بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصل وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وارزقنا علماً نافعاً يا أرحم الراحمين.
حياكم الله أيها الكرام في مجلس جديد نعيش في أنباء هذا الكتاب المبارك الداء والدواء لعلامة ابن القيم رحمه الله تعالى عليه، ونلتقط من درره، ونتظلل في أفنائه، ونستفيد من الأفكار والخواطر والإيرادات التي يبديها هذا الإمام حول مشكلة مهمة تتعلق بكل مسلم ومسلمة، وهي معاصي والذنوب عموماً. والمعصية التي نعالجها على وجه الخصوص هي الآن معصية تعلق القلب بمعشوق، تعلق القلب بغير الله سبحانه وتعالى.
إذا تعلق الإنسان بشيء، إذا تعلق الشاب بفتاه أو تعلقت الفتاه بشاب، إذا تعلق الإنسان بزخرف من زخارف الحياة الدنيا، كيف يفعل؟ ابن القيم عليه رحمه الله قدم رؤيتين؛ رؤية كيف تقي نفسك أصلاً من الوصول إلى حالة التعلق وهو الذي سماه قبل النزول: كيف تقي نفسك من الوصول إلى حالة التعلق؟ ثم إذا ابتلاك الله بهذا التعلق كيف تحاول أن تعالج نفسك وتتخلص من هذا الداء؟ وهذا الداء هو الذي من أجله قام هذا الكتاب كتاب الداء والدواء.
إذا تذكر السؤال أن الرجل سأل ابن القيم أنه ابتلي بمعصية إذا أدان عليها واستمر عليها ستفسد دينه ودنياه، وابن القيم هنا في هذا الفصل بسط لنا طبيعة هذه المعصية؛ أن قلب هذا الرجل متعلق بغير الله سبحانه وتعالى بالمعشوق، وهذا حقيقة من أكثر الأمراض فساداً لدين الإنسان ولدنيا أيضاً. فإن الإنسان متى ابتلي بمرض العشق حقيقة تشتت ذهنه وتفرق خاطره ولم يعد يجمع قلبه على شيء في الدنيا.
الإنسان الذي ابتلي بعشق الصور المحرمة وابتلي بالادمان عفانا الله وإياكم على النظر الحرام، ابتلي بالتعلق بشخص معين رجل أو امرأة، حقيقة هذا من أكثر الأمور التي تشتت الهمم وتضعف العزائم وتجعل الإنسان غير منتج، سواء على صعيد الحياة الشخصي أو حتى على صعيد أمته. وكما قال: يخسر دينه فيفسد علاقته مع الله ويفقد الأنس بالله، يفقد لذة الخشوع لذة الصلاة لذة التعبد، ويفقد أيضاً الأنس بدنياه وناس من حوله، لأنه هو دائماً في تذكر للمعشوق، دائماً في ارتباط ذهني به، فاذا نام تذكره وإذا استيقظ تذكره وإذا تقلب على الفراش تذكره، مسك الهاتف تذكره، فهو لا يحسن إلا أن يتذكر هذه الصورة، وهذا مرض والعياذ بالله.
هذه حالة مرضية شديدة، إذا أنقذك الله منها وسلمك منها ابتداء فأنعم به وأكرم حقيقة من وقاية، وإذا ابتليت بها ووقعت فيها ثم شفيت فهذه نعمة عظيمة. كثير من الناس يشرى من بعض التعلقات ولا يلاحظ قدر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، عليك أن تقدر نعمة الله عليك إذا شفاك من هذا المرض. وأما إذا ما زلت تتخبط فيه وحياتك متشاكسة، فإن هذا المرض إذا فتك بقلبك فانه يهلك، يهلك بمعنى يهلك ويفسد كل شيء. فنسال الله سبحانه وتعالى أن يقينا من الزلل ومن الخطل، وأن يعافينا من هذه الأدواء، وأن يشغلنا بالتعلق به فإنه أعظم وأعظم مرهوب، إنه سبحانه وتعالى ولي ذلك والقادر عليه.
نعم، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولسا معيني ونجي إخواننا المستضعفين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل: دواء هذا الداء من طريقين. قيل نعم الجواب من أصله، ما أنزل الله من داء إلا جعل له دواء، علمه من علمه وجهله من جهله. والكلام في دواء هذا الداء من طريقين: أحدهما حسم مادته قبل حصولها، والثاني قلعها بعد نزولها، وكلاهما يسير على من يسره الله عليه.
إذاً كما قال ابن قيم -هذا قرناه في نهاية المجلس السابق- أن علاج هذا الداء أو أن معالجة هذا الموضوع من جهتين؛ الجهة الأولى منع حصول حالة التعلق، حسم المادة قبل نزولها أن نقي قلوبنا من الوصول إلى هذه التعلقات الفاسدة والعياذ بالله. المرحلة الثانية: إذا ابتلاك الله ووقعت في شركها فكيف تخلص نفسك من كيدها؟
نعم، قال: وهو متعذر على من لم يعمه فإن أزمة الأمور بيديه. إذاً هذا منطلق أن أي دواء حتى ينتج لابد من معونة الله سبحانه وتعالى، فإذا أردت العلاج أولاً اطرق باب الله، اطرق باب الله سبحانه وتعالى وادب اللجا إليه، ويفزع قلبك إلى الله عز وجل شاكياً له همك، نادماً على ما أوصلك إلى هذه الحالة. فإن من لم يقرع الباب ويحاول أن يبحث عن الدواء من هنا وهناك لن يوفق إلا إذا قرع الباب الصحيح وهو باب الله عز وجل، وندم بين يديه، وأسيل الدموع له سبحانه بأن الله عز وجل ينظر إليك ويعطيك ويمنحك ويساعدك على اليقظة من هذه الغفلة.
نعم، قال رحمه الله: فأما الطريق المانع من حصول هذا الداء فهمر أحدهما غض البصر كما تقدم، فإن النظرة سهم مسموم من سهام إبريس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته. وفي غض البصر عدة منافع، وهو بعض أجزاء الدواء النافع؛ أحدها أنه امتثال لأمر الله الذي هو غاية سعادة العبد في معاشه ومعاده.
هذه مسألة مهمة؛ ما فوائد غض البصر وأن يتعود الإنسان ألا يطلق العنان لبصره لينظر إلى الحرام؟ نعم، قال رحمه الله: فليس للعبد في دنياه وآخرته أنفع من امتثال أوامر ربه تبارك وتعالى، وما سعد من سعد في الدنيا والآخرة إلا بامتثال أوامره، وما شقي من شقي إلا بمخالفتها. هذه قضية ثانية، إذا غضضت بصرك عن الحرام -نحن قلنا النظرة هي سهم من سهام إبليس يحاول أن يقع في مقتل في قلبك، إذا وقع في مقتل حصل التعلق- وكيف يحصل التعلق؟ ما معنى؟
الكثير من الإخوة لا يعرف معنى أن النظر سهم مسموم من سهام إبليس، المراد أنها إذا وقعت في مقتل ستتعلق هذه الصورة في قلبك فلا تستطيع فراغ منها. فهذه مسألة خطيرة، حاول يقول لك ابن القيم: حاول ألا تصل السهام المسمومة إلى قلبك، حاول أن تجاهد عينك حتى لا يصل السهم المسموم، فإن غض البصر والله أسهل بكثير من معالجة القلب المسموم. غض البصر والمعاناة التي ستجدها في ذلك أسهل وأهون بكثير ومرات من معالجة القلب بعد أن ينتشر فيه السم والدواء الدوي.
نعم، قال رحمه الله: الثالثة أنه يورث أنساً بالله وجمعية عليه. نعم، فإن إطلاق البصر يفرق القلب ويشتته ويبعده عن الله، وليس على القلب شيء أضر من إطلاق البصر، فانه يوقع الوحشه بين العبد وبين ربه.
نعم، الرابعة أنه يقوي القلب. كثير من الناس يشكو من عدم خشوع في الصلاة، من عدم أنس بالذكر، من عدم همة على طلب العلم، من عدم إقبال على الطاعة عموماً؛ هذه الوحشة يقول لك ابن القيم سببها إطلاق البصر. يعني إذا كنت تعاني من إطلاق البصر إلى الحرام، لا تسألني لماذا الهمة ضعيفة في طلب العلم، لا تسأل، خلاص يعني، وضح الأمور، لا تسأل لماذا لا أشعر بلذه الصلاة أو همة لقيام الليل أو همة لقراءة القرآن أو همة لشيء من الأوراد، لا تسأل لأن المشكلة واضحة؛ أن قلبك في وحشة عن الله سبحانه وتعالى، ومن استوحش عن الله ضعفت همته في كل جوانب الخير.
نعم، قال رحمه الله: الرابعة أنه يقوي القلب ويفرحه، كما أن إطلاق البصر يضعفه ويحزنه. إذاً غض البصر من أسباب قوة القلب القوة الإيمانية.
نعم، الخامسة أنه يكسب القلب نوراً، كما أن إطلاقه يكسبه ظلمة. ولهذا ذكر الله سبحانه آية النور عقيب الأمر بغض البصر فقال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، ثم قال إثر ذلك: اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ. جميل، هذه اللفتة التفسيرية من ابن القيم يقول: الله سبحانه وتعالى أين ذكر؟
أمر المؤمنين بغض البصر في أي سورة؟ النور. وأين أمر المؤمنات بغض البصر في سورة النور؟ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، وقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ. ذُكر في سورة النور؛ لأن نور القلب وإنارته لا تحصل إلا بعد غض البصر، فذكر هذا الحكم في هذه السورة.
نعم، قال رحمه الله: أي مثل نوره في قلب عبده المؤمن الذي امتثل أوامره واجتنب نواهيه، وإذا استنار القلب أقبلت وفود الخيرات إليه من كل ناحية، كما أنه إذا أظلم أقبلت سحائب البلاء والشر عليه من كل مكان، فما شئت من بدع وضلالة، واتباع هوى، واجتناب هدى، وإعراض عن أسباب السعادة، واشتغال بأسباب الشقاوة؛ فإن ذلك إنما يكشفه له النور الذي في القلب، فاذا فقد ذلك النور بقي صاحبه كالأعمى الذي يجوس فيه حين داس الظلمات.
نعم، لذلك الإنسان هو يعيش مع النور في الدنيا وفي الآخرة: رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا، أليس هذا من دعاء الناس أهل الإيمان يوم القيامة؟ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا. فالإنسان هو قصة من النور، النور الذي يجعله يعرف الفرق بين الحق والباطل، والسنة والبدعة، والهدى والضلال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا، ايش بعد ذلك؟ قال: وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِر لَكُمْ. الفرقان أيها الأحبه هو النور، الفرقان هو النور الذي يحتاجه الإنسان ليميز بين ماذا؟ بينما هو من مرضات الله سبحانه وتعالى، وبينما هو من مساخطه، والذي يفقد النور لا يعرف حقا ولا ينكر منكرا، ويعاني من تشوه، ويعاني من سوء نظر، ويعاني من قلة دراية ومعرفة بأُمور شريعته ومراض ربه، فالنور هي قصة حياة بالنسبة للإنسان، عليك أن تحصل النور مهما كان الثمن.
لذلك عندما جاء مالك أو عندما جاء الشافعي ليطلب العلم على يد مالك، ماذا قال له مالك؟ رأى فيه نباهة ورراى فيه إشراقاً، فقال: يا بني، إني أرى الله قد القى على قلبك نورا فلا تطفئه بظلمة المعصية. شوف المعلم القوي الناجح الذي يعرف أنه قبل يا شافعي ما تحفظ المتون والمصنفات، وقبل ما تتعمق في تسجيل المدونات الفقهية، وقبل أي شيء آخر، أول خطوة في طلبك للعلم أن تطلب النور؛ لأنه طالب علم بدون نور لا يفلح، وطالب العلم الذي معه النور حتى لو قل علمه النور الذي بين يديه يجعله يبصر الحقائق ويجعله على دراية، ولو على الأقل إجمالية، أين مواطن الحق فيقف فيها، وأين مواطن الباطل فيجتنبها.
