تسجيل الدخول

التّعلِيق عَلى كتاب الدَّاء وَالدَّوَاء | المجلس الخامس عشر

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على نبينا محمد صلاة تترى، وعلى آله وصحبه ومن لنهجه اختفى. حياكم الله أيها الإخوة والأخوات في مجلس جديد نعقده في التعليق والمدارسة لهذا الكتاب الطيب المبارك، كتاب الداء والدواء للعلامة ابن القيم عليه رحمة الله تعالى. وخير ما ينشغل به الإنسان في مثل هذه الأيام هو أن يصلح قلبه، وأن يقبل على ربه، فإن الإنسان لا يعرف ماذا خبيء له في هذه الدنيا وما الذي يرتقب فيها، فما أنفع أن ينشغل الإنسان بصلاح القلب والبحث عما يقربه من الله سبحانه وتعالى، وما يؤنسه به، وما قوي إيمانه في زمن الفتن والمححن. نسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا قلباً صالحاً يوصلنا إليه، ونعوذ به سبحانه وتعالى من قواطع الطريق.

فإن الإنسان أيها الإخوه يحتاج قلباً قوياً حتى يستطيع أن يواجه صعوبات الحياة، القلب الضعيف أو القلب المريض يضعف أيها الكرام، يضعف لأن الفتن شديدة، الفتن هي بطبيعتها شديدة ومتعبة ومنهكة. فإذا لم يكن هناك قوة في القلب تساعد الإنسان على تخطي مراحل الحياة وتساعد على تجاوز الفتن، لن يستطيع الثبات أمامها، وإنما سقط من سقط، وضل من ضل، وضعف من ضعف، وقنط من قنط. بسبب ماذا؟ بسبب ضعف القلوب وعدم استعدادها لما هو قادم.

فالانسان لما يحضر مثل هذه المجالس، أو يقرأ مثل هذه الكتب، أو ينشغل بمثل هذه المواضيع، هو حقيقة ليس مجرد تعبئة لأوقات الفراغ، هذا ليس يعني جهد سهل، بل هذا واجب الوقت، واجب الوقت وفرض أن يعد الإنسان قلبه، أن يعد الإنسان قلبه لنفسه ولأمته، وأن يسعى لإصلاح جراحات الحياة التي أثخنته من المعاصي والذنوب والزلات، وينظر إلى نفسه بعين الترقب وبعين الصلاح، ويحث عما يقربه من الله قبل أن يفوت الأوان. فهذا من اعظم وأهم المواضيع التي ينبغي أن ينشغل بها الإنسان عموماً في حياته وفي زمن القلاقل والبلابل. نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذلك.

وصلنا مع ابن القيم رحمه الله تعالى عليه إلى معالجة بعض الذنوب التي تعتبر من كبائرها، فتكلم عن الشرك باعتباره أعظم المعاصي والذنوب، هو الشرك الذي يناقض التوحيد. وأن قلباً حل فيه التوحيد وتأسس على تحقيق هذا مقام، قلب لا يضعف. قلب تأسس على التوحيد وتحقق به، قلب لا يضعف. بخلاف القلب الذي تشرب الشركيات وتشرب البعد والانحرافات، فهذا القلب أيها الكرام من أضعف القلوب، قلب لا يستطيع أن يقاوم فتن الحياة وأشكالها.

وعندما نتكلم عن التوحيد وعن تحقيقه في حياة الإنسان، وأن يلتفت الإنسان إليه وإلى مقاماته، وعندما ننظر إلى اهتمام السلف بهذا الموضوع نرى أن غاية الاهتمام لم تكن في الخطرات والأفكار، وإنما كان اهتمامهم في أن يحقق العبد هذا المقام، فإن العبد متى صبغ قلبه على توحيده لله وتفرد ربه سبحانه بالالوهية والعبودية والقصد في سائر أحوال القلوب، هذا قلب لا يقهره شيء. بخلاف القلب الذي تفرق في شعاب الحياة والذي توطن على التعلق بالوسائط والمخلوق، فهذا قلب يخاف كل شيء، يخاف كل شيء. فلذلك ركز ابن القيم على قضية حسنة التوحيد وما يقابلها من خطورة الشرك.

ثم بعد ذلك سيشرع في ذكر آفات بعض الذنوب لأنها من كبائرها، فتكلم عن القول على الله بغير علم، وغطى ابن القيم هذا الجزء. ثم الآن سنتكلم عن الظلم، سيتكلم ابن القيم عن الظلم والعدوان أيضاً باعتباره من أعظم الإشكالات التي تصرف العبد عن الله سبحانه وتعالى. نبدا بسم الله.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على سيد الخلق والمرسلين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. آمين يا رب.

قال المصنف رحمه الله: فصل الظلم والعدوان. ثم لما كان الظلم والعدوان منافياً للعدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأرسل له سبحانه رسله عليهم الصلاة والسلام، وأنزل كتبه ليقوم الناس به، كان من أكبر الكبائر عند الله، وكانت درجته في العظمة بحسب مفسدته في نفسه. وكان قتل الإنسان يزداد إثم الظلم بحسب المفسدة المترتبة عليه، هذا معنى. وتزداد عظمته بحسب مفسدته في نفسه، أي أشد الظلم هو أشده مفسدة، وأخف الظلم هو أقله مفسدة. فالظلم يتفاوت إلى مراتب، وسبب تفاوتة بحسب المفاسد المترتبة عليه في دين الإنسان وفي دنياه. نعم.

وكان قتل الإنسان ولده الطفل الصغير الذي لا ذنب له، وقد جبل الله سبحانه القلوب على محبته ورحمتها وعطفها عليهم، وخص الوالدين من ذلك بمزية ظاهرة، فقتله خشية أن يشاركه في مطعمه ومشربه وماله، من أقبح الظلم وأشده. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أعظم الذنب ماذا قال؟ أولاً أن تجعل لله نداً وهو خلقك. ثم ماذا يا رسول الله؟ قال: ثم أن تقتل ولدك. قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. نعم، ثم قال في الثالثة: ثم أن تزاني حليلة جارك. فجعل هذه الثلاث هي أعظم الذنوب عند الله سبحانه وتعالى لما احتفى بها من القرائن السيئة.

فهل يعقل أن إنسان يقتل ولده خشية أن يشاركه في لقمة العيش؟ هذه قمة الوحشية وقمة الأنانية وقمة البعد والضعف الإيمان. نعم. وكذلك قتله أبويه اللذين كانا سبب وجوده، وكذلك قتله ذا رحمه، وتتفاوت درجات القتل بحسب قبحه واستحقاق من قتله للسعي في إبقائه ونصيحته. نعم.

ولهذا كان أشد الناس عذَاباً يوم القيامة من قتل نبياً أو قتله نبي، يعني كلما قتلت رجلاً وجوده مهم لك وبقاؤه مهم لك، كلما ازددت ظلماً. فأشد أنواع القتل هو قتل الأنبياء لأنك قتلت رموز الهداية ونور الظلمة. ثم بعد ذلك أن تقتل والديك لأنهما كان سبباً في وجودك. وهكذا يزداد وزر القتل كلما ازدادت أهمية بقاء هذا الشخص لك في حياتك. نعم. ويليه من قتل إماماً عادلاً يأامر الناس بالقسط ويدعوهم إلى الله سبحانه وينصحهم في دينهم.

وقد جعل الله سبحانه جزاء قتل النفس المؤمنة عمداً الخلود في النار، وغضب الجبار ولعنته، وإعداد العذاب العظيم له. هذا موجب قتل المؤمن عمداً ما لم يمنع منه مانع، ما لم يمنع منه مانع كان يكون القتل بتأويل أو خطأ، أو يكون الرجل المؤمن هدر دمه لزنى محصن أو ما شابه ذلك من الموانع التي تدفع القصاص عن القاتل. نعم.

ولا خلاف أن الإسلام الواقع بعد القتل طوعاً واختياراً مانع من نفوذ ذلك الجزاء، يعني إذا كافر قتل مسلماً ثم بعد أن قتل في حرب من الحروب ثم هذا الكافر أسلم طوعاً واختياراً ودخل في هذا الدين، هل سنقتص منه على ما فعله بالمسلمين قبل أن يسلم؟ لا، القاعدة تقول: الإسلام يجب ما قبله. فلذلك هو ذكر مانعاً من موانع أن يقتص من الرجل كان كان كافراً وشارك في حرب ضد الإسلام وقتل من المسلمين ما قتل، ثم أسلم. يعني خالد بن الوليد ألم يقتل من الصحابة في غزوة أحد؟ قتل، لكنه أسلم بعد ذلك وأصبح من فرسان الإسلام، فهذا مانع من تطبيق القصاص، الإسلام يجب ما قبله. نعم.

وههل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه؟ فيه قولان للسلف والخلف، وهما روايتان عن الإمام أحمد. نعم، توبة القاتل. والذين قالوا لا تمنع التوبة من نفوذه رأوا أنه حق لآدم لم يستوف في دار الدنيا وخرج منه بمظلمة، فلا بد أن يستوفى في دار العدل. يعني هذه مسألة لو أن مسلماً قتل مسلماً تماماً، ثم لم يقتص من القاتل في هذه الحياة الدنيا لم يقتص من القاتل، طب هذا القاتل ها مسلم لم يقتص منه لسبب من الأسباب، وتاب توبة نصوحاً إلى الله من جريمة القتل، هل يوم القيامة سيعاقب على هذه الجريمة لصالح الشخص المقتول؟ يعني هل للمقتول يوم القيامة أن يطالب الله بحقه من القاتل حتى ولو كان هذا القاتل قد تاب؟ فهمتم صورة المسألة؟ هذا المسلم القاتل لم يقتص منه لسبب، وتاب توبة نصوحاً، هل هذه التوبة ستنفع يوم القيامة ألا يقتص منه؟ أم إذا جاء الشخص المقتول المظلوم بين يدي الله فطلب حقه من القاتل، حتى لو تاب القاتل سيأخذ منه؟ فماذا يقول؟ قال: والذين قالوا هل تمنع توبة المسلم منه بعد وقوعه فيه قولان.

للسلف والخلف وهما روايتان عن أحمد. والذين قالوا: لا تمنعوا التوبة من نُفُوذه، أي من نفوذ القصاص، رأوا أنه حق لآدم. القصاص حق لآدم لم يُستوفَ في دار الدنيا، وخرج منه بظلامة. الإنسان المقتول مسكين، لم يأخذ حقه في الدنيا وخرج منها بظلامة، فلا بد أن هذا المقتول له أن يطلب من الله أن يحقق العدل الإلهي يوم القيامة. هذا هو القول الأول نعم.

قالوا: وما استوفاه الوارث إنما استوفى محض حقه، الذي خيره الله بين استيفائه والعفو عنه. وما ينفع المقتول من استيفاء وارثه؟ وأي استدراك لظلامته حصل بإيفاء وارثه؟ يعني هنا هذا القول الفقهي وصل لدرجة البحث؛ أنه الآن الإنسان المظلوم مات مظلوماً، أليس كذلك؟ مات مقتولاً مظلوماً. بقول لك: حتى لو اقتص من القاتل، بقول لك: حتى لو اقتص من القاتل، الذي طلب القصاص من هو؟ أولياء المقتول، الورثة. فهم أخذوا القصاص من القاتل، وهذا سينفعهم، يشفي دمهم، يعني يخفف في نفوسهم. وأما المقتول المسكين لم يحصل شيئاً، هو لم ينتفع من القصاص من القاتل، هو ذهب ومات وانتقل إلى الله. فهل يوم القيامة، هل يوم القيامة يستطيع أن يطالب بحقه أيضاً من القاتل الذي اقتص منه؟ يعني هذه مجموعة نقاشات فقهية خاضها العلماء.

والهدف من سياق هذه الأمور هنا ما هو؟ هو الإخبار عن عظمة الظلم، وأن عقابه شديد، وأنك إذا ظلمت إنسانًا لا تأمن من أن تأتي يوم القيامة فهذا الشخص يطلب القصاص منك، حتى ولو كنت تبت من مظلمته، حتى ولو كنت فعلت ما فعلت. طبعا هذا إذا كان هذا الشخص المظلوم لم يستطع أن يأخذ حقه منك مباشرة في الحياة الدنيا. فهنا ابن القيم يأتي بهذه الأقوال ليحذر وليخشى من جريرة ارتكاب الظلم. نعم، وهذا أصح القولين في المسألة: أن حق المقتول لا يسقط باستيفاء الوارث، وهما وجهان لأصحاب الشافعي.

إذن، ما الذي رجحه ابن القيم؟ ابن القيم يرجح أن حق المقتول في القصاص وطلب العدل الإلهي من الظالم القاتل لا يسقط. قال: حتى ولو أُقتص من القاتل في الدنيا؛ لأن القاتل الذي أُقتص منه إنما أُقتص منه الورثة والأولياء، وأما المقتول المظلوم لم يحصل شيئاً لأنه انتقل إلى الله، فيوم القيامة يستطيع أن يقف بين يدي الله ويطالب بحقه من هذا القاتل. تخيل كم ظلم عظيم، وكم عقوبات متراكمة عليه!

نعم، ورأت طائفة أنه يسقط بالتوبة واستيفاء الوارث، وهذا قول آخر في المسألة. قال: ورأت طائفة أن القاتل إذا أُقتص منه قصاصاً شرعياً بطلب الورثة، سقط عنه الإثم، خلص قول لك: أنا أقيمت علي العقوبه في الدنيا واقتص مني، فلماذا تقام علي العقوبه في الآخرة؟ هذا قول فقهي آخر للعلماء: أنه إذا أُقتص من القاتل، يعني القاتل تاب وأناب، وأيضاً أُقتص منه في الدنيا، خلص المقتول يوم القيامة ليس له أن يطالب بشيء من جهة أن القاتل أُقتص منه وانتهى.

ولعل هذا القول الثاني يعني أرى له وجاهة، وإن كان ابن القيم صحح القول الأول لكن أرى القول الثاني له وجاهة وقوة، وهو أن القاتل إذا كان تاب وأُقتص منه وأقيمت عليه العقوبة، فقد أخذ أيضاً نصيبه من العقوبة والحدود. كما نعرف كفارات: من أقيم عليه الحد في الدنيا لم يُعاقب يوم القيامة، فكذلك الذي يظهر أن القاتل إذا أُقتص منه في الدنيا حلت عليه العقوبة وانتهى، فلا ينبغي أن نقول إنه حتى يوم القيامة يُعاقب، إلا إذا كان لم يتب من جرمه.

نعم، فإن التوبة تهدم ما قبلها، والذنب الذي جناه قد أقيم عليه حده. نعم، الذنب الذي جناه أقيم عليه حده فلماذا أُعاقب مرتين؟ نعم، قالوا: وإذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر وهما أعظم إثماً من القتل، فكيف تقصر عن محو أثر القتل؟ وقد قبل الله توبة الكفار الذين قتلوا أولياءه وجعلهم من خيار عباده، وهو الكافر إذا أسلم كما قلنا قبل قليل. نعم، ودعا الذين أُحرقوا أولياءه وفتنوهم عن دينهم إلى التوبة، وقال تعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً. فهذا في حق التائب وهي تتناول الكفر وما دونه.

قالوا: وكيف يتوب العبد من الذنب ويُعاقب عليه بعد التوبة؟ هذا معلوم انتفاؤه في شرع الله وجزائه. قالوا: وتوبة هذا المذنب تسليم نفسه، ولا يمكن تسليمها إلى المقتول، فأقام الشارع وليه مقامه، وجعل تسليم النفس إليه كتسليمه إلى المقتول، بمنزلة تسليم المال الذي عليه لوارثه، فانه يقوم مقام تسليمه للمورث. نعم، يعني ما دام القاتل سلم نفسه لأولياء المقتول ليقيموا عليه القصاص، فهو كأنه أعطى للمقتول حقه، فلماذا نعاقبه أيضاً يوم القيامة فوق العقاب في الدنيا؟

نعم، والتحقيق في المسألة أن القتل يتعلق به ثلاثة حقوق. الآن ابن القيم سيبين وجهة نظره: كيف سيحرر هو هذه المسألة؟ مسألة المسلم القاتل إذا أقيم عليه القصاص، هل سيعاقب يوم القيامة أيضاً أو لا إذا طلب المقتول أو المظلوم ذلك؟

نعم قال: القتل يتعلق به ثلاثة حقوق، ما هي؟ نعم، حق لله وحق للمقتول وحق للولي. فإذاً يقول لك: الذي قتل، المسلم إذا قتل مسلما هناك ثلاثة حقوق في ذمته: حق لله، وحق للمقتول ظلماً، وحق لأولياء المقتول. هي ثلاثة حقوق.

طيب، فإذا سلم القاتل نفسه طوعاً واختياراً إلى الولي ندماً على ما فعل، وخوفاً من الله وتوبة نصوحاً، سقط حق الله بالتوبة. نعم، فإذا كان القاتل تاب وأقبل على الله وندم، سقط حق الله بماذا؟ بتوبته التوبة النصوح. وحق الولي بالاستيفاء أو الصلح أو العفو، وسقط حق الولي بأن إما اقتص أو اصلح وأخذ الدية أو عفا، فيسقط حقان: حق الله وحق الولي. ويبقى حق من؟ حق المقتول.

طيب وبقي حق المقتول، يعوضه الله عنه يوم القيامة عن عبده التائب المحسن ويصلح بينه وبينه. اه، هذا كلام جميل يعني بهذه الرؤية نقبل هذا التأصيل: أن حق المقتول سياخذ يوم القيامة، لكن لن ياخذه من القاتل؛ لأن القاتل تاب توبة نصوحة وأقيم عليه القصاص، فيوم القيامة المقتول سياخذ نصيبه، لكن التعويض ممن سيكون؟ من الله، يعني الله من عنده ومن واسع جوده وكرمه سيعوض هذا المقتول ويصلح بينه وبين القاتل. ولذلك ألم نقل إن هناك قنطرة بعد الصراط قبل أن يدخل المؤمنون الجنة؟ ما فائدة هذه القنطرة؟ إصلاح القلوب.

فإن كثيراً من المسلمين قد يقتل بعضهم بعضاً في الفتن، كما حدث في كثير من الوقائع. المسلمون يقتتلون وتحدث الفتن بين المسلمين بل حتى بين أهل الدين، وهذا حصل عبر التاريخ. فلا بد من وجود قنطرة بين بعد الصراط يقتص، يعني تطهر فيها القلوب، ويعوض الله فيها المقتول، لكنه لا يقيم عقاباً على القاتل؛ لأن القاتل كما قلنا حصل عقابه في الدنيا بالقصاص وتاب توبة نصوحاً، فلا وجه لأن يقتص أو يُعاقب مرة أخرى.

نعم، فلا يبطل حق هذا ولا تبطل توبة هذا. هكذا قول جامع: لا يبطل حق المقتول يوم القيامة، وفي نفس الوقت لا يبطل توبة القاتل جميل.

وأما مسألة المال فقد اختلف فيها، فقال طائفة: إذا أدى ما عليه من المال إلى الوارث برئ من عهدته في الآخرة، كما برئ منها في الدنيا. هذه مسألة ثانية طرحها، وهي: إذا كنت أنا اخذت مالاً من شخص ظلماً، إذا كنت اخذت مالاً من شخص على وجه الظلم، وهذا الشخص الذي اخذت منه المال مات تماماً، وانا الآن ندمت وأريد أن اصلح وأتوب، فعلي أن أرد المال، أليس كذلك؟ من شروط التوبة في هذه الحالة رد المال.

طيب الرجل مات، قال: سترد المال إلى الورثة. طيب هل هذا يغني؟ هل هذا يغني الرجل الذي هو صاحب المال؟ أنت حرمته من ماله في الدنيا ولم يستطع الاستفادة منه، أنت تبت بعد موته وأعطيت المال لورثته، فأين حقه هو الشخصي؟ فهل هذه نفس الفكرة إذا تبت توبة نصوحاً ورددت المال إلى الورثة، الله يوم القيامة يعوض صاحب المال من واسع كرمه ويصلح بينك وبينه، يعني قريبة من فكرة القتل إذا صورناها على هذا التصور. نعم، وقال طائفة

بل المطالبة لمن ظلمه بأخذه باقية عليه يوم القيامة. نعم، بل المطالبة، البعض قال بمجرد أنك سلمت المال ولو في الدنيا خلص سقطت المطالبة، والبعض قال: لا، لا تسقط المطالبة حتى ولو سلمت المال للورثة. بل من حق المظلوم الذي أُخذ مالُه أن يحاسبك يوم القيامة. والبعض قال بالتفصيل الذي فصله ابن القيم: نعم هو يأخذ، لكن ليس منك إذا تبت توبة نصوحاً وسلمت المال للورثة، وله حق، لكنه لن يأخذه منك، يعوضه الله من واسع جوده وكرمه ويصلح بينك وبينه.

نعم، وهو لم تُدرك ظلامتُه بأخذ وارثه له. نعم، أقول لك هو مات فهو لم يأخذ حقه؛ إذا أخذ وارثه، نعم فإنه منعه من انتفاعه به في طول حياته، ومات ولم ينتفع به، وهذا ظلم لم يُستدرك، وإنما ينتفع به غيره باستدراك، وبنوا على هذا أنه لو انتقل من واحد إلى واحد وتعدد الورثة كانت المطالبة للجميع، لأنه حق كان يجب عليه إيش يعني المطالبة للجميع؟

يعني أنا أخذت المال من هذا الشخص ومات تمام، ولم أعطِ الجيل الأول من الورثة، ومات الجيل الأول من الورثة وانتقل الحق إلى الجيل الثاني فرضا يعني، ومات الجيل الثاني -طبعاً الموت قد يكون بزلزال بشيء يعني باح- ثم جاء الجيل الثالث، فالملل هو الشخص الأول فقط أم هو والوارث الجيل الأول والوارث الجيل الثاني؟ يقول: يبقى الحق متناقضاً بينهم، وكلهم سيسألون يوم القيامة؛ لماذا لم تعطنا؟ كل من مات ولم يحصل المال سيسألك يوم القيامة. نعم، لأنه حق كان يجب عليه دفعه إلى كل واحد منهم عند كونه هو الوارث، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد.

وفصل شيخنا رحمه الله بين الطائفتين؛ من المراد بششيخنا؟ إذا أطلق ابن القيم: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عليه. نعم، فقال: إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه حتى مات، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة كما هي كذلك في الدنيا. وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حيل بينه وبينه ظلما وعدوانا، فالطلب له في الآخرة. يقول شيخ الإسلام: قال إذا إن تمكن الموروث -هكذا عندكم في النسق صحيح- إن تمكن الموروث من أخذ ماله والمطالبة به فلم يأخذه من الظالم حتى مات صارت المطالبة به للوارث في الآخرة، صارت المطالبة به للوارث في الآخرة لأن المورث هو الذي ترك حقه ولم يطالب به.

يعني شخص أنا اعتديت عليه وأخذت ماله، ثم هو كان بإمكانه أن يطالب بالمال ويسترد، لكنه ترك ذلك وتاخر فيه حتى مات، فهنا يقول الوارث الذي جاء بعده إنما تكون مطالبته متى؟ قال في الدار الآخرة. قال: كما هي له كذلك في الدنيا. قال: كما هي له كذلك، يعني هو يطالب بالدنيا وبالآخرة. قال: وإن لم يتمكن من طلبه وأخذه بل حيل بينه وبينه ظلما وعدوانا، فالطلب له متى؟ فالطلب له في الآخرة. يعني وكأنّه يقول شيخ الإسلام: إذا كان الرجل المطالبة به في الدنيا، إذا كان هذا الشخص المظلوم الذي أُخذ مالُه يستطيع المطالبة به في الدنيا ومات قبل أن يحصله، فإن هذا الحق بالمطالبة ينتقل لورثته، ينتقل لورثته في الدنيا وفي الآخرة تمام.

وأما إذا لم يتمكن من طلبه وأخذه خلص يعني هو وصل لمرحلة العجز، هذا الظالم الذي أخذ ماله شخص لا يمكن مطالبته، شخص يعني في مرتبة معينة لا يمكن أحد أن يتكلم معه ولا أن يطالب، هنا يعني لا فائدة أن نقول إنه سيطالب في الدنيا من جهة ماذا؟ أنه عاجز عن المطالبة بها، وإن كان له حق لكنه عاجز عن استرداد حقه، فسيبقى حقه له في الآخرة. قال: فالطلب له عندئذ في الآخرة. هذا تفصيل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عليه.

نعم، وهذا التفصيل من أحسن ما يقال؛ فإن المال إذا استهلكه الظالم على الموروث وتعذر أخذه منه، صار بمنزلة عبده الذي قتله قاتل، وداره التي أحر قها غيره، وطعامه وشرابه الذي أكله وشربه غيره، ومثل هذا إنما تلف على الموروث لا على الوارث، فحق المطالبة لمن تلف على ملكه. ويبقى أن يقال: فإذا كان المال عقاراً أو أرضاً أو أعياناً قائمة باقية بعد الموت فهي ملك الوارث، يجب على الغاصب دفعها إليه كل وقت، دفعها إليه كل وقت. نعم، فإذا لم يدفع إليه أعيان ماله استحق المطالبة بها عند الله تعالى كما يستحق المطالبة بها في الدنيا. وهذا سؤال قوي لا مخلص منه إلا بأن يقال: المطالبة لهما جميعاً، كما لو غصب مالاً مشتركاً بين جماعة استحق كل منهم المطالبة لحقه منه، كما لو استولى على وقف مرتب على بطون فأبطله، حق البطون كلهم منه، كانت المطالبة يوم القيامة لجميعهم، ولم يكن بعضهم أولى بها من بعض.

يعني هنا شيخ الإسلام وابن القيم دخل في تفاصيل بعض المسائل الفقهية المتعلقة بالاعتداء على الأموال، لذلك حتى هو لما قال وهذا التفصيل من أحسن ما يقال، كأنه يفرق بين المال الذي استهلكه الظالم، كان مثلاً غصب منك شراباً أو طعاما فاستهلك تمام، فهنا في حياة المورث فهنا يقول المورث إذا لم يطالبه في الدنيا يطالبه في الدار الآخرة تمام، وبين المال الذي بقي عقاراً قائماً. هنا شيخ ابن القيم يعترض على شيخ الإسلام في هذه القضية؛ طيب إذا كان المال الذي أخذ ه الظالم عقاراً قائماً يعني لم يستهلك، أليس من حق أبناء الورثة أن يطالبوا الظالم به؟

هناك مال يستهلك ويشرب فهمنا خلص استهلكه الظالم شربه أكلة وانتهى الأمر، هنا المورث سيطالبه في الدار الآخرة. طيب، لكن إذا كان المال باقياً على حاله بأن كان عقاراً أو بان كان شيئاً قائماً لا يتلف بطبيعته، فهل نقول إنه خلص المورث يطالب به في الآخرة وانتهى الأمر، أم الورثة يطالبون به في الدنيا أيضاً فإن العقار ما زال قائماً على حاله؟ يعني تفاصيل كثيرة في هذا الجانب تحرر في كتب الفقه.

نعم، فصل جريمه القتل. ولما كانت مفسدة القتل هذه المفسدة، قال الله تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً. وقد أُشكل فهمُ هذا على كثير من الناس، وقال: معلوم أن إثم قاتل مئة أعظم من عند الله من إثم قاتل نفس واحدة. وإنما أُتوا من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة، واللفظ لم يدل على هذا، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه.

ما معنى الاشكال الذي طرع على هذه الآية من فهم الاشكال الذي طرحه البعض على هذه الآية؟

اه أحسنت، يعني البعض استشكل هذه الآية من جهة أن ربنا سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ يقول عز وجل: مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً. فجعل الله في هذه الآية قتل نفس ظلماً بمثابة ماذا؟ انك قتلت جميع الناس، فمعنى إذا يتبادل إلى الذهن إذاً مهما أكثرت من القتل هو نفسه نفسه، لأنه إذا كانت نفس واحدة هي بمثابة قتل جميع الناس، طيب إذا قتلت مئة نفس هي بمثابة قتل جميع الناس، إذا العدد ما بفرق، إذا أكثروا من القتل فالواحد والاثنين والثلاث والعشرة والمئة كله بمثابة قتل جميع الناس.

فيقول ابن القيم: لا، هذا خطأ في طريقتة فهم النص. ليس المراد أن إثم من قتل شخصاً واحداً كإثم من قتل الناس جميعاً؛ لأن قتل نفس واحدة سيؤدي مع استمراره والسكوت عنه إلى قتل جميع الناس. وليس المراد في الآية أن إثم من قتل نفس يساوي إثم من قتل الناس جميعاً؛ لأن إذا كان هذا هو المراد فسيكون إثم من قتل مئة نفس كإثم من قتل نفساً واحدة، وهذا باطل بالضرورة، فإن إثم من يقتل مئة نفس أعلى من إثم من يقتل نفساً واحدة. اليس هذا القدر نحن متفقون عليه أن إثم من يقتل مئة نفس أعلى من إثم من يقتل نفساً واحدة؟ طب الآية كيف تقول إن الذي يقتل نفس كأنما قتل الناس جميعاً؟ إذا فهمنا الآية على ظاهرها سنصل إلى ماذا؟ إلى أن

الذي يقتل نفس والذي يقتل مئة نفس هي نفس النتيجة، لأن إثمه كأثم ريني. هؤلاء من أين أخطأوا في الفهم؟ وإنما أتوا في سوء فهمهم للآية من ظنهم أن التشبيه في مقدار الإثم، أن لما قال من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكانما قتل الناس جميعا، من أساء الفهم للآية يظن أن التشبيه في ماذا؟ في مقدار العقوبة. عقوبة من قتل شخصا واحدا كعقوبة من قتل الناس جميعا، هل هذا هو المراد من الآية؟ لا، ليس مراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة. قال، والقول لم يدل على هذا، يعني الآية لم تقل إن التشبيه إنما هو في الإثم، يعني من حيث مقداره، ولا يلزم من تشبيه الشيء بالشيء أخذه بجميع أحكامه، يعني إذا شبهنا قتل نفس واحدة بقتل الناس جميعا، هل يلزم أن قتل نفس واحدة يأخذ حكم وجميع أحكام من قتل الناس جميعا؟ لا، وإنما المراد بالتشبيه هنا كما قلنا بيان أن من قتل نفسا واحدة واستجاز أو استباح لنفسه ذلك، فهو مع الوقت ومع استمراء هذا الفعل سيؤدي إلى انتشار القتل في المجتمعات حتى يشيع القتل فيهلك الناس جميعا، هذا هو المراد، أنه هذه القتلة الواحدة ستوصل إلى، أو هذه القتلة الواحدة ستوصل إلى مئات الألوف من صور القتل، فيجب أن ننهي القتل من بدايته.

نعم، وقد قالت تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا، وقال تعالى: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ، وذلك لا يوجب أن لبثهم في الدنيا إنما كان هذا المقدار. أراد أن يعطيك نموذج آخر لهذه الفكرة، لما ربنا سبحانه وتعالى يقول مثلا: كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ، هل المراد فعلا فعلا أنهم لم يلبثوا إلا ساعة من نهار؟ أم المراد هو الكناية عن قلة المدة فقط؟ هو كناية عن قلة المدة، وليس المراد بهذا التشبيه أن نقول إن الكفار وأهل الدنيا لبثوا فقط ساعة من نهار، لا، هو كناية عن تقليل المدة، سواء لبثوا ساعة أو أقل أو أكثر.

نعم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من صلى العشاء في جماعه فكانما قام نصف الليل، ومن صلى الفجر في جماعه فكانما قام الليل كله. نعم أي مع العشاء، كما جاء في لفظ آخر وأصرح من هذا قوله: من صام رمضان واتبعه بست من شوال فكانما صام الدهر. مثلا، لما يقال من صام رمضان ثم اتبعه ستة من شوال كان كصيام الدهر، هل المراد فعلا فعلا أنه من صام فقط هذه الأيام يساوي ثوابه ثواب من صام 365 يوم؟ ولا المراد تعظيم ثواب من صام رمضان واتباعه ستة من شوال وجعله في صورة من صام الدهر؟ لكن بالتاكيد الذي يصوم الدهر أو يصوم كثيرا من الأيام ليس فقط كمن صام رمضان، فهذا النوع من التفكير يجب أن يحصل عندك وأنت تقرا هذه النصوص حتى لا تفهم الشريعه بطريقة خاطئة.

مثلا، لما نقول قراءة سورة الإخلاص تعدل ثلث القرآن، هل المراد أنه إذا أنا قرأت سورة الإخلاص ثوابي يساوي ثواب من قرأ ثلث القرآن؟ لا ليس أكيد هذا المراد، وإلا هل هذا جهد قراءة ثلث القرآن جهد كبير ليس كقراءة سورة الإخلاص وحدها؟ لكن المراد أنها تعدل في المعاني والعظمة والجلال مقدار ثلث القرآن، وأما الثواب كثواب فإنه بالتأكيد يتفاوت. نعم، وقوله صلى الله عليه وسلم: من قرأ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ فكأنما قرأ ثلث القرآن، ومعلوم أن ثواب فاعل هذه الأشياء لم يبلغ ثواب المشبه به، يعني الذي قرأ ثلث القرآن ليس كمن قرأ الإخلاص وحدها، فالتشبيه هنا ليس مراده الاستواء في الثواب، هذه فكرة ننتبه لها، ليس المراد أن ثواب اللي يقرا سورة الإخلاص يساوي ثواب من قرأ ثلث القرآن، هذا ليس هو المراد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.

نعم فيكون قدرهما سواء، ولو كان قدر الثواب سواء لم يكن لمصلي العشاء والفجر جماعة في قيام الليل منفعة غير التعب والنصب. نعم، وما أوتي أحد بعد الإيمان أفضل من، نعم، لأنه ايش يقول؟ يقول ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي صلى الفجر في جماعة والعشاء في جماعة فكانما قام ليلة؟ إذا بقول الشخص، إذا أنا ليش أقوم الليل وأتعِب نفسي وأحط المرب؟ ما دام ثواب قيام ليلة، خلاص أصلي الفجر في جماعة والعشاء في جماعة وحصلت نفس ثواب الذي يستيقظ في ثلث الليل الآخر ويصلي ركعات ويكابد الفراش؟ هل هذا معقول؟ لا، فبيقول لك إياك أن تفهم من هذه النصوص أنه الذي يفعل هذه الأفعال سيحصل نفس ثواب من تعب وقام الليل. المراد أيها الأحبه معانٍ أخر ومعانٍ أبعد من ذلك في تعظيم هاتين الصلاتين ومقدارهما وأنهما جمعا بين طرفي الليل، هذه هي المعاني التي تكلم عنها الفقهاء، وليس المراد تسوية الثواب بالثواب، فهذا أصلاً ليس من العدل، هذا ليس من العدل أن شخص يتعب وينصب ويقوم ثم بعد ذلك يحصل نفس ثواب شخص اكتفى فقط بصلاة الفجر والعشاء.

طيب، وما أوتي أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، شوف ابن القيم بعطيك فائدة، أنه ما أجمل العلم! ما أجمل الإنسان يحضر مجالس التعلم والتفقه في دين الله، فإن كثيرا من الناس تمر بهم هذه الآيات وهذه الأحاديث ولا يعرفون كيف يوجهونها، قال: فلم يعطَ أحد بعد الإيمان أفضل من الفهم عن الله، يعني فهم معاني آيات الله وفهم معاني أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فلا يحملها على غير محاملها الحقة، وهذا إنما يؤتى بالعلم وبحضور مجالس، نعم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، نسأل الله من فضله.

نعم، فإن قيل، في أي شيء وقع التشبيه بين قاتل نفس واحدة وقاتل الناس جميعا؟ يعني بعد هذه المقدمة الآن بدو يعطيك الجواب عن الآية. طيب، إذا قلتم إن من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكانما قتل الناس جميعا، ليس المراد أن إثم من قتل نفسا واحدة كمن قتل مئة نفس، طيب، إذا ما موطن التشبيه؟ ما العلاقة بين هذه الصورة وهذه الصورة؟ حلها ابن القيم فقال: قيل في وجوه متعدده، قيل وجه التشبيه وجوه متعددة، أحدها أن كلا منهما عاص لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، مخالف لأمره، متعرض لعقوبة، وكل منهما قد باء بغضب من الله ولعنته واستحقاق الخلود في نار جهنم وإعداده عذابا عظيما، وإنما التفاوت في درجات العذاب. فليس أول وجه من وجوه المشابهة بين من قتل نفسا وبين من قتل الناس جميعا، ما هو؟ الاشتراك في أصل المعصية، وهي أصل المخالفة وهي ارتكاب جريمة قتل، وإن كان بالتأكيد من قتل نفسا كمقدار عقوبة ليس كمن قتل مئة نفس أو ألف نفس، لكنهم جميعا يشتركون في ماذا؟ في أصل المخالفة وهي ارتكاب جريمة القتل على تفاوت بينهم نقر به.

نعم، فليس إثم من قتل نبيا أو إماما عادلا أو عالما يأامر الناس بالقسط كإثم من قتل من لا مزية له من آحاد الناس. جميل، الثاني أنهما سواء في استحقاق، فمثلاً إذا لو قلت لك ما العلاقة أو ما وجه التشبيه بين من صلى الفجر والعشاء في جماعة وبين من قام الليل؟ مش قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى الفجر في جماعة والعشاء في جماعة فكانما قام الليل كله؟ ما وجه التشبيه بين من صلى هاتين الصلاتين في جماعة وبين من قام الليل؟ ايش ستقتل لي؟ أجاب أنا، الاشتراك في أصل مجاهدة النفس في ساعات الليل، فهم مشتركون في مكابدة ساعات الليل على صلاة العشاء والفجر، لكن هل مكابدة من قام الليل وسهر كمكابدة فقط من صلى الفجر والعشاء؟ لا طبعا، فإذا الاشتراك بين من قام الليل وبين من صلى الفجر والعشاء في أصل الطاعة، وهي طاعة مكابدة ساعات الليل، لكن الاشتراك في أصل الطاعة لا يعني الاشتراك.

في الثواب ها الاشتراك في أصل الطاعة بيني وبينك لا يعني أنني وإياك نشترك في الثواب، فأنا قد تكون تعبت أكثر وأكثر وانت تعبت أقل، فنتفاوت في الثواب وإن اشتركنا في أصل الطاعة. شوف هذا الفهم الجميل الذي نفس الشيء قضية مثلاً من قرأ ثلث القرآن ومن قرأ الإخلاص، ما وجه المشابهة بينهم؟ الاشتراك في قراءة معاني التوحيد باعتبار أن لماذا الإخلاص جعله ثلث القرآن؟ قالوا: إن ثلث القرآن يقوم على معاني التوحيد والعقيدة، أنك تشترك معه في قراءة ما يتعلق بالتوحيد، لكن هل ثواب من قرأ الإخلاص وحدها كمن قرأ الثلث؟ لا، بالتأكيد، فأنا بذلت جهداً أكبر، فانت عليك أن تبحث عن نقطة الاشتراك، ووجود نقطة اشتراك لا يعني التساوي في الثواب ها. وجود نقطة اشتراك بين سورة وسورة لا يعني التساوي في ماذا؟ في مقدار الثواب والأجر، جميل.

الثاني: أنهما سواء باستحقاق إزهاق النفس، هذا وجه آخر من من قتل نفساً وقتل مئة نفس، أن من قتل نفساً وكذلك من قتل الناس جميعاً اشتركوا في صفة أخرى، وهي إزهاق نفس معصومة وإن كان هناك تفاوت بينهما، فهذا أزهق واحدة وذاك أزهق مئة، لكنهم اشتركوا في جنس المعصية، هذا مراد نعم.

الثالث: أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام، فإن من قتل نفساً بغير استحقاق، بل لمجرد الفساد في الأرض أو لأخذ ماله، فانه يجترئ على قتل كل من ظفر به وأمكن قتله، فهو معاد للنوع الإنساني، يعني كلاهما يشترك في صفة العداء للنوع الإنساني، وأن من قتل نفساً واحدة سيشتري على قتل أخرى وثانية، فالعداء للنوع الإنساني مشترك بين هذا وهذا نعم.

ومنها: أنه يسمى قاتلاً أو فاسقاً أو ظالماً أو عاصياً بقتله واحدة، صحيح أن من قتل مئة نفس والذي قتل نفساً واحدة كلاهما يسمى ماذا؟ قاتل، فهذا وجه، كلاهما يسمى قاتل نعم في تفاوت، ها في تفاوت هذا قاتل واحد، هذا قاتل مئة، لكن كلاهما يسقط عليه أنه قاتل، أنه فاعل كبيرة، أنه فسق، إلى غير ذلك من الأسماء الشرعية جيد، كما يسمى كذلك بقتله الناس جميعاً جميع.

ومنها: أن الله سبحانه جعل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتواصلهم كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، فإذا أتلف القاتل من هذا الجسد عضواً فكانما أتلف سائر الجسد. جميل هذا التشبيه يعني المؤمنون كالجسد الواحد، فإذا أنت قتلت عضواً من هذا الجسد فكانك تداعى له سائر فكانك قتلت الجسد، فيكون تشبيه فيه نوع من المجاز تشبيه مجازي في هذه الحالة نعم والم جميع أعضائه، فكأنك فكأنك إذا قتلت نفساً واحدة ألمت جميع أعضاء الجسد، هذا هو المراد جميل، فمن أذى مؤمناً واحداً فكأنما أذى جميع المؤمنين وفي أذى وفي أذى جميع المؤمنين أذى جميع الناس، فإن الله إنما يدافع عن الناس بالمؤمنين الذين بينهم، فالخفير أيذاء المفور نعم، وقد قال النبي الخفير هو المجير نعم الذي يكون الناس في ضمانه نعم.

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ. نعم، ولم يجئ هذا الوعيد في أول زان ولا أول سارق ولا أول شارب مسكر، وإن كان أول المشركين قد يكون أولى بذلك من أول قاتل، لأنه أول من سن الشرك، ولهذا رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن لحي الخزاعي عمر بن لحي الخزاعي نعم عمر بن لحي الخزاعي يعذب أعظم العذاب في النار لأنه أول من غير دين إبراهيم عليه السلام. نعم، وقد قال تعالى: وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ، أي فيقتدي بكم من بعدكم فيكون إثم إثم كفره عليكم، كذلك حكم من سن سنة سيئة فاتبع عليها.

وفي جامع الترمذي طبعا هو الحديث لا تقرأ نفس ظلما إلا كان على ابن آدم الأول كفلا، إلا كان على ابن آدم كفل من دمها لأنه أول من سن القتل، فيمكن أيضا أن صدق الحديث على هذه الحالة أن أول من يفعل القتل أول من قتل نفساً هو سن هذه السنة السيئة، فبالتالي لو قتل الناس جميعاً بعد ذلك إنما ساروا على إثم وعلى خطى من قتل أول نفس، فهذا قد يكون من صور أن من قتل، إن هي إلا الآية هذه جاءت في سياق قتل قابيل لهابيل، اليس كذلك؟

فيقول لك هابيل وقابيل لما قتل أحدهما الآخر على خلاف بين المفسرين، أول عملية قتل هي سنة القتل لجميع الناس بعد ذلك، وأصبح صاحب السنة السيئة، ففعلا قتله لنفس واحدة هو قتل للناس جميعاً من جهة أنه كان هو الذي تسبب بذلك لما سن والفتحه على مصراعيه، وكذلك عمرو بن لحي الخزاعي نفس الفكره لما كان من سن الشرك عند العرب فانه ح جميع صور الشرك ح وزره جميع صور الشرك التي حت عند العربي بعد ذلك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقص على هذه الفكرة كل من سن سنة سيئة ولو كانت واحدة ثم توسعت وانتشرت بعد ذلك فبقتل الناس جميعاً فعلياً ليه؟

لماذا قابيل قتل الناس جميعاً؟ لأنه هو أول من ارتكب هذه الجريمة وسنها واقتدي به بعد ذلك، فهذا من أوجه الفهم التي يمكن أن تفهم فيها الآية أن من قتل نفسه فكانما قتل الناس جميعاً ضمن سياقها التفسيري أنها جاءت في قصة قتل أحد والدي آدم للآخر نعم.

وفي جامع الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يجيء المقتول يوم القيامة ناصيته وراسه وأوداجه تشخب دما، يقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فذكروا لابن عباس التوبة فتل هذه الآية: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا، ثم قال: ما نسخت هذه الآية ولا بدلت وأنا له التوبة. قال هذا طبعا رأي ابن عباس في أول أمره أنه كان يرى أن القاتل ولو كان مسلما مخلد في النار مثله مثل الكافر، لكنه عاد بعد ذلك إلى ما هو معروف عند السلف أن الانسان ولو ارتكب ما ارتكب من الكبائر ولو عذب ما عذب في النار فانه لابد وآن يأتي يوم يخرج منها، فالخلود في النار ليس لأهل الكبائر عند أهل السنة والجماعة نعم.

قال الترمذي: هذا حديث حسن. نعم، وفيه أيضا عن نافع قال: نظر عبد الله بن عمر يوما إلى الكعبة فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك، والمؤمن عند الله أعظم حرمة منك، قال الترمذي: هذا حديث حسن.

وفي صحيح البخاري عن سمرة بن جندب قال: أول ما ينتن من الإنسان بطنه، فمن استطاع منكم ألا يأكل إلا طيبا فليفعل، ومن استطاع ألا يحول بينه وبين الجنة ملء كف من دم من دم أهراق فليفعل، يعني من استطاع ألا يسفك دما حراما ولا يؤذي مسلما فليفعل نعم.

وفي صحيحه أيضا عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما نعم.

وذكر البخاري أيضا عن ابن عمر قال: من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حله نعم.

وفي الصحيحين عن أبي هريرة يرفعه: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر.

وفيهما أيضا عنه صلى الله عليه وسلم: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

وفي صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم من قتل معاهدا لم يرح رائحه الجنه لم يرح لم يرح رائحه الج لم يرح رائحه الجنة لم يرح رائحه الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما. هذه عقوبة قاتل عدو الله إذا كان في عهده وأمانه، نعم، إذا كان من يقتل كافرا معاهدا لا يرى را الجنة فما بالك بمن يقتل مسلما موحدا لله سبحانه؟

نعم، فكيف عقوبة قاتل عبده المؤمن؟ وإذا كانت امرأة قد دخلت النار في هرة حبتها حتى ماتت جوعا وعطشا، فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في النار والهرة تخدشها في وجهها وصدرها، فكيف عقوبة من حبس مؤمنا حتى مات بغير جرم؟ كيف عقوبة

من يحبس شعبا كاملا يشارك في حصاره ويمنع عنه الطعام والشراب، إذا كان من قتل هرة بحبسها عن الطعام والستور ستسأل أمام الله، فالذي يشارك في حصار شعب كامل ويمنع عنه الطعام والشراب ويساند الصهاينة في ذلك، ما جريمته في قتل هؤلاء؟! الله المستعان.

نعم، وفي بعض السنن عنه صلى الله عليه وسلم: لزوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمن بغير حق. هذه الأحاديث على عظمتها، كيف أن زوال الدنيا، زوال الكعبة، زوال كل هذه الأمور أهون عند الله من أن يسفك دم حرام! وبعض الناس ما زال يناقش في قضية نصرة إخواننا والدفاع عنهم! هذا والله من عجيب ما يحدث في هذا الزمان. ولذلك أنا أقول: هذه الأحداث فيها خير إخواني؛ لأنها تفضح النفاق، وتفضح حتى المعممين وغيرهم ممن ضعف دينهم ورك حالهم وليسوا من أهل الفتوى والصلاح. هل هناك إنسان يناقش في وجوب النصرة والوقوف على قدر المستطاع مع إخوانه المرابطين وإخوانه؟ هذا لا يناقش فيه أصلاً مسلم، خاصة بعد أن يقع الأمر ويحدث الأمر الجلل.

لا يجوز لمسلم أن يناقش أصلاً في أي قضية أخرى، فإن دم طفل من أطفال غزة أعظم عند الله سبحانه وتعالى من كل المراسم والألقاب والمظاهر. كل هذا، طفل واحد دمه إذا كان أعظم عند الله من كعبة إخواني، إذا كان أعظم عند الله من الدنيا بما فيها، ألن يكون أعظم من أصحاب الفخامة والسعادة والفضيلة والسماحة؟! فإياكم إياكم أن يغركم إنسان، أو يخذلكم بعض المخذولين ممن يخوض في المسائل ويناقشها ويحررها ويتفقه في دين الله! هكذا طريقة المتنطعين، الذي يصنع نفسه مؤصلاً وهو ليس من أهل التأصيل.

الدماء الزكية الطاهرة النقية أعظم عند الله من كل الألقاب واللجان والمجمعات. ومَن أن تعظموا ما عظمه الله سبحانه وتعالى وتعلوا حرمته، لا أحد فوق دماء المسلمين، هذه دماء زكية طاهرة نصرتها بقدر المستطاع وعلى قدر ما يحسنه كل انسان، طبعاً وكل على حسب مقامه؛ فما يطالب به العامي الذي ليس له حيلة ليس كما يطالب به الشخص المؤثر الذي كلمته مسموعة، ليس ما يطالب به المسؤول صاحب القرار. كل سيحاسب على موقعه، فالشيخ المفتي سيحاسب على موقعه، وليس حاله كحال العامي الذي لا ينصت له أحد.

العامي قد لا يملك إلا الدعاء والدعم المالي، هذه قدرته وهذا ما يستطيعه، لكن صاحب الصداره وصاحب موطن الإفتاء وصاحب التأثير ومن له أناس يتبعونه، هذا ليس كغيره. فلا تقول يوم القيامة: أنا والله مثلي مثل العامي لا أملك إلا الدعاء! لا تملك، تملك تعزيز المسلمين وتقويتهم ونشر الحقيقة وبيان شرع الله سبحانه كما يريد الله، بدلا من التلاعب بالفتاوى والتنصل من المسؤولية وإشعار النفس أن هذا موضوع خاص بإخواننا في غزة يعني لا يهمنا أكثر من ذلك. هذه جريمة أنت ترتكبها باسم الدين، جريمة ترتكبها باسم الدين الذي تنتمي إليه أو تفتي به! هذه قضايا أساسية يجب ألا تتزعزع في حياة طالب العلم.

نعم، قال المصنف رحمه الله: فصل جريمه الزنا. ولما كانت مفسدة الزنا من أعظم المفاسد وهي منافية لمصلحة نظام العالم. بعد أن انتهى من مفسدة القتل ينتقل للحديث عن الزنا، ولماذا أيضاً هو من أكبر الكبائر؟ هو كما قلت ابن القيم الآن هو يعالج أعظم الذنوب، ما دام في كتاب يتكلم عن الذنوب فهو يريد أن يعالج لك أعظم الذنوب. فتكلم عن الشرك، ثم تكلم عن القول على الله بغير علم، ثم تكلم عن الظلم بأنواعه وأشكاله ألا وهو القتل، ثم الآن سيتكلم عن ماذا؟ عن الزنا باعتباره جريمة نكرة أيضاً.

نعم، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في حفظ الأنساب وحماية الفروج وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة والبغضاء بين الناس من إفساد كل منهم امرأة صاحبه وبنته وأخته وأمه. يعني هنا يعدد ابن القيم مفاسد الزنا، يقول لك: الزنا يؤثر على حفظ الأنساب فتختلط المياه ويحدث أولاد الحرام والزنا والعياذ بالله. ثانياً: حماية الفروج، الفروج أصل أنها مصانة والزنا اعتداء على هذه الصيانة. أيضاً صيانة للحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العداوة بين الناس؛ فانت إذا اعتدت على زوجة رجل أو على أخته أو على ابنته حدث بينك وبينه من سفك الدماء ومن المشاكل الكبرى ما لا يحمد عقباها، فآثارها وخيمة على المجتمعات.

قال: وفي ذلك خراب العالم. نعم، كانت تلي مفسدة القتل في الكبر. نعم، فإذا هي إذاً عندك كما قلنا: الشرك، القول على الله بغير علم، القتل، ثم الزنا؛ هكذا يعني رتب ابن القيم كبائر الذنوب. نعم، ولهذا قرنها الله سبحانه بها في كتابه، أي قرن الله بين الزنا والقتل في كتابه. نعم ورسوله صلى الله عليه وسلم في سنته كما تقدم. كما تقدم في قوله: نعم، إن من أعظم الذنوب أن تجعل لله نداً وهو خلقك، ثم أن تقتل ولدك، ثم أن تزاني حليلة جارك؛ فربط بين الزنا وبين القتل.

نعم، قال الإام احمد: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئاً أعظم من الزنا. نعم، وقد أكد سبحانه حرمته بقوله: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ۝ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا.

انظر كيف ربط الله بين الزنا والقتل: وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ... وَلَا يَزْنُونَ، ربط بينهما لتواليهما في الكبر. نعم، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً، إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً. فقرن الزنا بالشرك وقتل النفس وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح.

نعم، وقد قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا. أخبر عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول، حتى عند كثير من الحيوان. يعني هذا معنى الفحش، قال: فأخبر عن فحشه في نفسه، ما هو الفحش؟ هو الشيء القبيح الذي تتناهى قباحته في العقول، نعم حتى عند كثير من الحيوان؛ يعني حتى الحيوان عند كثير من الحيوانات يأنف الزنا، حتى الحيوانات كثير منها يأنف الزنا وكل يعرف حرمة جاره.

كما ذكر البخاري في صحيحه عن عمرو بن ميمون الأودي قال: رأيت في الجاهلية قرداً زنى بقرَدة، فاجتمع القرود عليهما فرجموها حتى ماتوا. شوف! حتى القرود سبحان الله تأنف من الزنا، فما بالك بهؤلاء البشر العفن الذين يرتكبون هذه الجريمة؟ نسأل الله العافية.

نعم، ثم أخبر عن غايته بأنه: وَسَاءَ سَبِيلًا، فإنه سبيل سبيل هلكة وبوار، وافتقار في الدنيا، وعذاب وخزي ونكال في الآخرة. نعم، الله أخبر عن الزنا أنه: وَسَاءَ سَبِيلًا، لم يقل ذلك في القرآن: إنه كان فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً؛ فهو سبيل سيء في الدنيا عواقبه وخيمة، وفي الآخرة أيضاً.

نعم، ولما كان نكاح أزواج الآباء من أقبحها خصه بمزيد ذم. يعني أحياناً نفس الزنا يتفاوت؛ فالزنا بحليلة الجار اعظم من الزنا بغيرها من النساء مثلاً، وكذلك في القرآن الزنا بمراة الابد والدك، والدك تزوج امرأة على أمك ثم مات والدك، هل يجوز أن تعاشر هذه المرأة أو أن تعقد عليها؟ كلا! بل هذا من اعظم الزنا، أن تخلف على زوجة أبيك. لذلك القرآن عالج هذه القضية؛ لأنها للأسف كانت منتشرة في الجاهلية: وَلَا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ، يعني عفا الله عما سلف مما كان في الجاهلية.

نعم، فقال: إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا، ومقتاً وساء سبيلاً. نعم، ومقتاً وسبيلاً. وعلق سبحانه فلاح العبد على حفظ فرجه منه، فلا سبيل إلى الفلاح بدونه؛ فقال: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ۝ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ۝ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ إلى قوله: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ... فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. فجعل الله من أسباب وراثة الفردوس ومن أسباب دخول الجنة حفظ الفرج عن الزنا أيضاً. نعم، وهذا يتضمن ثلاثة أمور: أن من لم...

يحفظ فرجه لم يكن من المفلحين، وأنه من الملوم ومن العادين. فإن الله عز وجل ايش قال؟ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ۝ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ. فنلاحظ أنه في سورة المؤمنون الله عز وجل رتب أن الزاني الذي لا يحفظ فرجه أولاً فقد الفلاح؛ لانه قال: قَدْ أَفْلَحَ، بالتالي الذي زنى فقد الفلاح.

ثم وصفه بوصفين؛ لأنه قال: فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، فهو إذاً معتدي، ووصفه أيضاً بأنه ماذا؟ ملوم؛ لأنه قال: فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، إذاً من اعتدى فهو أيضاً ملوم. فهذه ثلاثة أوصاف نعم، ففاته الفلاح ففاته الفلاح، واستحق اسم العدوان لأنه قال معتدون، ووقع في اللوم لأنه قال غير ملومين، إذاً الزاني ملوم.

فهذه ثلاثة أوصاف استوجبها في سورة المؤمنون. نعم، ومقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك. ما معنى هذا الكلام؟ فمقاساة ألم الشهوة ومعاناتها أيسر من بعض ذلك، يعني أن تتأتم بسبب الشهوة وتصبر ولا تقع في الزنا أهون من أن توصف بأنك لست مفلحاً، وأنك معتدي، وأنك ملوم عند الله.

فمقام الشهوة الآن نعم، الإنسان قد يتعب بسبب الفتن، ويتعب بسبب الشهوات، وينضغط نفسياً وما شابه ذلك، لكن أن تتعب على هذه الأمور وتصبر عليها أيها الشاب في هذه الحياة أهون من أن توصف بوصف من هذه الأوصاف القبيحة عند الله سبحانه وتعالى.

نعم، ونظير هذا أنه ذم الإنسان بأنه خلق هلوعاً، لا يصبر على سراء ولا ضراء، بل إذا مسه الخير منع وبخل، وإذا مسه الشر جزع، إلا من استثناه بعد ذلك من الناجين من خلقه، فذكر منهم: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُروجِهِمْ حَافِظُونَ.

وهذه أيضاً في أي سورة؟ في سورة المعارج. يعني هذا الاستثناء وصفات أهل الإيمان وردت في سورة المؤمنون ووردت في سورة المعارج، وفي كلا السورتين كان من صفات أهل الإيمان أنهم يحفظون فروجهم عن الحرام. في كلا السورتين رسخ الله هذه الفكرة: أن من يزني ومن يفعل الفواحش هذا لم يحقق مقامات الإيمان.

نعم، وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ۝ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. وأمر الله نبيه، فأمر الله تعالى نبيه أن يأمر المؤمنين بغض أبصارهم وحفظ فروجهم، وأن يعلمهم أنه مشاهد لأعمالهم مطلع عليها: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ.

