بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الكرام في مجلس يتجدد في التعليق على هذا السفر المبارك، وقد يعني شارف على نهايته، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمم لنا على خير، وأن يعيننا دوماً أن نبقى في العلم وفي مجالس العلم تذكرنا وتعظنا وتقودنا إلى الله سبحانه وتعالى، وأن يرزقنا العمل بما نتعلم، وأن يكون هذا العلم حجة لنا لا حجة علينا، وأن يكون نوراً لنا إلى جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وكذلك نجدد تذكرنا لإخواننا المرابطين الذين يقاتلون في ثغور العزة على أراضي غزة؛ فإن الإنسان مع طول المعارك قد ينسى، أو قد يتثاقل، أو قد ينشغل بأمور الدنيا، فينسى أن له إخواناً الآن ما زالوا يخوضون المعارك، وما زالوا يسامون أيضاً سوء العذاب على يد بني إسرائيل، على يد سفرة الخلق، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن ينصرهم نصراً مؤزراً، وأن يجعل ما حل بهم نوراً لهم وناراً على أعدائهم.
نسأله سبحانه وتعالى أن يوقظ برباط وجهادهم تلك القلوب الغافلة، وأن يحيي بتلك الدماء الزكية أمة الإسلام، وأن يجعلها متيقظة دائمة، أن معركتنا مع عدونا هي معركة سنان وليست فقط معركة أقوال. هؤلاء بنو إسرائيل أيها الكرام قوم بهت، وقوم قتل، وقوم سفك الدماء، وقوم قتلوا أنبيائهم قبل أن يقتلوا غيرهم، فلا تتوقعوا منهم إلا كل سوء، فمثلهم لا يقارع إلا بالسنان.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يمكن المرابطين من هؤلاء القوم المجرمين، وأن يعينهم على الإثخان فيهم، وأن يسطروا البطولات، وأن يدبر لهم دائماً. الإنسان يستعين بالله سبحانه وتعالى على قضاء أمور الحياة، إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ؛ بمعونة الله عز وجل تفرج الكربات، وتنحل العقد، ويأتي الخير، وإذا لم يكن هناك عون من الله سبحانه وتعالى هلك الإنسان.
فدائماً في كل مرحلة من مراحلنا على مستوى الأفراد والجماعات والشعوب والأمم، لابد وأن نستعين بالله سبحانه وتعالى، وأن نستمد منه اللطف والنصر والتأييد، وأن نعلم أن لكل أجل كتاب، وأن نعلم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدبر أمر هذا الكون، وإنما يدبر حال هذه الأمة لما هو خير، وهذا حسن ظننا بربنا سبحانه وتعالى، نسأل الله عز وجل التيسير والتوفيق والسداد.
ما زال حديثنا مع ابن القيم مستمر في مراتب المحبة، وأظن أننا وصلنا إلى مرتبة جعلها أعلى من مرتبة التعبد، أو اللي سماها التتيم، وهي مسألة ماذا؟ الخلة. وهذه مسألة أو علاقة لا يعطيها الله سبحانه وتعالى لأي خلق من خلقه، يعطيها الله عز وجل لأي خلق من خلقه علاقة الخلة، وهي أعلى من درجة التعبد، هذه علاقة هي مختص بها أولياء مخصوصون، الله عز وجل رفعهم إلى هذه المرتبه، منهم الخليل إبراهيم عليه السلام، ومنهم نبينا محمد صلوات ربي وسلامه عليه، فانه أخبر في الحديث الصحيح أنه لو كان متخذاً خليلاً من البشر لاتخذ من لاتخذ أبا بكر الصديق خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله صلوات ربي وسلامه عليه.
فدعونا ننظر في هذه المرتبه ودعونا يعني نمضي في هذا الموضع الأخير؛ لأنه هنا بدأ ابن القيم، أريدك تفهم لماذا ابن القيم الآن سيعالج موضوع المحبة والتعلق؛ لأن السائل الذي سأل في بداية الكتاب مشكلته في هذه الزاوية، فالآن ابن القيم في نهاية الكتاب عم يعالج له المشكلة بشكل مباشر، كل ما سبق من الكلام عن الأسباب الشرعية في العلاج، الدعاء والقرآن والالتجاء إلى الله سبحانه والذكر، ثم المرور على آفات الذنوب والمعاصي وأثرها على الإنسان، والكلام عن أنواع الذنوب وعن تقسيماتها، كل هذا هو توطئة للخمسين صفحة الأخيرة التي سيتحدث فيها عن إجابة استشكال هذا الرجل أو المشكلة التي تكاد تهلكه، وهي أن قلبه متعلق بغير الله، أما برجل أو بامرأة، لكن هذا التعلق يفسد عليه دينه ودنياه ويحرمه من الخير ومن العلم النافع والعمل الصالح.
وهذه حقيقة من أصعب الأدوية، من أصعب الأدواء والتي تحتاج إلى معالجة حثيثة حتى لا ينتشر المرض؛ لأن مرض التعلق أحباب الكرام هو كالسرطان، هذا المرض والعياذ بالله كالسرطان، كيف السرطان إذا فشى في الجسد تصبح السيطرة عليه صعبة جداً؟ كذلك التعلق بغير الله، يعني نفهم أن الإنسان قد يحب انساناً، أو الرجل مثلاً قد يحب فتاة، أو الفتاة تحب يعني في مستويات معينة تبقى دون التعلق، لكن إذا تطور الأمر في القلب البشري أنه أصبح متعلقاً، فهنا داهية الدواهي كما يقولون، ويصبح العلاج يحتاج إلى طوارئ، يدق ناقوس الخطر، إذا لم تتدارك القلب مات، إذا لم تتدارك القلب هلك، وليس فقط في امور الدين بل حتى في امور الدنيا، فإن كثيراً من العاشقين، وقد قص عليكم ابن القيم جزءاً من حياتهم، كيف والعياذ بالله يموتون بسبب العشق.
هناك كثير من الناس ترى يصابون بأمراض وأسقام، يظنون أن مرضهم نفسي، وإنما هذه الأمراض النفسية جزء منها تعلقهم بغير الله سبحانه وتعالى، فاياك أن تعبد قلبك لغير الله، تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: تعس عبد الدنيا، تعس عبد النساء، وتعس المرأة التي تعبد الرجال التعبد والتتميم السلوكيات الخاطئة والشكاليات الإيمانية التي يمكن أن يبتلى بها الإنسان، فلذلك هنا بدأ ابن قيم العلاج المستفيض والمعمق في هذه الجزئيه بحد ذاتها، اقرأ.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولساحات المستضعفين آمين.
قال رحمه الله: الخلة تتضمن كمال المحبة. ثم الخلة، وهي تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في قلب المحب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة، أكان هذا تعريف لمرتبة الخلة؟ ألا يبقى في القلب سعة لأي حبيب آخر تعلق به، نعم.
قال رحمه الله: وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجه ما، وهذا المنصب خاص للخليل صلوات الله وسلامه عليهما إبراهيم ومحمد، اللهم صل وسلم وبارك عليهم، هذه المرتبة لم يعطيها الله سبحانه وتعالى لأحد من خلقه إلا لهذين الخليلين، من إبراهيم عليه السلام ومحمد عليه السلام، لذلك أنت في ختام كل صلاة: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم، جمع الله بينهما في ختام كل تشهد؛ لأنهما من وصل إلى أعلى مراتب المحبة الإلهية.
نعم قال: كما قال صلى الله عليه وسلم: إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله.
قال: وفي حديث آخر: إني أبراء إلى كل خليل من خلته، لما سأل أب يعني كل انسان يريد خلتي فانا لا أعطيه الخلة. النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ما معنى إني أبراء إلى كل خليل من خلته؟ انه أنا لا أعطي مرتبة الخلة لأحد من البشر. نعم كان يحب عائشة ويحب أبا بكر ويحب عمر ويحب أصحابه رضوان الله تعالى عليه ويحب أمته، لكن هذه المرتبة، هذه المرتبة هي فقط لله، لا يمكن أن يزاحم فيها أحدا سوى الله عز وجل، هذا معنى الحديث.
نعم قال رحمه الله: ولما سأل إبراهيم عليه السلام الولد فأعطيه، وتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمره بذبحه. جميل، شوف هذا المقطع الجميل، كثير من الناس يتساءل: لماذا أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه؟ لماذا أمر الله إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه؟ أليس البلاء صعب وشديد؟ بلاء وبلاء صعب وشديد، لكن الله سبحانه ما دام اتخذ إبراهيم خليلاً، فأراد أن ينتزع من قلبه كل أشكال التعلق بغيره حتى ولو على مستوى تعلقه بولده إسماعيل، فأمره بذبحه لينتزع من قلبه كل شكل من
أشكال التعلق بغير الله سبحانه وتعالى. وأثبت سيدنا إبراهيم جدارته، فقال سبحانه: إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ. والبلاء المبين الذي يبين صدق الإنسان. لماذا قال بعد أن ذكر قصة الذبح قال: إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ، يعني الذي يبين معدن سيدنا إبراهيم عليه السلام، وأنه فعلاً أهل لمقام الخلة؛ حيث لم يقدم حبه لولده على حبه لله سبحانه وتعالى. فهذا معنى قول ابن القيم: إن الله يقول لك: أراد ألا يكون مكان في قلب إبراهيم للخلة إلا لله، وأن يكون تعلق أو محبة إبراهيم لإسماعيل عليه السلام مجرد محبة فطرية طبيعية لا يشوبها أي شكل من أشكال التعلق.
حتى نفهم كلام ابن القيم، يعني هل أراد الله سبحانه من إبراهيم ألا يحب إسماعيل؟ لا، لا، أراد ألا يكون هناك تعلق؛ لأنه سيدنا إبراهيم متى جاءه إسماعيل؟ على كبر، قد كبر وتقدم سنه. فلما جاءه بعد مشوار طويل في الحياة وكانت زوجته سارة رضي الله عنها عاقر، وجاءه إسماعيل من هاجر؛ شيء يعني نقول طبيعي أن يكون في هناك نوع من التعلق الزائد، أليس كذلك؟ فكأن الله أراد أن يذيب أي شكل من أشكال التعلق. فكما قال ابن القيم -شوف تعبير ابن القيم ماذا قال مرة أخرى-: غار على قلب إبراهيم أن يكون فيه محل لغيره سبحانه وتعالى في مرتبة الخلة.
نعم، قال رحمه الله: وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء وامتحانا، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب. أسألكم سؤال: هذا ربما يعني من حضر معنا درس الصباح في بدائع الفوائد قد يجيب عنها. لماذا يقول: وإنما جعل أمره رؤيا في المنام ليكون أعظم ابتلاء وامتحانا؟ سمعتم العبارة؟ ماذا قال؟ أعد العبارة مرة أخرى. قال رحمه الله: وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء.
يعني إبراهيم عليه السلام هل جاءه جبريل عياناً جهاراً وقال له: يا إبراهيم إن الله يأمرك أن تذبح إسماعيل؟ لا، وإنما ماذا قال لإسماعيل؟ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ. فهنا ماذا يقول ابن الجوزي -عفوًا ابن القيم- يقول: وكان الأمر رؤيا في المنام، لماذا؟ قال: ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاء. لماذا يعني؟ لما جعل الأمر رؤيا في المنام ليكون التنفيذ أعظم؟ يعني البلاء أشد، تفضل.
أنا، لأنه لو حكى أنه أمر من الله عز وجل قد يوافق مباشرة، ولكن أن الموضوع... نفسي. هو مش نفسي، أنت حمت حول الحمى بس مش عارف تعبر. خليني أقول لك: لعدم اليقين، يعني... أحسنت، هو إيش المشكلة لو كان جبريل جاءه مباشرة، خطاب مباشر، يا إبراهيم إن الله يأمرك أن تذبح ولدك؟ ما فيش مجال لأي منازعة نفسية عند سيدنا إبراهيم، ما فيش مجال يفكر أصلاً، مباشرة جبريل بقول لك الله يقول لك، مش نقاش.
لكن الموضوع رؤيا في المنام؛ لأنه هنا ممكن الشيطان يأتي على الإنسان ويقول له ماذا، أو حتى حديث نفس، فيقول له ماذا؟ يعني هذه رؤية منام، لا، لا، أكيد مش صحيحة، مع أنه معروف أن رؤية الأنبياء إيش؟ وحي. رؤيا الأنبياء وحي، لكن كما قال ابن الجوزي في بدائع الفوائد: درجة الرؤيا في المنام ولو كانت وحْياً تبقى أقل من مرتبة الحديث المباشر من جبريل، صح؟ يعني لو جاءه جبريل، هذه أعلى أعلى درجات الوحي، لكن الرؤيا في المنام ممكن يعني سيدنا إبراهيم يحدث نفسه، يغالط نفسه: يا أخي لعلها رؤية فينام، لا، لا، لعله مش صحيح.
لكن إبراهيم عليه السلام ها، جاءته رؤيا، وهذا شدد البلاء عليه؛ لأنه فيما كان يعني ها، أنه يحدث نفسه: لعله خطأ، لعل الشيطان يعني قذف شيئاً، حتى وصل إلى القناعة التامة أن هذه رؤية ما في مجال فيها. فكان الأمر أشق عليه أن يقرر ذبح ولده بناءً على رؤيا، شوف ما أصعبها أن يقرر ذبح ولده، مش جبريل كلمني عليه السلام مباشرة، لا، رايت في المنام، لكنني توثقت وأنا عارف من داخلي أنها من الله، هذا جعل البلاء أشد فعلياً، فهمتم؟
نعم، قال رحمه الله: ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه ليخلص القلب للرب. فهمتم ما معنى هذه العبارة؟ ليس المقصود أن يذبح الولد حساً، وإنما المطلوب أن يذبح الولد في قلبه، إيش يعني ذبحه من قلبه؟ إخراج محبته من قلبه، لكن ابن القيم عم يستعمل عبارات بلاغية، ليس المقصود أن يذبح الولد في الخارج حقيقة، وإنما المقصود أن يذبح في الداخل في القلب، ليخلص القلب لله سبحانه وتعالى.
ولكن أعيد فأقول: لم يرد الله منه أن يكره إسماعيل؛ لأنه بعض الناس ممكن يفهم خطأ، لا، هو أراد أن يخلص من التعلق به؛ لأن إبراهيم عليه السلام، شيء طبيعي كأي أب جاءه ابن بعد تقدم السن أن يكون عنده ماذا؟ يعني تعلق وشغف به. فالحقيقة بلاء شديد، البلاء الذي وقع فيه إبراهيم عليه السلام، بلاء يبين عظم منزلته عند الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: فلما بادر الخليل إلى الامتثال وقدم محبة ربه على محبه ولده، حصل المقصود، فرفع الذبح وفدي الولد بذبح عظيم. فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأساً، بل لابد أن يبقي بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة.
البعض يقول: لماذا الله عز وجل جعل مكان إسماعيل الذبح العظيم؟ قال: لأن طبيعة الأحكام الشرعية أن الله إذا أنزل شيئاً لا يرفعه رأساً إلا أن يبدله بما هو خير منه، هكذا: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، مش هيك ربنا قال في كتابه؟ فلما رفع الله ذبح إسماعيل، جعل بدلاً من ذلك الذبح العظيم الذي نضحي به في كل عيد أضحى.
نعم، قال: وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس صلوات بعد رفع الخمس، وأبقى ثوابها، وقال: لا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ هي خمس في الفعل وهي خمسون في الأجر. نفس الفكرة، لما الله عز وجل نسخ الخمسين ما نسخها كاملة، جعلها إيش؟ خمسة وقال: هي خمسة في الفعل ولكنها خمسون في الثواب والأجر.
نعم، قال: فصل: المحبة عامة والخلة خاصة، وأما ما يظنه بعض الغالط أن المحبة أكمل من الخلة، وأن إبراهيم خليل الله ومحمداً حبيب الله، فمن جهله؛ فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله اتخذه خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم. فهو يحب هؤلاء جميعاً، لكنها محبة لا تصل إلى مرتبة الخلة، هذا الذي نفهمه.
نعم، قال: وأيضاً فإن الله سبحانه يحب التوابين ويحب المتطهرين، وقال: وَيُحِبُّ الصَّابِرِينَ، وقال: وَيُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ، وقال: وَيُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. ومحبته لهؤلاء، ومحبته سبحانه لهؤلاء أيضاً لا تصل إلى مرتبة الخلة، تماماً. فانما الخلة لهذين الخليلين صلى الله عليهما.
نعم، قال رحمه الله: والشاب التائب حبيب الله، وخلته خاصة بالخليل. وإنما هذا من، وخلته، أي وخلة ربنا سبحانه خاصة بالخليل، إذاً وخلة الضمير فيها يعود على الله. نعم، قال: وإنما هذا من قلة العلم والفهم عن الله ورسوله صلى الله، أنت ربما، ويناقش بعض الصوفية -هو لم يصرح بذلك- بعض الصوفية في زمنه كانوا يقولون إن مرتبة النبي صلى الله عليه وسلم أعلى من مرتبة إبراهيم من جهة أن إبراهيم خليل والنبي صلى الله عليه وسلم حبيب، فيقول: هذا خطا.
نعم، محمد صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم بلا شك، لكن لا يقال إن مرتبة المحبة هي أعلى من مرتبة الخلة، مرتبة الخلة هي أعلى المراتب، ولا يوجد شيء أن تقول: إبراهيم أدنى في المحبة من محمد صلى الله عليه وسلم. ليه البعض الصوفية يقول إن إبراهيم خليل ومحمد حبيب؟ فماذا يقول ابن القيم؟ هذا خطأ، فإن الخلة أعلى من المحبة.
المحبه الخله اعلى من المحبه واختص الله بها هذين النبيين العظيمين. نعم، قال رحمه الله: فصل، العبد يترك ما يحب ويهواه لمن يحبه ويهواه. نعم، وقد تقدم أن العبد لا يترك ما يحبه ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، يعني إذا كنت متعلق بشيء لن تترك تعلقك به إلا إذا انتقلت إلى حب أعلى، اليس كذلك؟ دائما الإنسان إذا تعلق بأي شيء في الحياة يعني حتى في أمورك الحياتية بتكون تيجي عليك فترة متعلق بشيء تفعله يوميا وكذا وكذا، متى تتركه؟ إذا جاء شيء أعلى منه أحببته أكثر فيدفع إلى أن تترك السابق وتنتقل إلى المحبوب الأعلى والأجمل، لذلك أنت لن ترسخ في محبه الله سبحانه وتعالى حتى تزهد في محبه غيره، وتعظم محبته في قلبك لدرجه أن تقدمها على محبه من سواه.
نعم، قال رحمه الله: ولكن يترك أضعفهما محبه لأقواهما محبه، كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهه ما يفعله أو لخلاصه من مكروه كراهته عنده أقوى من كراهه ما يفعله. نعم، وتقدم أن خاصية العقل إيثار أعلى المحبوبين على أدناهما وأيسر المكروهين على أشقها، خاصية العقل يعني طريقة العقل السليمة في التفكير، ما معنى خاصية العقل؟ يعني العقل السليم لما يفكر كيف يفكر؟ أنه يقدم أعلى المحبوبين صحيح، إذا تنازع عنده محبوبان واحدهما أكثر مرتبة ومنزل في قلبه يقدم ماذا؟ الأعلى منزلة، هكذا القلب والعقل يفكران.
نعم، قال تقدم أن هذا من كمال القوة، ويقدم أيسر المكروهين يعني هناك شيئان أكرههما لابد من حصول أحدهما فيقدم فعل ماذا؟ الأخف ضررا، هكذا أيضا يفكر في الجانب الآخر. نعم، قال رحمه الله: وتقدم أن هذا من كمال قوة الحب والبغض، ولا يتم له هذا إلا بأمرين: قوة الإدراك وشجاعة القلب. ما معنى هذا الكلام؟ يعني العقل هكذا يقول لك العقل بطبيعته يقدم أعلى المحبوبين صح صحيح، لكن أين المشكلة تحدث معنا في حياتنا في علاقتنا مع الله؟ ضعف الإدراك، فنحن عندنا ضعف في معرفة الله سبحانه وتعالى وهذا يوجب أن لا تكون محبه الله في قلوبنا أعلى من محبه غيره، فإذا أنت حتى تمشي على قاعده العقل في تقديم أعلى المحبوبين تحتاج إلى شغلتين: قوة الإدراك لتدرك أن الله أعلى من كل دنياك مالا وجاها وودا وزوجه وكذا، وإلى شجاعة قلب وتصميم على اتخاذ هذا القرار.
لأني أنا لو سألت كل شخص منكم الآن ايهما أعلى الله سبحانه وتعالى أم زوجتك وأولادك ومالك؟ طبعا رح تقول لي مباشرة استغفر الله، بالتاكيد الله أعلى من كل شيء، لكن واقعك الحياه قد يكون مخالف لهذا، فإنه إذا جاء شيء ينازعك فيه الهوى في رغبة في شهوة تقدم كثيرا من رغبة نفسك ورغبة ولدك ورغبة زوجك على شريعة الله، إذا هذا يدل على أن هذا الكلام يعني في حيز التنظير مقبول وجزاك الله خيرا عليه، لكنه في حيز العمل والتطبيق ما عندك شجاعة وتصميم قلبي، فلذلك قال: لابد من أمرين: قوة الإدراك وشجاعة قلب، شجاعة يعني تصميم أنه أجعل فعلا محبه الله واقعا وعملا وليس مجرد نظرا هي أعلى عندي من كل محبوب سواه، وهذا يقتضي أن أقدم محاب الله على محبه غيره.
لذلك سبحانه في آية سورة التوبه ماذا قال: قُل إن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ. فهنا يظهر المعدن ويظهر ما مدى تقديمك لمحبة الله، الله يريد أن تكون محبته ورسوله أعلى من محب كل هذه الأمور، ويظهر هذا في محك البلاء، لو أنك طلب منك أن تتخلى عن هذه المحبات تقديما لمحبه الله هل تستطيع أن تفعل ذلك؟ لذلك كما قلت لا تقيس نفسك في حالة الرخاء فالكل مؤمن في الرخاء كما يقولون، لكن تقيس نفسك في حالة ماذا؟ البلاء وعند المحكات ماذا ستقدم؟ عندئذ يظهر النفاق ويظهر الإيمان.
لذلك أكثر الناس معافى حقيقه يعني نحن في بلادنا وفي البلاد عموما مما لا يتعرضون للبلاء أكثر الناس معافى، وإلا لو ابتلين لظهر لنا كثير من نفاق نفوسنا نسأل الله أن يعافينا من ذلك. نعم، قال رحمه الله: فإن التخلف عن ذلك والعمل بخلافه يكون إما لضعف الإدراك بحيث أنه لم يدرك مراتب المحبوب والمكروه على ما هي عليه، وإما لضعف في النفس وعجز في القلب. شوف قضية ضعف الإدراك من شواهدها حديث عمر لما أتَى للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إنك أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من ماذا؟ من نفسك، فتاب عمر فجلس مع نفسه ففكر، كأنه في لحظة معينة كانت مراتب الإدراك عنده مختلة، ذهب فجلس مع نفسه فنور الله بصيرته ففكر فقال: يا عمر، أيهما أهم نفسك أم نفس النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: نفس النبي عليه الصلاة والسلام يعني أهم من نفسك، فبإدراكه وبصيرته عاد في غضون ساعات فقال: أنت الآن يا رسول الله أحب إلي حتى من نفسي.
الذي حدث، ما الذي حدث في خلال هذه الساعات؟ ماذا فعل عمر؟ صلح الإدراك، حاول يعيد ترتيب الأولويات في المحبة، حاول أن يعيد سلم الأولويات في المحبة. كذلك أنت أيها المسلم إذا تعلق قلبك بفتاه أو برجل أو بشيء حاول هكذا تخلو مع نفسك جلسة وتنفر في سلم أولويات المحبة: أيهما أهم، فلان الذي في يوم من الأيام سيرحل وأفتقده وقد يحدث معه أي شيء ويغادر، أما الله الذي أحتاجه في كل نفس من أنفاسي وفي كل خطوة من خطواتي يا اخي فكر وحاول تعيد سلم الأولويات، ستكتشف أن كثير من تعلقات هي تعلقات تافهه تعلقات لا تسمن ولا تغني من جوع، أتعلق بفتاه أو برجل لا يسمن ولا يغني ولا يعينني إلا يعني إنما هو محبه الوصال ولذه الكلام وما بعد ذلك هو لا يملك أمر نفسه حتى يملك أمري.
فأعاد النظر والمحاسبة كما فعل عمر مهمة لكل شخص منا اختل عنده سلم الأولويات في باب المحبة حتى يعيد ترتيبه مرة أخرى. نعم، قال رحمه الله: وأما لضعف في النفس وعجز في القلب بحيث لا يطاوعه على إثار الأصلح لضعف علمه بأنه الأصلح، فإذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع. يعني بعض الناس لا هو سلم الأولويات عنده جيد، لكنه ضعيف الهمة خلص تعلقه بهذه الصورة وتعشقه لها يغلب، يعلم أن الله أهم ويعلم أن الله هو المغني وهو المعين وأن هذه الصورة لن تنفعه شيء، لكن ما عنده الإرادة، ما عنده التصميم، ما عنده العزيمة على اتخاذ القرار تمام.
لأنه كثير من الناس بتقول لك أنا عارف أن الله أهم بس أنا ما عندي عزيمة، أنا عاجز، أنا ضعيف، وهذا يحتاج إلى معالجة بالمباشرة أسباب المحبة الإلهية، يعني كيف أعالج ضعف الإرادة؟ بالتوبة المستمرة ومعالجة أسباب ماذا؟ الضعف، بأن أقوى على قراءة القرآن، أقوى بذكر الله، أقوى بمجالس العلم، أقوى بصحبة الصالحين، هذه التي تجعل هذه الأهمية والأولوية تستطيع أنك تنفذها وتسقطها على أرض الواقع. نعم، قال رحمه الله: فإذا صح إدراكه وقويت نفسه وتشجع قلبه على إثار المحبوب الأعلى والمكروه الأدنى فقد وفق لأسباب السعادة.
إذا في باب المحبوبات عليك أن تقدم ماذا؟ المحبوب الأعلى، وفي باب المكروهات عليك أن تقدم ايش؟ المكروه الأدنى الأيسر. نعم، قال: فمن الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله وإيمانه، شوف هذه هي الحالة تسعة وتسعين فاصل تسعة بالمئة منا أكثر الناس شهوة الجسد عنده أقوى من شهوة من قوة العقل، يعني هو لو خلى بنفسه يدرك، لكنه بس يرجع للدنيا ويرجع لتلك صورة المعشوق بيرجع بضعف العقل وتغلب الشهوة عليه، فأكثر الناس ترى مشكلتهم في هذه الزاوية، من الناس من يكون سلطان شهوته أقوى من سلطان عقله، يعني هو عنده عقل وعارف أن الله أعلى وأجل وأهم من المخلوق.
أو من المعشوق، لكنه شهوته دائما غلابه، فبمجرد أن يتذكر المعشوق أو الصورة بيرجع، اختل عنده الميزان من جديد. نعم، قال: فيقه الغالب الضعيف، ومنهم من يكون سلطان إيمانه وعقله أقوى من سلطان شهوته، وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب هذا هو الناجح، الذي يكون سلطة الإيمان والعقل أعلى عنده من ماذا؟ من شهوته، فهو حازم، رجل يعرف كيف يضبط نفسه في باب المشاعر والسلوك.
نعم، قال: وإذا كان كثير من المرضى يحميه الطبيب عما يضره، فتأبى عليه نفسه وشهوته إلا تناوله. نعم، ياتيك الطبيب يقول لك لا تأخذ هذا الشيء أو لا تطعم هذا الشيء، فتأبى عليه نفسه إلا ماذا؟ أن يأكل، أليس كذلك؟ أحيانا بيكون واحد معه نقرس، حالتي، بقول للطبيب: يا أخي لا تأكل الدجاج ولا تأكل اللحم ولا تأكل كذا، يا أخي بتقول هي مطولة مع الطبيب، خلص يعني بدي يعيش يعيش، بده يموت يموت، يعني. فأحيانا فعلا الطبيب قد يحميك عما يضرك، وتغلب نفسك على ذلك وتخالف، فهذا نفس الشيء الذي يحدث مع كثير منا. نعم، إنه عارف إن عقلك بقول لك: يا أخي لا تتعلق بهذه الصورة، لا تتعلق بها، تعلق بالله، لكن بترجع الشهوة بتغلب، بتقول: يا أخي والله أنا عارف إن الله أهم بس مش قادر، وهذا خطأ، دلالة ضعف بصيرة وضعف إيمان.
نعم، قال: ويقدم شهوته على عقله، وتسميه الأطباء عديم المروءة، فهكذا أكثر مرضى القلوب يؤثرون ما يزيد مرضهم لقوة شهوتهم له. فأصل الشر من ضعف الإدراك وضعف النفس ودناها، وأصل الخير من ككمال الإدراك وقوة النفس وشرفها وشجاعتها. فالحب والإرادة أصل كل شيء ومبدأه، والبغض والكراهية أصل كل ترك ومبدأه، وهاتان القوتان في القلب أصل سعادة العبد وشقاوته. جميل، ووجود الفعل الاختياري لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والإرادة، واما عدم الفعل فتاره يكون لعدم مقتضي وسببه، وتاره يكون لوجود البغض والكراهية المانعة منه، وهذا متعلق الأمر والنهي وهو الذي يسمى.
إذا، هذه قاعدة مهمة، إذا في السلوك إلى الله الحب والإرادة هي أصل كل خير. الحب ينتج، حبك للشيء ينتج عن معرفتك له، والإرادة هي التي تقودك إليه، اللي هي اللي كنا نسميها قبل شوي قوة الإدراك وشجاعة القلب. أنت محتاج إلى تنمية هذين العنصرين؛ أي إنسان مبتلى بعشق الصور عليه أن يحفز هذين العنصرين: قوة الإدراك لجمال الله، قوة الإدراك لجمال الله وكماله وحاجتك وافتقادك له، ثانيا: تقوي شجاعة القلب على اتخاذ قرار تقديم هذه المحبة على محبة غيره، بحيث يغلب إيمانك وعقلك شهوتك، وهذا يحتاج إلى تقوية عوامل الخير من قراءة القرآن بتدبر، من حضور مجالس الذكر، من رفقة الصالحين، والابتعاد عما يذكرك بالمعشوق الفاسد والابتعاد عن الصور، والابتعاد عن محفز بذات تلك الشهوات، هكذا هي الحياة وهكذا هي معركة الانتصار.
نعم، قال: وهذا متعلق الأمر والنهي وهو الذي يسمى الكف، وهو متعلق الثواب والعقاب، وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك وهل هو أمر وجودي أو عدمي. والتحقيق أنه قسمان، فالترك المضاف إلى عدم السبب المقتضي عدمي، والمضاف إلى السبب المانع من الفعل وجودي. نعم، هذه مسألة أصولية؛ هل النهي هو مجرد انعدام الفعل، أو النهي هو كفك النفس عن الفعل؟ هذه مسألة اختلف فيها علماء الأصول، لأن إذا قلنا إذا نهانا الله عن شيء فالمطلوب مجرد الانتفاء فانت جعلت مقتضى النهي أمر عدمي وهو ألا يوجد الشيء، البعض يقول من الأصوليين: لا، المطلوب في النهي ليس مجرد الانتفاء بل المطلوب كف النفس، وهذا فعل، فيصبح مقتضى النهي أمر ماذا؟ وجودي، ولعل هذا ليس يعني من شاننا أن نبحثه في هذه الجزئية.
نعم، قال رحمه الله تعالى: فصل: الحي يؤثر الفعل والترك الاختياريين، وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين إنما يؤثره الحي لما فيه من حصول المنفعة التي يلتذ بحصولها أو زوال الألم الذي يحصل له الشفاء بزواله. يعني أنت بشكل عام يعني عندما تفعل شيئا أو تترك شيئا بناء على ماذا أنت كنسان في الحياة لما تفعل شيء إنما ترجو مصلحته، وإذا قررت أن تترك شيئا إنما تدفع مفسدته، هكذا العقل السليم يفكر. يقول: وكل واحد من الفعل أو الترك الاختياريين، أي فعل اختياري أنت تقدم عليه أو ترك اختياري أنت تقدم عليه، فماذا بناؤه؟ قال: الفعل بناؤه على أنني أفعل لأنني أريد تحصيل المصلحة، والترك للشيء باختياري أنني أترك ضررا للمفسدة.
نعم، قال: ولهذا يقال شفى صدره وشفى قلبه، قال الشاعر: هي الشفاء لدائي لو ظفرت بها وليست منها شفاء الداء مبذول. نعم، هذا مطلوب يؤثره العاقل بل الحيوان البهيم، ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذه بما يعقب عليه اعظم الألم، فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها، ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية المرض، وهذا شأن من قصر نظره على العاجل.
إيش يعني؟ يريد يقول لك بعد أن عرفنا القاعدة العامة أن الإنسان السوي ما قاعدته أنه إذا فعل فعلا فإنما يرجو المصلحة المترتبة عليه صحيح، وإذا ترك شيئا فإنما يرجو ابتعاد المفسدة المترتبة عليه، فيقول وهكذا، وهذا مطلوب يؤثره العاقل، يعني هكذا العاقل يفعل، حتى البهائم لما تفعل شيء عندما تطلب خيره وإذا تركت شيء إنما تدفع شره، لكن الذي يحصل هو ماذا؟ مغالطة النفس في المصلحة والمفسدة، أنك تفعل شيء هو في الحقيقه عليه مفاسد تنظر إلى صورة محرمة وأنت تعلم أنها ماذا؟ مفاسد وتترتب عليها أخطاء، لكنك تقدم على هذا وأنت تغالط نفسك أنني لعلي أحصل مصلحة، لعلي أحصل لذة.
لكن يا أخي الكريم كم مرة نظرت إلى الصورة وكان ما بعد ذلك ألم وحسرة وضيق في الصدر؟ خلص بدك تفهم النظر إلى الحرام يورث ماذا؟ ألما وحسرة، طيب ليش براجع بنظر مرة أخرى؟ ليش براجع بغالط نفسي وبراجع بقول لعلي أحصل جمالا وكذا؟ فبرجع أشعر بضيق القلب وقلة التوفيق، ثم بقول خلص خلص ما راح أعيدها مرة أخرى، ثم تاتي الصورة فأقر أني أنظر مرة أخرى، طيب أنت رأيت في عشرات المرات أنك كلما رأيت زادك الأمر ألما وحسرة، لماذا تغالط نفسك؟ فلذلك هنا ماذا قال؟ قال: ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا، اقرأ: قال: ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم ألم، هذه الفكرة أنه هو ينظر للمرأة المحرمة الصورة المحرمة رجاء حصول اللذة مع أنه في الواقع أكثر من مرة عادها وماذا أعقبه ذلك؟ ألم وحسرة، فهمتم ها؟
فيقصد حصول اللذة أنت نظرت للصورة المحرمة تقصد ماذا؟ أن تتلذذ أن تستمتع، طيب لكن ماذا يعقبك هذا في الواقع في النهاية؟ ألم وحسرة وشعور بدناءة النفس وعدم المروءة وعدم الرجولة، ثم تكرر بعد ذلك، يا أخي طب أنت عرفت مرة مرتين ثلاث عرفت أن هذا يورثك حسرة، لماذا تصمم على دخول هذا الطريق مرة أخرى؟ مغالطة النفس، كل مرة تتوقع أن النفس تهدأ، أن النفس تجمل أن أن، ثم إذا به حسرة بعد حسرة حتى يموت القلب والعياذ بالله.
نعم، قال: فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها. آه أنت بتضحك على نفسك باختصار، تؤلم نفسك، وفي كل مرة تتوقع أنك ماذا عم تحصل اللذة، لكنك حقيقة عم تزيد الألم وأنت لا تشعر.
نعم، قال: ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية المرض. نعم أنت بتقول: والله يا شيخ هيك شعرت بضيق وحسيت أني لازم أنظر، يعني قلت: إذا نظرت إلى هذه الصورة المحرمة لعل هذا يشفي قلبي فأهدأ، لكن ماذا يقول ابن القيم؟ يحاول أن يشفي قلبه، ها أعد العبارة قال: ويشفي قلبه بما يعقب عليه غاية المرض، أنت تحاول أن يشفي قلبك بما ايش يزيد المرض حقيقة ولا يشفيك.
نعم، قال: وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب، لذلك حتى مرت معنا هذه الفكرة في صيد الخاطر لم يتابع معنا ابن الجوزي في أوائل الخواطر، ماذا قال؟ الإنسان العاقل هو الذي يراقب العواقب، إيش يعني يراقب العواقب؟ قبل أن تقدم على أي فعل.
وكان فيه حظ للنفس. وقف دقيقة بس، فكر ايش عواقب هذا الفعل يعني تخيل نفسك بعده ها، قبل ما تفعل الحرام هي نصيحة ومجربة، قبل ما تفعل الخطأ أو المعصية فكر في ماذا؟ في مشاعرك بعدها، كيف سيكون وضعي؟ لأن النظر للعواقب يجعلك في كثير من الأحيان تتجاسر على حزم النفس، قل يا أخي أنا ما بدي أوصل للحسرة وجلد الذات مرة أخرى فدعني أترك المعصية من البداية. النظر إلى العواقب قبل الإقدام على الأمور من أكثر ما يساعد الإنسان على ضبط نفسه عن الشهوات.
نعم، قال رحمه الله، وخاصة العقل، النظر في العواقب، فأقل الناس خاصة العقل يعني من خصائص العقل الإنساني، من خصائص العقل الإنساني أنه يستطيع أن يدرك عواقب ومآلات فعله. يعني مشكلة كثير من الشباب مشكلتنا جميعا، أنه الشهوة إذا جت بيطفي العقل صح، وبصير العقل أف وبصير الشهوة أن، وبالتالي يصبح قضية أني أفكر في العواقب حتى ها يا شيخ والله صعبة. فانت قبل أن تصل إلى أو أوج الشهوة لا، فكر وخذ القرار مبكرا.
لانه بعض الشباب وهو عم ينظر إلى الحرام عم حاول يشغل دماغه، لا وأنت عم بتمارس سلطان الشهوة غلاب، مش وأنت بتطلع على الصورة المحرمة هيني بحاول أشغل دماغي، حين لا مش أنا، أنت شغل دماغك قبل ما تفتحها، لأنه إذا فتحت الصورة يعني الدماغ ما راح يشتغل، الشهوة هي التي ستعمل والعقل سيقفل. فاتخذ قب، يعني لما تأتي تتخذ قرار فتح السوشيال ميديا أو المقطع الحرام قبل ما تفتح فكر، لأنك إذا فتحت يصبح التفكير صعب جدا في هذه الحالة.
نعم، قال رحمه الله: فأعقل الناس من آثر لذته وراحته الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة. وأسف الخلق من باع نعيم الأبد وطيب الحياة الدائمة واللذه العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء.
قال بعض العلماء: فكرت فيما يسعى فيه العقلاء فرأيت سعيهم كله في مطلوب واحد، وإن اختلفت طرقهم في تحصيله، رأيتهم جميعا إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم. شوف هذه قاعدة عامة في الجنس البشري، الإنسان في هذه الحياة كل تصرفاته إنما يسعى بها إلى ماذا؟ إلى جلب السعادة. يعني لو أنت سألت أي إنسان على هذا الكوكب من الشرق إلى الغرب: أنت لماذا تعمل في الحياة؟ تقول لك: أنا أزيد أن أجلب السعادة وأدفع الهم والغم.
لكن معرفة الإنسان بطرق السعادة وكيفية الوصول إليها هي التي تختلف، فمنهم من يعرف السعادة بطاعة الله وعبوديته والاقبال عليه والأخبار ومجالس الخير، ومنهم من تكون شهوته ولذته المحرمة يظنها طريق السعادة، فما أكثر من يخطئ طريق السعادة وما أقل من يصيبها.