نعم، قال رحمه الله: السادسة أنه يورث فراسة صادقة يميز بها بين الحق والباطل، والصادق والكاذب. وهذا جزء من النور، يعني هذه الفكرة جزء من النور. نعم، قال: وكان ابن شجاع الكرماني يقول: من عمر ظاهره باتباع السنة، وباطنه بدوام المراقبة، وغض بصره عن المحارم، وكف نفسه عن الشبهات، واغتذى بالحلال لم تخطئ له فراسة.
وكان شجاع الناس يقول: كيف أحصل الفراسة؟ أريد يا شيخ أن تكون عندي فراسة؛ إذا نظرت للإنسان أعرف معدنه وأعرف طبعه. يقول لك هذه نصيحة الكرماني لك، إذا اردت أن تصل إلى الفراسة الصادقة في أمور حياتك فعليك أن تحقق هذه الخصال، بدون ذلك عاد لا تسألني عن فراسة. نعم، قال رحمه الله: وكان شجاع هذا لا تخطئ له فراسة، والله سبحانه يجزيك على عمله بما هو من جنس عمله.
وبالتالي نصيحته نصيحة شجاع الكرماني من تجربة، يعني هو مش انسان بينظر، لا، هو رجل أعطاه الله الفراسة فيعطيك ماذا فعل حتى وصل إليها، بخلاف اللي ما عندوش الشغلة وبنظر عليك كيف تكتسبها، يعني هذا نوعا ما بتكون متشكك أنت في معلوماته. نعم، والله سبحانه يجزيك العبد على عمله بما هو من جنس عمله، ومن ترك لله شيئا عوضه الله خيرا منه، نعم، فلما هذا ما يريد أن يقوله، وهذه فكرة ذكرها ابن تيمية في الوصية الصغرى أن الله عز وجل يجزيك من جنس عملك، أنت ماذا فعلت؟ غضضت بصرك عن الحرام، فأعطاك الله نورا في بصيرتك، قال رحمه: هذا الجزاء من جنس العمل، لما غضضت بصرك الجزاء والثواب كان من جنس عملك: أنار الله بصيرتك، هذا معنى قوله في قضية الفراسة.
نعم، قال رحمه الله: فإذا غض بصره عن محارم الله عوضه الله بأن يطلق نور بصيرته عوضا عن حبس بصره لله، ويفتح عليه باب العلم والإيمان والمعرفة والفراسة الصادقة المصيبة التي إنما تنال ببصيرته، هذا ما وصف الله به اللوطية من العمه الذي هو ضد البصيره، فقال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ، فالعمه اللي هو التخبط والضياع وصف الله به أهل اللواط وأهل الفواحش؛ لأن الفواحش والمعاصي والذنوب وادمانها في الجمله هو سبب في حيرة الإنسان وضياعه.
نعم، قال: فوصفهم بالكره التي هي فساد العقل، والعمه الذي هو فساد البصيرة، فالتعلق بالصور يوجب فساد العقل وعمه البصيرة وسكر القلب، كما قال القائل: سكر هوى وسكر مدامه، ومتى أفاق من به سكراني؟ وقال: سكر الهوى سكر العشق، وسكر مدامه يعني سكر الخمر، فأقول: متى يفيق الذي به سكراني؟ عنده نوعان من السكر: سكر العشق وسكر الخمر، هذا لا يفيق إلا أن يشاء الله.
وقال الآخر: قالوا جننت بمن تهوى فقلت لهم العشق أعظم مما بالمجانين، العشق لا يستفيق الدهر صاحبه وإنما يصرع المجنون في حيني. الله المستعان! ايش يعني؟ يعني المجنون يصرع، طبعا المراد بالجنون هنا الجنون المتقطع، بيقول لك الذي به جنون أو مس هذا يصرع أياما ويستيقظ أياما، أما العاشق لا يستيقظ حتى يموت، هذا الفرق بين المجنون والعاشق، قال لك المجنون تجي لحظات تخبط ويستيقظ، المجنون جنون متقطع طبعا يقصد، وأما من ابتلي بعشق الصور فهذا لا يستيقظ حتى يدفن في رمسه، فنسأل الله يقظة القلب قبل أن تبتلى بهذا العشق.
نعم، قال رحمه الله: السابعة أنه يورث القلب ثباتا وشجاعة وقوة، فجمع الله له بين سلطان النصرة والحجة وسلطان القدرة والقوة، كما في الأثر: الذي يخالف هواه يفرق الشيطان من ظله. وضد هذا تجد في المتبع لهواه من ذل النفس ووضاعتها ومهانتها وخستها وحقارتها ما جعله الله سبحانه في من عصاه، كما قال الحسن: إنهم وإن طقطقت بهم البغال وهملجت بهم البرادين، إن ذل المعصية في رقابهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه.
ويتكلم عن أصحاب الترف من العصاة المترفين، يقول لك: لو ركب أفضل السيارات وأفخم المراكب، والله إن ذل المعصية في وجوههم، لذلك أيها الكرام، إذا رأيت المرابط في ثغور العزة يقاتل في سبيل الله وبقوته، وأنت ربما إذا صفق باب يرجف قلبك، اعرف أن سبب الفرق بين القلبين هو غض البصر عن المحارم، هذه النقطة المهمة يقول لك: إنه يورث القلب ثباتا وشجاعتا وقوة.
بعض الناس عندما يرى المرابطين في غزة وفي غيرها من البقع كيف يقاومون بجلد! يا اخي بستغرب، يقول لك: ما شاء الله، هذا اقترب من الدبابة ووضع عليها كذا وهذا فعل وهذا فعل، وإنسان فينا ربما إذا صفق على الباب وسمع حد ينهد قلبه معها، طب ايش السبب في الفرق بين القلبين؟ يقول: الإنسان اللي قلبه مليء بالمعاصي أيها الأحبه جبان وبطبعه هكذا، الإنسان الذي امتلا قلبه بالمعاصي والذنوب هذا قلبه جبان يضعف أمام أي شيء، أي شيء يهزه، بخلاف الإنسان الذي مريء قلبه بالإيمان وغض بصره عن الحرام، فهذا قلبه يكون في أعلى درجات القوة، فلا تقص قلوب الآخرين على قلبك، يعني إذا أنت تعاني من ضعف بعض الناس يظن أن كل الناس مثله، بيقول لك: هذه حالة طبيعية. لا، هو ليس كل الناس مثلك، الإنسان الذي هو مقبل على الله مستانس بالله هذا قلبه في أعلى درجات القوة، فيصنع من البطولات والملاحم ما لا يصنعه العصاة من أمثالنا، يصنعه العصاة من أمثالنا الذين أدمنوا الشهوات والنظر وغير ذلك من الأمور، فمثل هذا نعم قلبه سيرجف، قلبه لن يستطيع المكافحة والوقوف كما يقف الرجال في مثل هذه المواطن.
نعم، قال رحمه الله: وقد جعل الله سبحانه العزة قرين طاعته والذل قرين معصيته، فقال تعالى: وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وقال تعالى: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم.
مؤمنين، والإيمان قول وعمل ظاهر وباطن. قال تعالى: مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا ۚ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ، أي من كان يريد العِزة فليطلبها بطاعة الله وذكره من الكلم الطيب والعمل الصالح. وفي دعاء القنوت: أنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت، ومن أطاع الله فقد والاه فيما أطاعه فيه وله من العِز بحسب طاعته، ومن عصاه فقد عاداه فيما عصاه فيه وله من الذل بحسب معصيته.
نعم، الثامنة: أنه يسد على الشيطان مدخله إلى القلب، فانه يدخل مع النظرة وينفذ معها إلى القلب أسرع من نفوذ الهواء في المكان الخالي. ومَرَّ معنا المداخل الأربعة للشهوات، أولها ماذا؟ مش قلنا اللحظات؟ فاللحظات هو المدخل الأول للشيطان إلى قلبك، وهذا مصداق هذه النقطة.
نعم، قال رحمه الله: فيمثل له صورة المنظور إليه ويزينها، ويجعلها صنماً يعكف عليه القلب، ثم يعده ويمنيه، ويوقد على القلب نار الشهوة، ويلقي عليه حطب المعاصي التي لم يكن يتوصل إليها بدون تلك الصورة. الصورة الحرام اللي انت بتشوفها على السوشال ميديا أو في أي مكان، الشيطان يبقى يزينها في ذهنك، ويجعلها على خلاف ما هي عليه في الواقع أصلاً. أنت تبدأ تتخيل أن هذه الصورة في كامل النعيم وفي وفرة الجمال، وأنها لا يصدر منها من القاذورات ما يصدر، فتبدأ يحسنها يحسنها حتى يضرب نار الشهوة كما قال في قلبك، وتتعلق بهذه الصورة وتشتهيها، وتبقى تفكر فيها وأمانيك بها، فتغفل عن عيوبها، وتغفل أنها في النهاية إنسان له من القاذورات ما لك، وعنده من العيوب ما لك.
ولو أنه قُدِّر لك في يوم من الأيام أن ترتبط بهذه الصورة التي عشقتها، ستعض أصابع الندم أنك عشت دهراً وردحاً من الزمان تفكر فيها وتؤهلها في قلبك، فإذا هي في النهاية ناقص، فإذا هي في النهاية فيها من الآفات والعيوب ما فيك. لكن الشيطان كما قال ابن مفلح: يريك غير المقدور عليه على خلاف ما هو عليه، يريك الشيء الذي ليس عندك ولا تملكه، يريك إياه على خلاف الواقع، ويريك إياه أنه شيء من الجوهر المكنون ومن الصدف الذي لم يمس، وهذا كله وهم، لكن البصائر الضعيفة هي التي لا تخترق هذه الأوهام.
نعم، قال رحمه الله: فيصير القلب في اللهيب، فمن ذلك اللهيب تلك الانفاس التي يجد فيها وهاج النار وتلك الزفرات والحرق، فإن القلب قد أحاطت به النيران من كل جانب فهو في وسطها كالشاه في وسط التنور. ولهذا كانت عقوبة أصحاب الشهوات للصور المحرمة أن جُعل لهم في البرزخ تنور من نار، وأودعت أرواحهم فيه إلى يوم حشر أجسادهم، كما أراه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في المنام في الحديث المتفق على صحته، نسأل الله العافية.
التاسعة: أنه يفرغ القلب للفكرة في مصالحه والاشتغال بها، وإطلاق البصر ينسيه ذلك ويحول بينه وبينه. وهذه الفكرة التي بدأت بها وهي أن إطلاق البصر وكثره الصور في المخزون العقلي يجعل الإنسان دائماً في تشتت ذهني غير مستقر نفسياً وحياتياً ليفكر في مصالحه، في مصالح معيشته، في مصالح دراسته، في مصالح كما قلت حتى الأمور الدنيوية تفشل فيها لأن القلب متعلق، بخلاف الإنسان الذي قلبه موحد لله سبحانه وتعالى، هذا قلب استراح، هذا قلب والله استراح، يفكر بشكل ناجح، يدير حياته بشكل منضبط، لماذا؟ لأنه لا يوجد تعلقات تشتته، فهو مستريح منضبط، ينجز الأمور الحياتية والمهمات، ما عنده تردد، ما عنده قلق، ما عنده إشكال.
فنعم القلب والله قلب عرف بمن يتعلق، نعم القلب قلب عرف بمن يتعلق ولم يهدم بنيانه بسبب تعلقات تافهة لا تسمن ولا تغني من جوع. نعم، قال رحمه الله تعالى: فينظرط عليه الأمر ويقع في اتباع هواه وفي الغفلة عن ذكر ربه، قال تعالى: وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا، وإطلاق النظر يوجب هذه الأمور الثلاثة بحسبه.
العاشرة: أن بين العين والقلب منفذاً وطريقاً يوجب انفصال أحدهما عن الآخر، وأن يصلاح بصلاحه ويفسد بفساده، فإذا فسد القلب فسد النظر، وإذا فسد النظر فسد القلب، وكذلك في جانب الصلاح، فإذا خربت عين وفسدت خرب القلب وفسد، فصار كالمزبلة التي هي محل النجاسات والقاذورات والأوساخ، فلا يصلح لسكنى معرفة الله ومحبته والإنابة إليه والانس به والسرور بقربه فيه، وإنما يسكن فيه اضداد ذلك.
إذاً هي علاقة متبادلة كأنها يعني كما أن القلب يؤثر على النظر كذلك النظر يؤثر على القلب، فالصلاح أو الفساد متبادل بين هذين العضوين، كل واحد منهما يؤثر على صاحبه، وإن كان الأصل هو القلب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.
نعم، قال رحمه الله: فهذه إشارة إلى بعض فوائد غض البصر تطلعك على ما وراءها يعني على الفوائد الأخرى.
نعم، الطريق الثاني المانع: إذاً قلنا الآن هو ما زال يسرد طرق الوقاية من التعلق والعشق، وما زلنا في المرحلة الأولى وهي طرق الوقاية من العشق الحرام، فالطريق الأول ماذا قال من طرق الوقاية؟ غض البصر واعطاك فوائده. الآن الطريق الثاني حتى نحمي أنفسنا من العشق الحرام قال: الطريق الثاني المانع من حصول تعلق القلب: اشتغال القلب بما يبعده عن ذلك ويحول بينه وبين الوقوع فيه، وهو إما خوف مقلق أو حب مزعج.
فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب، أو خوف ما حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب، أو محبة ما هو أنفع له وخير له من هذا المحبوب وفواته أضر عليه من فوات هذا المحبوب، لم يجد بُداً من عشق الصور. ما معنى هذا الكلام باختصار؟ هو يريد أن يقول لك: يجب أن تعمر قلبك بماذا؟ بخوف مقلق أو حب مزعج. يجب أن يُعمر القلب بالخوف المقلق أو الحب المزعج، لأن الإنسان إذا كان قلبه خالياً من الخوف من الله سبحانه وتعالى فإن هذا العشق سيستحوذ عليه.
إذا لم يشغل قلبه بحب الله سبحانه وتعالى والتعرف عليه والاقبال على محبوباته، لابد وأن ينشغل قلبك بهذا العشق المحرم وتتعلق بالصور، فلذلك ماذا قال؟ قال: فمتى خلا القلب من خوف ما فواته أضر عليه من حصول هذا المحبوب. إذا خلا قلبك من الخوف أن تفوتك الجنة، إنسان مش خايف أن تفوت الجنة ما عنده خوف من هاي الجزئية، بالتالي هذا نعم سيغو في الدنيا وملذاتها بقدميه ورجليه وبكل جوارحه.
لكن إنسان خايف من أن تفوته الجنة وأن تفوته مش في الجنة فقط المقامات العالية منها، هذا الخوف المقلق سيحول بينه وبين التفكير بماذا؟ بعشق شيء سفلي. إنسان خايف من النار خايف أن يعذب فيها، هذا يصعب أن يحصل له تعلق، لأنه هناك شيء يقلق، خوف مقلق يجعله يقول لك: أنا عمي ما لي مصلحة، ليس لي مصلحة بأن أمارس أي شكل من أشكال العشق الأرضي لأنني أخشى أن يعذبني الله سبحانه وتعالى بهذا الشيء الذي تعلقت به.
فوجود خوف مقلق في قلبك أو حب أعلى من العشق الأرضي، وهو حب الله سبحانه الذي يسمى الحب المزعج، هذا الذي يجعلك تترك أو تستغني، أو ترى أنه من المستاهل كما يقول أن أقاوم العشق الأرضي وأن أنشغل بما هو أنفع لي.
لكن السؤال هو: كيف أقوي هذا الخوف المقلق؟ أنت رح تقول لي يا شيخ كلامك جميل ومفهوم، لكن كيف أقوي الخوف المقلق بحيث فعلاً أترك العشق السفلي خوفاً وقلقاً من فوات الجنة، أو خوفاً وقلقاً من دخول النار؟ هذا سؤال لكم: كيف نقوي هذا الخوف؟ ما هي الوسائل اللي كل شاب وكل فتاة لازم يتبعها حتى يقوي هذا الموضوع؟ تفضل حبيبي.
ممكن نسمع عن الجنة ونعيمها النار.
أحسنت، يعني القراءة في نعيم الجنة وما أعد الله فيها لأهل الإيمان من الراحة والسرور والحبور، والقراءة عن النار وما فيها من العذاب الشديد. طيب، أيضاً التعرف على، زيادة التعرف على الله وصفاته بنوعيها.
صفات الرحمة والمغفرة والستر وصفات الانتقام والعذاب والعقاب الشديد، نعم، يعني قراءة سير أهل الصلاح ممن انضبط في هذا الباب. طيب، تدبر آي القرآن التي تحدث الحياة مع القرآن، لذلك دائما نقول إخواني: الحياة مع القرآن، القرآن هو أكبر يعني ليس هناك شيء أعلى منه. القرآن اعظم ما يورث الإنسان الخوف المقلق والحب المزعج بشرط أن يقرأه بتدبر، وأن يكون فاهم لسياق الآيات ويترنم بها، ليس فقط ذاك الشخص الذي همه أن يحفظ القرآن وهو لا يقوم بمعانيه ولا يعرفها. القراءة التدبرية الواعية لكتاب الله سبحانه كفيلة بأن تصنع هذا الخوف وهذا الحب لله سبحانه وتعالى.
كذلك القراءة في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفي سيرته وفي سير العلماء والسلف، وكثرة النظر والتفكر في الخلق وما أعد الله عز وجل لهم، والتأمل في نفسك هذا أيها الأحبة هو الذي يورث هذه الأمور. كذلك حضور مجالس العلم والانتفاع والاستفادة والاشتراك في برامج نافعة، ترى هذا يساعد ويقوي لأن الإنسان وحده يضعف، لكن مع إخوانه يقوى، أما إنسان يقطع نفسه عن كل أبواب الخير، فلا هو لليل يقيم ولا هو للقرآن يتدبر، ولا هو للذكر ينهض، ولا يحافظ على أذكار الصباح والمساء ولا يحضر مجالس توع وتذكر. هذا بالله عليك من أين سياتي الخوف المقلق والحب المزعج؟ يعني هو لن يتنزل عليك تنزلاً بدون أن تبدل أسبابه، أبدل الأسباب حتى ترث هذا الشيء.
وبقدر ما يكون حرصك على الخير والتعلم والاستفادة والقرآن وقراءته وقيام الليل، كلما كنت أكثر حرصاً كلما ازددت في هذا الميدان. فإذا أنت عندما تحضر مجلس علم، أو تسمع موعظة، أو تحفظ كتاب، أو تقرا القرآن، أو تفهم، هذا حقيقة لصالحك، هذا ليس فقط شيء تتبرك به؛ التبرك هذا أعظم مثبت لك في حياتك في خضم لهيب الفتن، فيجب الانتباه على هذه القضية. نعم قال رحمه الله: وشرح هذا أن النفس لا تترك محبوباً إلا لمحبوب أعلى منه، أو خشية مكروه حصوله أضر عليه من فوات هذا المحبوب.
هذه فلسفة النفس تقول لك: أنا غير مستعدة أن أترك المحبوب السفلي إلا إذا كان هناك محبوب أعلى منه أجمل، وغير مستعدة أن أترك العشق السفلي إلا إذا كان هناك ضرر سيترتب عليه أكبر بكثير من هذا العشق وأنا أخاف منه؛ فأنت ستنمي المحبوب الأعلى والخوف الأعلى باختصار. نعم قال رحمه الله: وهذا يحتاج صاحبه إلى أمرين إن فقدهما أو أحدهما لم ينتفع بنفسه؛ أحدهما بصيرة صحيحة يفرق بها بين درجات المحبوب والمكروه، فيؤثر أعلى المحبوبين على أدناهما، ويحتمل أدنى المكروهين ليخلص من أعلاهما، وهذا خاص العقل، ولا يعد عاقلاً من كان بضد ذلك، بل قد تكون البهائم أحسن حالاً منها.
لذلك بعض الناس يعني لسفه تجده يقول: يا أخي خليني أمارس العشق السفلي وبتحمل لي يوم يومين في النار، فكر النار الآخرة إيش؟ هذا تسمعه من بعض المستهترين الذي يقول لك: أنا مش مشكلة يعني لو عذبت شوي في النار، لكن خليني الآن الآن في الدنيا وأحصل عشقي. لماذا؟ لأنه هذا فقد البصيرة، فلا يميز بين مراتب المكروه، فهو يعتقد أن قضية أن يجلس في النار ساعة واحدة هذه مش مشكلة بس تحملها وربنا سبحانه بيسر في ذلك الوقت. لا تتعامل مع الموضوع بهذه الطريقة، هذا يدل أنك فاقد للبصيرة تماماً.
فإن غمسة واحدة في نار جهنم تنسيك كل نعيم الدنيا، وتعض أصابع الندم على كل علاقة أنشاتها، وعلى كل نظرة حرام فعلتها. فهنا مهم جداً ما يقوله ابن القيم، أهمية أن تكون بصيره تفرق فيها بين درجات المحبوب، فتعرف أن المحبوب الأعلى أجمل وأبهى وأفضل من المحبوب السفلي بل لا مقارنه بينهما، وأن نار جهنم يعني لا يمكن الصبر عليها، أما هذا العشق يمكن الصبر على تركها. ليس كذلك؟ يعني ماشي هذا عشق وأنا راغب في هذه الصورة السفلية، لكن ألم الصبر على فواته أخف بملايين المرات من ألم الانغماس في نار جهنم لثانية واحدة.
لكن من الذي يدرك هذا؟ من الذي يصل لهذه الدرجة من البصيرة في معرفة هذا التفاوت؟ قال: هذا يحتاج إلى إيمان، إلى إنسان تربى على القرآن، تربى على موائد العلماء على كتب أهل العلم، هذا الذي يمكن أن يصل لهذه المرتبه من التركيز والتنبيه. نعم قال رحمه الله: الثاني: قوة عزم وصبر يتمكن به من هذا الفعل والترك. نعم، كثيراً ما يعرف الرجل قدر التفاوت ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزمته على إثار الأنفع من، هذا هو المشكلة اللي إحنا أكثرنا بنقع فيها، أنه بتقول لي: أنا يا شيخ والله عارف إن النار بتخوف بس ما عنديش عزيمة أترك هذا المعشوق.
دعونا نعترف إحنا مشكلتنا في النقطة الثانية، أغلب أهل الخير والصلاح مشكلتهم في العشق المحرم أين؟ مش لأنه بقول لك: أنا مستعد أنغمس في نار جهنم من أجل المعشوق، لا بتقول: يا شيخ ترى هذه بتوديك للنار، بقول: أعوذ بالله من النار الله ينجينا ويعصمنا، فالكل يدرك أن نار جهنم أصعب بكثير من العشق السفلي، لكن وين المشكلة؟ ما في عزيمة، دائماً يفتر، كلما قاوم عشقه لهذه الصورة المحرمة وحاول أن ينفك عنها يرجع يسقط من جديد.
فإذا المشكلة الأكبر والأعماق المرتخية والهمم الضعيفة التي لا تستطيع أن تصبر وأن تشد نفسها في تلك المواطن من أجل انتظار المحبوب الأعلى والابتعاد عن المخوف الأعلى. لذلك قال الشيء الثاني: قوة عزم. اللي ما عنده عزيمة إخواني سيسقط، اللي ليس قوي ولا رجل من المؤمنين رجال، مش هيك ربنا قال: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ؟ اللي ما عنده هذه الرجولة عليه أن يفتش عنها إذا أراد أن يتخلص من العشق والصور المحرمة. نعم قال رحمه الله: ولكن يأبى له ضعف نفسه وهمته وعزمته على إيثار الأنفع من جشعه وحرصه ووضاعة نفسه وخسة همته، الله العفو والعافيه.
ومثل هذا لا ينتفع بنفسه ولا ينتفع به غيره، وقد منع الله سبحانه إمامة الدين إلا من أهل الصبر واليقين فقال تعالى، وبقوله يهتدي المهتدون: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. والصبر مر أيها الكرام، نحن نعترف أن الصبر مر وليس سهل في بدايته، لكن الإنسان يحاول أن يتصبر، ومن يتصبر يصبره الله. أنا لا أقول لك أن الصبر شيء سهل وأنظر فيها، أنا أعترف أن له مرارة، وكلنا حاول أن يصبر نفسه على ترك ذنوب ومعاصي وشهوات، فالكل يعرف طعمه وكم هو شاق على النفس.
لكن هذه المشقة تذكر أنها أهون بكثير من غمسه في نار جهنم، هي هذا الذي يجعل الإنسان يحاول أن يصبر نفسه أكثر وأكثر، ويربط نفسه أكثر وأكثر، ويتخذ الإجراءات. شوف إذا أنت اتخذت الإجراءات المساعدة أيضاً هذا يساعدك على الاستمرار في الصبر، يعني أنت لا تكون حاط كل الحرام بين يديك وقاعد بتطلع هيك على الجوال وماسك نفسك، ما هو مش راح ينفع كده، هيك بعض الشباب واقع في إدمان النظر الحرام، حاط الجوال وفاتح وسائل التواصل وقاعد بيطلع، بدو يصبر نفسه، مش راح تصبر كده، يعني ستضعف؛ لأنك أنت ما حاولت أن تغلق أو تشذب الابواب التي يدخل منها الشيطان عليك حتى تصبر نفسك.
حاول تغلق الأماكن التي يأتيك الضعف منها؛ مشكلتك في الفيسبوك؟ اترك الجوال كله، حول على جوال نوكيا هذا الصغير. مشكلتك في مكان معين بيئة معينة؟ اتركها لله حتى لو كانت بيئة عمل أو ما شابه ذلك، اتركها تماماً، بقاؤك في هذه البيئة سيجعل الصبر ضعيف ومهزوز ولا قيمة له في كثير من الأحيان لأنك ستبقى تسقط ما أنت جالس في البيئة الخطأ. إذا أردت صبر منتج هو صبر مغادرة البيئة، صبر التخلص من وسائل التواصل مثلاً جملةً، أما أن تبقى تفتحها وتاتي صورة الحرام، يلا بدي أصبر يا شيخ أنا بدي أرفع عيني عنها، ما هو أنت ليش تفتحها أصلاً؟ أنت لا تفتح الحرام أو المكان الذي ياتيك الحرام ثم تقول: الآن عم بصبر، وهذا خطا، أنت بتضحك على نفسك. الصبر يكون بمعالجة الحرام من جذوره، من معالجة نقطة الضعف.
ضعفك هل هي مكان بيئة شاشة جوال؟ في كل واحد فينا يعرف من أين يدخل الحرام، عالج المشكلة من جذرها واصبر على تركها واصبر على تركها ومعالجتها، لأنه بعض الشباب يعني بتكلم معه بمنظور تغيير جواله، مثلاً هو مصاب بداء في النظر للحرام، لما تقول له تغيير جواله بتقول لي والله شيخ صعبة هذه، يعني آه ما هو في صعبة من قال لك إن في شيء سهل؟ بدك تغير الجوال وتذهب إلى جوال ما في إمكانية أصلاً لفتح الصور، راح تقول لي صعبة، آه هو في في علاج سهل؟ في علاج ما في مرارة؟ أنت أوقعت نفسك في الحرام وتبحث لي عن علاج ولا بد ولا تريد أن تدفع الثمن، هذا في عالم الأوهام، هذا في عالم الأوهام بدك تدفع الثمن، وعليك أن تستغني عن كثير من الأمور التي هي منافذ للمعاصي إلى قلبك، هيك بتكلم عن صبر حقيقي، صبر منتج، صبر نافع، أما ما سوى ذلك فحقاً سيبقى كلام نظري إنشائي لا قيمة له.
نعم، قال رحمه الله: وهذا هو الذي ينتفع بعلمه وينتفع الناس وينتفع به الناس، وضده لا ينتفع بعلمه ولا ينتفع غيره ولا ينتفع به غيره، ومن الناس من ينتفع بعلمه في نفسه ولا ينتفع به غيره، فالأول يمشي في نوره، فالأول يمشي في نوره ويمشي الناس في نوره، والثاني -وهذا أفضل الأربعة- الذي ينتفع هو وينفع الناس.
نعم، قال: والثاني قد طفي نوره فهو يمشي في الظلمات ومن تبعه في ظلمته، الذي لا هو انتفع ولا نفع غيره.
نعم، قال: والثالث يمشي في نوره وحده، هذا اللي مين؟ هذا اللي نفع نفسه لكنه لم يستطع أن ينفع غيره، لكن أفضل من لا شيء يعني منيح، المهم أن نفع نفسه.
نعم، قال فصل: المحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب الأعلى، إذا عرفت هذه المقدمة فلا يمكن أن يجتمع في القلب حب المحبوب الأعلى وعشق الصور أبداً، يعني لا يمكن أن يجتمع حب الله وعشق الصور في قلب مؤمن، يعني حتى ترتاح وأنا أعطيك إياه من الآخر، إذا قلبك متعلق بصورة سفلية إياك أن تضحك على نفسك وتقول إني متعلق بالله، يعني بس بعطيك إياه لأنه بعضنا خادع نفسه، إذا أنت قلبك متعلق بصورة سفلية بصورة امرأة، بصورة شيء، نظرته بصديق في كذا يعني بغض النظر ما وضعك، إذا قلبك متعلق به اعلم أنه لا يمكن لا يمكن أن تكون محبة الله حقيقية في قلبك، في نعم شيء من المحبة لكنه ضعيف جداً جداً، لا يمكن أن نسميه محبة حقيقية لله سبحانه، لأن هذه قاعدة ذكرها ابن القيم: أن محبة المحبوب الأعلى -وهو الله سبحانه وتعالى- لا يمكن أن تجتمع مع عشق الصور، يا هذا يا هذا، لا يمكن أن يجتمع.
نعم، قال رحمه الله: بل هما ضدان لا يتلاقيان، بل لا بد أن يخرج أحدهما صاحبه، فمن كانت قوة حبه كله للمحبوب الأعلى الذي محبة ما سواه باطلة وعذاب على صاحبها، صرفه ذلك عن محبة ما سواه، وإن أحبه لم يحبه إلا لأجله، أو لكونه وسيلة إلى محبته، أو قاطعاً له عما يضاد محبته وينقصها، والمحبة الصادقة تقتضي توحيد المحبوب وألا يشرك بينه وبين غيره في محبته ويمقت لذلك ويبعده ولا يحظيه بقربه ويعده كاذباً في دعوى محبته، هذا في عالم الحب عموماً، يعني حتى الإنسان في عالم الدنيا إذا أحب امرأة وكان يحب غيرها يعتبر في عرف قانون الحب غير صادق، أليس كذلك؟ لأنه من صدق حبك لشخص أن تخلص له في الحب الكامل، هذا في عالم الحب الشهواني كما يقولون، فما بالك فيما هو أعظم وهو الحب التأله، حب بالعلاقة، فهذا لا يمكن أن يجتمع، أما أن يكون تأله قلبك حباً لله سبحانه وتعالى، أو يكون تأله لغيره، أما تقول لي والله أنا أتأله الله، أتأله الله محبة وأتأله عليك أن تبعده عن نفسك.
نعم، قال رحمه الله: وإذا كان المحبوب من الخلق يأنف ويغار أن يشرك محبة غيره في محبته، مع أنه ليس له أهل لصرف كل قوة المحبة إليه، فكيف بالحبيب الأعلى الذي لا تنبغي المحبة إلا له وحده؟ يعني إذا كان المحبوب السفلي يغار إذا شورك في محبته غيره، مع أن المحبوب السفلي لا يوجد فيه من الكمالات ما يستحق أن تكون المحبة موجهة إليه وحده، هذا معنى قول المحبوب السفلي: لا أنا ولا أنت ولا أي شخص في الدنيا ولا أي فتاة يمتلك من الكمالات ما يستحق بسببها أن توحده في الحب، فما بالك توحده في الحب وتترك محبة الله سبحانه، مع أن الله سبحانه هو الذي يملك كل الكمالات التي يستحق بسببها أن يوحد في حب التأله والتعلق.
نعم، قال رحمه الله: وكل محبة لغيره فهي عذاب على صاحبها ووبال، ولهذا لا يغفر الله سبحانه أن يشرك به في هذه المحبة ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فمحبة غيره عذاب على صاحبها متى كانت محبة لا تقتضي ما يحبه الله وترضيه بل تفوت محبة ما ليس له صلاح ولا نعيم ولا حياة نافعة إلا بمحبته وحده، فليختر العبد إحدى المحبتين فإنهما لا يجتمعان في القلب ولا يرتفعان منه، بل من أعرض عن محبة الله وذكره والشوق إلى لقائه ابتلاه الله بمحبه غيره فيعذبه بها في الدنيا وفي البرزخ وفي الآخرة، فإاما أن يعذبه بمحبه الأوثان، أو بمحبه الصلبان، أو المردان، أو محبة النيران، أو محبة النسوان، أو محبة الأثمان، أو محبة العشراء، أو محبة الخلايا، أو محبة الخلان، أو محبة ما دون ذلك مما هو في غاية الحقارة والهوان، فالإنسان عبد محبوبه كائناً من كان، كما قيل: أنت القتيل بكل من... كل من تعلق بشيء فهو عبده، كل من تعلق بشيء فانت عبد لهذا الذي تعلقت به، كما قال... كما قيل.
نعم، أنت القتيل بكل من أحببتَه فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي، جميل هذا البيت فخم، بقول لك: أنت القتيل بكل من أحببتَه فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي، يعني أنت إذا تعلقت بشيء ستموت من أجله، فاختر ما هو الشيء الذي تريد أن تموت من أجله؟ فاختر لنفسك في الهوى من تصطفي، بعض الناس يريد أن يموت من أجل دينار ودرهم وبئست الحياة، بعض الناس يريد أن يموت من أجل فتاة وبئست الحياة، وهناك من يموت من أجل الله الواحد الديان في ميادين المعارك والقتال وأنعم به بالبيعة، فيقول لك أنت في النهاية إذا تعلقت بشيء ستموت من أجله، فاختر الشيء الذي يستحق أن تموت من أجله وتبذل هذه الحياة وهذه الأفكار رخيصة بين يديه.
نعم، قال رحمه الله: فمن لم يكن إلهه مالكه ومولاه كان إلهه هواه، قال تعالى: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ.
نعم، قال رحمه الله فصل: العبادة هي الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، طبعا هذا كله تبع يعني كلها مواضيع واحدة، وخاصية التعبد، وخاصية التعبد الحب مع الخضوع والذل للمحبوب، فمن أحب هذا... مرة معنى أن ما تعريف العبادة؟ غاية الحب مع غاية الخضوع، فقال لك: التعبد إذا هو الحب مع الخضوع، نفس التعريف بعبارة مختصرة.
نعم، قال رحمه الله: فمن أحب شيئاً أو خضع له فقد تعبد قلبه له، بل التعبد آخر مراتب الحب، ويقال له... الحب يقولون مراتب، أن تتيم وأن تعشق... وأعلى مراتب الحب أن تصل إلى التعبد، هذه التعبد هي مرتبة من مراتب الحب في علم الحب كما يقولون، فإن الحب مراتب يعلو ويعلو حتى يصل إلى أعلاها، أن تتعبد قلبك لهذا الذي تحبه، مهما كان إلهاً أو بشراً أو ما شابه ذلك.
نعم، ويقال له: التتيم، فإن أول مراتبها العلاقة، وسميت علاقة لتعلق قلب المحب بالمحبوب، بدي أعطيك فائدة في الحب: أول مراتب الحب ايش؟ أن توجد علاقة بينك وبين شخص، هي يسموها ماذا؟ أدنى مراتب الحب، أدنى مراتب الحب بداية تشكل علاقة بينك وبين شيء، ثم قال... قال الشاعر: وعلقت ليلي وهي ذات تمائم ولم يبد
للاتراك الآخر علاقة، قلت: تعلقت في هذه الفتاة وهي ما زالت سنتين ثلاث، والآن كبرت وما زال قلبي يتعلق بها، قوله: وعلقت ليلى، يعني تعلق قلبي بحبها وهي ذات تمائم، مين اللي يوضع عليه تمائم وحب زرقا والسواليف الحجات هذول الأطفال الصغار؟ يقول: تعلقت بقلبي وهي ما زالت صغيرة، لم يخرج لها ما يخرج للنساء من الأعضاء. نعم، قال وقال الآخر: أعلاقة أم الوليد بعيد ما، أفنان رأسك كالثغامَة، ماذا؟ أفنان رأسك كالثغامَة.
لذة الحب كلها، فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي. ثم الغرام، وهو لزوم الحب، هذه المرتبة الثالثة من الحب، وهو ما يسمى الغرام. ماذا سمى كتابه ابن حجر العسقلاني؟ بلوغ المرام، تمام، فهذا الغرام ذاك، نعم، ذهب ذهني وهذا غرام، شايف كيف اختلطت الأمور شيخ حازم؟ طيب، إذن، ثم الغرام وهو لزوم الحب للقلب لزوماً لا ينفك عنه، فهذه مرتبة ثالثة من مراتب الحب، وهي أعلى من الصبابة. نعم، قال: وهو لزوم الحب للقلب لزوماً لا ينفك عنه، ومنه سمي الغريم غريماً لملازمته صاحبه، ومنه قوله تعالى: غرام في الحب وفي غرام، بده منك مصاري، فالغريب من هو الغريم في الفقه الإسلامي؟ بده منك مصاري، بنسميه ماذا؟ غريماً، لأنه يلازمك. والحب في مرتبة من مراتبه يصبح غراماً لأنه يلازم صاحبه لا يستطيع الانفكاك عنه. نعم، قال: ومنه قوله تعالى: إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا، أي ملازماً والعياذ بالله. نعم، وقد أولع المتأخرون باستعمال هذا اللفظ في الحب، وقل أن تجده في أشعار العرب.
ثم العشق وهو إفراط المحب، يعني أشعار العرب في الجاهلية العرب لا يستعملون كلمة الغرام للتعبير عن تعلقات، يستعملون التعلق كما قال عنتر: علقتها عرضاً. يستعملون التعلق، يستعملون الصبابة، لكن كلمة الغرام يعني أكثر من استعملها في الشعر المحدثون ومن الشعراء المولدون. نعم، قال: ثم العشق وهو إفراط، حرام، ننتقل للمرتبه التي تليها، وهي ماذا؟ العشق، هذا درس في مراتب المحبة، تمام. ثم العشق، وهو إفراط المحبة، ولهذا لا يوصف به الرب سبحانه ولا يطلق في حقه. نعم، يعني لا يجوز أن تقول، كما يقول للأسف بعض غلاة التصوف: أنا عاشق للإله، هذه لا تليق بمقام الإله سبحانه، لا تليق بمقام الإله أنها تدل على العلاقة الحسية الجسدية في أغلب أمورها، فلا يصح للإنسان أن يقول: والله أنا عاشق لمولاي. الله سبحانه وتعالى ليس من الأدب.
نعم، قال: ثم الشوق وهو سفر القلب إلى المحبوب، أحت السفر، بعد العشق تأتي مرتبة الشوق، طيب، وهو سفر القلب إلى المحبوب، أحث السفر. وقد جاء اطلاقه في حق الرب تبارك وتعالى، كما في مسند الإامام أحمد من حديث عمار بن ياسر أنه صلى صلاة فأوجز فيها، فقيل له في ذلك فقال: أما إني دعوت دعوات، أما إني دعوت فيها بدعوات كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن: اللهم إني أسألك علمك الغيب وقدرتك على الخلق، أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي. اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الغضب والرضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى، وأسألك نعيماً لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، وأسألك الشوق إلى لقائك. هذا موطن الشاهد: وأسألك الشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة، اللهم زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين. آمين.
قال وفي أثر آخر: طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقاً. وهذا هو المعنى الذي عبر عنه صلى الله عليه وسلم بقوله: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه. وقال بعض أهل البصائر في قوله تعالى: مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ لَاتِ، لما علم الله سبحانه شدة شوق أوليائه إلى لقائه، وأن قلوبهم لا تهدا دون لقائه، ضرب لهم أجلاً وموعداً للقائه تسكن نفوسهم به.
وأطيب العيش ولذة على الإطلاق عيش المحبين المشتاقين المستأنسين، فحياتهم هي الحياة الطيبة في الحقيقة، ولا حياة للقلب أطيب ولا أنعم ولا أهنا منها، فهي الحياة الطيبة المذكورة في قوله تعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. إذن، الحياة الطيبة ما هي؟ حياة الشوق لله سبحانه وتعالى، هكذا يقول ابن القيم. الحياة التي يعيش فيها الإنسان في الدنيا وعينه مشتاقة إلى رؤية الله سبحانه، هذه عين قرت بربها. نعم، قال رحمه الله: وليس المراد منها الحياة المشتركة بين المؤمنين والكفار والأبرار والفجار من طيب المأكل والملبس والمشرب والمنك. جملة، ابن القيم يقول لك: إياك أن تفسر الحياة الطيبة في الآية الحياة التي أنت تشترك فيها مع سائر الناس على هذا الكوكب، بعض الناس يظن: فلنحيينه حياة طيبة، يعني في أكل كثير وفي شرب كثير في الدنيا ومعي سيارات، لا لا يا أخي أنت نظرتك كثير مادية للحياة الطيبة.
الحياة الطيبة هي حياة القلب والانس بالله، ما ذكرته جيد قد يحصل، قد لا يحصل، ليس مشكلة، فإن كثيراً من علمائنا وسلفنا وكبرائنا رضوان الله عليهم ما كان عندهم مال ولا دينار ولا درهم، وكانوا في قمة الحياة الطيبة. إذن، الحياة الطيبة ليست شيء تقاس بالشيء المحسوس أو بالمادة المحسوسة، وإنما تقاس بشده شوق القلب إلى الله. الحياه الطيبة مقياسها شدة شوق القلب إلى الله، وأما المادة الحسية فإن نبينا صلى الله عليه وسلم الذي خير بين خزائن الأرض وبين أن يبقى على حاله في الدنيا، اختار أن يبقى على حاله، وترك كل خزائن الأرض، وجعل أنسه بالله سبحانه وتعالى، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
نعم، قال رحمه الله: بل ربما زاد أعداء الله على أوليائه في ذلك أضعافاً مضاعفة، كما ترون اليوم في الغرب بالحياة المادية أكثر من حياتنا إحنا، يعني حتى نكون واقعيين. فهل هم يحيون الحياة الطيبة؟ إذا كان مقياسك للحياة الطيبة المادة، فالغرب إذن في قمة الحياة الطيبة مقارنة بأهل الدنيا بأهل الإيمان. نعم، قال رحمه الله: وقد ضمن الله سبحانه لكل من عمل صالحاً أن يحييه حياة طيبة، وهو صادق الوعد الذي لا يخلف وعده. وأي حياة أطيب من حياة من اجتمعت همومه كلها وصارت هماً واحداً في مرضاة الله؟
وهذا أمر عظيم أيها الشباب، أنه يرسخ في ذهن الإنسان؛ لأن كثير من الناس يشكو من ضيق الحياة، يشكو من هم الحياة، يشكو من متاعبها ومن أجداد بلائها، فيقول لك يا شيخ: أين الحياة الطيبة لأهل الإيمان؟ أقول له: لو اجتمع قلبك على الله لما شكوت، لو اجتمع قلبك على الله ولو عرفت الله، ولو عرفت ما معنى أن تجعل الهموم هماً واحداً وهو الإقبال على الله ومرضاته، لما شكوت ولما استفسرت: أين الحياة الطيبة؟؛ لأن الحياة الطيبة هذا شيء أنت تريد أن تراه بالأبصار، لكنه شيء يكون في القلوب والارواح، تريد شيئاً بالأبصار وهذا لا يمكن. الحياة الطيبة إنما هو شيء في القلوب والأرواح، فلو كنت تعرف الدين والإيمان حقاً، ولو كنت جمعت همك على الله حقاً، لعرفت ما معنى الحياة الطيبة بدون أن تسألني.
نعم، قال رحمه الله: من اجتمعت همومه كلها وصارت هماً واحداً في مرضاة الله ولم يتشعب قلبه، بل أقبل على الله، واجتمعت إرادته وأفكاره التي كانت منقسمة بكل واد منها شعبة، فصار ذكر محبوبه الأعلى، وحبه، والشوق إلى لقائه، والانس بقربه، هو المستولي عليه، وعليه تدور همومه وإرادته وقصوده، بل وخطرات قلبه؛ فإن سكت سكت بالله، وإن نطق نطق بالله، وإن سمع فبه يسمع، وإن بصر فبه يبصر، وبه يبطش، وبه يمشي، وبه يتحرك، وبه يسكن، وبه يحيا، وبه يموت، وبه يبعث، كما في صحيح البخاري عنه صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى أنه قال: ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما
ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله كترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه.
فتضمن هذا الحديث الشريف الإلهي، الذي حرام على غليظ الطبع كثيف القلب فهم معناه والمراد به، حصر أسباب محبته في أمرين: أداء فرائضه، والتقرب إليه بالنوافل. وأخبر سبحانه أن أداء فرائضه أحب ما يتقرب به إليه المتقربون، ثم بعدها النوافل، وأن المحب لا يزال يكثر من النوافل حتى يصير محبوبا لله. فإذا صار محبوبا لله، أوجبت محبة الله له محبة أخرى منه لله فوق المحبة الأولى، فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام ب يعني أنت ابتداء أن تحب الله، فتبدأ تقرب إليه بالفرائض، ثم تزيد عليها النوافل، ثم لا تزال تترقى في النوافل حتى يحبك الله، فإذا أحبك الله ألقى في قلبك حبا له أعلى من الحب السابق.
هذا الحب الجديد الذي وقر في قلبك لله يشغلك عن التفكير في غيره، ويجمع همك عليه، فيصبح الله سبحانه وتعالى هو شغلك الشاغل في مراضيه، وماذا يريد، ومتى يأتي وقت قيام الليل حتى أؤانس به، وتنتظر حتى يخرج الناس من بيتك لتخلو مع الله، تذكر ولتحافظ على الأذكار، يصبح شغلك الشاغل الله صباحا ومساء، ليلا ونهارا، هذه ثمرة المحبة الثانية التي يلقيها الله عز وجل في قلبك. لذلك ماذا قال؟ قال: فاذا صار محبوبا لله أوجبت محبة الله له محبة أخرى فوق المحبة الأولى.
أنت كان عندك محبة أولى، الآن لما الله هو الذي أحبك منحك نوع خلينا نسميه متقدم من مراتب محبته عز وجل، هذا الحب هو الذي معناه أن يجتمع همك وشملك وحياتك على الله، فلا تعود تسأل بشيء آخر، حضر الطعام ما حضر، زوجتك طبخت ما طبخت، اليوم ايش صار، كل هذه الأمور تهون عليك. احنا لماذا نكبر أمور كثيرة من تواف الحياة الدنيا؟ لأن لسه الهم ما زال ليس واحدا، ما زال عندي هموم في ملذات الدنيا، كلما اجتمع همك على الله رأيت كل أمور الدنيا تافها، سواء دراستك الجامعية وما فيها من اختبارات، سواء حياتك الأسرية وما فيها من بلاء، سواء الطعام والشراب، كل هذا يهون لأنه أنت خلص عرفت طبيعة الدنيا، وعرفت أين الهم يجب أن يصرف، أما كلما اتسعت دائرة هموم الدنيا فعرف أنك لم تصل بعد إلى أعلى درجات المحبة الالهية.
نعم، قال رحمه الله: فشغلت هذه المحبة قلبه عن الفكرة والاهتمام بغير محبوبه، وملكت عليه روحه، ولم يبق فيه سعة لغير محبوبه البتة، فصار ذكر محبوبه وحبه ومثله الأعلى مالكا لزمام قلبه، مستوليا على روحه استيلاء المحوب على محبه الصادق في محبته التي قد اجتمعت قوى حبه كلها له. ولا ريب أن هذا المحب إن سمع سمع بمحبوبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطش ذاك الصحابي الذي حرس ليلي ووقعت السهام في قلبه واحدة بعد الأخرى ولا زال يقرا القرآن، ما اسمه؟ سبحان الله غاب عن ذهني اسمه الآن، الصحابي الذي حرس في ليلة من الليالي النبي صلى الله عليه وسلم عباد بن بشر أو شيء من ذلك، أظن عباد بن بشر.
وكان يقرأ القرآن وهو يحرس الثغر، وجاء عين للعدو فرمى بسهم فوقع في قلبه أو في صدره، ثم رمى بسهم آخر وسهم ثالث، ويرفض أن يترك الصلاة حتى ينهي آية، فلما شعر أن العدو سياتي من جهته سلم، ترك الصلاة وذهب إلى زميله الذي في النوبة فأيقظه. فقال له زميله: يعني أنت لماذا لم تنقذني من أول سهم؟ أنت انتظرت السهم الثالث؟ قال: كنت أقرأ في سورة أحبها، والله لو فاضت روحي لم أقطع الصلاة، لكنني خشيت على هذا الثغر أن يؤتى من قبلي.
هذه العقلية يا إخواني أحيانا نحن نقول عجيب، يعني في هناك انسان يفعل مثل ذلك، أحيانا الإنسان يكون يصلي، صح كلب ينبح بتلاقيه ترك الصلاة وراح وقوم الدنيا وقوم الحارة كلها، فبالتالي انسان سهم بعد سهم يقر في صدره ولا يترك الصلاة لأنه يحب أن يقرأ آية. هذا هو اللي بيتكلم عنه ابن القيم، أن هو انسان أصبح همه مش السهام التي تاتي في صدره، همه أن يكمل آية بينه وبين الله سبحانه وتعالى، يستانس بذكره، ايش هذا الحب؟ هذا نحتاج أن نجاهد حتى نصل إليه، يعني لست أنا من أصفه، لكنني أتكلم عنه لأن هذا حقيقة حب عجيب، أن يصل الإنسان لمرحلة أن لا يقطع صلاته استئناسا بذكره لله مع أن السهام تقع في قلبه، هذا هو الحب الصادق الذي نسأل الله أن يذيقنا طعمه في يوم من الأيام.
نعم، قال رحمه الله: فهو في قلبه ومعه وانيسه وصاحبه، فالباء هنا للمصاحبة، وهي مصاحبة لا نظير لها ولا تدرك بمجرد الأخبار عنها والعلم بها. فالمسألة مش هو بقول لك بعض الناس ممن كثف عقله لا يفهم هذا الحديث، يحمل هذا الحديث على الحلول أو الاتحاد، أن الله يحل في بدن محبوبه، هذا من الحمق والغباء عند بعض غلاة أهل التصوف، ليس المراد أن الله يحل بالمخلوق، وإنما المراد بباء هذه باء المصاحبة والنصرة والولاية، أنك مع الله وبالله وفي رعاية الله وفي كنفه سبحانه، فلا يصيبك شيء.
فيقول: وهذا شيء إنما يشعر به الإنسان شعورا، ولا يمكن أن يوصف علميا. يقول لك: هذا ليس شيء علمي محض، وإنما هذا شعور أنت تشعر به، أن الله معك في كل خطوة، وفي كل نظرة، وفي كل فكرة، بقول لك هذا مش مسألة علمية أشرح لك إياها، هذا يصعب أن يشرح علميا، وإنما يدرك نفسيا وشعوريا.
نعم، قال رحمه الله: وإذا كان المخلوق يجد هذا في محبة المخلوق التي لم يخلق لها ولم يفطر عليها، كما قال بعض المحبين: خيالك في عيني وذكرك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب، يعني إذا كان إنسان يعشق شخص فيقول له هذا الكلام، يقول: أنت دائما في فكري وخيالي وعقلي لا تغب عني، فإذا من باب أولى أن الإنسان إذا جمع همه على الله أن يصبح الله في كل خطوة من خطواته وفي كل مرحلة من مراحل حياته لا يغيب عنه الله عز وجل في كل قرار يتخذه، وفي كل شيء ينشئه، وفي كل مرحلة من مراحل الحياة.
وقال الآخر: ومن عجب أني أحن إليهم فاسال عنهم من لقيت وهم معي، وتطلبهم عيني وهم في سوادها، ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي، ومن عجب أني أحن إليهم فاسال عنهم من لقيت وهم معي وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاقهم قلبي وهم بين أضلعي، شوف ما عندكم هو الصحيح، نعم ما عندكم هو الصحيح وليس ما عندي، البيت هذا يجب أن يتاخر.
جميل، قال: وهذا ألطف من قول الآخر: إن قلت غبت فقلبي لا يصدقني إذ أنت فيه مكان السر لم تغب، أو قلت ما غبت، أو قلت ما غبت قال الطرف ذا كذب، فقد تحيرت بين الصدق والكذب، فليس شيء إذا سالت قلبي هل فلان غايب بيقول لك مش غايب، بس إذا سالت عيني هل فلان غايب بقول لك آه مش موجود، ما هو بقول لك أنا احتار هو غايب ولا مش غايب لأنه هو عايش في قلبي بس مش في عيني، هذا بيضبط يعني والنبي.
لواحد بحب واحدة شيء زي كده. طيب، قال رحمه الله: فليس شيء أدنى إلى المحب من محبوبه، وربما تمكنت منه المحبة حتى يصير أدنى إليه من نفسه بحيث لا ينسى نفسه، بحيث ينسى نفسه ولا ينساه، كما قيل: أريد لانسى ذكرها فكأنما تتمثل لي ليلى بكل سبيلي وقال آخر: يقول أريد أن أنسى ذكرها بس مش قادر، كل ما أمشي في طريق ألاقيها أمامي في شبحها يعني.
نعم، وقال آخر: يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل جميل. نعم، وخص في الحديث السمع والبصر واليد والرجل بالذكر؛ فإن هذه الآلات آلات الإدراك وآلات الفعل، والسمع والبصر يوردان على القلب الإرادة والكراهة، ويجلبان إليه الحب والبغض فيستعمل اليد والرجل.
فإذا كانت يعني السمع والبصر هم في نظرية المعرفة يقولون هم اللي بيدخلوا المدخلات إلى القلب والعقل، فإذا أدخلوا أشياء يحبها القلب والعقل فإن القلب والعقل سيصدر أمر لليد والرجل أنها تتحرك اتجاهه، وإذا السمع البصر والسمع أدخلوا مدخلات إلى العقل والقلب يكرهرهما العقل والقلب، فإن العقل والقلب سيصدر أوامر بالابتعاد. فبقول لك اليد والرجل تتلقى الأوامر من القلب والعقل متى؟ بعد أن يأتي وارد السمع والبصر، في مدخلات من السمع والبصر يتم ترجمتها داخلياً: هذا الشيء محبوب ولا مكروه؟ محبوب، بيطلع أمر من العقل والقلب لليد والرجل امشي.
فهو بقول لك لماذا خص الله هذه الجوارح الأربعة في الحديث، السمع والبصر واليد والرجل؟ قال لأنه هي متكففة في العمل في طريقة عملها في الحياة. نعم، قال رحمه الله: فإذا كان سمع العبد بالله وبصره بالله كان محفوظاً في آلات إدراكه، وكان محفوظاً في حبه وبغضه، فحفظ في بطشه ومشيه.
وتأمل كيف اكتفِ، إذا كان سمع العبد بالله فلا يسمع إلا ما هو نافع من القرآن، من الحديث، من مجالس العلم؛ هنا ايش المدخلات؟ مدخلات نافعة، فستكون بالتالي أوامر القلب لليد والجوارح أنها تتحرك باتجاه المساجد، مراكز التحفيظ، البرامج النافعة. لكن إذا كانت المدخلات اللي بدخلها البصر والسمع صور محرمة وموسيقى وأغاني وفجور؛ هنا ستصدر الأوامر من القلب للجوارح نحو المقاهي، نحو الجلسات الفارغة. فانت بدك تعرف وين عم تتحرك، اعرف أنه هذا بناء على المدخلات اللي أدخلها السمع والبصر إلى قلبك وعقلك.
نعم، قال رحمه الله: وتأمل كيف اكتفى بذكر السمع والبصر واليد والرجل عن اللسان؛ فانه إذا كان إدراك السمع الذي يحصل باختياره تارة وبغير اختياره تارة، وكذلك البصر قد يقع بغير بغير الاختيار فجأة، يعني هناك أشياء أنت بتسمعها باختيارك، وفي أشياء غصباً عنك بتسمعها وانت ماشي في الطرقات، كذلك البصر هناك أشياء أنت تختار تنظر إليها وفي المقابل هناك أشياء تفرض عليك كنظرة الفجأة.
نعم، قال: وكذلك حركة اليد والرجل التي لا بد للعبد منهما، فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا بقصد واختيار؟ آه، بقول لك شو الفرق بين كل الجوارح واللسان؟ أنه الجوارح في لها حركات اعتيادية، في حركات عفوا حركات اختيارية وحركات غير اختيارية، إلا اللسان. اللسان بقول لك لا يتحرك إلا حركة ايش؟ أنت اللي بتحركه وأنت اللي بتوقفه، يعني واحد لما يكون ساكت ما بحسش إنه اللسان جوا بعب لحاله يعني صح ولا لا؟ إلا يكون في مرض يعني، لكن إنه اللسان وحده هكذا يتحرك صعب، بخلاف السمع والبصر فانه قد تحصل حركات غير اختيارية فيها.
نعم، قال رحمه الله: وقد يستغني العبد عنها إلا حيث أمر بها، وايضا فإن انفعال اللسان عن القلب اتم من انفعال سائر الجوارح، فانه ترجمانه ورسوله. وتأمل كيف حقق تعالى كون العبد به عند سمعه وبصره وبطشه ومشيه بقوله: كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، تحقيقاً لكونه مع عبده وكون عبده به، وكون عبده به في إدراجات بسمعه وبصره وحركاته بيده ورجله.
