بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين. اللهم إن ابتعدنا فقربنا، وإنقطعنا فأوصلنا، وإن غفلنا فذكرنا، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، إنك أنت نعم المولى ونعم النصير.
حياكم الله معاشر الأحبة في مجلس جديد نعقده في مدارسة هذا الكتاب الطيب المبارك كتاب الداء والدواء للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. وكما وفي بادئ كل مجلس نتذكر الموضوع، هذا الكتاب وهو كتاب يتحدث عن آفة الذنوب والمعاصي التي تحيط بحياة الإنسان، ويحاول الإنسان دوماً أن يتخلص منها وأن يقلل من أثرها السيء على حياته. فهذه الرسالة البديعة من ابن القيم رحمه الله تعالى عليه حاول فيها أن يعالج ثنايا هذا الموضوع؛ يتكلم ما هو العلاج الأساسي لموضوع الذنوب والمعاصي؟ ثم ما هي آثار الذنوب والمعاصي على حياة الإنسان في الدنيا وفي الآخرة؟ ثم سيتكلم في فصل لاحق كيف تدخل المعاصي إلى قلبك وحياتك، كيف تتسلل المعاصي إلى عقولنا وأفكارنا، وكيف علينا أن نغلق هذه البوابات التي تتسلل منها؟ ثم سيتكلم عن المعاصي الأبرز: معاصي النظر والتعلق والشهوات، وكيف يستطيع الإنسان أن يعالجها بدقة.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على الفهم وعلى العمل؛ لأن الكلام والتنظير سهل أيها الأحبة، وأن تقرا كتاب هذا سهل، لكن المشكلة الأعوص ما هي؟ أن نطبق ما نقرا، وأن نجد الهمة والدافعية للعمل، أن يرزقنا الهمة دائماً لأن نعمل بما نعلم، ونستعيذ به من العجز والكسل، فمر معنا فهذه من أسوأ الأمراض التي يبتلى بها الإنسان، أن يبتلى بمرض الكسل عن مكافحة الشهوات، والكسل عن مكافحة الشيطان ووساوسه وخطراته، وأن يسلم حياته له ليقوده حيث شاء، هذا مرض خطير نعوذ بالله سبحانه وتعالى.
حتى لا نأخذ المجلس في المقدمة، نشرع إن شاء الله فيمن انتهينا إليه من آثار الذنوب والمعاصي، وانتهينا عند قول المصنف رحمه الله: المعاصي توجب القطيعة بين العبد وبين ربه. اقرأ بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل المعاصي توجب القطيعة بين العبد والرب.
طبعا هل هذا من كلام ابن القيم يعني فقط من باب التنكيت أم هو مجرد كما يقولون من صنع المحققين؟ هل هذا الكلام الذي في الأعلى المعاصي توجب القطيعة، هل هو من كلام ابن القيم حتى نقول قال المصنف رحمه الله المعاصي توجب، ولا هو من صنع المحقق؟ الذي في الأعلى صنع المحقق، وليس هو كلام ابن القيم. وما ابن القيم فيكدا يبدأ من أين؟ ومن اعظم عقوبات الذنوب والمعصية. قال رحمه الله تعالى: ومن أعظم عقوباتها أنها توجب القطيعة بين العبد وبين ربه تبارك وتعالى.
وإذا وقعت القطيعة انقطعت عنه أسباب الخير، واتصلت به أسباب الشر. فأي فلاح، وأي رجاء، وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير فقطع ما بينه وبين والده ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين؟ راكد الإنسان أحباب الجرابة، الإنسان إنما عبادته في هذه الحياة الدنيا أن يستند إلى الله. عمادك أيها الإنسان أن تستند إلى الله سبحانه وتعالى، يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
فهذا أصل متجذر، حتى أن شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا شيء متجذر وهو أصل الإنسان. أصل الإنسان ليس كما يقول المتكلمون الإمكان تمام في النواحي الفلسفية، هو قديم أو حادث، وهذه أصل الإنسان الافتقار، أصل الإنسان ما هو؟ الافتقار. هذه العلة الذاتية الموجودة في الإنسان أنه مفتقر وربه غني، وما دمت مفتقراً إذاً أنت تحتاج إلى الله سبحانه وتعالى في كل طرفة عين، وأنت تحتاج إلى الله سبحانه وتعالى أن يوفقك في كل همسة، وفي كل خطوة، وفي كل تفكير، وفي كل إرادة. ومن كان محتاجاً إلى ربه سبحانه وتعالى في خطراته وأفكاره وإراداته وأمامه ومقاصده، كيف يبتعد عن مولاه؟
إنسان لو كنت تحتاج لإنسان في كل خطوة من خطواتك، لإنسان، هل ستبتعد عنه؟ هل ستحاول أن تجافيه وتقطع حبائلك؟ وهذا إنسان، فما بالك بملك الملوك سبحانه وتعالى الذي أنفاسك بيده، وخطراتك بيده، وإراداتك بيده، وسعادتك بيده؟ فلو كنت عاقلاً ونظرت إلى الموضوع بعين الحكمة ستعرف أنه لا يصلح أن تستغني عن الله.
إذا كان الإنسان لا يستطيع أن يستغني عن الله، فإياك أن تققطع الحبل، إياك أن تقطع الحبل بينك وبين الله. وما الذي يقطع الحبل؟ ذنوبكم، معاصيك. الذي يقطع الحبل بينك وبين الله ويجعلك تقع في التيه والحيرة والألم والوحشة، وماذا هو؟ الذنوب والمعاصي. فالعاقل يتقلل من قطع الحبال، العاقل يتقلل من قطع الحبال ويبقي بينه وبين الله سبحانه وتعالى جسور الود ممدودة؛ فإن الله إذا خذلك لن تقوم لك قائمة، وفي إذا وصلك فلن يهزمك شيء. هذه قواعد الحياة لكننا نحتاج أن نؤمن بها وأن توطن في قلوبنا.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وأي عيش لمن انقطعت عنه أسباب الخير وقطع ما بينه وبين وليه ومولاه الذي لا غنى عنه طرفة عين، ولا بدل له منه، ولا عوض له عنه، واتصلت به أسباب الشر، ووصل ما بينه وبين أعدى عدو له فتولاه، وعدو وتخلى عنه وليه، فلا تعلم نفس ما في هذا الانقطاع والاتصال من أنواع الآلام وأنواع العذاب.
نسأل، قال بعض السلف: رايت العبد ملقى بين الله سبحانه وبين الشيطان، فإن أعرض الله عنه تولاه الشيطان، وإن تولاه الله لم يقدر عليه الشيطان. وقد قال تعالى، يعني كأن هذا العالم يصور أن الإنسان في حلبة تمام، إما أن يجذبك وليك من الله سبحانه وتعالى أو يجذبك وليك من الشيطان، فأنت من سيمكن أحد الوليين؟ أما أن تقدم الطاعة وتبذلها لله فيشتبيك الله ويرعاك، وأما أن تعصي الله سبحانه وتعالى فيشتريك الشيطان ويختارك. لذلك ماذا قرانا في سورة المجادلة: اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ. شوف كلمة الاستحواذ، كأن هو الذي أخذ. طبعا هو الشيطان لا يغلب رب العالمين، انتبه، الشيطان وليس يغلب رب العالمين، فأخذك أنت، أنت الذي منحت نفسك للشيطان، وإلا فالله سبحانه وتعالى لا يغلب، أنت الذي منحت نفسك، يستحوذ عليك الشيطان وياخذ بعقلك وفكرك.
وَإِذ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ ۗ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ ۚ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا. يقول سبحانه لعباده: إن أكرمت أباكم ورفعت قدره وفضلته على غيره فأمرت ملائكتي كلهم أن يسجدوا له تكريماً له وتشريفاً، فأطاعوني، وأبى عدوي وعدوه فعصى أمري وخرج عن طاعتي، فكيف يحسن بكم بعد هذا أن تتخذوه وذريته أولياء من دوني فتطيعونه في معصية وتوالونه في خلاف مرضاتي وهم أعدى عدو لكم؟
فهو أعدى عدو لكم، فواليتم عدوي وقد أمرتكم بمعاداته، ومن والى أعداء الملك كان هو وأعداؤه عنده سواء؛ فإن المحبة والطاعة، لكن الله ملك الملوك إذا وليت الشيطان فانت واليت أعداء الملك سبحانه وتعالى، فأنت في صفهم وفي جندهم. كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي. في المقابل: إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِينَ. فما أي الحزبين تقول؟
نعم، كل منهما سبب يدعو إلى معاداته، فما هذه الموالاة وما هذا الاستبدال؟ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا. إذاً الذي يجعلك تعادي الشيطان وتحارب ولا تكن في صفه، أنه أولاً عدو لملك الملوك سبحانه وتعالى، لحبيبك وخالقك. ثانياً: أنه عدو لك يحاول أن يصدك عن درب السعادة، وكل واحد منهما مستقل في سبب العداوة، فما بالك إذا اجتمع الامران؟
قال رحمه الله: ويشبه أن يكون تحت هذا الخطاب نوع من العتاب لطيف عجيب، وهو أني عديت إبليس إذ لم يسجد لأبيكم آدم مع ملائكة فكانت معاداته لأجلكم، ثم كانت عاقبة هذه المعاداة أن عقدتم بينكم وبينه.
عقد المصالحة، نعم، فهذا كله منه تعليق على الآية العظيمة التي في سورة الكهف نقراها في كل جمعة: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا.
فيقول ابن القيم في هاتين الآيتين: بين الله سبحانه وتعالى لماذا يجب على الإنسان أن يعادي إبليس؟ أولاً، لأنه فسق عن أمر ربه فعصى ملك الملوك. ثانياً، لأنه عدو لك أيها الإنسان، فقال سبحانه: أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ. ففي هذه الآية بيان من الله سبحانه وتعالى لماذا يجب للإنسان ألا يقف في صف الشيطان وألا يواليه وألا يطيع أمره، لأنه فسق عن أمر الله فأصبح عدواً لله، ولانه عدو لكم.
ثم عاتب الله هؤلاء الذين اتخذوه ولياً، قال: بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، بئس ما استبدلتم به، استبدلتم موالاة الله بموالاة إبليس وجنده، بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا، أنتم من خسرتم لما بدلتم، بدلاً من أن تكونوا في صف الرحمن كنتم في صف الشيطان بطاعته والانجرار خلف أهواءه وما يوسوس في صدوركم.
نعم، قلنا رحمه الله تعالى: فصل المعاصي تمحق البركة، ومن عقوباتها أنها تمحق بركة العمر وبركة الرزق وبركة العلم، كل شيء، المعاصي تمحق كل البركات في الحياة، بركة رزقك لا يبارك لك في دينارك ودرهمك، بركة عمرك وحياتك تمر الأيام والسنون وأنت لا تشعر بها، كذلك بركة العلم وبركة العمل، كل شيء لا تشعر فيه بالبركة، بالسعادة، بالانتاجية، وهذا سببه معاصيك التي غلبت على قلبك.
نعم، قال: وبركة العمل وبركة الطاعة، وبالجمله أنها تمحق بركة الدين والدنيا، فلا تجد أقل بركة، فلا تجد أقل بركة بركة عمره ودينه ودنياه ممن عصى الله، وما لحقت البركة من الأرض إلا بمعاصي الخلق، قال الله تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْلَا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ. وقال تعالى: وَأَنْ لَوْ اسْتَقَامُوا عَلَى عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا.
ربنا يقول: لو أن الناس استقاموا على الطريقة، على طريقة الإسلام وعلى طريق الطاعة، لأَسقيناهم ماء متدفقاً عذباً زلالاً. لكن ما الذي يكدر المياه، وما الذي يفسد الطعام، وما الذي يصعب المعيشة في حياتنا، ويغلق أبواب العمل والوظائف، والذي يجعل الحياة مليئة بالنكد والضناكية؟ معاصينا التي خيمت على حياتنا، فما عدنا نستطيع أن نفك عنها، الجوال معصية، الجامعة معصية، العمل والاختلاط معصية، في الطرقات معاصي، كل شيء أصبح فيه معاصي، والانسان ينجر ولا يقف عند حد معين، هذا كله هو سبب التعاسة وسبب الحياة المتعبه المنهكه التي يعيشها كثيرا الشباب والنساء اليوم.
نعم، قال رحمه الله: وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه. وفي الحديث أن روح القدس نفث في روعه أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، فانه لا ينال ما عند الله إلا بطاعته، وأن الله جعل الروح والروح والفرح في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط.
ان الله جعل، أخرى عند شيخنا بفتح الراء، قال: وإن الله جعل الروح والفرح في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط. قال رحمه الله: وقد تقدم الأثر الذي ذكره أحمد في كتاب الزهد: أنا الله إذا رضيت إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تدرك السابع من الولد.
كان عمره أربعين والبعض يقول 44 سنة، حافظ الحكمي رحمه الله لما مات مات تجاوز 35 سنة، وغيرهم، لكنها أعمار منتجة، بينما الإنسان يعيش 90 سنة ولم يقدم شيئاً لهذه الأمة، ما قيمة هذا العمر وما قيمة هذا الزمان الذي أنت فيه؟
نعم، قال رحمه الله: ولكن سعة الرزق وطول العمر بالبركة فيه. وقد تقدم أن عمر العبد هو مدة حياته، ولا حياة لمن أعرض عن الله واشتغل بغيره، فحياة البهائم خير من حياته، فإن حياة الإنسان بحياة قلبه وروحه، ولا حياة لقلبه إلا بمعرفة فاطره ومحبته وعبادته وحده، والإنابة إليه، والطمأنينة بذكره، والانس بقربه، ومن فقد هذه الحياة فقد الخير كله، ولو تعرض ولو تعرض عنها بما تعوض مما، ولو تعوض عنها بما تعوض بما في الدنيا، بل ليست الدنيا باجمعها عوضاً عن هذه الحياة.
فمن كل شيء يفوت العبد عوض، وإذا فاته الله لم يعوض عنه شيء البته. يعني كل شيء يفوتك يمكن أن تعوض عنه، الدينار، الدرهم، الزوجة، السكن، كل شيء يعوض عنه، لكن إذا فاته الله سبحانه وتعالى فلا يوجد شيء يعوض عن الإله في حياة الإنسان وقلبه وروحه.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات؟ أنت فقير بذاتك وهو سبحانه غني بذاتك، يعني فقرنا إلى الله ليس وصفاً طارئاً عليه، ما معنى أنا فقير بذاتي؟ يعني فقري ليس وصفاً طارئاً يمكن أن يزول في يوم من الأيام، بل فقر لله مستدام في الدنيا وفي الآخرة، مستدام في الدنيا والآخرة، فأنا فقير بذاتي أي باصل خلقي فقير إلى الله ولو كان راتبي مليون في الشهر، والله سبحانه وتعالى بالذات فليس غناه وصفاً طارئاً عن بل هو غنى مستدام أزلي أبدي عليه سبحانه وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: وكيف يعوض الفقير بالذات عن الغني بالذات، والعاجز بالذات عند القادر بالذات، والميت عن الحي الذي لا يموت، والمخلوق عن الخالق، ومن لا وجود له ولا شيء له من ذاته البته، أما الغناء هو حياته وكماله ووجوده ورحمته من لوازم ذاته. وكيف يعوض من لا يملك مثقال ذرة عما عما له ملك السماوات والأرض؟
وإنما كانت معصية الله سببا لمحق بركة الرزق والأجل، لأن شيطاناً موكل بها وبأصحابه، فسلطانه عليهم وحوالته على هذا على هذا الديوان وأهله وأصحابه، وكل شيء يتصل به الشيطان ويقارنه فبركته ممحوقة، ولهذا الشيطان يدخل معك في رزقك والشيطان يدخل معك في عمرك فيمحق هذه البركة في الأرزاق وفي الأعمار.
نعم، كيف سيدخل؟ أنت تفتح له الباب بمعاصيك وذنوبك وتوليك له، تدخل على حياتك وعلى أرزاقك وعلى بيتك، أنت إذا فتحت بيتك ولم تقل بسم الله دخل الشيطان، إذا أكلت طعاماً ولم تقل بسم الله دخل الشيطان، فما بالك، هذا فقط إذا لم تقل بسم الله، فما بالك بحياة كلها شيطانية، بحياة كلها في النظر إلى الحرام والعيش مع الحرام، هذا الشيطان ليس فقط عايش معك، هو نائم معكم يستيقظ معك في حياتك اليومية.
نعم، قال رحمه الله تعالى: ولهذا شرع ذكر اسم الله تعالى عند الأكل والشرب واللبس والركوب والجماع، لما في مقارنة بسم الله من البركة، وذكر اسمه يطرد الشيطان فتحضر البركة ولا معارض له.
وكل شيء لا يكون لله فبركته منزوعه، فإن الرب هو الذي يبارك وحده، والبركة كلها منه، وكل ما نسب إليه مبارك، فكلامه مبارك، ورسوله مبارك، وعبده المؤمن النافع لخلقه مبارك، وبيته الحرام مبارك، وكنانته من أرضه وهي أرض الشام المباركة، وهي الشام أرض أرض البركة، أرض الشام التي نحن عليها.
نعم، وصفها بالبركة في ستة في ستة آيات من كتابه، فلا مباركة إلا هو وحده: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ، إن الشام الذي باركنا حوله الشام وهذا في أكثر من موضع قضية باركنا حوله.
نعم، قال رحمه الله تعالى: فلا مبارك إلا هو وحده، ولا مبارك إلا ما نسب إليه، هذه قاعدة، فالبركة في هذه الحياة مصدرها الله، لا شيء فيه بركة إلا ما كان من الله وحل فيه بركة الله سبحانه وتعالى، ولا يحصل الإنسان هذا الشيء إلا باتصاله لربه عز وجل، فإذا عصيت الله أنت حكمت على نفسك بنزع البركة من طعامك وشرابك وذريتك وزوجتك وحياتك وعملك.
إذا عصيت الله سبحانه مسكين أنت سحبت كل هذا الشيء من حياتك من أجل شهوة ساعة، من أجل أن تنظر إلى معشوقة أو تتابع شيئاً قبيحاً أو ما شابه ذلك، بخلاف الإنسان الذي يصبر نفسه على الطاعة ويصبر نفسه عن المعاصي ليحصل مقابل ذلك البركات في حياته وأعماره وليله، فالانسان ينظر أحبابه يعني في هناك نتيجة لغض للبصر وتحمل، نعم صبرك عن الشهوات.
والمعاصي تسلبك سعادة وحياة هنيئة بإذن الله في الدنيا قبل الآخرة في الدنيا قبل الآخرة، لكن فصبر جميل، اصبر حتى تنال. نعم، قال رحمه الله تعالى: ولا بركة إلا ما نسب إليه، أعني إلى ألوهيته ومحبته ورضاه، وإلا فالكون كله منسوب إلى ربوبيته وخلقه، وكل ما باعده من نفسه من الأعيان والأقوال والأعمال فلا بركة فيه ولا خير فيه، وكل ما كان قريبا من ذلك ففيه من البركة على حسب قربه منه.
قال رحمه الله: وضد البركة اللعنة، فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله، هذه قاعدة، ضد الشيء المبارك الشيء الملعون، هكذا يقول ابن القيم، ضد الشيء الذي أنزل الله فيه البركة الشيء الذي انزل الله عليه لعنته. فهناك أرض لعنها الله وهناك أناس لعنهم الله وهناك تصرفات لعنها الله، فكل شيء لعنه الله من أرض أو شخص أو فعل فعليك أن تجتنبه، وكل شيء بارك الله فيه من أرض كأرض الشام أو فعلا أو شخص فعليك أن تقترب منه، هذه القاعدة أو المعادلة التي يقولها ابن القيم.
قال رحمه الله: فأرض لعنها الله أو شخص لعنه الله أو عمل لعنه الله أبعد شيء من الخير والبركة، وكل ما اتصل بذلك وارتبط به وكان منه بسَبيل فلا بركة فيه البتة، واتصل بذلك أي بما هو ملعون. نعم، قال رحمه الله: وقد لعن عدوه إبليس وجعله أبعد خلقه منه، فرأس الملعونين من هو؟ إبليس، فكل من مد حباله لإبليس وأطاعه استوجب اللعنة وأصبح مع الملعونين.
نعم، قال رحمه الله: فكل ما كان من جهته فله من لعنة الله بقدر قربه منه واتصاله به، فمن ههنا كان للمعاصي أعظم تأثير في محق بركة العمر والرزق والعلم والعمل، وكل وقت عصيت الله فيه، أو مال عصي الله به، أو بدن، أو جاه، أو علم، أو عمل، فهو على صاحبه، ليس له، فليس له من عمره وماله وقوته وجاهه وعلمه وعمله إلا ما أطاع الله به. ولهذا فمن الناس من يعيش في هذه الدار مئة سنة أو نحوها ويكون عمره لا يبلغ عشر سنين أو نحوها، كما أن منهم عشر سنين هي المنتجة والباقي تسعون سنة في لهوه وعَبَثه وشهوته ومملكته، ففعليا عاش فقط عشر سنين والباقي نوم وشرب لهو.
قال رحمه الله تعالى: كما أن منهم من يملك القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ويكون ماله في الحقيقة لا يبلغ ألف درهم أو نحوها، وهكذا الجمال والعلم، ألف درهم هي التي بذلها لله، والقناطير المقنطرة فقط صرفها في شهواته وورثها من بعده من أبنائه، فمسكين جمع القناطير المقنطرة ولم يكتب له عند الله منها إلا ألف، هذا طبعا جيد منيح إذا كتب له ألف، بعض الناس يموت ولم يكتب له شيء أصلا ولم يقدم شيئا لدين الله سبحانه وتعالى، وإنما دأبه أن يكتنز الدينار والدرهم فقط.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه أو عَالِماً أو مُتعلماً وما ارتبط به، يعني وتعلق به. هناك قال وفي أثر آخر: الدنيا ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما مرتبطه، وأن تكون معلما للناس الخير أو متعلما للعلم، هذه ثلاث أمور، كل ما ارتبط بالله وطاعته أو أن تكون معلما للناس الخير أو متعلما له فهذا خارج عن اللعنة، وما سوى ذلك فهو ملعون لأنه متعلق بالدنيا وشهواتها.
قال رحمه الله تعالى: وفي أثر آخر: الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان لله، فهذا هو الذي فيه البركة، الرواية الأولى. كما قلت هذا الكتاب البعض يتساءل فيه، كثير من الأحاديث قد يكون فيها ضعف، وكما قلنا أعمال العلماء يعني في عندهم نوع من التسامح في رواية الأحاديث الضعيفة إذا كانت في فضائل الأعمال، هذا عليك أن تفهمنه، أن بعض الناس سأل أن هذا الكتاب فيه أحاديث ضعيفة يردها ابن القيم، ابن القيم يعرف أكثر مني ومنك بالحديث الضعيف، فقط هو إمام حتى في هذا الباب.
طب لماذا يردها؟ لأنها في فضائل الأعمال، يعني لا ينبني عليها حلال ولا حرام ولا حد ولا قطع رأس ولا سفك دماء، وإنما يرجى، وإن كانت ضعيفة من حيث الإسناد، لكن لعل الضعيف صدق يقولون هكذا، ولعل سيئ الحفظ معه، فلا أشكال في ذلك. لكن الأحاديث الموضوعة لا ينقلها ابن القيم، لا ينقلها ابن القيم. ثم بعض الأحاديث قد يكون محقق الكتاب حكم بضعفها لكن ابن القيم نفسه لا يراها ضعيفة، فإذا بعض الأحكام نسبية من عالم إلى عالم، ونحن ثقتنا بعلم ابن القيم عالية ودرايتنا بخبرته كبيرة جدا، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بعلمه، هذا فقط حتى لا يدخل في قلبك شيء فيما يتعلق بوجود الأحاديث الضعيفة.
نعم، قال رحمه الله: فهذا هو الذي فيه البركة خاصة، والله المستعان وعليه التكلان. فصل المعصية تجعل صاحبها من السفلة، قال رحمه الله تعالى: ومن عقوباتها أنها تجعل صاحبها من السفلة بعد أن كان مهيئا ليكون من العلية، فإن الله خلق خلقه قسمين: عليا وسفلة، الله عز وجل خلق الإنسان ليخليفة لله في الأرض، وهذا مقام عال، أن تكون خليفة عن رب العالمين في الأرض، هذا مقام سهل؟ لا والله، إنه مقام شريف جدا. بذنوبك ومعاصيك وطاعتك للشيطان نزلت عن مقام الاستخلاف وأصبحت في أسفل سافلين، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. يقول ابن عاشور: أي في احسن فطرة وأحسن ديانة، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. من الذي يرد أسفل سافلين؟ الذي ابتعد عن هذه الفطرة، فطرة الإيمان والإسلام، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ.
فالناس إما في العليا، وهو الذي بقي على أحسن تقويم، على أحسن فطرة وديانة، وإما أسفل سافلين، وهو الذي ابتعد عن منهج الله سبحانه وتعالى، ابتعد عن استخلاف الله له في الأرض. قال رحمه الله تعالى: فإن الله خلق خلقه قسمين: عليا وسفلة، وجعل عليين مستقر العليا، وأسفل سافلين مستقر السفلة، وجعل عليين وهي منزلة في الجنة، فجعلها لمن كان في علية القوم في الدنيا، فمن كان عاليا في الدنيا كان في عليين في الآخرة، ومن كان سافلا في الدنيا فهو في أسفل سافلين في الآخرة والعياذ بالله.
قال: وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا، وجعل أهل طاعته الأعلين في الدنيا والآخرة، وأهل معصيته الأسفلين في الدنيا والآخرة، كما جعل أهل طاعته أكرم خلقه عليه، وأهل معصيته أهون خلقه عليه، وجعل العزة لهؤلاء والذلة والصغار لهؤلاء. كما في مسند الإام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بُعِثْتُ بِالسَّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي، وَجُعِلَ الذِّلَّةُ وَالصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي. فكل من خالف أمر هذا موطن الشاهد من الحديث: فمن خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم فهو ذليل صاغر.
نعم، قال رحمه الله: فكلما عمل العبد معصية نزل إلى أسفل درجة، ولا يزال في نزول حتى يكون من الأسفلين، وكلما عمل طاعة ارتفع بها درجة، ولا يزال في ارتفاع حتى يكون من الأعلين. وقد يجتمع للعبد في أيام حياته الصعود من وجه والنزول من وجه، وأيهما كان أغلب عليه كان من أهله. فليس من صعد مئة درجة بالمعاصي وتفعل طاعات، فإذا فعلت معصية نزلت وإذا فعلت طاعة علوت، فتكون في يومك الواحد في صعود ونزول، وأيهما تغلب تكون فيه مرتبتك.
فليس من صعد مئة درجة ونزل درجة واحدة كمن كان بالعكس، كما نزل مئة درجة عمل في يومه مئة معصية وعمل طاعة واحدة، هذا بيطلع يعني، نزل مية وطلع درجة، هل هذا مثل من طلع مئة ثم نزل درجة؟ يعني الموازنة ليست متكافئة. قال رحمه الله: ولكن يعرض ههنا للنفوس غلط عظيم وهو أن العبد قد ينزل نزولا بعيدا أبعد مما بين المشرق والمغرب ومما بين السماء والأرض، فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد. كما في الصحيح عن النبي ينزل مئة ألف درجة، بعد يومين بطلع بس كم بطلع؟ ألف طب لما
تكون أنت نزلت مئة ألف درجة، ثم بعد ذلك في يوم تحسنت ألف درجة، أنت فعلياً لسا ما صرت عالي، أنت لأنك في اليوم الذي قبله فعلت من المعاصي والموبقات ما نزلت مئات الدرجات، مئات الآلاف من الدرجات ثم فقط ارتفعت نسبة بسيطة، فما زلت تحتاج لسا إلى مجاهدة. بعض الناس إخواني مجرد أن يتوب اليوم الثاني يكون مثلاً تعبان وفي حياة زينة وفحش، اليوم الثاني يبدأ في المناظرة في شيخ الإسلام ابن تيمية والنووي شوي شوي! طب ما أنت نازل مئة ألف درجة، اليوم الثاني صرت ناظر في كليات الدين وأصبحت تفصل وتلبس الناس وهذا فاسق ومبتدع؟! هذه مشكلتنا مع بعض الشباب المتحمس في تدينه أن هو يكون في قمة البعد عن اللازمة، قال ابن القيم: رجع مئة ألف درجة للوراء، الآن بدأ عملية التحسن والاستشفاء، فهل هو مباشرة سيتخطى مئة ألف درجة؟ لا، هذا بمرور الأيام والمداومة على الطاعة، فلا تجعل نفسك كأنك من أولياء الله الصالحين بمجرد أول يوم تتوب فيه وتضع نفسك أنك تناطح الأولياء والعلماء الكبار، حبة حبة على نفسك واعرف انك تناطح أقواماً الله أعلم أين حطهم في مراتب الجنة العليا، دائماً كن متزناً في عملية رجوعك إلى الله سبحانه وتعالى ولا تقتحم أبواباً لم تصل إليها بعد في إيمانك، هذه قضية مهمة.
نعم، قال رحمه الله: فلا يفي صعوده ألف درجة بهذا النزول الواحد، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن العبد ليتكلم بالكلمة الواحدة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب، فأي سور بها في النار سبعين خليفة، هذا هو المشهور في رواية الحديث.
نعم، قال رحمه الله: فأي صعود يوازي هذه النزلة؟ هذه النزلة والنزول أمر لازم للإنسان، ولكن من الناس من يكون النزول، قال: النزول أمر لازم للإنسان، هذا سؤال لكم: لماذا النزول أمر لازم؟ هل أحد فينا لن يعصي؟ يا جماعة فش حدا فينا معصوم، بالتالي النزول أمر لازم، كلنا ننزل يومياً أو أسبوعياً على حسب يعني معاصينا، لكن النزول أمر لازم ما في واحد فينا معصوم، فلا بد من نزول، لكن العبرة أن يكون نزول خطوتين ليس كمن ينزل مئة ألف خطوة، هو هذا الفرق فقط، ولا نزول أمر ملازم.
قال رحمه الله: هناك من يستيقظ سريعا فيتدارك نزوله، وهناك من يكون كثير الغفلة فيبقى مهور يعني، قال رحمه الله: ولكن من الناس من يكون نزوله إلى غفلة، فهذا إذا استيقظ من غفلته عاد إلى درجته أو إلى أرفع منها بحسب يقظاته، ومنهم من يكون نزوله إلى مباح لا ينوي به الاستعانه على الطاعة، فهذا متى رجع إلى الطاعة فقد يعود إلى درجته وقد لا يصل إليها.
نحن نزول إلى مباح، ليس معصية، لكن هو اعتبره شكل من أشكال النزول باعتبار أنه ينبغي للإنسان أن يستفرغ ساعات العمر في طاعة الله، لكنها سميت نزول من باب أنه لم يكن في الطاعة وأنه ليس معصية، نعم، فهذا فقد يعود إلى درجته وقد لا يصل إليها، وقد يرتفع عنها، فانه قد يعود أعلى همة مما كان.
هذه ننتبه لها، أن بعض الناس يكون في طاعة وصديقه يكون في معصية، لكن أحياناً المعصية نعم هي سببت لك نزول، ولكن ما تحدثه لك من الإنابة والانكسار والتوبة بعدها قد تجعلك ترتفع أعلى من صديقك الذي لم يقع في المعصية، وهذا يفتح باب التفاؤل للإنسان أنه بعض الناس إذا وقع في أوحال الذنوب والمعاصي وراء إخوانه في الخير يقول: هؤلاء سبقوني ولن أدركهم، هذا كلام مش دقيق، قد تفوقهم، لماذا؟ أنه ما يحدث لك من التوبة والانكسار والذل بين يدي الله قد يجعلك ترتقي درجات أعلى من درجات أقرانك الذين لم يقعوا في نفس المعصية، وهذا يعود إلى أعمال القلوب وتفاوت الناس فيها.
نعم، قال رحمه الله تعالى: فانه قد يعود أعلى همة مما كان، وقد يكون أضعف همة، وقد تعود همته كما كانت، ومنهم من يكون نزوله إلى معصية إما صغيرة أو كبيرة، فهذا قد يحتاج في عوده إلى توبة نصوح وإنابة، وقسم النزول إلى ثلاثة أنواع: نزول إلى غفلة يعني عدم ذكر الله سبحانه وإن لم يقع في معصية، نزول إلى مباح، ونزول إلى معصية.
إذاً النزول قسمه إلى ثلاثة أنواع، هناك نزول إلى غفلة قال: ورده من الطاعة وإن كان لم يفعل معصية، مجرد أنك تترك طاعة حتى ولو لم تفعل معصية هو نزول، صح ولا لا؟ وتراجع، لكنه ليس كالنزول إلى المعصية، لذلك قالوا: أما النزول الأخير فهو نزول إلى معصية إما صغيرة وإما كبيرة، فهذا النزول الأخير يحتاج إلى ماذا؟ إلى توبة حتى تصلح أمورك فيه.
نعم، قال رحمه الله: إلى غفلة أو النزول إلى مباح فيحتاج إلى همة، لا نقول يحتاج إلى توبة لأنه أنت ما فعلت معصية، والله اليوم ما صليت سنة راتبة هل أنت فعلت معصية؟ لا، فانت لا تتوب وإنما تحتاج إلى ماذا؟ إلى أن تعطي نفسك همة حتى تفعل هذه مثلاً مرة أخرى، فالنزول إلى غفلة أو النزول إلى مباح يحتاج إلى همة لترتقي، أما النزول إلى معصية يحتاج إلى ماذا؟ إلى توبة لترتقي.
شوف الفرق بين هذا وهذا، نعيد العبارة مرة أخرى: النزول إلى غفلة أو مباح يحتاج فقط إلى همة حتى أترقى، هو لأنه ما فعل معصية حتى أتوب منها، وإنما النزول إلى معصية هذا الذي يحتاج إلى توبة لتعود فترتقي مرة أخرى.
نعم، قال رحمه الله: واختلف الناس هل يعودوا بعد التوبة إلى درجته التي كان فيها؟ بناء على أن التوبة تمحو أثر الذنب وتجعل وجوده كعدمه فكأنه لم يكن، أو لا؟ أو لا يعود؟ بناء على أن، تكلمنا عنه قبل قليل، الإنسان إذا فعل معصية فنزل درجات ثم تاب ثم تاب هل يعود إلى منزلته التي كان عليها قبل أن يفعل المعصية أو لا يعيده الله؟ سؤال مهم أن كثير من الناس خلص يشعر طالب علم حريص على الخير ومجالس الخير يقع في معصية، فاشيته الشيطان يقول له: أنت فش منك فايده، خلص أنت دعك من طلب العلم، ما دمت وقعت في هذه المعصية إذاً أنت لن تفلح ولن يعيدك الله إلى تلك المراتب التي كنت عليها من التلذذ بالعلم والإقبال عليه.
فهذه معالجة هذا السؤال أظنها مهمة، لأن المعاصي لا تفك عن طلاب العلم، والشيطان لا ينفك أن يثبتكم عن حضور مجالس العلم بأشعاركم أنكم بمجرد وقوعكم في معصية خلاص لن تعودوا إلى تلك المراتب العالية التي كنتم عليها قبل مخالفة هذا الجرم.
فانظروا الجواب الحكيم لابن القيم، قال رحمه الله تعالى: أو لا يعود بناء على أن توبة تاثيرها في اسقاط العقوبة، وأما الدرجة وأاما الدرجة التي فاتته فانه لا يصل إليها.
البعض قال: البعض التوبة فقط فائدتها أنها تسقط العقوبة عنك، لكنها لا ترتقي بك إلى الدرجة التي كنت عليها، هل هذا الكلام صحيح؟ دعونا.
قال رحمه الله تعالى: قالوا وتقرير ذلك أنه كان مستعداً باشتغاله بطاعة في الزمن الذي عصى فيه لصعود آخر وارتقاء تحمله أعماله السالفة، بمنزلة كسب الرجل كل يوم بجمله ماله الذي يملكه، وكل ما تضاعف المال تضاعف الربح، فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح تحمله أعماله، فإذا استأنف العمل استأنف صعوداً من نزول، وكان قبل ذلك صاعداً من أسفل إلى أعلى وبينهما بون عظيم.
ماذا يريد أن يقول لك؟ الساعة التي فعلت فيها معصية كان بامكانك أنك تفعل فيها طاعة وتزداد صعوداً، لكن ما الذي حدث معك؟ أنه بدل ما تفعل في هذه الساعة طاعة شو عملت أنت؟ أنت فعلت معصية فنزلت، وبالتالي هل يمكن أن يكون ما دمت نزلت هل يمكن إذا عدت أن يكون ربحك كربح من لو استغل تلك الساعة نفسها بالطاعة؟ يعني الآن الآن أعتبر في حالة الوضع المعتدل، ما في ذنوب، ما في طاعات، ممتاز، هذه الساعة الآن مقبل عليها، إذا فعلت حمادة سيحدث سارتفع بشكل معادلة، إذا فعلت طاعة سارتفع، لكن للاسف الذي حدث أنني لم أفعل فيها طاعة.
وإنما فعلت معصية، فما الذي حدث؟ نزلت. فإذا عدت فتبت لا يمكن أن ترتقي إلى درجة أعلى، لأن ماذا؟ أنه هذه الساعة استبدلتها بمعصية بدلا من الطاعة. لو فعلت فيها طاعة لكنت أعلى، فعلت فيها معصية فأصبحت أسفل. فلو تبت لن أستطيع أعود مضاعفة الربح كما لو أنني فعلت الطاعة في نفس الساعة. هذا الذي يريد أن يقول ذلك.
قال: وتقريب ذلك أنه كان مستعدا باشتغاله بالطاعة أو الاشتغال بالطاعة في الزمن الذي عصى فيه، يعني في الزمن الذي أنت عصيت فيه كان بإمكانك أن تفعل طاعة فتزيدك صعودا وارتقاء، لكن هذا الزمن للاسف أنت ما فعلت فيه طاعة، فعلت معصية، نظرت إلى حرام فاستددت نزولا إلى أسفل. قال: وارتفاعه إنما هو بجملة أعماله السابقة.
المنزلة اقرأ كسب الرجل، قال رحمه الله تعالى: بمنزله كسب الرجل كل يوم بجملة ماله الذي يملكه. أنت كل يوم معك مبلغ من المال، الآن إذا تاجرت هذا اليوم بمالك شو بيصير؟ بتربح. وإذا بذرت هذا المال ماذا سيحدث فيه؟ راح تنزل، مو هيك الحياة؟
فيقول لك: ساعات يومك هي مالك، إن استعملتها في الطاعة سيتضاعف الربح، وإن استغلتها في المعصية سيتضاعف الخسران. ساعاتك هي رأس مالك، إما أن تشغلها بالطاعة فتربح القرب من الله، وإما أن تشغل الساعات بالمعصية فتکسب الخسران والبعد عن الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: وكلما تضاعف المال تضاعف الربح. فقد راح عليه في زمن المعصية ارتفاع وربح. في زمن المعصية راح عليك وقت من ماذا؟ من الربح. ما استطعت أن تستغل هذه الساعة فتضاعف أرباحك.
نعم، قال: فاذا استأنف العمل، استأنف صعودا من نزول. بعد ساعة المعصية أردت أن تربح، أنت عم تصعد من أسفل، تصعد من جديد، عم تصعد من نزول، كما قال لك. فلا يكون يعني هل من استغل الأربع وعشرين ساعة في الربح كما نستغل عشرين ساعة في الربح؟ يعني هيك المعادلة النهائية: إنسان معاه في اليوم أربع وعشرون ساعة، هل من استغل أربع وعشرين ساعة في عملية الربح من خلال الطاعة كما استغل عشرين ساعة؟ لا.
فما بالك أنه الأربع ساعات الضائعة هي مش ساعات اعتدال، أنت ما خسرت، ولا هي ساعات كانت شو؟ ساعات نزول. فأنت أصلا نازل في الأربع ساعات. يا ليتك وقفت يعني لا صعدت ولا نزلت. يا ليتك وقفت في الساعات الضائعة هدر. لا، أنت نزلت، فبالتالي بالتاكيد يقول: وضعك ليس كوضع من استغل أربع وعشرين ساعة في عملية الصعود.
طبعا هذه وجهة نظر أو طريقة معينة في الحساب، ماذا سيعلق ابن القيم عليه؟ هذا ما ننتظره. نعم، قال رحمه الله تعالى: وكان قبل ذلك صاعدا من أسفل إلى أعلى، وبينهما بون عظيم، فكان في صعود متزايد، ليس كمن كان نازلا ثم صعد. هذا معنى قوله: وبينهما بون عظيم. من كان في المستمر ليس كمن كان نازلا ثم أراد أن يصعد مرة أخرى.
قال رحمه الله تعالى: قالوا ومثل ذلك مثل رجلين يرتقيان في سلمين. لا، يمكن يقرب لك الصورة بشكل أقرب، قال: مثل ذلك مثل رجلين كلاهما يرتقي سلم، هذا ماشي سلم يرتقي عليه، وهذا ما شاء الله. قال: لا نهاية له ماء وهما سواء. نعم، لا كلاهما هذان السلمان لا نهاية لهما في العلوم. نعم، قال: وهما سواء، فنزل أحدهما إلى أسفل ولو درجة واحدة، ثم استأنف الصعود، فإن الذي لم ينزل يعلو عليه ولابد.
إنسان صاعد بشكل متتالي على السلم، صاحبه لا، في سلم جانبه نزل شوي كم خطوة ثم عاد يطلع. هل يمكن أن يستوي هذا وهذا؟ ايش قال؟ لا. في حدا عنده وجهة نظر أخرى؟
أحسنت، يعني هذا الكلام مش دقيق إخواني. نعم، هو صحيح أنا تاخرت عنك في الصعود بس ممكن أنا أركض على السلم أسرع وارجع أسبقك، مش هذا ممكن؟ هاي الفكرة بدي أطرحها الآن ابن القيم، أن هذا الكلام هذا التصور مش دقيق بهذه الطريقة.
نعم، قال رحمه الله: وحكم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين الطائفتين حكما مقبولا، فقال: التحقيق أن من التائبين من يعود إلى أرفع من درجته، ومنهم من يعود إلى مثل درجته، ومنهم من لا يصل إلى درجته. هذا هو الجواب المختصر، هذا مختصر الجواب من شيخ الإسلام.
إذا تاب هل يعيده الله إلى ما كان عليه؟ ابن تيمية يقول: هناك ثلاثة أحوال، يمكن إذا تبت أن يعيدك الله إلى أفضل مما كنت عليه، ويمكن أن تعود إلى نفس المرتبة التي كنت عليها، ويمكن أن تبقى في منزلة دون المنزلة التي كنت عليها، فهناك ثلاث احتمالات.
طب ما الذي يحدد الاحتمال؟ اقرأ قال رحمه الله تعالى: قلت وهذا بحسب قوة التوبة وكمالها. إذا أرى ابن القيم أعطاك الجواب، قال: هذا الاختيار يكون بحسب قوة التوبة. قد تكون توبتك قوية جدا جدا فتصبح في منزلة أعلى من المنزلة التي كنت عليها قبل المعصية. وقد تكون التوبة معتدلة فتوصلك إلى نفس المرتبة التي كنت عليها. وقد تكون توبة هزيلة فتبقى في مرتبة دون، تبقى في مرتبة دون. لذلك كما قال بعضهم: معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عجبًا.
أحيانا ترى بعض المعاصي في علم الله قد تكون خيرا لك، بعض المعاصي هي تبقى معصية وإثم، لكن في علم الله وقوعها لك خير، ليه؟ لأنها تكسبك توبة نصوحا فتجعلك أعلى في مراتب القرب من الله. فنحن نسأل الله أن لا نقع في المعاصي، لكن إذا وقعنا فيها فنسأله أن يرزقنا توبة تعيدنا إلى أرفع مما كنا عليه.
سل الله أن يجنبك المعاصي هذا ابتداء صحيح نسأل الله العافية، لكن إذا وقعنا في معصية وهذا كما قال ابن القيم أمر ملازم لنا، فنسأله أن يرزقنا توبة تعيدنا إلى منزلة أعلى من المنزلة التي كنا فيها.
نعم، قال رحمه الله تعالى: قلت هذا بحسب قوة توبة وكمالها وما أحدثته المعصية للعبد من الذل والخضوع والإنابة والحذر والخوف من الله والبكاء من خشية الله. فقد تقوى هذه الأمور حتى يعود التائب لأرفع من درجته، ويصير بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة. فهذا قد تكون الخطيئة في حقه رحمة.
فهذا الشخص الخطيئة في توبه الخطيئة في حقه ترى رحمة من الله له. بعض طلاب العلم يكون جافي قاسي لا تبكي عين من خشية الله ولا يتحرك قلبه، بس ما بي فعلش معاصي، فيوقعه الله في معصية، فيكون هذه المعصية السبب في ماذا؟ في تحريك قلبه ومشاعره وما عنده من الأمور تجاه مولاه. فهذا الطالب الجاف المعصية في حقه فعليا ايش؟ رحمة وإن كان لا يطلبها، ننتبه أنت لا تطلبها، اسأل الله العافية منها، فإنك لا تعرف إذا وقعت هل تتوب؟ لا تعرف إذا وقعت هل تتوب أصلا ولا لا؟ لكن لو قدر لك أن وقعت فهنا نقول: لا تقنط من رحمة الله، فلعل المعصية رحمة لك بشكل من الاشكال وأنت لا تدري.
نعم، قال رحمه الله تعالى: فإنها نفت عنه داء العجب وخلصته. قال: وخلصته من ثقته بنفسه وإدلاله بأعماله، بأعماله يعني المن بأعماله على الله سبحانه أنه يا رب أنا طالب علم وأنا بقوم الليل وأنا وأنا. بعض الناس يمنوا على الله بأعمالهم الصالحة ويدل عليه، لا يا اخي الله يرضى عنك، هذا كله توفيق الله. فحان بعض الناس محتاج ينكسر ينقرص حتى ايش يستيقظ وينتبه.
نعم، قال رحمه الله تعالى: وخلصته من ثقته بنفسه وإضراره بأعماله، ووضعت حد الدراعة والذل والانكسار على عتبه باب سيده. يعني وضعت خد براعته المراد أنه ذل وجهه وخده بين يدي مولاه.
نعم، قال: ووضعت خده براعته وذله وانكساره على عتبه باب سيده ومولاه، وعرفته قدره، وأشهدته فقره وضرورته إلى حفظ سيده ومولاه له وعفوه ومغفرته له، وأخرجت من قلبه صولة الطاعة، وكسرت أنفه أن يشمخ أو يتكبر بها أو يرى نفسه بها خيرا خيرا من غيره، وأوقفته بين يدي ربه موقف الخطائين المذنبين ناكس الرأس بين يدي ربه مستحيا منه، خائفا وجيلا، محتقرا لطاعته مستعظما لمعصيته، قد عرف قد عرف نفسه بالنقص والذم وربه وربه متفرد بالكمال والحمد والوفاء، كما قيل: استأثر الله
بالوفاء بالحمد ولا الملامة الرجل. فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها. ومن الآثار المفيدة للمعصية لبعض الناس أنه يصبح خلاص يحتقر نفسه، ورأى نفسه دون، فإذا أنعم الله عليه بنعمة يقول: أنا لا أستحقها، وإنما هذا محض فضل الله وستره عليه. شوف المعصية كيف جعلت عنده شعور بالتذلل والافتقار، ما كان عنده هذا الشعور قبل أن يعصي.
فإذا كانت المعصية فائدة فهذه فائدتها عند بعض الناس، أن تحدث له شيئاً من القرب والتضرع والانكسار والتذلل بين يدي الله، فنسأل الله أن نكون ممن إذا عصى فعل هذه المشاهد. نعم، قال: فأي نعمة وصلت من الله إليه استكثرها على نفسه، ورأى نفسه دونها ولم يراها ودونها لأنه عصى، ولم يراها أهلاً لها ولم يره أهلاً لها، وأي نقمة أو بلية وصلت إليه رأى نفسه أهلاً لما هو أكبر منها بمرض أو شيء يقول: أنا استحق هذا، فأنا عصيت، وأنا فعلت، وأسأل الله أن يكون هذا البلاء كفارة، يصبح يتعامل مع هذه الأمور بتوازن.
نعم، بينما لو كان في طاعة ومستمراً عليها ولم يعصي وجاءه بلاء، إيش يصبح يقول؟ عند بعضهم ممن ضعف النفوس: أنا يا رب دائماً طالب علم، من مسجد لمسجد، ومن صلاة لصلاة، لماذا تبتليني؟ مش هذا الذي يعرف مع البعض؟ كما قلت، أحياناً المعصية قد تكون يعني فيها رحمة، كما قال: رحمة لك أنك تصبح حتى إذا تريد تعرف أنك تستحق العقوبة وتستحق الأدب على معاصيك وذنوبك، بخلاف لو لم تعص فيصبح إذا ابتليت تقول: لماذا فعلت هذا بي يا رب وأنا لا أقصي هذا؟ كما يعرف عند البعض.
نعم، قال رحمه الله تعالى: ورأى مولاه قد أحسن إليه إذ لم يعاقبه على قدر جرمه ولا شطره ولا أدنى جزء منه، فإن ما يستحقه من العقوبة لا تحمله الجبال الراسيات فضلاً عن هذا العبد الضعيف العاجز، فإن الذنب وإن صغر فإن مقابلة العظيم الذي لا شيء أعظم منه، الكبير الذي لا شيء أكبر منه، الجليل الذي لا أجل منه ولا أجمل، المنعم بجميع أصناف النعم دقيقها وجليلها، من أقبح الأمور وأوضاعها وأشنعها، فإن مقابلة العظماء والاجلاء وسادات الناس من مثل ذلك يستقبحه كل أحد مؤمن وكافر، وأرذل الناس وأسقطهم مروءة من قابلهم بالرذائل، فكيف بعظيم السماوات والأرض، وملك السماوات والأرض، وإله السماوات والأرض؟
ولولا أن رحمته غلبت غضبه ومغفرته سبقت عقوبته لتدك لا تدك الأرض بمن قابلها بما لا يليق مقابلته به، ولولا حلمه هذه النسخة فيها أخطاء تتزلزلت الأرض. نعم، قال: بما قابله بما لا يليق مقابلته به، ولولا حلمه ومغفرته لزلزلت السماوات والأرض من معاصي العباد، لا زالت السماوات والأرض، إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا، واستشهد حلمه ومغفرته لأزالت السماوات والأرض من معاصي العباد، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ ۚ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا.
فتأمل، فتأمل ختم هذه الآية باسمين من أسمائه وهما الحليم والغفور، كيف نجد تحت ذلك؟ كيف نجد تحت ذلك؟ لأنه لولا حلمه عن الجناة ومغفرته للعصاة لما استقرت السماوات والأرض. وقد أخبر سبحانه هذه الآية لماذا ختم الله هذه الآية باسم الحليم الغفور؟ لأنه يخبر أن الله يمسك السماوات والأرض أن تزول ولئن زالتا ما أمسكهما من أحد أو أن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليماً غفوراً، يعني لولا حلمه عليكم ومغفرته لكم لما زالتا ولا سقطت عليكم.
وقد أخبر سبحانه عن بعض كفر عباده أنه قال تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا. وطبعا يريد أن يؤكد أنه لا يوجد باختصار معصية سهلة، إياك أن تستصغر المعصية وتقول يا شيخ ما هذه نظرة، هذه كذا، ربما معصية أورثت صاحبها المهالك. كل شيء في مقابلة العظيم عظيم، كل شيء تفعله أمام ملك الملوك، فلا تستصغر ولا تستهن به وتقول مجرد معصية وذهبت.
نعم، قال رحمه الله: وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكباه. أنت لو نظرت آدم ما الذي أخرجه من الجنة؟ أكلة من شجرة، يعني ليست معصية في عرفنا من كبائر الذنوب، لم يستق خمرا ولم يفعل فاحشة ولا أكل شجرة فخسر فيها جنة. أكل شجرة فخسر بسبب ذلك إيش؟ جنة عرضها السماوات والأرض. فالصكرة الذي يريد ابن القيم أن يقوله هنا: إياك أن تستهين بمعصية. كم أمرك الله أن تجتنب؟ الله أمر آدم أن يجتنب شجرة فخسر الجنة. أمرك الله أن تغض بصرك، أمرك الله أن لا تأكل الحرام، أمرك الله أن تحافظ على كثير من الواجبات، فلا أنت استمعت أطلقت بصرك للحرام ولا أن انتهيت فضيعت وفوت كثيرا من الواجبات، فملفاتنا أسوأ بكثير وأخطاؤنا أسبق بكثير، والله علينا لم نخسر جنة واحدة بل خسرنا جنات.
قال رحمه الله تعالى: وقد أخرج الله سبحانه الأبوين من الجنة بذنب واحد ارتكبا فخالف فيه نهيه، ولعن إبليس وطرده وأخرجه من ملكوت السماوات والأرض بذنب واحد ارتكبه وخالف فيه أمره، ونحن معاشر الحمقى الحمقى كما قيل نصل الذنوب إلى الذنوب تستمر على الذنوب. وإذا بيقول لك: إذا آدم بذنب واحد وأنا وياك إيش فاعلين؟ أفلامنا وقصصنا وكتبنا، نسأل الله أن يغفر لنا وأن يستر عوراتنا وعيوبنا. فيقول: ونحن معاشر الحمقى كما قيل ماذا نفعل؟ نصل الذنوب أيوه، نصل الذنوب إلى الذنوب ونرتجي درج الجنان لدى النعيم الخالد، ولقد ثم نرجو ماذا؟ الوصول إلى جنات النعيم. فاهم المعادلة مش فاهمها بعد؟
نعم، ولقد علمنا أخرج الأبوين من ملكوته الأعلى بذنب واحد. جميل، هذا البيت فيه حكمة واضحة. قال رحمه الله: والمقصود أن العبد قد يكون بعد التوبة خيراً ممن كان قبل الخطيئة وارفع درجة. وقد تضعف الخطيئة مقابل أن العبد يعود بعد المعصية إلى درجة أعلى من الدرجة التي كان عليها، هذا متى يكون؟ إذا أكمل مقام التوبة وأحسنه وأتقنه على الصورة التي بينها ابن القيم في الصفحة السابقة.
الحالة الثانية ما هي؟ قال: وقد تضعف الخطيئة همته، وهذا الذي نخاف أن الخطيئة تضعف همتك عن ماذا؟ عن الخير والعودة إليه، فلا يصبح لك هم في حضور مجالس الخير، ولا في المحافظة على وردك من القرآن، ولا في المحافظة على الاستغفار وصلاة الفجر جماعة. هذه العقبة الكؤود أن كثيراً من المعصي هي سبب في إضعاف الهمم، فاصلاً لا تعود إلى ما كنت عليه.
نعم، قال رحمه الله: وقد تضعف الخطيئة همته همته وتهن عزيمته وتمرد قلبه، فلا يقوى دواء التوبة على إعادته إلى صحته الأولى، فلا يعود إلى درجته، وقد يزول المرض بحيث تعود الصحة كما كانت ويعود إلى مثل عمله فيعود إلى درجته. وهذه الحالة الثالثة أن تكون التوبة ليست توبة عالية بكمال الانكسار، لكنها توبة صادقة يعني صادق تعافى منها الإنسان فعاد إلى نفس المرتبة التي كان عليها لكنه لم يتفوق ويرتفع إلى ما هو أعلى. الرجوع بعد المعصية إلى ما هو أعلى يحتاج إلى المقامات السابقة التي ذكرها في الصفحة السابقة، أما هنا فأنت يا ثابت تعود إلى نفس المرتبه أو تبقى دونها فقط.
نعم، قال رحمه الله تعالى: هذا إذا كان نزوله إلى معصية، فاذا كان نزوله إلى أمر يقدح في أصل إيمانه مثل الشكوك والريب والنفاق، هذاك نزول لا يرجى لصاحبه صعود إلا بتجديد إسلامه من رأسه. يقصد يعني إذا كان نزوله إلى ردة وخروج من دائرة الإسلام فهذا يحتاج إلى اسلام جديد نسأل والعياذ بالله، يشتم الله في الطرقات كما نسمع للاسف والعياذ بالله. هذا ليست معصية، هذا كفر خروج من الإسلام، فهذا كيف سيرتفع من جديد إلى الله سبحانه؟ ما علاجه؟ أن يجدد إسلامه، بده يفتح إسلام جديد الورقة الماضية انتهت في حياته.
نعم، قال رحمه الله: ومن عقوباتها أنها تجرئ على العبد من لم يكن يتجرا عليه من أصناف المخلوقات، فتجرأ عليه الشياطين بالاذى والاغواء والوسوسة والتخويف والتحذين وانسائه ما فيه مصلحته في ذكره ومضرته ومضرته في نسيانه. فتجرأ عليه تاجيله يعني الشيء يعني الآن هي قاعدة عامة من آثار المعصية على الانسان أنها.
تجترئ عليك المخلوقات من الآثار الوخيمة للمعاصي على حياتك. إن لم يكن يتجرأ عليك، يصبح يتجرأ عليك وبقوة بعد وقوعك في أوحال الذنوب والمعاصي، وعلى رأسهم إبليس. ربما إبليس وجنوده كانوا متخوفين منك، فبمجرد أن فتحت لهم الباب اصبحوا ماذا يعني يطوفون حولك ويلعبون بك ويعبثون بأفكارك. فإذا هذا أول شيء تخشى أن يتجرأ عليك إبليس وجنده. قال فماذا قال؟ فيتجلى عليه الشيطان بالأذى والإغواء والوسوسة والتخفيف والتخويف والتغرير وانسائه، ويصبح يؤخر ما مصلحته أن يذكره الآن، ويعجل ما مصلحته أن يؤخره، وهكذا نعم. قال فتتجرا عليه الشياطين حتى تؤزه إلى معصية الله أزاً، أي تدفعه وتقوده وتسوقه.
نعم، قال وتشتري عليه شياطين الإنس بما تقدر عليه من أذاه في غيبته وحضوره. ويجترئ عليه أهله وخدمه وأولاده وجيرانه، حتى الحيوان البهيم. قال بعض اللي حوالين دارك، نعم قال بعض السلف: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق امرأتي ودابتي. أعلى ما تجد زوجتك اختلفت أخلاقها وأصبحت تصرخ ليلاً ونهاراً ومشاكل عائلية، هذا كله من آثار معاصيك وذنوبك. قال فأعرف ذلك في خلق زوجتي ودابتي؛ لما أشوف دابتي معها تقود معي بشكل جيد، وزوجتي تكثر مشاكلها معي في المنزل، فأعرف أن ذلك من معصيتي، فأحدث توبة واستغفاراً.
نعم، قال رحمه الله: وكذلك يجترئ عليه أولياء الأمر بالعقوبة التي هي إذا عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الله. وتتجرا عليه نفسه فتتاسد عليه وتستصعب إن عدلوا فيها أقاموا عليه حدود الرحمن. قال وتتجرا عليه نفسه فتتاسد عليه وتستصعب عليه، الأمارة بالسوء تستاسد عليك، تحاول أن تكبح جماحها، تحاول أن تعيدها إلى الطاعة وهي متوحشة. نفسك تطلب الشهوات، تطلب الحرام، تطلب النظر، أنت مش قادر تمنعها خلص، فلتت كما يقولون، ما عدت تستطيع أن تلمها مرة أخرى.
نعم، تستاسد عليك نفسك، جميل هذا التعبير. نعم، قال وتستصعب عليه، فلو أرادها لخير لم تطاوعه ولم تنقض له أي باب من أبواب الخير. تحاول تقنع نفسك وتحاورها أن نفعله، لا تنقاد معك. قال وتسوقه إلى ما فيه هلاكه شاء أم أبى. وذلك لأن الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى، الذي من دخله كان من الآمنين. الطاعة حصن الرب الذي يكون مواظباً على الطاعة وفي حصن آمن، بخلاف اللي هو في أبواب المعاصي يرتع، فهذا في غابات لا يعرف ما الأوحوش التي ستنقض عليه.
نعم، قال: فإذا فارق الحصن عليه قطاع الطريق وغيرهم، وعلى حسب إجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه، وليس له شيء يرد عنه. فإن ذكر الله وطاعته والصبر والصدقة وإرشاد الجاهل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقاية ترد عن العبد بمنزله القوة التي ترد المرض وتقاومه. فإذا سقطت القوة غلب وارد المرض فكان الهلاك ولا بد للعبد من شيء يرد عنه، فإن موجب السيئات تحتاج إلى شيء يدافع عنك، الطاعة هي الحصن الذي يدافع عنك.
فإذا ابتعدت عن الطاعة وادمنت المعاصي فقدت حصنك وقوتك. قال: فان موجب السيئات والحسنات تتدافع، ويكون الحكم للغالب كما تقدم. موجب، يعني آثار السيئات والحسنات تتدافع. إذا أنت عندك طاعات وعندك معاصي، آثارها تتدافع، فأيهما كان أقوى؟ إذا كانت حسناتك أقوى من سيئاتك، غلبت آثار الحسنات آثار السيئات. وإذا كانت سيئاتك أقوى من حسناتك، فإن المفاسد والمضاد ستغلب على حياتك ويضعف أثر الطاعة، وإن كان عندك لذلك.
بعض الشباب يقول: طبعا الشيخ حياتي صعبة، وإن كان عندي شيء جيد من الطاعة. أقول: نعم، أنا أعرف أن عندك الطاعة، قد تكون تصلي، قد تكون تحافظ على صلاة الفجر، ما عندي مشكلة، لكن وين مشكلتك؟ أن المعاصي كثيرة، فآثار المعاصي عم تغلب عندك آثار الطاعات، فلا ترى بركة الطاعة في حياتك. هذه القضية يعني مش مجرد انك تصلي الفجر في جماعة الأمور خلاص محسومة، إذا كانت المعاصي غلابة، فكما قال ابن القيم آثارها ستغلب آثار طاعتك، فلا ترى لطاعتك أثراً كبيراً في حياتك.
نعم، قال رحمه الله: وكلما قوي جانب الحسنات كان الرد أقوى كما تقدم. فإن الله يدافع عن الذين آمنوا، والإيمان قول وعمل، فبحسب قوة الإيمان يكون الدفع، والله المستعان.
فصل: المعاصي تضعف العبد أمام نفسه. قال رحمه الله: ومن عقوباتها أنها تخون العبد أحوج ما يكون إلى نفسه. فإن كل أحد يحتاج إلى معرفة ما ينفعه وما يضره في معاشه ومعاده. وأعلم الناس أعرفهم بذلك على التفصيل، وأقواهم وأكياسهم من قوي على نفسه وإرادته فاستعملها فيما ينفعه وكفها عما يضره. شوف على باب الكرم، معركة الإنسان في وجوده في الحياة مع نفسه.
معركة الإنسان في كل لحظات عمرك هي ليست معركة مع الخارج، هي معركة مع الداخل، كما يقول: معركة النفس. لذلك دائماً أقول: أطول قسم في كتاب الله سبحانه وتعالى ورد في أي سورة؟ في سورة الشمس، وهذا أطول قسم: وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا، وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا، وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَاهَا، وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا، وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا، وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا، وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا.
كل هذا قسم، ما جواب القسم؟ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا. الله أقسم هذا القسم الطويل لم يقسم مثله إلا على شيء عظيم هنا، وهو قضية النفس الإنسانية. إذا استطاعت أن تملك زمام نفسك نجوت، وإذا غلبتك نفسك الأمارة بالسوء أهلكت. فمعركتك أيها الإنسان في الوجود ليست مع الأعداء، الأعداء في الخارج عمرهم سهل إذا كنت مالكاً لنفسك، عدوك ضعيف مهما بلغت قوته الظاهرة، لكن مش عندما تضعف أمام نفسك فتصبح نفسك الأمارة بالسوء هي التي تقودك وهي التي تتخذ القرار وأنت مجرد عبد لها.
إذا قالت لك انظر للحرام نظرت، إذا قالت لك خذ هذا القرض الربوي اخذت، إذا قالت لك اقطع رحمك قطعت، إذا قالت لك افعل وافعل من المحرمات فأنت تلبي. إذا كانت نفسك هي الحاكمة على حياتك واختياراتك وتصرفاتك فاعلم انك من الهالكين، هذه واضحه المعادله. وإذا أنت امتلكت زمامها وسستها والله لو اجتمع كل أهل الأرض على أن يضروك شيئاً لن يضروك شيئاً إلا دور الجسد على ضرر الجسد لابد منه لكنه يهود، لكن لن يضروا إيمانك ولن ينزعوا منك شيئاً.
فقضية الإنسان وصراعه في إدارة نفسه وقدرته، من الذي سيغلب في النهاية؟ من الذي سيغلب في صراع الإنسان مع نفسه؟ لذلك هنا يقول ابن القيم كلاماً نافعاً اسمعوه. قال رحمه الله تعالى ومن عقوبه وذلك طيب وفي ذلك تفاوت معارف الناس وهمامهم.
قال وفي ذلك تتفاوت معارف الناس وهممهم ومنازلهم، فأعرفهم من كان عارفا بأسباب السعادة والشقاء، وأرشدهم من آثر هذه على هذه، كما أن أسفهم منعكس الأمر، والمعاصي تخون من آثر أسباب السعادة على أسباب الشقاء.
نعم، قال رحمه الله: والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم، وإثار الحظ الأشرف. وأثار الحظ، أنت اعظم شيء تحتاجه كما مر معنا في بداية الكتاب أن تعرف أسباب السعادة، أسباب الخير وأسباب الشر، مرت معنا هذه القاعدة. المعاصي تجعل تجعلك تصاب بعمى.
تجعلك تخونك فتجعلك لا تعرف ما الذي يجلب لك الخير والسعادة، وما الذي يجلب لك التعاسة والشقاء. فتصبح تعتقد أن هذه المعاصي والشهوات والنظر للحرام يجلب لك سعادة وخيراً، وتعتقد أن حضور مجالس العلم والصبر وغض البصر يجلب لك ماذا؟ قهراً وغماً. تتحول تماماً وتصبح الأمور عندك متشوهة في النظر، هذا كله بسبب المعاصي. المعاصي تخونك فتصبح عندك تشوه في النظر وضعف البصيرة، وهذا أصعب شيء على الإنسان وبه يحصل هلاكه أصالة.
قال رحمه الله: والمعاصي تخون العبد أحوج ما كان إلى نفسه في تحصيل هذا العلم، لهذا العلم أي علم؟ علم أسباب الخير وأسباب الشر هذا العلم الذي يقصده هنا. وأثار الحظ الأشرف العالي الدائم على الحظ الخسيس الأدنى المنقطع. فتحجبه الذنوب عن كمال هذا العلم وعن الاشتغال بما هو أولى به وأنفع به في الدارين.
فإذا وقع في محنة محتاجاً إلى التخلص منه خانه قلبه هو نفسه وجوارحه، وكان بمنزله رجل، وكان بمنزله رجل معه سيف قد غشيه الصدأ ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه الذي يوضع فيه.
تخيل سيفاً مسدىً وملازماً غمده، إذا أتاك شيء يخيفك هل تستطيع أن ترفعه هكذا وتحمي نفسك؟ لا يخونك سيفك في اللحظة التي أنت تحتاج تحتاجه فيه؛ سيف مسدىً وملازم للغم، فإذا أنا اصبحت محتاجاً له جاء عدو ليهاجمني، السيف لا يصلح للضرب وهو ملازم لقرابه لا ينفك عنه من شدة الصدى حتى سحبه من غمده لا يصلح، فخانك سيفك في اللحظة التي احتجت فيها إليه.
كذلك المعاصي تفعل بك، تجعلك تضعف عن مجابهة أي مكروه، أي بلاء، أي بلية تصاب بها في الحياة. لكن لو سجنت، أعطيك مثالاً: لو سجنت، الذي يجعلك تصبر على خلوة السجن، كثير من الناس لا يصبر، لماذا؟ خانته نفسه في اللحظة التي يحتاج فيها إلى النفس إلى الإمام. ترى بعض القضايا يعافيكم جميعاً منها، لكن من جرب، جرب في بعض البلاءات، لا يثبت فيها إلا قلب قوي.
وعندما تكون ضعيفاً في الطاعة وشديداً في المعصية، ستخونك نفسك فتهلع وتجزع. طب وين القرآن اللي أنا كنت عليه؟ وين مجالس العلمي اللي كنت أحضرها؟ وين الوعد اللي كنت أنصح فيه؟ وين الخطب الرنانة التي كنت؟ كل هذه الأمور أين ذهبت؟ خانتك نفسك! ليه؟ لأنه أنت كنت صحيح بتقرأ قرآن وكنت بتصلي في المسجد وكنت ما عرفت خير، لكن كانت عندك معاصي الخلوات، وهذا ملف أنت لم تسعى إلى معالجته.
هذا ملف شاع يعني عشعش فيك واستمر معك وأنت لم تداوم على معالجته، فنفسك مخترقة، نفسك ضعيفة. فإذا وقعت في بلاء شديد كما قال ابن القيم، ستخونك نفسك ولن تستطيع الوقوف أمام المكروه. لذلك ماذا قال هنا؟ فإن وقع في مكروه؛ سجن، بلاء، فقد أي شيء من المكروهات، واحتاج إلى التخلص من هذا المكروه، خانه قلبه ونفسه.
قلبك ضعيف مش قادر تصمد أمام هذا البلاء، ما استطعت تصمد، ما عندك العدة، سيفك صدى. وماذا هو سبب صدئه؟ معاصي الخلوات أو المعاصي عموماً التي أنت مداوم عليها. فدائما يا أيها المسلم، فإن الحياة مليئة بالنكبات، حاول دائماً أن تشهد سيفك جيداً بالمداومة على الطاعة ومحاربة الذنوب والمعاصي والسرعة التوبة وتجديدها يومياً.
يومياً لازم في توبة إلى الله، النبي صلى الله عليه وسلم في كل يوم يتوب إلى الله ويستغفر أكثر من مئة مرة وهو من غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فما بالي أنا وأنت من يكثر الوقوع في المعاصي نزهد في التوبة ونتقلب منها؟ فاشهد سيفك جيداً لمصائب الحياة، هذا معنى كلام ابن القيم.
قال رحمه الله تعالى: وكان بمنزلة رجل معه سيف قد غشيه الصدى ولزم قرابه بحيث لا ينجذب مع صاحبه إذا جذبه، فعرض له عدو يريد قتله، فوضع يده على قائم سيفه واجتهد ليخرجه فلم يخرج معه. شو استفدنا منه لما جاء العدو ولم أستطع أن أسحبه من غمده؟ نعم، قال: فلم يخرج معه فدهمه العدو وظفر به، وكذلك القلب يصدا بالذنوب ويصير مسخناً بالمرض، فاذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئاً.
كثير من الناس يعاني من أمراض نفسية، يعاني من كآبة، يعاني ويزورون العيادات، ترى كثير من هذا الأمر، كثير من سببه أنه وقع في بلاء لم يعد له العدة، وقع في بلاء شديد وكان قلبه أضعف من البلاء، فنزلت به النازلة النفسية، أصيب كآبة مزمنة انفصال بدكم إياه من هذه الأمراض التي نسمعها. فهذا كلام حقيقة عالي جداً.
يقول ابن القيم هنا لتفهم أن مواجهه صعوبات الحياة ونكبات الحياة هذه مش معادلة رياضية أو مش خليني أسميها مش قرار في لحظة معينة، هذا اسمعوه الكلام: أن تثبت أمام البلية وأمام المصيبة ليس قراراً لحظياً أني أريد أثبت ولا لا، وثمرة أعمال القلوب هو ثمرة اعداد القلب وشحده لهذه اللحظة الصعبة. لذلك تجد الإنسان في إنسان في نفس الموقف عند البلاء يكون بلاؤه أصعب من أخيه وهذا البلاء الذي هو أصعب صابر ومحتسب، ولكن الذي بلاه سهل تجده ماذا جزع وخائف.
ترى في المحكومات شخص محكوم عشر سنوات سجن ومحتسب وراضي عن الله، وذلك محكوم سنة يعني بعد كم شهر بيطلع وتلاقيه فزع وخائف وملهوف، طب ما الذي فاوت بينهما؟ ذاك شحد سيفه لمواطن البلاء وذاك لم يشعل سيفه فأقل شيء أفزعه وأخفاه وجعله يقع في الهلع. هذه كلام دقيق جداً في الثبات في لحظات البلاء، الثبات في لحظات البلاء نسال الله أن يدفع عنا البلاء ونسأله سبحانه وتعالى يرزقنا الثبات.
الثبات في لحظات البلاء هو ثمرة شحد السيف، ثمرة الصبر والمجاهدة لهذا القلب حتى تعده لهذه اللحظة، واياك أن تظن أنني ساعيش حياة بدون بلاء، هذه حياة في أوهامك أخي الكريم، هي الحياة جبلت على البلاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، تشهد سيفك.
نعم، قال رحمه الله: كذلك القلب يصدا بالذنوب ويصير مسخناً بالمرض، فاذا احتاج إلى محاربة العدو لم يجد معه منه شيئاً، والعبد إنما يحارب ويصاول ويقدم بقلبه والجوارح تبع. إنما يحارب ويصول ويجول ويقدم بقلبه، هذا هو المحط هنا، أما الجوارح فهي تبع للقلب، فإذا لم يكن عند ملكها قوة يدفع بها فما ظن بها؟ وكذلك لا تعتمد على قوتك البدنية.
نعم، قال: وكذلك النفس فإنها تخبط بالشهوات والمعاصي وتضعف، أعني النفس النفس المطمئنة، فإن كانت الأمارة تقوى وتتأسد وكلما قويت هذه ضعفت تلك، شيئان منفصلان. طبعا تحتاج إلى فلسفة على النفس المطمئنة، شيء منفصل عن النفس الأمارة أم هي النفس الأمارة تصبح مطمئنة في حين وتعود أمارة في حين؟ هذه يعني شيء في الفلسفات يدرسونهم. قال: فيبقى الحكم والتصرف للأمارة، وربما ماتت نفسه المطمئنة موتاً لا يرتجى معه حياة ينتفع بها، فالحياة حياة لا يدرك بها الألم فقط.
والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتنفع شيء لك إذا وقعت في البلية: التوكل على الله، ذكر الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، حسبنا الله ونعم الوكيل، أن يعتمد قلبك على الله إذا وقعت في بلي لا تستطيع أن تحصل هذه العبادات إذا لم تكن مهيأ لها مستعداً لها من أعمالك السابقة.
نعم، قال: والمقصود أن العبد إذا وقع في شدة أو كربة أو بلية خانه قلبه ولسانه وجوارحه عما هو أنفع شيء له، فلا ينجذب قلبه للتوكل على تعالى والانابة إليه والجمعية عليه وتضرع قلبه على مولاه فلا يفزع، نعم، والتضرع والتدلل والانكسار بين يديه ولا يطاوعه لسانه لذكره وإن ذكره بلسانه لم يجمع بين قلبه ولسانه يعني فلا تستطيع حتى الله لا يطاوعك لسانك أن تذكر الله في لحظة البلاء.
بعض الناس إذا أصيب بلاء لا يتصبر وكذا، طب مع أنك قد تكون تراه في صلاة الفجر يعني، قد تكون تراه لكن ضع قلبه ضعيف، ما استعد لساعه البلاء، فشيء طبيعي أن لسانه لا ينقاد بذكر الله، وإذا قال فيكون ذكر الله فقط باللسان، وأما القلب فهو في فزع وفي هلع، على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ماذا قال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى، ما الذي يعين الإنسان على هذا إلا مقام عال في الإيمان.
نعم، قال: فينحبس القلب على اللسان بحيث يؤثر الذكر ولا ينحبس القلب واللسان على الذكر، بل إن ذكر أو دعا ذكر بقلب لاه ساه غافل، ولو أراد من جوارحه أن تعينه بطاعة لم تدفع عنه ولم تنقذ له ولم تطاوعه، وهذا كله اثر الذنوب والمعاصي.
كمله؛ جند يدفع عنه الأعداء فأهمل جنده وضيعهم وأضعفهم وقطع أخبارهم ثم أراد منهم وقطع أقواتهم يعني طعامهم وشرابهم ما يقويهم معا، ثم أراد منهم عند هجوم عدو عليه أن يستفرغوا وسعهم في الدفع عنه بغير قوة.
جميلة، يعني هذا يمكن القيم قدرة ابن القيم على تقريب الأفكار القلبية من خلال الأمثله الواقعية، يقول لك حال هذا القلب كحال انسان ملك عنده جنود مجوع هذول الجنود لا بطعميهم ولا بشربهم ولا يعدهم، ثم لما هجم العدو على القرية ايش قال للجنود؟ يلا يا شباب.
لا طعام ولا شراب ولا شيء، شو بدنا ندفع؟ هذا حالك يا أخي الكريم، وأنت لا تصلح قلبك، ولم تتابع خطراتك ولم تبتعد عن الذنوب والمعاصي، ثم لما هجمت عليك البلية يلا يا شباب، قلبك ما راح يتحرك، ولسانك لن يذكر الله، ويقول لك أمورك صعبة، يعني ستكون اشحذ قلبك جيداً لساعة البلاء، هذه الفكرة نعم.
قال: هذا، وتم أمر أخوف من ذلك وادهى منه وأمر، وهو أن يخونه قلبه ولسان عده الاحتضار والانتقال إلى الله تعالى العفو والعافيه. هذه ساعة يعني كما قالوا يعني هي ساعة التي تظهر الإيمان حقيقة، كل شريط حياتك وثمرته ستظهر في الساعة الأخيرة، كل شريط الحياة الذي عشته ثمرته تطلع عند ساعة الاحتضار، يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ.
قال للعلم أي عند ساعة الاحتضار، هذه ساعة رهيبة، وكما قال ابن رجب: وفيها تظهر خبايا الإنسان، يعني من كان عنده معاصي الخلوات، قال: تظهر عند ساعات الاحتضار. فدائما أحبابي الكرام، الإنسان يفتش نفسه؛ إذا عندك معصية هكذا أنت مصر عليها لا يعرفها الناس، تخلص منها سريعا، فإن هذه المعاصي إذا طال عهدها بك تكون سببا في خاتمة السوء.
ولذلك أيضا أذكر بابن رجب الحنبلي يقول: وسبب خاتمة السوء دسيسة في قلب الإنسان. سبب خاتمة السوء دسيسة في قلب الإنسان، يعني إشكالية من المعاصي هو مدمن عليها لا يعرفها الناس لا يعرفها الناس وهو متهاون في علاجها مستمرا لها، عندئذ تخونك في ساعة الاحتضار. فينبغي الإنسان، هي ساعة رهيبة نسأل الله السلامة والعافيه وألا يقبضنا إلا وهو راض عنا.
قال رحمه الله: فربما تعذر عليه النطق بالشهادة، كما شاهد الناس كثيرا من المحتضرين أصابهم ذلك، حتى قيل لبعضهم قل لا إله إلا الله، فقال: آه آه لا استطيع أن أقولها. وقيل لآخر قل لا إله إلا الله، فقال: شاهو شاه. رخصة فارسية هذه كلمة ليست عربية هي اسم لعبة الشطرنج، تمام يعني واضح أن هذا الزلمه طول حياته ايش عايش؟ يلعب هالشطرنج، لا يذكر الله إلا قليلا، فلما جاء وقت الموت ماذا تذكر؟ لعبة الشطرنج دائما يقول أغلب شيء كان عليك في حياتك يظهر في ساعتك موتك تمام.
فبعض الناس يموت وهو يغني والعياذ بالله أغنية كانوا مدمنا عليها، أو يموت أو يذكر اسم معشوقه عاش حياته وهو يعشقها، هناك من يموت على لا إله إلا الله، هناك من يموت على الذكر، وكل إنسان يرسم قصة ساعة الاحتضار من خلال قصة حياته نعم. وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فقال: يا رب قائلة يوما وقد تعبت، أين الطريق إلى حمام منجاب؟ الرجل يتعشق النساء والعياذ بالله. وقيل لآخر قل لا إله إلا الله فجعل يهذي بالغناء ويقول.
لا إله إلا الله، في تلك الساعة لن يكون التفكير العقلي حاضرا، ساعة سكرات، ساعة خلص الروح تسحب، فالله سبحانه وتعالى جعل تلك الساعة هي ثمره نشاط العمر للإنسان. وقيل لآخر ذلك فقال: وما يغني عني وما أعرف أني صليت لله صلاة، ثم قضى ولم يقلها. وقيل لآخر ذلك فقال: هو كافر بما تقول، وقضى، مات على الكفر والعياذ بالله. وهذه قد تخونك يعني هذا شيء قد يخونك إذا أنت كنت تدس على الإسلام أو عندك شكوك أو شيء ولا ترضى بالإسلام ولا تقنع بشرع الله يخونك هذا الأمر وتقول قد تقول مثل هذا الإنسان، فنسأل الله العفو والعافيه مثل هذه الخواتم.
وقيل لآخر ذلك فقال: كلما أردت أن أقولها لساني يمسك عنها. قال: وأخبرني من حضر بعض الشحادين عند موته فجعل يقول: لله فلس لله، حتى قضى. حياته في التجارة والمصاري. قال: وأخبرني بعض التجار عن قرابة له إنه احتضر وهو عنده، وجعلوا يلقنونه لا إله إلا الله وهو يقول: هذه القطعة رخيصة، هذا مشتري جيد، هذه كذا، حتى قضى. وسبحان الله كم شاهد الناس من هذا عبر، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم وأعظم.
فإذا كان العبد في حال حضور ذهنه وقوته وكمال إدراكه قد تمكن منه الشيطان واستعمله فيما يريده من معاصي الله، وقد أغفل قلبه عن ذكر الله تعالى، وعطل لسانه عن ذكره، عن ذكره وجوارحه عن طاعته، فكيف الظن به عند سقوط قواه واشتغال قلبه ونفسه بما هو فيه من ألم النزع؟
ماذا يريد أن يقول؟ يقول: لا تظن أنك في تلك اللحظة تستطيع أن تملك إيمانك أو أن تجدد الإيمان إذا كنت ضعيفا، يقول لك: إذا أنت وبصحتك وقوتك وعقلك معك وبتنهار أمام منظر وأنت في الحالة الطبيعية قبل ما تأتيك لحظات الموت وصحتك وعقلك معك، والشيطان ينسيك ذكر الله وينسيك صلواتك وينسيك أذكار الصباح والمساء وينسيك كثير، وينسيك مشاهدة الله لك، فكيف وقد خارط قواك وأنت على فراش الموت واللحظات الأخيرة وأنت مشغول بالنزع وباتعاب الجسد؟ هذا أولى وأحر أن تنسى، هذا أولى وأحرى أن تنسى.
فكما قلت: تلك الساعة هي خارج الإدراك البشري، وإنما هي ثمرة الجهاد والمثابرة في هذه الحياة فقط نعم. قال رحمه الله: وجمع الشيطان له كل قوته وهمته، وحشد عليه كما يقول في لحظة السكرات جمع كل قوته وهمته، يعني الشيطان قاعد بيستنى لحظة سكراتك وجالس على راسك بده يحاول يسحب منك كلمة الكفر حتى في اللحظات الأخيرة، معركة مش سهلة يا إخواننا الكرام. قال: وحشد عليه بجميع ما يقدر عليه لينال منه فرصته، فإن ذلك آخر العمل، فأقوى ما يكون عليه ذلك الوقت وأضعف ما يكون هو في تلك الحال، فمن ترى يسلم على ذلك؟
فهناك يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. فكيف يوفق بحسن الخاتمة من أغفل الله سبحانه قلبه عن ذكره واتبع هواه وكان أمره فرطا؟ فبعيد من فبعيد من قلبه، بعيد من الله تعالى غافل عنهم، متاع متعبد لهواه، أسير لشهواته، ولسانه يابس من ذكره، وجوارحه معطلة من طاعته مشتغلة بمعصيته، أن يوفق للخاتمة بالحسنى.
ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكان قطع خوف سوء الخاتمة ظهور المتقين أكثر ما كان يخشى منه السلف أيها الأحبه سوء الخاتمه، لأنهم يدركون أن لحظة الخاتمة هي لحظة الحصاة، لحظة الخاتمة هي لحظة حصاد، أنت تجني ما حصدته في ساعات العمل، لذلك شوف هذه العبارة: ولقد قطع خوف الخاتمة إلى الخوف من سوء الخاتمة ظهور الأولياء والصالحين، وتجد أحدنا وليس هو ناريا ولا صالح ولا شيء وإنما ستر الله علينا ولا نحسب حسابا لتلك الساعة الرهيبة ولا ندرك عمقها وخطرها ومصيريتها على تحديد مسارك في الدار الآخرة.
قال رحمه الله: ولقد قطع خوف الخاتمة ظهور المتقين، وكأن المسيئين الظالمين قد اخذوا توقيعا بالأمان توقيع فلا يخافون، كحالنا المسيئين الظالمين ممن هم كحالي، ماذا كأنهم اخذوا ماذا توقيعا بالأمان، فتجد أحدنا يعيش عمره وموضوع الخاتمة مش على باله، يعني بقول لك ساعتها تدبر، لا والله ما راح تتدبر. ساعتها أنت خرجت عن قدراتك وستقف بين يدي الله سبحانه مستعدا للقائه نعم.
قال تعالى: أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ؟ لكم إيمانا وأمان عند الله أنكم ستحددون مصيركم بناء على حكمكم أنتم، إن لكم لما تحكمون، من اللي قال لك؟ أنت الذي ستحكم أين مصيرك؟ بعض الناس ويعيش هكذا في الحياة ويفكر إنه في لحظة الخاتمة هو الذي سيحكم أنني سأريد الطاعة ولا المعصية أو طريق الجنة أو طريق النار.
لا في لحظة الخاتمة وفي لحظة الجنة والنار لست أنت من تحكم، من سيحكم؟ ملك الملوك سبحانه وتعالى، لكن هكذا حياة بعض الناس يظن أن الجنة والنار هو سيذهب إلى الجنة هكذا باختيار ويموت على الطاعة باختياره بدون تعب بدون أي مصائب، والآن بيشتغل في المعاصي وإن شاء الله بتوبة، يعني هو بيحللها من ناحية اقتصادية، يظن أن الأمور هكذا واحد زائد واحد يساوي اثنين، والمسكين لا يعرف أن الأمور هكذا بتاتا نعم.
قال تعالى: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ. سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ؟ ما معنى زعيم؟ كفيل، يعني مين راح يتكفل لك أنك في الجنة وفي النار؟ في واحد.
يتكفل لك أنك في ساعة الموت ستكون على خير. هذا صاحبك الذي يغويك بالمعاصي والذنوب قل له: إذا بتتكفل لي بساعة الموت أنني أموت على طاعة، خلاص أمشي معك؛ إذا تستطيع تتكفل بذلك. نعم، كما قيل: يا آمنا من قبيح الفعل منه ألا آتاك توقيع أمن أنت تملكه؟ جمعت شيئين: أمنا واتباع هوى، وواحداهما في المرء تهلكه.
والمحسنون على درب المخاوف قد ساروا، وذلك درب لست تسلكه. فرطت في الزرع وقت البذر من سفه، فكيف عند حصاد الناس تدركه؟ هذا وأعجب شيء منك زهدك في دار البقاء بعيش سوف تتركه. من السفيه إذا بالله أنت؟ من السفيه إذا بالله أنت أمل مغبون، البيع غبنا سوف يدركه.
قال رحمه الله تعالى: فصل، المعاصي تعمي القلب. ومن عقوباتها أنها تعمي القلب، فإن لم تعمه أضعفت بصيرته ولابد، وقد تقدم بيان أنها تضعفه ولابد. فإذا عمي القلب وضعف، فاته من معرفة الهدى وقوته على تنفيذه في نفسه وفي غيره بحسب ضعف بصيرته وقوته. هذا المعنى تكرر سابقا، حقيقة بعض الفقرات فيها تكرار، قضية فقد الحكمة وضعف القلب، هذه تكررت، ولكن هو كل مرة يحاول يعرضها بطريقة أخرى ولكن هي نفس الفكرة.
نعم، قال: فإن الكمال الإنساني مدارة على أصلين؛ معرفة الحق من الباطل وإيثاره عليه. ومن هذا مدار الإنسان أن يعرف، كما قلنا، اسباب الخير وأسباب الشر. وقد معرفة الحق من الباطل نفسها معرفة أسباب الخير وأسباب الشر، أصل حياتك أن تعرف أسباب الخير وأسباب الشر، بعدين ايش؟ تتجه نحو أسباب الخير، شو الفائدة أني أعرف أسباب الخير وأسباب الشر ثم لا أنقاد لها؟ قال: إذا مدار حياة الإنسان وكماله أن يعرف أسباب الخير من الشر والحق من الباطل، ثم تغلبه نفسه على طلب الخير والحق بدلاً من طلب الباطل والضلال.
قال رحمه الله: وما تفاوتت منازل الخلق عند الله تعالى في الدنيا والآخرة إلا بقدر تفاوتهم في هذين الأمرين. وهما اللذان أثنى الله بهما سبحانه على أنبيائه في قوله تعالى: وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ. فالأيدي: القوة في تنفيذ الحق، والابصار: البصائر في الدين. فوصفهم بكمال إدراك الحق وكمال تنفيذه.
وانقسم الناس في هذا المقام أربعة أقسام، فهؤلاء أشرف الأقسام من الخلق وأكرمهم على الله تعالى. الأقسام من كان له بصيرة في إدراك الحق من الباطل، ثم قوة، والأيدي قوة على اختيار الحق والذهاب إليه. نعم.
قال القسم الثاني: عكس هؤلاء؛ من لا بصيرة له في الدين ولا قوة على تنفيذ الحق، وهم أكثر أسباب الخير والشر، وبالتالي لا ينقادوا أصلا لشيء، هذا أسوأ الأنواع. قال: وهم أكثر هذا الخلق، وهم الناس اليوم. قال: وهم الذين رؤيتهم قذى العيون، وحم الأرواح، مؤذية للنفس نعم، وسقم القلوب، يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، ولا يستفاد من صحبتهم إلا العار والشنار.
قال رحمه الله: القسم الثالث؛ من له بصيرة بالحق ومعرفة به، لكنه ضعيف لا قوة له على تنفيذه ولا الدعوة إليه. وهذا حال كثير من طلبه العلم، أنه يتعلم أسباب الخير وأسباب الشر، لكن ما عنده قوة للإقبال على أسباب الخير وامتثالها واتباعها والتمسك بها، هذا حال منتشر في طلبة العلم. نعم، قال رحمه الله: وهذا حال المؤمن الضعيف، والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله منه المؤمن الضعيف.
القسم الرابع: من له قوة وهمة وعزيمة، لكنه ضعيف البصيرة في الدين، لا يكاد يميز، عنده قوة على الخير، لكنه ضعيف البصيرة، لا يعرف أسباب الخير وأسباب الشر؛ لأنه لا يحضر مجالس العلم ولا يتحلق ولا يستفيد، ما عنده إقبال عليها، فبالتالي تضعف بصيرته، ولن تنفعه عزيمته ولا همته. قال: لا يكاد يميز بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، بل يحسب كل سوداء تمرة وكل بيضاء شحمة، يحسب الورم شحما والدواء النافع سمًّا، وليس في هؤلاء من يصلح للإصامة في الدين، ولا هو موضع لها سوى القسم الأول.
قال الله تعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. فأخبر سبحانه أن بالصبر واليقين نالوا الإمامة في الدين؛ اصبر على فعل الطاعة، فاصبر على ترك المعصية، تصبر على غض البصر، تصبر على مرارة الحياة، الحياة كلها تنادي الصبر وأحبابي، ما في شيء سهل في الحياة، الحياة فيها صبر، والصبر بطبيعته مر؛ لأن كثير من الناس حتى يفكر في نفسه، تأتي المعصية في شهوة وفي إقبال، أني أمسك نفسي عنها، والله صعبة فيها مرارة، وهذه المرارة هي المطلوبة، يعني أنت تظن أنك ستترك المعصية بدون مرارة؟ إلا أنت لم تفهم الحياة بعد.
نعم، ترك المعصية يكون فيه شيء من المرارة على النفس، لكن سيعقبه من الأنس واللذة والسعادة والطمانينة بعد ذلك، فالله يريدك أن تتجرع هذه المرارة قليلاً لينيلك سعادة أبدية متخيلة في الدنيا وفي الآخرة. بعض الناس هذه المرارة، مرارة الصبر، هو لا يريد أن يتجرعها، ما بده، نفسه ضعيفة.
لكن هل أنت مدرك في حاله أنك لا تريد أن تتجرع مرارة الصبر ماذا سيكون بعد ذلك من شقاء الدنيا والآخرة؟ هذا ضعف البصيرة وضعف الموازنات هو الذي عم يخون في حياتنا، أنه لا نريد نتحمل مرارة صغيرة مقابل سعادة الأبد، وكثير منا مستعد لأن ينال الشهوة العاجلة ولا يريد أن يجاهد نفسه وسيتحمل شقاء الأبد، لكن فكرة شقاء الأبد لأنه مؤجل يبقى بالنسبة لي خلاص بدبر حالي بعدين، تنحل بعدين. هذه قضية بعدين وبعدين هي اللي أرهقتنا وجعلتنا نقع في أوحال الذنوب والمعاصي أكثر وأكثر.
قال رحمه الله: هؤلاء هم الذين استثناهم الله سبحانه من جملة الخاسرين، وأقسم بالعصر الذي هو زمن سعي الخاسرين والرابحين على أن من عداهم فهو من الخاسرين، فقال تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ. ولم يكتف منهم بمعرفه الحق والصبر عليه حتى يوصي بعضهم بعضا به ويرشده اليه ويحطه عليه.
وإذا كان من عدا هؤلاء فهو خاسر، فمعلوم أن المعاصي والذنوب تعمي بصيره القلب فلا يدرك الحق كما ينبغي وتضعف قوته وعزيمته فلا يصبر عليه بل قد يتوارد على القلب حتى ينعكس إدراكه كما ينعكس سيره فيدرك الباطل حقا والحق باطلا والمعروف منكرا والمنكر معروفا فينتكس في سيره ويرجع عن سفره الى الله والدار الاخره إلى سفره الى مستقر النفوس المبطله التي رضيت بالحياه الدنيا واطمئنت بها وغفلت عن الله واياته وتركت الاستعداد ولو لم يكن في عقوبه الذنوب الا هذه وحدها لكانت داعيه إلى تركها والبعد منها والله المستعان.
وهذا كما ان طاعته تنور القلب وتجلوه وتسقله وتقويه وتثبته حتى يصير كالمراه المجلوه في جلائها وصفائها فيمتلئ نورا فاذا دنى الشيطان منه اصابه من نورهما يصيب مسترق السمع من الشهب السواقب فشيطان يفرق من هذا القلب اشد من فرق الذئب من الاسد يفرق يخاف يعني حتى ان صاحبه ليصرع الشيطان فيخر صريعا فيجتمع عليه الشياطين فيقول بعضهم لبعض ما شانه فيقول اصابه انسي وبه نظره وبه نظره من الانس فيا نظره من قلب حر المنور يكاد لها الشيطان بالنور يحرق فيستوي هذا القلب هو قلبهم وقلب مظلم الارجاءه مختلفه اهواءه قد اتخذه الشيطان وطنه واعده مسكنه اذا تصبح بطلعته حياه وقال فديت من لا يفلح في دنياه ولا في اخرى الشيطان يلعب به يقول فديت من لا يفلح ابشر يا صاحب الوجه السيء نعم قرينك في الدنيا وفي الحشر بعدها فانت قرير لي بكل مكاني فان كنت في دار الشقاء فانني وانت جميعا في شقى وهوان.
قال الله تعالى: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ. الله سبحانه وتعالى بين كيف يصبح عند التشوه في الرؤيا هذه الفكره اللي قال ابن القيم قبل شوي لنراها حتى في واقعنا المعاصر حتى عند بعض الناس ليحسوب على الدعوه وعلى الدين التشوه في الرؤيا كيف يصبح يرى الحق باطلا والباطلا حقا هذا ما من شاء احبابي من تقييد الشيطان له ومن
ذنوبه ومن معاصيه. والله يقول: وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ، أي: يعرض ويبيتعد عن منهج الاستقامة، نقيض له شيطاناً فهو له قرين، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ. يعني تجد هذا الإنسان على خير وصلاح مع أن الشيطان آخذه بطريقة آخر تماماً، الشيطان يصده ويحسب أنه على هدى، هذا هو التشوه النفسي، هذا هو الانحول في الرؤية دائماً. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه.
دائماً هذا الدعاء مهم، أنه كثير من الناس أحبابي الكرام يحسب أنه على خير وفي قمة الضلال، قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسُنُونَ صُنْعًا. هذا ما سببه؟ سببه المعاصي والذنوب تجعل عندك هذا الحول، فتصبح تعتقد نفسك والعياذ بالله على خير وأنت على باطل، وهذا حال كثير من أهل البدع، هذا حال كثير من أهل البدع ممن تشربها وطمح له وأحبها وعاش معها يحسب نفسه يتقرب إلى الله وأنه أعلى درجات الإيمان، وهو والعياذ بالله أبعد الناس عن ماذا؟ عن مسلك أهل الرشاد.
نعم، قال تعالى: حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ * وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ. فأخبر سبحانه أن من عشيا عن ذكره وهو كتابه الذي أنزل على رسوله، فأعرض عنه وعمي عنه وعاشت بصيرته عن فهمه وتدبره ومعرفة مراد الله منه، قيد الله له شيطاناً عقوبة له بإعراضه عن كتابه، فهو قرينه الذي لا يفارقه في الإقامة ولا في المسير، ومولاه وعشيره الذي هو بئس المولى وبئس العشير.
ثم أخبر سبحانه أن الشياطين أن الشيطان يصد قرينه يصد قرينه ووليه عن سبيله الموصل عن سبيل الله الموصل إليه وإلى جنته، الموصل إليه وإلى جنته، ويحسب هذا الضال المصدود أنه على طريق على طريق هدى. حتى إذا جاء القرينان يوم القيامة يقول أحدهما للآخر: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين كنت لي في الدنيا أضللتني عن الهدى بعد إذ جاءني وصددتني عن الحق وأغويتني حتى هلكت وبئس القرين أنت لي اليوم.
ولما كان المصاب إذا المصاب إذا شاركه غيره في مصيبة حصل له بالتاسي نوع تخفيف وتسلية. حياة الدنيا إذا كان في أكثر من واحد مصاب مثل مصيبتك تشعر أن المصيبة تهون عليك، صح؟ لما تكون في الدنيا مصاب وتجد شخص جارك مصاب بنفس المصيبة كما يحدث في فواجع العامة نسأل الله العفو والعافية، ما بتهون لأنه في كل حي مصاب كما يقال.
لكن هل وجودك في النار مع قرين يعني عفوا وجودك في النار مع القرين راح تخففه عن بعض البعض وهو بسوالف وأنت بتسولف؟ موضوع الجنة والنار يختلف عن موضوع الدنيا. في الدنيا التشارك في المصيبة يخففها، لكن في الآخرة التشارك في المصيبة لا يخففها، فأنت عندما ترى أهل النار إذا كان شخص من أهل النار ويرى أهل النار حوله هل يتعزى بوجودهم معه؟ وقل اللهم في النار واحدة، الأمر هذا يختلف في الآخرة.
نعم قال رحمه الله تعالى: أخبر الله سبحانه أن هذا غير موجود وغير حاصل في حق المشتركين في العذاب، وأن القرين لا يجد راحة ولا أدنى فرح فرح بعذاب قرينه معه. وإن كانت المصائب في الدنيا إذا عمت صارت مسلاة، كما قالت الخنساء في أخيها: ولولا كثرة الباكين حولي على إخوانهم لقتلت نفسي. رضي الله عنها لما مات صخر وهذا مكان في الجاهلية قالت أنا كنت ساقتل نفسي لولا أنني رايت من أزي نفسي بهم وكثرة النساء اللواتي قتل إخوانهن هذا اللي عزاها وهذه فلسفة الحياة فعلا.
أما الله سبحانه وتعالى في الدار الآخرة قال: وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ. هذا معنى الآية، يعني كونكم مشتركون في العذاب هل هذا سيخفف عنكم ألم العذاب نفسياً وجسدياً؟ هذا لا ينفع في موازين الآخرة. قال: وما يبكون مثل اخي ولكن أزي النفس عنه بالتاسي، فمنع الله سبحانه هذا القدر من الراحة على أهل النار فقال: وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
ننتظر خروج الأخوات بإذن الله سبحانه وتعالى، ونستعجل يا أيها الأخوات.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل