تسجيل الدخول

الدرس 27

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد؛ هذا هو الدرس السابع والعشرون من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.

وصل الكلام إلى اسم الفاعل، وما زال الحديث موصولًا فيما يعمل عمل الفعل، فذكر المصنف أن هناك سبعة أبواب أو سبعة أسماء يعمل كل واحد منها عمل الفعل، فسبق الكلام في اسم الفعل وفي المصدر، الثالث هو اسم الفاعل. قال رحمه الله تعالى: واسم الفاعل كضارب ومكرم، فإن كان بالألف واللام عمل مطلقًا، أو مجردًا فبشرطين: كونه حالًا أو استقبالًا، واعتماده على نفي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف. وباسط ذراعيه على حكاية الحال خلافًا للكسائي، وخبير بنو لهب على التقديم والتأخير، وتقديره خبير كظهير خلافًا للأخفش. والمثال، هذا هو الرابع وهو ما حوّل للمبالغة من فاعل إلى فعّال أو فعول أو مفعال بكثرة، أو فعيل أو فاعل بقلة، نحو: أما العسل فأنا شرّاب.

قال في الشرح: النوع الثالث من الأسماء العاملة عمل الفعل اسم الفاعل، ثم ذكر تعريفه فقال: وهو الوصف الدال على الفاعل الجاري على حركات المضارع وسكناته. هذا تعريف لاسم الفاعل، فهو وصف؛ والوصف يعني أنه مشتق ليس جامدًا، ليس كالمصدر واسم المصدر وأسماء الأجناس، إنما هو مشتق، وصف مشتق يدل على الفاعل. قال الدال على الفاعل؛ هو على حدث وفاعل قام بهذا الحدث، ضارب يدل على شيء، ضارب ضرب، هذا هو الفاعل الضارب ويدل على حدث وهو الضرب. قال الوصف الدال على الفاعل الجاري على حركات المضارع وسكناته، دراسته تكون في الصرف، لكن المصنف تكلم فيها وهو من الصرف القليل كما ذكرت لكم؛ تكلموا عن الصرف قليلًا في هذا الكتاب وخصوصًا في ثنايا الكلام، فهذه المسألة إن شاء الله سيتكلم عليها وسأحاول أن أفك عبارة المصنف في شرط، وإلا فدراسة هذه الأشياء تكون في التصريف.

قال: كضارب ومكرم، ضارب من ضرب ومكرم من أكرم، فيأتي من الثلاثي المجرد كضارب، ومن الثلاثي المزيد كمكرم من أكرم، كذلك ومن الرباعي كمدحرج ومزل، ومن الخماسي منطلق ومنتصر، ومن السداسي كذلك مستخرج ومستغفر، فيأتي من كل الأفعال، من الثلاثي والرباعي المجرد والمزيد. قال ولا يخلو إما أن يكون بأل أو مجردًا منها؛ اسم الفاعل إما أن يكون فيه أل، وإما أن يكون مجردًا منها. قال: فإن كان بأل عمل مطلقًا ماضيًا كان أو حالًا أو مستقبلًا. تقول: جاء الضارب زيدًا أمس أو الآن أو غدًا، لماذا جاز في كل الأحوال؟ قال: وذلك لأن أل هذه موصوله، وضارب حال محل ضرب إن أردت به المضي، أو يضرب إن أردت به غيره، والفعل يعمل في جميع الحالات، فكذا ما حل محله.

وسبق الكلام في الموصولات، أن الموصولات منها ما هو خاص ومنها ما هو مشترك؛ الخاص: الذي والتي واللذان والتان والذين واللتين (يعني رفعًا ونصبًا وجرًا) والذين والألى واللاتي واللائي، والمشترك: من وما وذو وذا وأي وأل، هذه تكون موصوله؛ وذلك إذا كانت صلتها وصفًا مشتقًا كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة وصيغة المبالغة. فهذه أل تكون موصوله بمعنى الذي، جاء الضارب زيدًا أمس يعني جاء الذي ضرب زيدًا أمس، جاء الضارب زيدًا الآن يعني جاء الذي يضرب زيدًا الآن، جاء الضارب زيدًا غدًا يعني جاء الذي يضرب زيدًا غدًا؛ فكان ضارب، كان ضاربًا، أزيل ووضع محله فعل، والفعل يعمل في كل حال، فهذا هو سبب إعماله إذا كان بأل. أما إذا لم يكن، فحينئذ لا بد له من شرطين.

قال الشاعر امرؤ القيس: القاتلين الملك الحلاحل خير معد حسبًا ونائلًا قاتلين هذا نعت لقبيلتين ذكرهما قبل ذلك، قال في أوله: والله لا يذهب شيخي (يعني أباه) الذي قُتل وكان ملكًا، والله لا يذهب شيخي باطلًا حتى أُبير أي أهلك، حتى أُبير مالكًا وكاهلًا القاتلين، يعني حتى أُبيد هؤلاء القوم من هاتين القبيلتين القاتلين الملك الحلاحل، والحلاحل بمعنى السيد والعظيم والشجاع والمطاع في قومه وما أشبه ذلك. القاتلين الملك الحلاحل خير معد حسبًا ونائلًا، هكذا يزعم وكل يزعم لأبيه مثل هذا، هل كان أبوه خير معد؟ هذا في نظره، ومعد القبيلة المعروفة هو ولد عدنان وإليه ينسب نبينا صلى الله عليه وسلم في نسبه، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إلى معد بن عدنان كما هو معلوم. الشاهد فيه قال: القاتلين الملك الحلاحل، القاتلين الملك يعني الذين قتلوا الملك؛ فهذا كان معناه المضي القاتلين الملك أنه قاله بعد مقتل أبيه، وقال: القاتلين الملك، وأعمله فالملك مفعول به للقاتلين، وقاتل بمعنى قتل يعني الذين قتلوا الملك، هذا اسم فاعل عمل عمل فعله.

وكذلك فيما يعمل عمل الفعل وهو بأل: ﴿لَّٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 162]. المقيمين اسم فاعل، واسم الفاعل هو مقيم وجاءت فيه الياء والنون له جمع مذكر سالم، الصلاة مفعول. والمؤتون الزكاة، المؤتون أيضًا اسم فاعل والزكاة مفعول به، أما لماذا قال المقيمين والمؤتون فهذا له مبحث آخر؛ يعني ليس هذا محله فالكلام فيه يطول جدًا، لكن على كلٍ الخلاصة المقيمين إما أن تكون مجرورة وإما أن تكون منصوبة، ﴿بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ يعني يؤمنون بالله سبحانه وبالكتب وبالملائكة، وهذا اختيار الطبري عليه رحمة الله، المقيمين هنا (أعني) أن تكون منصوبة يعني وأخص المقيمين الصلاة، هذه الخلاصة.

قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، الحافظين يعني الذين يحفظون فروجهم أو الذين حفظوا فروجهم، هذا أو ذاك؛ ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، إن الذين أسلموا أو يسلمون والذين آمنوا والذين حفظوا فروجهم، وكذلك ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ إذا ذكر الله كثيرًا فهذا يصلح.

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75]، الظالم أهلها يعني التي ظُلمنا أهلها، التي ظُلمنا أهلها، ظالم اسم فاعل أهلها فاعل، والأمثلة بعد ذلك.

قال: وإن كان بغير أل فإنما يعمل بشرطين، وجد اسم فاعل مجردًا من أل ليس فيه ألف ولام، فإنما يعمل بشرطين، لا بد من توفر الشرطين جميعًا حتى يعمل، قال أحدهما: أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، هذا هو الشرط الأول لا بمعنى المضي، وخالف في ذلك الكسائي وهشام وابن مضاء. الكسائي سبق التعريف به، علي بن حمزة الإمام المعروف صاحب القراءة وصاحب النحو، هو إمام في القراءة وإمام في العربية، وهشام وأبو عبد الله هشام بن معاوية الكوفي هو تلميذ الكسائي توفي سنة 209، والكسائي توفي سنة 189، وابن مضاء هذا عالم مشهور جدًا واشتهر بمخالفته للنحويين. قُل أو قل اشتهر بمخالفته للنحويين جميعًا أكد يعني الكلام؛ فله كتب أشهرها أشهر كتبه كتاب اسمه "الرد على النحاة"، فكان يخالف النحويين جميعًا ويميل إلى مذهب أهل الظاهر في النحو، كما كان يميل إلى مذهب أهل الظاهر في الفقه، ويؤخذ من قوله ويُترك كغيره؛ يعني أحيانًا نخالفهم في بعض التعليلات العلل ويكون مصيبًا في ذلك وأحيانًا يعني يكون الصواب معهم، فهذا يؤخذ منه ويُرد، أحيانًا الناس يفرحون كثيرًا بالمخالف لا، المخالف تعرف هذا أحيانًا وأحيانًا. ابن مضاء كنيته أبو العباس واسمه أحمد بن عبد الرحمن، هو من علماء القرن السادس الهجري، توفي سنة 592.

ماذا قال هؤلاء الأئمة؟ قال: فأجازوا إعماله إن كان بمعنى الماضي؛ يعني أجازوا إعمال اسم الفاعل في كل أحواله إذا عمل بمعنى وهو ماض، فهو عمل في كل أحواله وإن لم يكن فيه ألف ولام. طيب، هل لهم من دليل؟ نعم استدلوا بكتاب الله تعالى، قال: واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ [الكهف: 18]، ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾، أين الشاهد في لقولهم؟ قالوا: باسط اسم فاعل، باسط فاعل بسط يبسط فهو باسط، ذراعيه قالوا: هذا مفعول به، لم يقل الله تعالى كلب باسط ذراعيه بالإضافة لأن الذي لا يعمل يقول لك في مثل هذا تقول: زيد ضارب عمرٍو أمس، تجعلها من باب المضاف المضاف إليه، لكن إذا قلت عفوا تقول لا في مثل هذا يقولون لا هو اعتمد ضارب، ضارب عمرًا، زيد ضارب عمرًا أمس، قالوا هنا اعتمد يعني. قال هنا قال تعالى: ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ فلم يعتمد وعمل بمعنى الماضي، فتقول زيد ضارب عمرًا أمس؛ لم يعتمد أو اعتمد، اعتمد فهو خبر لمبتدا فهو معتمد على مخبر عنه، لكنه ليس بالألف واللام فأخذ شرطًا وفقد شرطًا.

يبقى باسط اسم فاعل وذراعيه مفعول به، وباسط ليس فيه ألف ولام. طيب هو بمعنى المضي؟ نعم بمعنى المضي لأن الكلام فيما سبق في أهل الكهف ﴿وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾. فبماذا أجاب الجمهور؟ قال: وأجيب بأن ذلك على إرادة حكاية الحال، هذا كلام ماض نعم لكنه على كأنه يقول الكلام على أنه حال محكية، بعضهم يعني يتحاشى حكاية الحال هذه للخلاف المعروف الذي يذكره بعضهم في أن القرآن حكاية عن كلام الله أو عبارة عن كلامه، فتحاشى مثل هذه الكلمة التي فيها حكاية الحال، فلكن هو كأنه يجعل الكلام كله كأنه حاضر، ويدل على ذلك الآية؛ فالآية يقول الله تبارك وتعالى فيها: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، هذا كلام للماضي؟ لا هذا يخاطب به المخاطبين كأنهم يرون هذا، وهذا يعني بعضهم يجعله من باب التصوير القرآني للمواضيع كأنك تراها، هذا من محاسن القرآن؛ يقص عليك القصة فكأنك تستشعر أحداثها وتدير أحداثها في ذهنك، ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾، ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، كأنك ترى هذا أمامك واقعًا، لم يقل وقلبناهم ذات اليمين، ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ قال: وكلبهم يبسط ذراعيه بالوصيد، ليس معنى بسط، فكل الكلام هكذا لو اطلعت عليهم خلاص انتهى أمرهم، كأنه قال لو اطلعت عليهم الآن، هذا معنى حكاية الحال، في قص علينا الخبر وكأنه واقع حالي يعاش، هذا جواب الجمهور.

قال: ألا ترى أن المضارع يصح وقوعه هنا، تقول: وكلبهم يبسط ذراعيه، بلى هذا واقع ويدل على إرادة حكاية الحال أن الجملة حالية، والواو واو الحال، جزء الواو واو الحال، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ ولم يقل وقلبناهم، هذا مما يدل على ذلك، إذا خلاصة ذلك هذه المسألة مسألة خلافية، وهي إعمال اسم الفاعل بمعنى المضي، اعتمد أو لم يعتمد الاعتماد فيه خلاف سيأتي وكونه بغير ألف ولام فيه خلاف، أسبق إذا كان بمعنى الماضي أو بمعنى المضي.

قال الشرط الثاني: أن يعتمد على نفي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف؛ فإذا اعتمد على شيء من ذلك عمل، إذا لم يعتمد لم يعمل. إذا قلت مثلًا قائم زيد، هل يصح لك أن تقول قائم مبتدأ وزيد فاعل سد مسد الخبر؟ لا، سبق قبل هذا أن هذا لا يصح، حتى يصح تقول أقائمٌ زيد، أو أقائمٌ الزيدان كما يقولون هذا أو ذاك، اعتمد على استفهام ولا بد أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، إذا قيل قائم زيد أمس، انتفى منه الأمران، إذا قيل أقائمٌ زيد أمس انتفى أمر واحد، فلا بد من اجتماع الأمرين جميعًا.

قال: أن يعتمد على نفي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف. مثال النفي قوله قول الشاعر: خليلي ما وافٍ بعهدي أنتما إذا لم تكونا لي على من أقاطع قال: ما وافٍ بعهدي أنتما، إذا لم تكونا لي على من أقاطع، ما وافٍ بعهدي أنتما؛ وافٍ اسم فاعل، قال: فأنتم فاعل بوافٍ، قال لاعتماده على النفي، ما وافٍ، يعني لستما وافيين لي بالعهد إن لم تكونا لي على أعدائي.

ومثال الاستفهام قوله: أقاطنٌ قومُ سلمى أم نووا ظعنًا... بقية البيت إن يظعنوا فعجيب عيش من قطن فهذا اعتمد على استفهام، أقاطنٌ، أقائمٌ، أقاطنٌ، اسم فاعل اعتمد على همزة الاستفهام، قومٌ هذا فاعل، فاعل لاسم الفاعل.

قال ومثال اعتماده على المخبر عنه؛ يعني هناك مبتدأ أُخبر عنه باسم الفاعل أو هناك اسم إن أُخبر عنه باسم الفاعل أو خبر اسم كان أُخبر عنه باسم الفاعل، هذا معنى كونه معتمدًا على مخبر عنه، ويعني ذلك بأن يكون اسم الفاعل نفسه خبرًا عن مبتدأ، فالمبتدأ هو المخبر عنه المبتدأ أو ما حل محل المبتدأ كاسم إن واسم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، وهذا الذي يريده، النسخة عندي جاءت على رواية حفص إن الله بالغٌ أمره، هذه رواية حفص وحده، وقرأ الجمهور قرأ الجميع إلا حفصًا ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ وهذا هو الذي يريده المصنف، يريد هذه القراءة ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ﴾، أما بالغ أمره فهذا على الإضافة ليس فيه إعمال اسم الفاعل. فبالغ، والبالغ فيه هنا فيه ضمير يعود على الله تعالى، بالغ أمره.

قال ومثال اعتماده على الموصوف قولك: مررت برجل ضاربٍ زيدًا، وقول الشاعر: إني حلفتُ برافعينَ أكفَّهم بين الحطيم وبين حوضِ زمزمِ طيب، مررت برجل ضاربٍ زيدًا، ضارب اسم فاعل وزيدًا مفعول به له، على أي شيء اعتمد؟ اعتمد على الموصوف الذي قبله برجل.

رافعين هو اسم فاعل، وهو مفعوله أكفهم. على أي شيء اعتمد؟ اعتمد على موصوف محذوف، أي: بقوم رافعين.

وهناك أمثلة كثيرة لإعمال اسم الفاعل عمل فعله في كتاب الله تعالى، وإن لم يكن فيه أل، فسبقت الأمثلة التي فيها الألف واللام، ومن الأمثلة التي ليس فيها أل قول الله تبارك وتعالى: ﴿آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: 16]، المتقين في جنات وعيون آخذين ما آتاهم ربهم، وهذا معناه الاستقبال كما هو معلوم، يعني آخذين في الآخرة وقابلين ما أعطاهم الله عز وجل من الكرامة بسبب إحسانهم؛ هذا أصح القولين، وقيل: آخذين بما آتاهم ربهم، آخذين ما آتاهم ربهم يعني عاملين في الدنيا بما أمرهم الله به، هذا إحسانهم.

وكذلك: ﴿إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [العنكبوت: 34]، رجزًا مفعول به لأي شيء؟ لقوله منزلون، ومنزلون اسم فاعل، واعتمد هنا على مخبر عنه، إنا منزلون، منزلون خبر لاسم إن.

قال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: 46]، قال أرَاغبٌ أنت، هذا أحد القولين، راغب اسم فاعل وعمل في الضمير الذي بعده على الفاعلية واعتمد على استفهام، يعني أترغب أنت.

قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْتُمُهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: 283]، آثم قلبه، آثم اسم فاعل وقلبه فاعل به، وهذا أمثلته كثيرة، قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَمُوفُوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: 109]، وقال تعالى: ﴿فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات: 66].

قال بعد ذلك: وذهب الأخفش إلى أنه يعمل وإن لم يعتمد على شيء من ذلك. سبق التعريف بالأخفش هو سعيد بن مسعدة عليه رحمة الله، والأخفش الأوسط إذا أطلق، واستدل بقول الشاعر: خبير بنو لهب فلا تك ملغيًا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت.

خبير بنو لهب، هؤلاء قوم من العرب كانوا معروفين بالعيافة وزجر الطير، وهذا شيء نهى عنه ديننا العظيم، هذا من التطير، لكن هم كانوا مشهورين بهذا صدقوا أم كذبوا، لكن هم كانوا مشهورين، قال: فلا تك ملغيًا مقالة لهبي، لا تلغي مقالة لهبي إذا الطير مرت، فإذا قال لك هذا حسن فهو حسن، إذا قال لك هذا سيء فهو سيء، وهكذا، هذا من الجاهلية، والحمد لله على نعمة الإسلام، بدلنا الله عز وجل أحسن من ذلك بركعتي استخارة دون الذي ذكروه من التطير والتشاؤم والاستقسام بالأزلام وما أشبه ذلك، كل هذا نستخير ربنا تبارك وتعالى، ونستشير الصالحين المصلحين الأقرباء المحبين لنا الخير، وحينئذ الواحد منا يعتمد على الله تبارك وتعالى ويتوكل على ما شاء، يرى الاستشارة والاستخارة بضد ذلك، ولا يتطير ولا يتشاءم ولا يستقسم بالأزلام.

قال الشاهد فيه: خبير بنو لهب، ماذا قال الأخفش؟ الأخفش قال: خبير مبتدأ وبنو لهب فاعل سد مسد الخبر، ماذا فعل؟ جعل كلمة خبير وهي وإن لم تكن اسم فاعل، يعني يمكن أن تقول هي اسم فاعل ويمكن أن تقول هي صفة مشبهة، وهذا أحسن، صفة مشبهة، لكن على كل الباب كله واحد، إذا اعتمد شيء من هذه الأشياء أو إذا لم يعتمد شيء من هذه الأشياء فالباب كله يطرد، هذا الطرد يقال طردًا للباب على وتيرة واحدة، فكثيرًا ما يقيسون اسم المفعول على اسم الفاعل، الصفة المشبهة على اسم الفاعل، وهكذا، فإذا صح شيء في هذه الأمور صح في الجميع غالبًا.

فقال: خبير عامل فيما بعده، قيل له: هذا لم يعتمد على شيء، ليس فيه ألف ولام وليس فيه اعتماد على نفي أو نهي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف، ليس فيه اعتماد على شيء من ذلك، ولو كان بمعنى الاستقبال لا يحتاج إلى أل فإنه ليس معتمدًا. قال: لا، هو يعمل بغير اعتماد، هذا قوله، وبماذا رد عليه؟ أو كيف قال؟ وذلك لأن بنو لهب، قد يقول قائل المفروض يقول لأن بني لهب، لا في مثل هذا هو يأتي بالكلام على حكايته، هذا اسمه الكلام على حكاية الحال، سيتكلم عنه المصنف بإذن الله تبارك وتعالى في هذا الدرس، قال: لأن بنو لهب، ويجوز في الكلام أن تقول لأن بني لهب، لكن هو يريد حكاية الحال لأن بنو لهب فاعل بخبير، مع أن خبيرًا لم يعتمد، وأجيب بأننا نحمله على التقديم والتأخير، هذا جواب الجمهور، يقولون: لا، أصل الكلام بنو لهب خبير، يعني بنو لهب خبراء، يعني اعترض على هذا الذي قال بنو لهب خبير، لا، قولوا بنو لهب خبراء، أو فلان خبير، لكن تقولون بنو لهب وهم جماعة خبير وهو مفرد، هذا يعني كأنه اعتراض للأخفش.

فردوا هذا الاعتراض بأن الوصف الذي على وزن فعيل يأتي للمذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع بلفظ واحد. قال الله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: 4]، وقال: ﴿لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: 17]، مع ذلك قال قريب ولم يقل قريبة، فقالوا فعيل يأتي في أحيان كثيرة للمفرد والمثنى والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، قال: فبنو لهب مبتدأ وخبير خبره، هذا على التقديم والتأخير: بنو لهب خبير. ورد بأنه لا يخبر بالمفرد عن الجمع، هذا الاعتراض على الجمهور، وأجيب بأن فعيل قد يستعمل للجماعة كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ﴾، إذاً فهذه مسألة خلافية كما رأيتم.

قال: النوع الرابع من الأسماء التي تعمل عمل الفعل أمثلة المبالغة، هي التي تسمى صيغ المبالغة وهي خمسة: فعال، وفعول، ومفعال، وفعيل، وفعل. تأتي على فعال، وعلى فعول، وعلى مفعال، وعلى فعيل، وعلى فاعل، وهذه الأوزان هي أوزان صيغ المبالغة، وأحيانًا يكون هذا الوزن أو وزن منها للصفة المشبهة، هذه الأشياء قد تتداخل أحيانًا.

قال الشاعر: أخا الحرب لباسًا إليها جلالها ... وليس بولاج الخوالف أعقلا. لباسًا، هل قال لابس أو لابسا؟ لا، إنما قال لباسًا، يعني يلبس كثيرًا، يلبس دروع الحرب كثيرًا ولا يخاف من الحرب، لا يشجبن ولا يقعد مع الخوالف، فقال: لباسًا إليها جلالها، فجلالها دروعها ولامة الحرب، مفعول به لأي شيء؟ ليس هناك فعل وليس هناك اسم فاعل، قالوا للصيغة للمبالغة التي هي لباس، وقال: لباسًا إليها جلالها، مفعول به لصيغة المبالغة أو لمثال المبالغة.

وقال الآخر: ضروب بنصل السيف سوق سمانها ... إذا عدموا زادًا فإنك عاقر. وهذا يروى لأبي طالب، ضروب بنصل السيف سوق سمانها، ما الذي نصب سوق؟ سوق جمع ساق، يعني استوى على سوق، ولا يضرب الناقة الهزيلة إنما يضرب الناقة الفتية السمينة، ضروب بنصل السيف سوق سمانها، سوق مفعول به لضروب، يعني يضرب سوق هذه النوق، فهذا مفعول به لضروبه، وعلى وزن فعول.

وقالوا: إنه لمنحار بوائكها، أي أنه كثير النحر للنوق السمان الحسان، فمن أسماء الناقة أو من صفاتها أنها تكون بائكة بمعنى أنها ثمينة حسناء قوية شديدة، أيضًا هذا ينحر هذه النوق، ينحر النوق الهزال، وهذا محمود عند العرب، أنه لمنحار، منحار صيغة مبالغة من نحر، نحر ينحر فهو ناحر، إذا نحر كثيرًا فهو منحار، ضرب يضرب فهو ضارب، إذا ضرب كثيرًا فهو ضروب كما في السابق، ضروب، لبس يلبس فهو لابس، إذا لبس كثيرًا فهو يقال فيه لباس، لباسًا إليها جلالها، ضروب بنصل السيف سوق سمانها، منحار بوائكها.

وقالوا أيضًا: الله سميع دعاء من دعاه، سميع، أما أن يقال السميع هنا صفة مشبهة لأن هذه صفة لازمة لله تعالى لا تنفك عنه، أو يقال بمعنى الكثرة فهي صيغة مبالغة، هذا صحيح وهذا صحيح، وعلى كل ما جاز هنا يجوز هنا، فالذي ورد في كتاب الله: والله سميع الدعاء، سميع الدعاء مضاف ومضاف إليه، يجوز في هذا النصب نعم، كما قالوا والله سميع دعاء من دعاه، دعاء مفعول به لسميع.

وقال الشاعر: أتاني أنهم مزقون عرضي ... جحاش الكرملين لها فد شاهد. أنهم مزقون عرضي، يعني يمزقون عرضي، لكن قال مزقون، فاعلون، مزق فعل وعرضي مفعول به لهذه الصيغة لصيغة المبالغة.

والذي أعرفه في كتاب الله تعالى من هذه الصيغ أنها ترفع فاعلًا مستترًا، يعني لا يحضرني شاهد، وقد يكون هذا لقلة البحث، لكن لا يحضرني شاهد في إعمال صيغة المبالغة في فاعل ظاهر بعدها أو في مفعول به يكون بعدها، هذا لا أعرفه كهذه الأمثلة يعني: لباسًا إليها جلالها، ضروب سوق سمانها، مزقون عرضي، منحار بوائكها، سميع دعاء، كل هذا فيه مفعول به، لكن مثل هذا لا أعرف له شاهدًا، قد يكون، ومن كان عنده أو من وجد فليتحفنا به جزاه الله خيرًا، لكن يقال هناك موجود فيه فاعل مستتر يكون في هذه الصيغة.

ومن أشهر ذلك قول الله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107]، وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد. فعال لما يريد، الغفور صيغة مبالغة من غفر، غفر يغفر فهو غافر، غافر الذنب وقابله غفور، هذه صيغة مبالغة، غفار أيضًا صيغة مبالغة، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَىٰ﴾ [طه: 82]. فالذي أعرفه في كتاب الله إما أن يكون رافعًا لضمير، وإما أن يأتي بعده المفعول به، لكن فيه حرف جر، وإني لغفار لمن تاب وآمن، فعال لما يريد، قد يكون موجودًا، لكن بحسب بحثي لم أجد، لكن على كل هو صحيح وموجود في كتاب الله تعالى، فهو قال هذا الضمير الموجود فيه فعال، يعني فعال هو سبحانه وتعالى لما يريد، هذا الضمير في محل رفع على الفاعلية.

