تسجيل الدخول

التّعلِيق عَلى كتاب الدَّاء وَالدَّوَاء | المجلس الثاني

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه وحمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين. اللهم جنبنا منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين.

حييكم الله معاشر طلبة العلم في مجلس جديد نعقده في التعليق على هذا الكتاب المبارك رسالة الداء والدواء للعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه. وقد عرفنا في المجلس السابق موضوع هذه الرسالة المباركة؛ رسالة مباركة مهمة لكل مسلم ومسلمة، ولككل طالب علم وطالبة علم. رسالة تتحدث عن المشكلة التي يصعب أن ننفك عنها، وتحاول أن تسددنا إلى طريق حلها؛ وهي مشكلة المعاصي والذنوب. آفة المعاصي والذنوب التي يبتلى بها الإنسان ويقع في شباكها، وبعضنا يصل إلى إدمان في كثير من جوانبها.

يحاول ابن القيم رحمه الله تعالى عليه أن يقدم علاجاً لهذه الظاهرة، لهذه الإشكالية، من خلال هذه الرسالة المباركة. عرفنا أن هذه الرسالة هي سؤال؛ أصلها سؤال وجه إلى ابن القيم من شخص عنده إدمان على معصية من المعاصي، ويخاف أن هذه المعصية إن بقي مدمناً عليها أن توبق دينه ودنياه، وأن يكون فيها خسارة الدنيا والآخرة. فقال: يا إمام، أريد منك حلاً، أريد علاجاً، أريد أن تساعدني للخلاص من هذه المعضلة، من هذه الإشكالية.

وكم من شخص منا غارق في أوحال ذنوبه ومعاصيه! كم من شخص منا مكبل ولكنه صامت، يخشى أن يبوح بذنبه، يخشى أن يبوح بمصيبته التي ابتلي بها! وأعظم المصائب أحبابي الكرام في هذه الحياة هي مصيبة البعد عن الله سبحانه وتعالى. لن تبتلى عبد الله، ولن تبتلى أمة الله سبحانه وتعالى بمصيبة أعظم من مصيبة ماذا؟ أن تكون بعيداً عن الله، وأن يكون قلبك محروماً من الأنس بالله. وهذه المصيبة؛ مصيبة البعد عن الله وحرمة الأنس بالله، سببها المعاصي التي أنت مصر عليها، سببها المعاصي التي تجاهر فيها ربك ليلا ونهاتاً في خلواتك وفي جلواتك ولا ترعوي عنها. لربما تستخفي من الناس لكنك لا تستخفي من الله سبحانه وتعالى، وهو أعظم أن يستحى منه.

تأتي هذه الرسالة المباركة لتقدم العلاج لكل شخص باحث عن الشفاء، لذلك اسمها الداء والدواء، واسمها أيضاً ماذا في بعض النسخ الجواب الكافي لمن سال عن الدواء الشافي. فنحن واياكم نبحث عن علاج لمشكلة المعاصي والذنوب، نبحث عن دواء لقلوبنا، ويسعى ابن القيم من خلال تتبعه لنصوص الكتاب والسنة أن يوضح معالم هذا الدواء وأن يكشفه لنا لعلنا نسير بخطوات الأئمة ونبدأ من الآن في رحلة الاستشفاء، ونبدأ من الآن في رحلة الاستشفاء.

بدا ابن القيم رسالته المباركة ببيان ماذا؟ ببيان الدواء الأساسي لهذه الأمراض. فأخبرك يا من تبحث عن شفاء قلبك، يا من تبحث عن العودة إلى الله سبحانه وتعالى، يا من تبحث عن الانفكاك من الذنوب والمعاصي وتبحث عن درب الخلاص، يا من وقعت في مصيدة الإباحية أو النظر إلى النساء، أو الأكل الحرام، أو مجالسة أهل السوء، أي معصية أنت مصر عليها، يا من وقعت في المعصية وتريد النجاة؛ أساس علاجك في الأدويه الشرعية. والأدوية الشرعية أساسها وجلها في أين؟ في القرآن. لذلك نجد ابن القيم في مطلع هذه الرسالة اهتم ببيان الأدويه الشرعية لأن العلاج فيها؛ تريد الخلاص من المعاصي عليك بالقرآن، تريد الخلاص من المعاصي عليك بالذكر، تريد الخلاص من المعاصي عليك بالدعاء.

ولذلك لأن هذه الأسلحة الثلاث للمؤمن للنجاة من أوحال الذنوب والمعاصي اهتم ابن القيم ببيان كيف تستعمل هذه الأسلحة وهذه الأدوية بالشكل الصحيح. لأن كثيراً من الناس لربما يقول: أنا يا شيخ أقرأ القرآن ولكنني لا أستشفي به، لربما يقول: أنا أذكر الله وأدعو الله أن يخلصني من المعصية لكنني لا أجد الشفاء. أقول: هل استعملت أخي الكريم يا رعاك الله، وهل استعملت أختي الكريمة رعاك الله هذا الدواء بالشكل الصحيح وبالطريقة الصحيحة؟

فابن القيم أراد أن يبين أن أكثر الناس يدعي أنه يقرا القرآن وأنه يتوب وأنه يدعو الله عز وجل بالشفاء ولا يصلح معه ولا ينجع معه هذا الدعاء، ويكون السبب حقيقة ليس في القرآن، إياك أن تشك في ذلك، السبب في طريقة استشفائك بالقران، طريقة علاجك بالذكر، طريقة علاجك بالدعاء. ابن القيم رحمه الله عليه يقول: إن القرآن والذكر والادعية هذه الأدوية الشرعية هناك شروط للاستشفاء بها. أليس كذلك؟ قلنا الشرط الأول ما هو من يتذكرنا؟ آه يا شيخ. قبول المحل، أن يكون المحل الذي تقرأ عليه القرآن أو المحل الذي تدعو الله سبحانه وتعالى له أو تذكر الله عليه، أن يكون هذا المحل يقبل ماذا؟ هذا الدواء الشرعي.

طيب، قلنا ما هي الأسباب التي تجعل المحل لا يقبل الدواء الشرعي؟ ايوه يا شيخ، أن يكون المحل نبت من حرام فلا يقبل الدواء الشرعي، أيضاً أن تكون هذه الآلة التي ابتلاك الله بداء فيها أو مرض فيها أنت تستعملها في الحرام أيضاً. نعم، عدم استعمال الأدعية المناسبة أو الآيات المناسبة لأدائك، فقلنا هل يصلح إنسان مريض بمعاصي وذنوب أن يقرأ آيات تتكلم عن والطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان؟ نعم، القرآن هو كله بركة بالتأكيد، لكن أيضاً عليك أن تحسن اختيار الآية المناسبة، الشيء المناسب، لذلك حتى النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يعلمنا أن لكل شيء دعاء؛ ففي الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود ماذا تقول؟ سبحان ربي الأعلى.

لو أن شخصاً قال في الركوع سبحان ربي الأعلى بدل سبحان ربي العظيم يا شيخ ما هو ذكر ودعاء، نقول: نعم، لكن ليس هو المناسب، ليس هو المناسب وإن كان ذكراً ودعاءً طيباً، لكن سبحان ربي الأعلى تناسب الركوع، وسبحان ربي الأعلى تناسب السجود، وهكذا. فطلب الدعاء المناسب والآية المناسبة لطبيعة الداء مهمة جداً حتى يحصل الشفاء.

إذاً السبب الأول أو الشرط الأول من شروط الاستشفاء بالقرآن ظاهراً وباطناً هو ماذا؟ قبول المحل. وعرفنا ما هي الأسباب التي تسبب عدم قبول المحل الاستجابة للقرآن أو الدعاء. طيب، السبب الثاني أو الشرط الثاني من شروط الاستشفاء بالقرآن ظاهراً وباطناً بالدواء أحسنت، حجم الثقة العالية منك بالدواء، كلما كنت أيها القارئ وأيها الراقي واثق بنجاعة الدواء كلما حصل الشفاء أقرب باذن الله، وكلما كانت عقيدتك مزعزعة في أن القرآن شفاء ودواء أو تقرا مع ضعف اليقين فهذا أصلاً هو سبب ماذا؟ تاخر الشفاء، فاذا ينبغي أن ننتبه لهذه القضية وهو أنه لا بد من وجود ماذا؟ لابد من وجود ثقة منك بنجاعة الدواء حتى يكون ذلك مرتباً للشفاء بإذن الله.

أيضاً السبب الثالث أو الشرط الثالث من شروط الاستشفاء بالقرآن ظاهراً وباطناً نعم الإلحاح. نعم الإلحاح هذا من آدابه. هذا من آدابه، لكن من الشروط الابتعاد قلنا عن الموانع، عن موانع الاستجابة عموماً ومنها الأكل الحرام عموماً، ومنها أكل الحرام عموماً ورين الذنوب والمعاصي وما شابه ذلك. فمثل هذه الأمور قد تحرم الإنسان من ماذا؟ من بركة استشفائه بكتاب ربه سبحانه وتعالى.

إذاً باختصار حتى ينفع الداء لعلاج الدواء، أولاً: عليك أن تثق بالدواء. ثانياً: عليك أن تتخلص من مواد مانع الدواء بقدر المستطاع. ثالثاً: احرص أن يكون الدواء مناسباً للمحل، أن يكون الدواء والآية التي تختارها أو الدعاء الذي تختاره أو الذكر الذي تختاره مناسباً للمحل. ثم بعد ذلك شرع ابن القيم في ذكر يعني ملحقات آداب الدعاء، نقراها إن شاء الله اليوم بإذن الله.

بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين. فصل شروط الدعاء المستجاب، قال المصنف رحمه الله تعالى: والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح. شوف هذا الكلام الجميل من ابن القيم يقول: الدعاء والتعوذ والقرآن هو بمنزلة ماذا؟ سلاح المؤمن. قال: هو بمنزلة سلاحك أيها المؤمن. طيب، قال: والسلاح بضاربه لا بحده فقط. جميل، والسلاح هل السلاح ينجح بمجرد أنه سلاح ولا لابد أن تكون اليد التي تحمله

يد قوية، ما رأيكم؟ هل السلاح ينتج؟ يعني خاصّة الأسلحة القديمة، أسلحة اليوم كما يقولون انتصر فيها الجبناء، لكن الأسلحة القديمة، اللي هي السيف والترس وما شابه ذلك، حتى تستطيع أن تنتصر تحتاج إلى ساعد قوي، لذلك قال ماذا؟ والسلاح بضاربه لا بحده فقط. ماذا يريد أن يقول يعني هو تأكيد للفكرة السابقة؟ نحن قلنا أن القرآن والأدعية والأذكار شفاء، صحيح؟ وقال: وهي أسلحة بها يطلب الشفاء، لكن هذا السلاح وهو القرآن والسنة والأدعية والأذكار، هذا هل هو فقط بذاته يجلب الشفاء أم لا بد من قوة الضارب، قوة القارئ، قوة الداعي؟ لابد كما قلنا من قوة قلب القارئ والداعي، لذلك قال: والأدعية والتعوذات بمنزلة السلاح، والسلاح إنما يكون بضاربه، يعني لابد من يد قوية تضرب به، وإلا حتى لو كان من أقوى الأسلحة إذا اليد ضعيفة لن ينتج، كذلك القرآن هو أقوى سلاح لشفاء المؤمن، لكن إذا الذي يقرا ضعيف ما عنده اعتقاد به قوي لن ينتج، مع أنك معك أقوى أسلحة الذكر، فينبغي الإنسان لهذه القاعدة. نعم.

قال رحمه الله: فمتى كان السلاح سلاحاً تاماً لا آفة به، والساعد ساعد قوي، والمانع مفقود، حصلت به النكاية في العدو. فهذه هي الشروط الثلاث لاستجابة الدعاء التي ذكرناها، أن يكون السلاح تاماً، ويقصد هنا بالسلاح التام أن تختار الآيات المناسبة والأدعية المناسبة لطبيعة مرضك، هكذا يكون السلاح تاماً. وقال والساعد ساعد قوي، يعني قوة القارئ وقوة اعتقاده أن القرآن فيه شفاء، ثالثاً والمانع مفقود من ماذا؟ من أكل الحرام وما شابه ذلك، هذه إخواني أمور مهمة جداً، هذا من أوجب العلوم التي يجب على الناس أن يتعلموها اليوم، لما أعطيك شروط استجابة الدعاء أو شروط الانتفاع بالدعاء، هذا حقيقة من أوجب الأمور التي عليك أن تتعلمها، والله إن هذا الكلام أفيد لك من الطعام والشراب، وأفيد لك من متابعة الجوال، وأفيد لك أن تجلس مع الناس في القيل والقال، أن تعرف كيف تستخدم كلام ربك لتستشفي به، أن تعرف كيف تستخدم الدعاء لتستشفي به، هذه حياتك، هنا نجاتك، تجد الناس يعني يحبون أن يعرفوا تفاصيل تفاصيل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ولا يغيب عنهم شيء، ثم لما تأتي تقول له ما شروط الشفاء بالقران لا يعرف ذلك، هذا حقيقة مما يبكى عليه ويحزن عليه أن تجد الإنسان بلغ من الكبر عتياً وهو لا يعرف كيف يوظف كتاب ربه ليشفي ظاهره وباطنه، هذا قمة الحرمان والعياذ بالله، أنت مسلم عندك أقوى الأدعية وأقوى الآيات وأقوى الأدوية التي تستشفي بها، وانت جاهل في طريقة التطبب مع أنها والله لم تأخذ منكم دقائق حتى تجلسوا مجلس علم لتفهموا، ثم بعد ذلك تنطلقوا إلى حيز التطبيق. نعم.

قال رحمه الله: ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة تخلف التأثير. نعم. فأن كان يعني فما اختل شرط من هذه الشروط الثلاثة اختل تأثير، فيصبح القرآن غير مؤثر أو الدعاء غير مؤثر غير منتج. نعم. قال: فإن كان الدعاء في نفسه غير صالح، أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسان في الدعاء، أو كان ثم مانع من الإجابة لم يحصل الأثر. قال: فصل الدعاء والقدر. قال رحمه الله تعالى: هذا فصل استطرادي أراد أن يبين رحمه الله عليه بعض الشبهات التي تعرض عند الناس في فائدة الدعاء، أن كثير من الناس بقول لك ماذا ستفيد من الدعاء؟ بعض الناس عنده شك في قوة هذا الدواء، بقول لك يا شيخ هل فعلا الدعاء يغير الاقدار؟ لو أن الله أراد أن يجعلني من أهل المعاصي والذنوب هل الدعاء سيمنع ذلك؟ فكثير من الناس عندهم شكوك في قدرة الدعاء أو الذكر أو القرآن على الإنتاجية، على تحقيق العصمة، على الحماية والوقاية، فهنا ابن القيم أراد أن يعقد فصلاً يبين فيه أن الدعاء والذكر والقران بالتأكيد سبب من أسباب الشفاء ظاهراً وباطناً، تمام؟ للاسف بعض المعتقدات الخاطئة سياتي معنا بيانها، هي التي تزرع في الإنسان عدم إنتاجية الدعاء، سيبين لك ابن القيم بعض المعتقدات الخاطئة التي أورثت كثيراً من الناس يأساً من الدعاء واعتقاداً أن الدعاء غير مؤثر أو غير منتج، فيقول لك احذر من هذه العقائد، إياك أن تعتقدها، لأنك إذا اعتقدتها خلاص لن تقرأ القرآن بنية الشفاء، لن تدعو الله بنية الشفاء، لأنه هذا السبب وهو الأدعية الشرعية ما عاد لديك اعتقاد في سببيتها، فهنا إذا ابن القيم يريد أن يكرس قضية معينة يجب أن تؤمنوا بها، الدعاء والقران والذكر سبب شرعي من أسباب الشفاء وقادر على أن يغير الأقدار بالطريقة التي بيناها في المجلس السابق، فاياك أن تشك في هذه الجزئية، لأنك متى شكيت في هذه الجزئية خلاص ما عاد قلبك يحضر معك في الدعاء لأنك لا تعتقد سببيته. اقرأ.

قال رحمه الله تعالى: وها هنا سؤال مشهور وهو أن المدعو به إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه دعا به العبد أو لم يدعُ، وإن لم يكن قد قدر لم يقع سواء سأله العبد أو لم يسأله. إذا هذه الشبهة قديمة، أن كثير من الناس ماذا يقولون؟ إذا كان الله قدر علي أن أقع في المعصية أو سأبتلى ببلاء في الظاهر خلص سأبتلى مادام قد قدر فالدعاء لن ينفع، وإذا كان لم يقدر أن أقع في هذه المعصية أو أبتلى بهذا البلاء فلن أقع والدعاء إذا وجوده لا قيمة له، القضية فقط قدر، بعض الناس هكذا يقول، صح؟ يقول لك القضية فقط ايش؟ قدر، إذا قدر لي معصية سافعلها وإذا لم تقدر لن أفعل، بالتالي لا حاجة لي لأن أستثمر الدعاء في علاج نفسي من الذنوب والمعاصي، أو في علاج نفسي من الأمراض، أو ما شابه ذلك، فبماذا سنجيب عن هذه الشبهة؟ قال: قال رحمه الله: فظنت طائفة صحة هذا السؤال فتركت الدعاء وقالت لا فائدة فيه. وهي إذا هذه الطائفة الأولى، هناك أناس من الجهال قالوا: إي والله هذا الكلام صحيح إذا الدعاء لا فائدة منه ولا يغير قدرا، إذا ماذا نفعل؟ قالوا: نترك الدعاء، وجدوا هذه أسهل الطرق، ماذا قالوا؟ نترك الدعاء لأن الدعاء غير مؤثر في الأقدار، وهؤلاء خالفوا الكتاب والسنة وأتوا بقول لا يقول به أحد من سلف الأمة رضوان الله عليهم، قول بدعي. نعم.

قال رحمه الله: وهؤلاء مع فرط جهلهم وضلالهم متناقضون، فإن طرد مذهبهم يوجب تعطيل جميع الأسباب، فيقال لأحدهم: إن كان الشبع والري قدراً لك فلا بد من وقوعهما أكلت أو لم تأكل، وإن لم يقدر لم يقع أكلت أو لم تأكل. نعم. فهنا كيف نرد على هؤلاء لو جاءك شخص وقال لك ما الفائدة من الدعاء مادام كل شيء بقدر؟ ابن القيم يقول الذي يقول هذا الكلام هو أصلاً متناقض في حياته، ليه؟ أنك ستقول له ممتاز، إذن أنت ترى أنه لا فائدة من الدعاء لأن كل شيء بقدر، إذن أيضاً لا فائدة من تناول الطعام لتشبع لأن الله إذا قدر عليك الشبع ستشبع أكلت أو لم تأكل، وإذا كان الله قد قدر لك أن ترتوي سترتوي شربت أو لم تشرب، إذن اضطرد، ولو قدر الله لك الولد ستأتي بولد تزوجت أو لم تتزوج، وهل هذا يقول هو عاقل؟ هل هناك عاقل عقل يقول: إذا قدر الله لي الولد إذا لا داعي للنكاح سياتيني الولد تزوجت أو لم أتزوج؟ في عاقل يقول هذا؟ لا. قال: إذا كنت أنت لا تقول بهذا في الزواج والشبع إذن فلا تقول هذا أيضاً في قضية الدعاء، مادام الله جعل هناك أسباباً وجعل هذا العالم يقوم على أسباب ومسببات فانت عليك أن تباشر الأسباب وتنتظر المسببات، فكما أنك تأكل لتشبع وتشرب الماء لترتوي وتتزوج حتى تأتي بالولد إذن نفس الشيء تدعو ليستجاب لك، مادام هذه أسباب إذن الدعاء أيضاً أسباب. أنتم بتعرفوا وين المشكلة؟ المشكلة هي أن الناس يؤمنون بالأسباب الحسية ويضعف إيمانهم بالأسباب الأيش؟ الشرعية، هذا حال أكثرنا، السبب الحسي آه أنا معتقد فعلاً أن الطعام سبب في ماذا؟ في الشبع، معتقد.

تماماً، أن شرب الماء سبب في ماذا؟ في الري. لكنني غير معتقد تماماً أن الدعاء سبب في ماذا؟ في الشفاء، أو غير معتقد أن القرآن سبب في ماذا؟ في حماية من أمراض القلوب وما شابه ذلك، فأكثر الناس يؤمن بالأسباب الحسية، ويضعف إيمانه بالأسباب الشرعية، ومن هنا دخلت الآفة على أكثر الناس. نعم.

قال رحمه الله: وإن كان الولد قدر لك فلا بد منه، وطئت الزوجة أو الأمة أو لم تطأ، وإن لم يقدر لم يكن، فلا حاجة إلى التزويج والتسري وهلم جرا. ولا يقول هذا عاقل، لا أقول هذا عاقل. نعم.

قال: فهل يقول هذا عاقل أو آدمي؟ بل الحيوان البهيم مفطور على مباشرة الأسباب التي بها قوامه وحياته، فالحيوانات أعقل وأفهم من هؤلاء الذين هم كالانعام بل هم أضل سبيلاً. وتكايس بعضهم وقال: الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض.

هؤلاء جماعة آخرون، إذاً أصحاب القول الأول ماذا قالوا؟ قالوا لا ندعو أصلاً، ليه؟ قالوا لا فائدة من الدعاء لأن الأقدار مكتوبة. بماذا نجيب عن هذه الشبهة؟ نقول: يلزمك أن تضطرد في كل حياتك، ما دام ما أنت تؤمن أنه ما في داعي لمباشرة الأسباب إذاً عليك أن تفعل ذلك بالطعام والشراب وسائر الأمور، وأنت لا تفعل هذا في الطعام والشراب، إذاً أنت تناقضت في تعاملك مع موضوع الأسباب.

الطائفة الثانية قالت: الدعاء غير مؤثر لكنه مطلوب منا فنفعله فقط على وجه التعبد، وإن كان اعتقادنا أنه لا يغير قدرا. هذا قول طائفة أخرى، ماذا قالت؟ الدعاء غير مؤثر أيضاً في اعتقادهم، لكن هل تفعلونه؟ قالوا: نعم نحن ندعو الله تعبداً فقط، وإلا فهل له تأثير في الأقدار؟ قالوا: لا نعتقد له تأثيراً في الأقدار.

لذلك ايش قال: وتكايس بعضهم، شو يعني تكايس بعضهم؟ يعني تشاطروا، تشاطر بعضهم، يعني قال لك يعني لا نحن ما بندعو بس بندعو باب تعبد لكننا لا نعتقد أن الدعاء مؤثر. وهذا قول بدعي، وهذه الاقوال أغلبها يعني كما قلنا نشأت من طرائق من من طرائق أهل التصوف الذين ينفون الأسباب، ومن طرائق الأشاعة والماتريدية الذين ينفون وجود السببية في نظام الحياة الدنيا.

وهذه من أكبر الأخطاء العقدية التي وجدت في الفكر الأشعري والماتريدي، من أكبر الأخطاء العقدية نفي قضية الأسباب في نظام العالم، واعتقاد أن الشيء لا يأتي عن طريق الأسباب، هذه كارثة، كارثة. لكن سبحان الله هم يحاولون أن يتملصوا منها بتخريجات ليرقعوا هذه العقيدة الفاسدة، وإلا فهي كارثة لمن اعتقدها، الحياة كلها تقوم على نظام ماذا؟ السببية.

علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا، أليس كل هذا قائم على نظام السببية؟ كل الحياة قامت على نظام الس… هكذا خلق الله الكون، فنفيك السببية كارثة في الاعتقاد، بل حتى كارثة في الفكر العقلاني. لذلك أكثر الملحدين إذا أرادوا أن يعني يواجهوا بعض الإسلاميين يدخلون عليهم من هذا الباب، من باب أنكم تنكرون ماذا؟ السببية. لكن هذا لا يأتي على عقيدة أهل السنة والجماعة، أما الذي ينكرها هو الذي يتحمل شأنه في هذه القضية. نعم.

قال رحمه الله: وتكايس بعضهم وقال الاشتغال بالدعاء من باب التعبد المحض يثيب الله عليه الداعي من غير أن يكون له تأثير في المطلوب بوجه ما و… شوف قالوا من غير أن يكون له تأثير في المطلوب، يعني الدعاء غير منتج، وهذا والعياذ بالله كلام فاسد. نعم.

قال: ولا فرق عند هذا المتكيس بين الدعاء والامساك عنه بالقلب واللسان في التأثير في حصول المطلوب، وارتباط الدعاء عندهم به كارتباط السكوت ولا فرق. يعني دعوت ولا سكت من حيث الواقع فالدعاء غير منتج، وهؤلاء يعني كالأوايل، لكن الفرق بينه أن هؤلاء أخف حالا، قالوا بندعو بس ندعو تعبداً ليس أكثر. نعم.

وقالت طائفة أخرى أكياس من هؤلاء: بل الدعاء علامة مجردة نصبها الله سبحانه وتعالى أمارة على قضاء الحاجة. هذا هو قول الأشاعرة بالضبط، أنهم يجعلون ماذا؟ الدعاء وسائر الأسباب يعني يجعلون تناول الطعام علامة على الشبع وليس سببا في الشباح.

رح تقول لي كيف؟ بقول لك اسالهم، هم يقولون إن الطعام علامة وأمارة للشبع عنده يحصل وليس سبباً في ذلك، وهذا كلام يخالف ما يقوله العقلاء. هذا كلام يخالف ما يقوله العقلاء، يعني أنت إذا أكلت فالله جعل أكلك علامة، ها علامة فقط على أنه سيحصل الشبع بعده.

أنت إذا شربت الماء فالله جعل شرب الماء علامة على أنه سيحصل لك الري. أنت إذا تزوجت نكاحك ووطؤك علامة فقط من الله على أنه سيخلق لك الولد، وأما هل الجماع أو الوط… قالوا لا. هل أكل الطعام سبب في الشبع؟ قالوا لا. وهذا أظن أنه لا يقبله عاقل تماماً، وهذا لا أظن أن عاقلاً يقبله بهذا النظر. نعم.

قال رحمه الله: طبعا فبنوا على هذا نفس الفكرة، بما أن الطعام والشراب علامة فكذلك الدعاء علامة، لأن الله سيعطيك حاجتك وليس هو سبب في حصول حاجتك، لا شو على نفس المنوال. نعم.

قال رحمه الله: فمتى وفق العبد للدعاء كان ذلك علامة له وأمارة على أن حاجته قد انقضت. لاحظوا ماذا قال: كان ذلك علامة وأمارة على أن الله سيقضي له حاجة، وأما الدعاء نفسه فليس سبب. وهذه كما قلنا من أكثر العقائد فساداً.

لذلك قلنا أحبابي، لماذا تعلم العقيدة مهم؟ بعض الناس يظن أن الخلاف العقدي تعلمه والدخول فيه يوغر الصدور، هو أنا أعرف أنه أحياناً وكثيراً يوغر الصدور، لكن بعض الجزئيات خطيرة، يعني بعض الجزئيات إذا اعتقدتها في العقائد على عقائد فاسدة خطيرة. تخيل أنك لا تؤمن بقانون السببية، تخيل أنك لا تؤمن بالسببية، إذاً لا فائدة لا من قراءة قرآن ولا شيء، لأنها علامات وأمارات وطلب ثواب، لكن قلبي أنا مهزوم من الداخل لأنني أنا أقرأ القرآن ولا أعتقد سببيته، أذكر الله ولا أعتقد السببية، أدعو الله ولا أعتقد السببية.

أنت هنا أضفعت القيمة الإيمانية في حياتي، أضعفت القرآن، أضعفت الدعاء، ما عدت أشعر أن الدعاء هو صاحب المفعول، وإنما هو مجرد ايش؟ علامة وأمارة. وهذا حقيقة يضعف الإيمان، فبالتالي تعلم العقائد مهم وصيانة العقائد مهم، حتى يحمي الإنسان نفسه من هذه الدواخل ومن هذه الخطرات الرديئة. نعم.

قال رحمه الله: وهذا كما إذا رأيت غيماً أسود بارداً في زمن الشتاء، فإن ذلك دليل وعلامة على أنه يمطر. قالوا: وهكذا حكم الطاعات مع الثواب، والكفر والمعاصي مع العقاب، هي أمارات محضة لوقوع الثواب والعقاب لا أنها أسباب.

هو قانون عام في الفكر الأشعري، أن الطاعة ليست سبباً في الثواب، إذا فعلت الطاعة فهي علامة على حصول الثواب. كل شيء نحن نسميه سبب هم شو بيسموه؟ علم. بس هي هي الفكرة نحن بنقول يا عمي هي أسباب، كيف الطاعة ليس سبباً في الثواب؟ قالوا: لا يوجد قانون سببية، لغوا قانون السببية تماماً، سواء في الأشياء الحسية أو في الأشياء المعنوية، وقالوا كله ماذا؟ علامات وأمارات.

فابن القيم يريد أن يخبرك: إياك أن تعتقد هذه العقيدة فيفسد عليك قلبك والعياذ بالله. نعم.

قال رحمه الله: وهكذا عندهم الكسر مع الانكسار، والحرق مع الإحراق، والازهاق مع القتل، ليس شيء من ذلك سبب البتة. طب حي… يعني الكسر، إذا أنا رميت حجر على زجاجة فانكسرت الزجاجة، هل نقول رمي الحجر سبب في الانكسار عند الفكر الأشعري؟ لا، ولا ايش؟ رمي الحجر علامة على وقوع الانكسار.

هذا إخواني، هذا كلام لا يصلح، يعني حتى أنت أحياناً بعض الأشياء قد تضحك عليك المخالفين، كفار يقول لك يعني ليس رمي الحجر هو سبب في الانكسار؟ لا، هو مجرد علامة، والانكسار خلقه الله عندما رميت فقط. مثل هذه الأمور ينبغي أن ينتبه لها الإنسان حتى لا يقع في شيء كما يقولون يضحك من العقلاء. نعم.

قال رحمه الله: ولا ارتباط بينه وبين ما يترتب عليه إلا مجرد الاقتران، الاقتران العادي لا التأثير السببي، وخالفوا بذلك الحس والعقل.

شوف ايش قال ابن القيم: وخالفوا ب… يعني هذه القاعدة خالفتم بها الحس المشاهد، أنه الشبع هو سببه الطعام، يعني وخالفوا العقل ما يقوله العقلاء في هذه القاعدة، فهذا الكلام هو مخالف للحس والعقل والنص من

جميع الجهات، نعم. قال رحمه الله: وخالفوا بذلك الحس والعقل والشرع والفطرة وسائر طوائف الحس وعقل وشرع وفطرة، كله خلاف هذه العقيدة، نعم. قال: وسائر طوائف العقلاء، بل أضحكوا عليهم العقلاء.

أي والله، بل أضحكوا عليهم العقلاء، كلام دقيق من ابن القيم، بل أضحكوا عليهم العقلاء بمثل هذه العقائد الفاسدة، نعم. قال رحمه الله: والصواب أنها هنا قسماً ثالثاً غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب.

الان ابن القيم سيقدم أجابة أهل السنة والجماعة: كيف الدعاء مؤثر في القدر؟ كيف الدعاء مؤثر في القدر؟ سيقدم أجابة أهل السنة، نعم. قال رحمه الله: والصواب أنها هنا قسماً ثالثاً غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب، ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجرداً عن سببه.

وماذا يعني أن هنا قسماً ثالثاً؟ هنا برجّعك على أول كلمة في هذا الفصل، هو السؤال ما هو؟ نرجع على أول كلمة في الفصل: وها هنا سؤال مشهور، وهو أن المدعو إن كان قد قدر لم يكن بد من وقوعه، طيب، وإن لم يكن قد قدر لم يقع. فالسائل جعل الأمر بين صورتين: إن كان قد قدر سيقع، وإن كان لم يقدر لن يقع. فهنا في هذا الفصل يأتي ابن القيم فيقول: لا، هناك سبب، هناك تقسيم ثلاثي وليس ثنائي، ليست القضية قدر أو لم يقدر وتسكت. قال: بل هنا، ارجع اقرأ، قال: والصواب أن القسمة ليست ثنائية كما جاء في مطلع السؤال، لا، القسمة ثلاثية، وها هنا قسم ثالث، ما هو؟ نعم.

قال والصواب أن ها هنا قسماً ثالثاً غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجرد.. آه، يعني ماذا يريد أن يقول؟ كيف هذا قسم ثالث؟ من يخبرني يعني من يفهم كلام ابن القيم هنا حتى يعطيه الشيخ أحمد جائزة؟ آه، كيف يعني؟ كيف هذا قسم؟ وماذا يريد أن يقول ابن القيم؟ أريد شخصاً فهم ماذا يريد أن يقول ابن القيم.

مين برافض يا شيخ؟ القدر المعلق. مش فهمت إيه؟ القدر المعلق. إيش القدر المعلق؟ القدر المعلق واحد قول إيه. لا، ده مش واع تقول هيك، نحن بدنا أنت اللي تقول ها، يلا تمام. آه، شيخ. أن الله سيز.. أنه سيجز ويستجيب.

آه، يعني هو كيف القسمة ثلاثية؟ هو يريد أن يقول: هناك أشياء قدرها الله، هذا القسم الأول، أشياء يقدرها الله بدون أن تباشر أنت أسبابها، ممكن، هذا ممكن أصحي من النوم ألاقي ألف دينار تحت الوسادة، هذا ممكن أن أحصل شيئاً من دون أسباب، فهذا أول نوع من أنواع القدر، قدر كتبه الله بدون سبب، فهذا يقع. النوع الثاني الذي قال هنا: قدر كتبه الله بعد مباشرتك للسبب، يعني قدر الله أنك ستباشر السبب وبعده ستحصل على المسبب، فهذا هو النوع الثاني. إذاً هناك قدر كتب الله لك أن تحصله بدون أسبابه، وهذا ممكن على الله لا يعجزه شيء، وهناك قدر كتب الله أنك ستحصله بعد إيش؟ مباشرتك للأسباب؛ تخرج تعمل فياتيك المال، تأكل لتشبع، تشرب لترتوي. وهناك القسم الثالث الذي لم يكتب الله أن يحصل سواء فعلت أو لم تفعل، قد تفعل السبب ولا تحصل النتيجة، أليس كذلك؟ فهذا معنى أن القسمة ثلاثية.

يقول ابن القيم: القسم الأول: القدر الذي سيحصل بدون مباشرة السبب. القسم الثاني: القدر الذي سيحصل بسبب مباشرتك للسبب. القسم الثالث: هو الشيء الذي لن يحصل سواء باشرت السبب أو لم تباشره لأن الله لم يقدر أن يكون. فهذه القسمة ثلاثية عندنا، فهمتم؟ هذا هو الذي يريد أن يقوله في قوله: والصواب أنها هنا قسماً ثالثاً، فأنت بدك تفهم الأقسام الثلاث في تفكير أهل السنة والجماعة، نعم.

قال والصواب أنها هنا قسماً ثالثاً غير ما ذكره السائل، وهو أن هذا المقدور قدر بأسباب. هذا هو القسم الثالث، أن هناك أشياء قدرها الله لكن بسببها، أشياء قدرها الله لكن بناءً على مباشرة السبب، ومن ذلك الدعاء؛ أن الله سبحانه أخبرنا في آيات وأحاديث كثيرة: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وإذا سألك عبادي عني فإني قريب، فهو سبحانه جعل الدعاء سبباً، سبباً لترتيب كثير من الإجابات عليه، بل كل دعاء صالح ستترتب عليه الإجابة بالطريقة التي يختارها الله سبحانه وتعالى، فلا يمكن ولا يجوز أن تلغي سببية الدعاء في تحصيل الإجابات، نعم.

قال رحمه الله: ومن أسبابه الدعاء، فلم يقدر مجرداً عن سببه، ولكن قدر بسببه، فمتى أتى العبد بالسبب وقع المقدور. نعم، فهذا نوع من المقدورات، الله سبحانه وتعالى لا يريد أن يرفع عنك البلاء حتى تأتي بالسبب وهو الدعاء. ممكن ذلك؟ ممكن أن يقول: أنت مبتلى بمرض، مبتلى بمعصية، مبتلى بشيء من المعيا.. وتعالى قد يرفعه عنك بدون أن تباشر سبباً، وقد لا يرفعه عنك حتى تباشر السبب، وقد يكون هذا السبب ماذا؟ الدعاء.

فهمتم هذه الفكرة في قضية أنه ليس كل المقدورات تحصلها بدون أسبابها؟ صح، هناك مقدورات ياتيك بدون تعب ولا تعب ولا مباشرة أسباب، لكن هناك مقدورات لا تأتيك إلا بماذا؟ بمباشرة الأسباب، ويكون مباشرتك للسبب أيضاً مقدرة عليك سابقاً، لذلك قلنا: إذا رفعت يديك ودعوت فاحمد الله، مجرد أنك دعوت فاحمد الله، ليه؟ لان الله إذا قدر مباشرتك للسبب فهذا يعني أنه يريد أن يقدر المسبب وهو نتيجة الدعاء، نعم.

قال رحمه الله: ومتى لم يأت بالسبب انتفى المقدور، وهذا كما قدر الشبع والري بالأكل والشرب، وقدر الولد بالوطء، وقدر حصول الزرع بالبذر، وقدر خروج نفس الحيوان بذبحه، وكذلك قدر دخول الجنة بالأعمال ودخول النار بالأعمال، وهذا القسم هو الحق، وهذا الذي حرمه السائل ولم يوفق له.

قال الدعاء من أقوى الأسباب، قال رحمه الله: حرمه السائل الذي قسم القسمة الثنائية أنه شيء يا مقدور يا مش مقدور، بقول له لا، الشيء المقدور على قسمين: هناك شيء مقدور بدون سببه، وهناك شيء مقدور بسببه. فمن يقول إنه كل الأشياء المقد.. مقدرة تحصل بدون أسبابها فهذا مبتدع، من يقول إن كل الأشياء المقدرة تحصل بدون مباشرة الأسباب فهذا ليس قول أهل السنة والجماعة، نعم.

قال رحمه الله: وحينئذ فالدعاء من أقوى الأسباب، فاذا قدر وقوع المدعو به بالدعاء لم يصح أن يقال لا فائدة في الدعاء كما لا يققال لا فائدة في الأكل والشرب وجميع الحركات والأعمال، وليس شيء من الأسباب أنفع من الدعاء ولا أبلغ في حصول المطلوب، فهو أقوى حتى من الأسباب الحسية.

والله يا أحبابي الكرام إن الدعاء لمن استوفى شروطه وآدابه أقوى من الأسباب الحسية، بشرط أن تكون موقناً بالله، وهذا شيء مجرب عند الأولياء والصالحين وأهل الخير، أن الدعاء يحصل من الإجابات ومن الأشف.. ومن الشفاء للباطن والظاهر ما لا تحصله كثير من الأدوية الحسية التي يأتي بها الأطباء، نعم.

قال رحمه الله: ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الأمة بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم وأفقههم في دينه، كانوا أقوم بهذا السبب وشروطه وآدابه من غيرهم، وكان عمر رضي الله عنه يستنصر به على عدوه وكان أعظم جندية، وكان يقول لأصحابه: لستم تنصرون.. وكان أعظم جنده.

وكان أعظم جنده (يعني أعظم الجند هو الدعاء) قبل العدة والعتاد، نعم. قال: وكان يقول لأصحابه: لستم تنصرون بكثرة، وإنما تنصرون من السماء. وكان يقول: إني لا أحمل هم الإجابة ولكن هم الدعاء.

شوف عمر، شوف فقه عمر! أنا لا أحمل هم الإجابة، وإنما أحمل هم الدعاء، لماذا؟ لأن الله إذا قدر لي أن أعدو إذا هو قدر أنه سيجيب، صحيح، المشكلة أنك لا ترفع يديك، هي المشكلة! الذي عليك أن تخافه أن يحرمك الله من رفع اليدين، لأنه إذا كتب لك أن ترفع يديك إذا هو كتب لك أنه سيعطي في الوقت الذي يشاء وبالشكل الذي يشاء، عليك أن تخاف من عدم الدعاء وليس أن تخاف من عدم الإجابة، هذه القاعدة، نعم.

قال رضي الله عنه: فإذا ألهمتم الدعاء فإن الإجابة معه.

شوف الكلام! فإذا ألهمت الدعاء فالإجابة معه، إذا ربنا ألهمك ووفقك أن تدعو إذا هو يريد أن يعطيك، ولولا ذلك لما وفقك للدعاء.

إذا الله أعطاك همة تقول يا رب في ساعات الليل، إذا أعطاك الهمة فاعلم أنه يريد أن يعطيك، ولولا ذلك لما ألهمك مباشرة السبب؛ فدائما ارفع يديك، لا تستسلم، وكن واثقا أنه إذا وفقك لرفع اليدين إذا هو يريد أن يعطي بعطائه الواسع سبحانه.

نعم، وأخذ الشاعر هذا المعنى فنظمه فقال: لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه، من جود كفيك ما علمتني الطلبة.

نعم، لو لو لم ترد أن تعطيني لما علمتني الطلب، لكن لما علمتني الطلب عرفت انك تريد أن تعطيني. شوف ما أجمل هذا البيت: لما علمتني يا رب أن أطلب عرفت انك تريد أن تعطيني.

نعم، قال رحمه الله: فمن أُلهِمَ الدعاء فقد أريد به الإجابة.

نعم، هذه هي خلاصة القاعدة التي نحن فيها، ضعوا تحتها خط: فمن أُلهِمَ الدعاء فقد أريد به الإجابة. فقط كن واثقا بهذه القاعدة، كن واثقا بهذه القاعدة، فهي أصل عظيم من أصول الاستشفاء بالقرآن والدعاء؛ من أُهْلِمَ قراءة القرآن بنية الاستشفاء من الهم، الدعاء بنية الاستشفاء. طبعا هنا أنتم ركزوا، نحن بنتكلم عن أي استشفاء الآن؟ من المعاصي والذنوب، وإن كان القاعدة عامة تشمل الباطن والظاهر، لكن هنا نحن نتكلم عن الشفاء من المعاصي والذنوب.

نعم، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، وقال تعالى: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.

هذه جملة تفيد السبب والمسبب، الجملة الشرطية ادعوني استجب، ادعوني استجب أليست شرط وجواب الشرط؟ إذا هي سبب ومسبب.

نعم، وفي سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: من لم يسأل الله يغضب عليه، وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله. شوف، من لم يسأل الله يغضب عليه، الذي لا يدعو الله يغضب عليه.

الله يغضب أن تركت سؤاله، وبني آدم حين يسأل يغضب. الانسان إذا بتطلب منه بيزعل، بيقول لك عمي لا تطلب مني، اطلب من غيري، لكن الله سبحانه وتعالى المعادلة عنده بالعكس؛ إذا لم تسأله وذهبت إلى غيره يغضب، الله يغضب إذا تركت سؤاله، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من لم يسأل الله يغضب عليه. الذي لا يتعود الالتجاء إلى الله في كل أموره يغضب الله عليه والعياذ بالله.

نعم، قال رحمه الله: وهذا يدل على أن رضاه في سؤاله وطاعته. وإذا رضي الرب تبارك وتعالى فكل خير في رضاه، كما أن كل بلاء ومصيبة في غضبه. وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب الزهد أثرا: أن الله لا إله إلا أنا، الله لا إله إلا أنا، إذا رضيت باركت وليس لبركتي منتهى، وإذا غضبت لعنت ولعنتي تبلغ السابعة من الولد.

وهذا يعني مأخوذ من الإسرائيليات.

نعم، وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والاحسان إلى خلقه من أعظم الأسباب الجالبه لكل خير.

وهذه قاعدة ضعوا تحتها خط أيضا، هذه قاعدة عامة في قواعد السلوك إلى الله سبحانه. وقد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم، كل هذا دل على اختلاف أجناسها وألوانها ونحلها على أن التقرب إلى رب العالمين وطلب مرضاته والبر والإحسان من أعظم الأسباب الجالبه لكل خير، يعني تريد الخير والتوفيق والسعادة؟ اجمع العقلاء على أنك لن تحصل ذلك إلا بطلب رضا الله، ليس بالنصب ولا بالاحتيال ولا بسبل الحرام ولا بأي شيء مما لا يرضي، لن تنال الخير والسعادة والرضا إلا بسلوك ماذا؟ طلب رضا الله عز وجل.

في المقابل اقرأ، قال رحمه الله: وأضادها من أكبر الأسباب الجالبه.

وأضادها يعني أضاد التقرب إلى الله من ارتكاب المعاصي والذنوب من أكبر الأسباب التي تجلب ايش؟ الشر لحياتك. يعني الذي يجلب الخير لحياتك الطاعة وسلوك درب الاستقامة، والذي يجلب الشر والبؤس والكآبة لحياتك هو سلوك درب الفساد والمعاصي والأخلاق الردية. هذا شيء مجرب اتفق عليه ليس فقط أهل الإسلام بل كل العقلاء عبر التاريخ.

نعم، قال رحمه الله: فما وما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمته بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه.

جميل، يعني بعض الحقيقة الكلمات تحفظ لابن القيم، قال: فما استجلبت نعم الله واستدفعت نقمه بمثل طاعته. إذا أردت أن تستجلب النعم لحياتك النعم الحسية والنعم المعنوية، وأردت أن تدفع النقم البلايا الجسدية والمعنوية، فلا تستجلب النعم ولا تستدفع النقم بمثل طاعة الله والالتزام بدرب الصالحين، والالتزام بالخير ومجالس العلم وصلوات الجماعة وقيام الليل والتوبة والاستغفار، هذا هو مفتاح كل نجاح وكل سعادة في حياتك وتوفيق به، تستجلب النعم وتستدفع النقام.

وإذا أردت أن تسلك درب العصاة والمذنبين، وأردت أن تسلك درب أهل الغي والفساد، فاعرف أنك فتحت باب الشر والكآبة على نفسك في هذه الحياة. نعم قد تقول: طب يا شيخ أنا أرى أهل اللهو والمعاصي يمرحون ويضحكون ويستلذون؟ إخواني، الذي استلذ هو الجسد لكن القلب ميت، الذي استلذت عندهم أجسادهم لكن قلوبهم ميته؛ فالضنك والضيق هم لا يبوحون به، لكن قلوبهم تبوح وأجسادهم تبوح، فإياك أن تغتر بما يفعله أهل الفساد والغي والغناء والفجور والخنا، تظن أنهم في لهوهم يمرحون، هم والله أجساد فقط، وأما القلوب فميتة.

أنت لا تنظر لأحدهم وهو يستيقظ من النوم حجم النكد والضيق في حياته، أنت لا تعرف أحدهم كيف عشرته مع زوجته في بيته، أنت لا تعرف حجم الظلمات في قلبه، أنت لا تعرف ذلك، أنت فقط ترى على السوشيال ميديا وتلفاز يضحك ويمرح مع النساء ويلهو مع المغنيين والفجار، تظن أنه حصل السعادة وهو لم يحصل شيء، وإنما هو قلب منهدم لكنه جسد يتحرك فقط، هذه حاله والعياذ بالله.

نعم، قال رحمه الله: وقد رتب الله سبحانه وتعالى حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتب الجزاء على الشرع.

وهذه أيضا من قواعد السلوك إلى الله، وقد رتب الله حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة على ماذا؟ على العمل الصالح.

وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. فالحياة الطيبة جعلها الله معلقة على ماذا أحبابي؟ على عمل الصالحات، ما في تقول لي: لا والله إذا مكتوب لي حياة طيبة رح أعيشها وإذا مش مكتوب لي ما رح أعيشها، العمل الصالح ما له علاقة، الله هو الذي يحدد نواميس الكون، الله هو الذي يحدد الأسباب، وجعل سبحانه العمل الصالح هو سبب حصول الخير في الدنيا والآخرة. امشي مع القواعد الإلهية بتستريح، وامشي على هواك تبقى مضنكا في الدنيا وفي الآخرة، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا في الدنيا قبل الآخرة.

نعم، قال رحمه الله: وقد رتب الله سبحانه وتعالى حصول الخيرات في الدنيا والآخرة وحصول السرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال ترتب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب، وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع.

يعني أكثر من ألف آية تدل على أن العمل الصالح سبب في حصول الخير.

نعم، قال: فتاره يرتب الحكم الخبري الكوني والأمر الشرعي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. وقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ. وقوله تعالى: وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جزاءً.

لاحظ كل هذه الآيات: انتقمنا منهم، اقطعوا أيديهما، قلنا لهم كونوا قرضا، متى فعل الله ذلك؟ لما سلكوا درب الفساد وفعلوا الذنوب والمعاصي ترتيب لما آسفونا انتقمنا، لما سرق اقطعوا يده. ايش قال في الآية الأولى؟ لما عتوا قلنا لهم. وبدي إياك ابن القيم تلاحظ قضية السبب والمسبب، قضية ارتباط الفساد بالعقاب، وقضية ارتباط الثواب بالأعمال الصالحة في الآيات القرآنية.

نعم، وقال تعالى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا.

فهذه المغفرة وهذا الأجر العظيم هل هو مجانا مجرد قدر ولا في له أسباب؟ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ كل هذا هذه الأسباب.

الإسلام والإيمان والصدق والصدقة والحفظ والفرج والذكر، كل هذه العشر أشياء هي أسباب في حصول ماذا؟ أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً. فلن تحصل لا على المغفرة ولا على الأجر العظيم مجاناً، بل هناك أسباب الله أبرك أن تباشرها حتى تحصل المسببات والنتائج. نعم قال: وهذا كثير جداً، وتارة يرتبه عليه بصيغة الشرط والجزاء كقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ. ووقوله تعالى: فَإِن تابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ. ووقوله تعالى: وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا.

وتارة يأتي بلام التعليق كقوله تعالى: لِتَدَبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ. ووقوله تعالى: لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا. وتارة يأتي بأداة كي التي للتعليل كقوله تعالى: كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ. وتارة يأتي بباء السببيه كقوله تعالى: ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ. ووقوله تعالى: بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ.

بما قدمت، إذاً في سبب، في سبب في حصول المصائب كما هناك سبب في حصول الخيرات. نعم، وقال تعالى: بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ. وقال تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ. وتارة يأتي بالمفعول لأجله ظاهراً أو محذوفاً كقوله تعالى: أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ. وكقوله تعالى: أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ. وكقوله تعالى: أَن تَقُولُوا إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَىٰ طَائِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا أي كراهة أن تقولوا. وتارة يأتي بفاء السببيه كقوله تعالى: فكيف يعني تقدير الآية: كراهة أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا. طبعا هذا يقتضي أنك تعرف سياق الآية من أول أن الله أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم لهم بالقرآن حتى كراهية أن يقولوا لماذا يا رب لم تنزل لنا القرآن أو كتاباً كما أنزلت على الأمم السابقة؟ فأرسل الله لهم محمداً بالقرآن صلى الله عليه وسلم حتى لا يقولوا إنك تركتنا. نعم.

قال: وتارة يأتي بفاء السببيه كقوله تعالى: فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا. ووقوله تعالى: فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً. ووقوله تعالى: فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ. وتارة يأتي بأداة لما الدالة على الجزاء كقوله تعالى: فَلَمَّا آسَفُونَا انتقمنا منرهم ونظائره. وتارة يأتي بـ إن وما عملت فيه لقوله. طب هنا هو ماذا يفعل؟ هو يستقرئ لك طريقة القرآن في بيان السببيه. طبعا هذه شوية لها دخل في اللغة العربية، يعني هذه الأحرف كي ولام التعليل وإن والفاء كلها تدل على ماذا؟ على ربط سبب بمسبب، وكل هذه الآيات فيها ربط السبب بالمسبب. فمن استقرأ هذه الآيات وفهمها عرف أن الله وضع ناموساً وقاعدة في هذا الكون أن الخيرات لها أسبابها وأن الشر له أسبابها، من يفعل الخير يجزى به ومن يعمل الشر أيضاً يجزى به، هذا مستقر في كتاب الله في أكثر من ألف آية كما قال. نعم.

قال رحمه الله: وتارة يأتي بإن وما عملت فيه كقوله تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. إنها يسمى إن التعليلية، لماذا الله عز وجل أدخلهم الجنة؟ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ. هل دخلوا الجنة مجاناً؟ لا، كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً، فهذا هو سبب دخولهم الجنة، ما في شيء مجاني في قضايا الثواب والعقاب، هذا لا يحصل بالمجان. نعم.

وقوله تعالى في ضوء هؤلاء: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. وقولي في ايش ماذا؟ قال: وقول في ضوء هؤلاء. في ضد هؤلاء. أنت نسخة ايش عندك؟ الضحى. آي لا أقول في ضد هؤلاء، يعني الآن لما قال عن أهل الإيمان ايش قال؟ إنهم كانوا يسارعون في الخيرات، وأما أهل الكفر ضدهم ماذا قال؟ أنهم كانوا ايش قوم سوء. ضدهم، ضد الآية السابقة في مفهومها. نعم.

قال تعالى: إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. وتارة يأتي بأداة لولا الدالة على ارتباط ما قبلها بما بعدها كقوله تعالى: فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. يعني لو سألك سائل ما السبب في إخراج يونس من بطن الحوت؟ أنه كان من المسبحين، إذاً هو ليس خروجاً مجانياً، كان في سبب. فلولا أنه كان، والله أخبرنا بالسببية، تأتي أنت تقول ما في سبب؟ غريب هذا القول والله. نعم.

قال رحمه الله: وتارة يأتي بلو الدالة على الشرط كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً. وبالجمله فالقران من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر. يعني هذه خلاصة استقراء للآيات، قال: وبالجملة، هذا الذي يهمك أنت الآن. وبالجملة، يعني خلاصة الأمر أن القرآن صريح في أن الخير والشر يترتب على الأعمال، صح ولا لا؟ قاعدة عامة. نعم.

قال رحمه الله: فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والاحكام الكونيه والامريه على الاسباب. بل تك الأحكام الكونية يقصد ما يحدث في الكون تمام من حركة الشمس والقمر وما يحدث، هي مبنية أيضاً على ماذا؟ على أسباب. والأحكام الأمرية مثل الحدود رجم الزاني قطع يد السارق أيضاً هذا مبني على ماذا؟ على الأسباب. فإذاً الاحكام الكونية يعني ما يجري في الكون من أحداث مرتبط بالأسباب، وكذلك الأحكام الأمرية وهي أوامر الله بالرجم والقطع وفعل كذا بفذا ومعاقبة هذا كله أيضاً مبني على ماذا؟ على أسباب. فالزاني متى يرجم؟ بسبب زناه، والسارق متى يقطع؟ بسبب سرقته. فكل الأحكام كونية أو أمرية مبنية على قانون السببية. لاحظ ابن القيم قديش أخذ مساحة كبيرة في تقرير هذا القانون لوجود العقائد الفاسدة المنتشرة بين الناس التي تلغيه، فيقول لك عم انت كيف تلغي قانون السببية والقران كله ترسيخ لقانون السببية؟ أنت تفسد بهذه العقيدة على الناس أديانهم وتلغي نصوص الكتاب والسنة وتعرضها بأهواءك وأهواء أسيادك. نعم.

قال رحمه الله: بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهما على الأسباب والأعمال. نعم.

ومنفقها في هذه المسألة وتاملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع. إذاً لاحظ ابن القيم يقول لك: انتبه يا أيها المسلم على هي المسألة، مسألة السبب والمسبب، وأنت تقرأ القرآن في حياتك تأمل هذه القضية، وأنت تقرأ القرآن حاول أن تنظر في هذه القضية وفي حكمة الله في وضع ناموس الكون على قانون السببية، قال: إذا تأملت انفعت غاية النفع وعرفت ما المطلوب منك سواء في الدعاء في قراءة القرآن في الذكر في ممارسه الأسباب، عرفت ما هو المطلوب حتى تحصل الإجابة والمسببات. نعم.

قال رحمه الله: ولم يتكل على القدر جهلاً منه وعجْزاً وتفريطاً وإضاعة. كما فعل اهل التصوف وأهل الاعتقادات الخاطئة الذين اتكلوا على القدر وتركوا مباشرة الأسباب. نعم.

قال: فيكون توكله عجْزاً وعجْزه توكلاً، بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر ويدفع القدر بالقدر. بل الفقيه كل الفقيه يعني الفقيه المتميز، هذه من عبارات التفخيم، قال: بل الفقيه كل الفقيه ايش يعني الفقيه ابن أبوه؟ يعني الفقيه الممتاز الذي رزقه الله الفهم والحكمة. نعم.

قال: الذي يرد القدر بالقدر. نعم، يدافع الأقدار بالاقدار، المرض قدر كيف أدافعه؟ بالدواء. الجوع قدر صحيح كيف أدافعه؟ بتناول الطعام. البلاء قدر كيف أدافعه؟ بالدعاء. وهكذا، فالفقيه يدفع القدر بالقدر، يباشر الأسباب لأن الله جبل هذا الكون كون على أن الأسباب تنتج المسببات، فلا تستسلم للأقدار السيئة هذا الذي يقصده، لا تستسلم للأقدار السيئة، للمعاصي للذنوب للعجز للضعف للكسل للمرض للبلاء، حاول أن تدفع القدر بالقدر، يعني باشر الأسباب التي وضعها الله في هذا الكون، فإن مباشرة الأسباب قانون في دفع المسببات. نعم.

قال رحمه الله: ويدفع القدر بالقدر ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكن لإنسان أن يعيش إلا بذلك. يعني بل هكذا هي الحياة شئت أو أبيت، الحياة تقوم على مدافعة الأقدار بالأقدار، فأنت إذا جعت تنتظر حتى تموت ولا تقوم بمدافعة القدر؟ تقوم بمدافعة القدر فتأكل. يعني هي هكذا الحياة، لكن أحياناً في الأمور التي نباشرها بكثرة نغفل عن هذا، خلص لأنها أصبحت تلقائية في حياتنا، لما تأتي للأمور الشرعية تكتشف كم أنت مقصر! أنت تأخذ بالأسباب الحسية وتقصر في الأسباب الشرعية، هذه هي مشكلتنا.

الأسباب الحسية صارت نظام حياة نمط حياة، فما عدنا نتأمل أننا فعلا ندفع القدر بالقدر. لكن لما نأتي للأمور الشرعية نكتشف العجز والضعف في هذا الباب عندنا. نعم، قال رحمه الله: فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلق كلهم ساهون في دفع هذا القدر بالقدر. وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده، يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة.

يعني فكما تفعل هذا في الأمور الدنيوية، بث مباشر شغال، اي، أكمل أكمل أكمل شيخ أحمد. قال رحمه الله: فهذا وزان القدر المخوف بعضها ولا يبطل بعضها بعضا، فهذه المسألة من أشرف المسائل. شوف إيش يقول ابن القيم، هذه المسلة من أشرف المسائل، يعني أنت أيها المسلم إذا وصلت لقناعة أنه كما أنا إذا بجوع باكل، وككما أنا إذا أريد الولد أتزوج، فكذلك إذا أريد الجنة بدي أعمل، يعني يريد أن يقول لك: رب الدارين واحد، يعني رب الدنيا ورب الآخرة واحد، فنواميس الدنيا ونواميس الآخرة واحدة أيضا. فكما أنك في الدنيا تبدل الأسباب لتحصل المسببات، تدرس في الجامعة لتحصل شهادة، تذهب تفتش عن عمل من أجل ياتيك راتب، مشك تفعل. كذلك في الآخرة، تريد السعادة، عليك أن تأخذ بالأسباب التي وضعها الله. فمن اعتقد هذه العقيدة وجرى عليها، سعد كل السعادة. نعم.

قال رحمه الله: فهذه المسلة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها، والله المستعان. عرف وراعى، يعني مش الهبة الهمة فقط، أن تعرف أن تعرف وتعمل بناء على ضوئها ما دمت آمنت بقانون السببيه، تؤمن به في الدنيا والآخرة وليس في الدنيا فقط. نعم.

قال رحمه الله: لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه؛ أحدهما أن يعرف تفاصيل أسباب الشر. تمام، عرفنا هذه القاعدة، ثبتناها. قال: بعد هذه القاعدة عليك أن تعرف قاعدتين تفصيليتين، بعد أن ثبتنا قانون السببية وأن الدنيا والآخرة كلها تقوم على هذا القانون بنص كتاب ربنا وأحاديث نبينا صلى الله عليه وسلم، بعد هذه القاعدة انطلق إلى قاعدة تفصيلية مطلوبة منك أن تفهمها. القاعدة الأولى ما هي؟ قال: أن يعرف تفاصيل أسباب الشر. قانون السببية، عليك أن تذهب لتتعلم الأسباب التي تأتي بالخير بتفاصيلها، والأسباب التي تأتي بالشر بتفاصيلها. وهذا إنما يكون في مجالس العلم، فتعرف كل ما هو مراد لله أن يكون فتباشره لتحصل الخير، وما هو من مراد الله ألا يكون فتجتنبه حتى لا تأتي بالشر.

فهمت؟ إذا آمنت بقانون السببية، بعد ذلك ماذا أفعل؟ علي أن أتعرف على تفاصيل أسباب الخير والشر، مش قلنا الخير له أسباب، روح تعلم أسباب الخير، الإيمان بضع وست شعبة صحيح، تعلم هذه الشعب لأن هي أسباب الخير، وفي المقابل هناك أسباب للشر، كما درسنا كتاب الكبائر في دورة مدارس، ماذا كان مرادنا؟ أن نتعرف على أسباب الشر من الكبائر والصغائر. فيقول بعد أن عرفت السببية: عليك أن تعرف الأسباب الجالبه للخير لتأتي بها وتحذو حذوها، والأسباب الجالبه للشر حتى لا تباشرها وتجتنبها. هذا مطلوب منك، وبه تحصل سعادتك في الآخرة بإذن الله، بل في الدنيا والآخرة. نعم.

قال رحمه الله: ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده في العالم، وما جرب ربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا. قال: ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه. طبعا هنا لاحظ هو كيف يعني بين لك طرق معرفتك لاسباب الخير والشر. أعد قراءة العبارة مرة أخرى، كيف يعرف الإنسان أسباب الخير والشر؟ هل هو فقط بقراءة القرآن والسنة؟ لا، جعل هناك مصادر أخرى من خلالها تعرف الأسباب الجالبة للخير والأسباب الجالبة للشر. اقرأها، شوف هذه الدقة. نعم.

قال رحمه الله: وأن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما يشاهده في العالم. بما قال: بما شاهده في العالم، يعني أيضا النظر في قصص الأمم وقصص الناس الحاليين والماضيين، وماذا يحصل معهم أيضا. تعرفك أسباب الخير والشر التي هي تجارب الحياة. كم من إيش بقول لك اسمع من المشايخ ومن أهل السنن؟ ليه؟ لأنهم عندهم تجربة صحيح، فيعرف أكثر منك أسباب الخير وأسباب الشر سواء في الأمور الدنيوية أو حتى في الأمور الأخروية. فنظر قال: فمشاهدتك في العالم، وما جربته من نفسك ومن غيرك، وما سمعته من أخبار الأمم قديما وحديثا، أيضا كل هذا مخزون في تعرفك على أسباب الخير وعلى أسباب الشر. فباختصار، معرفة أسباب الخير والشر ليس فقط من الكتاب والسنة كما يظن البعض، بل حتى ممكن أقرأ الشعر الجاهلي فأعرف، يمكن أقرأ في حياة الناس ووقائعهم فأعرف، فهناك مصادر كثيرة للتعرف على أسباب الخير والشر. نعم.

قال رحمه الله: ومن أنفع ما في ذلك تدبر القرآن، فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة، ثم السنة فإنها شقيقة القرآن وهي الوحي الثاني، ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابها.

نعم، إذا نحن نعترف أن أكبر مصدر للتعرف على أسباب الخير والشر ما هو؟ الكتاب والسنة. نعم، التجارب وقراءة القصص والنظر في خبرات الرجال صغارا وكبارا يعطيك، لكن هو يقول لك في النهاية: الحق أن أعظم مصدر للتعرف على أسباب الخير والشر هو تفحصك للكتاب والسنة والتدبر العميق فيهما. نعم.

قال رحمه الله: حتى قال: ومن صرف إليهما عنايته اكتفى بهما من غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عيانا. لذلك دائما نقول لطلاب العلم: الاهتمام بحفظ القرآن، لا تقول لي والله أحفظ الآجرومية وأحفظ ألفية ابن مالك وأحفظ المتون وأنا لا أحفظ القرآن. إخواني مش فقط متن يحفظ للبركة، القرآن انظر ماذا يقول لك ابن القيم، يعرفك على أسباب كل خير وعلى أسباب كل شر لمن صرف عنايته إليه حفظا وفهما وتدبرا. فالقرآن دستور حياة وليس كتاب بركة أو متن على الرف تضعه في حياتك، القرآن أساس المسير إلى الله قبل كل العلوم وقبل كل شيء. لذلك العلماء قديما كانوا يشددون على الطالب ألا يشرع في تعلم العلوم الشرعية حتى يحفظ القرآن. هذا دلالة عمق نظر عمق فهم لقيمة القرآن في الحياة وأنه ليس فقط شيء يتبرك به ويستانس به، بل هو لمن صرف عنايته إليه دستور وبوصلة في حياة المسلم. نعم.

قال رحمه الله: وبعد ذلك، إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته. أيام الله يعني أفعال الله، كيف فعل الله بأهل الطاعة؟ كيف نجى قوم نوح وإبراهيم؟ وكيف نجى قوم آل لوط؟ وكيف نجى يوسف؟ هذا أفعال الله في أهل الطاعة، العواقب الخيرة لهم. نعم.

قال رحمه الله: طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به، وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة. فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرف عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر.

هذه قاعدة عامة يمكن أن تضع تحتها خط: أهمية دراسة علم التاريخ. ما فائدة دراسة علم التاريخ؟ قال: فالتاريخ هو تفصيل لجزئيات ما عرفنا الله ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر. يعني القرآن والسنة، وضع الله فيها قواعد عامة لأسباب الخير والشر، من يعمل صالحا له كذا، من يعمل سوءا له كذا، صح، قاعدة كلية، لكن تفاصيلها أين ستشاهدها؟ في قراءتك لعلم التاريخ. في قراءتك لعلم التاريخ، هذا كلام رصين من ابن القيم، أن الله في الكتاب والسنة رسخ لنا القواعد الكلية لأسباب الخير والشر، لكن تفاصيلها أين تجدها واقعية؟ لما أنظر في مآلات الصالحين وفي مآلات الأشرار عبر التاريخ، في قصصهم وأحوالهم وكيف دائما أن عاقبة الخير إلى خير وعاقبة الشر إلى الشر. هذه قواعد كلية، لكن أين تجد تفاصيلها وتطبيقاتها وتحقيق مناطها كما يقول الأصولي؟ في ماذا؟ في تفاصيل كتب التاريخ. نعم.

فصل مغالطة النفس حول الأسباب، قال رحمه الله تعالى: الأمر الثاني. الأمر الثاني، القاعدة الثانية التي عليك أن تعرفها نحن قلنا اليوم بدنا نخرج بثلاث.

قواعد. القاعدة الأولى إيش هي؟ تثبيت قانون السببية في الدنيا والآخرة، وهذه بعدها قاعدتان. القاعدة الأولى: أهمية معرفة تفاصيل الخير والشر، أو أسباب الخير والشر، معرفة تفاصيل هذه الأسباب، وهذا من أين يكون أساساً؟ من الكتاب والسنة، ثم النظر في التاريخ وحياة الناس.

القاعدة الثانية التي عليك أن تفهمها وهي ماذا؟ ألا تستخدم قانون السببية بشكل خاطئ. انظروا ماذا قال، قال الأمر الثاني يعني القاعدة الثانية، نعم. قال رحمه الله: الأمر الثاني أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب، وهذا، ما تضحكش على حالك، يعني مغالطة نفس هذه الأسباب، أن دير بالك تضحك على نفسك في قانون السببيه. كيف؟ قال: وهذا من أهم الأمور، فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته ولا بد، ولكن.

نعم، احنا الآن في شيء احنا متفقين عليه، ما دمنا آمنا بقانون السببية باستقرائنا لكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، سنصل إلى قرار حاسم، وهو ماذا؟ أن المعاصي والغفلة من أبرز أسباب ماذا؟ من أبرز أسباب الضرر في الدنيا والآخرة، صح؟ نحن آمنا بالسببية وعرفنا تفاصيل الشر، فعرفنا من خلال هذا الاستقراء أن المعاصي -لانه الآن ها رجع لموضوعنا اللي نحن فيه- أن المعاصي والغفلة عن الله من أبرز أسباب الضرر في الدنيا وفي الآخرة. هذا متفقين عليه.

طيب، أكمل. قال: ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة. هنا بيصير المغالطة عند البعض، بقول لك: والله يا شيخ أنا فعلاً آمنت بقانون السببية وعرفت أن المعاصي والذنوب سبب في الضرر في الدنيا والآخرة، لكن في شيء آخر ممكن أعتمد عليه وأتكل عليه، ما هو؟ المغفرة. أليس الاستغفار والتوبة سبب في محو آثار الذنوب والمعاصي؟ شو بدك تقول له؟ تقول له: نعم، صح كلامك.

طيب، هو إيش بده يعمل بالضبط؟ بتعرفوا الحجين والناس التعبانة اللي كل ما تشوفه على معصية إيش بقول لك؟ الله غفور رحيم يا أخي، مش أنت بدك تسكره وعفو رب العالمين علينا يا أخي؟ ماشي، في قانون سببية أيضاً يجب أنك تتعامل معه بحنكة. نعم، الله جعل التوبة سبب في المغفرة، تمام، ولكن هذا لا يعني استخدام قانون السببية بهذه الطريقة، لا يعني أنه لما نقول التوبة سبب للمغفرة هذا له شروط وضوابط، أنت أخذت الفكرة العامة لكن لم تأخذها بضوابطها. نعم، التوبة والاستغفار والعمرة والحج والأعمال الصالحة سبب في تكفير الذنوب، لكن لا يجوز أن تعتمد على قانون السببية هنا في مغالطة نفسك والاتكال على هذه الجزئية في ماذا؟ في استمراء الذنوب والمعاصي والتهاون فيها.

انظروا ماذا قال لك، قال: ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة والاستغفار باللسان تارة، وبفعل، بالتسويف بقول لك: يا شيخ خلص بكره بتوب بكره بستغفر وتنحل أموري، يعني تزول آثار الذنوب والمعاصي. نعم، قال: وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم، بقول لك: خلص بصير أصلي شيخ الوتر وقيام الليل وربنا بيغفر لي، يعتمد على هي القضية.

طيب، قال: وبالعلم تارة، بالعلم تارة. قال: بصير أطلب العلم وبصير مع المشايخ. ماشي، يعني عندي ذنوب ومعاصي وبنظر أفلام، مش مشكلة، هذه بالله خلوا لي اياها ماشية. في المقابل ماذا؟ بصير أطلب العلم وأحضر مع الناس المجالس، ليس هذا سبب في مغفرة الله؟ هو بده يحاول يدخل قانون السببية في بعض البعض ويجيب كل الأشياء يخضعها في نفس الرف، وهذه مشكله سنتكلم عنها بعد قليل.

اقرأ، قال: وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج بالأشباه والنظائر تارة. ايش يعني؟ من يخبرني ماذا يعني وبالاحتجاج بالأشباه والنظائر تارة؟ آه يا شيخ؟ يعني زي مثلاً الحديث قال: لا إله إلا الله، يعني ها بس بدك تقرب. أيوه شيخ، الذين يشونه، أحسنت، إنه هي فلان يا شيخ والله من الليل للنهار سكر وموسيقى وكذا، وهي شوف كيف ربنا فاتح عليه وأموره طيبة، خلص إذا الأمور ماشية، يعني أنت لا تسكرها عليه، فيحتُج بأشباهه من أهل المعاصي والذنوب أنهم مصرون على معاصيهم ومع ذلك في الظاهر في الظاهر هم ماذا؟ سعداء وفي رغد من العيش وفي قصور وفي فلل وما شابه ذلك، فيحتج بأشباهه ونظائره على استمراء ذنوبه ومعاصيه.

نعم، قال: وبالاقتداء بالأكابر تارة أخرى. آه، يعني أسياده، اقتداء بالأكابر، في كل بلد جعلنا أكابره مجرميها، فيقتدي، يقول لك: شوف المسؤول الفلاني آي ماشي، فيقتدي به.

قال رحمه الله: وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل ثم قال استغفر الله زال أثر الذنب، وراى كثير حال كثير من العوام الجهال يفعل ما يفعل بقول لك خلص بحكي استغفر الله بتروح المعصية مش خلصت كده؟ وقال لي رجل من المنتسبين إلى الفقه: أنا أفعل ما أفعل ثم أقول سبحان الله وبحمده مئة مرة، وقد غفر ذلك أجمعُه. الطريقة للتوظيف الخاطئ للأسباب، هذا طبعاً ليس من أهل الفقه، هذا من أهل الضلال والعياذ بالله، أنا بفعل السبعة وذمتها بعدين مش ربنا قال أو النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من قال سبحان الله وبحمده مئة مرة، إيش الحديث؟ غفرت خطاياي ولو كانت من زبد البحر، خلص حليناها يا شيخ من الصبح للمساء بظل نعمل معاصي وفي آخر المساء سبحان الله وبحمده مئة مرة غفرت خطاياي ولو كانت مثل زبد البحر، يعني لا تحجروا واسعاً، ابن القيم يقول لك إيش هذا الفهم الخاطئ والتلبيس في استخدام قانون السببية؟

نعم، قال: وقد غفر ذلك أجمعُه، كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من قال في يوم سبحان الله وبحمده مئة مرة حُطت خطاياي ولو كانت مثل زبد البحر. وقال لي آخر من أهل مكة: نحن إذا فعل أحدنا ما فعل اغتسل وطاف. هذا من أهل مكة ضحك، يعني هذا من أهل مكة لسيدنا الشيخ يعني يكون آه، قال: اغتسل وطاف بالبيت أسبوعاً، وقد محي عنه ذلك. خلص قول احنا بنعمل المعصي وفي آخر شيء بنروح منطوف حوالين الكعبة ومحت المعصي، خلصت، الشغلة سهلة يا شيخ ها؟

وقال لي آخر: قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أذنب عبد ذنباً فقال أي رب أصبت ذنباً فاغفر لي، فغفر الله ذنبه، ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنباً آخر فقال أي ربي أصبت ذنباً فاغفر لي، فقال الله عز وجل علم عبدي أن له رباً يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي فليصنع ما شاء لا أشك أن لي رباً يغفر الذنب ويأخذ به.

وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء واتكل عليها وتعلّق بها بكلت يديه، وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء، وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا باب غرائب وعجائب، كقول بعضهم: وكثر ما استطعت من الخطايا إذا كان القدوم على كريمك. شوف الكلام الفاسد يعني كثر المعاصي ما أنت رحيم، وهذا من كلام أهل الفساد والضلال والعياذ بالله. شوف التوظيف الخاطئ للنصوص الشرعية كيف جلب على الناس هذه المعاصي والذنوب والاستمراء لها.

نعم، وقول الآخر: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله. شوف الكلام الخطير، قل أنت لازم ما تتنزه من الذنوب ليه؟ قال إذا تنزهت من الذنوب وتركتها فأنت جاهل بسعة عفو الله، شوف الكلام الفارغ هذا.

نعم، وقال الآخر: ترك الذنوب جرأة على مغفرة الله واستصغار، وقال محمد. هذا الكلام الفاسد الآخر: إذا تركت الذنب فأنت ماذا؟ متجرئ على مغفرة الله، يعني شو بدك أسوي؟ لا اعمل الذنوب، أنك إذا فعلت الذنوب وعصيت هذا دليل أنك مؤمن أن الله غفور رحيم. شوف كيف الشيطان يلعب سبحان الله على عقول هؤلاء.

نعم، وهذا كثر في غلاة الصوفية قديماً، هذا النمط كثر في غلاة التصوف قديماً، الدخول في المعاصي والاباحية والفجور والخنا ويتكل على ماذا؟ على العفو، لذلك ابن القيم يتكلم عن شيء رصده في حياة كثير من غلاة أهل التصوف.

نعم، وقال محمد بن حزم رحمه الله: رايت بعض هؤلاء يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من العصمة. شوف، استغفر الله العظيم. قال رحمه الله.

هذا بلغ من الجهل، وبلغه واحد يقول: اللهم اعصبنا من الذنوب. أنت بتقول: اللهم إني أعوذ بك من العصمة؟ يعني فهمتم حجم الجهل، نعم.

قال رحمه الله: ومن هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، مسألة الجبر يعني هذا درسناه في العقيدة الواسطية، من يعتقد أن العبد مجبور على فعله ليس له أي اختيار، فبيقول لك: خلص ما في فائدة من أي شيء يصدر مني، أنا مجبور، نعم. قال: وأن العبد لا فعل له البتة والاختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي.

فإذا كان مجبور على المعاصي، بيقول لك: لا تخاطبني، أنا مجبور. تمام، إذا مجبور أني آخذ أنا مالك برضه، وأنه يفعل الناس ما يفعلون بمحارمك ولا تلومهم لأنهم مجبورون مثلك، يعني هذه ليست طريقة تفكير علمية في التعامل مع هذه المسائل، نعم.

قال: ومن هؤلاء من يغتر بمسألة الإرجاء، وأن الإيمان هو مجرد التصديق والأعمال ليست من الإيمان. نعم، يعني أيضاً بعض الناس يختارون عقيدة الإرجاء، أن العمل ليس داخلاً في مفهوم الإيمان، الإيمان فقط يا سيدنا الشيخ في القلب، أما الظاهر مش مشكلة، وهذا أيضاً من العقائد الفاسدة.

شوف العقائد الفاسدة أثرها على الدين، قبل قليل قضية الأشعرية في نفي السببية، الإرجاء، الجبر، لذلك إخواني لما نقول تعلم العقائد مهم، العقائد تؤثر على السلوك إلى الله، ليست فقط مجرد مسائل نظرية، العقائد مسائل سلوكية تؤثر في مسيرك إلى الله سبحانه وتعالى، نعم.

قال رحمه الله: وأن إيمان أفسق الناس كإيمان جبريل وميكائيل. وهذا من كلام غلاة المرجئة، أنه يقول: إيمان الزاني صاحب الخنا مثل إيمان جبريل، سيم سيم، هذا والعياذ بالله من أفجر العقائد، أنك تجعل إيمانك إيمان الفاسق كالزاني صاحب الخلا كإيمان جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم بحجه أن الإيمان في القلب، شوفوا العقيدة الفاسدة كيف توصل صاحبها إلى مثل هذه الأقوال التي يتنزه اللسان عن ذكرها، نعم.

الخطأ في الحب: قال رحمه الله: ومن هؤلاء من يغتر بمحبة الفقراء والمشايخ والصالحين، وكثرة التردد إلى قبورهم والتضرع إليهم والاستشفاع بهم والتوسل إلى الله عز وجل بهم وسؤاله بحقهم عليه وحرمتهم عنده، فيفعل المعاصي ثم يظن أنه بمجرد محبته للأولياء سيغفر له مهما فعل من المعاصي، نعم.

قال: ومنهم من يغتر بآبائه وأسلافه، وأن لهم عند الله مكانة وصلاحاً فلا بد أن يخلصوه، كما يشاهد في حضرة الملوك فإن الملوك تهب لخواصهم ذنوب أبنائهم وأقاربهم، وإذا وقع أحد منهم في أمر مفضع خلصه أبوه وجده بجاهه ومنزلته، ظن أن الله يتعامل كما يتعامل الملوك مع حواشيهم والعياذ بالله، نعم.

قال: ومنهم من يغتر بأن الله عز وجل غني عن عذابه، وعذابه لا يزيد في ملكه شيئاً، ورحمته له لا تنقص من ملكه شيئاً. قال فيقول: أنا مضطر إلى رحمته وهو أغنى الأغنياء، ولو أن فقيراً مسكيناً مضطرا إلى شربة ماء عند من في داره شط يجري لما منعه منها، فالله أكرم وأوسع، فالمغفرة لا تنقصه شيئاً والعقوبة لا تزيد في ملكه شيئاً.

يعني لو أنت سمعت هذا الكلام مقنع، صح ولا لا؟ لكن هو يحتج به على استمرائه للذنوب والمعاصي، يقول: أنا أفعال الذنوب والمعاصي، وإياك أن تحجر رحمة الله فإن الله سبحانه رحمته وسعت كل شيء، وأنا مضطر وهو سبحانه غني عني، بالتأكيد سيرحمني. كل هذه استعمالات أو توظيفات فاسدة لعقائد هي في الأصل صحيحة لكن يوظفها بشكل فاسد، فهذا ابن القيم يحاول أن يعالجه، إياك أنك مع الوقت تستمرئ الذنب والمعصية وتتكل على رحمة الله.

وأنا هذا سمعته من كثير من الشباب، بيجيني الشب يقول: أنا يا شيخ واقع في معاصي وذنوب، يوم عرفة بيمشي الحال يعني سنة ماضية؟ لا، هذا كلام حقيقي، سالني أحد الإخوة وهو يحاول أن يبحث عن ملاص، هو ما الذي حدث؟ أنه سئم من مجابهة معصيته واستسلم لها، فيحاول أن يبحث عن ماذا؟ عن طرق أسهل لمعالجة القضية، قال: خلص، يوم عرفة ويوم عاشوراء وبيمشي الحال.

صح؟ لا ما بيمشي الحال أن تستسلم للمعصية والذنب ولا تدافعها بحجه أن الله غفور رحيم، وبحجة عرفة وعاشوراء، وأن رمضان إلى رمضان كفارة لما بينهما والحج المبرور، هذا توظيف خاطئ وفهم خاطئ لنصوص الشريعة، عليك أن تدافع المعصية وإلا فهذه الأمور لا تأتي بمفعولها.

إذا أنت لا تدافع المعصية وتجاهر بها أو مستمر عليها ولا تكافحها، اعلم أن كل هذه النصوص ليست في حقك. الله يقول: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ، هؤلاء من يستحق أن يفكر في ماذا؟ في قضية رحمة الله.

أما لا هو مؤمن ولا مهاجر ولا مجاهد ولا يجاهد نفسه، هو الجهاد يشمل جهاد النفس؟ لا يجاهد نفسه، إياه أنه يقعد يقول لي إن الله غفور رحيم، إن الله غفور رحيم في سياقها لمن يستحق الرحمة ها، إن الله غفور رحيم لمن؟ لمن يستحق الرحمة، ومن يستحق الرحمة هو من يجاهد ويدافع.

أما الذي يستمر المعصية ولا يدافعها ولا يزاحمها، فهذا ليس أهلاً لأن يتعلق بنصوص الرجاء وآيات سعة رحمة الله وكرمه، ليس أهلاً لأن يتعلق بذلك، وأما كيف يعامله الله فهذا شأن من رب سبحانه وتعالى، نعم.

قال رحمه الله: ومنهم من يغتر بفهم فاسد فهمه هو وأضرابه من نصوص القرآن والسنة، فاتكلوا عليه كاتكال بعضهم على قوله تعالى: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، قال: وهو لا يرضى أن يكون في النار أحد من أمته، وهذا من أقبح الجهل.

شوف هذا طريق الجهل في فهم القرآن، يقول لك: الله ماذا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم؟ يقول: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ يَا مُحَمَّدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإيش؟ فترضى. طيب، هل النبي صلى الله عليه وسلم يرضى أن يعذب أحد من أمته؟ لا. إذاً خلص، اعملوا المعاصي يا شباب، والنبي صلى الله عليه وسلم لن يرضى أن أحد من أمتي يعذب، فلن تعذبوا. وهكذا يفعل بنصوص الكتاب والسنة، ولا هذا لعب، هذا لعب، نعم.

قال رحمه الله: وهذا من أقبح الجهل وأبين الكذب عليه، فإنه يرضى بما يرضى به ربه عز وجل، فإنه يعني صلى الله عليه وسلم، نعم. قال: والله تعالى يرضيه تعذيب الظلمة والفسقة والخونة والمصرين على الكبائر، فحاشا، نعم.

إذا أردت أن تفهم الآية بشكل صحيح وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، النبي صلى الله عليه وسلم ما الذي يرضيه؟ ما يرضي الرب، وبما أن الرب يريد تعذيب الفاسقين والظلمة، فهذا أصلاً ما يرضي النبي صلى الله عليه وسلم أن صنفا من الناس يعذب لشدة عتوه على الله، وليس الكلام كما فهمته أنت أصلاً، نعم.

قال رحمه الله: فحاشى رسوله أن يرضى بما لا يرضى به ربه تبارك وتعالى. وكأتكال بعضهم على قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، وهذا أيضاً من أقبح الجهل؛ فإن الشرك داخل في هذه الآية، فإنه رأس الذنوب وأساسها، ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين.

يعني هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، من الذي يستحق أن يستشهد بها ويسقطها على نفسه؟ التائب من الذنب، وليس المصر على الذنب، شوف لذلك قائش ابن القيم هذه الآية في حق التائبين الذين عادوا إلى الله وأنابوا من الشرك ومن غيره، أهؤلاء يستانسون بقوله: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؟

أما المصر على الذنب هل يحق له أن يستشهد بهذه الآية؟ يقول لك: أنا مصر على ذنبي، إن الله يغفر الذنوب جميعاً! أنت توظف القرآن وتفهمه على هواك وليس كما فهمه السلف، نعم.

قال رحمه الله: ولا خلاف أن هذه الآية في حق التائبين، فإنه يغفر ذنب كل تائب من أي ذنب كان، ولو كانت الآية في حق غير التائبين لبطلت نصوص الوعيد كلها.

يعني لو كانت هذه الآية تشمل حتى الذي لا يتوب ولا يفكر في التوبة، ما عاد هناك فائدة أصلاً من ايش؟ من كل نصوص الوعيد، ما في داعي تحذر أحداً من النار، ليه؟ لأنه خلص إن الله يغفر الذنوب جميعاً للتائب ولغير التائب، إذاً هل في هناك مغزى أن أقول من

عصى الله له كذا وكذا، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا. فهذه الآية توظف للتائب، ولا توظف للمصر على معصيته، نعم. قال وحديث إخراج قوم من الموحدين من النار بالشفاعة، قال: وهذا إنما أتى صاحبه من قلة علمه وف فهمه، فإنه سبحانه ها هنا عمم وأطلق، فعلم أنه أراد التائبين، وفي سورة النساء خصص وقيد، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ.

نعم، فآية سورة النساء: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ هذه في غير التائبين. وأما آية الزمر: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، هذه خاصة بمن؟ بالتائبين. إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا الشرك فما دونه هذا يشمل من فقط؟ التائبين، أنه الشرك هل يغفره الله لمن لا يتوب ولا خلص صاروا كل الكفار في الجنة زي ما بدهم جماعة الدين الإبراهيمي وغيرهم؟ لا.

فنقول: إن الله يغفر الذنوب جميعا الشرك فما دونه هذا بشرط التوبة. وأما آية النساء: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ هذه نعم في غير التائبين، فيقول الله: إن الشرك لمن لم يتب منه لا أغفره، وأما ما سوى ذلك من الذنوب ما قال ساغفره للجميع، شو قال؟ لمن يشاء، بالتالي متعلق بغير بالمشيئة، متعلق بالمشيئة فقط، نعم.

قال رحمه الله: فأخبر الله سبحانه أنه لا يغفر الشرك وأخبر أنه يغفر ما دونه، ولو كان هذا في حق التائب لم يفرق بين الشرك وغيره. وكاقترار بعض الجهال بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ. فيقول: كرمه. وقد يقول بعضهم إنه لقن المغتر حجته، وهذا بعض الناس يستدل بهذه الآية على معاصيه، فيقول: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم؟ ما الذي غره؟ في نفس الآية ذكر السبب كرمه، ما الذي غربرك الكريم؟ فقال: كرمي. هذا معنى أنه لقن حجته، أعطاه الحجة في نفس الآية، نعم.

قال: وهذا جهل قبيح، وهذا خطأ يعني توظيف الآية، تقول: ما الذي غرك بربك الكريم؟ تقول: يا رب غرني في كرمك. لا، أنت ما هو خطأ، هذه الإجابة لا يجوز أن توظف الآية لتستدل بها على استمرارك في المعاصي والذنوب وتقول: يا رب غرني فيك كرمك بالتالي بدي أفعله الذنوب لأنك كريم، هذا خطأ ولا يجوز أن تقوله، نعم.

قال: وإنما غره بربه الغرور، وهو الشيطان، نعم. الذي غرك حقيقة ليس كرمه، وإنما هواك وحبك للاستمرار للذنوب والمعاصي، نعم. قال: ونفسه الأمارة بالسوء وجهله وهواه. وأتى سبحانه بلفظ الكريم وهو السيد العظيم المطاع الذي لا ينبغي الاغترار به ولا إمه حقه، فوضع هذا المغتر الغرور في غير موضعه، واغتر بمن لا ينبغي الاغترار به.

وكاغترار بعضهم بقوله تعالى في النار: لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ. وقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. ولم يدري هذا المغتر أن قوله تعالى: فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّىٰ هي نار مخصوصة من جملة دركات جهنم، ولو كانت جميع جهنم فهو سبحانه لم يقل لا يدخلها بل قال لا يصلاها إلا الأشقى، ولا يلزم من عدم صليها عدم دخولها، فإن الصلي أخص من الدخول، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.

يعني بعض الناس يستدل بالآيات التي ظاهرها أن النار للكفار فقط، فيقول: واضح أن القرآن بيحكي أن المؤمنين مهما فعلوا في الذنوب والمعاصي لا يدخلون النار خلص؛ لأن الله يقول عن النار أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ. إذا احنا زنينا وفعلنا وفعلنا هل ندخل النار؟ لا، ما هو ربنا إيش بقول عن النار؟ أعدت لمين؟ للكفار. إذا هل المؤمن العاصي سيدخلها؟ لا. نقول: لا، هذا خطا. وقالوا: أعدت للكافرين أي في درجات ودركات منها، لكن هل كل درجات النار للكافرين؟ هناك قسم من دركات النار أعدها الله للعصاة من أمة الإسلام وسيدخلونها ويخرجون منها بعد أن يأخذوا نصيبهم من العذاب. فتوظيف هذه الآيات بهذا الشكل الخاطئ واقتناعك أن النار فقط للكفار أيضا فهم خاطئ لنصوص الكتاب والسنة، نعم.

قال رحمه الله: ثم هذا المغتر لو تامل الآية التي بعدها لعلم أنه غير داخل فيها، فلا يكون مضمونا له أن يجنبها. وأما قوله في النار أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ، فقد قال في الجنة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. ولا ينافي إعداد النار للكافرين أن يدخلها الفساق والظلمة، ولا ينافي إعداد الجنة للمتقين أن يدخلها من في قلبه أدنى مثقال ذرة من الإيمان ولم يعمل خيرا قط.

وكاغترار بعضهم على صوم يوم عاشوراء أو يوم عرفة، هذا ذكرت مثاله قبل قليل، بعض الناس يتكل يعمل المعاصي ويتكل على يوم عاشوراء ويوم عرفة. قال: حتى يقول بعضهم يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفه زيادة في الأجر. ولم يدري هذا المغتر عاشوراء وعرفة زيادة، يعني خلص مو عاشوراء السنة الماضية وعرفة الماضية والقادمة فاصلا في عندي بونص يعني في تكفير الذنوب والمعاصي. قال: هكذا يقدر يوم عاشوراء يكفر ذنوب العام كلها ويبقى صوم عرفه إيش؟ زيادة، يعني خيره زيادة أنا عندي أصلا رصيد، نعم.

قال: ولم يدري هذا المغتر أن صوم رمضان والصلوات الخمس أعظم وأجل من صيام يوم عرفة ويوم عاشوراء، وهي إنما تكفر ما بينهما إذا اجتنبت الكبائر. فرمضان إلى رمضان والجمعة إلى الجمعة لا يقوى على تكفير الصغائر إلا مع انضمام ترك الكبائر إليها، فيقوى مجموع الامرين على تكفير الصغائر، فكيف يكفر صوم يوم تطوع كبيرة عملها العبد وهو مصر عليها غير تائب منها؟ هذا محال.

إياك أن تتوقع أن عرفة وعاشوراء سيكفر الكبائر وأنت مصر عليها، إياك أن تفكر بهذه الطريقة أبدا، هذا خطأ في الفهم، نعم. قال رحمه الله: هذا محال. على أنه لا يمتنع أن يكون صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء مكفرا لجميع ذنوب العام على عمومه، ويكون من نصوص الوعد التي لها شروط وموانع، ويكون إصراره على الكبائر مانعا من التكفير، فإذا لم يصر على الكبائر لتساعد الصوم وعدم الإصرار على مغفرة الذنوب؛ لأنه الإصرار على الصغيرة هو بحد ذاته إيش؟ كبيره. فأي إنسان مصر على صغيرة اخواني يوم عرفة ويوم عاشوراء ما بيجاوبوا معه باختصار. أي إنسان مصر على صغيرة هو واقع في كبيرة، إصرارك على صغيرة، إصرارك على النظر الحرام، إصرارك على عقوق الوالدين، إصرارك على أي معصية هو كبيرة، بالتالي يوم عرفة ويوم عاشوراء لا ينتج المغفرة التي أنت تتصورها، تفهم خطا الموضوع هذه الأيام صيامها يكفر الذنوب متى؟ إذا أنت لم تصر على الصغائر واجتنبت الكبائر. لم تصر على الصغائر واجتنبت الكبائر يأتي يوم عاشوراء كما قال يتساعد الصوم مع عدم الإصرار على مغفرة هذه النطف وهذه المعاصي. وأما مع وجود الكبائر واستمرارك في هذا المضمار لن ينتج الأمر، يمكن يقول أن يكفر عاشوراء وعرفة الكبائر بشرط وجود التوبة النصوح، يعني شخص عنده كبائر بقول لك أنا خلص يعني ما رح يجاوب معي عرفة، بقول لك: إذا تبت توبة نصوح وأقبلت على الله وعزمت على ترك الكبائر قال ابن قيم: يمكن لا نتألى على الله يمكن أن يؤثر، لكن الأصل العام أن المصر على الكبائر أو المصر على الصغائر -والإصرار على الصغائر من الكبائر- لا ينتج معه عرفة وعاشوراء، نعم.

قال رحمه الله: كما كان رمضان والصلوات الخمس مع اجتناب الكبائر متساعدين متعاونين على تكفير الصغائر، مع أنه سبحانه وتعالى قد قال: إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ. فعلم أن جعل الشيء سببا للتكفير لا يمنع أن يتساعد هو وسبب آخر على التكفير، ويكون التكفير مع اجتماع السببين أقوى وأتم منه مع انف ارد أحدهما، وكلما قويت أسباب التكفير كان أقوى وأتم وأشمل.

قال رحمه الله: وكاكتكال بعضهم على قوله صلى الله عليه وسلم حاكيا عن ربه: أنا عند حسن ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء.

يعني ما كان في ظنه فإنه فاعله به ولا ريب. إن حسن الظن إنما يكون مع الإحسان، فإن المحسن حسن الظن بربه. هذه قاعدة ضعوا تحتها خط، لما أقول أنا أحسن الظن بالله، من الذي يحق له أن يقول أنا أحسن الظن بالله؟ هل العاصي المدمن على معاصيه وذنوبه؟ لا. يقول لك: الذي يحق له أن يحسن الظن بالله ويتكل على حسن ظنه بالله، من هو؟ هو الذي يحاول أن يحسن وأن يتقن وأن يستغفر ويتوب، هذا الذي يحق له أن يقول والله أنا أحسن الظن بسعة رحمة الله. لذلك قال: ولا ريب أن حسن الظن إنما يكون مع ايش؟ مع الإحسان، يعني بدي أتقن عملي الصالح وأجاهد على ترك المعاصي والذنوب، وساعتها بقول أنا عندي حسن ظن بالله أن الله يغفر لي.

وأما وأنا مصر على المعصية، إياك أن تقول آه والله أنا عندي حسن ظن بالله، لأنك هنا أنت تعبث بهذه النصوص، تعبث بقضية حسن الظن بالله ولا تنزلها في مكانها الصحيح. نعم، قال رحمه الله: فإن المحسن حسن الظن بربه أن يجازيه على إحسانه ولا يخلف وعده ويقبل توبته. وقال: وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات، فإن وحشة المعاصي والظلم والحرام تمنعه من حسن الظن بربه. هذه القاعدة: وأما المسيء المصر على الكبائر والظلم والمخالفات، فإن وحشة المعاصي أصلاً هي سبب مانع لك من قضية حسن الظن. نعم، قال: وهذا موجود في الشاهد، فإن العبد الآبق الخارج عن طاعة سيده لا يحسن الظن به، ولا يجامع وحشة الإساءة إحسان الظن أبداً.

نعم، ويقول: إنما يتصور وجود حسن الظن بالله لمن كان مقبلاً على الله راجياً منه. وأما المسيء المصر على المعاصي والذنوب ولا يرعوي عنها، قال: هذا أصلاً لا يتصور منه أن يححسن الظن بالله، وإنما هو يعبث ويهزل بنفسه، ولا يتصور منه مثل العبد الآبق. مين العبد الآبق؟ الذي عبد هرب من سيده وهو مصر على الهرب، هل بقول أنا مصر على الهرب بس أنا متأكد سيدي رح يعطيني مكافأة؟ يعني أنت مثلاً عامل مشكلة مع أبوك مخرب له السيارة وعامل مشاكل وهارب من أبوك وما زلت مصر على الهرب وعامل المشاكل مع الوالد، هل يعقل منك أنك تقول بس أنا متأكد والدي يعني أكيد رح يعطيني مكافأة على شغلي؟ هذا جنون، هذا ما في إنسان يفعل هذا.

لكن من الذي يحسن ظن بوالده؟ والله أنا أخطأت في حق الوالد لكنني بضبط الأمور بحاول أحسن العلاقة، بحسن الظن أنه إن شاء الله لعله وعسى أنه ايش تتحسن. هذا مثال صغير ولله المثل الأعلى، أنت آبق عن الله مصر على ذنوبك ومعاصيك، تقول بس أنا عندي حسن ظن بالله أنه رح يكافئني؟ يقول لك أنت يعني تستغبي على نفسك، وتستغفل وتظن أن الله سبحانه وتعالى يستغفل بمثل هذه الاعتقادات الفاسدة. الذي يحق له أن يحسن الظن بالله ويتكلم عن حسن الظن بالله هو إنسان محسن كما قال ابن القيم، مقبل على الله يريد أن يفتح صفحة جديدة معه.

أقول له إيه نعم، افتح صفحة جديدة وأحسن الظن بالله أنه سيمحو الماضي ويعينك على المستقبل، هذا بفتح له الأمن والرجاء. أما إياك أن تأتي لشخص مصر على المعاصي تقول يا أخي احسن الظن بالله، لا، هذا قوله تعالى أخي إن الله شديد العقاب، هذا مش مقام أن تقول له احسن الظن بالله. أنا بقول له احسن الظن بالله إذا أردت أن توب وتعود إلى الله، احسن الظن بالله أنه يقبلك، أما وانت على هذه الحالة تقول له احسن الظن بالله ترى أنت خدعته ولقنته حجة فاسدة ليستمر في ماذا؟ في عتوّه وفساده.

نعم، قال رحمه الله: فإن المسيء مستوحش بقدر إساءته، وأحسن الناس ظنا بربه أطوعهم له. كما قال: وأحسن الناس ظنا بالله حقيقة هم أكثر الناس طاعة لله، هذا هو الفهم الصحيح لحسن الظن بالله. نعم، كما قال الحسن البصري رحمه الله: إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن الفاجر أساء الظن بربه فاساء العمل. إذاً أصلاً يقول لك الفاجر سبب إساؤه في العمل هو ماذا؟ سوء ظنه في الله أصلاً. هو لو إنسان يححسن الظن بالله من قلبه من عمقه، انسى اللسان، لو إنسان يحسن الظن بالله من قلبه، بالله عليك هل تجده مصر على المعصية؟ لا يمكن، لكن أصلاً الفاجر سبب استمراره في غيّه وفساده سوء ظنه بالله وعدم تعظيمه.

مجلس اليوم فقط نخدم بهذه الفكرة. نعم، قال رحمه الله: وكيف يكون محسن الظن بربه من أهان أمر الله وشرع الله وهان نهيه عليه فارتكبه وأصر عليه؟ وكيف يكون حسن الظن به من بارزه بالمحاربة وعاد أوليائه ووالى أعدائه وجحد حد صفات كماله وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم؟ هل تعقلون أن إنسان يحارب الله ورسوله جهاراً نهاراً، إنسان يحارب الكتاب والسنة، إنسان محب للمعاصي مقبل عليها نافر من الطاعة بعيد عنها، هل تعتقدون مثل هذا الإنسان أهل لأن يحسن الظن بالله؟ هذا بعيد غاية البعد.

نعم، قال: وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر. وكيف يحسن الظن بربه من يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا... طبعا خلينا نعيد العبارة لما قال هو دخل في قضية أصحاب العقائد الفاسدة، قال: وعاد أوليائه ووال أعدائه، قال: وجحد صفات كماله وأساء الظن بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، وظن بجهله أن ظاهر ذلك ضلال وكفر. هنا يتكلم عن الفرق المعطلة للصفات، الذين يقولون إن ظاهر نصوص الصفات كفر وجهل، هكذا يقول بعضهم، أن آيات الاستواء على العرش وأن الله تكلم تكليماً وأن الله ينزل ظاهرها كفر وجهل هكذا يقولون.

طيب ما هو الصحيح فيها؟ قال: تأويلها وتحريفها. قال: الذي أصلاً يؤول هذه النصوص وهو ليس تأويلاً بل يحرفها ولا ينزلها على منازلها، هل هذا يححسن الظن بالله؟ فهنا أيضاً يضرب بعض أهل العقائد الفاسدة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه، يقولون هؤلاء ليسوا أهلاً لحسن الظن بالله. طبعا هذا الكلام تنزيله على الأعيان والواقع يحتاج إلى فقه وفهم وفقد تتكلم بكلام عام، لكن الأفراد منهم من يكون معذوراً، منهم من يكون متأولاً حقيقة، فالتنزيل على الأعيان هذا باب آخر يدخل فيه بحكمة.

نعم، قال رحمه الله: وكيف يحسن الظن بربه من يظن أنه لا يتكلم ولا يأمر ولا ينهى ولا يرضى ولا يغضب، كحال أصحاب الفرق المبتدعة؟ نعم، وقد قال الله في حق من شك في تعلق سمعه ببعض الجزئيات وهو السر من القول: وَذَلِكُمْ ظُنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ. ما الذي ظنوه في الله؟ ظنوا أن الله لا يسمع الصوت الخفيف، يعني إذا أنا حكيت مع نفسي بصوت منخفض قالوا الله لا يسمع معاصينا الخفيفة، هذا الظن لله أهلكهم. قال: فما بالك بمن ينفي نصوص الصفات وما بالك بمن يعتقد في الله ما لا يعتقد، لم ينفي فقط السمع الخفي بل نفى سمع الله لكل شيء وأبطل كلام الله وأبطل أمر الله، قال: هؤلاء ألا ترديهم هذه المعتقدات؟ ألا تكون سبباً في هلاكهم؟ بلى والله، نعم ما داموا غير معذورين فيها.

نعم، قال: فهؤلاء لما ظنوا أن الله سبحانه لا يعلم كثيراً مما يعملون، كان هذا إساءة لظنهم بربهم، فأرداهم ذلك الظن، وهذا شأن كل من جحد أحد صفات كماله ونعوت جلاله ووصفه بما لا يليق به. فإذا ظن هذا أنه يدخله الجنة، كان هذا غروراً وخداعاً من نفسه وتسويلاً. هذه الخلاصة: الذي يظن يفعل المعاصي والذنوب ويستمرئها وبعد كل هذا من غير توبة يقول أنا أحسن الظن بالله أنه سيدخلني الجنة، فماذا يقول ابن القيم؟

فإذا ظن هذا المذنب المصر على معاصيه أنه سيدخله الجنة على الرغم من هذا الاستمرار وهذه المبارزة، قال: كان هذا غروراً وخداعاً من نفسه وتسويلاً من الشيطان لا إحسان ظن بربه، وقيل له: أنت مغشوش، أنت تلبس على نفسك ظنك أنك تفعل المعاصي والذنوب بدون...

توبة ثم بعد ذلك إن الله سيدخلك الجنة، هذا ليس الاسم الصحيح حسن ظن بالله، إيش اسمه؟ غرور وخداع. لذلك أي شخص بيناقش في هاي القضية، يقول له: عمي أنت عندك مشكلة، أنت فاهم مفهوم الحسن والذنب بالله خطأ، أنت ما أنت فيه من الاستمرار على الذنوب والمعاصي مع ظنك أنك ستدخل الجنة بهذه الصورة، هذا ليس اسمه الشرعي حسن ظن بالله، اسمه غرور وخداع وضحك على النفس.

وأما حسن الظن بالله، هذا المفهوم إنما يكون لمن يجاهد نفسه على ترك الذنوب والمعاصي، ثم بعد ذلك يحسن الظن بالله أن الله يعينه وأن الله يغفر له، وأما وأنت مقيم على حالك، إياك أن تغتر بقضية عفو الله وستره.

نعم، قال رحمه الله: فتأمل هذا الموضع، وتامل شدة الحاجة إليه، وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع ويرى مكانه، ويععلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره، وأنه موقوف بين يديه ومسؤول عن كل ما عمل، وهو مقيم على مساخطه، مضيع لأوامره، معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به.

وقف، هذه فقرة بدك ترجع تعالجها مرة أخرى. قول شوف هذا الإنسان الجريء على الله، والذي يغتر بحلم الله، ثم بعد ذلك يقول لك: أنا أحسن الظن بالله. شوف كامل التناقضات. قال: هو في البداية ماذا قال؟ تأمل هذا الموضع، كيف يجتمع في قلب العبد أنه متيقن أنه في يوم آخرة ملاق الله، ومتيقن أن الله يسمع كلامه ويرى مكانه، ولو سألته قال: وأعلم أنه يععلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليه خافية، وانه موقوف بين يديه يوم القيامة. وهو مع كل هذه الاعتقادات إيش قال؟ وهو مع ذلك مقيم على مساخطه، مضيع لأوامر الله، معطل لحقوق الله، ثم هو بعد ذلك إيش بقول لك؟ أنا أحسن الظن بالله. يعني كيف اجتمعت هذه؟ كيف ركبت معك أصلاً؟ تعمل كل هذه الأمور، أنت توقن بكل الاعتقادات السابقة ومع ذلك لم تستحي من الله، معتقد أن الله يراك ويسمعك ويرى مكانك، ومع ذلك لم يولد ذلك عندك في قلبك إيش؟ استحياء من الله، أنت مقيم على معاصيه وعلى مساخطه، بعيد عن طاعته، بعد ذلك تتجرأ أن تقول أنني أحسن الظن بالله.

يا أخي، أنت تلعب، أنت عابث، إذا كان كل معتقداتك السابقة لم تورثك حياء من الله، فإياك أن تتكلم عن قضية حسن الظن بالله، أنت إنسان غير مستخفٍ من الله وغير مستحي من الله، فليس مكانك مكان حسن الظن، مكانك مكان العقوبة والانتقام، مكانك مكان إيش؟ العقوبة وإنزال العذاب، لأنك غير مستحٍ.

يا أخي لو أنت بتجاهد ما عندي مشكلة، أنت مقيم على ذنوبك ومعاصيك مع كل المعتقدات السابقة اللي سردها ابن القيم، وبعد ذلك لك وجه أن تقول أنني أحسن الظن بالله؟ يا أخي أولاً روح استحي من الله سبحانه، واعترف بضعفك، وابكِ على خطيئتك، بعد ذلك تتكلم عن حسن الظن بالله. أما مع هذا الإصرار فملفك ملف آخر، ويحال إلى جهة أخرى.

نعم، قال رحمه الله: وهل هذا إلا من خدع النفوس وغرور الأمان؟ وقد قال أبو أمامة بن سهل بن حنيف: دخلت أنا وعروة بن الزبير على عائشة رضي الله عنها فقالت: لما طمئ رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض له وكانت عندي ستة دنانير أو سبعة، أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أفرقتها. قالت: فشغلني وجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى عافاه الله، ثم سألني عنها فقال: ما فعلت، أكنت فرقت الستة دنانير؟ فقلت: لا والله، لقد شغلني وجعك. قالت فرقت يعني وزعتيها على الفقراء، نعم. قالت: فدعا بها فوضعها في كفه فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده؟ وفي لفظ: ما ظن محمد بربه لو لقي الله وهذه عنده؟

النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكل على حسن ظن بالله، بل خاف وخشي أن يعاقبه الله إذا بقيت هذه الستة الدنانير قبل أن يوصلها إلى مستحقيها. لاحظوا كيف خوف أن الله يعاقبه على ست دنانير، وانت أيها المسكين تحسن الظن بالله وأنت مصر على المعاصي والذنوب.

إذا إخواني، قضية حسن الظن بالله أظنها قضية تحتاج إلى إعادة موازنة وفهم صحيح منك. حسن الظن بالله، هذا المفهوم متى أوظفه في حياتي وأنزله على نفسي؟ إذا كنت أجاهد نفسي على التوبة، نعم، أحسن الظن بالله أن الله سيساعدني وسيغفر لي الماضي السيء وسيمحو الخطايا والذنوب إذا كنت أجاهد نفسي، أما أنا أكون إنسان مدمن على النظر للحرام، ومدمن على العلاقات المحرمة، ومدمن على أكل الحرام، وغير مهتم بالتوبة، وبعد ذلك أجي أقول حسن الظن بالله، هذا توظيف خاطئ لهذا المفهوم في غير مكانه.

وحاول أن تبصروا الناس في هذه القضية، لا أردنا نشق عليكم أكثر من ذلك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.