بعض الناس أنه اتخذ واسطة استحياء أن يدخل على الله مباشرة؟

فمثل هذه الأسئله حقيقه قد تجول في ذهن بعض الناس، والاجابة مهمه. والاجابة مهمه لاننا اليوم للاسف في أوساط كثير من العامة موضوع الشرك، موضوع مثلاً النصارى واليهود وما عندهم من الشركيات، موضوع عبادة القبور وما شابه ذلك، كل هذه الأمور ما عاد لها التعظيم الكبير في نفوسهم. يعني لو قلت له ترى فلان يستغيث بالقبر أو يستغيث بالحجر ترى لا يجد في نفسه نفوراً كثيراً، لكن قل له: فلان زنى، يجد في نفسه من النفور ما هو أعظم. الآن، شيء جيد أنك تنفر من الزنا وذا بالتاكيد، لكن المشكلة أين؟ أين المشكلة في هذا الموقف؟

أنه جعل جريمة الزنا أعظم في قلبه من جريمة الشرك بالله، وأصبحت ترى أناساً يمارسون جريمة الشرك ليلاً ونهاراً ويدعون لها ويصرون لها، وفلسفة، وأنت ما عدت تشعر بأي مشكلة في هذا الملف! لكن إذا وجدت مثلاً الزنا وما شابه ذلك من كبائر الذنوب، استعظم هذا الأمر أكثر من استعظامه للشرก بالله. طبعا الزنا عظيم وعظيم وعظيم، لكن ما هو أعظم من الذي لا يجب أن ينزل عن مستواه، بل يجب أن يكون أعلى من مستوى الزنا، هو الشرك.

وأنا أظن أننا نعيش في واقع، واقع دين الإنسان الذي يحاولون فرضه على المجتمعات، أنه نجتمع في الإنسانية، وأن موضوع ماذا تعتقد هذا بينك وبينك الله، أنت تعبد إلهاً واحداً، هذا يعبد إلهين، هذا يعبد ثلاثة، هذا يعني سلوك نفسي، يعني ليس مؤثراً، لكن أهم شيء أنك ما تزني، أهم شيء أنك لا تقع في فواحش الأمور، أهم شيء أنك تحافظ على الأخلاق العامة. طب هذه أمور عظيمة، الأخلاق وكذا وعدم الزنا، لكن لماذا جعلت الشرك وكأنه كإطلاق نظر، كأنه مجرد معصية من المعصيات التي يمكن أن يغض الطرف عنها؟

هذا التهوين من عظيم هذه المعصية مشكلة كبيرة في واقع الأمة اليوم، أنك لا تستعظم في قلبك أفعال المشركين، وبالتالي عليك أن تتعامل مع أي شخص منهم أو حتى أن تروج لبدع أو أن يمكن أن تقع في فخ من أفاخ من يروج لعبادة القبور أو ما شابه ذلك. فهنا ابن القيم يريد أن يسلط الضوء، لماذا؟ يعني هذه إجابة مهمة أن تعرفها أنت، وأن تعلمها لزوجك ولأبنائك: لماذا جعل الله الشرك أعظم من كل المعاصي والذنوب؟ ولماذا يجب أن يكون استقباح لهذه المعصية أعظم من استقباح لجميع الذنوب والمعاصي الأخرى؟

فما زال ابن القيم يحاول أن يعالج هذه القضية، ووصلنا إلى قوله إن حقيقة الشرك هو ماذا؟ ماذا قال في حقيقة الشرك من يتذكر في الفصل الأخير؟ قال: حقيقة الشرك المشرك ماذا يفعل؟ آه يا شيخ؟ أحسنت، قال: الشرك حقيقته أنك تشبه المخلوق بالخالق، وتعطي الخصائص الإلهية التي يجب أن يتفرد بها الإاله، تعطيها لمخلوق ضئيل لا غنى له عن الإله طرفة عين. هذا الجرم هو أن تعطي ما للخالق للمخلوق، وتشبه المخلوق في أفعاله وخصائصه بالخالق. هذا من أعظم الافتراء على الله سبحانه وتعالى، ومن أعظم الانتقاص لله عز وجل، وسياتي ابن القيم بعد قليل ويقول لك: هو من عظيم سوء ظنك بالله عز وجل أن تجعل له شريكا في ملكه أو في عبوديته أو في اسمائه المختصة به أو في صفاته العلى.

دعونا نكمل، أظن أننا وصلنا إلى قوله: ومن خصائص الإلهية التي للأسف أعطاها بعض الناس للمخلوقين. من خصائص الإلهية التي أعطاها بعض الناس للمخلوقين، قال: نعم.

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولالها في فلسطين ولجميع المسلمين. قال المصنف رحمه الله: ومن خصائص الإلهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل.

هذا التعريف للعبادة يركز عليه ابن القيم في كتبه كثيراً، تعريف العبادة. الآن، أنتم تعرفون التعريف الشائع لشيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله عليه للعبادة، هو ماذا يقول؟ العباده اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الاقوال والافعال الظاهرة والباطنة. حقيقة، إذا أردت أن أكون دقيقاً، هذا الذي يقول شيخ الإسلام هو ليس تعريفا للعبادة، هو تعريف

أما العبادة كعدة، ما مفهومها؟ فهو ما يذكره ابن القيم، ولا استبعد أنه أصلاً ذكر عند ابن تيمية؛ لأن ابن القيم تبع له في هذه الأمور، أن العبادة كمفهوم هي غاية الحب مع غاية الذل. يعني، متى أقول أنك عبدت شيئاً؟ ها؟ متى أقول أنك عبدت شيئاً؟ عبدت شجراً، عبدت حجراً، عبدت رباً. متى أقول أنك عبدت؟ ما معنى العبادة؟ الشيء الذي تخضع له حبا، وتخضع له ذلا، أنت عبته. فالدرهم والدينار إذا كنت تخضع له حبا وتخضع له ذلا، عم بذلك فانت عبدته، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدينار.

إذا أنت كانت هناك امرأة تخضع لها حبا وتخضع لها ذلا وتذل نفسك من أجلها، أنت مارست شكلاً من أشكال العبودية، بغض النظر يعني أنت مارست شكلاً من أشكال العبودية، بغض النظر أنك انتقلت للشرك الأكبر ولا لا، لكن هو شكل من أشكال التعبد المنهي عنه تماماً؛ لأن حقيقة العبادة التي أمرنا بها أن نعطي الإله كامل حبنا مع كامل الذل. هذا معنى أنك تتعبد الله، أنك تعطيه كامل المحبة والتعلق القلبي مع كامل الذل والخضوع الإيماني، عندئذ اسميك عابداً له. لكن هذه العبادة حتى تكون مقبولة، يجب أن تفرد بها الإله، يعني لو أعطيت كامل الحب مع كامل الخضوع لله ولشيء آخر، ماذا نسميك؟ أشركت. هذا ما نسميه، إعطاء كامل الحب وكامل الخضوع هذا لا يجوز أن تعطيه إلا لله، فمتى صرفت جزءاً منه إلى غيره وقعت في الشرك. قد يكون أصغر في البداية، لكن يمكن أن يتطور ليصبح شركاً أكبر، بحسب درجة ذلك وحبك لغير الله سبحانه وتعالى.

نعم، قال رحمه الله: وهذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. نعم، فتفاوت الناس في مقام العبودية لله إنما بحسب تفاوتهم في تحقيق هذين الأصلين، فمن كان لله أكثر حباً ومن كان له أكثر خضوعاً، كان له أكثر تعبداً. يعني كيف تعرف درجتك في العبودية؟ يقول ابن القيم: بكمال تحقيقك لهذين الركنين، من كان أكثر حباً لله وأكثر خضوعاً لله، أكثر تعبداً له، وكلما ضعف هذان الأصلان أو أحدهما في قلبك تجاه ربك، كلما ضعفت عبوديتك.

نعم، قال رحمه الله: فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله، فقد شبهه به في خالص حقه. إذاً هذا نوع من أنواع التشبيه، مش قلنا الشرك هو تشبيه المخلوق بالخالق؟ فهو يريد أن يعطيك كيف يكون هذا، فيقول: أنت إذا صرفت الحب لغير الله والخضوع لغير الله، فانت شبهت المخلوق أو أعطيت ما للخالق للمخلوق، وهكذا يكون شرك، جعلت هذا الحب ليس خالصاً لله بل أعطيت جزءاً منه لمخلوق، وجعلت الذل ليس خالصاً لله بل أعطيت جزءاً منه لمخلوقاته، فشبهت المخلوق بالخالق.

نعم، قال: وهذا من المحال أن تجيئ به شريعة من الشرائع، وقبحه مستقر. يعني محال أن تأتي شريعة تامرك أن تذل لغير الله، وأن تخضع لغير الله، وأن تعطي حب العبودية لغير الله تماماً. قال: وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل، ولكن غيرت الشياطين فطر الخلق وعقولهم وأفسدت عليهم واجتلتهم عنها. ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى، فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرهم وعقولهم، فازدادوا بذلك نوراً على نور، قال تعالى: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ.

إذا عرف هذا، فمن خصائص الألهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به. يعني الآن خلص يبدا يعطيك تفاريع، إذا سجدت لغير الله فقد شبهت هذا الذي سجدت له بالله؛ لأن السجود هو ممارسة من ممارسات قمة الحب مع قمة الذل، أليس كذلك؟ هو شكل من أشكال هذه الممارسة، فإذا صرفتها لمخلوق أو لصنم أو لولي أو لأي بدك إياه مما يسجد له اليوم، فانت شبهت هذا بالله سبحانه وتعالى ولم تعطي الله كامل العبودية الخالصة له.

نعم، قال رحمه الله: ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به، ومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به، ومنها الحلف باسمه تعظيماً وإجلالاً له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به. هذا في جانب التشبيه، وأما في جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى الإطراء في المدح والتعظيم.

إذاً، الجزء الأول تكلم لأنه ماذا قال في تعريف الشرك؟ قال: حقيقة الشرك هو التشبه بالخالق وتشبيه المخلوق به. فتكلم في الصور السابقة عن التشبه بالخالق، الآن سيتكلم عن الجانب الآخر وهو في جانب التشبه به، يعني أن تشبه مخلوقاً بالخالق هذا شيء، وأن تتشبه أنت في نفسك بالله هذا مقام أسوأ وأسوأ. يعني أنت عندما تشبه مخلوقاً بالخالق أنت أشركت، لكنك أعضيت الشراكة لغير نفسك، أعطيتها لصاحب قبر أو صاحب شجر أو ما شابه ذلك، المشكلة الأعوص أن بعض الناس لا، هو يريد أن يجعل نفسه مزاحماً، أن يجعل نفسه مزاحماً.

ابن القيم: وأما في جانب التشبه به، نعم، قال رحمه الله: فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى الإطراء في المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفاً ورجاءً والتجاءً واستعانة، فقد تشبه بالله ونازعه في ربوبيته وإلهيته، وهو حقيق بأن يهينه غاية الهوان. حقيق يعني جدير، نعم، قال: ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله عز وجل: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحداً منهما عذبته.

وإذا كان المصور الذي يصنع، المراد أنها إزاري وردائي لأنها من خصائص، هذه من ألفاظ الكناية حتى تفهموا ما معنى قول رب العزة: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، البعض يقول لك: ما معنى هذه العبارات؟ هذه كنايات عند العرب، لما أقول أنا متزر بالحلم، إيش يعني أنا متزر بالحلم؟ يعني متصف به ملتصق به تمام الالتصاق، فهذه ألفاظ كنائية. لما نقول: الكبرياء ردائي، المراد أنه من الصفات الخاصة التي لا أسمح لأحد أن يتصف بها، لذلك جعلها إزاراً ورداءً، أي أنها من صفات الخاصة يتكلم عن نفسه سبحانه التي لا أسمح لأحد أن يقول أو يدعيها لنفسه.

نعم، قال رحمه الله: وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لتشبه بالله في مجرد الصورة، إذا كان المصور - والمراد المصور هنا بما نختاره من أقوال أهل العلم الذي يصنع التماثيل من ذوات الارواح، الذي يصنع تماثيل من ذوات الارواح أو يرسم رسوماً كاملة من ذوات الارواح - إذا كان اعتبر متشبهاً بالله في التخليق، فالله عز وجل لعنه ونهى عن هذا الفعل، فما بالك بمن يتصف بصفات الله ويدعي لنفسه ما هو من خصائص الله؟ إذا كان المصور ملعوناً فما بالك بغيره؟ هذا الذي يقصده، لكن ننتبه، ما المراد بالمصور؟ هذه العبارة فيها من نوع اشتراك، أن تطلق حتى على من يستعمل الأجهزة الفوتوغرافية أو ما شابه ذلك، الذي يظهر لنا أن هؤلاء ليسوا بمقصودين، وأن هذا من اشتراك الألفاظ، والمراد بالتصوير هو النحت أو الرسم لذوات الأرواح، كما دل على ذلك كلام العلماء المحققين.

نعم، قال رحمه الله: لتشبهه بالله في مجرد الصورة، فما الظن بالتشبه بالله في الربوبية والإلهية؟ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشد الناس عذاباً يوم القيامة المصورون، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم. وفي الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: قال الله عز وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقاً كخلقي، فليخلقوا ذرة، فليخلقوا شعيرة. فنبه بالذرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر. يعني إذا كنت لا تستطيع أن تخلق ذرة وشعيرة، فلماذا تتشبه بصفات الله في خلق ما هو أعظم من ذلك؟ اليوم الغرب يحاول يخلق بقرة ويحاول يعمل استنساخ ويحاول يتعب نفسه من أجل أن يجعل نفسه أنه يخلق كما يخلق الخالق، مع أنه كلها محاولات فاشلة وكل محاولات مغلوطة. ادعاع أنك خلقت، لأنك في النهاية حتى لو كنت تستنسخ أنت تعتمد على مادة أولى خلقها الله وأنت لم تخلقها.

نعم، قال رحمه الله: والمقصود أن هذا حال من تشبه به في صنعه صورة، فكيف حال من تشبه به؟

في خواص ربوبيته وإلهيته، وكذلك من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا لله وحده، كملك الملوك وحاكم الحكام ونحوه. يعني بعض الناس يسمي نفسه ملك الملوك وحاكم الحكام، وهذه كلها أسماء منهي عنها. نعم، وقد ثبت في الصحيح أنها خاصة بالله، هو ملك الملوك، هو حاكم الحكام. نعم، حتى بعض أهل العلم أنكر لفظة قاضي القضاة، وإن كان البعض استسهل فيها، لكن حتى لفظة قاضي القضاة كثير من أهل العلم أنكرها وقال: لا تصح، لأن قاضي القضاة هو رب العزة سبحانه وتعالى.

نعم، وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن أخنع الأسماء عند الله رجل يسمى بشاهنشاه، أي ملك الملوك. لا ملك إلا الله. لفظ أغيض رجل على الله رجل يسمى بملك الأملاك. فهذا مقت الله وغضبه على من تشبه به في الاسم الذي لا ينبغي إلا له، فهو سبحانه ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، فهو الذي يحكم على الحكام كلهم ويقضي عليهم كلهم لا غيره.

قال رحمه الله: إذا خلاصة ما يريد أن يقول في هذا الفصل أن حقيقة الشرك أن تشبه مخلوقاً بالخالق أو أن تتشبه أنت بالخالق. يعني هكذا يريد أن يقول، أما أن تشبه غيرك بالله فتسجد له وتزعم له أنه يعطي وينفع ويضر، هذه الصورة، أو أنك أنت تتشبه بالله وتعطي لنفسك من الخصائص التي لا تعطى إلا لرب العزة سبحانه وتعالى.

نعم، قال رحمه الله: إذا تبين هذا فها هنا أصل عظيم يكشف سر المسألة يكشف سر المساله. هنا سيكشف ابن القيم لماذا الشرك يعتبر من أعظم الإساءات إلى الله؟ ما زال كل ما سبق هو يقدم ويمهد حتى يصل إلى هذا الفصل: لماذا يعتبر الشرك أعظم ذنب عند الله سبحانه وتعالى؟ بناء على هذا المبدأ الذي سيقرره هنا، شوفوا ماذا قال.

نعم، قال رحمه الله: وهو أن أعظم الذنوب عند الله إساءة الظن به، فإن المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس، وظن به ما يناقض أسمائه وصفاته، ولهذا توعد الله سبحانه الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. وقال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم برَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّن الْخَاسِرِينَ. وقال تعالى عن خليله إبراهيم أنه قال لقومه: إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

أقرا فما؟ أيوه، قال: أي فما ظنكم أن يجازيكم به إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره؟ وما ظننتم به حين عبدتم معه غيره؟ وما ظننتم باسمائه وصفاته وربوبيته من النقص حتى أحوج ذلك إلى عبودية غيره؟ هذه الفكرة الأساسية أن عبوديتك لغير الله وقصدك لصنم أو لحجر أو لشجر أو لقبر هو إساءة ظن بالله، إساءة ظن بالله، فإن الإنسان إنما يذهب إلى الغير عندما يضعف ارادته للأول. أنت متى تصرف الشيء لغير الله؟ إذا ساء ظنك بالله بشكل من الأشكال، فهذه الفكرة الأساسية التي سيبني عليها ابن القيم لماذا الشرك هو أعظم الذنوب لأنه إساءة ظن برب العالمين. وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم برَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّن الْخَاسِرِينَ. فالله عز وجل لا يقبل أن يساء الظن به.

نعم، قال رحمه الله: فلو ظننتم به ما هو أهله، من أنه بكل شيء عليم، وهو على كل شيء قدير، وأنه غني عن كل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه، وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا يخفى عليه خافية من خلقه، الكافي لهم وحده فلا يحتاج إلى معين، والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه، وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم يحتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم، ويعينهم إلى قضاء حوائجهم، وإلى من يسترحمهم ويستعطف بالشفاعة.

يعني ملوك الأرض لماذا يحتاجون إلى شفعاء ووسطاء؟ لضعف علمهم وضعف اطلاعهم وضعف قلوبهم، فتحتاج إذا أردت أن تدخل على ملك من ملوك الأرض إلى شفعاء ووسطاء ودخلاء، هم الذين يشفعون ويبلغون الحاكم بحاجته، لكن الله واسع العلم واسع القدرة واسع العطاء، فهو لا يحتاج أن تأتي له بشفيع أو واسطة تخبره بمشكلتك أو حاجتك، ولا يحتاج أن تستشفع له بأحد من الخلق سبحانه وتعالى. وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. لماذا تذهب إلى غير الله تطلب منه أن يدخلك على الله؟ هذا النمط لا يحبه الله، هذا النمط وهذا التصرف لا يحبه الله، لأن هذا من عمل ملوك الأرض ممن ضعف علمهم وحكمتهم ورزانتهم وحلمهم. أما من هو في كمال الحلم وكمال العلم وكمال الغنى وكمال العطاء، هل يحتاج إلى شفيع أو واسطة؟ لماذا تفعل هذا مع الله سبحانه وتعالى؟

الإنسان وملوك الأرض إذا سالتهم وألحت عليهم يغضبون، والله عز وجل بالعكس، إذا لم تسأله يغضب، وإذا لم ترفع يديك إليه يغضب، فهناك تفاوت كبير بين تعاملك مع ملك من ملوك الأرض وتعاملك مع ملك الملوك سبحانه وتعالى، فالتسوية في هذه الأفعال انتقاص لله سبحانه وتعالى، وتشبيه هنا ليس للمخلوق بالخالق، بل تشبيه للخالق بالمخلوق، عكس قضية يعني السابقة اللي كنا ندندن حولها، تشبيه الخالق الغني المتفرد الذي يحب العطاء والكرم ويحب أن يسأل، تشبيهه بملك الأرض الذي يغضب إذا سئل ولا يدخل عليه إلا بالحجاب والوسطاء والشفعاء.

نعم، قال رحمه الله: فاحتاج إلى الوسائط ضرورة لحاجتهم وضعفهم وعجزهم وقصورهم وقصور علمهم. نعم، ملوك الأرض لذلك احتاجوا إلى وسطاء. نعم، قال: فأما القادر على كل شيء، والغني عن كل شيء، الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده.

آه، شايف هذه العبارة؟ هذه قاعدة: فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه هو تنقص لحق الربوبية والالوهية والتوحيد. ولذلك أنا أتعجب من بعض الناس والله ممن يعني طوال حياته وهو يجادل أهل السنة والجماعه في قضية الاستغاثة يريد ينصرها، ويريد يثبتها، وقضايا التوسل يريد أن يثبتها وينصرها. يا اخي اعتبر التوسل مسألة خلافية، أنت تعيش حياتك من أجل إثبات أنه يجوز أن تجعل واسطة؟ يا اخي الله عز وجل لو أجاز لك التوسل بصورة من الصور، لكن أيهما أعظم حالاً؟ أليس الأعظم والأحب وهو فعل الصحابه والسلف أن تقبل عليه وحدك بافتقار؟ وذلك فوالله غريب هؤلاء الناس، هذا النوع من البشر الذي يقضي طول عمره ليثبت مسألة يجوز الاستغاثه بمقبول، أو أن هؤلاء الذين يشددون؟ يا اخي توسل بالأنبياء، يا اخي أنت يعني تدعوني إلى ماذا؟ أنت ماذا تريد في النهاية يعني؟ تريدني جبراً أن أدخل وسطاء بيني وبين الله؟ إذا كان الله يسمع دعائي ويسمع شكوتي من دون أن أدخل وسطاء، أنت اعتقدت المسألة جائزة، اعتبرتها بدعة، هذا بينك وبين الله، أنت تحاسب على اعتقادك، لماذا تضحي بعمرك وزهرة حياتك وأنت تدافع عن هذه المسألة ومصر، يعني كأنك توصل الناس إلى مرحلة أنه إذا لم تذهب إلى القبر الفلاني أو أنك تستغيث بالولي الفلاني كان عندك نقص؟

يعني أنا لو سالت الذين يجيزون الاستغاثة بالقبور أنا لو سالتهم سؤالاً: أيهما أعظم: أن أدخل على الله مباشرة بذلي وافتقاري، أم أن أدخل عليه بماذا بالتوسل على فرض أن التوسل جائز؟ أيهما أعظم؟ هذا سؤالي. إذا قلت: الأعظم أن تدخل عليه بالتوسل، إذاً أنت خطّأت الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في أفعالهم، فإننا قرانا النصوص والسير وأحوال السابقين، فإنه إذا صح لك دليل، إذا صح لك دليل أن أحدهم توسل فهو الواحد والاثنان، وجمهور الصحابة والسلف كانوا يسألون الله مباشرة، أليس هذا ما نقراه في السير؟ يعني هذه مناقشة علمية الآن. يا اخي، إذا كان جمهور الصحابة والسلف لم يتوسلوا على تنزل لأن التوسل جائز، يا اخي، اعلم.

الناس التوحيد، وعلم الناس أن الأولى أن تلتجئ إلى الله مباشرة، وعلمهم هذه الأمور، ثم ناقش مسألة التوسل مناقشة فرعية. أما أن تبقى طوال حياتك تبدع من يخطئ التوسل تحاربه وأنه متشدد وأنه كذا، والله إنك تحزن على هؤلاء، تحزن، أين ذهب عقلك يا أخي؟ الله عز وجل يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ. قرأنا القرآن من أوله إلى آخره فلم نجد ربنا يأمرنا أن نتوسل بأحد، لو جاز، لو جاز، لم يجد ربنا يأمرنا، يامرنا أن ندعوه مباشرة. فلماذا أنت تتفانى من أجل أن تعلم الناس هذه القضية؟ لا، لابد تحشر شيء في دعائك، لابد تجعل الوسطاء في دعائك؟ أليس هذا غباء وخداع للناس وابعادهم عن جادة التوحيد الصحيح؟ لو جاز قولك، فما بالك أن قولك عليه ملاحظات ومناقشات واشكالات! فالإنسان العاقل أيها الأحبه يعني يدعو الناس إلى ما فيه صالحهم وخيرهم. وأما هذه المذابح التي تساق على هذه المسائل فهو من فعل صناع الهواء وليس من فعل إنسان موحد حق التوحيد وعرف مسلك الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم في هذا الباب.

قال رحمه الله: فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه نقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن السوء، وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع في العقول والفطر جوازه، وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبيح. فهذا يعني هي الخلاصة، لماذا أن الشرك محرم في الفطرة والعقل والدين؟ كما قلنا كلها توافقت على تحريم الشرك، لأن الشرك إساءة الظن بالله سبحانه، وتنقص له في مقامات الربوبية والألوهية والتوحيد، ويجب للإنسان أن ينقي هذه المقامات من دخن الشرك والوسطاء.

نعم، قال رحمه الله يوضح هذا: أن العابد معظم لمعبوده، متأله، خاضع، ذليل له، والرب تعالى وحده هو الذي يستحق كمال التعظيم والجلال والتأليه والخضوع والذل، وهذا خالص حقه. فمن، فانت بمجرد أنك أدخلت وسطاء بينك وبين الله، إذا أنت بالتأكيد صرفت شيئا من كمال الخضوع والتعظيم لغير الله، والله لا يريد أن يصرف شيء من كمال، لم نقل أن العبادة هي غاية الحب مع غاية الذل؟ فيقول لك ابن القيم: الله سبحانه يريد أن تصرف كامل دقائق التعظيم والذل والخضوع كاملها لمن له. فأي عملية إدخال وسطاء أو اعتقاد شراكة، إذا لابد وأن جزء من الخضوع وجزء من الذل تم صرفه لغير الله، وهذا انتقاص لا يريده الله ولا يقبله بشكل من الاشكال. فهمنا هذه الجزئية؟ كل من أدخل واسطة من قبر، أو حجر، أو شجر، أو مدر، أو ولي، أو ما بدكم إياه، فهذا قد صرف جانبا من الذل والخضوع لغير مولاه، شاء أو أبى، اعترف أو لم يعترف، لابد وأنه صرف، وهذا شيء غير مقبول البته.

نعم، قال رحمه الله: فمن أقبح الظلم أن يعطي حقه لغيره أو يشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذي جعل شريكه في حقه هو عبده ومملوكه. يعني للاسف انك تجعل لله شريكا، وهذا الشريك الذي جعلته لله إنما هو عبد من عبيد الله ومملوك من مملوكي رب العزه، وليس مضاهيا لله في امر من أموره.

نعم، كما قال تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفَسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا لَكَمْت أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفَسَكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ. ما معنى هذا المثل أيها الأحبه؟ هل تدبرتم هذا المثل في يوم من الايام؟ ما معنى قول الله تعالى: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفَسِكُمْ؟ من أنفسكم يعني من حياتكم، من واقعكم: ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِّنْ أَنفَسِكُمْ ۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا لَكَمْت أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ؟ بتعرفوا قديما كان هناك مفهوم العبودية والرق قائم، اليس كذلك؟ فالله يصور لهم مما في حياتهم الواقعية، هل أحد منكم يقبل أن يكون عبده وأمته التي تحت يده أن تكون مشاركة له في الرزق، منازعة له في مالك؟ هل أحد يقبل ذلك؟ هل لكم مما ملكت أيمانكم، مما ملكت أيمانكم يعني عبيدكم وإمائكم، هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم؟ هل تقبل أن أحد من عبيدك أو إمائك يشاركك في لقمة عيشك؟ لا، بتقول: هذا عبدي، كيف عبدي يشاركني في أكلي وشربي وراتبي؟ العاقل لا يقبل ذلك. فيقول: فكيف قبلتم على الله أن تجعلوا هناك من عبيده ومخلوقاته من هم شركاء له في العبودية والتخلق والتأله؟

إذا أنتم في حياتكم لا تقبل، يا اخي، لو ابنك الان ربما العبيد غير متصورين عندكم، لو جاء الابن يشارك أباه في دخل الاب وفي رزق الاب، الاب يقول لك: إيش أنت؟ إيش اللي مدخلك في الحالة هذه؟ أنت خلص تاخذ مصروفك والله يسهل عليك. تمام، لو جاء ابنك ينازعك في راتبك، ما أحد يقبل، اليس هذا الوضع السوي؟ قال: فما بالكم تقبلون لله سبحانه وتعالى أن تجعلوا أحد عبيده ومخلوقاته شريكا له في الخضوع والذل؟ لا يقبل ذلك عاقل، فالله عز وجل يضرب لكم هذه الامثال حتى تقيسوا، يعني وازنوا الامور بمنطق الحياة السوي.

نعم، قال رحمه الله: أي إذا كان أحدكم يآنف أن يكون مملوكه شريكه، يعني يكره ولا يقبل، نعم، قال: أن يكون مملوكه شريكه في رزقه، فكيف تجعلون لي من عبيدي شركاء فيما أنا به منفرد، وهو الالهية التي لا تنبغي لغيري ولا تصح لسواي؟ من زعم ذلك فما قدرني حق قدري، ولا عظمني حق تعظيم، ولا أفردني بما أنا مفرد، مفرد، قال: بما أنا مفرد ومفريد به، ومنفرد به، ومنفرد به وحدي دون خلقي. فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمَعُوا لَهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ ۖ وَإن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذوهُ مِنْهُ ۚ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.

فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره ممن لا يقدر على خلق أضعف حيوان وأصغره، وإن سلبهم الذباب شيئا مما عليه لم يقدر على استنفاذه منه. وقال تعالى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ. فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه في عبادته من ليس له شيء من ذلك البته، بل هو أعجز شيء وأضعف، فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل.

وكذلك ما قدره حق قدره من قال إنه لم يرسل إلى خلقه رسولا، ولا أنزل كتابا، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه من إهمال خلقه وتضييعهم، وتركهم سدى، وخلقهم باطلا وعبثا، ولا قدره حق قدره، طبعا الآن سيجلس ربما صفحتين يخبرك عن نماذج ممن لم يقدروا الله حق قدره ممن حرف في الدين أو لعب به أو تأول على غير المنهج السوي، سيذكر الآن مجموعة من التصرفات تعتبر انتقاصا لله وعدم تقديره. فذكر هنا مثلا قضية الذين لا يعترفون بالنبوة ولا يعترفون أن محمدا صلى الله عليه وسلم نبي ولا يعترفون أن الله انزل كتابا، فقال: هل هؤلاء قدروا الله حق قدره؟ ما قدروا الله حق قدره.

كذلك نعم، قال: ولا قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العلى، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه. هنا يتكلم عن الجهمية والمعتزلة، ممن نفى الأسماء والصفات عموما، والمعتزلة وإن كانوا أثبتوا اسماء لكن أثبتوها بدون مضمونها من الصفات، نعم. قال: وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريده، أو نفى عموم قدرته وتعلقها بأفعل عباده من طاعتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته وخلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاؤون بدون مشيئة الرب، فيكون في ما لا يشاء ويشاء ما لا يكون، تعالى عن قول أشباه المجوس علوا كبيرا.

وكذلك ما قدره، ما قدره حق قدره من قال إنه يعاقب عبده على ما لا يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا طاقة، هؤلاء أصحاب الجبرية الذين يقولون إن العبد يجبر على.

أفعاله؟ ومع ذلك يعاقبه الله عليها! هل هذا من تقدير الله حق قدره؟ هل هذا ظنك بربك أنه يجبرك، ثم يعاقبك على ما أجبرك عليه؟ هذا ليس عدلاً، وهذا قول الجمع، أو عفواً، الجبرية، هو مضمون قول الجهم بن صفوان. ومثله حقيقة يسير عليه قول الأشاعره بشكل من الأشكال.

نعم، قال: ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرب جل جلاله، فيعاقب عبده على فعله هو سبحانه الذي جبر العبد عليه، قال: وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق للمخلوق.

وإذا كان من المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو ألجأه إليه ثم عاقبه عليه لكان قبيحاً، فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير؟

كيف يجبر، أي: كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، وقول هؤلاء شر من أقوال المجوس، والطائفة ما قدروا الله حق قدره.

يعني يقول: قول الجبرية أسوأ من قول القدرية؛ القدرية لهم المعتزلة، ماذا قالوا؟ قالوا: العبد يخلق فعله بنفسه، الله لا يتدخل، أنت بتخلق فعلك بنفسك بعدين رب العالمين بيعرف فيه، طبعا هذا قول بدعي وهو من أشد الاقوال سوءاً.

لكن يقول ابن القيم: ومع أنه قول بدعي ومن أشدها سوءاً، لكنه ألطف من قول الجبرية الذين اتهموا الله بالجور لما قالوا إنه يجبر العبد على فعل ثم يعاقبه عليه، يعني لسه القدرية المعتزلة لما قالوا إن العبد يخلق فعله بنفسه، يعني ها، لماذا برايكم هو ألطف من قول الجبرية؟

لماذا يقول ابن القيم إن أشباة المجوس، اللي هم القدرية المعتزلة، الذين يقولون إن العبد يخلق فعله بنفسه، وإن كان بدعياً وحراماً ولا يجوز، لكن يبقى ألطف من قول الجبرية الذين يقولون إن الله يجبر العبد ثم يعاقبه على فعله أجبره عليه؟

أيوه، في قول الجبرية الله عز وجل هو من أجبر العبد على الإثم وهو من عاقب عليه، في قول القدرية كان هو من اختار الإثم وعاقبه الله على ما.. أحسنت.

يعني في قول المجوس القدرية، صح قولهم بدعي وباطل، لكنهم على الأقل أثبتوا اختياراً للعبد، وبالتالي عندما يحاسبك الله سيحاسبك على ماذا؟ على اختيارك، وإن كان هم صوروا أن العبد يخلق نفس فعله بنفسه وهذا خطأ، لكن الجبرية نفوا الاختيار وأثبتوا الظلم لله، أن الله يجبر ويسلب الإرادة مني ثم سيعاقبني على ما أجبرني عليه، فأنت هنا أثبت كامل الظلم لله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل ظالم.

نعم، هذه مشكلة قول الجبرية، لذلك جعله أسوأ، قال: وقول هؤلاء شر قول، يعني قول الجبرية شر قول في هذه المسألة، وهو أسوأ من قول القدرية المجوسية، وإن كان قول القدرية المجوسية خاطئاً وباطلاً، لكن على الأقل القدرية المجوسية يعني جعلوا فيه منطقاً في قضية الحساب؛ أنه أنت اخترت وسأحاسبك على اختيارك.

أما الجبرية، ما فعلوا منطقاً في موضوع الجبرية، نفوا المنطقية في موضوع الحساب؛ لأنه أنا مجبر وليس لي اختيار، ثم ستحاسبني على ذلك، فأين المنطقية في هذا الباب؟

نعم، قال رحمه الله: وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصن عن نتن ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله في كل مكان. نعم، هذا قول متقدمي الجهمية الذين يقولون إن الله في كل مكان، الذين يقولون إن الله ليس فوق السماوات العلى على العرش استوى، وإنما الله في كل مكان.

مقتضى قولهم أن الله في كل مكان والعياذ بالله، ما لازم قولهم؟ أن الله موجود في الحش، دورات المياه عافاكم، وأن الله موجود في أسوأ الأماكن وأقذرها.

مع هذا معنى أن الله في كل مكان، في أسوأ الأماكن وفي أقذرها موجود، فيقول: هل هؤلاء قدروا الله حق قدره الذين يقولون إن الله في كل مكان؟ فأنت تريد أن تنفي العلو عن الله فتأتي بقول هو شر من، يعني من أشر الأقوال ومن أفسدها ومن أكثرها انتقاصاً في العقل والمنطق لرب العزة سبحانه وتعالى.

نعم، قال: صانه عن عرشه أن يكون مستويا عليه، قال تعالى: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ، وال.. يعني هو يستهزئ بهم ابن القيم، يقول: أنت صانته أن يكون على العرش مستوياً ولم تصنه عن كافة الأماكن القذرة أن تكون فيها، بأي منطق تفكر؟

هو يستهزئ بهم أنهم قالوا: لا يمكن أن يكون الله استوى على العرش فوق السماء السابعه، طيب حضرتك اين جعلت الله؟ كيف فهمت الله؟ كيف تصورك؟ يقول: هو في كل مكان.

إذاً مقتضى قولك إنه في الحش والمقابر والمزابل وفي كل الأماكن السيئة، فانت صانته عن العرش وجعلته في أقذر الأماكن، هل هكذا يقول العقل؟ وهل هكذا يفكر الإنسان السوي؟

نعم، قال: وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده، قال تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ، فصان عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله في كل مكان يأنف الإنسان بل غيره من الحيوان أن يكون فيه، فعجيب مثل هذه العقول، سرير الملك اللي هو العرش طبعا.

نعم، قال: وما قدر الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفى حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المطلوبة، طبعا هنا يتكلم عن الأشاعرة، وإن كان الأشاعرة في ذلكم تبع لمن سبقهم من الجهمية والمعتزلة في مثل هذه الأمور، الذين ينفون عن الله صفة المحبة وصفة الرحمة وصفة الرأفة وصفة الحكمة.

ينفون عن الله سبحانه وتعالى ويردون إلى الإرادة، يعني أنت لو ناقشت بعضهم يقول لك: لا، أنا لا أنفي الرحمه، لا أنفي الغضب. طيب، ما هو قال: هو الإرادة. فيردون كل هذه الصفات إلى الإرادة، فلذلك ابن القيم دقيق، قال: نفوا حقيقة المحبة، فلو سالتهم عن المحبة هو ما بقول لك: أنا لا أؤمن بهذه الألفاظ في القرآن، لكن يقول لك: أنا أردها لصفات الإرادة، كلها أردها لصفة واحدة وهي الإرادة، ولكنني لا أثبت صفة حقيقية لله اسمها المحبة أو اسمها السخط أو الغضب وما شابه ذلك.

نعم، قال: ولا من نفى حقيقة فعله، ولم يجعل له فعلاً اختيارياً يقوم به، بل أفعاله مفعولات منفصله عنه، فنفى حقيقة مجيئه واتيانه واستوائه على عرشه وتكليمه موسى من جانب الطور ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله.

نعم، هذا يدل أن يلعب على قضية يعني فقط للتبيين أن بعض الناس قد يشكل علي، يقول لك: المشايخ الله يسامحهم بضلهم يثيروا المسائل العقدية، يثيروا المسائل بينا وبين الأشاعرة، بينا وبين.. يا إخوان، يعني هذه مسائل خلاص عفا عليها الزمن وغبر.

لا، ابن القيم هذا الذي يثيره؛ أنه لماذا نبقى نثير هذه المسائل أيها الإخوة؟ نعم، وإن كنا يجب أن نكون هناك توازن في الطرح؛ يعني أنا لا أقبل أنه تبقى تثار هذه المسائل وهناك أيضاً أولويات أخرى في حياة الأمة يجب أن تصان ودماء يجب أن تحمى وأراضي يجب أن تعاد، في في توازن، بعض الناس يا إفراط يا تفريط، يا أنه أربع وعشرون ساعة في هذه المسائل ولا يعطي حقاً ونظراً لمسائل كبرى في حياة الأمة أيضاً مهمة جداً.

أو أن طرف آخر يريد أن يعطي النظر فقط للمسائل الكبرى ومثل هذه المسائل مسائل خلاف فيها اجتهاد، وأنتم مكبرين السالفة يا مشايخ، والموضوع سهل، يعني اللي نفى الرحمة، اللي نفى الاستواء قصده كذا، وأنتم أثبتتم الاستواء، يعني هي الدنيا خربت في هذا الموضوع؟ اه، خربت.

ابن القيم بقول لك: وما قدر الله حق قدره من نفى استواء الله على عرشه، من قال إن الله لا يتكلم بصوت وحرف، من قال إن الله ليس فوق السماء السابعة، ما قدر الله حق قدره ولم يعطي الله كمال حق الألوهية، فبالتالي أيها الأحبه إثبات ما يستحقه ربنا من الأسماء والصفات يجب أيضاً أن يعظم في قلبك.

ولا تستقل وتعتبر المشاكل السياسية أو الاقتصادية في حياة الأمة أعظم من إثبات صفة لله، وهذه مما ابتلينا به أيضا في هذه الأزمان، أن بعض الناس يعتبر أن المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية أعظم وأهم من ماذا؟ من إثبات صفة لله سبحانه وتعالى. وهذا كله ناشئ من سوء التربية ومن سوء تعظيم الله في النفس، أنه أصبح أمر الإله بالنسبة لك أمر جملي، يعني ما بتهممني التفاصيل في أمر الإله، ما دمت مؤمن إنه ربنا موجود الباقي كله خير وبركة.

لا أخي، مين قال لك هيك الموضوع؟ يجب أن تثبت لله ما أثبته لنفسه من الأسماء الحسنى والصفات العلى، ولا لماذا ربنا أخبر عنها في الكتاب إذا لم تكن مهمة في النظر الإلهي؟ لو كانت هذه الصفات وهذه الأسماء وهذا الموضوع غير مهم عند الله سبحانه وتعالى، كما أنت تتصور وكما تزعم في تنظيرك، إذا لماذا أخذ ثُلث القرآن وهو يتكلم عن الأسماء والصفات؟ ثُلث القرآن بالراحة هو كلام عن الأسماء والصفات، هل لأن هذا الملف مش مهم؟ أكيد ثُلث القرآن ذهب في موضوع مهم، وهو أن تتعرف على الله.

فكل من أخل بشيء من ثُلث القرآن فقد أساء وأخطأ خطأ كبيرا، ويجب أن يعالج ويعزر ويبدع إذا كان مصرا على هذا ومريء متأول فيه، لكن في النهاية سنعطي مسائل حجمها من النقاش، وفي إعطاء أيضا مسائل أخرى حجمها من النقاش والنظر في حياة الأمة، التوازن مطلوب لكن أخذ طرفي النقيض مرفوض، فهمنا هذه القاعدة أيها الأحبة.

يعني لا تقول لي إنه كله خير وبركة، وكل العقائد خير وبركة ما دام كنا مسلمين، هذا كلام العامة، هذا كلام إنسان لا يعرف ما معنى التوحيد ولا عظمته، ولكن في نفس الوقت لا تبقى ليلا ونهارا والأمة في أصعب لحظاتها وأحرج ساعاتها فقط لا تتكلم إلا عن هذا الموضوع وتنسى قضايا أخرى يحب الله أن يتكلم فيها، ويحب الله أن ينظر فيها، فدماء إخواننا وأحوال المستضعفين والتفكير في كيفية نصرة هذه الأمة هذا أيضا ألا يحبه الله؟ ألا يرتضيه الله؟

فأنت لما تتكلم فيما يحبه الله تكلم في كل ما يحبه الله، لا تأخذ فقط جزئية وتترك جزئية، ولا يكون هناك هوى وانتقائي فيما تترك وفيما تدع، كله من الدين، كله من الدين. نعم، قال رحمه الله إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها وزعموا أنهم بنفيها قدره حق قدره.

قال: وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة وولدا، أو جعله سبحانه يحل في جميع مخلوقاته، أو جعله عين هذا الوجود. وكذا طبعا هذا يحل في جميع مخلوقاته، هؤلاء هذا قول من الصوفية الحلولية، هناك نوعان من أهل التصوف الغلاة، هناك أهل التصوف الحلولي وأهل التصوف الاتحاديين، الحلول فكرة والاتحاد فكرة أخرى، الفرق بينهم من دون إطالة وباختصار: أن أهل التصوف الحلولي هم الذين يقولون إن ذات الله حلت في كل المخلوقات.

طبعا هؤلاء أسوأ من النصارى كما يقول شيخ الإسلام، لماذا؟ لأن النصارى قالوا إن ذات الله حلت في عيسى، هذول جعلوا ذات الله حلت في كل شيء، فقال هذا قولهم أسوأ من قول النصارى في هذه المسألة، فهذا من يسمى بالصوفية الحلولية.

الصوفية الاتحادية هم متقاربون، يعني خلاف شكلي خلينا نقول أو في بعض الجزئيات ليس أكثر، هم الذين يقولون إن ذات الله اتحدت في الكون، فالكون هو الله والله هو الكون، هذه مرت معنا فكره سابقا، يعني لا يوجد ذات منفصله اسمها الإله وشيء اسمه الكون، لا، الله هو الكون والكون هو الله، كله متحد في بعضه البعض، فهؤلاء يسمون بالصوفية الاتحادية الذين يقولون ذات الله متحده في ذات الكون.

الحلولي ترى في نوع من التقارب، لكن صوروا المسألة مش مسألة اتحاد، لا، مسألة أنه في ذات، خلينا نقول، هناك ذات منفصلة لكنها تحل في ذوات ماذا؟ المخلوقات التي خلقتها، وكلا القولين كفر. وهذا الذي شنع فيه ابن تيمية وغيرهم على ابن عربي، ابن عربي طبعا بالتنك، ابن عربي محيي الدين ابن عربي الذي قاد هذه القضية، هو والتلمساني وغيرهم من غلاة أهل التصوف.

نعم، قال رحمه الله: وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه رفع أعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأعلى ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعز. من يقصد بأعداء الرسول صلى الله عليه وسلم وأهل بيته؟ هو، إيوه، أحسنت، بيضرب على الرافضة هنا، يقول: وما قدروا الله حق قدره الرافضة لما زعموا أن الله أعلى شأن، نحن بنسميهم الصحابة، بس هم الرافضة ايش سموهم؟ أعداء الرسول، مش الصحابة بيعتبروا أبو بكر وعمر وعثمان وكثيرا من أعداء للنبي صلى الله عليه وسلم وأهل البيت؟

فيقول لك: ولم يقدروا الله حق قدره من جعل أو من ظن أن الله يعلي أعداء الرسول ويمكن لهم ويجعلهم خلفاء، مش أنتم تعتقدون أن أبو بكر عدو لآل البيت؟ وتعتقدون أن عمر رضي الله عنه عدو لآل البيت؟ مش هيك تعتقدون أيها الروافض؟ هل يعقل أن الله أعلى من شأن أعداء آل البيت وجعلهم خلفاء ومكن لهم في الأرض؟ هل هكذا يفعل ربنا سبحانه مباشرة بعد موت نبيه يخذله ويجعل أبو بكر الذي هو عدو لأهل البيت، كما تزعمون، يجعله خليفة من بعده؟ هل هذا يعقل في عقل قبل أن نناقش في الأدلة؟

هذا يقول هذا من توافه العقول ومن مفاسد الأفكار أن يفكر الإنسان بهذه الطريقة، ومن سوء الظن بالله وعدم تعظيم الله أن تعتقد أن الله خذل نبيه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته فجعل الخليفة من بعده من هو عدو له وعدو لأهل بيته، هذا ليس منطقا في التفكير أصلا.

نعم، قال رحمه الله: ووضع أولياء رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذل أينما ثقفوا، وهذا يتضمن غاية القدح في جناب الرب، تعالى الله عن قول الرافضة علوا كبيرا. أي والله، تعالى الله عن قول الروافض.

نعم، قال: وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى في رب العالمين، أنه أرسل ملكا ظالما فادعى النبوة لنفسه وكذب على الله، ومكث زمانا طويلا يكذب على الله كل وقت، ويقول: قال الله كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، ينسخ شرائع أنبيائه ورسله، ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم، ويقول: الله أباح لي ذلك، والرب تعالى يظهره ويؤيده ويعليه ويعزه ويجيب دعواته، ويمكنه ممن خالفه، ويقيم الأدلة على صدقه، ولا يعاديه أحد إلا ظفر به فيصدقه بقوله وفعله وتقريره، ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء.

ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن في الرب سبحانه وتعالى وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته، تعالى عن قول الجاحدين علوا كبيرا، وهذا هو قول اليهود والنصارى أو قول بعضهم في نبينا صلى الله عليه وسلم، كذبوا بالنبي صلى الله عليه وسلم وقالوا إنه يكذب على الله وإنه يدعي لنفسه وانه كذا.

طب هل ماشي، أنتم تقولون هذا القول، طب كيف عامل الله هذا الرجل الذي تزعمون أنه يكذب؟ كيف عامله؟ نصره وأعطاه المعجزات وأظهره وقواه، هل يعقل أن الله يعطي هذا الظهور وهذا الملك وهذا التمكن لإنسان كان يكذب عليه ويدعي أنه نبي وليس بنبي؟ يعني هو عم يناقشهم مناقشة عقلية، كيف يمكن أن الله يعطي المعجزات والآيات الباهرات والنصر المؤزر والتمكين والظهور لرجل كان يزعم أنه نبي وهو كاذب، مش هيك تقولون عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ يقول: أين عقولكم فيما تفكرون؟

نعم، قال: فوازن بين قول هؤلاء وقول إخوانهم من الرافضة، تجد القولين كما قال الشاعر: رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأححم داج عارض لا تفرقوا. يقول إن قول الرافضة في أن الله مكن الخلفاء الراشدين ونصرهم، كقول اليهود والنصارى في زعمهم أن الله مكن نبيه صلى الله عليه وسلم مع أنه يكذب عليه، يقول لك: رضاعا، كأنهم راضعين من نفس الثدي، هذا القول وهذا القول خرجوا من نفس المنبع، من نفس الطريقة في التفكير السقيمة التي لا عبرة فيها.

نعم، قال: وكذلك لم يقدره حق قدره من قال إنه

يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين، ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين، ويدخلهم دار النعيم، وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك، وهذا هو من أقوال الأشاعرة.

أن الله عز وجل يعذب... أن الله سبحانه وتعالى يعذب، يعني لو شاء أن يعذب أهل الصلاح والتقوى لعذبهم، ولو شاء أن يدخل أبا جهل وغيرهم الجنة لأدخلهم، وإنما جاء الخبر فقط أن الله سيعذب الأشقياء ويدخل السعداء الجنة. هل فقط الخبر والنصوص هي التي دلت على ذلك، أم أن الله لا يمكن أن يصدر منه هذا الظلم؟ هل الله عز وجل يمكن أن يصدر منه الظلم؟ فالإنسان اللي عبده طول حياته يدخل النار، وأبو جهل وغيره ممن حاربوا النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الجنة! هل تصوير أن هذا جائز على الله كلام صحيح؟ هو البعض يقول لك: أليس الله على كل شيء قدير؟ يا اخي نعم، لكن يجب أن تجمع بين مقام القدرة ومقام الحكمة ومقام العدل؛ أن العدل الإلهي يرفض ذلك؛ أن من كان يعيش من أجل الله وأفنى حياته لله يعذبه الله، ومن عاش محارباً لله يدخله الله الجنة، وتجعل فقط أن التفريق بين الصنفين، وأن هذا يدخل الجنة وهذا يدخل النار، فقط للنص! أخي ليس فقط النص، بل العقل والفطرة ومعرفة الإله تأبى أن الله يعذب أولياءه ويكرم أعداءه.

نعم، قال رحمه الله: فمعناه للخبر، لا لمخالفة حكمته وعدله. وقد أنكر سبحانه في كتابه على من جوز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام. يعني من يجوز أن الله يفعل ذلك فقد أساء الأدب مع الله، ولم يحترم رب العزه في عدله وحكمته. نعم، قال تعالى: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظُنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ. ما أجمل هذه الآية! يعني الله عز وجل يقول: هل يمكن وهل تجوزون أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يوم القيامة كمن أفسد في الأرض، وأن أجعل المتقي الذي اتقاني كالفاجر؟ هل يمكن أن أفعله؟ هل يمكن أن يستوي عند الله؟ الله هو الذي يتولى الإجابة: لا يمكن أن أفعله. فكيف تأتي أنت أيها المبتدع وتقول: يجوز أن الله يفعل كذا وكذا، وهو حرم على نفسه ذلك، أنت كيف تجوز لنفسك تجويز هذا الأمر؟

نعم، وقال تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ، وقال تعالى: أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ.

وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيي الموتى، ولا يبعث من في القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازي فيه المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وياخذ للمظلوم حقه من ظالمه، ويكرم المتحمل المشاق في هذه الدار من أجله وفي مرضاته بأفضل كرامته، ويبين لخلقه الذين يختلفون فيه... ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه، يعني يوم القيامة من مقاصده أن يبين الله لنا المسائل التي اختلفنا فيها؛ لا نحتاج أن نعرف المسائل التي اختلفنا فيها وتخاصمنا: من هو المصيب ومن هو المبتلى بعد طول هذا العناء والمشقة؟ الإنسان يحب أن يظهر العدل حتى في هذه القضايا.

نعم، قال: ويبين لخلقه الذي يختلفون فيه ويعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين. وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكب، وحقه فضيعه، وذكره فأهمله، وغفل قلبه عنه، وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه. يعني من يؤثر هواه على طلب رضا مولاه، هذا لم يعظم الله ولم يقدر الله حق قدره؛ التي ترفض لبس الحجاب واللباس الشرعي بحجه أنها غير مقتنعة تماماً، هي لم تقدر الله حق قدره لأنها تقدم هواها على طاعة مولاها؛ الذي يرفض ترك عمل فيه معاص وذنوب ومنكرات بحجة أن هذا مصدر دخلي، هذا في الحقيقي يقدم هواه على طاعة مولاه فلم يقدر الله حق قدره، وقس على ذلك نماذج كثيرة في الحياة.

نعم، قال: وطاعة المخلوق أهم من طاعته، فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله. فلله الفضلة! إيش يعني الفضلة؟ يعني بيعطي ربنا الزائد، إذا في شيء زاد بيعطيه لرب العزة، لكن أهم شيء هواي أن أشبهه وشهوتي أن أكملها، فإن فضل شيء ومساحة في القلب يعني أعطيها لله سبحانه وتعالى الذي خلقك وأوجدك وأعطاك ومنحك وأنعم عليك بكل شيء وأنت به وإليه تعطيه الفضلة، والثاني الذاهب الزائل تمكنه من قلبك! هل هكذا تعظم الله حق التعظيم وتقدر الله حق التقدير؟ ساء ما يحكمون.

نعم، قال: هواه المقدم في ذلك لأنه مهم عنده؛ يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه. قال: إذا أعد العبارة... قال: هواه فلله الفضلة من قلبه وعلمه وقوله وعمله وماله وإيش عندك؟ قال: هواه المقدم في ذلك وسواه هو يقول فلله الفضلة من قلبه وعقله وسواه، يعني سوى رب العالمين هو المقدم، يعني اللي هو الهوى، فهي الفكرة. وسواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده، لأنه قارن بين الرب وبين غيره، فيقول: فلله الفضل والحواشي، وسوى الرب من الهوى ولذلك أظن الحاشي قال: الهوى وسوى الرب من الهوى هو المقدم لأنه هو مهم عنده. آه حبيبنا هو شوف هو سواه يقصد به هوى، باختصار سواه هو يقصد به هوى، فبيامشي لحال ماشي. قال: وسواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده؛ يستخف بنظر الله إليه واطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، ويستحي من الناس ولا يستحي من الله، ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقر، وإن قام في خدمة من يحبه من البشر قام بالجد والاجتهاد وبذل النصيحة وقد أفرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على الكثير من مصالحه، حتى إذا قام في حق ربه إن ساعد القدر قام قياماً لا يرضيه... إن ساعد القدر يعني إذا صدف وقام بحق الله، يعني إذا صدف وقام بحق الله نعم قال: قام قياماً لا يرضاه مخلوق من مخلوق. سبحان الله هذا طرحه الكثير من الناس؛ تجده متقن في وظيفته، متقن في عمل المكتب، في تعامل مع شركاء: يا الله ما أحسنه! دقيق ويفي بوعده ويبذل لك النصيحة ويشاور، فتشعر أنه رائع، لكن للاسف إذا قام بين يدي الله صلى بغير خشوع، واذا ذكر الله ذكر بقلب غافل.

فما أسوأ أن يكون حال طالب العلم كمثل هذه الحال التي ذكرها، أن يكون إذا ظهر أمام الناس أظهر لهم النصيحة وأقبل عليهم وهش وبش في وجههم وأخلص لهم، وإذا أدى عملاً أتقنه للمخلوقين خشية أن يققال إنه غير متقن أو أن يأخذ والله صاحب العمل موقفاً منه. طب إذا وقفت بين يدي الله، أما حاز في قلبك أن ربنا سبحانه وتعالى -ما بدي أقول ياخذ موقف منك، عبارة قد لا تليق بجلال الله، لكن- أما حاز في قلبك أن الله يمقت؟ أما حز في نفسك أن الله عز وجل يراك تقدم له صلاة تالفة بغير خشوع ولا تركيز، وتقوم وتركع وتسجد وتسلم وتستيقظ بعد الصلاة أنك كنت في صلاة؟ أما تستحي من الله سبحانه وتعالى إذا ذكرته فهو ذكر الغافلين، وإذا سبحته تسبح وأيديك هكذا وعينك على جوال ولا عينك؟ أما تستحي من الله إذا قرأت القرآن تقرا وأنت لا تفهمه؟ فيقول: قارنوا بين حال هذا الإنسان الذي يخلص للمخلوقين في أداء الأعمال ولا يخلص لله في تقديم الفضائل والعبادات، هل تقنعني أن هذا الإنسان أعطى مساحة في قلبه حقيقية لله سبحانه وتعالى؟ لا يمكن، واضح أنه يعطي رب العزة الحواشي؛ يعني خلص بدنا نصلي بدنا نصلي، مطلوب منا الصلاة، اعتدنا عليها، نشأنا عليها، لكن الصلاة لا تملك قلبه وعقله أبو ددية لله، ليست هي المساحة الأكبر في حياته وفكره، وإنما حياته وفكره -يعني إذا يعني لم يقع في المعاصي المباشرة-؛ لأن بعض الناس يظن

أنه أهم شيء أني اجتنب المعاصي الزنا والفواحش والأمور تمام. لا ما هو برضه حتى أدائك للعبادات لا بد يكون بإتقان، أنت مش فقط مطلوب منك ترك معاصي لكن أيضا مطلوب منك قيام بواجبات.

مطلوب منك قيام بواجبات، وهذه الواجبات ليس مطلوب منك أن تؤديها بأي شكل حتى فقط افتك منها، فالمطلوب منك أن تؤديها بالإتقان وكما يريد الرب أن تؤدى. وفي النهاية بدك تفهم قضية، وهو أن أدائك لهذه الواجبات ليس لأن رب العالمين ينتفع بل من الذي ينتفع؟ أنت. يعني هو لما أمرك تصلي من أجلك، من أجل أن تصلح الحياة، لما أمرك أن تركز في الصلاة وتخشع من أجل أن تنهاك الصلاة عن الفحشاء والمنكر، لما أمرك أن تذكره بقلب مستيقظ من أجل حياة النفس، لما أمرك بقراءة القرآن بتدبر من أجل وضوح البوصلة والطريق. يعني في النهاية، في النهاية أنت الخسران والكسبان، ورب العزة غني عني وعنك. بدك تفهم هذه القاعدة في الحياة حتى لا يكون أنت فقط ممن يتقنون أمام الناس وللناس، ولا يتقنون لله ولا يقدمون له الشيء بالثوب الذي ينبغي أن يقدم بالشكل الذي يجب أن يبذل فيه.

نعم، قال رحمه الله: حتى إذا قام في حق ربه إن ساعد القدر قام قياماً لا يرضاه مخلوق من مخلوق مثله، وبذل له من ماله ما يستحي أن يواجه به مخلوقاً مثله. نعم نعم، بتلاقيه يقدم لرب العزة إذا بده يتصدق يقدم لرب العزة أسوأ ما عنده في المنزل، من الطعام والشراب الرديء اللي خلص ما حدا رح يستعمله. كيف أرسلوا لغزة المعونات التي انتهت مدتها زي ما هيك؟ كيف بيرسلوا لإخواننا المستضعفين ما انتهت مدته؟ قول لك خلص أخرجوا لله ما لا يقبلونه لأنفسهم، لأنها صدقة رايحة مش مشكلة تذهب لغزة، هذه أمور انتهت مدتها ياكلوها هم. وأما لنفسه وأبنائه أفضل المطاعم وأفخم المشارب وأفخم السيارات وأعظم الأنواع.

حتى تفهموا هذه النفوس الضعيفة التي تختار لنفسها وهواها ما تشتهي وتقدم لله الفضلات والشيء الذي انتهى. نعم، قال رحمه الله: فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه في محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل له من أقرب الخلق إليه شريك في ذلك لكان ذلك جرأة وتوثق على محض حقه واستهانة به وتشريك بينه وبين غيره، ولا ينبغي ولا يصلح إلا له سبحانه. فكيف وإنما شرك بينه وبين غيره أبغض الخلق إليه وأهون عليه وأمقت عنده وهو عدوه على الحقيقة؟ فانه ما عبد من دون الله إلا الشيطان.

كما قال تعالى، يعني أنت إذا عبدت أي شيء سوى الله فانت فعليا فعليا عبدت الشيطان، لذلك إبراهيم ماذا قال لأبيه: يا أبت لا تعبد الشيطان. طبعا أبوك كان يعبد الشيطان؟ لا، كان يعبد أصنام، لكن في النهاية أي شيء ستعبد من دون الله أنت عبدت ماذا؟ أنت عبدته بوسوسة الشيطان وبوجيه الشيطان، فأنت فعليا عبدت الشيطان. فيقول: انظر سوء الأدب منك أنك أشركت بين الله وبين أعداء الله وهو الشيطان. لا تقول لي أي إنسان عبد شيئاً من دون الله، حجر أو ولي أو قبر أو ما شابه ذلك، أنت حقيقة عبدت الشيطان، دعك من صورة الحجر وصورة القبر، أنت عبدت الشيطان الذي وسوس لك بهذا الجرم وبهذه المعصية، فأشركت بين الله وبين ألد أعدائه وهو شيطان.

نعم، كما قال تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ. ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشياطين وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِندُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ ۖ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ.

فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته ويوهمه أنه ملك، وكذلك عبدة الشمس والقمر والكواكب وهي التي تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج. ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له، يعني الشيطان يطلع مع طلوع الشمس كما جاء في الحديث: أن الشمس تطلع بين قرني شيطان، الشيطان يثب مع الشمس حتى إذا سجد الناس للشمس عباد الشمس فهم في الحقيقة سجدوا للشيطان.

نعم، قال: فيسجد لها الكفار فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها. وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدها، وإنما عبد الشيطان، فانه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم لا عبد الله ورسوله. فنزل هذا كله على قوله تعالى: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنْ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ.

فما عبد أحد من بني آدم غير الله كائناً من كان إلا وقعت عبادته للشيطان، فيستمتع العابد بالمعبود في حصول غرضه، ويستمتع المعبود بالعابد في تعظيمه له واشراكه مع الله الذي هو غاية رضى الشيطان. ولهذا قال تعالى: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ، استكثرتم من إغوائه والتلاعب بعقولهم، والجن هم الشياطين هنا. وقال أولياؤهم من الانس: ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا، قال: النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم. فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر.

الآن سيختم الحديث عن أول معصية من المعاصي الكبرى وأعظمها ألا وهي الشرك. قال: فهذا كله إشارة إلى ماذا؟ الشرك هو أكبر الكبائر.

نعم، قال: فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفره بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود في العذاب، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهي عنه بل يستحيل على الله سبحانه أن يشرع لعباده عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه ما يناقض أوصاف كماله ونعوت جلاله. وكيف يظن بالربوبية والالهية والعظمه والإجلال أن يأذن في مشاركته في ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

قال رحمه الله: فلما كان الشرك أكبر شيء منافر للأمر الذي، خلاصة الأمر أن الشرك هو أكبر الكبائر لأنه إساءة ظن بالله وعدم تقدير لله حق قدره. لو اردنا أن نختصر الإجابة هي في هذين السطرين: أنه إساءة ظن بالله وأنه عدم تعظيم لله حق قدره، حيث لم تعطه ما يستحق من الصفات والأسماء والأفعال وأشركت به غيره في ذلك. هذا المستوى لا يقبله الله، وهذا أعظم من الزنا وأعظم من شرب الخمر وأعظم من قطع الطريق وأعظم من السرقة. أن هؤلاء قد يفعلون هذه المعاصي وهم يعرفون الله لكن نفوسهم الأمارة دعتهم إلى ذلك صحيح.

لكن أن تلمس حق الله وجناب الله وتعتدي على أوصاف الله هذا خط أحمر. يعني أنت ممكن تقع في الزنا والعياذ بالله صح، لكن هذا ضعف إنساني بشري حرام وكبيرة من الكبائر لكنه ضعف إنساني بشري. قد تقع في شرب خمر وكله عظيم ومن الكبائر، لكن المشكلة في الشرك أنه هنا خطاك أين؟ مس الله، مس أمر يتعلق بالله بصفاته وأمور عزته وذاته، وبالتالي لما تكون المعصية تمس الله سبحانه وتعالى بصفاته وجلاله هنا الخط الأحمر هنا الخط الأحمر، وأما المعاصي التي تمسك أنت وتمس مشاكل اجتماعية أو أخلاقية أو سلوكية فهي وإن كانت عظيمة لكنها تبقى أدون من أن يمس جناب الله سبحانه وتعالى.

فصل الشرك والكبر. قال رحمه الله: فلما كان الشرك أكبر شيء منافر للأمر الذي خلق الله له الخلق وأمر لأجله بالامر كان من أكبر الكبائر عند الله عز وجل، وكذلك الكبر وتوابعه كما تقدم. فإن الله سبحانه خلق الخلق وأنزل الكتاب لتكون الطاعة له وحده، والشرك والكبر ينافيان ذلك، ولذلك حرم الله الجنة على أهل الشرك والكبر، فلا يدخلها من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر. نعم، لأن الكبر هو كما مر معنا نوع تشبه بالخالق، مش الله قال: الكبرياء ردائي؟ فإذا أنت تكبرت على

الناس، أنت تعطي نفسك فهماً من خصائص الله. فالكبر هو نوع من أنواع الشرك بناءً على التعريف السابق للشرك؛ أنه تشبيه المخلوق بالخالق، أو تشبهك أنت بالخالق، فهو نوع. حقيقة الكبر هو نوع من أنواع الشرك، نعم، قد لا يكون من الشرك الأكبر، لكنه شكل من أشكاله، نستطيع أن نقول إنه من الشرك الأصغر؛ لأنك تتشبه بالله بما هو من خصائص صفاته. نعم.

فصل القول على الله بغير علم، قال رحمه الله: ويلي ذا في كبر. الآن بعد أن انتهى من المعصية الأولى ألا وهي الشرك وبين عظمها، سينتقل إلى المعصية الثانية التي تأتي بعدها في السوء، وهي ماذا؟ أن تقول على الله بغير علم. وهذه جمعت في آية في سورة ماذا؟ الأعراف، ماذا قال ربنا؟ أيوه: قُل إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ.

فهذه الآية جمعت اصول الكبائر آية الأعراف جمعت اصول الكبائر من، طبعا الآية لم تذكرها على الترتيب، لم تذكرها على الترتيب، ذكرت الشرك في الثالث، طبعا لماذا ركزت أول شيء يقول لأنما حرم ربي الفواحش أنه سورة الأعراف في مطلعها يتكلم عن ماذا؟ عن العري وعن وسوسة الشيطان للناس أن يتعروا: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ، يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ، فركزت السورة على ما هو أهم في هذا السياق، وإن كان الشرك في السياقات الأخرى يقدم على كل هذه المعاصي.

نعم، قال رحمه الله: ويلي ذلك في كبر المفسدة القول على الله بلا علم في أسمائه وصفاته وأفعاله، ووصفه بضد ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهذا أشد شيء مناقضة ومنافاة لكمال من له الخلق والأمر، وقدح في نفس الربوبية وخصائص الرب. فإن فإن صدر ذلك عن علم فهو عناد أقبح من الشرك وأعظم إثماً عند الله عز وجل. يعني بعض الناس قد يتكلم في ذات الله بالباطل وهو يعلم أنه باطل، فهذا أقبح من الشرك، أقول لك بخلاف من يتكلم في ذات الله بالباطل وهو متأول أو جاهل كحال أغلب الفرق الإسلامية، كحال أغلب الفرق يعني الإسلامية عموماً، فإننا حسن ظن بهم نعتقد أنهم لم يقولوا على الله ما هو باطل مبتدع وهم يعلمون أن كلامهم باطل، وهم كانوا يعتقدون أنفسهم أنهم ينزهون الله كما يقول شيخ الإسلام، لكنهم أخطأوا طريق التنزيه وأخطأوا فهم النصوص. وهذا طبعا لا ينفي الخطأ عن الكلام ولا بدعته لكن يخفف من حجم الجرم صح. يعني فرق بين من يقول على الله باطل وهو يعلم أنه كاذب، وبين من يقول الباطل على الله وهو يظن أنه يحسن صنعاً، وهذا سيفرق بين حتى الحكم تعالى على هذا وعلى هذا.

نعم، قال رحمه الله: فإن المشرك المقر بصفات الرب خير من المعطل الجاحد لصفات كماله، كما أن من أقر لملك بالملك ولم يجحد ملكه ولا الصفات التي استحق بها الملك لكن جعل معه شريكا في بعض الأمور يقربه إليه، خير ممن جحد صفات الملك وما يكون به ملكا. وهذا أمر مستقر في سائر الفطر والعقول. يعني من أشرك بالله وهو يثبت صفات الله تماماً في الجملة، خير ممن زعم أنه يعبد الله لكنه عطله من كل صفاته، طبعا بشرط أن يتعمد هذا التعطيل، أما إذا كان جاهلاً ومتاولاً كما قلنا فهو لا بالتأكيد يبقى أفضل حالاً من المشرك، لكن هنا يتكلم عن من تعمد تجريد الله من أسمائه وصفاته، من تعمد هذا التجريد، فيقول هذا أقبح حالاً من مشرك أشرك لكنه يثبت لله الصفات.

نعم، قال رحمه الله: فأين القدح في صفات الكمال والجحد لها من عبادة واسطة بين المعبود الحق وبين العابد يتقرب إليه بعبادة تلك الواسطة إعظاماً له وإجلالاً. فهداء التعطيل هذا الداء العضال الذي لا دواء له، كسرطان هذا التعطيل الذي ابتريت به الفرق الإسلامية وإن كان بجهل، أو لكنه سرطان. قال داء عضال يعني ما الأمة لم تعرف تتخلص من هذه الإشكالية إلى الآن وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ولهذا حكى الله عن عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى ما أخبر به من أن ربه فوق السماوات، فقال تعالى: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً. فمن هذا النص دل هذا أن موسى ماذا كان يقول لفرعون؟ أن الله فوق السماوات. فكان فرعون هنا ماذا يقول؟ يقول: دعني أرى ربك الذي فوق السماوات. إذاً فرعون هو إمام معطلة، هو إمام من نفى الصفات. وهذه الآيات من الآيات التي يستدل بها أهل السنة على إثبات صفة العلو، لماذا؟ لأنه واضح أن موسى كان يخبر عن ربه أنه فوق السماوات، فجاء فرعون يستهزئ ويقول: يا هامان ابنني صرحاً لعلي أبلغ الأسباب، أسباب السماوات فاطلع، خليني أشوف إله موسى. إذاً هو لماذا فرعون قال بدي اطلع أشوف إله موسى؟ لأنه موسى شو كان مخبره؟ أن الله فوق السماوات. هذه من أدلة إثبات أن عقيدة العلو وأنه فوق السماوات هي عقيدة الأنبياء جميعاً، واليوم ياتوك يتفلسف عليك في مثل هذا الأمر وأن الله في كل مكان وانه لا داخل العالم ولا خارج العالم وهذه عقيدة الأنبياء جميعاً أن الله على فوق سماواته.

نعم، قال رحمه الله: واحتج الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتبه على المعطلة بهذه الآية. نعم، وقد ذكرنا طبعا أنت بتستغرب أبو الحسن الأشعري مش هو رأس الأشاعرة؟ نعم، أبو الحسن الأشعري أيها الأحبة في آخر أطواره كان يثبت العلو لله. يعني صح الأشاعرة بالأطوار الموجودة حالياً لا يثبتون العلو لله ويقولون أن الله لا داخل العالم ولا خارج العالم، هذا هو القول الآن الذي يقولونه، لكن هذا ليس آخر أقوال أبي الحسن الأشعري رحمه الله عليه، فإن أبا الحسن في آخر طوره غلب عليه التقارب مع أهل الحديث وأصبح في كثير من أقواله يقترب منهم، هو لم يصبح مثلهم حتى أكون دقيقاً لأن البعض قال إن طوره الأخير أصبح مثلهم، وإن كان هذا زعمه الذهبي وغيره لكن هذا غير دقيق. الصحيح أن أبا الحسن تأثر بأهل الحديث في آخر حياته في كتابه الإبانة وغير ذلك، وأثبت علو الله وأثبت تعلقاً بين الله وبين العرش حتى أكون دقيقاً حتى الاستواء وإن كان أثبته لكن ظاهر كلام أهل السنة لم يثبته ثبوتاً كما نحن نثبته.

عموماً أبو الحسن الأشعري في آخر أطواره كانوا يثبتوا علو الله سبحانه، وليس كالأشاعرة الذين جاؤوا بعده. طب أنت ستقول طب الأشعرية الذين جاؤوا بعده لماذا لم يرجعوا إلى قوله؟ هم يتهموننا أننا نحن من وضعنا كتاب الإبانة وأن نحن من حرفنا كلام أبي الحسن وأن هذه كلها كتب الأخيرة هذه مكذوبة على لسانه ومن تحريف ما يقولون أهل الحديث والحشوية، ننا الحشووية طيب، فيقولون هذا كذب، الرجل لم يعود. لا، والرجل عاد وهذا ظاهر ومثبت والذين نقلوا من كتبه هذا ليس نحن، بل من أيام السلف وهم ينقلون عن أبي الحسن أنه عاد فأثبت العلو لله سبحانه وتعالى. أنتم مش مقتنعين أنه عاد فأثبت العلو وعاد، هذه مشكلتكم.

نعم، قال رحمه الله: ولقد ذكرنا لفظه في غير هذا الكتاب. والقول على الله بلا علم والشرك متلازمان، ولما كانت هذه البدع المضلة جهلاً بصفات الله وتكذيباً بما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم عناداً جهلاً، كانت من أكبر الكبائر وإن قص عن الكفر، وكانت أحب إلى إبليس من كبار الذنوب كما قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية. يعني أن تقول على الله بغير علم، لماذا قلنا المعصية الثانية بعد الشرك بالله والتي هي أعظم من الزنا وأعظم من شرب الخمر وأعظم من السرقة أن تقول على الله بغير علم؟ لماذا من يقول لي لماذا أن تكون أنت إنسان مبتدع وراس من رؤوس البدع وتدعو

الى بدعة، هذا أعظم من الزنا وشرب الخمر وكذا، لماذا؟ ايوه، يعني طيب، آه أحسنت، يعني هو كلامك مع كلام الأخ متقارب أو يكمل بعضكم الآخر. نقول أيها الأحبة، المبتدع ما مشكلته؟ المبتدع مشكلته أنه يتكلم في الله وفي ذات الله بما ينتقص من الله، عالماً أو جاهلاً، يعني هو بغض النظر تقصد ذلك أو لم تقصد الانتقاص، هذا موضوع آخر، لكن نتيجة القول على الله بغير علم ما هي؟ هو هذا السؤال.

القول على الله بغير علم ماذا ينتج في واقع الأمة؟ قولاً مبتدعاً، صح؟ هي المعصية الثانية اللي سماها ابن القيم، المفسدة الثانية، القول على الله بغير علم، ماذا ينتج في واقع الأمة؟ ينتج بدعاً تماماً، والبدعة صاحبها في العادة لا يتوب منها، ليه؟ لأنه يعتقد أنه يحسن صنعاً.

بخلاف الزاني وشارب الخمر الذي يقر أنها معاص، لكنه يفعلها لضعف نفسه، هذا ترجى له التوبة لأنه مقر أنها معصية وأنه مخطئ، لكن بقول لك: أنا ضعيف أمام نفسي. فالعاصي يعصي الله وهو يعلم أنه عاص، أما المبتدع فيعصي الله وهو يعتقد أنه المنزه الموحد الذي أثبت لله ما أثبت وتمام.

فلمّا تنظر النقاشات بين الفريقين والله تتعجب، يعني سبحان الله كيف هو مقتنع تمام الاقتناع أنه في قمة التوحيد وهو ينفي صفات الله، كما أنك أنت مقتنع تمام الاقتناع أنك في قمة التوحيد وأنت تثبت صفات الله، مع أنه كل واحد رايح بطريق مباين للآخر.

مما يدل إخواني أن البدعة إذا تشربها القلب مصيبة؛ لأن صاحبها يقاتل عليها ويموت من أجلها ويفنى عليها، ثم يكتشف يوم القيامة أنها كانت باطلة. شوف بعد كل هالفيلم، دافعت وحرضت وقاتلت وفرقت، ثم تكتشف بعد ذلك يوم القيامة أنك كنت من أجهل الناس بربك! هذه مصيبة البدعة، لذلك يفضلها إبليس على الزنا، ويففضلها إبليس على الخنا والفجور واللي بدك إياه من المعاصي التي أنت تفعلها مقراً أنها معصية لكنك ضعفت أمامها.

نعم، قال رحمه الله: كما قال بعض السلف: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال إبليس: أهلكت بني آدم بالذنوب، وأهلكوني بالاستغفار وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً. هذا معيار، لماذا المعصية؟ المعصية بتوب منها، بتحكي استغفر الله، بتراجع، بتندم، بتعيط، يعني في مساحة كبيرة أنك ترجع وتستيقظ، لكن البدعة صعب، صعب جداً إلا أن يفتح الله على قلبك، وما ذلك على الله بعزيز.

نعم، قال رحمه الله: ومعلوم أن المذنب إنما ضرره على نفسه، وأما المبتدع فضرره على النوع. هذا أيضاً فكرة أخرى، لماذا البدعة أشد من المعصية؟ أن الزاني أو شارب الخمر أو في العادة المعاصي ضررها يعود عليك في العادة، عليك أو على من فعلت معه المعصية كامرأة، لكنه ليس ضرراً متعدياً بهذه بهذا الحجم الكبير.

أما البدعة التي تدعو إليها وتناصر وتقيم المحاضرات في تأصيل وتكتب الكتب في نشرها، هذه تؤثر على مجتمعات وشعوب وعقول وأمم، فخطرها أصعب وأسوأ. نعم قال: وفتنة المذنب في الشهوة، والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه.

هذا فرق آخر، شوف هنا هذا مبحث يهم طالب العلم، ويمكن أن تعلق في الصفحة الأساسية التفريق بين المعاصي والبدع. فيقول أيضاً من الفوارق بينهما، قال: أن المبتدع -إيش عندك في النسخة؟- قال: وأما المبتدع فضرره على النوع، وفتنة المبتدع في أصل الدين، وفتنة المذنب في الشهوة.

آه، يعني المبتدع فتنته وأشكاله عم تضرب في أصول الدين، في العقائد، في الذات الإلهية، وأما العاصي المذنب بنظرة أو خلوة أو حتى وقع في خمر، مشكلته شهواته وضعف نفسه، باختصار كما قلت لكم قبل قليل، لم يمس جناب الله، ما ضرب في الأمور إلهية، ضرب وين؟ في نفسه، في شهوته، في أخطائه الشخصية.

نعم قال: والمبتدع قد قعد للناس على صراط الله المستقيم يصدهم عنه. والزاني أو شارب الخمر في العادة بتلاقيه -هسا انسى المجاهرين- لكن في العادة بتلاقيه أما مستحي أو منزوي، أو إذا قلت له اعمل زيك ممكن يقول لك: نعم، أتمنى الزاني لو أن كل الناس زانوا؟ ولكن ممكن يقول لك: لا يا عمي أنا ضعيف، ممكن بتلاقي بعض الأب بدخن وبقول لابنه: يا ولد، لا تدخن! صح؟

يعني تجد العاصي وإن وقع في الخطأ وهو يقر أنه خطأ لا ينصح الناس بذلك، يقول: أنا ضعفت يا اخي، لا تكن مثلي أنت، كن أحسن مني، تمام؟ لكن المبتدع بالعكس، المبتدع هو يقاتل من أجل أن تصبح مثله، وتعذب ويفرق الناس من أجل أن تكون على عقيدته، فهذا فرق آخر.

نعم قال: والمبتدع قادح في أوصاف الرب وكماله، والمذنب ليس كذلك. اللي هي فكرة أن المبتدع يمس أصول الدين. نعم قال: والمبتدع يقطع على الناس طريق الآخرة، والعاصي بطيء السير بسبب ذنوبه.

يعني المبتدع لماذا هو أسوأ حتى من العاصي؟ الفرق الأخير أن المبتدع هو يقطع على الناس طريق الآخرة، يعني يقطع على الناس الوصول إلى الجنة باختصار؛ لأنه يصدهم ويدعوهم إلى أفكار منحرفة ومسالخ خطيره تقودهم إلى النار، فالمبتدع مصيبة على الأمة، وأما العاصي ففي النهاية هو مؤمن موحد يسير إلى الله بسير بطيء، بعثر، بيرجع، يقوم، بعثر، بيرجع، يقوم، بس هو ماشي لحاله، وخطاه على جنبه، يعني زي ما نقول ليس مثل المبتدع الذي نصب نفسه حارباً للناس.

وكلمة المبتدع يعني يدخل فيها الذين يستهزئون بالسنة القرآن، من يسمون نفسهم بالقرآنيين، العقلانيين، الفكر الحداثي، البراجماتيين، يعني لا تحصر فقط البدع بشاعرة وصوفية فقط، بعض الناس لا، لا، البدع ترى أوسع من ذلك اليوم في حياة الأمة. كل فكرة تعارض دين الله فهي بدعة، كل فكرة تعارض منهج الإله وما شرعه الله فهي بدعة، منها ما هي بدع تصل للكفر والعياذ بالله، ومنها ما هي بدع مفسدة وما شابه ذلك.

نكتفي اليوم إن شاء الله على هذا القدر ونكمل في المجلس القادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. حياك الله حبيبنا نفع الله بك.