طيب فاعل لأي شيء؟ ليس هناك فعل، إنما هنا هناك صيغة مبالغة عملت عمل الفعل لأنها محمولة على اسم الفاعل، هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل.

قال: وأكثر الخمسة استعمالًا، هذا استطراد يعني فيما يعمل كثيرًا وفي بعض الخلاف لكن الأمثلة بشواهدها مرت، هذا استطراد، قال: وأكثر الخمسة استعمالًا الثلاثة الأول، وهي فعال وفعول ومفعال، هذه الثلاثة الأول، وأقلها استعمالًا الأخيران، وهما فعيل وفاعل، وكلها أي هذه الخمسة كلها تقتضي تكرار الفعل، فلا يقال ضراب لمن ضرب مرة واحدة، وكذا الباقي يعني تفيد الكثرة.

قال: وهي في التفصيل والاشتراط كاسم الفاعل سواء، يعني هي سواء كاسم الفاعل، كيف في التفصيل والاشتراط؟ يعني إذا كانت بأل فإنها لا تحتاج إلى أي شيء، تعمل مطلقًا سواء كان للماضي أو للحالي أو للاستقبال، وإذا لم تكن بأل فإنما تعمل بشرطين: الأول أن تكون بمعنى الحالي أو الاستقبال، والثاني أن تعتمد على نفي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف، هذا معنى قوله وهي في التفصيل والاشتراط كاسم الفاعل سواء، يجوز فيها الرفع ويجوز فيها النصب، يعني هي كاسم الفاعل سواء.

وإعمالها قول سيبويه وأصحابه، يعني هذا مذهب البصريين، وحجتهم في ذلك السماع، ما دليلكم؟ قالوا هذه الأدلة الكثيرة التي سمعتموها، والحمل على أصلها وهو اسم الفاعل عندهم دليلًا، قالوا عندنا هذه الشواهد، هذه الأدلة التي سبق بعضها، وكذلك هي محولة عن اسم الفاعل فتعمل عمله، قال: لأنها محولة عنه لقصد المبالغة. ولم يجز الكوفيون إعمال شيء منها، لماذا؟ لمخالفتها لأوزان المضارع ولمعناه، يقولون تخالف أوزان المضارع وتخالف معنى المضارع، أما اسم الفاعل فهو يجري على حركات المضارع وسكناته كما سبق وكما يأتي، هو سبق مجملًا وسيأتي مفصلًا، يعني سيتكلم المصنف عن جريان المضارع اسم الفاعل على حركات المضارع وسكناته في غير باب اسم الفاعل، يعني سيلجئه إليه الكلام عند الكلام عن الصفة المشبهة والفرق بينها وبين اسم الفاعل، قالوا فاسم الفاعل يجري على حركات المضارع وسكناته فوزنه موافق، أما هذه الصيغ فليست جارية على ذلك، وكذلك تخالف معناه، هذه الصيغة تفيد أنه فعل ذلك كثيرًا، والمضارع لا يلزم منه هذا في كل مرة.

وحملوا نصب الاسم الذي بعدها على تقدير فعل، ومنعوا تقدير قيامها مقامها، حمله على تقدير فعل يعني أنه لمنحار بوائكه، يعني أنه لمنحار ينحر بوائكه، الله سميع يسمع دعاء من دعاه، ضروب بنصل السيف يضرب سوق سمانه، وهذا غريب على مذهب الكوفيين، فالكوفيون يفرحون بالبيت الواحد والبيتين ويطيرون به بالبيت والبيتين كل مطار وينشئون عليه قاعدة، فكيف مع كثرة هذه الشواهد لم ينشئوا هذه القاعدة؟ وأولوا على خلاف مذهب، فأحيانًا تجد مثلًا بعض العلماء ليس مضطردًا في مسألة ما، فخالف بهذه المسألة ما قعده قبل ذلك، لا تشن عليه كثيرًا، ولا كل من أهل العلم كان كذلك، ولا بد لكل واحد من زلة وما أشبه ذلك، ليس أخطأ فيها لا، خالف فيها مذهبه، خالف فيها أصوله، قعد شيئًا وجاء في موضع آخر وجاء بمسألة تخالف التقعيد العام الذي قعده، فمثل هذا يحتمل لأهل العلم، فأهل العلم بشر، أكثر يصيبون ويخطئون كما يصيب الناس ويخطئون، لكن حسنتهم أكثر وإصابتهم أكثر وخطؤهم مقبول منهم وهم مأجورون عليه، مقبول بمعنى أنه لا يأثمون به إذا كانوا مجتهدين، مأجورون عليه أجرًا واحدًا من الله سبحانه، فما علينا نحن كمقلدين أو على أعظم أحوالنا أن نكون متبعين إلا أن نترحم لهم ونقبل أقوالهم ونسأل الله تعالى أن يحشرنا في زمرتهم، أما أن نشن عليهم ولم نصل إلى رتبتهم نشن.

وكيف نحكم؟ منع الكوفيون تقديم المعمول على هذه الصيغة، صيغة المبالغة، مع أنهم يقولون إنها لا تعمل. قالوا: مع ذلك أيضاً حتى هذا المعمول الذي ليس معمولاً لها يمتنع تقديمه عليها. ويرد عليهم قول العرب: أما العسل فأنا شراب. وكما قال ابن مالك عليه رحمه الله: ومهما يكن من شيء وفى لتلو تلوها وجوباً ألف يعني أما تكون في غالب الأحوال بمعنى مهما يكن من شيء، فمعنى الكلام: أنا شراب العسل. لكن قال: أما العسل فأنا شراب؛ فشراب هي التي عملت في العسل.

ولم يجز بعض البصريين إعمال فعيل وفعل، وهي أقلها استعمالاً. وأجاز الجرمي أبو عمر صالح بن إسحاق البصري -توفي سنة 225 عليه رحمه الله وعلى الأمة جميعاً- أجاز إعمال فاعل دون فعيل؛ لأنه على وزن الفعل، على وزن الماضي، يعني فعل: علم وفهم، وهكذا كعالم وفهم. هذا هو الخلاف بينهم؛ بعضهم أعملها جميعاً، وبعضهم لم يعملها جميعاً، وبعضهم أعمل بعضها دون بعض، والصواب إعمالها جميعاً والله تبارك وتعالى.

واسم المفعول كمضروب ومكرم يعمل عمل فعله، وهو كاسم الفاعل. هذا هو النوع الخامس من الأسماء التي تعمل عمل الفعل، اسم المفعول كمضروب ومكرم. مضروب مفعول من الثلاثي، ومن الرباعي مكرم مفعل، وأصله مُؤْكْرَم، حذفت الهمزة لعلة تصريفية. وقالوا فيه من الرباعي مدحرج ومُزل، ومن الخماسي منطلق، ومن السداسي مستغفر ومستخرج.

تتغير صيغة اسم المفعول، يكون بضم الحرف الأول وبفتح الحرف الأخير من الرباعي والخماسي والسداسي: مكرم، منطلق، مستخرج؛ تضم الميم ويفتح الحرف الأخير، كما كان يفعل في الفعل الذي يبنى لمن لم يسمَّ فاعله، في النائب عن الفاعل كان يضم حرف المضارعة، ينطلق، يكرم، يستخرج، ويفتح الحرف الذي قبل الآخر. هنا تضم الميم التي بدل حرف المضارعة، وأيضاً يبقى الحرف الذي قبل الآخر مفتوحاً.

وهو كاسم الفاعل فيما ذكرنا، يعني كل الذي كان لاسم الفاعل يأتي هنا؛ إذا كان بأل عمل مطلقاً، وإذا كان بدون أل عمل بالشروط المذكورة: أن يكون بمعنى الحال أو الاستقبال، وأن يعتمد على نفي أو استفهام أو مخبر عنه أو موصوف. تقول: جاء المضروبُ عبدُه، يعني جاء الذي ضُرب عبدُه، وترفع العبد؛ جاء المضروبُ عبدُه، هل يلزم فيه الحال أو الاستقبال؟ لا، جاء المضروبُ عبدُه أمسِ أو الآن أو غداً؛ فترفع العبد بمضروب على أنه قائم مقام فاعله، كما تقول: جاء الذي ضُرب عبدُه. ولا يختص إعمال ذلك بزمان بعينه؛ لماذا؟ لاعتماده على الألف واللام.

وتقول: زيد مضروبٌ عبدُه، فتعمله فيه إن أردت به الحال أو الاستقبال، ولا يجوز أن تقول: مضروبٌ عبدُه، وأنت تريد الماضي خلافاً للكسائي كما سبق؛ الكسائي خالف في اسم الفاعل الذي هو الأصل وكذلك في هذا، ولا أن تقول: مضروبٌ الزيدان، لعدم الاعتماد خلافاً للأخفش. هي المسألة هي هي تتكرر، فاسم الفاعل واسم المفعول يدرسان معاً في كل شيء في مثل هذا؛ غاية ما هنالك أن المرفوع لاسم الفاعل يكون فاعلاً، كأنه: أثِم قلبه، راغبٌ أنت على أحد القولين، ما وافٍ بعهدي أنتما، وهكذا: قاطنٌ قومُ سلمى، سواء في القرآن أو في الحديث أو في أشعار العرب هكذا. غاية الأمر أن المرفوع بعد اسم الفاعل يعرب فاعلاً، أما المرفوع بعد اسم المفعول فيعرب نائباً عن الفاعل.

هل لذلك أمثلة في كتاب الله؟ نعم، أنا حضرت في هذا ثلاثة أمثلة لإعمال اسم المفعول عمل فعله، ولرفع النائب عن الفاعل بعده. قد يكون هناك أمثلة أخرى، لكن هذا بحسب بحث ما وجدته. قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60]. الشاهد فيه: ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. لماذا قُلوبُهم؟ أنا هذا سمعته، لماذا خرج هكذا من الجر إلى الرفع؟ ذلك رجع الجر مرة أخرى ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾. لا، ﴿الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، قلوبهم ليست متعلقة باللام ﴿لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ﴾؛ يعني وللمساكين وللعاملين عليها. أما القلوب فليست متعلقة بالمؤلفة، يعني والذين أُلِّفت قلوبهم، أو والذين تُؤلَّف قلوبهم، أُلِّفت أو تُؤلَّف، هذا أو ذاك؛ لأنه بالألف واللام فيعمل حالاً واستقبالاً ومضياً. يبقى إذاً إنما الصدقة لهؤلاء وهؤلاء وللذين تُؤلَّف قلوبهم، ﴿وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ﴾، فقلوبهم نائب فاعل للمؤلفة الذي بمعنى الذين أُلِّفت أو تؤلَّف قلوبهم.

قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50]. الابواب وقفنا هكذا بالسكون، طب إذا أردنا أن نكمل نقول: الابوابُ، الابوابُ. جنات عدن مفتحة لهم الابوابُ، متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة ما شاء الله. الابوابُ رفع، طب لماذا رفعت؟ الابوابُ نائب فاعل لقوله مفتحة، مفتحة يعني تفتح لهم الابوابُ، الابوابُ نائب عن الفاعل، تُفتح يفتحها الملائكة بأمر الله تعالى، يفتحها الله كما شاء؛ هي مفتحة كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73] في القراءة الأخرى ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، هناك فتحت ابوابها، أو على قراءة التشديد فُتِّحت ابوابها، ابوابها نائب عن الفاعل، فهنا أيضاً هو نائب عن الفاعل، هناك نائب عن الفاعل للفعل الذي لم يسمَّ فاعله، هنا نائب عن الفاعل لاسم المفعول الذي وقع موقع هذا الفعل: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ﴾.

كذلك قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ﴾ [هود: 103]، وذلك يوم مشهود. مجموع له الناس يعني يجمع له الناس، وذلك يوم مشهود؛ هو هذا معروف، يعني اسم الفاعل واسم المفعول أن يأتي وأن يكون فيه ضمير هذا كثير، اليوم الموعود، موعود هو كذلك، ذلك يوم مشهود مشهود هو، هذا كثير، لكن أن يرفع نائباً عن الفاعل ورد في هذه الآيات الثلاث، وقد يكون في آيات أخرى كثيرة لكن أنا أبحث منذ زمن رابع، فلا أجد.

قال بعد ذلك: والصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد، وهي الصفة المصوغة لغير تفضيل لإفادة الثبوت، كحسن وظريف وطاهر وضامر، ولا يتقدمها معمولها، ولا يكون أجنبية، ويرفع على الفاعلية أو الإبدال، وينصب على التمييز أو التشبيه بالمفعول به، والثاني يتعين في المعرفة، ويخفض بالإضافة. إذاً الكلام الآن عن الصفة المشبهة. قال النوع السادس من الأسماء العاملة عمل الفعل: الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد. هي صفة ليست اسماً جامداً، إنما هي وصف دل على حدث وصاحب لهذا الحدث، مصوغة لغير تفضيل.

هناك صفة مصوغة للتفضيل كأعلم، يقول: زيد أعلم من عمر؛ أعلم هذه ليست صفة مشبهة، إنما هي أفعل تفضيل، هذا أفضل من هذا. أما يقال هذا فلان: هذا حسن الوجه، هذا شيء ثابت له، لا تقصد أنه أحسن وجهاً من فلان، لو قلت أحسن من فلان أحسن تكون أفعل تفضيل، قلت هو حسن الوجه، هو كثير العلم، إذاً مثل هذه الأشياء لا تفيد التفاضل مع غيرها. هذه هي الصفة المشبهة مصوغة لغير تفضيل، لماذا صيغت كذلك؟ قال: لإفادة نسبة الحدث إلى موصوفها دون إفادة الحدوث؛ فاسم الفاعل يفيد إفادة الحدوث، زيد ضارب عمراً الآن أو غداً أو أمس، أياً كان على الخلاف الذي بينهم في إعماله مضياً، زيد ضارب عمراً، معنى ذلك أنه يضربه الآن، ضربه قبل ذلك، سيضربه بعد ذلك، وانتهى الأمر. أما زيد حسن الوجه، حسن الوجه هذا ملازم له، إذاً فالصفة المشبهة تفيد نسبة الحدث إلى موصوفها، تفيد نسبة الشجاعة ففلان شجاع، تفيد نسبة الشجاعة إليه، ليس معناه أنها حصلت له الشجاعة في لحظة ثم انتهت، لا، ضرب فلاناً في ساعة من النهار في وقت معين وانتهى الأمر، لم يكن قبل ذلك ضارباً له ولم يكن بعد ذلك ضارباً له، بخلاف الشجاعة، بخلاف الكرم، بخلاف حسن الوجه، بخلاف الجبن عياذاً بالله، هذه الأشياء، العفة، كل هذه الأشياء إنما هي ملازمة للموصوف بها.

فالصفة المشبهة تكون لإفادة نسبة الحدث إلى الموصوف، ليس لإفادة الحدوث أنه حدث مرة وانتهى الأمر، لا، حدث أو يحدث عدة مرات. حتى كصيغ المبالغة لا، الصفة المشبهة تفيد أن هذا حدث مستمر ملازم لصاحبه. قال مثال ذلك حسن في قولك مررت برجل حسن الوجه، فحسن صفة، لأن الصفة ما دل على حدث وصاحبه، وهذه كذلك رجل حسن الوجه، حسن الحسن حدث، وهذا الرجل هو صاحب هذا الحسن، قال وهذه كذلك وهي مصوغة لغير تفضيل قطعاً؛ إذا قلت مررت برجل حسن الوجه، أنت لم تقل هو أحسن من فلان أو فلان أحسن منه فهي ليست للتفضيل، لأن الصفات الدالة على التفضيل هي الدالة على مشاركة وزيادة كأفضل وأعلم وأكثر وهذه ليست كذلك واضح.

طبعاً هذا سيأتي الكلام في صفحتين طويلتين، عندي بهذا القطع الكبير في صفحتين، ربما كان عندكم في عدة صفحات، الكلام كله استطراد في تعريف الصفة المشبهة وبيان تعريف هو انتهى من التعريف في بيان تعريف الصفة المشبهة وفي بعض ما تشبه به اسم الفاعل، ولذلك سميت مشبهة به أو مشبهة له وفي بعض ما تخالفه. والكلام في هذا والتطويل فيه أيضاً محله التصريف، لكن هو أطال في هذا واستطرد هذا الاستطراد، إن شاء الله أحاول أن أفك عبارته أيضاً سريعاً إن شاء الله.

قال وإنما صيغت لنسبة الحدث إلى موصوفها وهو الحسن، واضح نسبة الحدث إلى موصوفه وأنه ثابت له وليست صيغة لإفادة الحدوث، لإفادة معنى الحدوث، يعني إذا قيل ضارب، هذا لإفادة معنى الحدوث الذي حدث، مضروب هذا ضُرِب وهذا ضرب، أما الحسن فلم يكن عاراً، إنما هو ثابت له، ونني بذلك أنها تفيد أن الحسن في المثال المذكور ثابت لوجه الرجل وليس بحادث متجدد. هذا معنى واضح، وهذا بخلاف اسمي الفاعل والمفعول، فإنهما يفيدان الحدوث والتجدد، ألا ترى أنك تقول: مررت برجل ضارب عمراً، فتجد ضارباً مفيداً لحدوث الضرب وتجدده، وكذلك مررت برجل مضروب أيضاً حدث له الضرب أن ضُرِب فهذا حدث، ليس معنى هذا أنه مضروب من أول حياته إلى آخره، هذا ليس موجوداً. إذاً فهناك فرق بين هذه الصفة وبين اسم الفاعل من هذا الوجه.

قال وإنما سميت هذه الصفة مشبهة؛ لأنها كان أصلها أنها لا تنصب، كان أصلها أنها لا تنصب، هذه الصفة وجد العلماء أنها تنصب في بعض في قليل من كلام العرب، وجدوا أنها تنصب شيئاً بعدها، فقالوا: كيف تنصبه؟ فخرجوا النصب على فقالوا: هذا اسم منصوب على التشبيه بالمفعول به، فهو مشابه للمفعول به، لماذا؟ لأن عامله مشابه لاسم الفاعل، فمن هنا جاءت التسمية، قال هو شبيه بالمفعول به لأن الذي عمل فيه صفة مشابهة لاسم الفاعل. هذه صفة مشبهة؛ لأنها كان أصلها أنها لا تنصب، لماذا؟ لكونها مأخوذة من فعل فعل قاصر من فعل لازم، غير متعد. الفعل القاصر هو الفعل اللازم الذي لا يتعدى إلى غيره، لا يتعدى إلى غيره؛ فهذا لا يتعدى الفاعل إلى المفعول، فكيف تنصب مفعولاً؟ قال: تنصب شبيهاً بالمفعول؛ ولكونها لم يقصد بها الحدوث كما هو واضح، اسم الفاعل يقصد به الحدوث، هذه يقصد بها الثبات، بل نسبة الحدث ثابتاً لا يتغير. فهي مبينة للفعل، فهي مبينة للفعل مخالفة له، يعني مبينة أي مخالفة، لكنها أشبهت اسم الفاعل، ليست مشابهة بالفعل، فهي مشبهة باسم الفاعل الذي يعمل عمل الفعل ليست مشابهة للفعل نفسه، فأعطيت حكمه في العمل.

طب ما وجه الشبه بينها وبين اسم الفاعل؟ ما وجه الشبه بين الصفة المشبهة واسم الفاعل؟ قال ووجه الشبه بينهما أنها تؤنث وتثنى وتجمع؛ فتقول: حسن وحسنة وحسنان وحسنتان وحسنون وحسنات، يعني للمفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث كما تقول في اسم الفاعل: ضارب وضاربة وضاربان وضاربات وضاربتان وضاربون وضاربات. هذا كله في التصريف كما هو معلوم، وهذا بخلاف اسم التفضيل كأعلم وأكثر، فإنه لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ أي في غالب أحواله، وإلا فاسم التفضيل يُثنّى أحياناً ويُجمع أحياناً ويُؤنث أحياناً، وسيأتي الكلام في اسم التفضيل قريباً، وستأتي أمثلة من القرآن ومن غيره في التأنيث وفي تثنيته وجمعه، يعني اسم التفضيل لكن الغالب أنه لا يحصل فيه ذلك، أما الصفة المشبهة فيحصل فيها هذا دائماً، فهي شبيهة به. قال فلهذا لا يجوز أن يشبه باسم الفاعل، يعني أن اسم التفضيل لا يقال فيه مشبه باسم الفاعل. قال وقولي المتعدي إلى واحد.

المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد أو المتعدي لواحد كما في المتن، والصفة في أول المتن، لو رجعتم إلى قوله: ص، الصفة المشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد. لماذا قلت ذلك؟ هو يقول يعني لماذا قلت ذلك؟ لأنه يذكر أشياء في المتن ثم بعد ذلك يقول: وقولي، يعني يشير إلى ما قاله في المتن. وقولي المتعدي لواحد إشارة إلى أنها لا تنصب إلا اسماً واحداً. إشارة بالرفع، يعني قول هذا إشارة إلى كذا، فهو خبر لقوله إلى أنها لا تنصب إلا اسماً واحداً.

فاسم الفاعل كفعله، والفعل يتعدى لواحد أحياناً، ويتعدى لاثنين أحياناً، ويتعدى لثلاثة أحياناً. ﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: 109]، نصيبهم هذا مفعول به ثانٍ، نصب على أنه مفعول به ثانٍ لاسم الفاعل، طبعاً المفعول الأول جاء مضافاً، هذا معلوم. لكن على كل اسم الفاعل يعمل عمل فعله حتى إذا كان متعدياً إلى أكثر من واحد. فهل يقال صفة مشبهة باسم الفاعل إطلاقاً؟ لا، مشبهة باسم الفاعل متعدٍ لواحد؛ لأنها لا يمكن أن تنصب إلا شيئاً واحداً، كنت أقول إلا مفعولاً واحداً لا، إلا شيئاً واحداً، هذا الشيء حتى لا يكون مفعولاً إنما يكون مشبهاً بالمفعول.

قال: ولم تشبه باسم المفعول؛ لأنه لا يدل على حدث وصاحبه كاسم الفاعل. نعم وهذا واضح، ضارب يدل على حدث وصاحبه لكنه شيء حادث، حسن يدل على حدث وصاحبه لكنه شيء ثابت، أما مضروب يدل على حدث وشيء وقع عليه الحدث، مضروب، هذا المضروب حصل منه الضرب؟ لا لم يحصل منه، وقع عليه. ولأن مرفوعها فاعل كاسم الفاعل، ومرفوعه نائب فاعل. ويجوز أن تقول ومرفوعه نائب فاعل، يكون من عطف الجملة، هو يقول يعني هذا شيء آخر يجعل الصفة المشبهة ليست مشبهة باسم المفعول.

الشيء الثاني هو في هذا أن اسم المفعول الذي يرفع بعده يعرب نائباً عن الفاعل، أما الصفة المشبهة الذي يرفع بعدها يعرب فاعلاً. كل هذا يحاول أن يقرب بين الصفة المشبهة واسم الفاعل ويحاول أن يقول لماذا سميت صفة مشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد، ذكر كل هذا الكلام. سيستطرد استطراداً آخر في أوجه المخالفة بين الصفة المشبهة واسم الفاعل، هناك أوجه للمخالفة كما أن هناك بعض الوجوه الموافقة، فهناك وجوه أخرى للمخالفة، وداخل هذا الاستطراد سيستطرد بذكر ما ذكرته لكم قبل قليل من أنه سيذكر جريان اسم الفاعل على حركات المضارع وسكناته، وكل هذا يدرس في الصرف، لكن هذه إشارات لعل الله تبارك وتعالى يفتح علينا جميعاً أبواباً للعلوم المختلفة، علوم اللغة العربية لخدمة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال: واعلم أن الصفة المشبهة تخالف اسم الفاعل في أمور، أحدها أنها لا تجري على حركات المضارع وسكناته، أنها تارة لا تجري على حركات المضارع وسكناته، وتارة تجري، ما الأكثر؟ الأكثر أنها لا تجري. فالأول كحسن وظريف، ألا ترى أنهما لا يجاريان يحسن ويظرف؟

أولاً ما معنى الجريان؟ معنى جريان اسم الفاعل على حركات المضارع وسكناته هو سيذكرها، أذكر أولاً لأنه ذكر ما لا يجري أولاً، فاحتاج الكلام إلى أن نفهم ما يجري حتى نعرف كيف لا يجري هذا الحسن وهذا الظريف، كيف لا يجري على فعله؟ لأنه ذكر أولاً ما لا يجري فيحتاج الكلام إلى معرفة ما يجري. سيكون الكلام في ضارب ويضرب، عندك يضرب، الجريان على الحركات معناه أنه إذا كانت هناك حركة في المضارع ستجد حركة، لا تقل مماثلة، ستجد حركة في اسم الفاعل. إذا قلت مماثلة سيقع منك إشكال، يبقى إذا كانت هناك حركة في الحرف الذي في المضارع ستجد هناك حركة في اسم الفاعل، وهنا الكلام ليس عن الزيادة والنقصان، إنما الحرف الأول يقابله الحرف الأول، الحرف الثاني يقابله الثاني، الثالث يقابله الثالث، الرابع يقابله الرابع وهكذا. فإذا قلت يضرب، فتحه فسكون فكسرة، وبعد ذلك الأخير هذا لا علاقة لنا به؛ لأنه خاص بالإعراب. الكلام هنا في الصرف، الحرف الأخير لا يدخل هنا؛ لأنه خاص بالإعراب.

إذا قلت يضرب، ياء مفتوحة، الضاد ساكنة، الراء مكسورة، يبقى فتحه سكون كسرة. طب ضارب؟ فتحه سكون كسرة، الضاد مفتوحة، الألف ساكنة، الراء مكسورة، أما الباء فحركتها حركة إعراب لا تدخلنا. فإذاً ضارب اسم الفاعل يجري على المضارع أم لا؟ نعم يجري، يجري على المضارع.

هو سيذكر إشكالاً، هو الذي قلت لك لا تقل مشابه، طب أقول مثلاً خارج يخرج، داخل يدخل، ساكن يسكن. قلت ساكن ويسكن، يسكن ياء مفتوحة، السين ساكنة، الكاف مضمومة، يبقى إذاً فتحه سكون ضمة، هذه يسكن. طب اسم الفاعل منها ساكن، فتحه سكون كسرة، قال: أوه انتقدت القاعدة، لا، قالوا لم تنتقد، القاعدة مضطردة؛ لأنهم يقولون الفتحة تقابل فتحة أو كسرة أو ضمة، الضمة تقابل فتحة أو كسرة أو ضمة، الحركة تقابل حركة، السكون يقابل سكوناً، قابل سكوناً.

بمعنى ساكن ويسكن، ساكن السين التي فيها مفتوحة، يسكن الياء مفتوحة، الحرف الأول هنا مفتوح وهنا مفتوح. طيب بعد ذلك يسكن السين ساكنة، ساكن الالف ساكنة، ناتي في الإشكال، إذا جئت على الإشكال وجدت في يسكن وجدت الكاف مضمومة، وجدت في ساكن تجد الكاف مكسورة، يقال هنا لا إشكال، الضمة حركة والكسرة حركة، فاسم الفاعل يجري على حركات المضارع وسكناته، فإذا كان هناك حرف ساكن في الفعل المضارع ستجد مقابله ساكناً في اسم الفاعل، وإذا كان هناك حرف متحرك بأي حركة، وهذا أفصح الفعل بأي حركة، إذا وجدت حرفاً متحركاً بأي حركة في الفعل المضارع ستجد مقابله متحركاً بأي حركة في اسم الفاعل. هذا هو المراد، أرجو أن تكون الفكرة توضحت.

هنا قال: تخالف اسم الفاعل، واعلم أن الصفة المشبهة تخالف اسم الفاعل في أمور، أحدها أنها تارة لا تجري على حركات المضارع وسكناته وتارة تجري، فالأول كحسن وظريف، ألا ترى أنهما لا يجاريان يحسن ويظرف؟ هذا واضح، إذا قلت حسن ويحسن، هل هناك مجاراة؟ أولاً هذه ثلاثة أحرف وهذه أربعة أحرف، يعني هذه الكلمة التي هي حسن ثلاثة أحرف والكلمة الأخرى التي يحسن أربعة أحرف، هذا نفسه وحده مبطل، يعني أنا لا أريد أن أقول الأول كذا والثاني كذا، إذا كان هناك اختلاف في عدد الحروف فكيف يقال جرت على حركاته؟ دون كلام طويل، هذا غير جارٍ على حركات المضارع وسكناته. طب ظريف، نعم هذه أربعة أحرف، يظرف أربعة أحرف، ها عند المقابلة، طبعاً مثل هذا لابد أن يكون معك ورقة وقلم وتكتب هذا وهذا، لابد منه في دراسة هذه العلوم عموماً، خصوصاً علم الصرف. عندما تتكلم في الصرف وفعل ويفعل، يقول لك مثلاً انتصر، ما وزن انتصر؟ وما وزن انكسر؟ قد يقول قائل انتصر من النصر، وانكسر من الكسر، وزنها واحد، ما الفرق؟

انتصر وانكسر هذه انفعل، الاثنين لا، انتصر من النصر، فنصر فالنون أصلية فانتصر وزنه افتعل، طب انكسر من الكسر وزنه انفعل، افتعل ليس كانفعل، هذا وزن وهذا وزن آخر، في مثل هذا لابد أن يكون معك ورقة وقلم، تضع هذه الأحرف هذا واحداً وهذا واحداً وهذا واحداً، وكنا في الصغر مثلاً كنا ندرس هذا، مثلاً يقول لك في مربعات، تضع مربعاً ومربعات، وفي كل مربع تضع الحرف وتضع الذي في مقابله في مربع تحته حتى لا تختلط عليك الحروف، هذا لابد منه. فإذا جئت لظريف ويظرف، ظريف الحرف الأول مفتوح ظا، ظريف الحرف الأول مفتوح، يظرف الحرف الأول مفتوح، خلاص انتهينا من هذا، الثاني ظريف الراء الحرف الثاني مكسور، يظرف هذا ساكن، يبقى هذه لا تجري على حركات المضارع وسكناته، يبقى إذاً هذه من أوجه المفارقة بين اسم الفاعل وبين الصفة المشبهة، الصفة المشبهة غالباً ما لا تجري على حركات المضارع وسكناته، وأحياناً تجري.

قال: والثاني نحو طاهر وضامر، ألا ترى أنهما يجاريان يطهر ويضمر؟ بلى، وطبعاً يسهل عليكم هذا، يطهر، يطهر فتحه سكون ضمة، طب طاهر فتحه سكون كسرة، ليس هناك إشكال، الفتحة قصاد الفتحة، والسكون مقابل السكون، والضمة مقابل الكسرة، ليس هناك إشكال، كذلك ضامر ويضمر. قال: والقسم الأول هو الغالب وهي أن لا تجري على حركات المضارع وسكناته، حتى إن كلام بعضهم أنه لازم وليس كذلك، فطاهر القلب ضامر البطن هذه الأشياء قد تكون لازمة، فهي من باب الصفة المشبهة وهي جارية على حركات المضارع وسكناته، فأحياناً تجري. قال: ونبهت على أن عدم المجاراة هو الغالب بتقديم مثال ما لا يجارى، وقدم الذي لا يجري وهو حسن وظريف، قدمهما على طاهر وضامر، فكأنه يقول لك هذه أمثلتها، واعلم أن أكثر الأمثلة لا تجري فيها الصفة المشبهة على الحركات المضارع وسكناته. قال: وهذا بخلاف اسم الفاعل فإنه لا يكون إلا مجارياً للمضارع كضارب فإنه مجارٍ ليضرب، واضح هذا، ضارب ويضرب، وضحت لكم. فإن قلت هذا منتقض بدخل ويدخل؟ هذا أيضاً وضحته لكم قبل ذلك داخل، الكلام على الحروف الثلاثة الأولى، أما الحرف الأخير فحرف إعراب داخل، هذا تنوين بعد ذلك؛ لأنه اسم يدخل، هذا ضمة فقط؛ لأنه فعل، فالكلام في الحروف الثلاثة الأولى، في الحروف الثلاثة الأولى.

منتقد بدخل ويدخل، فتحه سكون كسرة بعد ذلك يدخل فتحه سكون ضمة، فالكسرة مقابلها ضمة، قال فإن الضمة لا تقابل الكسرة، هذا هو الانتقاد جاء من هنا، قلت في الجواب المعتبر في المجاراة تقابل حركة بحركة لا حركة بعينها، أظن أن هذا واضح. فالكسرة في مقابل الضمة لا إشكال، المهم أنك لا تجد فتحة في مقابلها سكوناً، لا تجد فتحة في مقابلها سكون، ولا تجد سكوناً في مقابله ضمة مثلاً.

قال: فإن قلت كيف تصنع بقائم ويقوم؟ هذا إشكال آخر، وهذا من حسن كتب المصنف عموماً، يأتي بها الأشياء ويأتي بما قد يأتي في ذهنك أنه خارج عن القاعدة التي قعدها، فيزيل عنه هذا الإشكال، فيقول: كيف تصنع بقائم ويقوم؟ أولاً أين الإشكال؟ لابد أن أفهم الإشكال حتى أجيب عنه أو حتى أسكت، أقول لا جواب عندي، قائم الكلام في الأحرف الثلاثة الأولى، القاف مفتوحة، الألف ساكنة، الهمزة مكسورة، فتحه سكون كسرة أو حركة سكون حركة، هذا أحسن، حركة ثم سكون ثم حركة. طب يقوم؟ يقوم حركة ثم حركة ثم سكون، أوه انتقدت القاعدة، قالوا لا لم تنتقد، فهو قال: فإن قلت كيف تصنع بقائم ويقوم فإن ثاني قائم ساكن وثانيه يقوم متحرك، قا هنا الثاني ساكن، يقو هنا الثاني متحرك، فالحركة قابلتها سكون أو قابلها سكون والسكون قابلته حركة. طب كيف الجواب؟ الجواب أن هذه الحركة ليست أصلية، وهذا أيضاً معروف جداً في الصرف، ويقولون قام يقوم من باب نصر، كيف من باب نصر؟ نصر ينصر، فقام يقوم أصله قوم يقوم، قوم يقوم، فأنت إذا جئت وجدت فعلاً ماضياً هكذا قام قال باع وما أشبه ذلك، فاعلم أن الألف التي في وسطه هذه مقلوبة، إما عن واو أو عن ياء، أنها مقلوبة عن واو أو عن ياء، تعرف ذلك بالمضارع أو بالمصدر أو بأشياء أخرى، لكن تقول قام يقوم يبقى الألف منقلبة عن واو وأصل الكلام يقوم، فأصل يقوم يقوم وم يفعل أصله يق وم طب يقوم وقائم جارٍ على الحركات المضارعة، نعم قا، ام حركة سكون حركة، يقوم حركة سكون حركة، وليس لنا علاقة بالحركة الأخيرة.

طب لماذا جاءت من يقوم إلى يقوم؟ قال قلت: الحركة في ثاني يقوم منقولة من ثالثه، والأصل يقوم كيدخل، فنقلت الضمة لعلة تصريفية، الضمة طبعاً لم يذكر العلة، العلة أن الضمة تثقل على الواو، يقوم، لعلكم تذكرون في الفعل المضارع المعتل الآخر، كان يذكر في النوع الخامس مما يعرب إعراباً تقديرياً أو مما نعم مما يعرب إعراباً تقديرياً، هذا خمسة أبواب هناك خمسة أبواب وتعرب إعراباً تقديرياً، لمن يذكر الاسم المضاف الياء المتكلم، الاسم المقصور هذان تقدر عليهما كل الحركات، الاسم المنقوص هذا تقدر عليه حركتان الضمة والكسرة تظهر الفتحة، الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف تقدر عليه حركتان الضمة والفتحة وليس هناك كسرة إنما يحذف الحرف الأخير في الجزم، الأخير هذا الذي أريده الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء، ماذا يقدر عليه من الحركات؟ قالوا تقدر قدر عليه الضمة للثقل، قدر على الواو على الياء الضمة للثقل، وتظهر الفتحة لخفتها، أما الكسرة فلا تكون في الفعل إلا لعلة أخرى ليست نحو شاهد، أنه تقدر الضمة للثقل، فالواو تثقل عليها الضمة، الضمة ثقيلة على الواو، فإذا قيل في الكلام يقوم ويقول كان ثقيلاً، فاستثقلت الضمة على الواو، طب قبلها حرف صحيح ساكن قبل الواو حرف صحيح صحيح ساكن، طب نعكس نعطي هذه الضمة للحرف الصحيح ونجعل الواو ساكناً، فقالوا بدل يقوم يقوم، قالوا يقوم، فهكذا الصرف علم ممتع جداً، كان يعني في بعض الأشياء تتدخل هكذا لكن أصله والأشياء المهمة فيه يعني تفتح الذهن وفيه فعلاً لذة في فهمه ودراسته.

قال: الثاني، هذا هو الخلاف الثاني بين اسم الفاعل والصفة المشبهة، كل هذا يتكلم عن شيء واحد في الخلاف، وسيذكر خمسة أمور تختلف فيها الصفة المشبهة عن اسم الفاعل، فذكر الأول الثاني أنها تدل على الثبوت واسم الفاعل يدل على الحدوث، وهذا سبق وتكلم فيه كثيراً اسم الفاعل.

يدل على الحدوث ضارب، أما الصفة المشبهة كـ: شجاع، وحسن، وضامر، وطاهر؛ فهذه الأشياء تدل على الثبوت. قال: الثالث أن اسم الفاعل يكون للماضي والحال وللاستقبال. اسم الفاعل كما سبق يأتي لماضي أحيانًا، وحال أحيانًا، واستقبال أحيانًا. وهي يعني الصفة المشبهة، لا تكون للماضي المنقطع ولا لما لم يقع، وإنما تكون للحال الدائم، وهذا هو الأصل في باب الصفات؛ تكون للحال الدائم. هل معنى قول رجل حسن الوجه: يعني حسن الوجه قبل ذلك أو حسن الوجه الآن لكن قبل ذلك لم يكن كذلك؟ كان قبل ذلك وما زال وسيكون إلى أن يشاء الله سيكون حسن الوجه.

قال: وهذا الوجه ناشئ عن الوجه الثاني، نعم واضح أنه يعني هذه تدل على الثبوت، فإذا لا تكون للماضي، لا تكون للماضي المنقطع فقط، لا تكون للماضي وللحال وللاستقبال بهذا المعنى؛ معنى أنها تكون للملازمة. أما اسم الفاعل فإما أن يراد به الماضي، أو يراد به الحاضر، أو يراد به المستقبل، لكن لا يكون في موضع واحد بكل هذه المعاني.

قال: والأوجه الثلاثة مستفادة مما ذكرت من الحد ومن الأمثلة؛ الأوجه الثلاثة وهي: الأول تجري ولا يجري هو؛ يجري على حركات المضارع والسكنات، هي تجري أحيانًا ولا تجري أحيانًا. الثاني هي تدل على الثبوت، هو يدل على الحدوث. الثالث هو يكون الماضي والحال والاستقبال، هي ليست كذلك. كل هذا مستفاد من كلامه ومن تمثيله بالأمثلة التي ذكرها.

قال: والرابع أن معمولها لا يتقدم عليها، لا تقول: زيد وجهه حسن. هل يصح أن تقول: زيد وجهه حسن؟ نعم يصح، أن تقول: زيد مبتدأ، وجهه مبتدأ ثانٍ، وطبعًا الضمير مضاف إليه، وحسن خبر، هذه جملة، لكن هذا ليس الذي يريد المصنف؛ إنما يريد أن تنصب الوجه، فأن تقول: زيد وجهه حسن. طيب ما وجهه لماذا نصبتها؟ يقول نصبتها لأنها شبيه بالمفعول به، طيب ما الذي عمل فيها؟ عملت فيها الصفة المشبهة. يقول: لا، لا الصفة المشبهة، وإن نصبت شيئًا كالشبيه بالمفعول به، لأنها تنصبه إذا جاء بعدها، لا يمكن أن تنصبه إذا جاء قبلها، بنصب الوجه لا يجوز، بنصب الوجه.

ويجوز في اسم الفاعل أن تقول: زيد أباه ضارب، لو قال ابنه لكان أحسن، يعني عياذًا بالله، يعني زيد أباه ضارب، يعني زيد ضارب أباه. فهنا ما الذي حصل في هذا؟ تقدم المفعول على اسم الفاعل، هذا جائز، يتقدم المفعول على اسم الفاعل لا إشكال، وذلك لضعف الصفة لكونها فرعًا عن فرع، فإنها فرع عن اسم الفاعل الذي هو فرع عن الفعل، بخلاف اسم الفاعل فإنه قوي لكونه فرعًا عن أصله الفعل، فالأصل في العمل الفعل، فالفعل يعمل بكل حال، يتقدم عليه مفعول، نعم ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، هذا كثير جدًا، ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ﴾، قدّم عليه مفعوله وجوبًا أو جوازًا، سبق هذا بكثرة. بعد ذلك هذا الأصل هو الفعل، الفرع عنه من الفروع عنه اسم الفاعل فيه شيء من القوة، من قوته أنه يعمل أحيانًا فيما تقدمه، لكن ليس هو بقوة الاسم. أما الصفة المشبهة فهي صفة مشبهة باسم الفاعل الذي هو مشبه بالفعل، فصار فيه ضعف، فلأجل هذا لم يقو على العمل في مفعول تقدمه.

قال: الخامس أن معمولها لا يكون أجنبيًا بل سببيًا؛ يعني بل يكون سببيًا أو بل يجب أن يكون سببيًا. ونعني بالسببي واحدًا من أمور ثلاثة؛ يعني لا بد أن يكون هناك ارتباط بين الصفة المشبهة وبين معمولها.

قال: الأول أن يكون متصلاً بضمير الموصوف، أقول نحو: مررت برجل حسن وجهه، برجل حسن، حسن هذا نعت لرجل، برجل حسن وجهه، فحسن هي صفة مشبهة وهي نعت لرجل، عملت في الفاعل الذي بعدها: حسن وجهه، وجهه فاعل. طيب لماذا؟ كيف عملت فيه؟ ما السببية التي يقولها المصنف هنا؟ لا بد أن يكون معمولها سببيًا، وجهه هذه الهاء عائدة على رجل، فهذه عائدة على أو هذه الهاء ضمير عاد على موصوف هذه الصفة المشبهة، فبينهما أي وجه من أوجه السببية.

الثاني أن يكون متصلاً بما يقوم مقام ضمير الموصوف، نحو: مررت برجل حسن الوجه. نعم حسن الوجه، لأن قولك: مررت برجل حسن الوجه، كأنك تقول: حسن وجهه، فالوجه كأن الألف واللام في موضع الضمير. هذه مسألة خلافية، هل تقع الألف واللام موقع الضمير؟ بعضهم يجيز ذلك، سيدل عليه بعده آيات من كتاب الله، أشهرها قول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾. قال هنا الألف واللام نابت عن الضمير في عدة مواضع: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ يعني نهى نفسه عن هواها، ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ﴾ مأواه. قالوا نابت الألف واللام عن الضمير في هاتين الآيتين في المواضع الثلاثة. هذا من أصح ما يقال، بدل من أن تذكر مثالاً واحدًا هذا فيه عدة أمثلة، وهو وهي صريحة صحيحة. قال نحو: مررت برجل حسن الوجه، لأن الـ قائمة مقام الضمير المضاف إليه. هل تقوم مقام الضمير؟ نعم على الصحيح، نعم يعني مررت برجل حسن الوجه، أي حسن وجهه، كالأولى.

الثالث أن يكون مقدرًا معه ضمير موصوف، كمررت برجل حسن وجهًا، حسن وجهًا، أي وجهًا منه، والوجه جزء منه، لأجل هذا قدّر بمن. قال: ولا يكون أجنبيًا؛ يعني لا يمكن أن يكون معمولها أجنبيًا عنه، لا تقول: مررت برجل حسن عمراً، ولا مثلاً هذا لا يكون، ولو كان عمرو هذا صاحبًا لهذا الرجل، بمعنى أنك تقول يعني حسن الصاحب مثلاً، لا هذا لا يكون، لا يكون أجنبيًا. وهذا بخلاف في اسم الفاعل، فإن معموله يكون سببيًا ويكون أجنبيًا، يكون سببيًا كـ: مررت برجل ضارب أباه، أيضًا يعني لا أدري لماذا يصر على هذا، رجل ضارب أباه هذا واضح، هناك سببية كما قال حسن وجهه أو حسن وجهه، حسن وجهه أيضًا صحيح على أنه شبيه بالمفعول به. ويكون أجنبيًا، اسم الفاعل يكون معموله أجنبيًا، مررت برجل ضارب عمرًا، إذا يجوز أن تقول: مررت برجل حسن وجهه، أو حسن وجهًا، أو حسن الوجه، على كل ذلك جائز. وأن تقول: مررت برجل ضارب ابنه، ضارب عبده، أو ضارب أخاه، أي أي مكان، فهذا جائز وهذا جائز؛ لأنه سببي. أما في الأجنبي فلا يجوز، يجوز في اسم الفاعل أن تقول: مررت برجل ضارب عمرًا، لا يجوز في الصفة المشبهة أن تقول: مررت برجل حسن عمرًا.

بعد هذا الاستطراد الطويل، رجع مرة أخرى إلى عمل الصفة المشبهة، هذا هو أهم شيء يُذكر، العمل. قال: ولمعمول الصفة المشبهة ثلاثة أحوال. أحدها الرفع، نحو: مررت برجل حسن وجهه. هذا سبقت، حسن وجهه، كيف يعرب الوجه؟ يعرب على أنه فاعل، مررت فعل وفاعل، برجل جار ومجرور، وحسن نعت لهذا المجرور، والنعت يتبع دائمًا منعوته كما سيأتي، ووجهه فاعل للصفة المشبهة التي هي حسن، كأنك قلت: مررت برجل حسن وجهه، كأنك قلت: حسن وجهه، فهذا معنى أنه عملت عمل الفعل.

قال: وذلك على ضربين: أحدهما الفاعلية، وهو متفق، يعني العلماء يتفقون على جواز أن تقول: مررت برجل حسن وجهه، أن تعرب الوجه على أنه فاعل، تقول: وجهه فاعل، وحينئذ فالصفة خالية من الضمير؛ لأنه لا يكون للشيء فاعلان، ليس هناك في حسن ليس هناك ضمير، لأنها رفعت الفاعل الظاهر. قال: والثاني الإبدال، الثاني الإبدال من ضمير مستتر في الوصف، كأنك قلت: مررت بالحسن هو وجهه، ثم جئت ببدل بدل بعض من كل، فالوجه بعض من الرجل، حسن هو وجهه، هذا على البدل أجازه بعض العلماء. قال: أجاز ذلك الفارسي، سبق التعريف به، وخرج عليه قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الْأَبْوَابُ﴾، وهذه الآية ليست من هذا الباب، نعم قد يقول قائل: هذه الآية ليست من هذا الباب، وقلت لكم ما جاز في بعض هذه الأبواب يجوز في بعضها، هذا الأصل أن كلها تعمل شيئًا واحدًا عمل فعل، الاختلافات تُعرف، لكن إذا جاز هذا في هذا الباب الذي هو باب اسم المفعول لأن مفتحة سبقت معنا منذ قليل في أعمال اسم المفعول، مفتحة اسم مفعول ليست صفة مشبهة، لكن إذا جاز هذا في اسم المفعول فإنه يجوز أيضًا في الصفة المشبهة. فالفارسي عليه رحمة الله أجاز مثل هذا وقال: جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، فقدر في مفتحة ضميرًا مرفوعًا على النيابة عن الفاعل، وقدر الأبواب مبدلة من ذلك الضمير بدل بعض، فقال يعني جنات عدن مفتحة هي، مفتحة هي إيه؟ مفتحة الجنات، والأبواب جزء من الجنات، وقال: مفتحة هي، والأبواب، الأبواب بدل بدل من الجنات، بدل بعض من الجنات، أو من هي من هذا الضمير العائد على جنات، وهذا الضمير هو الفاعل. لكن لا حاجة إلى هذا، لا حاجة إليه، وفيه خلاف، الأول ليس ليس هناك تقدير، وعليه اتفاق.

قال: الوجه الثاني النصب. هل تعمل الصفة المشبهة نصبًا؟ نعم تعمل النصب. طب منصوبها ماذا يكون؟ هل يكون مفعولاً به؟ لا، سبق أنه ليس لا يكون مفعولاً به، مشبهة باسم الفاعل المتعدي لواحد؛ لأنها إذا نصبت إن إذا نصبت فإنها تنصب واحدًا، وكذلك لا تنصبه على المفعولية، إنما تنصبه على أنه شبيه بالمفعول به. قال: النصب فلا يخلو إما أن يكون نكرة كقول، طبعًا قد تنصب على التمييز، هذا نسيت عنه، نعم تنصب على التمييز أو على أنه شبيه بمفعول به. التمييز نكرة، يكون تمييزًا، أو الشبيه المعرفة، يكون تمييزًا عند الكوفيين؛ لأنهم لا يشترطون شيئًا في التمييز كما سبق. قال: كقولك وجهًا، أو معرفة كقولك الوجه، يعني مررت برجل حسن وجهًا أو حسن الوجه، حسن الوجه أو حسن وجهًا، فإن كان نكرة فنصبه على وجهين: أحدهما أن يكون على التمييز وهو الأرجح، مررت برجل حسن، ثم أردت أن تميز أن تزيل شيئًا من الإبهام، قل حسن وجهًا، حسن منطقًا، يعني مثلاً تريد حسن المنطق وهكذا، فتزيل شيئًا من الإبهام، والثاني أن يكون منصوبًا على التشبيه بالمفعول به، هذا يكون شبيهًا بالمفعول به؛ لأنه ليس مفعولاً به لأنها لا تنصب مفعولاً به، فالفعل الذي أخذت منه فعل لازم، الفعل نفسه حسن لا ينصب المفعول به، واسم الفعل الذي أخذ منه لا ينصب مفعولاً به، فكيف تنصب الصفة المشبهة التي أضعف من اسم الفاعل الذي هو أضعف من الفعل؟

كيف تنصب؟ لا تنصب المفعول به، إنما تنصب على الشبيه بالمفعول. فإن كان معرفة تعيّن أن يكون منصوبًا على التشبيه بالمفعول به، حسن الوجه، هذا منصوب على أنه شبيه بالمفعول به، هذا متعين عند البصريين، والإمام متابع لهم، قال: لأن التمييز لا يكون معرفة، خلافًا للكوفيين. أما الكوفيون فيقولون: الذي يُنصب بعد الصفة المشبهة فهو تمييز أو مفعول به، أجيز هذا وأجيز هذا في النكرة وفي المعرفة، قالوا: لأننا لا نشترط في الحال ولا في في النكرة، لا نشترط في التمييز عفواً أن يكون نكرة، لا نشترط في التمييز أن يكون نكرة، الحال بعضهم لا يشترط أن تكون نكرة، والكوفيون يجيزون يقولون تكون أحيانًا نكرة وتكون أحيانًا معرفة، يجيزون أن تكون معرفة إذا دلت على شرط.

قال: الوجه الثالث الجر، وذلك بإضافة الصفة، يعني مررت برجل حسن الوجه، حسن الوجه، هذا الوجه مضاف إليه مجرور، لا إشكال في هذا. قال: وعلى هذا الوجه ووجه النصب ففي الصفة ضمير مستتر مرفوع، ضمير مستتر مرفوع على الفاعلية، نعم حسن وجهًا يعني حسن هو وجهًا، حسن الوجه يعني حسن هو الوجه، أو حسن الوجه يعني حسن الوجه هو، فيقول هناك ضمير مستتر هو فاعل، فاعل لهذه الصفة. وأصل هذه الأوجه الرفع، وهو دونها في المعنى، ويتفرع عنه النصب، ويتفرع عن النصب الخفض. قل أصل الأوجه الرفع: حسن، مررت برجل حسن وجهه، قل هذا أصلها وهو دونها في المعنى، حسن وجهه يعني كأنه قال: حسن وجهه، بخلاف حسن الوجه، يعني وجهه حسن، وجهه حسن أوضح وأمعن في المعنى من حسن وجهه، وهذا واضح هذا حسن الوجه وهذا حسن وجهه، قد يكون حسن وجهه بعد أن لم يكن، وهكذا، هذا يتفرع عنه النصب، يتفرع عن الرفع النصب، مرفوع بعده منصوب، حسن هذا فاعل وهذا مشبه بالمفعول به أو تمييز، ويتفرع عن النصب الخفض، حسن الوجه، مضاف إليه.

قال: واسم التفضيل، هذا هو السابع والأخير مما يعمل عمل الفعل. قال: واسم التفضيل وهو الصفة الدالة على المشاركة والزيادة كـ: أكرم، كأكرم، أكرم هنا لا يريد به الفعل الماضي، أكرم زيد أكرم من فلان، كأكرم، ويستعمل بـ (مِن) ومضافًا لنكرة فيُفرد ويُذكر، وبالطابق ومضافًا لمعرفة فوجهان، ولا ينصب المفعول مطلقًا، ولا يرفع في الغالب ظاهرًا إلا في مسألة الكحل. هذه يعني خلاصة الكلام وهو ما ذكره المصنف في اسم التفضيل، وهو الباب السابع من الأبواب السبعة التي تعمل عمل الفعل.

سيشرح هذا الكلام، قال: النوع السابع من الأسماء التي تعمل عمل الفعل اسم التفضيل، هذا الذي يسمى اسم التفضيل، أو يسمى أفعل التفضيل، وهو الصفة الدالة على المشاركة والزيادة، وهو اسم التفضيل، وهذا أحسن من قولهم أفعل التفضيل، وإن كان أفعل التفضيل أيضًا جائزًا، لكن اسم التفضيل أشد جوازًا؛ لماذا؟ لأنك إذا قلت أفعل التفضيل قد يظن ظانّ أن المراد أفعل فقط دون غيرها، لا أفعل هذا الغالب، لكن إذا كان مؤنثًا يقال في المؤنث مثلاً في كثير من الأحيان فُعلى، أكبر كبرى، أصغر صغرى وهكذا، فأفعل ومؤنثه.

أحياناً تُحذف الهمزة من ثلاث كلمات: خير وشر في الكثير، وحب في القليل؛ فيقال: أخير ويقال فيها خير، وأشر ويقال فيها شر، وهذا الذي جاء في كتاب الله وفي السنة وفي كثير من أشعار العرب: خير وشر. أما أخير وأشر فهذا قليل في كلام العرب وقليل في أشعارها، والأصل أخير وأشر. وكذلك أحب هذا جاء كثيراً، قالوا: وورد فيه في بعض الأشعار حب، كما قال الشاعر: وحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنع، أي وأحبُّ شيءٍ إلى الإنسان ما مُنع، فبقوله يعني الممنوع محبوب، لكن أحبُّ أكثر، قال: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]. لكن وإن جاء وهكذا وحبُّ شيء فهو أيضاً أفعل تفضيل أو اسم تفضيل.

مع ذلك خيرٌ نزل يعني أخير، فهو اسم التفضيل حتى يدخل فيه أفعل وما وغير أفعل. الصفة الدالة على المشاركة والزيادة نحو أفضل وأعلم وأكثر تدل على مشاركة بين اثنين أو بين شيئين أو بين جماعتين أياً كان، وتدل على زيادة في أحدهما عن الآخر. زيد أكرم من عمرو، هذه تدل على شيئين، تدل على أن زيداً وعمراً اشتركا في الكرم، وتدل على أن كرم زيد أكثر من كرم عمرو، زيد أكرم من عمرو. هل هذا مضطرد؟ لا، ليس مضطرداً، هو أكثر وهو غالب وكثير لكنه ليس مضطرداً. أحياناً يكون أفعل التفضيل أو يكون اسم التفضيل ليس في مقابلة شيء، كما يقال ويعبر بعضهم بأن يقول ليس على بابه، إما أن يقال ليس على بابه أو يقال ليس في المقابل شيء. وهذا ورد في عدة آيات من كتاب الله تعالى وفي عدة أحاديث أيضاً وفي كلام العرب. قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان: 24]. من أي أحد؟ من أصحاب النار. أصحاب الجنة يومئذٍ يوم القيامة خيرٌ مستقراً وأحسن مقيلاً، هل هم أخيرُ مستقراً استقراراً من أصحاب النار؟ فأصحاب النار عليهم خيرٌ لكن أصحاب الجنة أخير؟

لا، وأحسن مقيلاً، مقيل الذي يقيلون فيه، مقيل يقولون وقت الظهيرة، وهذا من باب المشابهة والمشاكلة، لكن ليس هناك بالجنة شمس، ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: 13]، لكن يجري الوقت هكذا كما قال، ولهم رزق كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 62]، أي فيما يناسب هذين الوقتين أو فيما كان في الدنيا، كأنه في هذين الوقتين، وإلا فلا نوم هنالك، لأن النوم أخو الموت، لا نوم هنالك، لا ليل ولا شمس في نحو هذا. فعلى كل، هل يقال مقيل أهل النار حسن لكن مقيل أهل الجنة أحسن؟ لا، ليس هناك حسن في مقيل أهل النار، وليس هناك خير في مستقر أهل النار، سواء قلت المستقر هو المصدر يعني خير استقراراً أو قلت هو اسم المكان فمكان الاستقرار وهو الجنة هذا خير، أما مكان الاستقرار وهو النار وكذلك الاستقرار نفسه في النار ليس فيه شيء من الخيرية. إذاً فهذا يقال فيه أفعل التفضيل أو اسم التفضيل، إما يقال ليس على بابه أو يقال وهذا أحسن ليس في المقابل منه شيء. فالأصل أنها تدل على المشاركة والزيادة، لكن أحياناً لا يكون ليس في المقابل شيء.

مثال ذلك أيضاً قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: 62]، ذلك من الجنات التي وعد بها المؤمنون، حتى قال قائلهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الصافات: 60]. ثم قال: أذلك خير نزلاً؟ هذا الذي هم فيه الذي هؤلاء المنعمون فيه، ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَا يَشْتَهُونَ وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35]، أهذا الذي هم فيه خير أم شجرة الزقوم؟ إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم، طالما كان هذا ليس فيها شيء من الخيرية. ومثله أيضاً: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: 33]، كن يدعونه إلى الفاحشة عياذاً بالله، ويوسف عليه السلام لا يحب الفاحشة، فأيضاً هذا ليس في المقابل منه شيء. ويستدلون عليه أيضاً بقول في الحديث المشهور: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عنده نسوة علت أصواتهن، فلما سمعنا صوت عمر جاء زائراً من بعيد ابتدرنا الحجاب. فعرف عمر رضي الله عنه ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلنا: أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: هذا أيضاً مما ليس في المقابل منه شيء، أنت أفظ أغلظ ورسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيه فظاظة ولا غلظة على أصحابه. فقالوا: إنما فغلظته عليه الصلاة والسلام التي أمره الله بها إنما هي على الكافرين والمنافقين، ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 73]، فلأجل هذا قد يكون هذا دليلاً محتملاً. على كل الأصل أنها تكون للمشاركه والزيادة، وقد تخرج عن هذا الأصل.

قال رحمه الله تعالى: وله ثلاث حالات، أفعل التفضيل له ثلاث حالات، وقد يقال له أربع حالات، لكنه قال له ثلاث حالات: حالة يكون فيها لازماً للإفراد والتذكير، وذلك في صورتين، فإذا قلت هناك صورتان ذلك حالتان فهي أربع، أو يقال لا هي ثلاث بس لكن إحدى هذه الثلاث لها صورتان. حالة يكون فيها لازماً للإفراد والتذكير، يعني سيكون بلفظ المفرد ولفظ المذكر، قال وذلك في صورتين: إحداهما أن يكون بعده من جارة للمفضول، كقولك زيد أفضل من عمر. زيد أفضل أين اسم التفضيل؟ أفضل. زيد أفضل من عمر، قبله مفرد مذكر، طيب إذا قلت الزيدان هل تقول أفضلا من عمر؟ لا، تقول الزيدان أفضل من عمر، سياتي أن يجوز أن تقول الزيدان أفضل الرجال مثلاً، فتطابق. لا، هنا إذا جاءت من بعده فلا بد أن يكون بلفظ واحد: أفضل من عمر، والزيدون أفضل من عمر، لا تقول أفضل، وهند أفضل من عمر، لا تقول فضلاً، تقول أفضل، والهندان أفضل من عمر، لا يقال فضليان، والهندات أفضل من عمر، لا يقال فضليات، ففي كل هذا أفضل في كل حال، قال ولا يجوز غير ذلك. المفرد سبق قال ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾، السجن أحب، السجن مفرد جاء أحب، طيب في المثنى قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: 8]، جاء في المفرد بلفظ أحب، وفي المثنى بلفظ أحب لوصف أخوه، أحب إلى أبينا، مثلاً أحباني؟ لا، إنما جاء هكذا. طيب في الجمع، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

هذه ثمانية أشياء إن كانت هذه الثمانية أحب إليكم، جاء بها أيضاً بلفظ أحب الذي يأتي للمفرد والمثنى والجمع، أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله، فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، والله لا يهدي القوم الفاسقين، أسأل الله السلامة والعافية، هذه الآية آية شديدة جداً وهي من آيات المحنة، يمتحن المرء فيها نفسه، وهو طبعاً في امتحان واختبار وابتلاء من الله تعالى، لكن يعني آية حاسبوا أنفسكم، تنظر نفس ما قدمت، فهذه مما يمتحن المرء فيها نفسه. ينظر هل هذه الأشياء مجتمعة أو منفرده أو بعضها أحب إليه مما ذكر من الله تعالى ومن رسوله صلى الله عليه وسلم ومن دينه العظيم والجهاد في سبيله هو ذروة هذا الدين العظيم؟ هل يحب الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ودينه والجهاد وهذه الأمور أكثر من هذه المذكورات، أم يحب كل واحد من هذه المذكورات أكثر من الله ورسوله ودينه وجهاده في سبيل الله؟ ويعني كل امرئ حسب نفسه، هذا يعني مما يسأل الإنسان نفسه وهو يجيب، لا يحتاج إلى أحد يسأله ولا يحتاج إلى إجابة يجيبها عن نفسه أمام أحد. وأخرها أيضاً يعني بعدها فتربصوا، انتظروا وهذا انتظار يحصل فيه التربص، ليس مجرد انتظار، تربص انتظار وزيادة، كان المتربص ينتظر شيئاً يحصل به أو يحصل لخصمه أو ما أشبه ذلك، ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَىٰ مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ﴾ [هود: 121-122]، نعم هذا يأتي بهذا المعنى ويأتي بمعنى زيادة تربص.

قال فافرد في الآية الأولى نعم فتربصوا حتى يأتي الله بأمره، بعد ذلك والله لا يهدي القوم الفاسقين، أعوذ بالله يعني هذا الحب قد يقول يعني والله أنا حب، لكن تقديم هذا الحب ليس فيه يعني كبير إشكال، لا هذا فسق، الله لا يهدي القوم الفاسقين، نسأل الله تبارك وتعالى السلامة والعافية وأن يجنبنا الفسق صغيره وكبيره، أحياناً إذا كانت المحبة هذه ليست شيئاً واحداً يعني أحياناً تصل بالإنسان إلى الفسق الأكبر عياذاً بالله، وأحياناً تنزل إلى فسق أصغر. قال فأفرد في الآية الأولى مع الاثنين وفي الثانية مع الجماعة، طبعاً في الآية التي ذكرت في سورة يوسف مع المفرد في كل حال.

قال الثانية، هذه الحالة الثانية التي يكون فيها ملازماً للإفراد وللتذكير، ملازماً للإفراد وللتذكير، قال أن يكون مضافاً إلى نكرة، هذه أيضاً يلزم فيها الإفراد والتذكير، يلزم فيها الإفراد والتذكير. قال فتقول: زيد أفضل رجل، والزيدان أفضل رجلين، والزيدون أفضل رجال، وهند أفضل امرأة، والهندان أفضل امرأتين، والهندات أفضل نسوة. جئنا بهذا مثلاً في ديننا العظيم، قول مثلاً عندنا في أمتنا: أبو بكر أفضل رجل في هذه الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، تقول أبو بكر أفضل رجل، هذا مفرد تقول أفضل، تقول أبو بكر وعمر أفضل رجلين في هذه الأمة بعد نبيه عليه الصلاة والسلام، تقول أبو بكر وعمر أفضل رجلين لا تقول أفضل، لا هكذا يكون أفضل بلفظ الزيدون أفضل الرجال، تقول مثلاً الخلفاء الأربعة الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدون، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي أفضل رجال في هذه الأمة، الصحابة أفضل رجال في هذه الأمة بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا. هند أفضل امرأة، تقول مثلاً فاطمة أو خديجة أو عائشة، أي واحدة منها تقول أفضل امرأة، عائشة على قول النبي عليه الصلاة والسلام: «وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»، سائر هنا فيها خلاف، على سائر النساء غير المذكورات، وذكر أربعة ثم قال: فضل عائشة على سائر النساء بما فيهن هؤلاء الأربعة فاطمة وخديجة وآسية امرأة فرعون ومريم، أم فضل عائشة على سائر النساء بعد هؤلاء المذكورات؟ لا، في خلاف، تقول عائشة أفضل امرأة أو خديجة أفضل امرأة أو فاطمة أو مريم أو آسية بنت مزاحم. الهندان أفضل امرأتين، تذكر اثنتين نقول مثلاً كما قال عليه الصلاة والسلام: «كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا»، هذا اللفظ الصحيح فيه، خارج الصحيح فيه ذكر الأربعة، اللفظ الصحيح في ذكر فيه مريم وآسية، تقول مريم وآسية أفضل امرأتين أو أكمل امرأتين، والهندات أفضل نسوة، الصحابيات أفضل النساء أو وفاطمة وخديجة ومريم وعائشة وآسية أفضل نسوة، وهكذا، فتكون بلفظ واحد.

ومما يشهد له لذلك في كتاب الله تعالى أن يكون أفعل التفضيل مضافاً إلى نكرة وأن يكون بلفظ واحد، قول الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 110]، أمة مؤنثة وقال خير، وأصله أخير يعني أفضل أمة، كنتم خير أمة أخرجت للناس. ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4-5]، ما قال بعد ذلك ثم رددناه أسفل سافلين، أحسن تقويم تقويم مفرد مذكر سافلين جمع مذكر، ومع ذلك جاء باللفظ واحد أحسن وأسفل أفعل.

قال وحالة، هذه الحالة الثالثة أو هي الحالة الثانية صورتان للحالة الأولى، انتهت الصورتان في الحالة الأولى، قال وحالة، هذه الحالة الثانية، يكون فيها مطابقاً لموصوفه وذلك إذا كان بأل، نحو زيد الأفضل، وهنا يطابق، إذا كان مقترناً بأل فإنه يطابق. تقول زيد الأفضل، والزيدان الأفضلان، الأفضلان هذا مثنى، هذا مثنى والزيدون الأفضلون، وهند الفضلى، والهندان الفضليان، والهندات الفضليات أو الفضليات، فضل هذا فضل فعل، لا إحدى الكبر عدة من الأيام، أخر أخرى، أخر، كبرى، كبر، فضل، فضل. فهذه هي الصورة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ﴾ [الغاشية: 24]، العذاب الأكبر مذكر مذكر. قال في آية أخرى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ [المائدة: 107]، الأوليان، أخران الأوليان، أولى وأولى طبعاً في قراءتنا، يعني قراءة أخرى الأولين. قال تعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ﴾ [الأنفال: 42]، لا يقال العدوة الأدنى والعدوة الأقصى، لا العدوة الدنيا المكان الأدنى، المكان الأقصى، العدوة الدنيا، العدوة القصوى. ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40]، هذه كلمة مؤنثة، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ [آل عمران: 139]، لا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، أنتم الأعلون. وهناك أمثلة أخرى.

قال وحالة، هذه الحالة الثالثة والأخيرة، قال وحالة يكون فيها جائز الوجهين المطابقة وعدمها. هذه في هذه الحالة يجوز أن يكون مطابقاً فالمفرد يكون مفرداً مع المفرد، يكون مؤنثاً مع المؤنث، مذكراً مع المذكر، مجموعاً مع المجموع، مثنى مع المثنى، أياً ما كان، وعدم المطابقة سيكون بلفظ واحد بلفظ أفعل أو ما أشبه، معروف أفعل، قال وذلك إذا كان مضافاً لمعرفة، وعدم المطابقة أفصح. عدم المطابقة أفصح، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾ [البقرة: 96]، ولا تجدنهم أحرص الناس ولم يقل أحرصي، هذا سائغ في اللغة لكن هو لم يأت في كتاب الله تعالى أحرص الناس على حياة، وقال الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ [الأنعام: 123]، طبعاً على أحد القولين، الآية فيها قولين، على قوله بالتقديم والتأخير كذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها، يعني جعلنا مجرميها أكابرها.

القول على الثاني وعدم التقدم والتأخير جعلنا فيها أكابر مجرميها، فلو كان مطابقاً لقال: جعلنا في كل قرية أكبر مجرميها، لكن قال: أكابر مجرميها بالرفع فطابق، ولم يقل: أكبر مجرميها. وعن ابن السراج أنه أوجب عدم المطابقة، والإمام ابن السراج أيضاً تقدم تعريفه، هذا الإمام الكبير أوجب عدم المطابقة، ورد عليه بهذه الآية. فيمكن أن يجاب عنه بأنه كان يرى القول الثاني، يعني: جعلنا مجرميها أكابر، أو ذهل حين قيد هذه القاعدة عن هذه الآية.

قال: وأجمعوا على أنه لا ينصب المفعول به مطلقاً، يعني النحويون أجمعوا على أن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به مطلقاً مع وجود آيتين في كتاب الله تعالى على الأقل فيما أذكر؛ مع وجود آيتين في كتاب الله ظاهرهما ذلك، ظاهرهما النصب على المفعولية، لكن طبعاً أُولهما بناءً على هذا الإجماع.

قال: ولهذا قالوا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 117]، وهو أعلم بالمهتدين. قالوا: إن "من" ليست مفعولاً بأعلم لأنه لا ينصب مفعولاً؛ هذه هي المشكلة. قد يقول قائل: لا نأخذ من القرآن فيستدل بهذا، لكن مسألة الإجماع هي التي لا يتجاسر المرء على مخالفة الإجماع، لكن المتجاسر أو المجتهد الذي لا يمكن: قل أعلم من يضل عن سبيله، أقول: "من" مفعول به. ونحو قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124] سبقت هذه قبل ذلك في باب المفعول به، وقال إنها مفعول، "حيث" مفعول به لفعل محذوف، أعلم يعني يعلم حيث، يعني يعلم مكان وضع الرسالة. هنا: "أعلم من يضل عن سبيله"، يعني يعلم من يضل عن سبيله. فهاتان الآيتان يمكن أن يقال بما قال، لكن أن يكون مجتهداً، وأن يعرف كيف يخالف أهل العلم في مثله.

قال: لأنه لا ينصب المفعول، هذا هو السبب، ولا مضافاً إليه، يعني لا يجوز أن يقال: إن ربك هو أعلم من يضل، أعلم مضاف وما بعده مضاف إليه، لأن هذا معنى محال؛ هذا المعنى محال. يعني من الأحسن الواحد لا يتكلم، المصنف تكلم فيه، قال: لأن أفعل بعض ما يضاف إليه، قل: زيد أعلم الرجال، هو رجل من الرجال، زيد أعلم الرجال، كما كنت تقول: أبو بكر أفضل هذه الأمة بعد نبيها، فهو واحد من هذه الأمة، أفضل هذه الأمة هو واحد منها. إذا قال: إن ربك أعلم من يضل بهذا المعنى، هذا معنى فاسد، يعني يكفي ذكره فقط دون تفصيل، لكن المصنف فصل، قال: لأن أفعل بعض ما يضاف إليه فيكون التقدير أعلم المضلين، طبعاً الصواب الضالين، صواب الضالين ليس المضلين؛ لأن الآية هكذا في القراءة، قراءة الأئمة جميعاً قرأوا ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ﴾ [الأنعام: 117]، ضل لم يقل يضل، فيضل فهو مضل، لكن ضل فهو ضال، وأيضاً مقابلها قول الله تعالى فيما بعد: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾، فالضال في مقابل المهتدين أو المهتدي في مقابل الضال، بل هو منصوب بفعل محذوف يدل عليه أعلم، أي يعلم من يضل، يعلم من يضل.

واسم التفضيل يرفع الضمير المستتر باتفاق، يبقى إذاً هو لا ينصب المفعول به باتفاق، لو سلمنا أن الآيتين لا تشيران إلى ذلك ولا تنقضان هذا الاتفاق، هاتان متقدمتان على الاتفاق كما هو معلوم، يعني الاتفاق جاء بعد الآيتين بمئات السنين، لما قعد النحو واستقرأ الكلام، ولم يعد هناك إلا من هو موافق على هذا. هنا قالوا إنه لا ينصب المفعول به باتفاق، الثاني قالوا إنه يجوز أن يرفع الضمير المستتر باتفاق، يبقى هذا اتفاق في مقابل الأول، لا يجوز هنا يجوز، يرفع الضمير المستتر باتفاق، أقول: زيد أفضل من عمرو، أين الضمير؟ أفضل يعني أفضل هو، فهذا ضمير مستتر يعود على زيد، كما أنه يستتر في الفعل فيستتر فيما يعمل عمل الفعل، فيكون في أفضل ضمير مستتر عائد على زيد، قال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ﴾ [البقرة: 282]، أقسط هو يعود على ذلكم، هذا المذكور، ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة، وكذلك أقوم، أقسط وأقوم في كل واحد منهما ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود على ما قبله، فيكون في أفضل ضمير مستتر عائد على زيد. وهل يرفع الظاهر مطلقاً أو في بعض المواضع فيه خلاف بين العرب أنفسهم؟ فورد عنهم مثال جاء فيه ما يشهد لأن أفعل التفضيل يرفع الظاهر، وورد عنه شيء آخر.

قال: فبعضهم يرفعه به مطلقاً، فتقول: مررت برجل أفضل منه أبوه، مررت برجل، هذا الرجل أبوه أفضل منه، لو قال مررت برجل أفضل، هذا مجرور لأنه نعت لرجل، لكن لماذا قال أفضل؟ لأنه ممنوع من الصرف فهو مجرور بفتحة ظاهرة، فتخفض أفضل بالفتحة على أنه صفة لرجل، وترفع الأب على الفاعلية، أفضل منه أبوه، يعني كأنك تقول: فضل أبوه، أبوه فضل عليه، أفضل منه، أبوه فاعل بأفعل التفضيل، وهي لغة قليلة، وأكثرهم -أكثر العرب- يوجب رفع أفضل في ذلك على أنه خبر مقدم وأبوه مبتدأ مؤخر، يعني تقول: مررت برجل أفضل منه أبوه، مررت برجل هذا جار ومجرور يحتاج إلى نعت، النعت هنا جملة اسمية: أفضل منه أبوه، يعني أبوه أفضل منه، طيب في هذا: مررت برجل أفضل منه أبوه، ماذا رفع أفعل التفضيل؟ رفع الضمير المستتر المتفق عليه، رفع ضمير مستتر المتفق على رفعه به، قال: وفاعل أفضل ضمير مستتر عائد عليه، ولا يرفع أكثرهم بأفعل الاسم الظاهر إلا في مسألة الكحل، هذه مسألة واحدة، قالوا: كلما وردت هذه المسألة فإن أفعل التفضيل يرفع الاسم الظاهر فيها، هذه المسألة سموها مسألة الكحل لأن المثال الذي جاؤوا به فيها فيه كلمة الكحل.

قال: وضابطها أن يكون في الكلام نفي أو شبهه، نفي أو نهي أو استفهام، أن يكون في الكلام نفي بعده اسم جنس، رجل، امرأة، أحد، أي مكان موصوف باسم تفضيل، رجل أفضل، يعني تقول مثلاً: ما رايت، ما هذا نفي، أو هل رأيت، أو لا يكن مثلاً نهي، أي ما كان، هنا يتقدم نفي: ما رأيت، بعد ذلك اسم جنس: ما رأيت رجلاً، هذا اسم الجنس هذا موصوف باسم تفضيل: ما رأيت رجلاً أحسن، إلى هنا تم الكلام، أكمل بعده اسم مفضل على نفسه باعتبارين، هو هذا هو الكحل، هذا: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد. قولهم: ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، ما هذا تقدم هنا نفي، رجلاً هذا هو اسم الجنس الذي بعد النفي، أحسن هذا أفعل التفضيل الذي هو نعت لرجل، ما أين الاسم الذي هو مفضل على نفسه باعتبارين؟ الكحل، كيف فضل على نفسه باعتبارين؟ الكحل في عين زيد أحسن من الكحل في عين غير زيد، فهذا اسم مفضل على نفسه باعتبار، فهو باعتبار فاضل وباعتبار آخر مفضول، هو في عين زيد أفضل وفي عين غير زيد مفضول، هو يفضل على نفسه باعتبارين، ما رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد، الكحل بأي شيء رفع؟ رفع بأحسن، فهو أفعل، فأفعل هنا رافع للاسم الظاهر في هذه المسألة، هي مسألة الكحل.

قال: وقول الشاعر: "ما رأيت امرأً أحب إليه البذل منك يا ابن سنان"، أحب إليه البذل منك يا ابن سنان، أين الكلام من أوله إلى آخره؟ ما نفي، امرأً هذا اسم جنس، أحب هذا هو أفعل التفضيل، البذل هذا هو المرفوع، طيب هو مرفوع على الفاعلية أم على المفعولية؟ هذا فيه كلام، يعني الشيخ محمد قال هو مرفوع على الفاعلية، الأقرب إذا نظرت تراه مرفوعاً على النيابة عن الفاعل، هو هذا الرجل أحب إليه البذل، ما معنى أنه هو يحب البذل؟ فالبذل محبوب إليه، فالبذل نصب هنا، رفع هنا على أنه نائب عن الفاعل، لكن يقولون: لا يرفع الفاعل إلا في مسألة الكحل، فكأنه -الله أعلم- كأنه فاعل وإن كان في المعنى نائباً عن الفاعل. هل لذلك مثال؟ لا أعلم له مثالاً في كتاب الله، مثاله في السنة قول النبي -قول عائشة رضي الله عنها- تصف النبي صلى الله عليه وسلم ووجعه عليه الصلاة والسلام، وأنا أحب أن أسمي هذه المسألة مسألة الوجع لأجل هذا الدليل، هم قالوا مسألة الكحل لأجل مثال الكحل الذي ذكروه، مسألة الوجع لأجل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقول عائشة: "ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم"، ما رأيت هذا نفي، أحداً هذا اسم جنس، أشد هذا أفعل التفضيل الذي كان نعتاً لاسم الجنس، الوجع هذا الاسم الذي فضل على نفسه باعتبارين، فالوجع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منه عند غيره، فقالت: ما رأيت أحداً أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالوجع فاعل أفعل التفضيل الذي هو أشد، يعني اشتد عليه الوجع، هنا يرفع على الفاعلية لا على النيابة.

قال: وكذلك لو كان مكان النفي استفهام كقولك: هل رأيت رجلاً أحسن في عينه الكحل منه في عين زيد؟ هي هي، ما رأيت أو هل رأيت، أو نهي: لا يكن أحد أحب إليه الخير منه إليك، هذا أو ذاك. وبهذا يكون الكلام عما يعمل عمل الفعل قد انتهى بحمد الله تعالى.

ودرس الغد إن شاء الله تبارك وتعالى، وقدر بإذن الله تعالى، سيكون درس الغد في التوابع، أحاول أن أجمل التوابع كلها في درس واحد، أن أضغط الدرس حتى يكمل الكلام في التوابع كلها؛ العطف والنعت والتوكيد والبدل، وأن يكون الدرس الأخير بإذن الله تعالى فيما بقي من الكتاب؛ في العدد، وفي الممنوع من الصرف، وفي التعجب، وفي الهمزتين، وفي الوقف، هذه خمس مسائل تكلم عليها في آخر الكلام. أرجو أن يتم الدرسان على خير بإذن الله تعالى. هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.