لأن البصر هو بريد الزنا. البصر أيها الأحبه بريد الزنا، فأنت نعم قد تستبعد الزنا الآن، لكن إدامك النظر إلى الحرام ستجعلك في يوم من الأيام تهون عليك هذه المعصية ويمكن أن تمارسها. فإن كثيراً ممن زنى، بعضهم يعني عفواً، هل تظن أن الزاني بشرطه أن يكون انسان غير متدين؟ لا، بعض الصحابه زنى، أليس كذلك؟ لحظة ضعف. الزنا لا يشترط أن يخرج من شخص هو أصلاً فاجر.

بعض الشباب هكذا يتصور أنه: أنا انسان طالب علم، أنا ملتزم، أنا لا يمكن أن... لا لا، أخي هي ما فيش فيها لا يمكن. الزنا إذا كان وقع فيه بعض الصحابه غفر الله لهم طبعا وعفى عنهم أدخلهم الجنة، ووقعت فيه صحابية، وهم أفضل جيل وأعظم نوع، أليس كذلك؟ فبالتالي لا تقل لي أنني أنا لا يمكن أن أقع في هذا.

كل شخص أطلق العنان لبصره وخاطره وقلبه في يوم من الأيام يمكن أن يقع في الزنا، كان شيخاً، كان طالب علم، كان ما شابه ذلك، كانت أختنا منقبة مش منقبة، طالبه علم، هي طريقة تعامل مع هذا الملف، ولا علاقة بقضية أنك أنت أصلاً ملتزم أو لا.

هناك أمور الله طلبها: غضي الطرف عن الحرام، وغض الخواطر، والإنسان يغلق الابواب على قلبه ونفسه. من أطلق العنان مهما كان يم- يمكن أن يقع في هذه الجريمه، وكم سمعنا من قصص من طلاب علم أو حتى من أفاضل وقعوا في ذلك يعني هذا يقع.

فإياك أن تظن أن نفسك بالسلامة ما دمت تخطئ في التعامل مع هذه القضايا، في قضية غض البصر وما شابه ذلك. نعم، ولما كان مبدأ ذلك من قبل البصر، جعل الأمر بغضه مقدماً على حفظ الفرج.

نعم، لان الله ماذا قال؟ قل للمؤمنين يحفظوا فروجهم ويغضوا أبصارهم، صح؟ نعم. لا، ما قال هيك، ايش قال؟ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفُظُوا فُرُوجَهُمْ. لماذا بدأ بغض البصر قبل الأمر بحفظ الفرج؟ لأن مبدأ هذه المصيبة من النظر، مبدأ هذه الكارثه من إطلاق النظر نعم.

فإن الحوادث مبدأها من البصر، فإن الحوادث يعني المصائب مبدأها من إطلاق النظر إلى الحرام نعم، كما أن معظم النار من مستصغر الشرر. كما أن أن يعني كما أن النار النار من من ايش؟ تجتمع شرارة صغيرة يمكن أن تشعل نار كبيرة، كذلك نظرة صغيرة يمكن أن تشعل في قلبك طوفاناً من الشهوات والعشق المحرم ينتهي بك على أو في مستنقعات الزنا والعياذ بالله.

نعم، فتكون نظرة، ثم تكون خطرة، ثم خطوة، ثم خطيئة، هي هكذا. نظرة تتبعها خطرة، يعني تبدا تفكر وتسرح في هذا المنظر الذي رأيته، ثم الخطرة تتبعها خطوة، تبدأ تخطو وتخطط للوقوع في امرأة أو بناء عشرة معها، ثم والعياذ بالله تقع في الزنا.

نعم، ولهذا قيل: من حفظ هذه الأربعة أحرز دينه؛ اللحظات، والخطرات، والالفاظ، والخطوات. ركزوا، ركزوا في هذا الكلام، مهم جداً. هذه قاعدة مهمة عليك في حياتك أن تحفظ أربعة أشياء لأنها مداخل الشيطان إلى قلبك وبها فساد دينك. عليك أن تحفظ اللحظات.

اللحظات يعني اللحظ بالعين، والخطرات اللي دائماً ما نركز عليها، والارادات ماذا تفكر؟ هل عقلك يفكر في شهوات وتسبح وتمشي بأماني وأنت مستلقٍ على فراشك، أم تفكر في مسائل الإيمان وصلاح القلب؟ فيقول لك: مداخل الشيطان إما اللحظات؛ لحظ العين، أو الخطرات؛ وهي التفكير وما يأتي على ذهنك، أو اللفظات؛ ما يتكلم به لسانك، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ؟ أو الخطوات؛ إلى أين تمشي في هذه الحياة؟

فإن الشيطان يبدأ من اللحظات، ثم ينتقل بك إلى الخطرات، ثم ينتقل بك إلى الألفاظ، ثم ينتقل بك إلى ماذا؟ الحرام. وكل علاقة محرمة بدأت هكذا، أي علاقة مع فتاة محرمة تبدأ بماذا؟ بلحظة تبعها خطرة وتفكير فيها، تبعها ألفاظ وكلام عشق وتغزل وعلاقات لسانية، ثم تبعها ماذا والعياذ بالله خطوات إلى مقارفة الزنا.

فهذا هو تسلسل المعاصي، وإن كان ظاهراً -طبعاً هذا في الزنا- فقد يظهر أيضاً هذا التسلسل في المعاصي الأخرى. فانت أولاً تلحظ شيئاً، ثم تبدأ تسرح كيف تصل إليه، ثم ربما تبدأ تتكلم في هذه المعصية لإرادة الوصول إليه، ثم تمشي إليها. فهذا السيناريو إذا صح التسمية، صح هو ظاهر في الزنا، لكنه عموماً يحصل في جميع المعاصي في تسلسلها.

جميل، فينبغي للعبد أن يكون بواب نفسه على هذه الأبواب الأربعة. اه، يعني أنت بدك تسكر الأبواب على اللحظات، فإن فتحت باب اللحظات فكن محصناً لباب الخطرات، فاذا فتحت باب الخطرات على الأقل سكر باب الألفاظ، فإذا فتحت باب الألفاظ ذهبت إلى التهلكة، أسال الله العافية.

لذلك الآن سيبدأ ابن القيم في فصل في معالجة هذه المداخل مدخلاً مدخلاً نعم، ويلازم الرباط على ثغورها. جميل، هذا الرباط، هذا رباط كيف؟ رباط أهل القرآن. في رباط أيضاً على ثغور المعاصي هذه أربعة أبواب. إنما يقتحم الشيطان إيمانك من باب منها، وهي طبعا تسلسلية، أنت اغلق الباب الأول كما قال ربنا: وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ، صح؟ تكون أغلقت الباب الأول ومستريح.

إذا فتحت الباب الأول -شوف- اغلاق الباب الأول فقط هذا استطراد، اغلاق الباب الأول أسهل من اغلاق الباب الثاني. إذا أنت مغلق الباب الأول الأمور طيبة، إذا انفتح الستر وانتهك الستر الأول الباب الثاني ممكن أنت مغلقه، لكنه قابل للكسر في أي لحظة بسبب كثرة الدوافع بعد كسر الباب الأول. فنصيحتي لنفسي وإخواني أن نسعى لإغلاق الباب الأول، فهو أسهل والله. واما الأبواب الأخرى يمكن أن تغلق، لكن الأمور فيها ما تكون تحت السيطرة دوماً نعم فمنها يدخل.

عليه العدو فيجوز خلال الديار ويدمر تتبيرا نعم يجوز في قلبك ويدمر تتبيرا.

هناك أناس يجاهدون في بيت المقدس ويجوسون خلال الديار، والشيطان يجوس في قلبك ويدمر تتبيرا، ويبني بنيانه ويهدم بنيانك. نعم، قال المصنف رحمه الله: فصل، مدخل المعاصي مدخل النظرة. نعم، وأكثر ما سيبدأ ابن القيم يعالج هذه الأبواب الأربعة، وهذه معالجة دقيقة ومهمة حتى تفهم طبيعة هذه الأبواب وكيف يدخل الشيطان منها إلى قلبك فيسلبك الإيمان.

قال: وأكثر ما تدخل المعاصي على الععبد، إيو، وأكثر ما تدخل المعاصي على العبد من هذه الأبواب الأربعة، فنذكر في كل باب منها فصلاً يليق به. جميل، هذا فصل جميل، اقرأ: فأما اللحظات، فهي سيبدا باللحظات، أنتم طبعا فاهمين ما معنى اللحظات؟ يعني إطلاق البصر، اللحظة هي اللحظ بالعين أن تنظر إلى ما لا يريد الله سبحانه وتعالى أن يكون وما يغضبه.

فقال: فأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها، الرائد يعني هو القائد، النظر إلى النساء النظر إلى الحرام هو الذي يقودك إلى الشهوة وهو رسولك إلى الشهوة مبعوث إليها. نعم، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورَدَ نفسه موارد المهالك.

وقال صلى الله عليه وسلم: نعم، لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى. ما معنى لا تتبع النظرة النظرة؟ يعني إذا وقعت عينك على فتاة النظرة فجأة اصرف، فإنما الأولى لك، يعني إيش لك؟ يعني مش محسوبة عليك خلص أوقعت فجأة، لكن ليست لك الثانية. طبعا كم مدة نظر الفجأة يا شيخ؟ هذا اللي أنا بختلف فيه، هون نقطة الخلاف والنقاش لأنه شباب إن نظرة الفجأة وبتمرس العين لحتى تحول بعد ذلك تعتبر خلص راحت النظرة، نظرة الفجأة لحظات يعني هو خلص الله يعلم انك هل يعني شوف أنت قد تضحك على نفسك لكن لن تضحك على رب العالمين من الآخر يعني.

فأنت قد تقع عينك على امرأة وتطيل قليلاً ثم تصرف، هذه الإطالة القليلة أنت مسؤول عنها، هذه الإطالة القليلة أنت مسؤول عنها وتحاسب عليها، فالمراد إذا وقعت عينك مباشرة تصرف ولا تعطي مجالاً وأريحية للنظر. نعم، وفي المسند عنه صلى الله عليه وسلم: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس.

نعم، طبعا الحديث لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نعم، وإن كان صحيحاً من كلام الأئمة، فمن غض بصره عن محاسن امرأة لله أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه. وهذا من الأمور التي تعين الإنسان على الصبر، أنا أدرك إخواني أن النظ أن اليوم الفتن استعرت بشكل مرعب، والأمر في زماننا حتى نكون منصفين ليس كزمان السلف، يعني السلف رضوان الله عليهم ما كان في فيسبوك ولا يوتيوبر ولا تلفزيون ولا شاشات، وحتى لو أن امرأة فكرت يعني فكرت أن تبرج المساحة أمامها محدودة جداً.

اليوم الأمور خطيرة جداً، أصعب بكثير على الشباب مما كان في زمن السلف رضوان الله تعالى عليهم، بالتالي الأمر يحتاج إلى انتباه أكثر، يحتاج إلى انتباه أكثر وتحتاج إلى مثبت، إنه إيش اللي يجعلني أصرف بصري عن هذه الشهوة مع أنها يعني أنا مفطور عليها، زين للناس حب الشهوات من النساء، فهذا ما الذي يجعلني أتخذ قرار صرف بصري عن امرأة لا تحل لي؟ تحتاج إلى دوافع كثيرة، من دوافعها مثل هذه الآثار التي تقرأ، إنه من صرف بصري عن محاسن امرأة رزقه الله سبحانه وتعالى حلاوة الإيمان في قلبه إلى يوم يلقاه، شوف ما يعني شيء عظيم أن تتخذ هذا القرار مقابل تحصل هذه النتيجة وهي حلاوة الإيمان، نعم هذا معنى الحديث.

وقال: وَغُضُّوا أَبْصَارَهُمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ. وقال: إياكم والجلوس على الطرقات. قالوا: يا رسول الله، مجالسنا ما لنا بد منها. قال: فإن كنتم لابد فاعلين فأعطوا الطريق حقه. قالوا: وما حقه؟ قال: غض البصر وكف الأذى.

ولاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاك العلاج الأسمى، لكن لما ناقشه الصحابه نزل قليلاً مراعاة لحالهم، لكن لما قال إياكم والجلوس في الطرق هو أعطاك الموقف الأعلى الذي يجب أن تتخذه، ولو أردت أن أعمم هذا الحديث: إياك والجلوس في طريق المعصية، يعني إذا نعم هناك طرقات حسية وهناك طرقات معنوية، إياك تجلس في طريق التيك توك والإنستغرام لأنه راح تطلع نساء، إياك تجلس في طريق اليوتيوب طرقات أيضاً أصبحت قديماً ما كان عندهم هذه الطرقات، إحنا اليوم في طرقات حسية وفي طرقات إلكترونية، وبالتالي النبي صلى الله عليه وسلم يقول لك إياك والجلوس في الطرقات.

لا تقول لي والله مرت يا شيخ ما هي أكيد راح تمر وأنت بتتصفح نازل طالع على الفيسبوك راح تمر وأنت على الإنستغرام راح تمر وأنت راح تمر، فانت جالس على الطريق، فلا تقول لي والله يا شيخ علقت مع أنه أنا ما كان قصدي، أنت من جلس في الطريق ومن جلس في الطريق سيدفع الثمن، أنت لا تشعر أنك حازم مع نفسك، اترك هذه الطرقات.

النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الجلوس في الطرقات لمن؟ لمن غض البصر، فهذا طبق الحديث على الوسائل الإلكترونية، من لا يستطيع غض بصره غض بصره عن الحرام لا يجوز له شرعاً أن يفتح هذه التطبيقات، أعوُد فأقول هذه فتوى شرعية من يعلم من نفسه أنه لا يستطيع الصبر أمام الصور هذه التي تخرج ما حكم فتح التطبيقات؟ حرام، لا تقول لي يوتيوب ولا إنستغرام ولا فيسبوك ولا غيرها.

طبعا أنا كيف سأعرف أنني من النوع الذي أصبر ولا لا أصبر؟ التجربة قد تكون خير برهان، جربت نفسك مرة أعلق في صورة، طيب حدث ما حدث، مرة ثانية قلت لا المرة هذه ما راح أعلق، دخلت، فإذا ورطت أنت مرة ثانية، كثره التكرار أثبت لك أنك شخص ضعيف، وهذا يمكن يتصور من أي شخص، ليس عيباً أن تكون ضعيفاً، أن خلق الإنسان ضعيفاً، العيب أنك تكرر الخطأ، ليس عيباً أن تكون ضعيفاً أمام شهوة النساء، ركز على هذه القضية، لأنه بعض الشباب يعتبر أنه طب ليش أنا هيك؟ لا هو أخي الله عز وجل يقول: وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا، والمفسرون قالوا: ضعف الإنسان هنا ميله إلى الشهوة النساء، والله يقول: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، فانت لا تعتبر نفسك كائن غريب، لأنه بعض الناس في خاصة اليوم العلمانيين دعاه الاختلاط والليبراليين وغيره صوروا الشخص الذي يضعف أمام شهوة النساء أنه شوفوا هي العقلية التي تنظر للنساء بعين الشهوة، طبعا هو بيكون غرقان في علاقات محرمة وملبية لشهواته ومرتزق فيها، لكن هو يحاول أن يهاجم فطرتك، وفطرة الرجل الانجذاب للانثى وطبيعة الأنثى الانجذاب للرجل، فلا تحاول تفرض شيء فوق طاقه الإنسان.

طبعا كما قلت لكم هي تنظيرات لا قيمة لها، لأنه هو الذي ينظر هذا الكلام هو منغمس في شهواته وملذاته، لكن هو حتى يبرر بقاء هذه الأجواء الخاطئة بحاول يطرح عليك أطروحات لا قيمة لها في قضية أنه يا اخي لا تفكر بالشهوة، لا، هو عليك أن تفهم ضعفك أمام مشاهد فيها نساء هو شيء طبيعي، الشيء غير الطبيعي أنه ماذا؟ أنه تروح تفتح هذه الابواب وتنظر فيها، هذا الشيء غير الطبيعي، كل انسان له طاقة معينة للاستحمام، هناك من يتزوج واحدة، هناك من يتزوج اثنتين، هناك شخص يقول أنا أحتاج لثلاثة وأربعة ممكن، وهذا كان حتى في الصحابة الكرام رضوان الله، ليس كل الناس على درجة معينة، وليس عيباً وليس نقصاً في الإيمان أن تضعف، هذا شيء جبلت عليه الضعف على تفاوت بيننا في قوة قدرة الضعف، لكن شيء جبلنا عليه، العيب الذي ينبغي أن تستحي منه أن لا تحترم ضعفك وتقتحم هذه الأسوار، أن لا تحترم ضعفك وتقتحم أسوار الصور المحرمة والمشاهد المحرمة فتزل مرة بعد مرة بعد مرة بعد مرة وتفقى تقول لا لا سانهض المرة القادمة ولا تنهض وتعود فتسقط ويستمر هذا المنوال معك.

نعم، هنا عليك أن تستحي من الله سبحانه وتعالى. نعم، النظر أصل أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، شوف أصل عامة المصائب والذنوب من النظر، شوف خطورة النظر واللحظات أيها الأحبه، قال: النظر إلى ما لا يرضي الله أصل عامة

المصائب من الذنوب والخطايا التي تحل بك. نعم، فنظرة تولد خطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع خارجي؛ أنه الفتى ماتت التي عشقتها، ولا حدث فيها الشيء، وإلا فـ يعني هذا التصور الذي يققدمه ابن القيم هو تصور دقيق لطبيعة تفكير الإنسان، بدءاً من اللحظة الأولى إلى لحظة السقوط في المعصية الكبرى.

هذا يعني ترتيب، إياك أن تتعامل معه مجرد أنه والله هكذا فكرة جميلة؛ هذه مش فكرة جميلة، هذا واقع كل شخص منا في طريقى تطور المعصية عنده حتى يقع في الكبائر. نعم، وفي هذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده، لذلك قلنا: اغلق الباب الأول، الأبواب الأخرى أمرها سهل، لكن إذا فتحت الباب الأول، الأبواب الأخرى صعبة.

اختم بقول الشاعر، قال الشاعر: كل الحوادث مبداها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشرر. كل الحوادث مبناها من النظر، مصائبك وضعف إيمانك وانهيار الإيمان والسلوك والأخلاق مبداه من إيش؟ من هذه الجارحة. نعم، كم نظرة بلغت في قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر. قول: كم نظرة أثرت في قلب صاحبها كمبلغ السهم بين القوس والوتر.

نعم، والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعيُن الغيد موقوف على الخطر. والعبد ما دام ذا طرف يقلبه في أعيُن الغيد؛ الغيد هن النساء، أصحاب الأعين الجميله سحور العين، تمام. فالذي يقلب عينه في أعيُن الغيد، ينظر إلى عيون النساء الفاتنات، فهذا في خطر ولا يعرف متى ينهار ويسقط أمام هذه المشاهد.

نعم، يسر مقلته ما ضر مهجته؛ شوف هذا الكلام. يسر مقلته ما ضر مهجته، صح عينك عم تتلذذ، بس أنت مش ملاحظ أنه قلبك عم ينهار؟ يسر مقلته ما ضر مهجته، ما ضر قلبك، فأنت صحيح عم تتلذذ الآن في هذه النظرة، لكنك لا ترى إلى مفعولها وآثارها في قلبك، كيف تحث الإيمان حتاً وتحكه حكاً والقلب ينهار وأنت مش ملاحظ، لأنك في سكرة اللذة لا تعرف ما الذي يحدث من ألم في القلب.

نعم، لا مرحباً بسرور عاد بالضر. ما قيمة هذا السرور لدقيقة دقيقتين، لكنه عاد على القلب بالفساد والاختلاط وزوال الإيمان منه؟ نسأل الله العفو والعافية. نكمل إن شاء الله مداخل المعاصي؛ لأن مبحث مهم جداً في هذا الكتاب، في المجلس القادم بإذن الله، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.