نعم، قال رحمه الله: رأيتهم جميعا إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم، فهذا بالأكل والشرب، وهذا بالتجارة والكسب، وهذا بالنكاح، وهذا بسماع الأغاني والأصوات المطربة، وهذا باللهو واللعب. فقلت هذا المطلوب مطلوب العقلاء، ولكن الطرق كلها غير موصله إليه، بل لعل أكثرها بل لعل أكثرها إنما يوصل إلى ضده.
يعني أكثر هذه الطرق مش فقط بقول لا يوصل إلى السعادة، بل يوصل إلى الشقاء. هذه الطرق لا أقول أنها لا توصل إلى السعادة، بل توصل إلى ضد السعادة وهو ماذا؟ الشقاء والعياذ بالله. نعم قال: ولم أر في جميع هذه الطرق كلها طريقا موصله إليه إلا الاقبال على الله ومعاملته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء. سب جميل جميل، هذه قواعد مهمة.
نعم، قال: فإن سالك هذه الطريق إن فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالي الذي لا فوت معه، وإن ظفر بحظه نال كل شيء، وإن فاته فات كل شيء. يعني إذا حصلت الله لم تفقد شيئاً، وإذا فقدت الله في حياتك أنت لم تحصل شيئاً. إذا فقدت الله في حياتك لم تحصل شيئاً ولو كنت تملك الكنوز والاموال والابراج وكل شيء، وإذا وجدت الله فانت لم تفقد شيئاً ولو فاتك الدراهم لأن الله هو كل شيء وفقد الله فقد لكل شيء.
نعم قال: وإن ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهنا الوجوه، فليس للعبد أنفع من هذه الطرق. نعم وليس شرطاً إذا نلت حظك من العبودية والتقرب شرط أن يفوتك حظك من الدنيا، كما يقول ابن القيم، فقد تحصل حظك من الله ويكرمك الله أيضا بان تحصل من الدنيا الزوجة الهنية والبيت السعيد والعمل المريع، فلا مانع أيضا.
يعني هل هو شرط إذا نلت طريق السعادة إلى الله إنه لازم أكون في وضع مالي مزري يعني، أو أكون في حياة مكتئبة أو ماديا يعني؟ ليس شرط ذلك. نعم قال رحمه الله: فليس للعبد أنفع من هذه الطرق ولا أوصل منها إلى لذته وبهجته وسعادته، وبالله التوفيق.
قال رحمه الله: المحبوب قسمان لنفسه ولغيره، والمحبوب قسمان محبوب لنفسه ومحبوب لغيره، والمحبوب لغيره لابد أن ينتهي إلى المحبوب لنفسه دفعا للتسلسل المحال عقلا. يقول لك حب الإنسان للأشياء لأن بنقيم عم يعطيك فلسفة للحub، اقول لك حب الإنسان للأشياء اما أشياء تحب لذاتها واما أشياء تحب لأنها تقود إلى غيرها تمام، وهذا الذي يقود إلى غيره لابد وأن ينتهي في النهاية إلى ماذا؟ إلى محبوب لذاته.
فأنت مثلا تحب مجالس العلم فرضا لماذا؟ لذاتها فط هيك أن الشباب موجودة فيها وكذا، ولا لأنها تذكرني مثلا بكلام النبي صلى الله عليه وسلم؟ تقول: تذكرني بكلام النبي عليه الصلاة والسلام. طيب، ننتقل تذكرك لكلام النبي عليه الصلاة والسلام لماذا تحبه؟ لأنه يذكرني بماذا؟ بالله، فأنت تحب مجالس العلم أنها تذكرك بالنبي عليه الصلاة والسلام والنبي عليه الصلاة والسلام تحبه وتوقره لأنه يذكرك بماذا؟ بالله، فنهاية الحب ماذا؟ الله، هذا عند النفس السوية.
لذلك قال: والمحبوب لغيره لابد وأن ينتهي إلى ماذا؟ إلى محبوب لذاته حتى لا يتسلسل المحبوب لغيره إلى ما لا نهاية. بتعرفوا التسلسل هذا شيء لا يجوز عقلا عند المناطقة في علم المنطق، التسلسل إلى ما لا نهاية ممنوع، أن تبقى تحب شيء لأنه محبوب لغيره، وهذا لغيره، وهذا لغيره، طيب ل بعدين لازم توصل لمحبوب لذاته. والمحبوب لذاته عند المسلم ما هو؟ الله، وكل محبة لسوى الله يجب أن يكون مقصدها النهائي أن تصل بك إلى الله، هذا معنى كلامه.
نعم، قال رحمه الله: وكل ما سوى المحبوب الحق فهو محبوب لغيره. وكل ما سوى المحبوب الحق وهو الله سبحانه وتعالى كله من الزوجة والابناء والاموال، هسه أنت بتحب المال، طيب ليش بتحب المال؟ الاصل أن تحبه لأنه لشيء آخر، ليس أنت بتحب الدينار الأردني لأنه دينار أردني يعني شكله مربع، لا طبعا، بتحبه لأنه بعطيك ماذا؟ لذه معينة. طيب هي اللذة لماذا تحبها؟ إذا كنت تحبها لذاتها فانت عبدتها ما فيها، أما ما والله أحبه لأنه يعني يعينني على تحصيل المطعم والمشرب وبالتالي كسب لعيالي.
طيب أنت ليش بدك تكسب لعيالك؟ لأنني أحبهم. طيب لماذا أحبهم؟ والله رزق من الله سبحانه أستعين به على قضاء رحلة الحياة حتى أصل إلى الله. فكل شيء محبوب يجب أن تنظر لغاية حبه إلا الله سبحانه وتعالى، فاذا وصلت إليه فانك تحبه لذاته عز وجل.
نعم، قال رحمه الله: وليس شيء يحب لنفسه إلا الله وحده سبحانه، وكل ما سواه مما يحب فإنما فإنما محبته تبع لمحبه الرب تبارك وتعالى. يعني هكذا ينبغي أن يكون الأمر، هو بيعطيك هكذا ينبغي أن يكون الأمر، لكن كثير من الناس يختل عندهم هذا الميزان فيصبح يتعلق بما سوى الله ويحبه لذاته، بقوله: إذا هنا في عندك خطأ عليك أن تعالجه، أن تحب شيئا لذاته سوى الله هذا خطأ في سلم الأولويات، عليك أن تحبه لأن حياة المسلم تقوم على أن الله هو المقصود وما سواه وسائل، حتى الزوجه والأبناء والأموال وكل هذا وسائل للحياة السعيدة التي تقودني إلى الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: كمحب ملائكته وأبيائه وأوليائه فانها تبع لمحبته
سبحانه وهي من لوازم محبته، فأنت تحب أهل العلم ليه؟ ليس لذاتهم وإنما لأنهم يقودون إلى الله، أليس كذلك؟ تحب أي شخص وأي ولي والأنبياء والصالحين ليه؟ لأنهم يقودون إلى الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله تعالى: فان محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه، وهذا موضع يجب الاعتناء به. نعم، محبة المحبوب توجب محبة ما يحبه؛ إذا كنت تحب الله فعليك أن تحب كل ما يحبه الله، الله يحب نبينا صلى الله عليه وسلم، الله يحب الصالحين، يحب المحسنين، يحب كذا، عليك أن تحب كل شيء يحبه الله إذا كنت محباً صادقاً لله سبحانه.
نعم، قال: وهذا موضع يجب الاعتناء به، فانه محل فرقان بين المحبة النافعة لغيره والمحبه التي لا تنفع بل قد تضر، فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كان كماله من لوازم ذاته، لا يحب لذاته. نعم، قال: فاعلم أنه لا يحب لذاته إلا من كان كماله من لوازم ذاته، وإلهيته وربوبيته وغناه من لوازم ذاته، وما سواه فانما يبغض ويكره لمنافاته محابه ومضادتها لها، وبغضه وكراهته بحسب قوة هذه المنافاة وضعفها، فما كان أشد منافاة لمحابه كان أشد كراهة من الأعيان والأصاف والافعال والارادات وغيرها، فهذا ميزان عادل توزن به موافقة الرب ومخالفته وموالاته ومعاداته.
فإذا رأينا شخصاً يحب ما يكرهه الرب تعالى ويكره ما يحبه، فعلمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك. وإذا رأيت شخصاً يحب ما يكره الله ويبغض ما يحبه الله، إذاً محبته لله ليست صادقة، ليست كاملة أبداً. نعم، قال: علمنا أن فيه من معاداته بحسب ذلك.
وإذا رأينا شخصاً يحب ما يحبه الرب ويكره ما يكرهه، وكلما كان الشيء أحب إلى الرب كان أحب إليه وآثر عنده، وكلما كان أبغض إليه كان أبغض إليه وأبعد منه، علمنا أن فيه من موالاة الرب بحسب ذلك. لذلك جاء في الحديث في الأربعين النووية: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا. يعني لن تصل إلى مراتب الإيمان العليا حتى تحب ما يحب الله وتكره ما يكره الله.
يعني يا شيخ، طب مثلا أنا عندي معاصي والله بحبها بس بتركها خوفاً من الله، في معاصي أحبها ولها في نفسي لكنني أتركها من أجل الله؟ بقول لك: جيد، جزاك الله خيراً، ممتاز، لكنك لم تكمل في الإيمان، لا تكمل في الإيمان حتى تكره هذه المعصية، تكره النظر الحرام، تكره من داخلك. فكثير منا هو قد يترك النظر الحرام لكنه إيش؟ يعني هو بقول لك: والله يا شيخ في يعني شو بدي أقول لك، إني أنا كرهان وأنا بضحك على نفسي، عم أغالط نفسي، أنا أتمنى لو أنظر لكنني أترك النظر خوفاً من الله.
بقول له: ممتاز، أنت في خطوة مميزة، لكن لسه لم تصل إلى أعلى المراتب، لا تصل إلى أعلى المراتب حتى تكره النظرة نفسها، وهذا يحتاج إلى رسوخ ومداومة في التعرف على الله والتفكر في ماذا؟ في صفاته وأسمائه وأفعاله وكلامه، حتى يحبب الله إليك الإيمان وزينه في قلبك، ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، هذه هي كمال الإيمان.
نعم، قال رحمه الله: فتمسك بهذا الأصل في نفسك وفي غيرك، فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساقطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة ولا تمزق ولا رياضه. المحبوب لغيره قسمان أيضا: أحدهما ما ولا تمزق، يعني أنا عندي ولا صلاة ولا رياضة، ربما تمزق، وبيضرب على أوتار الصوفية شوي، يعني إنه الأواعي المقطعة وكذا وإنه أنا من الزهاد. يا اخي، لا تقطع أواعي ولا شيء، يعني ما بدي منك حاجة، أنا بدي يكون قلبك مع الله سبحانه وتعالى، لبست الخرقة، ما لبست الخرقة، حطيت اللفحة، ما حطيت اللفحة، بمشي؛ لأنه بعض الناس جعلوا محبة الله في ماذا؟ في الأشكال والهيئات وليست في القلوب والأعمال، وهذا من أكبر الخلل في ميزان المحبة لله.
محبة الله لا تقاس بالظاهر، وإن كان الظاهر دليلاً على الباطن، أساس المحبة هو انقياد القلب لما يحبه الله وأن يكون هواك تبعا لما يحبه ويشرعه.
نعم، قال: والمبوب لغيره قسمان أيضا: أحدهما ما يلتذ المحب بإدراكه وحصوله، والثاني ما يألم به ولكن يحتمله لافضائه إلى المحبوب.
جميل، يقول لك: إذا نحن عرفنا أن المحبوبات تنقسم إلى محبوب لذاته ومحبوب لغيره، صح؟ من المحبوب لذاته؟ الله، هكذا ينبغي أن يكون، وأما المحبوب لغيره فهنا ابن القيم يقسمه إلى قسمين، فيقول: وأما المحبوب لغيره فقسم من المحبوب لغيره تحبه وهو يحقق لك لذة ويصلك إلى الله، يعني هو في نفسه يعطيك لذة وفي نفس الوقت ماذا يفعل؟ يقودك إلى الله.
تمام، فمثلاً النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيام منى أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل. فأنت لما تأكل في أيام منى وتشرب عبودية لله وتحقيقاً للحديث، أنت تحصل لذة الطعام والشراب، أليس كذلك؟ وفي نفس الوقت تحصل العبودية لله سبحانه.
في المقابل هناك نوع من المحبوب لغيره أنت تحبه مع أنه شاق على النفس ومكروه لها، لكنك تحبه لماذا؟ لأنه يقودك إلى الله. إذاً، المحبوب لغيره يعني الشيء الذي تحبه لأنه يقودك إلى الله على نوعين: شيء يقودك إلى الله وفيه لذة، كالطعام والشراب في عيد الفطر وفي عيد الأضحى؛ هل يجوز الصيام في عيد الفطر والأضحى؟ محرم، فأنت تأكل وتشرب طاعة لله، فحصلت لذة الطعام والشراب وقادك هذا الطعام والشراب إلى تحقيق عبودية.
لكن في المقابل هناك محبوبات تحب مع أنها شاقة على النفس، مثل ايش؟ الجهad في سبيل الله: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ. فهناك الصادقون، الصادقون يحبون الجهاد في سبيل الله، مع ما فيه من الآلام والصعوبات وفراق الزوجة والأبناء والتضحيات، أليس كذلك؟ لكن لماذا هذا الحب؟ لأنه يوصل إلى أعلى مراتب الجنة، ويوصل الإنسان إلى صفقة كبيرة مع الله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.
نعم، قال رحمه الله: هذا تقصيم المحب لغيره فهمناه.
طيب، قال: والثاني ما يألم به ولكن يحتمله لافضائه إلى المحبوب، كشرب الدواء الكريه. قال تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ.
فأخبر سبحانه أن القتال مكروه مع أنه خير لهم لافضائه إلى أعظم محبوب وأنفع، والنفوس تحب الراحة والدعة والرفاهية وذلك شر لها لافضائه إلى فوات هذا المحبوب، فالعاقل لا ينظر إلى لذة المحبوب العاجلة فيؤثرها ولا ألم المكروه العاجل فيرغب عنه، فإن ذلك قد يكون شرا له، بل قد يجلب عليه غاية الألم ويفوته أعظم اللذة، بل عقلاء الدنيا يتحملون المشاق المكروه لما يعقبهم من اللذة بعدها وإن كانت منقطعة.
جميل، إذاً يجب أن نفهم هذه الفكرة أيها الكريم، إذا رسخ في قلبك أن الله هو المحبوب لذاته، وكان هذا ليس مجرد كلام على اللسان، بل كان فعلاً شيء استقر في قلبك وتوطن عليه نفسك، فهنا ستبذل كل المحاب الأخرى من أجل إرضاء الذات الإالهية، أليس كذلك؟
من وطن قلبه على أن الله مقصود لذاته وأن الله هو الثابت الوحيد وأن كل الأمور متغيرة، وإنما أفعلها من أجل إرضاء المحبوب لذاته، سيهون عليك بذل المشاق؛ فقيام الليل مشقة، أليس كذلك؟ لكنك تحبه لأنه يوصلك إلى الله. المحافظة على غض البصر مشقة، لكنك تحبه لأنه يوصلك إلى الله. تفعل كل الأشياء وتسهل عليك كل الأمور لأنك نظرت إليها بهذا الميزان.
ما هو الميزان؟ هناك محبوب لذاته وكل ما في الدنيا إنما يجب أن يقودني إليه، سواء مما ألتذ به أو مما يصعب ويشق علي، إنما أفعله لأصل إلى المحبوب لذاته. وأكثر الناس إنما تزل قدمه في هذا الباب لأنه ما عنده توازن في المحبوب لذاته؛ أحياناً يختل عنده هذا الميزان فتصبح التعلقات هي المحبوبة لذاتها، فتصبح امرأة معينة محبوبة لذاتها، أو شهوة معينة محبوبة لذاتها.
فإذا أصبحت هي المحبوب لذاته، يصبح كل تصرفاته في الدنيا تدور حول هذه المرأة أو حول هذه الشهوة أو حول هذا الغرض، بعض الناس يصبح المال هو المحبوب لذاته، لذلك.
سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الدينار، المال هو المقصود لذاته فكل حركاته وسكناته إنما هدفها جمع المال وكنزه، ويكسب الشهادات من أجله، ويحير الأرض طولا وعرضا من أجله، فلا يبقى مكان لأي سعي آخر إذا حدد نقطة المحبوب لذاته.
بعد ذلك يهون عليك الأمر، طبعا مش تحددها في لسانك هذا سهل، حددها أين هنا، أين المحبوب لذاته؟ وبعد ذلك كل شيء محبوب لغيره، كل شيء من المحبوب لغيره يجب أن يصب في مصلحة الحب لذات الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: فالأمور أربعة؛ مكروه يوصل إلى مكروه، ومكروه يوصل إلى محبوب، ومحبوب يوصل إلى محبوب، ومحبوب يوصل إلى مكروه. طيب، إذا هي بقول لك القواعد العقلية أربعة، هناك أشياء مكروه توصل إلى مكروهات، وهذه العاقل الطبيعي بيتركها، يعني ما أظن أن أحدا يفعل مكروها لنفسه يوصل إلى مكروه، هذا ما بفعل عاقل.
قال: وهناك مكروه يوصل إلى محبوب، كالجهاد في سبيل الله مكروه للنفس لكنه يوصل إلى المحبوب إلى الرب، فهذا عليك أن تفعله.
القاعدة الثالثة: هناك محبوب يوصل إلى محبوب، مثلنا له بالطعام والشراب في أيام العيد محبوب، يعني ما في الإنسان يحب الإنسان الطعام والشراب، وهي إذا فعلتها امتثالا لله توصلك إلى الله لأنك امتثلت أمره، فهذا محبوب يوصل.
كذلك النكاح، النكاح محبوب، يعني أكيد النفوس طلع الشباب مساكين النكاح محبوب، وإذا فعلته تحصينا للنفس فهو يوصل إلى الله سبحانه وتعالى لأنك حصنت به نفسك وحصنت به زوجتك، فالنكاح محبوب.
لذلك الصحابة لما قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ استغربوا كيف شيء محبوب في النفس ويوصل إلى الله؟ قال: نعم، أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.
قال: العشرة الزوجية هي لذيذه في نفسك أيها الشاب، وفي نفس الوقت توصلك إلى ماذا؟ محبوب. ليش توصلك إلى محبوب؟ من جهة ماذا؟ أنك حصنت بها نفسك عن مقارف الحرام فعففت وعففت زوجتك. إذا فهناك محبوب للنفس ويوصل إلى المحبوب الرب سبحانه.
وأخيرا: هناك محبوب يوصل إلى مكروه، وهذا ما نقع فيه جميعا، وهي المعاصي والذنوب التي نحبها وتلتذ بها أنفسنا، لكنها توصل إلى سخط الله وعذابه وعقابه، فهذه هي مزلة الأقدام في هذه الرابعة.
نعم، قال رحمه الله: فالمحب الموصل إلى محبوب قد اجتمع فيه داعي الفعل من وجهين، والمكروه الموصل إلى مكروه داعي الفعل من وجهين، من جهة أنك تلتذ به ومن جهه أنه يقودك إلى الله. هذا معنى يعني كالجماع مع الزوجة أو العشرة مع الزوجة ففيه من وجهين، من جهة أنه محبوب لنفسك ومن جهة أنه محبوب لله أن يقع لما فيه من التحصين.
نعم، قال رحمه الله: والمكروه الموصل إلى مكروه قد اجتمع فيه داعي الترك من وجهين. نعم، أنه مكروه للنفس، وفي نفس الوقت ماذا؟ لا يوصل إلى الله سبحانه وتعالى، بل يوصل إلى سخط الله، شيء تكرهه نفسك أصلا ويقودك إلى سخط الله ماذا تريد فيه؟
نعم، قال: بقي القسمان الآخران يتجاذبهما الداعيان، وهما معترك الابتلاء والامتحان، فالنفس تؤثر أقربهما جوارا منها وهو العاجل، والعقل والإيمان يؤثران أنفعهما وأبقاهما. قال: إذا وبقي القسمان الآخران، وهما ماذا؟ مكروه يوصل إلى محبوب، ومحبوب يوصل إلى مكروه.
عندك هذول القاعدتين، عندك مكروه يوصل إلى محبوب هذا بتحطه على جنب، وعكسها تماما ايش هي؟ محبوب يوصل إلى مكروه. فمن غلبت شهوته إيمانه يأخذ القاعدة الثانية، المحبوب الذي يوصل إلى المكروه، ومن غلب إيمانه هو على شهوته يؤثر القاعدة الأولى، مكروه يوصل إلى محبوب.
هذا موازنات دقيقة عم يبنيها ابن القيم في هذا السياق، نعم. قال: والعقل والإيمان يؤثران أنفعهما وأبقاهما، والقلب بين الداعيين وهو إلى هذا مرة وإلى هذا مرة، يعني وأنت في حياتك ستكون بين هذه المعارك، مرة تؤثر مكروها يوصلك إلى محبوب، ومرة ستفشل فتختار محبوبا يوصلك إلى مكروه، ستبقى في معركة الحياة بين هاتين القاعدتين.
والقاعدة الأخرى واضحة؛ لأنه المكروه الذي يوصل إلى مكروه ما حدا بعمله، تمام، يعني حتى الكفار ما بعملوه؛ لأن هو مكروه لنفسه فهو ما راح يفعله، لكن المشكله والمحبوب الذي يوصل إلى محبوب سهل عمله، لكن المشكلة في القاعدة كما قلت لك الثانية والرابعة.
قال رحمه الله: وها هنا محل الابتلاء شرعا وقدرا، فداع العقل والإيمان ينادي كل وقت: حي على الفلاح. إذا أيها الكرام، بلائنا نحن البشر يختلف عن بلاء الملائكة أو عبودية الملائكة، خلينا أقول عبودية البشر تختلف عن عبودية الملائكة.
عبودية الملائكة هي عبودية فطرية جبلوا عليها اليس كذلك؟ عبودية البشر هي في هذا البلاء، هو أن أستطيع أن أتوازى في هذه الأمور، وكيف أغالب شهوتي؟ نحن البشر عبوديتنا التي يريد الله أن تظهر منا، قدرتنا على التغلب على شهواتنا، ونسقط تاره ونقوم أخرى ثم نتعثر ثم نرتفع، هذه هي العبودية التي يريد الله سبحانه أن تكون.
لذلك الملائكة لما خاطبت ربنا سبحانه ماذا قالت في الخطاب القديم في السماء لما أراد الله: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً؟ ماذا قال: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا؟ (يعني من عنده شهوات تغلبه)، فالله أخبر: إني أعلم ما لا تعلمون، ماذا يعلم؟ أن هذا المقام مقام الانسان الذي يصارع شهوته فيغلب، أعلى عند الله من مقامك أو من مقامكم أيها الملائكة.
العبد الذي يغلب شهوته تغليبا لمقام الله كما قال أهل السنة، أعلى عند الله مرتبة من مراتب الملائكة. لذلك هذه مسألة ايش تسمى؟ الولي الصالح أعلى من الملَك عند الله منزلة، ليه؟ لأنه عبودية الملَك قائمة على شيء جُبل ومفطور، أنت مش عم بتقاوم داعي.
لكن هذا الإنسان المسكين المبتلى بكل دواعي الشهوات ومع ذلك صمم على مقارعته وتغلب عليها إرضاء لله، هذا أعلى عند الله سبحانه وتعالى مرتبة ممن جُبل على الطاعة، فهمتم؟ لذلك قال ابن القيم: فعبد الإنسان وبلاؤه هنا في هذه المقامات.
نعم، قال: فداع العقل والإيمان ينادي كل وقت: حي على الفلاح. عند الصباح يحمد القوم السرى، وفي الممات يحمد العبد التقى. فان اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوات والإرادة، يقول: يا نفس أصبري، فما هي إلا ساعة ثم تنقضي ويذهب هذا كله ويزول.
نعم، يعني في أحلك اللحظات عندما يظلم ليل المحبة وتصبح الشهوات تستعر، عليك أن تصبر نفسك: يا نفس أصبري. الفتن قادمة أيها الشباب والحياة مؤلمه، والشهوات أدرك أنها تحيط بنا من كل حدب وصوب، فيقول لك ابن القيم: إذا اشتد ظلام ليل المحبة وتحكم سلطان الشهوة فصبر النفس، يا نفس أصبري، فإنما النصر صبر ساعة.
نعم، قال رحمه الله: فصل الحب أصل كل عمل من حق وباطل، واذا كان الحب أصل كل عمل من حق وباطل، فاصل الأعمال الدينية حب الله ورسوله، كما أن أصل الأقوال الدينية تصديق الله ورسوله، وكل إرادة تمنع كمال الحب لله ورسوله وتزاحم هذه المحبة أو شبهة تمنع كمال التصديق، فهي معارضة لأصل الإيمان أو ضعفه له، فإن قويت حتى عارضت أصل الحب والتصديق كانت كفرا أو شركا أكبر، وإن لم تعارضه قدحت في كماله وأثرت فيه ضعفا وفتورا في العزيمة والطلب.
نعم، محبة غير الله إذا زاحمت محبة الله تبدأ تنقص بايمانك رويدا رويدا، لكن أحيانا قد تصطدم بأصل محبتي لله، إذا ارتطمت بالأصل والجذر هنا انتقلت من دائرة الإسلام إلى دائرة الكفر، تمام؟
فيقول لك أنت انتبه، يعني لا تجعل شيء يزاحم محبتك لله، الآن هو بدايه أمره سيزاحم، وكما قال ابن القيم سينقص كمال المحبة الإلهية، لكن كلما طغى طغى طغى قد يلقيك خارج أسوار الشريعة وأنت لا تنتبه، فهنا قضية مهمة.
نعم، قال رحمه الله: وهي تحجب الواصل وتقطع الطالب وتنكس الراغب، فلا تواصل الواصل الذي يريد الوصول إلى الله، وتقطع الطالب الذي يطلب الله، هذه أي محبة تزاحم محبة الله تقطع الواصل وتشغل الطالب وتمنعك من قوة المسير إلى الله سبحانه وتعالى، قال.
رحمه الله: فلا تصح الموالاة إلا بمعاداة كل ما يضاد هذه المحبة الإلهية. يعني: لا تصح موالاتك إلا بمعاداتك. ما معنى هذه العبارة؟ إذا، لا يمكن أن ترسخ في مقام المحبة الإلهية حتى تعادي كل ما يقف ضدها، ويقف ضد كمالها، وتحاربه، وتمنع من الدخول إلى قلبك، من شهوة امرأة، من شهوة مال، من شهوة منصب، من شهوة جاه. بدك تعادي أشياء كثيرة حتى ترسخ موالاتك لله في قلبك.
نعم، قال رحمه الله تعالى: كما قال تعالى عن إمام الحنفاء المحبين، أنه قال لقومه: أفرأيتم ما كنتم تعبُدون؟ من هو إمام الحنفاء؟ إبراهيم عليه السلام. نعم، قال تعالى: أَفَرَأَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُم وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. شوف! إذا، إبراهيم عليه السلام والى الله بمعاداته: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ. وكذلك: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مَنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. إذاً، لا يكتمل حبك لله وموالاتك له إلا بمعاداة أعدائه.
نعم، قال رحمه الله: فلم يصح لخليل الله صلى الله عليه وسلم هذه الموالاة والخُلة إلا بتحقيق هذه المعاداة؛ فانه لا ولاء إلا لله، ولا ولاء لله إلا براءة من كل معبود سواه. قال تعالى: قَدْ كَانَتْ... طبعا كلمة "معبود" هنا تشمل: المعبود من الأصنام، من التعلقات بالنساء، من التعلقات بالمال. يعني، وسع كلمة "معبود" لأي شيء يمكن أن يتعلق به القلب. لأنه بعض الناس بيسمع كلمة "معبود" يعني بيخطر بباله الأصنام والنصارى؛ لا، إلهي! المرأة التي تقدسها معبود، المال الذي أنت تفكر فيه فقط هو معبود، كل شيء يشغلك عن محبة الله هو معبود من دون الله بشكل من الاشكال. قد لا تكون نعم وصلت إلى الكفر، لكنه معبود على مرتبة معينة تنقص من كمال المحبة الإلهية، فعليك أن تطرده وتعاديه.
نعم، قال الله تعالى: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مَنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ. وقال الله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وجعلها كلمة باقية في عقبه اللي هي كلمة التوحيد: لا إله إلا الله، لا يتعلق القلب عبادة وقصداً إلا لله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: أي جعل هذه الموالاة لله والبراءة من كل معبود سواه كلمة باقية في عقبه، يتوارثها الأنبياء وأتباعهم بعضهم عن بعض، وهي كلمة لا إله إلا الله، وهي التي ورثها إمام الحنفاء لأتباعه إلى يوم القيامة، وهي الكلمة التي قامت بها الأرض والسماوات وفطر الله عليها جميع المخلوقات. نعم، أسست الملة، ونصبت القبلة، وجردت... يعني قصة الحياة البشرية هي من أجل تحقيق هذه الكلمه. قصة الحياة البشرية من آدم عليه السلام إلى قيام الساعة أيها الكرام، من أجل تحقيق الحب لله ومعدات سواه، وما أكثر تقصير البشرية في تحقيق هذا الأصل العظيم، مع أنه هو مقصد الوجود البشري، ومن أجله قامت السماوات والأرض، وقام سوق الدنيا والآخرة، وقام الحساب، وأودعت الشهوات، وعليه البلاء. وكل زواجنا وحياتنا ونسلنا ومالنا، كله الأصل أن يصب في تحقيق هذا الأصل العظيم. وكما قلنا وما أكثر ما نغفل عن هذا الأصل.
نعم، قال: وجردت سيوف الجهاد، وهي محض حق الله على جميع العباد، وهي الكلمة العاصمة للدم والاموال والذرية في هذه الدار، والمنجية من عذاب القبر وعذاب النار، وهي المنشور الذي لا يدخل أحد الجنة إلا به، والحبل الذي لا يصل إلى الله من لم يتعلق بسببه، وهي كلمة الاسلام ومفتاح دار السلام، وبها انقسم الناس إلى شقي وسعيد ومقبول وطريد، وبها انفصلت دار الكفر من دار الايمان وتميزت دار النعيم من دار الشقاء والهوان، وهي العمود الحامل للفرض والسنة، ومن كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة. ما أجمل هذا الكلام وهذا التوصيف لمحور لا إله إلا الله.
وفي هذا السياق، طبعا هنا تذكر أن ابن القيم هو يعالج شخص مصاب بتعلق القلب بغير الله؛ فهو يقول: إن هذا التعلق يصطدم بكلمة التوحيد مباشرة. تعلقك بامراه، بمال، بشهوة، بجاه، يصطدم بكلمة التوحيد وينقص من مقامها في قلبك، فانت تعارض اصل الوجود الانساني والبشري، فانما حياتنا وانفاس ولحظاتنا وخطرات انما هي من اجل تحقيق هذا المقصد. وكل من كان مستدركا او ناظرا او منتبها لهذا المقصد، كلما كان اعبد لله سبحانه وتعالى واسلم واكثر سعاده من غيره.
نعم، قال رحمه الله: وروح هذه الكلمه وسرها افراد الرب جل ثناؤه وتقدست اسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا اله غيره بالمحبه والاجلال والتعظيم والخوف والرجاء وتوابع ذلك من التوكل والانابه والرغبه والرهبه، فلا يحب سواه، وكل ما يحب غيره فانما يحب تبع لمحبته لانه هو المحبوب لذاته كما قلنا، وكل ما سواه محبوب لغيره المقصود منه ان يصل اليه. وكونه وسيله الى زياده محبته. ولا يخاف سواه ولا يرجو سواه ولا يتوكل الا عليه ولا يرغب الا اليه ولا يرهب الا منه ولا يحلف الا باسمه ولا ينذر الا له ولا يتاب الا اليه ولا يطاع الا امره ولا يتحسب الا به ولا يستعان في الشدائد الا به ولا يلتجئ الا اليه ولا يسجد الا له ولا يذبح الا له وبباسمه، ويجتمع ذلك كله في حرف واحد وهو ان لا يعبد الا اياه. حرف واحد يعني جمله واحده، الحرف هنا بمعنى الجمله.
نعم، قال: وهو الا يعبد الا اياه بجميع انواع العباده، فهذا هو تحقيق شهاده ان لا اله الا الله، ولهذا حرم الله على النار من شهد ان لا اله الا الله حقيقه الشهاده. ومحال ان يدخل النار من تحقق بحقيقه هذه الشهاده وقام بها، كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ، فيكون قائما بشهادته هي شهادة التوحيد، فاذا قمت بها حق القيام صدق عليك قوله تعالى: وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ، لان بعض الناس يحمل هذا فقط على الشهاده امام القضاء في الدنيا، يقول ابن القيم: هذه الايه اعظم ما تحمل عليه الشهاده بكلمه التوحيد اذا قمت بمقتضياتها ولوازمها.
وهذا بالتاكيد سيجعلك لا تقع في الكبائر التي توجب النار، فهذا سيجعلك محرما على النار مطلقا، فان الانسان انما يدخل النار اذا كان من ممن شهد لا اله الا الله اللي هم عصاه الموحدين، اذا كان ممن ارتكب الكبائر، اما من قال لا اله الا الله كما قال بلوازمها ركز شو بقول بلوازمها ولوازمها تقتضي ماذا؟ قمه الاخبات وقمه الحب له الذي يمنع من وقوع الكبائر، واما الصغائر فلا يعصم منها احد، والله تكفل بمغفره جميع الصغائر لمن سلم من الكبائر.
نعم، قال رحمه الله: فيكون قائما بشهادته في ظاهره وباطنه في قلبه وقالبه، فان من الناس من تكون شهادته ميته، ومنهم من تكون نائمه فاذا نبهت انتبهت، ومنهم من تكون مضجعه، ومنهم من تكون الى الى القيام اقرب وهي في القلب بمنزله الروح من البدن. فروح فروح ميته وروح مريضه الى الموت اقرب، وروح الى الحيا اق... طبعا هو يعني يصف الشهاده هناك شهاده نائمه هناك شهاده مضجعه هو يصف ان الشهاده على مراتب؛ هناك من يقوم بالشهاده بحق، هناك من شهادته بالتوحيد 50% هذا مضجع، هناك من شهادته نائمه يعني لا اله الا الله مقفل عليها وحط راسه نايم وعايش شهواته ولذاته في الحياه ولم يهتم بها.
نعم، قال: وروح صحيحه قائمه بمصالح البدن. وفي الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: اني لاعلم كلمه لا يقولها عبد عند الموت الا وجدت روحه لها روحا. فحياه الروح بحياه هذه الكلمه. فيها روحا يعني راحة نعم وطمأنينة. نعم قال: فحياه الروح بحياه هذه الكلمه فيها، كما ان حياه البدن بوجود الروح فيه. كما ان من مات على هذه الكلمه فهو في الجنه يتقلب فيها، فمن عاش على تحقيقها والقيام بها فروحه تتقلب في...
جنة المأوى وعيشة أطيب عيش. قال تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هي الْمَأْوَى. فالجنة مأواه مأواه يوم اللقاء، وجنة المعرفة والمحبة والانس بالله والشوق الى لقائه والفرح به والرضى به وعنه مأواه روحه في هذه الدار، فلا بد أن إذا أردت أن تدخل جنة الآخرة، لابد أن تدخل جنة الدنيا. هذا معنى كلامه، فجنة الدنيا ما قال هي معرفة الله ومحبه الله والانس بالله والشوق إلى الله، قال هذا مأوى روحه في هذه الدار في الدنيا. فاذا دخلت جنة الدنيا بالانس والمعرفه والقرب، ستدخل باذن الله جنة الآخرة الحسية الحقيقية نعم.
قال رحمه الله: فمن كانت هذه الجنة مأواه ها هنا كانت ها هنا اي في الدنيا نعم، كانت جنة الخلد مأواه يوم المعاد. ومن حرم هذه الجنة فهو لتلك الجنة أشد حرمانا. والأبرار في نعيم وإن اشتد بهم العيش وضاقت عليهم الدنيا، والفجار في جحيم وإن اتسعت عليهم الدنيا. ك هذه مرة معنى كلامه: أن الفجار في جحيم حتى في الدنيا، فبنو إسرائيل في جحيم وإن كانوا أظهروا ما أظهروا، وكل أعدائنا في جحيم، جحيم معنوي جحيم قلبي؛ لأنهم حرموا الوصال بالعظيم سبحانه وتعالى، وإن ظهروا بأفخم الصور المادية والحضارة والتكنولوجيا هم في جحيم، وأهل الإيمان وإن قل ما عنددهم، لكن كلما كان وصالهم بالله عظيما كانوا في نعيم.
نعم، قال الله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. وطيب الحياة جنة الدنيا. وقال تعالى: فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا. فأي نعيم أطيب من شرح الصدر، وأي عذاب أمر من ضيق الصدر؟ وقال تعالى: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۚ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.
فالمؤمن المخلص لله من أطيب الناس عيشا، وأنعمهم بالاً، وأشرح صدرا، وأسرهم قلبا، وهذه جنة جنة عاجلة قبل الجنة الآجلة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا. قالوا وما رياض الجنة؟ قال: حلق الذكر. وهذا قول صلى الله عليه وسلم ما بين بيتي ومنبري روضه من رياض الجنة. ومن هذا قوله وقد سالوه عن وصاله في الصوم: إني لست كهيئتكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. الوصال في الصوم أن يجلس الإنسان يومين ثلاثة صائم لا يفطر، وهذا منهي عنه إلا للنبي صلى الله عليه وسلم، فإن من خصائصه أنه يجلس اليومين والثلاثة لا يفطر.
فلما سالوه عن ذلك قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني. والعلماء قالوا هذا الطعام وهذا الشراب إنما هو يعني طعام المحبة وطعام الانس بالله الذي يحصل له صلى الله عليه وسلم به من القوه ما لا يحصل لغيره من البشر، فلا تزاحم النبي عليه الصلاه والسلام في هذه المرتبه. فأخبر صلى الله عليه وسلم أن ما يحصل له من الغذاء عند ربه يقوم مقام الطعام والشراب الحسي، وإنما يحصل له من ذلك أمر يختص به لا يشاركه فيه غيره، فاذا امسك عن الطعام والشم فله عنه عوض يقوم مقامه وينوب منابه ويغني عنه.
كما قيل: لها أحاديث من ذكراك تشغله تشغلها عن الشراب وتلهيه عن الزاد. لها بوجهك نور تستضيء به ومن حديثك في أعقابها حادي. إذا اشتكت إذا اشتكت من كلال السير أوعدها روح ال عندك. إذا اشتكت اشتكت إذا اشتكت من كلال السير أوعدها روح كلال السير يعني إذا اشتكت من تعب المسير أوعدها بما ستحصده في نهاية المطاف روح اللقاء فتحيا عند ميعادي. يعني إذا اشتكت نفسك من صعوبة المسير إلى الله فعليك أن تعدها بماذا؟ بجمال اللقاء عند الوصول إلى نهاية المسير. عند إذا تتحفز نفسك لهذا الوعد الذي منحتها إياه.
نعم، قال رحمه الله: وكلما كان وجود الشيء أنفع للعبد وهو إليه أحوج كان تعلمه بفقده أشد، وكلما كان عدمه أنفع له كان تعلمه بوجوده أشد. ولا شيء على الإطلاق أنفع للعبد من إقباله على الله واشتغاله بذكره وتنعمه بحبه وإيثاره لمرضاته، بل لا حياه له ولا ن. شوف هذه قاعدة: كلما كان الشيء وجوده أنفع للعبد كان الألم عند فقده كبيرا، وما هو أنفع شيء لك؟ تعلقك بالله واشتغال بالله وانسك بالله، فإذا فقدت ذلك كان كان الألم والضنك والحياة المتعبه أكثر وأكثر.
وكلما كان الشيء في العكس عدمه أنفع كان تألمه بوجوده أكثر. فالنظر إلى النساء أو الفعل الحرام عدمه أنفع، فإذا أوجدت في حياتك كان ألمه شديدا وخطره عظيما، هي هكذا الحياة أيها الكرام. نعم، قال رحمه الله: بل لا حياة له ولا نعيم ولا سرور ولا بهجة إلا بذلك، فمه الألم فمه شيء له وأشده عذابا عليه إنما تغيب الروح، وإنما تغيب الروح عن شهود هذا العذاب والالم لاشتغال بغيره واستغراق في ذلك الغير، فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوات بفراق أحب شيء ال.
جميل، يقول لك بعض الناس قد يشكك في كلامنا بقول لك يا شيخ أنت بتقول إنه إذا وجدت المعاصي والذنوب حصل الألم، طب نحن نرى كثير ممن يقترفون المعاصي ليلاً ونهاراً ويعيشون في الملاهي وما عندهم بالعكس يزدادون، اليس لو كان هناك ألم لما فعلوا ذلك مرة أخرى؟ فماذا يجيبك ابن القيم عن هذه القضية؟ يقول: هؤلاء لأنهم في سكرة الشهوات لا يشعرون بالألم. كيف مريض جسده كله معبأ بالأمراض، لكن ماخذ مسكن الآن، هل هذا ينفي وجود الألم؟ لا، هو الجسد في ألم والمرض يشتد وهو عم يفتك، لكن ضحك عليه بأيش؟ ضحك عليه الطي، قال له خلص خذ المسكن.
لما لما يزول المسكن ماذا سيحصل؟ سيجد أن الألم تفشى أكثر وأكثر. قال كذلك هؤلاء أصحاب المعاصي هم كلما يعني بعدوا عن المعصية يشعرون بألم وضيق، فالمساج ماذا يظنون؟ أن نعود ناخذ المسكن مرة أخرى، فيذهب فيعاقر النساء أو يعاقر الشهوات أو أو كذا مرة أخرى. فهو في حالة ألم المعاق، يقول ابن القيم: في حالة سكر في حالة نشوه، هو لا يشعر أن الألم عم بيفتك أكثر وأكثر، لكن متى سينتبه إلى ذلك؟ عندما يستيقظ ويعود إلى ممارسة حياة طبيعية، ويرى النكد والضيق والهموم وأغلاق الحياة وعدم التوفيق في مساعي ودروب الحياة سيشعر، ولعلّه لا يفيق والعياذ بالله حتى يموت.
فالمسكين هو وين خطاه؟ كلما شعر بالألم عم بيعالج وين؟ باخذ حبة المسكن، مش عم بيعالج معالجة حقيقية. والإنسان الموفق إذا وقع في معصية فشعر بعدها بالألم ماذا ينبغي أن يفعل؟ أن يعالج، مش يذهب ياخذ مسكن. المسكن أنك تعاقر المعصية مرة أخرى بضرك؛ لأنه الألم سيزداد، والألم عم يقوى، وأنت فقط تاخذ مسكنات، والمسكنات ما بتعالج، عالج بالعلاج الصحيح وهو العودة إلى الله والتوبة إليه مرة أخرى.
نعم، قال رحمه الله: فتغيب به عن شهود ما هي فيه من ألم الفوات بفراق أخ. ماذا قال؟ قال: وإنما تغيب الروح عن شهود هذا الألم ألم المعصية بعد فعلها والعذاب لاشتغاله بغيره؛ لأنه مشتغلة بمعاق ألم المعصية، يعني هو في لحظة السكر في لحظة في نشوة المعصية وهي مستغرقة في ذلك الغير، يعني مستغرقة في الحديث أو في النظر أو في مشاهدة المقطع الحرام أو الصورة المحرمة، هو في تمام الاستغراق، فمش شاعر بماذا بالألم الذي يفتك بايمانه.
قال فت به، أي بسبب انشغالها بالمعصية عن شهود ما هي فيه حقيقة من ألم العقوبة بفراق أحب شيء إليها وهو الله وأنفع لها. نعم، قال: وهذه من منزلة السكران المستغرق في سكره الذي احترقت داره وأمواله وأهله وأولاده، وهو لاستغراق في السكر لا يشعر بألم ذلك الفوات وحسرته. جميل، يعني إنسان بيته احترق ومات أولاده في حادث سير وزوجته أبصر ايش حصل معها، وهو شرب مسكرا فسكر وتجده فرحان وطربان، هل هذا ما عنده ألم في الحياة؟ لا، هو عنده ألم بس ماخذ المسكن أنه في حالة سكر فلا يشعر.
بالألم متى سينتبه إذا زالت حالة السكر، وعاد لينظر في الحياة سيكتشف الواقع المتدمّر في حياته، وهكذا حال من دمر قلبه وخربه ولم يعمره بمحبة الله والأنس به. نعم، قال: حتى إذا صحي وكشف عنه غطاء السكر وانتبه من رقدة الخمر فهو أعلم بحاله حينئذ.
هكذا الحال سواء عند كشف الغطاء ومعاينة طلائع الآخرة والاشراف على مفارقة الدنيا والانتقال منها إلى الله، بل الألم والحسرة والعذاب هناك أشد بأضعاف مضاعفة. نعم، لحظة النزع السكرات الأخيرة ستكون مؤلمة لكثير من الناس، مؤلمة ليس فقط من ناحية أنها سكرات مؤلمة، عندما يمر عليه شريط الحياة وينتبه أنه كل شي انتهى الآن وأنه الآن لحظة الحقيقة.
الملائكة أتت لتحمل روحه والآن سيبدأ رحلة الحساب، ستكون لحظة مؤلمة جداً جداً جداً لهؤلاء الذين عاشوا على المسكنات خلينا نسميهم، اللي عاشوا فقط ياخذون شهوات وشهوات وشهوات ويؤمن نفسه بالتوبة وغدا أتوب وأعيش إلى الخمسين، فاذا ملك الموت ياتيه على بداية الألف أو بداية الأربعين ليقبض روحه.
تخيل هذه اللحظة كم ستكون مؤلمة لمن لم يعمر شريط الحياة بطاعة الله سبحانه وتعالى، عندئذ تسكب العبارات ويعرف الإنسان أنه قد خادع نفسه وأنه لم يعش الحياة كما ينبغي أن تكون، مع أنه سمع المواعظ وأتته القوارع والزواجر لكن دائما شهوته كانت تغلب عقله وإيمانه، دائما يفشل، عندئذ يعض أصابع الندم والعياذ بالله.
نعم، قال رحمه الله: فإن المصاب في الدنيا يرجو جبر مصيبته بالعوض، ويعلم أنه قد أصيب بشيء زائل لا بقاء له. الدنيا يعني اللي بينهد من بيته اللي زي ما بصير مع إخواننا في غزة، يفقد حبيب، يفقد عزيز، يعلم أن في كل شيء عوض وفي الله أنس عن كل شيء، لكن المشكلة اللي بيخسر مش في الدنيا، اللي بيخسر يعني مش أمر دنيوي، اللي بيخسر أمر ديني إيماني هذا ماذا سيعوضه؟
نعم، قال: فكيف بمن مصيبته بلا عوض عنه ولا بدل منه ولا نسبة بينه وبين الدنيا جميعها؟ فلو قضى الله سبحانه عليه بالموت من هذه الحسرة ومن هذه الحسرة والألم كان العبد جديرا به، والموت لا يعود أعظم أمنيته وأكبر حسراته. هذا لو كان الألم على مجرد الفوات، فكيف وهناك من العذاب على الروح والبدن بأمور أخرى وجودية ما لا يقدر قدره؟
يعني الإنسان إذا غادر الدنيا لو بكى على مجرد عدم أنسه بالله في هذه الحياة لكفى بذلك حسرة، فما بالك أنه هو الموضوع مش فقط أنه فاتك الانس بالله في الدنيا، الموضوع أنه في مصيبة أيضا جايتك في الدار الآخرة. هذا ما يريد ابن القيم أن يقوله، هذا معنى قوله هنا.
قال: فلو قضى الله سبحانه عليه بالموت حسرة على فوات نصيبه من الأنس بالله لكفى بذلك حسرة وألماً، فما بالك أن مشكلة الإنسان ليست فقط أنه فاته حظه من تعبد الله في الدنيا والأنس به ومحبته، أن هذا أيضا عليه عواقب وحسرات ألم ما زالت تنتظره، فأنت خسرت الدنيا وخسرت الآخرة أيضا وللاسف.
نعم، قال رحمه الله: فتبارك من حمل هذا الخلق الضعيف هذين الألمين العظيمين اللذين لا تحملهما الجبال الرواسي. الألمين العظيمين ما هما؟ ألم عدم الأنس بالله في الدنيا، وألم العذاب يوم القيامة. يعني أنت كإنسان مخلوق ضعيف كأنه ابن القيم بقول لك أنت ليش بتحمل نفسك هذين الألمين؟ أنا واياكم ضعاف، لماذا نحمل أنفسنا هذه الآلام؟ آلام الدنيا اللي هي ماذا يقصد؟ فوات الأنس بالله وطاعة الله والإصرار على المعصية، وفوق هذا نحمل أنفسنا أيضا آلام الآخرة بنار جهنم والعياذ بالله.
ما الذي يجبرك على هذا؟ اعرف ضعفك واحترم ضعفك، واعلم أنك تحتاج إلى جنة الدنيا وجنة الآخرة فاسع إليهما، وتحمل الآلام المتقبلة وهي ألم غض البصر إذا بدنا نسميه في ألم، صح؟ ألم ترك الحرام وقد يسر لك تحمل هذه الآلام التي يمكن أن تتحمل بدلا من أن تعقبها بآلام لا يمكن أن تتحملها.
نعم، قال رحمه الله: فأعرض الآن على نفسك اعظم محبوب لك في الدنيا بحيث لا تطيب لك الحياة إلا معه، فأصبحت وقد اخذ منك وحيل بينك وبينه أحوج ما كنت إليه، فكيف يكون حالك الآن؟ الآن وأنت تجلس فكر ايش هو اعظم محبوب اليك من امور الدنيا، فتاة معينة، مال معين، منصب معين.
يقول لك تخيل ثم تخيل نفسك وقد أصبحت في سكرات الموت، والموت باعد بينك وبين هذا المحبوب الدنيوي الذي عشت من أجله وربما عصيت من أجله وارتكبت الحرام من أجله، انظر ماذا سيكون موقفك في تلك الساعات.
نعم، قال: هذا ومن كل وهذا ومنه كل عوض، فكيف بمن لا عوض عنه؟ كما قيل: من كل شيء إذا ضيعته عوض، وما من الله إن ضيعته عوضه. أي والله، وما من الله إن ضيعته عوضه. كل شيء بتعوض في الدنيا أيها المشايخ الكرام، لكن إذا ضيعت الله لا يعوض شيء مكان الإله.
نعم، قال: وفي أثر إلهي: ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وتكلفت برزقك فلا تتعب. ابن آدم أطعني تجدني، فإن وجدتني وجدتك، كل شيء وإن فتك وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء سبحانه.
قال رحمه الله تعالى: فأصل المحبة جنس تحته أنواع متفاوتة. ولما كانت المحبة جنسا تحته أنواع متفاوتة في القدر والوصف، كان أغلب ما يذكر فيها في حق الله تعالى ما يختص به ويليق به من أنواعها، وما لا يصلح إلا له وحده مثل العبادة والإنابة ونحوهما، فإن العبادة لا تصلح إلا له وحده وكذلك الإنابة.
وقد تذكر المحبة باسمها المطلق كقوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُونَهُ، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِنْ دونه. لانه العبادة مرة معنا هي من اعلى مراتب العبودية، فأقول لك المحبة مراتب تمام، من مراتبها ما لا يصلح إلا أن يكون لله، مش مرة معنى ايش مراتب المحبة العلاقة والصبا يعني مش مرتب والغرام رتبنا الدرس الماضي إلى مراتب، فيقول لك من مراتب المحبة ما لا يصلح إلا أن يكون لله وهي مرتبة التعبد، فالتعبد هي من أعلى مراتب المحبة هذه خاصة بالله.
نعم، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ. وأعظم أنواع المحبة المذمومة المحبة مع الله التي يسوي المحب فيها بين محبة الله ومحبه الند الذي اتخذه من دونه، وأعظم أنواعها المحمودة محبة الله وحده ومحبه ما أحب، وهذه المحبة هي أصل السعادة وراسها التي لا ينجو أحد من العذاب إلا بها، والمحبه المذمومة الشركية هي أصل الشقاوه وراسها التي لا يبقى في العذاب إلا أهلها.
نعم، فأهل المحبة الذين أحبوا الله وعبدوه وحده لا شريك له وعبده وحده لا شريك له لا يدخلون النار، ومن دخلها منهم بذنوبه فانه لا يبقى فيها منهم احد. لذلك كانوا يقولون اصل الحياة الدنيا تقوم على الحب، هكذا يقولون الدنيا تقوم على الحب، لكن كل سيختار حبيبه هي هكذا الحياة.
إذا اخترت حب محبة الله اخترت الاتجاه الصحيح، وإذا اخترت محبة غيره أو أشركت محبة الله بمحبة غيره فقد اخترت الاتجاهات الخاطئة. فالحياة فلسفتها أن الإنسان كما قال يفعل ما يحب، لكن العبرة من هو المحبوب لذاته؟
نعم، قال رحمه الله: ومدار القرآن على الأمر بتلك المحبة ولوازمها، والنهي عن المحبة الأخرى ولوازمها، وضرب الأمثال والمقاييس للنوعين، وذكر قصص النوعين، وتفصيل أعمال النوعين وأوليائه ومعبود كليهما، وأخباره عن فعله بالنوعين وعن حال النوعين في الدور الثلاثة دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار.
والقرآن جاء في شأن النوعين، وأصل دعوة جميع الرسل عليهم السلام من أولهم إلى آخرهم إنما هي عبادة الله وحده لا شريك له، المتضمنة لكمال حبه وكمال الخضوع والذل له والإجلال والتعظيم ولوازم ذلك من الطاعة والتقوى.
وقد جاء في الصحيحين من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ. وفي صحيح البخاري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يا رسول.
والله، لاأن أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. فقال: لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسي. قال: والذي بعثك بالحق، لأنت أحب إلي من نفسي. قال: الآن يا عمر.
فإذا كان هذا شأن، هو جاء في بعض الروايات أنه ذهب ثم عاد فقال إنك كذا، نعم، قال: فإذا كان هذا شأن محبة عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووجوب تقديمها على محبة نفس الإنسان وولده ووالده والناس أجمعين، فما الظن بمحبة مرسله سبحانه وتعالى ووجوب تقديمها على محبة ما سواه؟
ومحبة الرب سبحانه وتعالى تختص عن محبة غيره في قدرها وصفتها وإفراده سبحانه بها، فإن الواجب له من ذلك كله أن يكون أحب إلى العبد من ولده ووالده، بل من سمعه وبصره ونفسه التي هي بين جنبيه، فيكون إلهه الحق ومعبوده أحب إليه من ذلك كله. والشيء قد يحب من وجوه دون وجه، وقد يحب بغيره، وليس شيء يحب لذاته من كل وجه إلا الله وحده، وهذا سبق أن أصله.
نعم، قال: ولا تصلح الألوهية إلا له. وقال تعالى: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا. يعني إذا كانت شوف هذ اخواني الآية العظيمة، إذا كانت السماوات والأرض إذا وجد فيهما أكثر من إله لفسدتا، وهذه مخلوقات عظيمة، فما بالك بقلبك الضعيف إذا وجد فيه أكثر من إله، أكثر من شيء يتأله، ماذا سيحصل فيه؟ تخيل حجم قلبك وحجم السماوات والأرض، إذا كانت السماوات والأرض لو وجد فيهما آلهة وتنازع في الآلهة لفسدتا، فقد قلبك هذا العضو الصغير هذا اللي في داخلك إذا وجد فيه أكثر من إله ماذا سيحصل به؟ سيتفتت، تفتت لأن يبقى شيء اسمه عبادة بالمعنى الصحيح.
نعم، قال رحمه الله: والتالي هو المحبة والطاعة والخضوع. فصل: المحبة أصل كل حركة في العالم العلوي والسفلي، وكل حركة في العالم العلوي والسفلي فصلها المحبة. لذلك قلت لكم الوجود يقوم على المحبة، يعني هكذا هي فلسفة الحياة الدنيا.
نعم، قال: فهي علتها الفاعلية الغائية. هي العلة الفاعلة والعله الغائية. إيش يعني العلة؟ هذه عبارات فلسفة شوي. الفلاسفة يقولون هناك علة فاعلة، يعني العلة التي تدفعني أن أفعله هي بيمو العلة الفاعلة، والعلة الغائية يعني والشيء الذي أرجو في غاية الأمر أن أصل إليه. يعني ما الذي يجعلني أنفعل لأعمل؟ الحب. وما هي الغاية التي تجعلني أعمل أو أصل إليها؟ الحب.
تمام، قال: فهي العلة الفاعلة التي تجعل الانسان ينفع اللي يعمل الحب، وأنت تريد في الغاية أن تصل إلى ماذا؟ إلى محبوبك. فلذلك يقولون الحب هي العلة الفاعلة ابتداء، والعله الغائية التي تريد الوصول إليها انتهاء.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وذلك لأن الحركات ثلاثة أنواع، حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قصرية. يعني حركة اختيارية إرادية، هي الواو زائده، حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قصرية. قصرية اللي هي اضطرارية. الحركة القصرية الاضطرارية مثل حركة رمش العين. أنا هل أحد فيكم يتحكم برمش العين لما يرمش؟ هذه حركة بسموها قصرية، يعني أنت لا تسيطر عليها الآن.
سيفرق بين الحركة الاختيارية والحركة الطبيعية. طيب، قال رحمه الله تعالى: والحركة الطبيعية أصلها السكون، وإنما يتحرك الجسم إذا خرج عن مستقره ومركزه الطبيعي، فهو يتحرك للعود إليه، وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاصر المحرك له. فله حركة قصرية تتحرك بتحريك محركه وقاسره، وحركة طبيعية بذاتها يطلب بها العوده إلى مركزه، وكلا الحركتين تابعة للقاصر المحرك، فهو أصل الحركتين، والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين، وهي تابعة للارادة والمحبه، فصارت الحركات الثلاث تابعة للإرادة والمحبة.
والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث، أن المتحرك إن كان له شعور بالحركه فهي الإرادية، وإن لم يكن له متح أي شيء بيتحرك إذا كان هو يشعر بهذه الحركة ويتحكم بها، فهي تسمى حركة إيش؟ اختيارية إرادية، أي حركة أنت بتحكم فيها وبسيطر عليها كحركة يدي مثلاً هكذا، هذه حركة اختيارية إرادية، أنا الذي أتحكم وانا الذي أتشعر بها.
طيب، قال رحمه الله: والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث أن المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها فإما أن تكون على وفق طبعك أو لا، فالأولى هي الطبيعية، والثانية القصرية. إذا ثبت هذا، فما في السماوات هو يعني ربما كان كلامه أدق من كلامي هنا لما قال: وإن لم يكن له شعور بها، إذا هو بقول لك الحركات، حركة اختيارية وحركة إيش؟ طبيعية. غير ذلك، غير ذلك الحركات، حركة اختيارية وغير ذلك، الحركة الاختيارية اللي أنت بتفعل بارادتك واختيارك، واما غير ذلك يدخل فيه نوعان: الطبيعية وإيش؟ والقصرية.
الطبيعية هي مثالها الحركات التي لا تخالف طبيعتك وإرادتك، اللي هي مثلها برمش العين. رمش العين مش مثال على القصرية في تقسيم ابن القيم، لا، مثال على الطبيعية؛ لأنها حركة أنت لست مسيطراً عليها لكنها لا تخالف ماذا؟ إرادتك وما تريد. أما القصرية، قال: فهي أن تتحرك على خلاف إرادتك، يأتي محرك خارجي يقصر، أنت بدك تروح هيك وبيجي شيء قصري بجبرك أنك تمشي في الاتجاه المعاكس، أنت هيك وهي لا، فش تروح، هذه تسمى حركة إيش؟ قصرية، شيء يدفعك أن تتحرك بخلاف ما تريد.
إذاً هناك حركة اختيارية، نعيد نقول: هي ما تفعله أنت باختيارك التام. ما سوى ذلك الحركة الغير الاختيارية، الغير الاختيارية قسمها ابن القيم إلى قسمين: غير اختيارية لكنها طبيعية، اللي هي حركة مثلاً ك نقول حركة الأرض والكواكب حول الشمس، نقول حركة مثلاً غير اختيارية لكنها إيش؟ طبيعية، ليست خلاف مثلاً ما صنعت له. حركة رمش عينك، كثرة نبضات قلبك، حركات طبيعية وإن كنت أنت لا تتحكم بها، لكنها لا تناقض. أما الحركة القصرية هي حركة تاتي غصباً عنك، أنت تسير في اتجاه وهناك ما يقصر على أن تسير في الاتجاه الآخر.
طيب، قال رحمه الله تعالى: إذا ثبت هذا فما في السماوات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجنة في بطون أمهاتها، فإنما هي بواسطة الملائكة المدبرات أمرا والمقسم أمرا، كما دل على ذلك نصوص من القرآن والسنة في غير موضع، والملائكة بذلك من تمام الإيمان بالملائكة؛ فإن وكلها من أي نوع؟ كلها من أنواع هذه الحركات الطبيعية، يعني هي ليست باختيار لكنها إيش؟ طبيعية، ليست عنادية لها.
نعم، قال: فإن الله وكل بالرحم ملائكة، وبقطر ملائكة، وبالنبات ملائكة، وبريح ملائكة، وبالأفلاك ملائكة، ووكل بعباده ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله، وحافظين من بين يديه ومن خلفه، ووكل ملائكة بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرها من الجنة والنار، ووكل ملائكة بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه، وملائكه تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره، وملائكه بتعذيبه في النار أو بنعيمه في الجنة، ووكل بالجبال ملائكة، وبسحب ملائكة تسوقه حيث أمرت به، وبقطر ملائكة تنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكل ملائكة بغرس غرس الجنة وعمل آلتها وفرشها وثيابها والقيام عليها، وملائكة بالنار كذلك.
فأعظم جند الله الملائكة، ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهم يدبرون الأمر ويقسمون بأمر الله وإذنه. قال الله تعالى إخباراً عنهم: وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا. وقال الله تعالى: وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى.
وأقسم سبحانه بطوائف من الملائكة المنفذين لأمره في الخلق كما قال: وَالصَّافَّاتِ صَفًّا* فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا* فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا. وقال تعالى: وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا* فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا* وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا* فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا* فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا* عُذْرًا أَوْ نُذْرًا. وقال تعالى: وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا* وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا* وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا* فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا* فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا. وقد ذكرنا معنى ذلك وسر الأقسام به في كتاب أقسام القرآن.
فإذا عرفت ذلك، فجميع تلك المحبات والحركات والارادات والافعال هي عبادة منهم لرب الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية والقصر تابعة لها، فلولا الحب ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيرات، ولا هبت الرياح المسخرات، ولا مرت
السحب الحاملات، ولا تحركت الأجنة في بطون الأمهات، ولا انصدع عن الحب أنواع النبات، ولا اضطربت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت المدبرات والمقسم، ولا سبحت بحمد فاطر الأرض رضون والسماوات وما فيها من أنواع المخلوقات.
فسبحان من تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن، وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا.
فالله سبحانه وتعالى هو صاحب الإرادة والاختيار.
تمام، الله سبحانه هو صاحب الإرادة، يعني هو الآن تكلم عن فلسفة الحركات، لكن عموما ما خلاصة ما نقوله؟ أن الله سبحانه وتعالى هو صاحب ماذا؟ الاختيار والإرادة، والملائكة حركاتها مثلا من الحركات الإيش؟ الطبيعية، نفس حركتة الملائكة، ولماذا يمثل هنا بالملائكة بجميع أنواعها؟ إذا نظرت إلى حركة الملائكة هي حركة طبيعية لأنه هم لا يفعلون باختيارهم، اليس كذلك؟ يعني ما عنده مجال يختار ولا ما يختار، الملك إذا أمر، لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.
فالله هو المحرك وهو أصل كل شيء، والمخلوقات تسير، فالملائكة عنده حركة اختيارية، فيقول لك أيها الإنسان: يجب أن تكون حركتك الاختيارية منساق مع الحركات الطبيعية، مش قلنا حركة الملائكة الطبيعية، حركة الأفلاك والنجوم والكواكب، كل هذه الحركات الطبيعية إنما تنفذ وتعود إلى المحرك الأصل وهو الله سبحانه وتعالى.
الإنسان عن سائر المخلوقات، خلينا نقول الإنسان والجن يعني حتى يعني يشمل كلامنا الله يجزاه الخير الأخ هذا، تمام، فالإنسان والجن هذان المخلوقان الله عز وجل أعطاهم حركات ماذا؟ اختيارية، الأصل أن تصب حركتك الاختيارية مع الحركة الطبيعية لهذا الكون حتى تعود أيضا إلى الله سبحانه وتعالى فتكون لله، إذا خرجت بحركاتك الاختيارية عن حركة الكون الطبيعي فهنا ستعاقب وهنا ستعذب، خرجت عن السكة فهمت، وماذا يريد أن يقول؟ لذلك دائما الله عز وجل في شرحنا لتفسير النسفي كنا نقول: يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. ليش يركز الله على هذه القضية؟ أن الله يخبرنا أن كل ذرة في السماوات وفي الأرض حركتها الطبيعية المعتاده هي ماذا؟ هي أنها تنساق إلى الله عز وجل رضيت به ربا ومحبوبا ومقصودا.
فأنت أيها الإنسان في حركتك الاختيارية يجب أن تكون مثل الملائكة في حركتها الطبيعية، أنت أيها الإنسان في حركتك الاختيارية التي بإرادتك يجب أن تكون مثل الملائكة، فإذا فعلت ذلك فأنت أفضل من الملائكة؛ لأن الملائكة تفعل بحركة طبيعية، وأما أنت عدت إلى الله بحركة اختيارية بمشيئتك وإرادتك.
أما إذا عصيت وكانت حركاتك الاختيارية تخالف الحركات الطبيعية لهذا الكون خرجت عن السكة، فإما أن يقودك الله قصرا إليه مرة أخرى وإما أن يهلكك هلاكا والعياذ بالله.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الحركات الاختيارية التي تقودنا إليه، وأن يجنبنا مزالق الفتن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل