تسجيل الدخول

التّعلِيق عَلى كتاب الدَّاء وَالدَّوَاء | المجلس السادس

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.

حياكم الله معشر طلبة العلم في مجلس جديد نتدارس فيه التعليق على هذا الكتاب النافع، كتاب الداء والدواء للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. وما زلنا نتذكر أن موضوع هذا الكتاب هو معالجة الذنوب والمعاصي في حياة الإنسان، وما زال ابن القيم يتحدث معنا عن آثار الذنوب والمعاصي، هذا هو الموضوع الذي نحن الآن نتدارسه: آثار الذنوب والمعاصي على حياة الإنسان، سواء في البعد الدنيوي أو في البعد الأخروي.

وكثير من الشباب قبل أن نشرع في مجلس اليوم يتحدث: كيف نتصرف في ساعات الضعف؟ الآن شيء طبيعي أن الإنسان أحبابي الكرام يكون مقبلاً على الطاعة ومحباً لها ومحباً لمدارسة العلم وقيام الليل وقراءة القرآن، قد يكون عند البعض، لكن لابد وأن تأتي مراحل ضعف على الإنسان في حياته. فكثير من الشباب يسأل: كيف نتعامل مع ساعة الضعف عندما أشعر أنني الآن يعني أكاد أنهار أمام نفسي، أمام الشهوة، أمام المعصية، كيف أتطرف في هذه الساعة؟ أن هذه الساعة لست في أعلى مستوياتي الإيمانية، فكيف أتعامل معها؟

حقيقة هناك عدة نقاط ينبغي أن تفهمها في هذا الموضوع. النقطة الأولى أحبابي الكرام: عليك أن تعد العدة لساعة الضعف. وأريد أن أعود درجة إلى الخلف قبل ذلك: هل ساعة الضعف أحبابي الكرام هي شيء طبيعي تمر على الإنسان؟ أن يمر على الإنسان ساعة تشعر فيها بالضعف، الطاعة في الإيمانيات في تراجع؟ نعم، هذا شيء طبيعي، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن للنفس إقبالاً وإدباراً.

النفس الإنسانية لها إقبال على الطاعة، ويكون في ساعة معينة -خاصة الأخ الذي يتدين حديثاً ويسلك طريق الاستقامة- يكون في أعلى مستويات الإقبال على القرآن ومجالس العلم والنهم والخير وسماع المحاضرات، وهذا شيء جميل ولابد منه، ومن طبيعة النفس الإنسانية إذا بدأت تسلك طريق الاستقامة أن يكون لها فوران تجاه الإيمانيات، فوران تجاه الطاعة.

لكن هل يتوقع -وهذا ينتبه له- هل يتوقع بعد هذا الإقبال أن يكون هناك شيء من الضعف والإدبار؟ نعم، وأنا أقول لك ذلك حتى يعني لا تشعر أنك في لحظات الضعف أصبحت إنساناً سيئاً، أو ما عدت ذلك الشخص، وأنني تزندقت وتغيرت وفسقت، لا، هو هكذا طبيعة الإنسان؛ تاتي عليه ساعات يقبل على الخير، على الاستقامة، على المجالس الخيرة، على قيام الليل، على الذكر، تكون أو يكون قلبه مشرقاً بذلك، ثم تأتي عليه في يوم من الأيام أو في ساعة من الساعات ما يشعر أنه ضعف، إنسان يشعر أنه ينهار أمام معصية من المعاصي.

فالسؤال: كيف أتعامل مع ساعة الضعف؟ وليس السؤال: كيف لا تأتيني ساعة الضعف؟ لأنني أظن أن هذه مثالية زائدة. السؤال: كيف لا تأتيني ساعة الضعف هذا مستوى عالي كلنا يضعف أمامه. الشيء الطبيعي أنك ستضعف، لكن ساعة الضعف ماذا تكون؟ كيف أتطرف فيها بحيث لا أنزلق إلى المعاصي؟ طبعا عندما أتكلم عن ساعة الضعف يعني الساعة التي تشعر أن قلبك غير محلق في مستويات إيمانية عالية، شاعر أنك يمكن تقع في المعاصي. نحن نريد أو نحاول أن تكون ساعة الضعف لا معصية فيها؛ مهما تراجعت مهما شعرت بالضعف، المهم أن لا أقع في المعاصي في لحظة إدبار النفس في لحظة إغلاقها.

فالقضية الأولى أحبابي الكرام: عليك أن تعد العدة لساعة الضعف، يعني هذه المجالس العلمية وقراءة القرآن وتدبره واستشعار المعاني الإيمانية وقراءة كلام السلف، هذا كله مخزون، هذا كله مخزون معرفي إيماني تستطيع أن تستحضره في ساعة الضعف حتى لا تنهار باتجاه المعاصي. فأنا عندما أشعر بضعف إيماني -وكما قلنا هذا شعور طبيعي للنفس الإنسانية التي تكون في حالة صعود ثم هبوط ثم صعود ثم هبوط- ستضعف، لكن في ساعة الضعف ينبغي أن يكون لدي مخزون من القرآن والسنة ومن المعاني الإيمانية بحيث استطيع أن أستجره لذهني في هذه الساعة.

أتذكر، والله أذكر كلمة قلتها، مالك من دينا، حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، آية قرآنية، هناك بعض الشباب وبعض الأخوات يجعل هناك آية مفتاحية له، أو حديث مفتاحي له، كلما تذكره، كلما وعاه نوعاً ما، عمل حاجزاً بينه وبين المعاصي. فلابد وأنت في ساعة الإقبال -باختصار- أن تعد العدة لساعة الإدبار. هذه فهمناها القاعدة: وأنت في ساعة الإقبال، انظر حديثاً دخل في أعماقك، آية قرآنية أثرت فيك، كلاماً لأحد أئمة السلف صنع فيك شيئاً، حاول أن تحفظ هذا النص وأن يكون في معجمك وفي قاموسك بحيث إذا شعرت بضعف في لحظة من اللحظات تسترد هذه الآية أو هذا الحديث، فعلى الأقل يحدث بينك وبين ماذا المعصية تمام.

هذه صورة من الصور لمعالجة ساعة الضعف. الآن هناك قضية أخرى أريد أن أنبه عليها إخواني، خاصة الإخوة الذين يعني سلكوا طريق الاستقامة حديثاً وعندهم قاموس من السنوات السوداء في الحياة وأقبلوا على الطاعة والخير محبة الله سبحانه وتعالى: أريد أن أصف لك ماذا سيفعل معك الشيطان. من محاذير إبليس أحبابي الكرام في التعامل مع إخواني، وهذا يمكن يعني ليس خاصاً بهؤلاء فقط، يمكن يحدث مع أي شخص، لكن إبليس يكرر هذا الأسلوب مع هذا الصنف؛ الصنف الذي يسلك طريق الاستقامة بعد سنوات من الضياع، كيف يتعامل معه؟

إبليس يترك لك مساحة لأن تمارس الطاعة ويخفف من حجم الوساوس لديك؛ عندما يراك إبليس تريد أن تسلك طريق الاستقامة والخير ومجالس العلم والصلاح، يترك لك مساحة لممارسه هذا الباب، فتجد الشاب الذي تدين حديثاً كيف نفسه وهمته على الإقبال عالية، ويا شيخ بدي أفعل، يعني تجده مستعد يفعل ما يمكن أن يفعله، ويختم القرآن في يوم، ويقرأ، ويصلي، ويذكر الله، ويحضر مجالس العلم، يريد هكذا مقبل.

وأقول لك في هذه المرحلة: إبليس قد يترك مساحة، يعني خفف من حجم الوساوس، لماذا؟ هو يريدك أن ترتقي عالياً عالياً في أيامك الأولى في الطاعة وفي الشرك الأولى في الالتزام، ثم بعد ذلك سيبقى يدندن حولك حتى تاتيك ساعة الضعف، فيجعلك تقع في معاص أسوأ من المعاصي التي كنت تقع فيها أيام الالتزام، تصور عفواً قبل أيام الالتزام يجعلك تقع في معصية أصعب من المعصية التي كنت تفعلها قبل ما تلتزم.

يعني أنت كنت قبل الالتزام تفعل معصية، معصيتين، ثلاث، مداومة عليها، التزمت وحافظت، إبليس ستركك شهرين ثلاثة حتى تفعل طاعات على مستوى عالي، ياتيك في لحظة ضعف معينة يجعلك تقع في معصية أسوأ من المعصية التي كنت تفعلها قبل الالتزام، لماذا؟ حتى يشعرك بقمة جلد الذات وأنك شخص ميؤوس منه، أنك تقول والله يا شيخ أنا حاولت أسلك تربية الاستقامة شهرين ثلاثة، والله يا شيخ إبليس جعلني أعود إلى ما هو أسوأ، إلى ما هو أصعب، كنت أحادث فتاتين صرت أحادث عشرة، كنت أفعله كذا وكذا في اليوم مرة واحدة صرت أفعله عشر مرات، عدت إلى ما هو أسوأ.

إبليس إخواني عنده ملف كبير في التعامل مع الإنسانية، بالتالي لست أول شخص يمر عليه ولا آخر شخص يمر عليه، هو يعرف وهذه مما كنه الله منه ليكون سبباً في البلاء ومجاهده النفس، هو يعرف كيف يتعامل معك في كثير من في كثير من الأحيان. فكما قلت يا أيها الإنسان المقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى: إذا مرت عليك ساعة ضعف وشعرت أنك انهزمت أمام نفسك ووقعت في ذنوب ومعاص أقبح مما كنت تقع فيه لا أشكال، استغفر الله وأتوب إليه ولا تياس من نفسك، هي هذه اللحظة إبليس يريد أن يقنطك من نفسك ومن قدرتك على إصلاح نفسك، فهو كما قلت تركك شوية تمارس الطاعة شهرين ثلاثة، لكنه استغل لحظة الضعف ليعيدك إلى ما هو أسوأ.

فأنت إذا عدت إلى ما هو أسوأ ماذا ستشعر تجاه نفسك؟ بالاحباط، ستشعر بالاحباط وأنني إنسان لا يمكن أن أصبح إنساناً صالحاً.

شوف شو عملت، عدت إلى ما هو أسوأ، أقول لك: هذه اللحظة متوقعة، وهذا التصرف الإبليسي متكرر. فلو وقعت في معاصٍ بعد ساعات التوبة والإقبال، هذا متفهم، مش صحيح لكنه ايش قلنا؟ متفهم. فأحدث توبة جديدة واستمر على المجاهدة مرة أخرى، لا تشعر أن باب التوبة أغلق، لا تشعر أنك إنسان لا خير فيك بل فيك خير، وهذه من مصايد إبليس حتى لا تعود تفتح ملف التوبة مرة أخرى في حياتك، فانتبه لهذا.

أنا أقوله لك قبل أن تقع لتفهمه، إذا وقعت فيه لتفهمه، إذا وقعت في قد تكون أنت طالب علم، قد لا تكون إنسان أصلاً صاحب ملف سيء، قد تكون طالب علم ومن أهل الخير والصلاح، لكن يا اخي في لحظة ضعف معينة وقعت في رذيلة من الرذائل، ممكن ولا مش ممكن؟ ممكن. فالآن إبليس يجعلك تقع في رزيلة شديدة حتى يشعرك أن كل سنواتك الماضية كانت نفاق، وأن طلبك للعلم ذهب هباء منثوراً، وأنه لا خير فيك وأنك انظر ماذا فعلت، فعلت هذه المعصية إذاً أنت إنسان فاشل غير صادق مع الله سبحانه، فتترك طلب العلم بالكلية وتترك العمل الدعوي.

قد تكون إنسان أنت أصلاً على رأس عمل دعوي، إنسان على رأس تدريس طلاب وتقع في معصية، ماذا يريد إبليس إيقاعك هذه المعصية؟ أن يشعرك أنه أنا أدرس طلاب وأنا أقع في هذه المعصية لن أدرس، لن أتعامل معهم حتى أصلح نفسي، تترك العمل ثم تضر أنك ستصلح نفسك في هذه الخلوة فإذا أنت تقع بالمعصية مرات ومرات وتنهار أكثر وأكثر.

فهذه الإنسان لهذه الأحاديث حتى لا يقع فيها، إذاً أعد عدة لساعة الضعف، حتى هذه العدة تمكنك أن لا تقع في الانهيار الإيماني. لو وقعت في انهيار إيماني أمام معصية من المعاصي فلا تيأس من نفسك، وعد وانهض مرة أخرى وستجد الله سبحانه وتعالى يأخذ بيدك. الله سبحانه وتعالى يعلم ضعف الإنسان وخلق الإنسان ضعيفاً، ألم يقل ربنا ذلك؟ فهو يعلم ضعفنا ويعلم ميولاتنا وغرائزنا، يعرف هذا الضعف فهو سبحانه قال لنا: والله يريد أن يتوب عليكم، هذه إرادة متجددة في كل لحظة وفي كل حين، فمهما ضعفت أيها الإنسان انهض ولا تتعثر بخطواتك مرة أخرى، نسأل الله سبحانه وتعالى الأعانة والتوفيق.

نشرع إن شاء الله في قراءة مجلس اليوم بإذن الله. بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين.

فصل: الذنوب تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال المصنف رحمه الله: ومنها أن ذنوبه تدخل العبد تحت لعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لعن على معاصٍ والتي غيرها أكبر منها فهي أولى بدخول فاعلها تحت اللعنة. فلعن الواجب، لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها، وهناك معاصٍ أعلى من المعاصي التي لم يثبت لعن للنبي صلى الله عليه وسلم فيها هي أحق أن يدخل فاعلها في اللعن، فهمتم؟ يعني على معاصٍ، هناك معاصٍ أسوأ منها لم يلعن عليها، فدخول الإنسان تحت اللعن فيها من باب القياس، يقول ابن القيم، نعم.

قال رحمه الله: فلعن الواشمة والمستوشمة والواصلة والمستوصلة، قال والواصلة والمستوصلة والنامصة والمتنمصة والباشرة والمستوشرة ولعن آكل الربا، في جلدها من باب تغيير خلق الله، قال: ولعن آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده، ولعن المحلل والمحلل له، يعني بناء الأحكام عليه يحتاج إلى، قال: ولعن السارق ولعن شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها وآكل ثمنها وحاملها والمحمولة إليه، قال: ولعن من غير منار الأرض وهي أعلامها الأرض يعني من يلعب بإشارات الطرق حتى يضيع الناس في الطريق، يقول لك عمان هيك ويلعب فيها خلاها عمان كذا ويضيع الناس في هالطرقات هذا من غير منار الأرض، نعم.

قال: ولعن من لعن والديه، ولعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً يرميه بسهم، قال: ولعن المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، قال: ولعن من ذبح لغير الله، ولعن من أحدث حدثاً أو أوى محدثاً، قال: ولعن المصورين، أي ارتكب جناية أو أوى محدثاً أو جانياً ولم يسلمه إلى القضاء الشرعي، نعم.

قال: ولعن المصورين، ولعن من عمل قوم لوط، ولعن المصورين ليس المصورين الفوتوغرافي المراد، الصغير من ينحت التماثيل ومن يرسم ذوات الأرواح بيده على خلاف في هذه المسألة الثانية، أما المصور الفوتوغرافي أو المصور بالجوال هذا على الصحيح من أهل العلم ليس داخلاً، وإن كان هذا من قبيل المشترك اللفظي، نعم.

قال: ولعن من سب أباه وأمه، قال: ولعن من كمها أعمى عن الطريق، ولو لعلم أتاها أعمى من باب الاستهزاء بها وجد رجل أعمى ضيعه عن الطريق من باب التلاعب به وهذا ملعون وهذا من أقبح الصفات في الإنسان، نعم.

قال: ولعن من أتى بهيمة، ولعن من وسم الفاحشة قمة الشذوذ يعني من وسم دابة في وجهها، ولعن من ضار مسلما أو مكر به، ولعن زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج، ولعن من افسد امرأة على زوجها أو مملوكا على سيده، ولعن من امرأتي في دبورها، وأخبر أن من باتت مهاجرة لفراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح.

إلى غير أبيه، وأخبر أن من أشار، يعني قال أنا فلان ابن موسى وهو حقيقة فلان ابن خالد انتسب إلى غير أبيه يعني ادعى أنه ابن شخص وهو ليس ابناً له، نعم.

قال: واخبر أن من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه، قال: ولعن من سب الصحابه، قال رحمه الله: من لعنة الله وقد لعن الله من أفسد في الأرض وقطع رحمه وآذاه وأذى رسوله صلى الله عليه وسلم، ولعن من كتم ما أنزل الله سبحانه من البينات والهدى، ولعن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات بالفاحشة، ولعن من جعل سبيل الكافر أهدى من سبيل المسلم، ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة والمراه تلبس لبسة الرجل، ولعن الرجل والمرتشي والرائش وهو الواسطة في الرشوة.

ولعن على أشياء أخرى غير هذه، فلو لم يكن في فعل ذلك إلا رضاء فاعله بأن يكون ممن يلعنه الله ورسوله وملائكته، لكان في ذلك ما يدعو إلى تركه، وما معنى أحبابي الكرام؟ هو الطرد من رحمة الله، اللعنة هو أنك تكون مطروداً من رحمة الله، فإذا أنت فعلت معصية من هذه المعاصي التي عددها أنك تكون مطروداً من رحمة الله، وهل يعني لماذا تعرض نفسك لعن هذا هو السؤال؟ الإنسان العاقل إذا أراد أن يفعل معصية ثم عرف أن هذه المعصية ممن لعن النبي صلى الله عليه وسلم فاعلها، هذا من أكبر الأمور التي تحجز نفسك عنها، ما الذي يجعلني أقع تحت لعنة الله ولعنة رسوله صلى الله عليه وسلم؟ الإنسان العاقل الذي يحسن حساب الأمور يعرف أنه يجب أن ينقي بنفسه عن الدخول تحت مثل هذه اللعنات.

ومن باب الفائدة يسألوني بعض الإخوة عن قضية اللعن المعين، يعني من وقع في معصية من هذه المعاصي هل ألعنه لعناً معيناً؟ يعني آتي إلى امرأة متبرجة أقول أنت ملعونة؟ كما ذكر كثير من المشايخ أنه لا يلعنه لعناً معيناً في وجهه، نعم هو يدخل تحت اللعن المفهوم العام، فنحن نقول لعن الله الراشي، لعن الله الكاسيات العاريات، لعن الله كذا، أما أن تاتي إلى شخص معين فتقول لعنة الله عليك فهذا لا يفعله الإنسان، لأننا نحن نحكم حكماً عاماً، وأما الاسقاط المعين فهذا عند الله قد يكون عنده ظرف، قد يكون معذوراً، قد يكون عنده عامل من العوامل، فلا تتجراً على لعن معين وإنما تلعن الأوساف، لعن الله الراشي خلاص العن الوصف ما فيش داعي تقول لشخص معين وقع في معصية من هذه المعاصي لعنة الله عليك، يعني هذا التعيين منك لا حاجة لنا به ولن نستفيد منه شيئاً تماماً، أنت لن نستفيد منه شيئاً.

يمكن أن ترى أناساً على معصية فتقول أمامهم من باب التعريض لعن الله المرابين، ويبقى لعنك للعام، وأما لعن المعين فالاصل الابتعاد عنه، لعن المعين في وجهه أنت يا فلان ملعون مهما كانت المعصية فهذا الأصل.

ان تبتعد عنه؛ لأن فيه نوعاً من الحكم الخاص. وهذا ندعه لله سبحانه وتعالى، هذا الذي أذهب إليه من أقوال أهل العلم: أن هذا اللاعب يبقى على عمومه، ولا أواجه به شخصاً معيناً من أهل الإسلام. نعم، فصل حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رحمه الله: ومنها حرمان دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوة الملائكة؛ فإن الله سبحانه أمر نبيه أن يستغفر للمؤمنين والمؤمنات، وقال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ.

مسألة من باب الفائدة: البعض يستدل على جواز لعن المعين بحديث: (العنوهن فإنهن ملعونات)، هذا الحديث يلعن هذا الوصف، مش العنوهن في يعني باعينهن، العنوهن أي العنوا المتبرجات مثلاً أو إلى عن المرابين، كلعن عام كلاعن عام يعني العنوا اصحاب هذه الأوصاف، العن المرابي شارب الخمر كذا وكذا، لكن ليس المراد والله أعلم فيما نختاره ولا العلم أن يلعن الشخص بعينه، تماماً كما قلنا أن هناك أحياناً ظروفاً معينة جهل من البعض أشياء كثيرة يسبب وقوع الإنسان في مثل هذه المعاصي، فلا يستعجل على الناس بإسقاط الأحكام عليهم.

هذا هو المقصد، لا يستعجل على الناس بإسقاط الأحكام عليهم، وما يدريك فلان عند الله، قد يكون الله لم يسقط الحكم عليه لعذر يعلمه سبحانه؛ فدائماً الإنسان يحاول أن يبتعد عن التعيين ويقتصر على ماذا؟ على الأوصاف، هذا أسلم وأبعد عنه يعني الشبهة والاحتياط لدين الله سبحانه وتعالى.

وقال تعالى: الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ. ماذا قالت؟ فاغفر لمن؟ الذين تابوا واتبعوا سبيلك، والعاصي هل اتبع سبيل الله؟ لا، بالتالي هو خرج من استغفار الملائكة؛ لأن ربنا قال: الملائكة تقول: فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ سبيل الاستقامة والخير والصلاح، فمن هو مدمن على المعاصي هو لا يدخل تحت اتبعوا سبيلك، فإذا خرج من استغفار الملائكة وأنت بالتالي تعرض نفسك للخروج من استغفار الملائكة بهذه الذنوب.

نعم، وقال تعالى: رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وقال رحمه الله: فهذا دعاء الملائكة للمؤمنين التائبين المتبعين لكتابه المتبعين لكتابه وسنة رسوله، الذين لا سبيل لهم غيرهما، فلا يطمع غيرهؤلاء بإجابة هذه الدعوة؛ إذ لم يتصف بصفات المدعو له بها، الله المستعان.

قال فصل: ما رآه الرسول صلى الله عليه وسلم من عقوبات العصاة. ومن عقوبات العصاة ما رواه البخاري في صحيحه من حديث سمرة بن جندب قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم عن عاصيه في عذاب القبر آثار المعصية في عذاب القبر. نعم، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم مما يكثر أن يقول لأصحابه: هل رأى أحد منكم البارحة رؤيا؟ فيقص عليه من شاء الله أن يقص، وانه قال لنا ذات غداء: إنه أتاني الليلة آتيان، وانه ابتعث لي، وانهما قال لي: انطلق، إني انطلقت معهما، وانه أتينا على رجل مضجع، واذا آخر قائم عليه بصخره، واذا هو يهوي بالصخره لرأسه فيسلغ رأسه، فيتدهده الحجر ها هنا، فيقع الحجر تتكسر الجمجمه يتفتت رأسه تماماً، نسأل الله العافيه.

قال: فياخذه فلا يرجع إليه حتى يصبح رأسه كما كان، ثم يعود عليه فيفعل به مثل ما فعل في المره الأولى، قال: قلت لهما: سبحان الله، ما هذان؟ قال: قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على رجل مستلق لقفاه، وإذا آخر قائم عليه الأول الذي يتكسر رأسه وجمجمته ثم يعاد فيتكسر، سيعجبكم صفته لأنها قد تكون في كثير من طلاب العلم لا أقول من طلاب العلم. نعم، قال: وإذا آخر قائم عليه بكلوب من حديد، وإذا هو يأتي أحد شقي وجهه ويشرشر شدقه إلى قفاه الرقبة يعني التي تعلق عليها الشاة المسلوقة، يأتي الكلوب إلى هنا فيمزع وجهه إلى الخلف، ثم كاللغة آخر فيمزع وجهه إلى الخلف هكذا قال ومن خره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ثم يتحول إلى القفا هنا الرقبة يعني ونفس الشيء من العين إلى القفا إلى الرقبة، قال: ثم يتحول إلى الجانب الآخر فيفعل به مثل ما فعل بالجانب الأول، فما يفرق من ذلك الجانب حتى يصبح ذلك الجانب كما كان، ثم يعود عليه فيفعل مثل ما فعل في المره الأولى، قال: قلت: سبحان الله ما هذان؟ فقال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على مثل التنور وإذا فيه لغط وأصوات، قال: فأطلعنا فيه فاذا فيه رجال ونساء يطبخ فيه الطعام.

قال: فاذا فيه رجال ونساء وإذا هم ياتيهم لهب من أسفل منهم، فاذا أتاهم ذلك اللهب ضوضوا، قال: قلت من هؤلاء؟ قال: فقال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتينا على نهر أحمر مثل الدم، فاذا في النهر رجل سابح يسبح، واذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة، واذا ذلك يسبح ما شاء الله أن يسبح، ثم يأتي ذلك الذي قد جمع عنده الحجارة فيفغر له فاه فيلقمه حجراً فينطلق فيسبح، ثم يرجع إليه كلما رجع إليه فيفغر له فيلقمه حجراً من.

نعم، قال: قلت لهما: ما هذان؟ قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا، فأتي على رجل كريه المرة أو كأكره ما أنت راء رجلاً هو عنده نار يحشها ويسعى حولها، قال: قلت لهما: ما هذا؟ قال: قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا على روضة معتمة فيها من كل نور الربيع، فيها من كل نور الربيع، وإذا بين ظهرانين الروضة رجل طويل لا أكاد أرى رأسه طولاً في السماء، وإذا حول الرجل من أكثر بلدان رأيتهم قد قال: قلت ما هذا وما هؤلاء؟ قال: قال لي: انطلق انطلق، فانطلقنا فأتينا إلى دوحة عظيمة لما رأى دوحة قطة وأعظم منها ولا أحسن، قال: قال لي: ارق فيها، فارتقينا فيها إلى مدينة مبنية بلبن ذهب ولبن فضة، قال: فاتينا باب المدينة فاستفتحنا ففتح لنا فدخلناها، فتلقانا رجال شطر من خلقهم كأحسن ما أنت راى، وشطر منهم كأقبح ما أنت، قال: أجسامهم بالمنتصف نص الجسد ممتاز ونصف الجسد أكره شيء، قال: قال لهم: اذهبوا فقعوا في ذلك النهر، قال: واذا نهر معترض يجري كأن ماءه المحض في البياض، فذهبوا فوقعوا فيه ثم رجعوا إلينا قد ذهب ذلك سوءهم عنهم، قال: لا هذه جنة عدن وهذاك منزلك، قال: فما بصري فاذا قصر مثل الربابة البيضاء، قال: قال له: هذا منزلك، قلت لهما بارك الله يعني السحاب، قلت لهما بارك الله فيكما فدراني فأدخله، قال: أما الآن فلا وأنت داخله، قلت لهم فإاني رأيت لأنه ليس ما زال في الدنيا صلى الله عليه وسلم، قلت لهم فإاني رأيت منذ الليلة عجباً، فما هذا الذي رأيت؟ قال: قال سيبدا يترجم له كل عذاب من عذاب القبر من صاحبه، نبدأ بها واحداً واحداً تذكروا الصفة ثم تذكروا صاحبه.

نعم، قال لي: أما أنا سنخبرك، أما الرجل الأول الذي أتيت عليه يسلغ رأسه بالحجر؛ فإنه الرجل الذي كان كما قلنا رأسه يتفتت بالحجر أول شيء رآه صلى الله عليه وسلم، ماذا كان يفعل في الدنيا من أخطاء إيش كان خطا في هذه الحياة الدنيا حتى عذبه الله في القبر بهذا العذاب الشديد؟ نعم، قال: فإنه الرجل يأخذ القرآن فيرفضه، القرآن فيرفضه عشان يرفضه لا يعمل به ولا يتعهده، يعني ربنا علمه القرآن وحفظ القرآن من أهل القرآن ومن أهل الدعوة والصلاة، لكن ماذا كان عمله؟ رفض القرآن أي لم يعمل بالقران ولم يتعهد القرآن وأهمل أحكامه، وهذا واحد.

قال: ثم ينام عن الصلاة المكتوبة، ينام عن صلاة الفجر فيصليها في العادة الساعة الثامنة التاسعة، وينام عن صلاة الظهر في وقتها ولا يقصد لا يصلي، لكن كيف يزيدونه؟ لا يحافظ على الصلوات المكتوبة في وقتها، هنا ينتبه الإنسان قد تكون أنت من أهل القرآن ومن أهل الخير والمراكز ولكنك في النهاية لا تعمل بالقران ورفضت القرآن وليس منهج حياة ولا تتهاون في قضية الصلاة فيكون عذاب القبر بهذه الشدة، أسأل الله السلامة والعافية. نعم، قال: وأما الرجل الذي أتيت

عليه يشرشر صدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه؛ فإنه الرجل يغدو إلى بيته فيكذب الكذبة تبلغ الآفاق. ينشر إشاعة مكذوبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتصل إلى أقاصي الأرض هذه الكذبة، فمن هذا الباب الله عز وجل عذبه هذا العذاب الشديد في قبره.

نعم، قال: وأما الرجال والنساء الذين هم في مثل بناء التنور، فإنهم الزناة والزواني أهل الزنا والعياذ بالله. ولو أن الرجل الذي أتيت عليه يسبح في النهر ويلقم الحجارة فإنه آكل الربا، آكل الربا؛ لذلك ألجمه الله حجرة لأنه آكل الربا في الدنيا، فألقمه الله فمه حجراً وجعله يسبح في نهر من دم.

نعم، قال: وأما الرجل كريه المنظر الذي عند النار يحثها ويسعى حولها, فإنه مالك خازن جهنم، والملك مالك خازن النار منظره كريه، خازن النار مالك رضي الله عنه منظره كريه لأنه يعذب هذه وظيفته، وجعل الله خلقه متناسبا مع وظيفته.

قال: وأما الرجل الطويل الذي فيه في الروضة فإنه إبراهيم عليه السلام. قال: وأما الولدان الذين حوله فكل مولود مات على الفطرة. وفي رواية للبخاري: ولد على الفطرة. فقال بعض المسلمين: يا رسول الله، وأولاد المشركين؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأولاد المشركين.

وأما القوم الذين كانوا شطر منهم حسن وشطر منهم قبيح، فإنهم قوم خلطوا عملاً صالحاً وآخراً سيئاً، تجاوز الله عنهم.

فصل الذنوب تحدث الفساد في الأرض. قال رحمه الله من آثار ظهور الفساد في البر والبحر، ومن آثار الذنوب في الحياة الدنيا. نعم، قال ومن آثار الذنوب والمعاصي أنها تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن. قال تعالى: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

قال مجاهد: إذا ولي الظالم وساد الظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث، قال فيهلك الحرث والنسل. قال: والله لا يحب الفساد، ثم قرأ: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا، ولكن كل قرية على ماء جار فهو بحر.

وقال عكرمه: كلمة البحر اختلف في تفسيرها في الآية؛ فبعض أهل العلم فسر البحر بالبحر المتعارف عليه، وبعضهم فسر البحر بماذا؟ بالقرى؛ فالقرى تسمى بحارة في اللغة العربية، القرى القرى تسمى في اللغة العربية ماذا؟ بحاراً. فبالتالي ظهر الفساد في البر والبحر، كلمة البحر هنا تحتمل معنى البحر المتعارف عليه الماء، وتحتمل معنى ماذا؟ القرى التي فيها الناس يسكنون فإنها تسمى بحارة.

نعم، وقال عكرمه: ظهر الفساد في البر والبحر، أما إني لا أقول لكم بحركم هذا ولكن كل قرية على ماء بالقرى. نعم، وقلقت هذا، أما البر فأهل العمود، وأما البحر فأهل القرى والريف. قلت: وقد سمى الله تعالى الماء العذب بحراً فقال: وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ. وليس في العالم بحر حلو واقف وإنما هي الأنهار الجارية، والبحر الجارح لا يوجد، البحر لابد أن يكون مالحاً، وأاما العذب هذا لا يسمى بحراً يسمى نهراً العذب، والنعم.

قال: فسمى القرى التي عليها المياه الجارية باسم تلك المياه. وقال ابن زيد: ظهر الفساد في البر والبحر قال: الذنوب. قلت: أراد أن الذنوب سبب الفساد الذي ظهر، وإن أراد أن الفساد الذي ظهر هو الذنوب نفسها، فتكون اللام في قوله: ليذيقهم بعض الذي عملوا للعاقبة والتعليل. وعلى الأول فالمراد بالفساد النقص والشر والآلام التي يحدثها الله في الأرض. في تفسير معنى كلمة الفساد، هل الفساد هي الذنوب ولا آثار الذنوب؟ لما نقول ظهر الفساد في البر والبحر، ظهر الفساد ما المراد بالفساد في الآية؟ هناك خلاف؛ البعض قال: الفساد هي نفس الذنوب فيكون الآية ظهرت الذنوب في البر والبحر، وهناك من قال: الفساد هو ماذا؟ هو آثار الذنوب ونتائجها على البر والبحر، لذلك هو لما جاء إلى قول ابن زيد وقال ابن زيد: ظهر الفساد أي الذنوب. من زيد فصل الفساد ماذا؟ نفس الذنوب هي الفساد وليس الآثار، بخلاف التفسير السابق كان الفساد ما هو؟ الآثار والعواقب.

والظاهر والله أعلم أن الفساد المراد به قد يقال: إن السلطان هنا بمعنى من ملكه ملك الله سبحانه وتعالى يجوز ذلك. نعم، قال والظاهر والله أعلم أن الفساد المراد به الذنوب وموجباتها ويدل عليه قوله تعالى: أن يجمع بين القولين على ديار ثمود فمنعهم من دخول ديارهم إلا وهم باكون، ومن شرب مياههم، ومن الاستسقاء من آبارهم حتى أمر ألا يعلف العجين الذي عجن بمياههم للنواضح؛ لتأثير شؤم المعصية في الماء، وكذلك شؤون تأثير الذنوب في نقص الثمار وما ترى به من آفات.

وقد ذكر الإمام أحمد في مسنده في ضمن حديث قال: وجدت في خزائن بعض بني أمية حنطة الحبة بقدر نواة التمرة، وهي في صرة مكتوب عليها: كان هذا ينبت في زمن من العدل، يعني في زمن بني أمية في زمن العدل زمن عمر بن عبد العزيز وأطرابه. كانت حبة القمح أن حبة القمح كم حجمها؟ صغير، كانت حبة القمح في زمن بني أمية هكذا يعني بهذا الحجم، اليوم أنعنوا ميليات صغيرة، في زمن بني أمية كان هكذا حجمها.

قال: في زمن العدل كان الله يضع البركة في حجم الثمار أو حتى حبوب القمح كانت كبيرة، لكن لما كثر الظلم تصغرت حجم حبة القمح حتى أصبحت اليوم لأن كانت نراها ونشاهد بركتها في حياتنا. نعم، قال كان هذا ينبت في زمن من العدل، وكثير من هذه الآفات أحدثها الله سبحانه وتعالى بما أحدث العباد من الذنوب. وأخبرني جماعة من شيوخ الصحراء أنهم كانوا يعهدون الثمار أكبر مما هي الآن، وكثير من هذه الآفات التي تصيبها لم يكونوا يعرفونها وإنما حدثت من قريب.

قال: وأما تأثير الذنوب في الصور والخلق، فقد روى الترمذي في جامعه عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال يعني في هيئاتنا الخلقية في أشكالنا ومناظرنا نعم. أنه قال: خلق الله آدم وطوله في السماء ستون ذراعاً، ولم يزل الخلق ينقص حتى الآن. فإذا أراد الله أن يطهر الأرض من الظلمة والخونة والفجرة، يخرج عبداً من عباده من أهل بيت نبيه صلى الله عليه وسلم فيملا الأرض قسطاً كما ملئت جوره. الإمام المهدي الذي يخرج في آخر الزمان على طريقة طبعا أهل السنة. قال: ويقتل المسيح اليهود والنصارى ويقيم الدين الذي بعث الله به لرسوله عيسى بن مريم.

قال: وتخرج الأرض بركتها وتعود كما كانت، حتى إن العصابة من الناس يأكلون الرمان ويستظلون بقحفها، ويكون عذق الرمان الوحدات في آخر الزمان جماعة من الناس دلالة عوده البركة إلى الأرض. نعم، قال ويكون العنقود من العنب وقر بعير، يعني عذق العنب الواحد حمله بعير كاملاً. قال: ولبن اللقحة الواحدة، يعني الناقة التي عندها لبن في ضلعها، قال: لا تكفي الفئام من الناس، عدد كبير من الناس.

قال: وهذه لأن الأرض لما طهرت من المعاصي ظهرت فيها آثار البركة من الله تعالى التي محقتها الذنوب والكفر. ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي هي آثار تلك الجرائم. فهذه الآثار في الأرض من آثار مرة أخرى. ولا ريب أن العقوبات قال: ولا ريب أن العقوبات التي أنزلها الله في الأرض بقيت آثارها سارية في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب التي فكلما فعلت هذه الذنوب ظهرت هذه العقوبات.

هذا معنى تطلب ما يشاكلها، كأن هذه قاعدة عامة يقول ابن القيم: الله أنزل عقوبات وهي قلة المطر، قلة حجم الثمار، ضعف البركة في طعامنا وأرزاقنا، هذه عقوبات وضعها الله في الأرض؛ حبس المطر، عدم وجود البركة في طعامنا وشرابنا وثمارنا، الاحتباس الحراري والمشاكل المناخية.

غير ذلك قال: هذه عقوبات وضعها الله في الأرض تطلب ما يشاكلها من الذنوب، يعني كلما ظهرت الذنوب جاءت هذه العقوبات الأرضية، كلما فعل الناس الذنوب ظهرت هذه العقوبات الأرضية، وكلما قلت الذنوب قل ظهور هذه العقوبة، وكلما أقبل الناس على الطاعة قل تأثيرها على حياة الناس.

نعم، قال: والتي هي آثار تلك الجرائم التي عذبت بها الأمم، فهذه الآثار في الأرض من آثار تلك العقوبات، كما أن هذه المعاصي من آثار تلك الجرائم، فتناسبت كلمة الله وحكمته الكوني أولا وآخرا، وكان العظيم من العقوبة للعظيم من الجناية، والاخف للاخف، وهكذا يحكم سبحانه بين خلقه في دار البرزخ ودار الجزاء.

وتأمل مقارنة الشيطان ومحله وداره، فانه لما قارن العبد واستولى عليه نزعت البركة من عمره وعمله وقوله ورزقه، ولما اثرت طاعته في الأرض ما اثرت، ونزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعته، وكذلك مسكنه لما كان الجحيم لم يكن هنالك شيء من الروح والرحمة والبركة.

الشيطان ومحله وداره نعم، فالشيطان أينما يحل في حياة إنسان يحل معه الشر وضعف البركة في عمره وعائلته وذريته، هذا الذي يريد أن يقوله. نعم قال: فانه لما قارن العبد واستولى عليه بوساوسه وخطراته، نزعت البركة من عمر الإنسان وعمل الإنسان وقول الإنسان ورزق الإنسان.

فلما تشعر فيما شاب يقول لك: ما عندي بركة في الحياة، لأن الشيطان استولى عليك، وجود الشيطان على حياتك هو الذي يكون سببا في نزع البركة، والله لو راتبك ثلاثمائة دينار وعندك طاعة لتحن أن بها، ولو راتبك ألف والفين وما عندك طاعة لن تسر بها، هذه قاعدة عامة في السير إلى الله سبحانه وتعالى.

فإنه لما قارن الشيطان العبد واستولى عليه، نزعت البركة من عمر الإنسان وعمله وقوله ورزقه. نعم قال: ولما اثرت طاعة الشيطان في الأرض ما اثرت، نعم نزعت البركة. نعم هكذا صحيحه، ولما اثر الإنسان طاعة الشيطان هذا المراد في الأرض ما اثرت، الذين يطيعون الشيطان كلما أطيع الشيطان نزعت البركة من كل محل ظهرت فيه طاعة الشيطان، هذا معنى العبارة: لما اثرت طاعة الشيطان في الأرض ما اثرت، نزع الله البركة من كل محل في الأرض ظهرت فيها طاعة الشيطان، المجتمعات التي يكثر فيها المعاصي والذنوب، طاعة الشيطان تنزع منها البركات، هذا مقصده.

فصل: الذنوب تطفئ الغيرة. قال: ومن عقوبات الذنوب، اسمعوا آثار الذنوب كيف تجعلك تفقد الغيرة على حريمك وزوجتك وابنائي واخواتك.

اليوم اخواني نرى رجل يوصل لابنته للجامعة في قمة تبرجها، والله تستغرب، هل هذا رجل؟ انسان يوصل بناته للجامعة بكامل حلتها وزينتها وقد كشفت مفاتنها، تستغرب كيف أب يفعل ذلك؟ يا اخي لا يوجد عندك غيره؟ لا يوجد عندك حياة؟ يا اخي ما عندك دين؟ فهمنا هذا، ضعوه طيب على أخ يوصل أخته إلى الجامعة بكامل حلتها، ويرى صديقها يستقبلها على باب السيارة وياخذ بها، أين ذهبت الغيرة؟

ربما الإنسان صاحب المروءة يتساءل سؤال يعني فطري طبيعي هذا: أين عقله وأين غيرته؟ هنا ابن القيم سيحلل لك التحليل، ما الذي يحدث مع هؤلاء الذين يمارسون الذنوب والمعاصي؟ كيف يطفئ الله الغيرة على الحريم من نفوسهم؟ ما عنده أي مشكلة، ما عنده أي مشكلة أن يرى أخته تجلس مع حبيبها وعشيقها وفي أحضانه، أو أن يوصل فتاة في كامل تبرج على باب الجامع ويسلم عليه، وهو يعلم الله به عليم مما ترتكبه، أو لا يعلم لكنه مغفل إن فعل هذا بابنته، ما سبب هذا الأمر؟ اقرأ قال رحمه الله: ومن عقوبات الذنوب أنها تطفئ من القلب نار الغيرة التي هي لحياته وصلاحه، كالحرارة الغريزية لحياه جميع البدن، فالغيرة حرارته وناره التي تخرج ما فيه من الخبث والصفات المذمومة، كما يخرج الكير خبث الذهب والفضة والحديد.

الغيرة مهمة جدا للقلب، لأنها تطرد كل ما فيه من الأوساخ والقاذورات، والذي لا يغار قلبه مستنقع للأوساخ والقاذورات، فالغيرة مهمة للقلب حتى يبقى حيا نابضا بالايمان، هذا الذي يقوله، قال: فهو مثل المنفاخ تبع الحداد الذي يطرد به عن الذهب الأوساخ والأذران. نعم كالكير. قال: وأشرف الناس وأعلاهم همة، أشدهم غيرة على نفسه وخاصته وعموم الناس.

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أغير الخلق على الأمة، والله سبحانه أشد غيرة منه، كما ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: تعجبون من غيرَة سعد، لأنا أغير منه، والله أغير مني.

يعني قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم إذا راى الرجل مع امراته رجلا، فقال سعد بمعنى: أنني لا أنتظر أن أضرب بالسيف عليهما يموتان في أرضهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من غيرة سعد؟ إنسان مسلم وصاحب مروءة يعني غيرته طبيعية. نعم قال: لأنا أغير منه، والله أغير مني. وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال في خطبة الكسوف: يا أمة محمد، ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته.

وفي الصحيح أيضا عنه أنه قال: لا أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، ولا أحد أحب إليه المدح من الله من أجل ذلك.

الإنسان الذي عنده حرارة الإيمان يا اخي يتمزق قلبه عندما يشاهد المعصية تفعل أمامه، خاصة إذا كانت من الموبقات المهلكات، أما إنسان لا يفعل المعصية لكنه غير مبال بوجودها، هذا والعياذ بالله طفئت الغيرة من قلبه، فانتبه على قلبك أن يبقى حيا.

قال رحمه الله: والله سبحانه مع شدة غيرته يحب أن يعتذر إليه عبده، ويقبل عذر من اعتذر إليه، وأنه لا يؤاخذ عبيده بارتكاب ما يغار من ارتكابه حتى يعذر إليهم، ولاجل ذلك أرسل رسوله وأنزل كتبه أعذارا وإنذارا، وهذا غاية المجد والاحسان ونهاية الكمال.

فإن الله يغار، لكن غيرته سبحانه وتعالى لا تجعله يستعجل بالعقوبة، هذا مراده، الله يغار عندما تفعل المعاصي في الأرض، لكن هل غيرته تجعله يعجل عليك بالعقوبة؟ أم أنه يحب العذر؟ قال يحب العذر، ما معنى يحب العذر؟ يعني يصبر عليك ويرسل الرسل والقوارع والزواجر، ويحاول أن ينبهك، وهذا كماله مع غيرته سبحانه أن تفعل المعاصي، لكنه لا يستعجل علينا بالعذاب والنقم، بل يعذرنا فيسمعنا المواعظ والنصائح والزواجر، ويسلك المشايخ الذين ينصحونك ويوجهونك، كل هذا من كماله، أن غيرته لم تجعل يندب لبعض الشباب غيرته مثلا تجعله يرتكب ماذا خطأ صحيح، تجعله يجازف فينكر المنكر بطريقة مغلوطة، أو يستعجل فبذا به يهلك نفسه ويوقع نفسه في شدة البلاء في هذا الزمان. الغيرة يجب أن تكون مربوطة بلباس الحكمة، حتى لا تكون وبالا عليك في أثناء إنكارك للمنكر.

قال رحمه الله: فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة. فان كثيرا أيوه أعد العبارة، أن هذه مهمة للشباب الملتزم أن يفهم أنه نحن نغار عندما يعصى الله في الأرض، لكن هذه الغيرة توجب الاندفاع توجب أن أنكر المنكر فاتسبب بمنكر أعلى، لا إنكار المنكر يجب أن يكون مرتبطا بالحكمة والموعظة الحسنة والهدوء، حتى أعالج المنكر فيصبح طاعة، وليس أعالج المنكر فاتسبب بمنكر أكبر وبال كبير للدعوة والدعاة والمشايخ والبرامج الدعوية.

نعم قال رحمه الله: فإن كثيرا ممن تشتد غيرته من المخلوقين تحمله شدة الغيرة على سرعة الإيقاع والعقوبة من غير أعذار منه، ومن غير قبول لعذر من اعتذر إليه، بل يكون له في نفس الأمر عذر، ولا تدعه شدة الغيرة أن يقper عذرا أحسنت، يعني أحيانا قد يكون العاصي أصلا هو في وجهة نظرك عاصيا، لكنه معذور وأنت لم تسمع منه ولم تعطيه مساحة.

ليبرر وبدأت به قتلاً وثرباً وذبحاً، وفي النهاية تكتشف أنه معذور أو غير متصور لطبيعة التصرف؛ فالتأني دائماً مهم جداً، حتى ولو كان عندك غيره -وأنعم بها من صفة- لكن هذا لا يعني أن تكون مندفعاً متحمسساً في إنكار المنكر بطريقة غير مشروعة.

قال: وكثير ممن يقبل المعاذير يحمله على قبولها قلة الغيرة، حتى يتوسع في قبول المعاذير. بالعكس، بعض الناس يتوسع في المعاذير زيادة عن اللزوم، يشتم الله سبحانه وتعالى يا أخي خلاص يعني سامحه، يعني كيف أسامحه يعني كيف يمشي هذا الموقف؟ هو عنده أعذار بس ما عنده غيره.

نحن بين أمرمرين: يا واحد عنده غيره وعنده اندفاع، أو واحد عنده أعذار بس ما عندوش غيره، والمسلم ليس هكذا ولا هكذا؛ المسلم عنده غيره لكن ما عنده اندفاع في معالجة الخطأ، فهمنا؟ فهو يقول لك هنا بعض الناس بالعكس عنده أعذار زائد عن اللزوم وصل إلى حد إيش؟ التمييع للثوابت الشرعية وهذا خطأ.

نعم، قال رحمه الله: ويرى عذراً ما ليس بعذر، حتى يعتذر كثير منهم بالقدر، وكل منهما غير ممدوح على الإطلاق. يعتذر الكثير منا بماذا؟ يرى عذراً ما ليس حتى يعتذر كثير منهم بالقدر، أنا عندي حتى يعذر كثيراً بغير عذر، تمام ماشي.

قال: وكل منهما غير ممدوح على الإطلاق، وقد صح عن النبي... الإنسان يجب أن يجمع الخصلتين: الغيرة والاعذار، غيره وأعذار هذا كمال، أما العذر وحده أو غيره وحده لا تصلح. نعم، قال: وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن من الغيرة ما يحبها الله، ومنها ما يبغضها الله، فالتي يبغضها الله الغيرة من غير ريبة، وذكر بعض الناس الذي يصبح عنده شك في زوجته.

اقتران الغيرة بالعذر تجمع الخصلتين: عندك غيره ولكن عندك فهم وسعة وتأني في معالجة الملفات. قال: ومن كان هكذا فهو الممدوح حقه جميل. قال: ولما جمع سبحانه صفات الكمال كلها، كان أحق بالمدح من كل أحد، ولا يبلغ أحد أن يمدحه كما ينبغي له، بل هو كما مدح نفسه وأثنى على نفسه؛ فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته، ومن وافق الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليه بزمامه وأدخلته على ربه.

استطعت أن تتصف بصفات الله، يعني من صفات الله الرحمة، فالإنسان اللي عنده صفة الرحمة هذا اتصف بصفة من صفات الله فيكون أقرب إلى الله. من صفات الله الغيرة، فالمؤمن الذي عنده صفة غيره اتصف بصفة من صفاته، لا طبعا شتان بينك وبين الله سبحانه، لكن المراد أن الله أذن لنا في بعض الصفات، بل دعانا أن نتأسى ببعض الصفات التي هي من صفاته، كما أن هناك بعض من صفاته لا يجوز لنا أن تكون عندنا كالكبرياء، لكن في المقابل في صفات يحب أن تكون في عبيده وهي من صفاته كالرحمة والغيره والحياء وما شابه ذلك.

فيقول ابن القيم: فالغيور قد وافق ربه سبحانه في صفة من صفاته، يعني أنت عندك صفة هي أصلاً من صفات الله سبحانه والله يحب أن تكون هذه الصفة فينا، فالغيور قد وافق ربه في صفة من صفاته ومن -شوف القاعدة- ومن وافق الله في صفة من صفاته قادته تلك الصفة إليها -إلى الله- بزمامها، فكلما أتيت بصفات الله التي دعانا ربنا أن نأتسي بها، كلما قادتك هذه الصفة إلى الله وجعلتك أكثر قرباً منه جل في علاه.

قال رحمه الله: وأدخلته على ربه وأدنته منه وقربته من رحمته، وصيرته محبوباً، فانه سبحانه رحيم يحب الرحماء، كريم يحب الكرماء، عليم يحب العلماء، قوي يحب المؤمن القوي وهو أحب إليه من المؤمن الضعيف، حيي يحب أهل الحياء؛ إذاً هناك مجموعة من الصفات هي من صفات الله ويحب الله أن تكون في خلقه، وانتصاف الخلق بها ليس على صورة انتصاف الله بها، الله صاحب الكمال والمجد.

قال جميل يحب أهل الجمال، وتر يحب أهل الوتر، وتر سبحانه فرد نعم يحب أهل الوتر الذين يصلون الوتر. نعم قال: ولو لم يكن في الذنوب والمعاصي إلا أنها توجب لصاحبها ضد هذه الصفات وتمنعه من الاتصاف بها لكفى بها عقوبة، فإن الخطوة تنقلب وسوسة والوسوسة تصير إرادة.

هذا الكلام هنا قاعدة، هنا ناس يعطيك فلسفة، فإن الخطرة قد يظنها مقولة منتشرة تجدون دائماً مقتبسة من كلام ابن القيم، وهي تترجم لك ماذا يحدث في عقل الإنسان لما يفكر بالمعاصي؛ يقول هذه حبة حبة، لأنها قاعدة مهمة جداً في فهم كيف تقودك وساوسك وخطراتك إلى اقتراف المعصية الظاهرة على الجوارح.

هي ترجمة لتفكير ذهني لديك، اكتفى هذه القضية: المعصية هي المخرج النهائي لأفكار كانت لماذا؟ في الذهن، المعصية مش فجأة صارت لا، أكيد في قبلها إيرادات وهمم وتفكير وسرحان وخيال، ترجم في النهاية على شكل ماذا؟ معصية من المعاصي، فابن القيم يسجل لك هذه الفقرة المهمة فيقول: إن الخطرة -اللي هي التفكير الأولي بالشهوة بالمعصية- مع المداومة عليها تنقلب ماذا؟

فإن الخطرة يقرأ قال رحمه الله: فإن الخطرة تنقلب وسوسة والوسوسة... الخطرة اللي هي الأولى، أول تفكير وارد للمعصية إذا أنت استروحت معه ومشيت معه يصبح مع الوقت ماذا؟ وسواس متكرر، لكن إذا أنت من البداية دفعته ولم تمشي معه ذهب، هي خطر خطرة نظرت إلى امرأة جاء في قلبك شيء مثلاً، الآن في هناك من يسبح مع هذا ويبدا الخيال يشتغل، نعم هذا يتوقع في النهاية أن يصل الزنا والعياذ بالله، لكن في إنسان أول ما جاءته خطرة استعاذ بالله واستغفر الله وحاول يشغل نفسه بشيء نافع ويطرد التفكير، وهذا يعالج بإذن الله، والخطرة لا تترجم إلى شيء آخر فيما بعد، فعليك أن تعالج الخطرة من بدايتها.

الخطرة إياك أن تستغرق معها في الخيال، أول ما تأتيك حاول أولاً استغفر الله ثم اشغل نفسك بشيء آخر. بعض الشباب لما تأتي الخطرة يبقى جالس على الفراش ويسبح، إذا بقيت جالس على الفراش ستنهج، جاءتك الخطرة وأنت على حالة من الاسترخاء، قم, إلعب رياضه، اعمل مكالمه مع شخص تحبه في الله، اذهب إلى المسجد، ادخل في برنامج أي شيء، لا تبقى في نفس الوضعية التي أنت فيها؛ لأنك إذا بقيت في نفس الوضعية وتفكر سننتقل للخطوة الثانية.

إن الخطرة تمكنت من القلب فأصبحت ماذا؟ وسواس متكرر، أنت عم يطاردك مش قادر تنفك منه. طيب، إذا أصبحت وسواس متكرر ماذا سيصبح مع الوقت؟ أقرأ قال: والوسوسة تصير إرادة، تصير إرادة أنك تريد أن، وتريد أن تفعلها وتباشرها بنفسك.

قال: والارادة تقوى فتصير عزيمة، الإرادة مع الوقت أنا أصبحت أريد أن أجرب هذا النوع من المعاصي، مع الوقت خلاص أعزم في لحظة معينة وأقرر أنني سافعل المعصية. نعم قال: ثم تصير فعلاً، قال ثم تصير فعلاً، عزمت على فعل المعصية أصبحت بعد ذلك فعلاً على أرض الواقع؛ تكلمت مع فتاة، دخلت علاقات محرمة، زينة، تعاقب خمور وما شابه، دخلت في هذا الملف وفي هذه الدوامة وعصى الله أن يخرجك منها، لكن الأمر يصبح معقد، فبالتالي الإنسان العاقل إخواني يعالج نفسه من البدايات، لأنك إذا وصلت للنهايات تصبح المعالجة ممكنة لكنها صعبة، المعالجة ممكنة لكنها صعبة، فعالج نفسك من الخطرة قبل أن يصبح الأمر فعلاً.

قال رحمه الله: ثم تصير صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة. هذا معنى: ثم تصير المعصية صفة لازمة وهيئة ثابتة راسخة، اللي احنا بنسميه في الوقت المعاصر شو؟ إدمان إباحية، إدمان قضى الحرام، إدمان تعاطي خمور، إدمان مخدرات وما شابه ذلك.

نعم، قال: وحينئذ يتعذر الخروج منهما كما الخروج منها، وحينئذ يتعذر الخروج منها كما يتعذر الخروج من صفاته القائمة به. الآن أصبحت هيئة راسخة فيك، معالجة صعب؛ إنسان طبيعته عصبي، السنوات وسنوات حتى يتخلص من العصبية، إنسان طبيعته بخيل يحتاج وقت يتخلص، نفس ريش المعصية إذا أصبحت إدمان عملية الخلاص منها تصبح صعبة لأنها أصبحت كأنها صفة راسخة في نفسك.

نعم، قال رحمه الله: والمقصود أنه كلما اشتدت ملابسته للذنوب أخرجت من قلبه الغيرة على نفسه وأهله وعمومه. في هذه القضية كلما اشتدت ملابستك للذنوب كلما أكثرت من الوقوع في الذنوب والمعاصي.

والنظر للحرام كلما خرج من قلبك الغيرة، أولاً على نفسك فيصبح ما عندك مشكلة أن يراك الناس تتحدث مع فتاة أو تنظر للحرام، خلاص زالت الغيرة على نفسك وأهله وعموم الناس.

ما تغار على حريمك ولا على بناتك ولا على زوجتك، كثير من الناس تكون زوجته تتحدث مع رجل أجنبي أمام وساعة وساعتين وتضحك وتتبادل، وهو استغرب والله تقول هذاك بني آدم هذا رجل، لكن هذا هو تفسيرها أن هو اعتاد الحرام فلما اعتاد الحرام أطفأ الله الغيرة في قلبه على نسائه فما عاد يشك أنه خطأ بالعكس أنت تنكر على إيش بقول لك رجعية خلي الحياة وانفتاح وعصرة أنتم ما زلتم تعيشوا في عقليّة القرن الماضي أو القرون الأولى من السلف، نحن في عصر هذا الذي فعله الغرب بنا جعلنا مثل كلب هائل لا نغار ولا نفكر بالغير، وأصبح الكلام عن الغيرة حديث عن الرجعية والتخلف والتزمت وليس هو النفس السوية الإنسانية.

نعم، قال رحمه الله: وقد تضعف في القلب جداً حتى لا يستقبح بعد ذلك القبيح لا من نفسه ولا من غيره، وإذا وصل إلى هذا الحد فقد دخل في باب الهلاك.

قال: وكثير من هؤلاء لا يقتصر على عدم الاستقباح بل يحسنوا الفواحش والظلم لغيره ويزينه له كما قلنا قبل قليل، والله ابن القيم دقيق جداً في أوصافه، قال: بل يحسن الفواحش يقول لك عادي خلي زوجتك تتكلم مع الرجال الأجانب خلها تشتغل معهم في أماكن خاصة ويكون فيها خلوة، خلي ابنتك تخرج كما تريد للجامعة، يصبح هذا الكلام هو التقدم هو الحضارة هو العقل هو الانفتاح يحسن الفواحش يحسن المعصية يجعلها هي المنطق السوي وتصبح الغيرة والأخلاق السوية هي الرجعية والانحراف، هذا والعياذ بالله قمة التشوه النفسي والأيماني، قال: ويزينه له ويدعوه إليه ويحثه عليه ويسعى له في تحصيله، ولهذا كانت ماذا أنها تسمى ديوثة أن يصبح الإنسان لا يغار على حريمه، ولو لهذا كان الديوث أخبث خلق الله والجنة حرام عليه، وكذلك محلل الظلم والبغي لغيره ومزينه له.

وانظر ما الذي حملت عليه قلة الغيرة، وهذا يدلك على أن أصل الدين الغيرة، القاعدة أصل الدين الغيرة اللي ما عنده غير أحبابي ما عنده دين، أصل دين الله الغير، أنت غار على حرمات الله أن تنتهك من نفسك أو من أهل بيتك أو من مجتمعك، اللي ما عنده غيره يقول قال: ومن لا غيره ابن القيم، ومن لا غيرت له لا دين له.

قال رحمه الله: فالغيرة تحمي القلب فتحمله الجوارح فتدفع السوء والفواحش، وعدم الغيرة تميت القلب فتموت له الجوارح فلا يبقى عندها دفع البته.

قال: ومثل الغيرة في القلب مثل القوة التي تدفع المرض وتقاومه، فإذا ذهبت القوة وجد الداء المحل قابلة ولم يجد دافعه فتمكن فكان الهلاك، فكان الغيرة هي الوقاية.

سالم يكون يأخذ فيتامينات وجسمه سوي الأمراض لا تتسرب إليه صحيح، لكن إذا بدأ جسمه يضعف لأنه ما باخذ فيتامينات والأشياء ماذا تصبح الأمراض سهلة الوصول إليه، كذلك الغيرة يقول لك الغيرة هي فيتامين القلب، غيره فيتامين القلب، في غيره في القلب المعاصي لا تتسلل إليك، ما في عندك غيره في القلب ستجد المعاصي تعبت وتصوله وتجول في قلبك ثم على جوارحك.

نعم قال رحمه الله: ومثلها مثل صياسي الجاموس التي تدفع بها عن نفسك وولده، قال: إذا تكسرت طمع فيها عدوه، لما يكون قرونه جاهزة ما حدا بقرب عليه لأنه في قرون الإنسان لا يستطيع أن يهاجمه، لكن متى تكسرت قرون الثور أصبح الكل يهجم علي ما عنده شيء يدافع عن نفسه.

نعم، فصل المعاصي تذهب الحياء، قال رحمه الله: ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو ماده حياة القلب، وهو هذا مرتبط بالكلام الماضي يعني تذهب الغيرة والآن ننتقل إلى فصل الآخر أن المعاصي من آثارها على حياة الإنسان أنها تفقد الحياء.

نعم قال: ومن عقوباتها ذهاب الحياء الذي هو مادة حياة القلب وهو أصل كل خير، وذهابه وذهاب الخير يجمع، طبعا الغيرة هي مرتبة أعلى من الحياء، الغير هو شعورك بالتغيض الداخلي على موقف أو مشهد معين تراه، الحياء أنك تستحي أنت أن تفعل هذه المعصية أو أن تباشرها، الغيرة هي لسه مرتبة أعلى لذلك ذكرها ابتداء.

نعم قال: وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحياء خير كله، وقال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، وفيه تفسيران أحدهما أنه على التهديد والوعيد، والمعنى من لم يستحي فانه يصنع ما شاء، هذا الحديث له فهما ما معنى؟

قال: وانما الذي ينبغي تركه هو ما يستحى منه من الله، وهذا تفسير الإمام أحمد في رواية ابن هانئ، على الأول يكون تهديداً، وهذا هنا قدم فهماً ثالثاً ترى هذا ليس فهم، وقدم فهماً ثالثاً هنا أن الفعل إذا لم تستعمله من الله فافعل وإنما الذي ينبغي تركه هو ما يستحي فيه من الله، هو قدم فهماً ثالثاً الآن هناك ثلاثة فهم إذا لأن أنا قدمت فهمين.

الفهم الأول على لغة التهديد والوعيد إذا لم تستحي واصنع ما شئت سنتقابل مع الله تهديد وعيد.

الفهم الثاني إذا لم تستحي من الله صنعت ما شئت وهذا يدل على أن الذي لا يستحي من الله سيصنع كل شيء.

الفهم الثالث لا هو يقول إن الفعل إذا لم تشعر بحياء من الله أنك تفعله فهذا يدل على أنه فعل خير افعل، وإذا شعرت أنك تستحي من الله أن يراك وانت تفعله فهذا مؤشر أنه فعل سيء فاتركه.

هذا فهم آخر أعيده لأن هو الذي ذكره، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت يعني إذا أردت أن تفعل فعلاً انظر في قلبك هل تشعر أنك تستحي أن ينظر الله إليك وأنت تفعله؟ إذا شعرت لا والله يا شيخ الحمد لله لا أشعر بحياء وأنا ما عندي مشكلة أن يراني الله وأنا أفعله، إذا هذا يدل أن هذا الفعل لا مشكلة فيه شرعاً تمام، بس هذا طبعا لصاحب النفس السوية.

وأما إذا شعر صاحب النفس السوية أنه يشعر بالحياء أن يراه الله وهو يعاقر هذا الفعل فهذا يدل على أن الفعل ماذا سيء، وهذا كأنه معناه إيش استفت قلبك وخلصته استفت قلبك الشيء الذي تشعر فيه بالريبة اتركه لا تشعر فيه بالريبة باشره، لكن هذا الكلام يحتاج طبعا إلى ضبط أكثر.

قال: فعل الأول يكون تهديداً كقوله اعملوا ما شئتم، وعلى الثاني يكون إذناً وإباحة، فانقل فهل من سبيل إلى حمله على المعنيين؟ قلت له: ولا على قول من يحمل مشترك على جميع معانيه لا يجوز أن يحمد الحديث على كلا المعنيين لأنه يفهم هكذا لا يفهم هكذا لا يمكن جمع كل المعنيين في فهمه.

قال: لما بين الاباحه والتهديد من المنافاة، ولكن اعتبار أحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر، فهم أحد المعنيين يوجد فهم الآخر ضمنياً، قال: لكن اعتبار أحد المعنيين يفهم أنه الآخر ضمنياً لأنه إذا كان الشيء.

الله سبحانه وتعالى يقول لك إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، إذا الذي الفعل الذي لا ينحترج لا يشعر المسلم بحرج في فعله أمام الله سبحانه فالله سبحانه لا يغضب منه وبالتالي لا إشكال في فعله، فكانه يريد أن يقول إن المعنى الأول يقود إلى المعنى الثاني والمعنى الثاني يفهم منه ضمنياً المعنى الأول، لذلك قال: اعتبار واحد المعنيين يوجب اعتبار الآخر وإن كان لا يجوز حمل الحديث في فهمه على كلا المعنيين.

قال رحمه الله: والمقصود أن الذنوب تضعف الحياء من العبد حتى ربما سلخ منه بالكلية، حتى إنه ربما لا يتاثر بعلم الناس بسوء حاله ولا باطلاعهم عليه، فالكثير منهم يخبر عن حاله وقبح ما يفعل، يعني بعض الناس يفقد الحياء لدرجة أنه يشعر أنه لا يستحي أن يتكلم بمعصية وياتي يكلمك هذا اليوم يتكلم بقصص حبه وغرامه، هو لا يشعر له استحياء من الله وهو يفعل ولا هو مستحي أن يتحدث عن معاصيه وذنوبه أمام الناس.

قال: والحامل له على ذلك انسلاخه من الحياء، وإذا وصل العبد إلى هذه الحالة لم.

يبقى في صلاحه مطمع، وإذا رأت إبليسه طلعت وجهه حيا وقال: فديت من لا يفلح. والحياء مشتق من الحياة، والغيث يسمى حياءً بالحياء بالقصر؛ لأن به حياة الأرض والنبات ودواب، الحياء مأخوذ من الحياة.

والحياة هي حياة القلب، فإذا أنت فقدت الحياء فقدت الحياة. نعم، قال: وكذلك سميت بالحياء حياة الدنيا والآخرة، فمن لا حياء فيه فهو ميت في الدنيا شقي في الآخرة. وبين الذنوب وبين قلة الحياء وعدم الغيرة تلازم من الطرفين، وكل منهما يستدعي الآخر ويطلبه حديثاً. ومن استحى من الله عندما عصيته استحى الله من عقوبته يوم يلقاه، ومن استحى من الله عند معصيته استحى الله من عقوبة، لا يعاقبك الله لأنك استحيت من الله. من استحى من الله عندما عصيته يعني حتى لو جربت نفسك إلى المعاصي، يريد يقول لك ابن القيم: حتى لو أنت جربت نفسك إلى معصية، حاول وأنت في هذه المعصية تشعر بالحياء، يعني افعلها وأنت منكسر، افعلها وأنت ذليل؛ لأنه من استحى من الله وهو يمارس المعصية، استحى الله سبحانه وتعالى من أن يعاقبه على هذه المعصية يوم يلقاه.

فأنت على معاصيه، وربما اغتر المغتر وقال: إنما يحملني على المعاصي حسن الرجاء وطمعي في عفو لا ضعف عظمته في قلبي. أنه يفعل المعصية ويقول: أنا أفعلها لأنني واثق أن الله غفور رحيم، هذه مخادعة للنفس. قال: وهذا من مغالطة النفس، فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيم تعظيم حرماته، وتعظيم حرماته يحول بينه وبين الذنوب. والمتجرئون على معاصيه ما قدروا الله حق قدره، وكيف يقدره حق قدره أو يعظمه ويكبره ويرجو وقاره ويجلّه من يهون عليه أمره ونهيه؟ هذا من أمحل المحال وأبين الباطل، وكفى بالعاصي عقوبة أن يطمحل من قلبه تعظيم الله جل جلاله وتعظيم حرماته ويهون عليه حقه. هذه من أعظم ما أثار الذنوب، كفى بالمعاصي عقوبة أن يضمحل يذهب من قلبك ماذا؟ تعظيمك لله سبحانه.

وإخوان الإنسان المؤمن إنما يعيش بتعظيمه لله هكذا، فاذا فقدت تعظيم الله في قلبك ما عاد عندك أي شيء يحدثك عن مواقعة أي معصية من المعاصي، بالعكس، نحن ما الذي نحن قلنا سابقاً ما الذي يجعلني لا أقع في المعصية؟ ويحدث بينه وبين المعصية مقدار تعظيمي لله. فإذا هذه المعاني بدات تضعف وتضمحل فاعلم أنك في طريقك نحو الهاوية.

نعم، قال رحمه الله: ومن بعض عقوبة هذا أن يرفع الله عز وجل مهابته من قلوب الخلق ويهون عليهم ويستخفون به كما هان عليه أمره واستخف به. فعلى قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوفه من الله يخافه الخلق، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظمه الناس. وبالتالي إذا أنت لم تعظم الله سبحانه وتعالى ولم تعظم شرعه رفع الله تعظيمك من قلوب الخلق، هذا معنى قوله: ومن بعض عق هذا أن الله يرفع مهابته، أي مهابة العاصي من قلوب الخلق، تصبح الناس لا تكترث بك ولا تنظر إليك. كنت عندما كنت استقامة كانت الناس تعظمك فتحترمك وتقدرك، لكن لما عصيت الله واستهترت بشرع الله سبحانه وتعالى أزال مهابتك من قلوبهم.

نعم، قال: وكيف على قدر محبة العبد لله يحبه الناس، وعلى قدر خوف العبد من الله يخافه الناس ويهابونه، وعلى قدر تعظيمه لله وحرماته يعظم الناس يعظمه الناس أو يعظم الناس حرمات هذا الشخص؟ وكيف، نعم قال: وكيف ينتهك عبد حرمات الله ويطمع من لا ينتهك الناس حرماته؟ أم كيف ذلك أخي الكريم؟ إذا رايت نفسك تشتم من الناس أو تسب أو ينزل من قدرك أو لا يحترمك الناس، لا تبدأ تحاسب الناس، حاسب نفسك أولاً، خذ هذه قاعدة. بعض الشباب، خاصةً مثلاً مسؤول في شركة أو دكتور أو يحمل لقب علمي، إذا عندما يعامله الناس لا يعظمونه ولا يعطونه اللقب أو لا يقدرونه في المجالس يسمع يشعر بماذا؟ بضيق في قلبه: لماذا لا يعظمونني؟ لماذا لا يحترمونني؟ لماذا لا يتعم؟ هنا لا تبدأ تلوم الناس، هو خلاص يصبح يلقي اللوم على ماذا؟ على الناس، واضح أن هؤلاء ليسوا من أهل المروءات، واضح أن هؤلاء فيه وفيهم، يلقي اللوم على الناس. ابن القيم يعلمنا: إذا رأيت الناس لا تقدرك فألق اللوم على نفسك، واعلم أن هذا بسبب ذنبك وخطيئتك، الله سبحانه وتعالى فرّغ تعظيمك في قلوب الناس.

طبعا نحن لا نفعل الطاعة من أجل أن يعظمنا الناس، انتبهوا، نحن لا نفعل الطاعة من أجل ظن الناس ولا نطلب ذلك، لكن الإنسان بطبيعته يحب أن يقدر، يحب أن يحترم، يحب أن يعامل الناس بالحسنى، فإذا وجدت الناس لا تعاملك بالحسنى لا تبدأ تلوم الناس وأقاربك أولاد عمك وأن الناس ما بيستحوا، أكيد ما بيختشوا، وتبدأ تنقل اللوم على من حولك؟ ابدأ بنفسك فلمها فانت السبب في أن كنت عليهم.

نعم، كيف يهون عليه حق الله ولا يهونه الله على الناس؟ شيء طبيعي أن يهونك الله عند الناس مادمت تفعل المعصية في نفسك. نعم، كيف يستخف بمعاصي الله ولا يستخف به الخلق؟ وقد أشار سبحانه إلى هذا في كتابه عند ذكر عقوبات الذنوب وانه أركس اربابها بما كسبوا، وغطى على قلوبهم وطبع عليها بذنوبهم، وانه نسيهم كما نسوه، وأهانهم كما أهانوا دينه، وضيعهم كما ضيعوا أمره. لهذا قال تعالى في آية سجود المخلوقات له: وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مَن مُكْرِمٍ. فإنهم كبيرة جداً، وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مَن مُكْرِمٍ، إذا ربنا أراد أن يهينك لن يكرمك أحد، إذا أراد الله أنك تهان ستهان جبراً ولو أخذت شهادات الدنيا ولو جمعت أموالها ولو فعلت ما فعلت ستهان؛ لأن الله أراد لك أن تهان. طيب ما الذي يجلب لي أن الله يهينني؟ استخفافي بطاعة الله واستخفافي بالمعاصي واستهانتي لها، هي هكذا قواعد الحياة يجب أن تفهمها أيها السائر إلى الله.

المعاصي تجعلك تهون على الله، وإذا هنت على الله فما لك من مكرم، ما لك من مكرم، لا تطالب الناس بشيء أنت تفقده، لا تطالب الناس أن يكرموك وأنت تستهين بشرع الله، لا تقل لهم: لماذا تعاملونني؟ وأنت لم تخاطب نفسك: طب أنا إذا كنت أطالب الناس بالتقدير والاحترام، طب هل طالبت نفسي بالتقدير والاحترام لله سبحانه؟ هذا سؤال، إذا أنت تطالب الناس أن تقدر شخصك وأن تحترمك في المخاطبة والحديث فسؤالي المهم: هل أنت احترمت علاقتك مع الله ولم تستخف بشرع الله كما تطالب الناس أن لا يستخفوا بك؟ ما هي الحياة؟ أخذ وعطاء، ولا لا يا جماعه؟ تريد من الناس أن يعظموك ويعطوك وأنت لا تعظم شرع الله ولا تعظم الله في النفس؟

هكذا قال رحمه الله: فانهم لما هان عليهم السجود له واستخفوا به ولم يفعلوا أهانهم الله فلم يكن لهم من مكرم بعد أن أهانهم الله، ومن ذا يكرم من أهانه الله أو يهن من أكرمه الله أو يهين من أكرمه؟ والعكس بالعكس، الشخص أراد الله أن يكرمه، والله لو اجتمع اهل الكفر والضلال والظلم وه سيكون راسه مرفوعا، سيطقى راسه مرفوعا، من أراد الله أن يكرمه لن يهينه أحد، ومن أراد الله أن يهينه فلن يكرمه أحد، هي القاعدة كذا.

قال رحمه الله: ومن عقوباتها أنها تستدعي نسيان الله لعبده وتركه وتخليته بينه وبين نفسه وشيطانه، وهنالك الهلاك الذي لا يرجى معه نجاة. أعظم الأدعية التي كان يدعو بها السلف: اللهم لا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. متى تخلى الله عنك ووكلك إلى نفسك طرفة عين؟ فأول ما يجني عليك اجتهادك ونظرتك لنفسك، أنت أصلاً كل اختياراتك الموفقة وكل صلاح نفسك هو بالله وبتوفيق الله، ليس بذكائك ولا بذهنك، تمام؟ اللحظة التي يتخلى الله فيها عنك هي اللحظة البؤس الكبيرة التي ستبدأ فيها تندرج في مهاوي الخسران والاختيارات الخاطئة والمسالك العفنة.

فلذلك يقول: من عقوباتها أنها تستدعي نسيان الله لعبده. طيب ما معنى أن ينساني الله؟ أن يتركني ويتخلى عني. وما أصعبها من لحظة أن تكون هكذا في فراغ إيماني وضعف وشتات، وتحاول تسند ظهرك إلى الله سبحانه وتعالى ولا تجد ذلك السند، وتجد الخواء والضعف؛ لماذا؟ لأنك تخليت عن الله في الرخاء فتخلى.

الله عنك في الشدة. بهذا الشعور، شعور في لحظات معينة أنه ما في أحد يستطيع أن يساعدني وما لها من دون الله كاشفة، فالإنسان المؤمن في هذه اللحظات يشعر بالقوة العظمى التي يستند إليها، وهي الله سبحانه وتعالى. الله يعطيه هذا الشعور وهذا الدعم، يعطيه لأنبيائه وأوليائه، لكن المشكلة أنك تكون منهك بالذنوب والمعاصي، ثم تقع في عسر من عسر الحياة ولا أحد يستطيع أن يساعدك، فتحاول أن تسند ظهرك إلى الله فلا تجد ذلك السند، ليه؟ لأنك تخليت عن الله في الرخاء فتخلى الله عنك في الشدة. وما أصابها والله من عقوبة ومن تعب ومن إرهاق نفسي أنك لا تجد هناك شيء تستند إليه في أمور الإله سبحانه وتعالى.

قال الله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. معنا أن شاء الله يوم الثلاث، مش فقط الله ينساك بل حتى يجعلك تنسى نفسك. ما معنى أن أنسى نفسي؟ انظر ماذا سيقول ابن القيم، قال رحمه الله: فأمر بتقواه، ونهى أن يتشبه عباده المؤمنون بمن نسيه بترك تقواه، وأخبرها أنه عاقب من ترك التقوى بأن أنساه نفسه، أي أنساه مصالحها. ما معنى أن أنساه نفسه؟ قال: أنساه مصالح نفسه وما ينجيها من عذابه، وما يوجب له الحياة الأبدية وكمال لذتها وسرورها ونعيمها، فانساه الله ذلك كله جزاء لما نسيه من عظمته وخوفه والقيام بأمره.

تصبح لا تنظر في مصالح نفسك، شو مصلحتك أنت في هذه الحياة الأساسية؟ أن أنجو من عذاب الله، مصلحتي الأساسية أن أنجو من عذاب الله وأن أخرج من هذه الدنيا بسلام. من ابتعد عن درب الاستقامة ينسيه الله هذه المصلحة العظمى التي يسعى من أجلها العقلاء، فيصبح لا يكترث، بعض الناس يقول لك جهنم خلقت لي والعياذ بالله، بعض الناس يستهين ما عنده أي إشكال أو أي شيء أن يمزح هذا المزح أو يستهين بهذه الحرمات، وهذا أنساه الله نفسه، فما عاد ينظر إلى مصالحها وما عاد يعرف ما الذي ينبغي، ما هي الأمور التي ينبغي أن يعيش من أجلها الإنسان؟ وهذا حال السواد الأعظم اليوم، إذا نظرت في العالم المعاصر وعالم السوشيال ميديا وعالم الحياة والشهوات والمعاصي الموجود أكثر الناس نسوا مصالح أنفسهم، فلا يعرفون ما الذي سينجيهم ولماذا يعيشون ومن أهداف الكبرى التي من أجلها تطيب الحياة، وفقط يعيش مجلس شهوته ومعاصيه وشهوة فرجه وبطنه، ما عنده شيء آخر، هذا معنى نسي نفسه، خلاص نسي حاله مش عارف كيف ينجو كيف يفعل شيء صالح في الحياة، هو فقط يعيش من أجل رسوم الحياة وآثارها.

نعم، قال رحمه الله: فترى العاصي مهملا لمصالح نفسه مضيعا لها، قد أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا، قد انفرطت عليه مصالح دنياه وآخرته، وقد فرط في سعادته الأبدية واستبدل بها أدنى ما يكون من لذة، إنما هي سحابة صيف أو خيال طيف، كما قيل: أحلام نوم أو كظل زائل، إن اللبيب بمثلها لا يخدع. وأعظم العقوبات نسيان العبد لنفسه وإهماله لها وإضاعته حظها ونصيبها من الله وبيعها ذلك بالغبن والهوان وبأبخس الثمن، وضيع عملا لا غنى له عنه ولا عوض له منه، ربه من عنه كل الغنى أو الدنيا الفانية. قال: من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعت من عوضي، فما بيت جميل هذا أحفظه في حياتك، من كل شيء إذا ضيعته عوض، كل شيء لو ذهب بيجي غيره، لكن إذا أضعت الله لن يحل مكانه شيء، إذا أضعت الله لن تجد شيئا يسد مكان الإله في حياتك.

نعم، قال: فالله سبحانه يعوض عن كل شيء ما سواه ولا يعوض منه شيء، ويغني عن كل شيء ولا يغني عنه شيء، ويجير من كل شيء ولا يجير منه شيء، ويمنع من كل شيء ولا يمنع منه شيء. كيف يستغني العبد عن طاعة من هذا شأنه طرفة عين، وكيف ينسى ذكره ويضيع أمره حتى ينسيه نفسه؟ قال: فيخسرها ويظلمها أعظم الظلم، فما ظلم العبد ربه ولكن ظلم نفسه، وما ظلمه ربه ولكن هو الذي ظلم نفسه. فصل المعاصي تخرج العبد من دائرة الإحسان، قال رحمه الله: ومن عقوباتها أنها تخرج العبد من دائره الإحسان وتمنعه من ثواب المحسنين، فإن الإحسان إذا باشر القلب منعه عن المعاصي، فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن كذلك.

النبي، ما هو الإحسان؟ أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فانه يراك. إذا أنت فقدت، إذا فعلت المعاصي خلاص ما عدت تراقب الله، مش الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم يكن، فإن لم تكن تراه فانه يراك؟ إذا الإنسان الكرام يفعل الذنوب والمعاصي ويشتري عليها، مفهوم الإحسان كله ذهب من الحياة، لا أنت تشعر بمراقبة الله ولا تشعر أنك تراقب الله فكلاهما ذهب. نعم، قال: فإن من عبد الله كأنه يراه لم يكن كذلك إلا باستيلاء ذكره ومحبته وخوفه ورجائه على قلبه، بحيث يصير كأنه يشاهده، وذلك سيحول بينه وبين إرادة المعصية فضلا عن مواقعتها. الذي يعبد الله كأنه يراه هذا إخواني ليس فقط سيترك فعل المعصية بل سيترك ايش؟ مجرد التفكير فيها، لأنك تعلم أن الله يشاهد خاطرك ودماغك، فتستحي أن يطلع الله على دماغك فيرى فيه صورة معشوقة أو صورة معصية من المعاصي أو خيال من الخيالات التي لا ترضيه، ولذلك كلام ابن القيم دقيق، الذي يعبد الله كأنه يرى هذا ليس فقط سيترك فعل المعصية بل سيترك إرادتها وتخيلها، ويستحي أن ينظر الله على عقله فيرى فيه غيره من ذلك.

قال: فاذا خرج من دائرة الإحسان فاته صحبة رفقته الخاصة وعيشهم، مع الإله، معية الله إذا بدنا نسميها المعية الإالهية، نعم الهنيء ونعيمهم التام. فإن أراد الله به خيرا أقره في دائرة عموم المؤمنين، فإن عصى به بالمعاصي التي تخرجه من دائرة الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، الذي يفعل المعاصي أولا ينزل من دائرة الإحسان، فإذا لطف الله به بقي في دائرة الإيمان، فإذا استمر في الذنوب والمعاصي سيخرج حتى من دائرة الإيمان ويبقى في الدائرة الأساسية فقط وهي دائرة الإسلام، وما يدريك لعلك حتى دائرة الإسلام تخرج منها وترتد على عقبك والعياذ بالله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يزني لا يفعل ذلك وهو في مرتبة الإيمان، لا يزن الزاني حين يزني وهو مؤمن أي لا يمكن أن يقع في هذه المعصية وهو في دائرة الإيمان، وبالتأكيد نزل إلى دائرة الإسلام ولا يمكن أن يكون في مرتبة الإيمان ويعاقر هذه الذنوب.

نعم، قال: ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهي نهبة ذات شرف يرفع إليه فيها الناس، يرفعون فيها، يرفع إليه فيها الناس وأبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن. فإياكم إياكم والتوبة معروضة بعد. أسأل الله سبحانه وتعالى يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، وصلى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.