طبعا هو لماذا قارن بس من فهم ما سبب المقارنه بين بين البصر والسمع واليد والرجل من جهه واللسان؟ يعني ما سبب المقارنة السابقة؟ هو بقول لك لماذا لم يذكر اللسان مع أنه ذكر سائر الجوارح؟ أنتم فهمتم لماذا ذكر ذلك؟ أنا مريت عليها ونسيت أعلق. هو لما قال: وكذلك حركة اليد والرجل منها اعتيادية ومنها غير اعتيادية، فكيف بحركة اللسان التي لا تقع إلا بقصد واختيار؟ طب ايش ايش يعني إذا لماذا لم يذكر اللسان وتعطينا النتيجة النهائية؟
إذا لماذا لم يذكر اللسان في الحديث؟ قال: فبي يسمع وبي يبصر وبي يمشي وبي يبطش، لماذا ما قال طب به يتكلم؟ فهمتم لماذا لم يقل في الحديث وبي يتكلم؟ آه. أيوه شيخ، أحسنت؛ إنه لما ذكر السمع والبصر مع أنهم قد تكون حركاتها اختيارية وغير اختيارية ويقول فيصبح السمع والبصر بكل حركاته الاختيارية وغير الاختيارية بالله، فما بالك باللسان الذي لا تكون حركاته إلا اختيارية فالتوفيق فيها سيكون من باب أولى حاضراً؟
يعني إذا كان الله يقول بي يسمع، مع أنه السمع زي ما قلنا قد تسمع شيء باختيارك وقد تسمع شيء بدون اختيارك، قد تقع عينك نظرة فجأة في مكان خطأ وقد تقع باختيارك وإرادتك، فإذا كنت ستصبح تبصر بالله فيما يكون باختيارك وحتى في الأمور اللي مش باختيارك يصرفك الله عن أي خطأ وعن أي زلة وعن أي إشكال، فاذا اللسان الذي لا يكون إلا باختيار حركته لا تكون إلا بالاختيار، من باب أولى أن يحصل فيه ماذا؟ العصمة والصيانة والولاية الإلهية له. فهو يقول: تركه لأنه من باب أولى ستحصل فيه العصمة؛ لأن حركته لا تكون إلا من جنس الاختيار.
نعم، قال رحمه الله: وتأمل كيف قال: فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش، ولم يقل: فلي يسمع ولي يبصر ولي يبطش؟ آه، شوف الله عز وجل شو قال في الحديث: بي يسمع وبي يبصر وبي يبطش سبحانه وتعالى، ولم يقل: لي يسمع. هسه ايش الفرق بين بي يسمع ولي يسمع؟ إذا قلت بي بمعونته ونصرتي، تمام. لي يعني من أجلني. يعني ايش الفرق بين حرف الجر لي وبين حرف الجر بي؟ إذا قلت بي استعانة وولاية، إذا قلت لي معناتها غاية وقصد. فالله عز وجل ركز على العون والتولي ولم يركز على الغاية والقصد، ليه؟ لنفس الفكرة اللي ذكرناها، لأنه إذا كان بعونه وولايته فشيء طبيعي أن تكون له، صحيح؟ إذا كنت تسمع به فيكون سمعك له، فإذا قال بي يسمع إذا شيء طبيعي أن يكون له، فاستغنى ببي عن لي.
نعم، قال رحمه الله: وربما يظن الظان أن اللام أولى بهذا الموضع. قد يقول شخص لو كانت لي يسمع كانت أبهج من بي، فبد يرد ابن القيم على هذا: إذ هي أدل على الغاية ووقوع هذه الأمور لله، وذلك أخص من وقوعها به، وهذا من الوهم والغلط.
إذا ليست الباء ها هنا لمجرد الاستعانة، فإن حركات الأبرار والفجار وإدراكهم إنما هي بمعونة الله لهم، وإنما الباء ها هنا للمصاحبة جميل. يقول إذا بي يسمع وبي يبصر هذه ليست باء فقط للاستعانة، فإن حتى الكفار حركاتهم اليومية بعون الله، ما فيش شيء بدون عون الله، فيقول: هي باء أعلى من الاستعانة، هي باء المصاحبة والملازمة والمعية الخاصة عند أهل السنة، المعية الخاصة اللي هي التأييد والتوفيق للحركات الصائبة والصرف عن الحركات الخاطئة، هذه أعلى من مجرد أو مطلق الاستعانة.
نعم، قال رحمه الله: أي إنما يسمع ويبصر ويبطش ويمشي وأنا صاحبه ومعه، كقوله في الحديث الآخر: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه. وهذه وهذه المعية هي المعية الخاصة في قوله تعالى: لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وقول النبي صلى الله عليه وسلم ما ظن لأن الله هو مع كل أحد مع المؤمن والفاجر، فما معنى قوله عليه الصلاة والسلام في الغار إن الله معنا؟ لا، هنا يقصد المعية الخاصة معنا أي يؤيد وينصرنا ويعيننا ويرعانا.
نعم، فهذه مقام أعلى من مقام المعية العامة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما ظنك باثنين الله ثالثهما، وقوله تعالى: وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ، وقوله: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ.
وقوله: وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ. وقوله: كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ. وقوله تعالى لموسى وهارون: إِنَنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى. فهذه الباء مقيدة لمعنى هذه المعية دون اللام، ولا يتأتى للع... هذه الباء مفيدة، مش مقيدة، مفيدة لمعنى المعية، وأما اللام لو قال: ليسمع، ما راحت هذه المعية أو ما استفدنا من مص... نعم.
قال: فهذه الباء مفيدة لمعنى هذه المعية دون اللام، ولا يتأتى للعبد الإخلاص والصبر والتوكل ونزوله في منازل العبودية إلا بهذه الباء وهذه المعية. جميل، يعني لن ترسخ في مقام العبودية لله إلا إذا حصلت لك هذه المعية الخاصة من الله، لن ترسخ في مقامات العبودية في مقام الخوف والرجاء والتوكل والخشية إلا إذا كان الله معك هو الذي يدفعك إلى هذه المقامات ويثبتك فيها.
فإذاً عليك أن تطلب المعية قبل أن تطلب الرسوخ؛ لأنه بدون معية لن يكون رسوخ. نعم، قال رحمه الله: فمتى كان العبد بالله هانت عليه المشاق، وانقلبت المخاوف في حقه أماناً، فبالله يهون كل صعب، ويسهل كل عسير، ويقرب كل بعيد، وبالله تزول الهموم والغموم والأحزان، فلا هم مع الله ولا غم ولا حزن إلا حيث يفوته معنى هذه الباء، فيصير قلبه حينئذ كالحوت إذا فارق الماء يثب وينقلب حتى يعود إليه. يصبح قلبك زي السمكة إذا طلع من المية يتعطش لها، الباء مهمة، إياك أن تفقد الباء في حياتك، باء المعية الخاصة.
نعم، قال رحمه الله: ولما حصلت هذه الموافقة من العبد لربه في محابه، حصلت موافقة الرب لعبده في حوائجه ومطالبه. وهذا مفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: احفظ الله يحفظك. عندما كنت وقافاً عندما يحبه الله، كان الله واقفا معك فيما تريد وتطلبه.
يقول: لما حصلت الموافقة من هذا العبد لربه فيما يحبه الله وما يريده، فقمت ووقفت عند حدود الله، حفظت الله في الرخاء حفظك الله ووقف معك عندما طلبت الحوائج منه سبحانه وتعالى. تعرف على الله في الرخاء يعرفك في الشدة، هذه المعادلة.
نعم، فقال: ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه. أي: كما وافقني في مرادي بامتثال أوامري والتقرب إلي بمحابي، فانا أوافقه في رغبته ورهبته فيما يسألني أن أفعله به ويستعيذني أن يناله. وقوي أمر هذه الموافقة من الجانبين حتى اقتضى ذلك... حتى اقتضى ذلك تردد الرب سبحانه في إماتة عبده؛ لأنه يكره الموت، والرب تعالى يكره ما يكرهه عبده. لما كملت... لما كمل هذا الاتفاق في علاقة العبد مع الله وعلاقة الله عز وجل مع عبده، لما كمل الاتفاق فالعبد يقف عند حدود الله والله يعطيه سؤله. وصل الأمر كما جاء في الحديث أن الله يكره قبض روح عبده، لماذا؟ لأن العبد لا يحب الموت، والله يكره أن يسيء له أو أن مساءته، كما جاء، هذا لا يصل إلا مع شدة العلاقة بين العبد وربه والرب بعبده.
نعم، قال: فمن هذه الجهة يقتضي أن لا يميته، ولكن مصلحته في إماتته؛ فإنه ما أماته إلا ليحيي، ولا أمرض إلا ليصحه، ولا أفقر إلا ليغنيه... إلا ليعطيه، ولم يخرجه من الجنة في صلب أبيه إلا ليحيده إليها. فهذا هو الحبيب على الحقيقة لا سواه، بل لو كان في كل منبت شعرة من العبد محبة تامة لله لكان بعض ما يستحقه على عبده... يعني أنت لن تكمل أو لن تعطي الله سبحانه ما يستحق أصلاً من مقامات المحبة لو كانت كل شعره في شعراتك فيها محبة لله لن توفي الله ما يستحقه من مقامات الحب سبحانه جل شأنه.
نعم، قال: نقّل فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحب إلا للحبيب الأولِ كم منزل في الأرض يألفه الفتى وحنينه أبدا لأول منزلِ
الجنة التي هي منازلنا الأولى وفيها المخيم. قال: واما آخر مراتب الحب، احنا عرفنا مراتب الحب تبدأ بالعلاقة، ثم الصبابة، ثم الغرام، ثم العشق، ثم الشوق، ثم الآن ماذا سيقول؟ قال: ثم التتيم، وهو التعبد وهو آخر مراتب الحب.
نعم، قال: ذكر شيء بعد الشوق؟ الشوق ثم التتيم.
نعم، قال رحمه الله: ثم التتيم، وهو آخر مراتب الحب، وهو تعبد المحب لمحبوبه، يققال: تيم الحب. هذه المرتبة لا تصح إلا لله؛ يعني المراتب الأخرى من المحبة، لأنه بعض الناس يقول: طيب يا شيخ، أنا ألا أحب زوجتي؟ ألا أحب أبنائي؟ الآن ما دون هذه المرتبة من مراتب المحبة ما عندنا مشكلة، تصرفها لزوجتك لأبيك لأمك لأبنائك ما عندنا مشكلة معها الإنسان يحب، وهذا من فطرته. فلو كان... فلو كنت تحب والدك ووالدتك وزوجتك وأبنائك حب علاقة، حب صبابة، حب غرام، دبر نفسك ما عندنا مشكلة، لكن هي الأخيرة أوعك! هذه الأخيرة لا تكون إلا لله، وهو حب التعبد، أعلى مراتب الحب، هذه هي التي يقول عنها لا تصلاح إلا لله.
فليس المراد أن تلغي المحبات الأخرى، لكن المراد ألا تبلغ بمحبتك الأخرى هذه الدرجة الأخيرة من المحبة، وهي درجة التتيم، اللي هو التعبد في الحب، فهذه لا تصلح إلا لمقام الله سبحانه وتعالى.
نعم، قال رحمه الله: يقال: تيمه الحب، إذا عبده، ومنه تيم الله، أي عبد الله. وحقيقة التعبد الذل والخضوع للمحبوب، ومنه قولهم: طريق معبد، أي مذلل قد ذلته الأقدام. فالعبد هو الذي ذلله الحب والخضوع لمحبوبه، ولهذا كانت أشرف أحوال العبد ومقاماته هي العبودية، فلا منزل له أشرف منها. وقد ذكر الله أكرم الخلق عليه وأحبه إليه وأحبهم إليه وهو رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف مقاماته، وهو مقام الدعوة إليه، ومقام التحدي بالنبوة، ومقام الإسراء. فقال سبحانه: وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا.
وإخواني الكرام، إن فهم العبودية بالطريقة التي يشرحها ابن القيم حقيقة ملحظ عظيم عظيم في بناء الإيمان في القلب. فالعبد إذاً هي ليست مجرد ذل وخضوع، العبودية هنا إذا نحن نتكلم عنها باعتبارها أعلى مراتب الحب، فإن بعض الناس لما يسمع كلمة عبودية إنما يتصور القيد والأسير والتكليفات، وابن القيم يقول لك: لا، هذا تصور غير صحيح، العبودية ليست قيد وأسر، العبودية قبل كل شيء هي مر... هي أعلى مراتب الحب وأعلى مراتب التعلق بالله، وهي الحرية الحقيقية لأنك أطلقت قلبك من التعلق بكل المخلوقين وعبدته لمن يستحق هذا المقام وهو الله سبحانه، هذه الحرية الحقيقية.
وأما الحرية الزائفة التي يتكلم عنها ارباب الشهوات فهو كذب؛ فإنهم متعبدون، لكنهم متعبدون للشهوات، للفروج، للنساء، للحرام، فقلبه متعبد ومأسور لا يستحق الأسر. وأما إذا تعبدت وأحببت وتعلقت بالحبيب الأعلى سبحانه وتعالى فهذه حرية عن كل الدنيا وتعلق بمن يستحق هذا المقام الرفيع. فالعبودية بهذا المفهوم اجمل بكثير من الطرح الذي يطرحه البعض أن العبودية تكاليف ومسؤوليات، يعني لما تطرح العبودية للناس بهذه النظرة أنت تشوه هذا مقام ولا تعطيه منزلته.
العبودية حب لله قبل كل شيء وتعلق بالله قبل كل شيء، لكنه حب ممزوج بالخضوع، هذه هي الفكرة. وأما أن تصور للناس أن العبودية هي مجرد تكاليف ومسؤوليات أنت يعني أنقصت جمالية هذا المقام في عيونهم.
نعم، قال: وقال تعالى: وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ. وقال تعالى: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ. وفي حديث الشفاعة: اذهبوا إلى محمد عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فنال مقام الشفاعة بكمال عبوديته وكمال مغفرة الله له.
والله سبحانه خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، التي هي أكمل أنواع المحبة مع أكمل أنواع الخضوع والذل، وهذا هو حقيقة الإسلام وملة إبراهيم التي من رغب عنها فقد سفه نفسه. وقال تعالى: وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ۖ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ
بعدي قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون. ولهذا كان أعظم الذنوب عند الله الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به؛ لأن الشرك هو ماذا؟ هو تزاحم في مقام العبودية، وتزاحم في تعلق القلب لغير الله، وهذا لا يقبله الله سبحانه.
نعم، قال: وأصل الشرك بالله الإشراك به في المحبة؛ كما قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباًّ لِلَّهِ. فأخبر سبحانه أن من الناس من يشرك به فيتخذ من دونه ندًّا يحبه كما يحب الله، واخبر أن الذين آمنوا أشد حبا لله من أصحاب الأنداد.
وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبا من أصحاب الأنداد لله، فإنهم إن أحبوا الله، لكن لما شركوا بينه وبين أنداد في المحبة ضعفت محبتهم لله. يعني هذه الآية اختلف المفسرون في معنى قوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُباًّ لِلَّهِ، اختلفوا في تفسيرها على قولين: القول الأول: أن المؤمنين يحبون الله أكثر من حب أصحاب الأنداد لأندادهم، أن المؤمنين يحبون الله أكثر من حب عباد الأصنام لأصنامهم، هذا فهم.
وقيل: بل المعنى أنهم أشد حبا لله من حب أصحاب الأنداد لله؛ فإن كفار قريش هل كانوا يحبون الله؟ إيش رايكم؟ نعم، لكنهم كانوا يحبون معه الأصنام، فكان حبهم موزعا وليس خالصا لجهة واحدة، فلما كان حبهم موزعا لله وللأصنام ضعف بالتأكيد حبهم عن حب المؤمنين لله؛ لأن المؤمنين أخلصوا الحب للمعبود الحق سبحانه واحدا لا شريك له.
والله عز وجل اعتبر توزيع هذا الحب، حب التعبد، شركا وكفرا يخلص صاحبه في النار، ما فيها مزح، حب التعبد ما في مجال تقسمه بين الله وبين غيره، بين الله وبين زوجتك، بين الله وبين والدك ووالدتك، بين الله وبين مالك، لا مجال، حب التعبد لله، فإذا انقسم بين الله وغيره أصبح كفرا يخلد صاحبه في النار والعياذ بالله.
نعم، قال رحمه الله: والموحدون لله لما خلصت محبتهم له كانت أشد من محبة أولئك. والعدل برب العالمين، والعدل برب العالمين والتسوية بينه وبين الأنداد إنما يكون بالتسوية في هذه المحبة كما تقدم. العدل برب العالمين يعني أن تعدل بالله غيره، وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، يعدلون يعني يعدلون بالله غيره من الأصنام والرجال وما شابه ذلك.
ولما كان نعم قال رحمه الله: ولما كان مراد الله من خلقه خلوص هذه المحبة له، أنكر على من اتخذ من دونه وليا أو شفيعا غاية الإنكار، وجمع ذلك تاره وأفرد أحدها عن الآخر، فقال تعالى: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، فنفى في هذه الآية وجود شفيع بدون إذنه.
نعم، وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، الولي والشفيع، جمع هنا بين نفي الولي والشفيع.
نعم، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ، نفى الولي والشفيع. وقال في إفراد الولاية أو إفراد الشفعاء عفوا نعم: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً، فنفى الشفاعة هنا وحدها.
وقال تعالى: مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئاً وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ، فنفى هنا وجود ماذا؟ ولي سوى الله.
فهو يريد أن يقول: اعتقادك أن هناك وليا أو شفيعا بدون إذن الله هو شرك في المحبة؛ لأن قلبك سيتعلق بهذا الولي، صنما، بشرا مقدسا، ما شابه ذلك، أو اعتقادك أن هناك شفيعا يستطيع أن يشفع بدون إذن الله هو مزاحمة في قلبك لله سبحانه وتعالى، فلا يخلص مقام الحب لله حتى تعتقد عدم وجود ولي ولا شفيع إلا بإذن الله سبحانه وتعالى، فهو صاحب الأمر من قبل ومن بعد.
نعم، قال رحمه الله: فاذا والى العبد ربه وحده، أقام له الشفعاء وعقد له الموالاة بينه وبين عباده المؤمنين فصاروا أولياءه في الله. الولاية والشفاعة إنما تتحصل بعد تحصيل مقام الحب لله، يعني توحيد الحب لله هو الذي يجعل لك أولياء من المؤمنين ينصرونك ويعينونك، وتوحيد الحب لله هو الذي يجعل لك شفعاء يقيمهم الله يوم القيامة للشفاعة فيك والدعوة لك وما شابه ذلك.
نعم، قال: بخلاف من اتخذ مخلوقا وليا من دون الله فهذا لون وذاك لون، كما أن الشفاعة الشركية الباطلة لون، والشفاعة الحق الثابتة التي إنما تنال بالتوحيد لون، وهذا موضع فرقان بين أهل التوحيد وأهل الشرك، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
والمقصود أن حقيقة العبودية لا تحصل مع الإشراك بالله في المحبة، بخلاف المحبة لله فإنها من لوازم العبودية وموجباتها، فإن محبة الرسول بل تقديمه في الحب على الأنفس والآباء والأبناء لا يتم الإيمان إلا بها؛ إذ محبته من محبة الله، وكذلك كل حب في الله ولله، كما في الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ، وفي لفظ في الصحيحين: لَا يَجِدُ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ إِلَّا مَنْ كَانَ فِيهِ ثَلَاثُ خِصَالَ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ.
وفي الحديث الذي في السنن: مَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ. وفي حديث آخر: مَا تَحَابَّ رَجُلَانِ فِي اللَّهِ إِلَّا كَانَ أَفْضَلُهُمَا أَشَدَّهُمَا حُبّاً لِصَاحِبِهِ.
فإذا من مكملات محبة الله أن يكون حبك لإخوانك لله، من مكملات محبة الله أن تحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسك ووالدك وولدك والناس أجمعين، فإذا هناك مكملات لمحبة الله هنا يركز عليها.
قال: فإن هذه المحبة من لوازم محبة الله وموجباتها، فإذا كنت محبا لله حقا فسيكون أي محبة لأي أخ في هذه الحياة الدنيا بناء على محبة الله لأنها تابعه لها.
نعم، قال: وكلما كانت أقوى كان أصلها كذلك. نعم، قال رحمه الله تعالى: فصل: أربعة أنواع المحبة. وها هنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضل من ضل بعدم التمييز بينها.
أحدها: محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله. طب إيش إذا المشركين كانوا يحبون الله؟ نعم. طب إيش مشكلتهم إذا؟ لماذا دخلوا النار؟ لماذا لا تحصل النجاة؟ أنهم أشركوا؛ يعني كانوا يحبون الله، لكنهم لا يخلصون الحب له فيجعلون لغير الله نصيبا من حب التعبد والتذلل.
الثاني: محبة ما يحب الله، وهذه هي التي تدخله في الاسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقوم بهذ المحبة وأشدهم فيها. آه، إذا المرتبة الأولى أن تحب الله وهذا يفعله حتى المشركون والنصارى، فأنت لم تخط الخطوة الأساسية، الخطوة الأساسية التي تدخلك في هذا الدين أن تحب كل ما يحبه الله، فالله يحب أن يوحد في الحب، ويحب أن يطاع، ويحب أن ينقاد له، فمحبة هذه الأمور يقول ابن القيم: هي التي تدخلك في أسوار الشريعة؛ لأنك تحب كل شيء يحبه بدءا من التوحيد إلى أقل شيء أمرك الله به.
نعم، قال: الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحب، ولا تستقيم محبة ما يحب إلا بالحب فيه وله. نعم، لا تستقيم محبة الله حتى تجعل كل المحبات الأخرى في الله ولله، فتكون كلها تبعا لهذه المحبة الإلهية.
نعم، قال: الرابع: المحبة مع الله، وهي ها المشكلة، المشكلة في الرابعة التي هي المحبة الشركية، أن تسوي
شيء آخر في الحب؛ فتحبه حب تعبد كما تحب الله، حب تعبد هذه مشكلة تجعلك تقعد في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً. نعم، قال: وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئاً مع الله لا لله ولا من أجله ولا فيه فقد اتخذه نداً من دون الله، وهذه محبة المشركين.
وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه، وهو المحبة الطبيعية، وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه، كمحب العطشان للماء والجائع للطعام، ومحبه النوم والزوجة والولد، فتلك لا تذم إلا إذا ألهت عن ذكر الله وشغلت عن محبته، كما قال تعالى. إذا هو لم يجعل يعني كما قلت الزوجة والابناء يجوز أن تحبهم محبة غير التعبد، محبة علاقة، محبة صبابة، محبة غرام ما عندنا مشكلة.
وهو يصنفها ابن القيم ضمن أي نوع من أنواع المحبة الطبيعية؟ اللي بقول لك حتى لو لم تستحضر فيها أنها لله ما عندي مشكلة، بقول لك هي محبة فطرية، لو لم يستحضر الإنسان في محبته لزوجته أو أولاده أنها محبة لله، لم يستحضر هذا المعنى؛ هي تبقى ضمن الأمور الفطرية، كما يحب الإنسان الطعام والشراب والقهوة واللي كذا، يعني هذه ليس مطلوب منك أن تستحضر في كل تفاصيلها أنها لله، وإن كان لو استحضّر الإنسان فيها هذا لكان أجمل وأعلى، لكن في النهاية أنت غير مؤاخذ على عدم استحضار هذا لأنها بطبيعتها فطرية، لذلك سماها المحبة الطبيعية الفطرية. نعم، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ، وقال تعالى: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ.
الآن سينتقل للمتبقي الأخيرة من مراتب المحبة، وهي الخلة، وهذه لا يحصلها إلا الكبار، حصلها إبراهيم عليه السلام خليل الله، وحصلها النبي عليه الصلاة والسلام. هذه نتركها لمجلس قادم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل