السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد: فهذا هو الدرس الثامن عشر لشرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.
ولم يبقَ بحمد الله تبارك وتعالى إلا الكلام في التوابع في هذا الدرس، والكلام في خمسة أبواب أجملها المصنف وتكلم عنها في أواخر الكتاب، وهي العدد، والممنوع من الصرف، والتعجب، ثم كلام في الوقف على بعض الأحرف، وكلام عن الهمزتين؛ همزة الوصل وهمزة القطع، وهذا كله سيأتي في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. أسأل الله تبارك وتعالى أن يتم علينا بخير بإذن الله.
قال رحمه الله تعالى: باب التوابع. يقول: هذا باب التوابع، ويصح بالتنوين كما تعلمون؛ باب التوابع، أي هذه هي التوابع. قال: يتبع ما قبله في إعرابه خمسة.
التوابع عبارة عن الكلمات التي لا يمسها الإعراب إلا على سبيل التبع لغيرها. معنى ذلك أنك إذا قيل لك مثلاً: ما إعراب المبتدأ؟ تقول: المبتدأ مرفوع. ما إعراب المفعول المطلق؟ منصوب. ما إعراب المنادى مثلاً؟ والمنادى إما أن يكون منصوباً، وإما أن يكون مبنياً على ما يرفع به في محل نصب، وهكذا. وهذا كثير؛ ما إعراب المضاف إليه؟ مجرور. ما إعراب الفعل المضارع إذا سبقته لم؟ مجزوم. وهذا كثير.
إذا قيل لك: ما إعراب النعت؟ ما إعراب البدل؟ ما إعراب التوكيد اللفظي أو التوكيد المعنوي؟ حينئذٍ ستقف. فالعطف والنعت والتوكيد والبدل، هذه الأربعة لا يقال ما إعرابها؛ لماذا؟ لأنها تابعة لما قبلها، هي تابعة لما قبلها؛ لذا قال: لا يمسها الإعراب إلا على سبيل التبع لغيره. هي تنتظر -من باب تقريب المعاني- ما قبلها وتنظر إليه؛ إن كان مرفوعاً قالت: أنا سأتبعه في الرفع، وإن كان منصوباً فكذلك، وإن كان مجروراً فكذلك. فالتابع للمرفوع مرفوع، والتابع للمنصوب منصوب، وهكذا.
قال: وهي خمسة: النعت، والتأكيد، وعطف البيان، وعطف النسق، والبدل. قال: النعت والتأكيد، وسبق أن التأكيد فصيح وأن التوكيد أفصح؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91]. وعطف البيان وعطف النسق، بعضهم يقول العطف كما قال ابن مالك عليه رحمة الله: يتبع في الإعراب الأسماء الأول، نعت وتوكيد وعطف وبدل. يعني أن النعت والتوكيد والعطف والبدل تتبع في الإعراب الأسماء التي تسبقها وهي المتبوعات، فهي أربعة: نعت وتوكيد وعطف وبدل.
قالوا العطف نوعان: عطف بيان وعطف نسق. بعضهم يقول ستة: النعت، والتوكيد اللفظي، والتوكيد المعنوي، فكل هذا من باب الخلاف اللفظي؛ يعني إذا قيل التوابع أربعة، أو قيل التوابع خمسة، أو التوابع ستة، فاعلم أن الخلاف لفظي. وعدَّها الزجاجي وغيره أربعة، وسبق التعريف بالإمام الزجاج وبالإمام الزجاجي وهو تلميذه، على الأئمة جميعاً رحمة الله تعالى؛ عدوها أربعة؛ لماذا؟ قال: وأدرجوا عطف البيان وعطف النسق تحت قولهم العطف، كما سمعتم بيت ابن مالك عليه رحمة الله: نعت وتوكيد وعطف وبدل.
قال: النعت وهو التابع المشتق أو المؤول به المباين للفظ متبوعه. ماشي المصنف على ترتيب ابن مالك: نعت وتوكيد وعطف وبدل. بدأ بالنعت، ثم ثنى بالتوكيد، ثم تكلم عن العطف، وأيضاً تبعه الكلام عن عطف البيان ثم عطف النسق، وتكلم أخيراً عن البدل.
قال التابع جنس يشمل التوابع الخمسة أو الأربعة أو الستة كما سبق. والمشتق أو المؤول به مخرج لبقية التوابع، وهذا الذي ينحوه ابن هشام عليه رحمة الله في بعض تعاريفه، وقد سبق البيان عن هذا في أوائل الدرس الماضي، أنه نوع في هذا الكتاب؛ فأحياناً يذكر شيئاً ولا يعرف، إنما يدخل على العدد مباشرة لا يعرف، كما تكلم عن الأسماء الموصولة وأسماء الإشارة وما أشبه دون تعريف، وأحياناً يعرف ولا يتكلم على التعريف، وأحياناً يعرف ثم يتكلم على التعريف ويخرج منه ما يخرج كما هنا، وكما في الفاعل، وغير ذلك مما سبق.
قال: التابع جنس، هو يتكلم الآن عن تعريفه الذي ذكره في المقدمة: التابع المشتق أو المؤول به المباين -أي المخالف- للفظ متبوعه. فالتابع جنس يشمل التوابع الخمسة؛ فإذا قيل النعت تابع، فإذاً سيخرج مثلاً الفاعل ونائب الفاعل والمبتدأ والخبر وهذه الأشياء لأنها ليست توابع، إنما سيدخل فيها النعت والعطف والتوكيد والبدل. وهذا هو التعريف؛ تعريف يخرج بعض الأشياء التي لا تدخل، وقلما تجد تعريفاً جامعاً مانعاً كما يقولون، يقولون التعريف لابد أن يكون جامعاً مانعاً، وقل أن تجد تعريفاً جامعاً مانعاً، لكن هذا من باب التقريب.
فالتابع جنس يشمل التوابع الخمسة دون غيرها. والمشتق أو المؤول به مخرج لبقية التوابع؛ لأن النعت لابد أن يكون مشتقاً أو مؤولاً بالمشتق، أما بقية التوابع فتكون جامدة، وما كان منها مشتقاً سيتكلم عنه بعد ذلك. قال: فإنها لا تكون مشتقة ولا مؤولة به، ثم يبين هذا يقول: ألا ترى أنك تقول في التوكيد: جاء القوم أجمعون، سجد الملائكة كلهم أجمعون، وجاء زيد زيد، الأول توكيد معنوي والثاني توكيد لفظي -سيأتي الكلام في التوكيد المعنوي واللفظي في هذا الدرس إن شاء الله- وزيد وأجمعون هذان ليسا مشتقين وليس مؤولين بالمشتق.
قال: وفي البيان والبدل؛ جاء زيد أبو عبد الله، وهذا ذكرته لكم قبل ذلك وسياتي الكلام فيه أيضاً، ذكرته لكم في العلم وفي غير هذا من المواضع، وسياتي الكلام فيه اليوم إن شاء الله تعالى. كل ما جاز إعرابه عطف بيان فإنه يجوز إعرابه بدلاً، إلا في مسألة أو مسألتين سيتكلم المصنف عنهما، فعطف البيان والبدل كان بينهما اتفاق؛ فالأصل أنك تقول هذا بدل أو عطف بيان، فيصح هذا ويصح هذا إلا في بعض المسائل.
قال: وفي البيان والبدل؛ تذكرون هذا عندما كانوا يقولون: سعيد كرز، وسعيد كرز، ويقولون أيضاً في باب ما يتبع المنادى؛ أحياناً تقول: يا سعيد كرز إذا أردت البدل، لأن البدل على نية تكرار العامل، فأقول: يا سعيد يا كرز. وأقول أيضاً: يا سعيد؛ يجوز أن تقول: يا سعيد كرز، وكرزاً، لماذا؟ لأنك أردت عطف البيان. إذاً هذا المعنى مر في العلم ومرة في تابع المنادى، وها هو يأتي هنا، وسياتي أيضاً فيما بعد إن شاء الله تعالى في عطف البيان وفي البدل.
قال: جاء زيد أبو عبد الله، فيجوز أن تقول أبو عبد الله بدل، ويجوز أن تقول أبو عبد الله عطف بيان، هو يبين زيداً. وعلى كلٍ أبو عبد الله هذا ليس مشتقاً ولا مؤولاً بالمشتق. وفي عطف النسق، تنسق شيئاً على شيء، تعطف شيئاً على شيء؛ وفي عطف النسق: جاء زيد وعمر، فتجدها توابع جامدة، فعمر جامد، فتجدها توابع جامدة وكذلك سائر أمثلتها.
هنا سيعترض على نفسه كعادته عليه رحمة الله، يأتي ببعض الاعتراضات أو الإشكالات ويحلها. قال: ولم يبقَ إلا التوكيد اللفظي، فإنه قد يجيء مشتقاً كقولك: جاء زيد الفاضل الفاضل. جاء زيد فعل وفاعل، الفاضل نعت لزيد، الفاضل الآخر توكيد لهذا النعت، وهذا توكيد لفظي وإعادة الكلمة بلفظها. هل هذا التوكيد اللفظي مشتق أم جامد؟ مشتق، اسم فاعل. قال الأول نعت والثاني توكيد لفظي ومشتق.
قال بعد ذلك: فلهذا أخرجته بقولي: المباين؛ نعم هو التابع المشتق أو المؤول به المباين للفظ متبوعه. قال المباين للفظ متبوعه، فلا بد أن يكون مخالفاً للفظ متبوعه حتى يكون نعتاً، أما إذا كان موافقاً له فهو توكيد. إذا قيل: جاء زيد الفاضل الفاضل، فالفاضل الآخر توكيد لفظي ولا يقال هو نعت؛ لماذا؟ لأنه كمتبوعه في اللفظ.
قال: فإن قلت: قد يكون التابع المشتق غير نعت، مثال ذلك في البيان والبدل قولك: قال أبو بكر الصديق، وقال عمر الفاروق، وفي عطف النسق: رأيت كاتباً وشاعراً. هذا أيضاً اعتراض، صغه بهذه الطريقة "إن قلت"، ولابد أن يُفهم الاعتراض حتى يعرف وجهه وحتى يعلم كيف الجواب بعده. أقول: هناك توابع مشتقة وأنتم تعربونها غير نعت، يكون مشتقاً، يكون مثلاً اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة ومع ذلك تعربونها غير نعت، تعربونها بدلاً أو عطف بيان وأحياناً تعربونها عطف نسق لوجود حرف العطف، فكيف تقول النعت هو التابع الوحيد المشتق؟
ما الشاهد؟ قالوا: يقولون قال أبو بكر الصديق، وهذا معنى معروف، فأبو بكر رضي الله عنه عبد الله بن عثمان، الصحابي الجليل صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام في أول بعثته وفي هجرته وفي الغار إلى أن مات عليه الصلاة والسلام، هذا معروف أنه صديق. طيب هذا الصديق، الصديق من كثرة الصدق أو من كثرة التصديق، فهو صفة مشبهة لو أريد ملازمته رضي الله عنه لها، وهو صيغة مبالغة على وزن فعيل وليست من الصيغ المعروفة الخمسة التي سبقت؛ على كلٍ هو مشتق مأخوذ من الصدق أو من التصديق، ومع ذلك لا يعربونها نعتاً.
وقال عمر الفاروق؛ فاروق عمر رضي الله عنه المحدث الملهم، وقالوا عنه الفاروق؛ فرق الله به بين الحق والباطل، فكيف قلتم الصديق بدل أو عطف بيان، والفاروق بدل أو عطف بيان، ولم تعرفوا هذا نعتاً ولا هذا نعتاً؟ والثالث قال: رأيت كاتباً وشاعراً؛ كاتب اسم فاعل، شاعر اسم فاعل، ومع ذلك قلتم: وشاعراً، الواو عاطفة وشاعراً معطوف على كاتب. فهذا هو الإشكال؛ أن هذه الأشياء مشتقة ومع ذلك لم تُعرب نعتاً، أُعربت بدلاً أو عطف بيان أو عطف نسق.
فيجيب: يقول الصديق والفاروق وإن كانا مشتقين إلا أنهما صارا لقبين على الخليفتين رضي الله عنهما، لاحقين بباب الأعلام كزيد وعمر. فصديق والفاروق نعم هما مشتقان ولكن لصقا بأبي بكر وعمر حتى صارا كأبي بكر وعمر، صارا علمين، فأبو بكر اسمه عبد الله، كنيته أبو بكر، لقبه الصديق؛ عمر اسمه عمر، كنيته أبو حفص، لقبه الفاروق، فهذه صارت أعلاماً، والاسم والكنية واللقب من الأعلام، لم يصر وصفاً له.
قال: مثلاً فلان الصادق، كأنه يعني يصدق، لا، صار وصفاً ملازماً له فصار كأنه لقب عليه فصار علماً، كما تسمي رجلاً مثلاً ناصراً، وآخر منصورا، هذا موجود؛ طب ناصر ومنصور، هذا ناصر اسم فاعل ومنصور اسم مفعول، لكن لما سُمي به صار علماً عليه، خرج من هذا المعنى؛ إذا قلت: جاء ناصر، أنت لا تريد أنه جاء قد جاء رجل ينصر رجلاً آخر، أنت تريد هذا علم، فبهذا خرج، فصار كأنه علم فلم يعد هذا إشكالاً.
قال: وشاعراً في المثال "رأيت كاتباً وشاعراً" نعت حُذف منعوته، وذلك المنعوت هو المعطوف، فحين يأتي النعت ويُحذف المنعوت وهذا قليل، وأحياناً يأتي المنعوت ويحذف النعت، وهذا وهذا، وما من المنعوت والنعت عقلٌ يجوز حذفه وفي النعت يقل، يعني يقل حذف النعت، يعني أحياناً يأتي المنعوت ويحذف النعت وهذا قليل، وأحياناً يأتي النعت ويحذف المنعوت وهذا كثير؛ قال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11] يعني اعمل دروعاً سابغات، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25] يعني عملوا الأعمال الصالحات، وهذا كثير.
قال: وذلك المنعوت هو المعطوف، فأنت تقول: رأيت كاتباً وشاعراً، كأنك تقول رأيت رجلاً كاتباً ورجلاً شاعراً، أو رجلاً كاتباً وآخر شاعراً. إذاً فصار عطف النسق اسماً جامداً وليس مشتقاً، قال: وكذلك كاتباً ليس مفعولاً في الحقيقة إنما هو صفة للمفعول، والأصل رأيت رجلاً كاتباً ورجلاً شاعراً، فالعطف كما رأيتم على هذا الاسم المحذوف، وإنما وُجد أو جِيء في الكلام بصفة هذا وبصفة هذا بنعت وبنعت هذا، رأيت رجلاً كاتباً ورجلاً شاعراً، حُذف المنعوت من هنا ومن هنا، صار الكلام رأيت كاتباً وشاعراً.
قال بعد ذلك: وفائدته تخصيص أو توضيح أو مدح أو ذم أو ترحم أو توكيد. هذه فائدة النعت ذكرها سريعاً؛ قال فائدة النعت، فالنعت والتوكيد والعطف والبدل لابد لكل هذه الأشياء من فوائد، التوكيد مثلاً يؤكد، ومن معناه واضح؛ فهنا النعت من فوائده التخصيص، التخصيص يكون في النكرة، والتوضيح يكون في المعرفة.
قال: أما تخصيص نكرة كقولك: مررت برجلٍ كاتبٍ؛ مررت برجل هذه تشمل ملايين الرجال، إذا قلت مررت برجل كاتب، لم تتعرف، ليست معرفة، لكن صارت مخصصة، مررت برجل كاتب هنا صار العدد أقل، ليس كل رجل يكون كاتباً بهذا المعنى، برجل كاتب كانها تخصصت خرج منها شيء آخر؛ ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 93] وتخصصت النكرة بالنعت.
أو توضيح معرفة، المعرفة موجودة لكن وضحها النعت، تقول: مررت بزيد؛ نعم هذا مررت بزيد هذا واضح يكفي هذا، فهو معرفة، لكن إذا كان عندك أكثر من زيد تقول: مررت بزيد الخياط، هنا قال مررت بزيد الخياط؛ يعني ليس بزيد مثلاً العامل الآخر مثلاً، ليس بزيد النجار ولا بزيد الحداد وما أشبه ذلك، فأنت تريد توضيح هذه المعرفة؛ ﴿أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 286] هناك أقوام كثيرون فقال: انصرنا على القوم الكافرين، فهذا من باب التوضيح؛ توضيح المعرفة.
أو مدح؛ النعت يكون للمدح نحو: بسم الله الرحمن الرحيم؛ بسم الله جار ومجرور واسم الله تعالى، أو باسم جار ومجرور واسم الله تعالى مضاف إليه.
الرحمن، هذا نعت، فما فائدته؟ فائدته المدح، فهو لا يحتاج إلى تخصيص ولا إلى توضيح، فهو أوضح الواضحات. فقال: من فوائد النعت المدح أو الذم، نحو: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فمن الشيطان جار ومجرور، والرجيم نعت، فما فائدة هذا النعت؟ فائدته الذم، الذم لهذا الشيطان، فالشيطان واضح لا يحتاج إلى تخصيص ولا توضيح، إنما هو للذم.
أو ترحم، نحو: اللهم ارحم عبدك المسكين، تقصد نفسك مثلاً، أو تقصد واحداً غيرك، وقال لك تترحم عليه، تقول: اللهم ارحم عبدك المسكين هذا الذي يحتاج كذا وكذا، فهذا يقولون من باب الترحم. أو توكيد، وهذه الفائدة السادسة التي ذكرها، فالنعت يفيد التوكيد، وهنا ذكر التوكيد بالواو على الأفصح، نحو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]، تلك عشرة مبتدأ وخبر، كاملة هذا توكيد لقوله عشرة، هذا نعت وجيء به للتوكيد. قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13]، وبعد ذلك حملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فنفخة واحدة، دكة واحدة، يقولون النعت هنا للتأكيد، والتوكيد من سنن كلام العرب، من سنن كلامها أنها تؤكد توكيداً لفظياً وتوكيداً معنوياً، والقرآن بلسان عربي مبين.
قال بعد ذلك: ويتبع منعوته في واحد من أوجه الإعراب، ومن التعريف والتنكير، ثم إن رفع ضميراً مستتراً تبع في واحد من التذكير والتأنيث، وواحد من الأفراد وفرعيه؛ أعني الأفراد والتثنية والجمع، وإلا فهو كالفعل، والأحسن: جاءني رجل قعود غلمانه، ثم قاعد، ثم قاعدون. أتكلم هنا عن الاتباع وأقول: النعت تابع، هذا مما يبين أنه تابع، يتبع النعت منعوته، ليس في الإعراب فقط، بل يتبع منعوته في الإعراب، لكن أحياناً يختلف في شيء آخر، هنا النعت لابد أن يتبع منعوته من كل الجهات إذا كان نعتاً حقيقياً، ومن بعض الجهات إذا كان سببياً كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
قال: اعلم أن للاسم بحسب الإعراب ثلاثة أحوال: رفع ونصب وجر، هذا سبق في أول الكلام في أول الدروس، وبحسب الإفراد وغيره ثلاثة أحوال: إفراد وتثنية وجمع، وبحسب التذكير والتأنيث حالتان: مذكر ومؤنث، وبحسب التنكير والتعريف حالتان: إما أن يكون معرفة وإما أن يكون نكرة، فهذه عشرة أحوال للاسم. إذاً فالاسم إما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى إما أن يكون مفرداً أو مثنى أو مجموعاً، ومن جهة ثالثة إما أن يكون مذكراً أو مؤنثاً، ومن جهة رابعة إما أن يكون معرفة أو نكرة، طبعاً هناك جهات أخرى لكن هذه ليس يعتد بها في هذا الباب.
نقول مثلاً: إما أن يكون جامداً أو مشتقاً، إما أن يكون صحيحاً أو منقوصاً أو مقصوراً، كل هذا ليس له علاقة هنا، الجامد والمشتق في النعت، لكن المنعوت لا، فيتكلم عن هذه الأنواع الأربعة التي لابد فيها من النظر فيها إلى النعت والمنعوت جميعاً. قال: ولا يكون الاسم عليها كلها في وقت واحد، وهذا واضح لما في بعضها من التضاد، ألا ترى أنه لا يكون الاسم مرفوعاً منصوباً مجروراً، ولا معرفاً منكراً، ولا مفرداً مثنى مجموعاً، ولا مذكراً مؤنثاً.
الجواب: يعني أن الاسم إما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجروراً، لا يمكن أن تجتمع هذه الثلاثة، إما أن يكون معرفة أو نكرة لا يمكن أن يجتمع معا، وكذلك إما أن يكون مفرداً أو مثنى أو مجموعاً، لا تجتمع هذه الثلاثة ولا يجتمع منها اثنان، وأما أن يكون مذكراً أو مؤنثاً، ولا يجتمعان. قال: وإنما يجتمع فيه منها في الوقت الواحد أربعة أمور، وهي من كل قسم واحد، تقول: جاءني زيد، فيكون فيه الإفراد والتذكير والتعريف، زيد مفرد ومذكر وهو معرفة علم، والرفع مرفوع لأنه فاعل، فإن جئت مكانه برجل ففيه التنكير، جاءني رجل، ففيه التنكير بدل التعريف وبقية الأوجه؛ يعني إذا قلت: جاءني رجل، فرجل نكرة وهو مرفوع لأنه فاعل وهو مفرد وهو مذكر، ففيه أيضاً أربعة. إذاً لا يجتمع فيه إلا أربعة من العشر، وإن جئت مكانه بالزيدان أو بالرجال ففيه التثنية أو الجمع بدل الإفراد وبقية الأوجه؛ يعني فيه بقية الأوجه، قل: جاء الرجال، الرجال جمع ليس مفرداً، هذا جمع وهو مذكر ومعرف ومرفوع، يبقى هذه أربعة، جاء الزيدان هذا مثنى وهو مذكر ومعرف ومرفوع، فهذه أربعة. فإن جئت مكانه بهند ففيه التأنيث بدل التذكير وبقية الأوجه؛ يعني جاءت هند، هند مفرد مؤنث معرف مرفوع، أيضاً فيه أربعة، فإن قلت: رأيت زيداً أو مررت بزيد، ففيه النصب أو الجر بدل الرفع وبقية الأوجه؛ في رأيت زيداً فزيد تقول هو مفرد مذكر معرف منصوب، مررت بزيد هو مفرد مذكر معرف مجرور، فإذاً لابد أن تكون فيه أربعة من هذه العشرة، فالنعت يتبع المنعوت في أربعة منها إذا كان حقيقياً، وفي اثنين من خمسة إذا كان سببياً.
ثم ينظر بعد ذلك في شيء آخر، قال: ووقع في عبارة المعربين أن النعت يتبع المنعوت في أربعة من عشرة، ويعنون بذلك أنه يتبعه في الأمور الأربعة التي يكون عليها، وليس كذلك، هنا الخلاف لفظي بين الإمام عليه رحمه الله وبين من ذكره، لأنه يريد مطلق النعت وهم يريدون النعت الحقيقي، يريدون النعت الحقيقي، فالنعت الحقيقي يتبع في أربعة من عشرة، والمصنف سيذكر هذا أيضاً بعد ذلك. قال: وإنما حكمه أن يتبعه في اثنين من خمسة دائماً، وهما واحد من أوجه الإعراب، وواحد من التعريف والتنكير، النعت يتبع دائماً منعوته في وضع صيغته وفي حركاته، يتبعه في التعريف والتنكير وفي الحركات التي ذكر؛ الرفع أو النصب أو الجر، ولا يجوز في شيء من النعوت أن يخالف منعوته في الإعراب ولا أن يخالفه في التعريف والتنكير.
هنا يقعد هذه القاعدة يقول: يعني لا يمكن أن يكون النعت مخالفاً للمنعوت لا في الإعراب ولا في التعريف والتنكير، هل معنى ذلك أنه يمكن أن يخالفه في التذكير والتأنيث؟ يمكن، يمكن أن يخالفه في الإفراد والتثنية والجمع؟ نعم، يمكن أن يخالفه في الإفراد والتثنية والجمع، نعم، يمكن أن يخالفه في التذكير والتأنيث، نعم، هذا في النعت السببي الذي يرفع شيئاً بعده، يعمل في شيء بعده فكأنه نعت لما بعده، أصلاً يسمى نعتاً سببياً. فالكلام هنا في التعريف والتنكير وفي أوجه الإعراب في الرفع والنصب والجر، ثم كعادته عليه رحمه الله سيذكر على هذا كلاماً كأنه ينقض هذا الكلام، ثم يجيب عن هذا التساؤل، فيذكر سؤالاً وإشكالاً وسيرفعه بإذن الله تعالى.
أولاً قبل هذا الإشكال، أذكر شواهد للنعت من كتاب الله تعالى ليظهر أنه يتبعه في هذا الذي ذكره المصنف، قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: 103]، وهذا لسان مبتدأ ولسان خبر، عربي هذا نعت لسان، عربي نعت، لسان مرفوع عربي مرفوع، لسان نكرة عربي نكرة، لسان مذكر عربي كذلك مذكر، لسان مفرد عربي مفرد في كل شيء، إذا كان منصوباً: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: 12]، إذا كان مجروراً: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ [الشعراء: 195]. إذا كان معرفة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [السجدة: 21]، العذاب الشديد، في موضع آخر: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [النمل: 21]، كما قال سليمان عليه السلام عن الهدهد: لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو لأتيني بسلطان مبين، عذاباً شديداً نكرة نكرة، العذاب الشديد معرفة معرفة، وبقية الأوجه موجودة. ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: 15]، بلدة طيبة، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه، ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: 58]، بلدة نكرة طيبة نكرة، البلد معرفة الطيب معرفة، بلدة مؤنثة طيبة مؤنثة، البلد مذكر الطيب مذكر، وهكذا، هذا كثير جداً.
قال: فإن قلت: هذا منتقض بقولهم: هذا جحر ضب خرب، ماذا يقولون؟ يقولون هذا جحر ضب خرب، هذا لا، ليس فيه إشكال سيذكره المصنف، أقول هذا جحر ضب خرب، هذا الذي فيه إشكال: هذا جحر ضب خرب، بالجر، قال: فوصفوا المرفوع وهو الجحر بالمخفوض وهو خرب. قل: هذا جحر ضب خرب؛ جحر حفرة في الأرض، والضب حيوان معروف يحفر حفرة يكون فيها كبقية الحيوانات، وهذا الضب النبي صلى الله عليه وسلم قدم له على مائدة هذا الضب فلم يقربه وقال: أجدني أعافه، وقال: لم يكن بأرض قومي له إحرام، فأكله خالد بن الوليد رضي الله عنه واجتره وأخذ يأكل منه، فهو ليس حراماً لمن يعرفه طبعاً ويفرق بينه وبين الأشياء الأخرى التي هي ذات ناب محرمة. قال هذا جحر ضب خرب، طيب هذا هو الجحر الذي يحفره هذا الضب الذي هو الحيوان ليعيش فيه ويسكن فيه ويختبئ من عدوه، أو كذلك يترصد لفريسته، ما الخرب؟ ما الذي يكون خرباً؟ خربان، ما الخربان؟ هذا الضب أم الجحر؟ الجحر، فالجحر هو الخرب، فكان عليه من يقول هذا جحر ضب خرب.
كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ [طه: 80]، الأيمن نعت للجانب، وقال جانب الطور الأيمن، الأيمن هنا نعت للجانب، يقولون هذا جحر ضب خارب؟ لا، قالوا هذا جحر ضب خرب، فوصف المرفوع بالمخفوض. قال وبقوله: يعني هذا أيضاً مما يأتي عليه ويشكل عليه قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 1-2]، فكان يقول همزة لمزة، هذا مفرد وهذا مفرد، الذي مفرد أيضاً، هذا مجرور، المفروض هذا مجرور، الإشكال أين الإشكال؟ همزة نكرة، الذي معرفة، فهمزة نكرة فكيف نعتت بالمعرفة، والأسماء الموصولة من المعارف؟ قال: فوصف النكرة وهي همزة لمزة بالمعرفة وهو الذي.
وبقوله أيضاً: هذا مما يشكل ﴿حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: 1-3]، فوصف المعرفة وهو اسم الله تعالى بالنكرة وهي شديد العقاب، يقولون له: كيف شديد العقاب؟ نكرة أضيفت إلى معرفة فهي معرفة، وسيذهب إلى ما سبق في باب الإضافة، قال: وإنما قلنا أنه نكرة لأنه من باب الصفة المشبهة، ولا تكون إضافتها إلا في تقدير الانفصال، ألا ترى أن المعنى شديد عقابه، لا ينفك في المعنى عن ذلك. هذا سبق في باب الإضافة، سبق أن اسم الفاعل أو أن الصفة عموماً اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة إذا أضيفت إلى ما بعدها كانت الإضافة لفظية لا تفيد تعريفاً ولا تنكيراً.
قال في الجواب عن ذلك: ومن عجب أن المصنف عليه رحمه الله أجاب عن المثال الأول، وسها عن الجواب عن الآيتين، هذا غريب! يعني قال: قلت أما قولهم هذا جحر ضب خرب فأكثر العرب ترفع خرباً ولا إشكال فيه، يعني إذا قالوا هذا جحر ضب خرب، هذا لا إشكال فيه، هذا مبتدأ، جحر خبر، ضب مضاف إليه، خرب نعت للخبر، خرب نعت للخبر وهو مرفوع، الخبر مرفوع، لا إشكال فيه، أين الإشكال؟ الإشكال عند من يقول هذا جحر ضب خرب، هنا يأتي الإشكال. قال: ومنهم من يخفضه لمجاورته للمخفوض، كما قال الشاعر: قد يؤخذ الجار بجرم الجار، يعني عكس ما نحن ما نقول؛ يعني هو هذا من باب؛ من باب آخر من جور السعيد يسعد، يعني يسعد من جاورته السعداء؛ هذا لأنه جاور المجرم أخذ بجرمه، كما قال القائل: جانيك من يجني عليك، وربما تعدي الصحاح مبارك الجرب، ولرب مأخوذ بذنب عشيرته، ونجا المقارف صاحب الذنب. هذا يأتي أحياناً، فكأنه لأنه جاور المجرور جر، فهذا اسمه جر على المجاورة، هذا جر على المجاورة، وهو نادر وشاذ، ليس مستعملاً كثيراً في لسان العرب، وقد حمل عليه بعضهم بعض الآيات في كتاب الله تعالى، والصحيح أنه لا يحمل شيء من كتاب الله تعالى على الجر بالمجاورة، العلم عند الله تعالى، إن كان هناك يعني موضع قوي، الحمل في على المجاورة قوي جداً، لكن على كل هذه تبقى مسألة نحوية. قال: ومرادهم بذلك أن يناسبوا بين.
المتجاوران في اللفظ وإن كان المعنى على خلاف ذلك، يعني هذا جحر ضبٍ خربٍ. قالوا: إذا نجعل إعراب هذا كإعراب الذي قبله؛ يا جماعة المعنى سيختل! يقول: لا، كل الناس يعلمون أننا نريد أن الجحر هو الخرب وليس الضب. قال على هذا الوجه: ففي «خربٍ» ضمة مقدرة منع من ظهورها اشتغال الآخر بحركة المجاورة. قال: هذا جحر ضبٍ خربٌ، ولكن هذا مجرور لفظًا وهو مرفوع محلًا؛ لماذا لم تظهر عليه الضمة؟ لأن هذه الباء التي نحتاج إلى أن نجعل عليها تنوينًا بالضم انشغلت بالكسرتين؛ المجاورة. هذا معنى اشتغال المحل، وليس ذلك بمخرج له عما ذكرنا من أنه تابع لمنعوته في الإعراب؛ فهو إما أن يتبعه لفظًا، وإما أن يتبعه محلًا.
فول الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: 10]، هذا في توابع المنادى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾. قالوا: يجوز هنا أن تقول: والطيرُ، والطيرُ أفصح، وهو الذي جاء في كتاب الله تعالى، وبه قرأ الأئمة جميعًا. طيب، ﴿الطَّيْرَ﴾ لماذا نصبت مع أنها معطوفة على ﴿يَا جِبَالُ﴾؟ هكذا قال: إن ﴿يَا جِبَالُ﴾ هذا منادى مبني على الضم في محل نصب، فهذا تابع له على المحل؛ فالتابع إما أن يكون تابعًا على اللفظ، وإما أن يكون تابعًا على المحل.
ليس ذلك بمخرج له عما ذكرنا من أنه تابع لمنعوته في الإعراب، كما أن نقول إن المبتدأ والخبر مرفوعان، ولا يمنع من ذلك قراءة الحسن البصري: «الحمد لله». هذه القراءة في بعض الأماكن عندنا في الأرياف يقولون هذا، وتقول: عامل إيه؟ يقول لك: الحمد لله، فكان يصعب أن ينتقل من الضمة إلى الكسرة، يقول: الحمد لله، فإذًا «الحمد لله» هكذا، وهذا أسمعه بأذني في بعض الأحيان. فهل يقال: «الحمد لله»، «الحمد» هذا مجرور؟ لا، هذا مرفوع؛ هذا مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه ضمة مقدرة، طيب ما الذي منع من ظهورها هنا؟ اشتغال المحل بحركة المناسبة، فكأنه قال: الحمد، بعد ذلك لله، اللام المكسورة تناسبها أن تكون قبلها كسرة، قال: «الحمد لله»، لكي يناسب بين الكسرة التي على اللام، فجاء بكسرة على الدال. طبعًا هذه قراءة شاذة، قراءة الحسن معروف أنها من القراءات الشاذة، فالذي انفرد به الحسن عليه رحمه الله معدود في القراءات الشاذة، وهذا معنى كون قراءة الحسن شاذة، ليس معنى هذا أن الحسن بن أبي الحسن البصري عليه رحمه الله كان يقرأ بالقراءات الشاذة وكانت قراءته كلها شاذة، لا، هذا ما انفرد به، ففي قراءته كان يقرأ كما يقرأ الأئمة.
قال بكسر الدال اتباعًا لكسرة اللام، ولا يمنع من ذلك أيضًا قولهم في الحكاية: «من زيدًا» بالنصب، أو «من زيدٍ» بالخفض؛ إذا سألت من قال: «رأيت زيدًا» و«مررت بزيدٍ»، فهو يقول لك: «رأيت زيدًا»، فإن تقول له: «من زيدًا؟» يقول لك: «مررت بزيد»، تقول: «من زيدٍ؟» أردت أن تشاكل قوله «زيدًا» بقولك «زيدًا»، وإلا فـ«من زيدٌ» هذا مبتدأ وخبر، فـ«زيدٌ» خبر، عند بعض العلماء مبتدأ، عند غيره، مسألة خلاف فيها معروفة ولا إشكال فيها. هذا أو ذاك، «مررت بزيدٍ» تقول: «من زيدٍ؟» هل يقال: «من» مبتدأ و«زيد» مجرور مثلًا مضاف إليه؟ لا، «من زيدٌ» هذا مبتدأ وخبر، ولكن انشغل بحركة الحكاية، وأردت أن تربط كلامك بكلامه بحكاية الإعراب. وقد تبين بهذا صحة قولنا إن النعت لا بد أن يتبع منعوته في إعرابه وتعريفه وتنكيره.
هذا الاستطراد الذي ذكره المصنف في «جحر ضبٍ خربٍ» أنساه الاعتراضين اللذين ذكرهما من الآيتين، لأنه اعترض بآية الهمزة: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ﴾ [الهمزة: 1-2]، الذي قال الذي يكون نعتًا لـ«همزةٍ لمزةٍ»، و«همزة» نكرة و«لمزة» نكرة، فكيف تنعت النكرة بمعرفة؟ والصواب أن يقال: «الذي» ليس نعتًا، ليس من باب نعت النكرة بالمعرفة، وإنما هو بدل، ولا يشترط في البدل المطابقة كما سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى. ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]، صراط مستقيم، صراط نكرة، ومستقيم هذا نعت، فالنكرة ما زالت كما هي نكرة لأنها أضيفت إلى نكرة مثلها فتخصصت، لكنها لم تتعرف. قال بعد ذلك: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: 53]، ﴿الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، الصراط هنا نكرة أضيفت إلى اسم الله تعالى فتعرفت، طيب «صراط الله» ما موقعه في الإعراب؟ بدل من «صراط المستقيم». فالبدل يمكن أن يكون مخالفًا للمبدل منه في التعريف والتنكير، فيقال الذي بدل، هذا وجه. وكلمة «الذي» و«الذين» مثل هذه الكلمات، هذه الأشياء أحيانًا تجدون فيها إعرابات كثيرة، وهذه الإعرابات قد تكون أحيانًا رفعًا ونصبًا وجرًا؛ لماذا؟ لأنها مبنية لا يظهر عليها كثير من الإعراب، لكن إذا كانت الكلمة منصوبة مثلًا تجدون فيها عدة إعرابات لكن كلها يصب في النصب، يقولون هذه حال، لا هذه مفعول مطلق، لا هذه مفعول لأجله، أو هذه أغلب ذلك جائزة على هذه الأوجه أو منصوبة على هذا الخط، لكن يدورون حول المنصوب.
لكن المتابع مثلًا لإعراب القرآن وكذا يجد مثلًا يختلفون جدًا في «الذي» وفي «الذين»، وهذا الاختلاف لا يكون مثلًا رفعًا فقط، نقول لا، هذا يعربها إعرابًا ستصير به مرفوعة، وهذا يعربها إعرابًا آخر تصير به منصوبة، وهذا يعربها إعرابًا ثالثًا تصير به مجرورة؛ لماذا؟ لأنها مبنية لا يظهر عليها حركة، فتكثر الآراء في هذا الباب. فقيل «الذي» بدل، وبدل مجرور لأن ما قبله مجرور، وقيل بل هو منصوب، هو مفعول به منصوب: «أعني» أو «أذم» الذي جمع مالًا وعدده، وقيل هو خبر، يعني: «ويل لكل همزة لمزة هو الذي جمع مالًا وعدده»، إذا سألت من هذا الهمزة اللمزة فهو الذي جمع مالًا وعدده، فهنا إذا كان خبرًا فهو في محل رفع، إذا كان بمعنى «أعني» أو «أذم» فهو في محل نصب، إذا كان بدلًا فهو في محل جر، هذا شاهد لما ذكرته لكم.
وأيضًا لم يذكر يتكلم عن الآية الثانية: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: 2-3]. فيقال نعم، الأصل أن اسم الفاعل إذا أضيف إلى ما بعده فإن الإضافة تكون لفظية، لكن ليس هذا على إطلاقه، إنما إذا أريد بذلك الاستمرار؛ فالمراد حينئذ يخرج اسم الفاعل وما بعده، تخرج هذه الإضافة من كونها لفظية إلى كونها معنوية؛ فمعنى «غافر الذنب» و«قابل التوب» أن هذا مستمر كائن من الله تبارك وتعالى لا يتخلف، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول، كل هذه المعاني موجودة، فهذه ليست نكرة وهذا نعت ولا إشكال في ذلك. وهذا كثر جدًا في كتاب الله تعالى أن يأتي اسم الفاعل من أسماء الله تعالى، وتأتي المشتقات وتكون مضافة إلى ما بعدها، وحينئذ تخرج من باب النكرة إلى باب المعرفة ولا تكون فيها الإضافة لفظية، وإنما تكون معنوية.
قال: وأما حكمه بالنظر إلى الخمسة الباقية، يبقى إذا تكلم عن حكمه بالنظر إلى التنكير والتعريف، قال لا بد أن يطابق، وعن حكمه بالنظر إلى الرفع والنصب والجر قال لا بد أن يطابق، بقي الكلام من جهة الإفراد والتثنية والجمع، ومن جهة التذكير والتأنيث. قال: وأما حكمه بالنظر للخمسة الباقية وهي الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث، فإنه يعطى منها ما يعطى الفعل الذي يحل محله في ذلك الكلام؛ فكأنك تحذف هذا المنعوت، تحذف هذا النعت وتضع محله فعلًا. فإن كان الوصف رافعًا لضمير الموصوف، طابقه في اثنين منها، ويكمل له حينئذ الموافقة في أربعة من عشرة كما قال المعربون، وهذا الذي أراده المعربون عندما يقولون: وتابع له في أربعة من عشرة. ﴿وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل: 103]، يقولون عربي هنا نعت وفيه ضمير مستتر يعود إلى لسان، عربي هو كذلك، «بلدة طيبة» أي هي، فهو فهذا نعت، اسمه نعت حقيقي، هنا يكمل له أربعة من عشرة. تقول: مررت برجل قائم، وبرجلين قائمين، وبرجال قائمين، وبامرأة قائمة، وبامرأتين قائمتين، وبنساء قائمات. كل هذا معروف، كما تقول في الفعل: مررت برجل قام، وبرجلين قاما، وبرجال قاموا، وبامرأة قامت، وبامرأتين قامتا، وبنساء قمن؛ يعني كما أنك تفعل مع الفعل في مثل هذا وتطابق، لا بد أن تأتي بضمير مطابق للمنعوت؛ برجل قام هو، برجلين قاما، تأتي بألف الاثنين لأن قبله رجلين، وبرجال قاموا فتأتي بواو الجماعة لوجود الرجال قبل ذلك، وهكذا الباقي. فحينئذ يكون رافعًا، ويكون تابعًا للمنعوت في أربعة من عشرة.
قال: وإن كان الوصف رافعًا لاسم ظاهر، فإن تذكيره وتأنيثه على حسب ذلك الاسم، هذا هو النعت السببي، تجد النعت موجودًا وتجد بعده اسمًا مرفوعًا، هذا الاسم كأنه هو المنعوت أصلًا ولكنه جاء بعده ورفع به، فحينئذ تقول: طب هو نعت لما بعده؟ النعت لا يتقدم على المنعوت. طب هو نعت لما قبله؟ لا، ليس نعتًا لما قبله، إنما هو نعت لما بعده، فيختلف هذا من ذاك، فحينئذ سموه نعتًا سببيًا، يتبع ما قبله في شيئين وينظر إلى ما بعده في الشيئين الآخرين. قال: فإن تذكيره وتأنيثه على حسب ذلك الاسم الظاهر لا على حسب المنعوت، كما أن الفعل الذي يحل محله يكون كذلك. تقول: مررت برجل قائمة أمه، مررت فعل وفاعل، برجل جار ومجرور، وقائمة نعت؛ إذا نظرت رجل نكرة وقائمة نكرة لا بد أن يطابق هنا، برجل هذا مجرور قائمة هذا مجرور لا بد أن يطابق هنا، بقي النظر في التأنيث والتذكير، برجل قائمة أمه، هذا النعت هل هو نعت للرجل أصلًا؟ يعني هل يريد أن الرجل هو القائم؟ لا، هو يريد أن الأم هي القائمة، يريد أن الأم هي القائمة، فهو نعت لما بعده في الحقيقة، يعني في الأصل نعت لما بعده، يصف المرأة التي هي الأم بالقيام، لا يصف الرجل، سموه نعتًا سببيًا، والذي بعده فاعل به؛ «قائمة أمه»، أمه فاعل باسم الفاعل، كأنك قلت مررت برجل تقوم أمه، فكما أنك تقوم بالتأنيث فإنك تقول قائمة بالتأنيث، فتؤنث الصفة لتأنيث الأم ولا تلتفت لكون الموصوف مذكرًا، هذا تنساه، إنما تنظر إلى الموصوف الذي بعد ذلك، تنظر إلى السببي الذي بعد ذلك أو المرفوع الذي بعد ذلك؛ لأن هذا نعت سببي، لأنك تقول في الفعل قامت أمه، وتقول في عكسه: مررت بامرأة قائم أبوها، هذا أيضًا كما سبق، لا يقال قائمة أبوها، لا، يقال قائم أبوها، فتذكر الصفة لتذكير الأب ولا تلتفت لكون الموصوف مؤنثًا؛ لأنك تقول في الفعل قام أبوها.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75]، هنا اجعل الذين يقولون أو اذكر الآية من أولها: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: 75]، وسبق التعليق على هذا كثيرًا. الشاهد فيه من «هذه القرية الظالم أهلها»، الظالم أهلها، القرية معرفة والظالم معرفة، هنا لا بد أن يطابق، قرية مجرورة لأنها بدل من هذه وهذه اسم مجرور بمن، والظالم مجرورة، وهو لا بد أن يطابق هنا، لما نظر للتذكير والتأنيث، القرية مؤنثة والظالم مذكر؛ لماذا؟ لأنه يريد أنه قد ظلم أهلها. يقولون الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية التي ظلمنا أهلها، فالظالم بمعنى التي ظلم، وأهل هنا بمعنى الذي، كما سبق في الأسماء الموصولة المشتركة التي ظلمنا أهلها، لم يقل بالقرية الظالمة، وإن كانت القرية يطلق عليها أنها ظالمة لا إشكال في هذا معلوم وورد عليه آيات كثيرة، لكن هنا يريد وصف أهلها بالظلم، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فذكر لأجل هذا.
قال: ويجب إفراد الوصف ولو كان فاعله مثنى أو مجموعًا كما يجب ذلك في الفعل، فتقول مررت برجلين قائم أبواهما، هل يجوز في الكلام أن يقال مررت برجلين قائمين أبواهما؟ نعم، يجوز على لغة، ويجوز على اللغة وهو سيذكرها، لكن الأصل أن يقال مررت برجلين قائم أبواهما، وبرجال قائم آباؤهم، قائم آباؤهم، مع أن الرجال جمع وكذلك الآباء جمع، ومع ذلك جاء بهذه بهذا النعت مفردًا؛ لماذا جاء بالنعت مفردًا مع أن ما قبله جمع وما بعده جمع؟ لأن الفعل إذا وضع هنا كان مفردًا، برجال قام آباؤهم. طب هل يجوز أن يقال قائمون آباؤهم؟ نعم يجوز، لأنه كما سبقت الدراسة في الفاعل، الأصل في الفعل أنه لا يأخذ علامة من علامات التثنية ولا الجمع إن كان فاعله مثنى أو مجموعًا، فتقول قام رجل، وقام رجلان، وقام رجال، لكن يجوز أن تقول على لغة أخرى لغة قليلة: قام رجل، وقاما رجلان، وقاموا رجال، هذا الذي يذكره. فحينئذ الأفصح أن تقول برجال قائم آباؤهم، ويجوز أن تقول برجال قائمون آباؤهم أو قيام آباؤهم، كما تقول قام أبواهما وقام آباؤهم، ومن قال قاما أبواهما، و«أكلوني البراغيث»، ثنّى الوصف وجمع جمع السلامة «أكلوني البراغيث»، هذه على اللغة التي ذكروها قبل ذلك، والتي قلت لكم إن الإمام ابن مالك عليه رحمه الله يسميها لغة يتعاقبون بناءً على الحديث الذي اختلف في لفظه، واللفظ المشهور فيه من رواية الإمام مالك رحمه الله: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار»، يتعاقبون فيكم ملائكة، الظاهر أن الواو فاعل، ومع ذلك ملائكة هي الفاعل، فأيهما الفاعل هنا؟ اختلف العلماء اختلافًا طويلًا، أكلوني البراغيث أصل الكلام أن يقول أكلني البراغيث، قال أكلوني.
قيل الواو هي الفاعل والبراغيث بدل، وقيل البراغيث هي الفاعل والواو مجرد علامة، وقيل غير ذلك، وقيل أكلوني فعل وفاعل ومفعول، والبراغيث مبتدأ مؤخر، هذه عدة أقوال في مثل هذا.
قال ثنى الوصف وجمعه جمع السلامة فقال: قائمين أبواهما، وقائمين آباؤهم، يبقى هذه لغة صحيحة لكنها أقل، وأجاز الجميع أن تجمع مع الصفة جمع التكسير إذا كان الاسم المرفوع جمعاً، فتقول: مررت برجال قيام آباؤهم، وبرجل قعود غلمانه. هذا عند الجميع جائز، لكن الإشكال عندهم في التثنية وفي جمع السلامة، أما جمع التكسير فيقول نقل على ذلك الإجماع، قال ورأوا ذلك أحسن من الإفراد الذي هو أحسن من جمع التصحيح.
تقول: مررت برجال قيام آباؤهم، هذا أفصح شيء، أو مررت برجال قائم آباؤهم هذا بعده في الفصاحة، وآخر شيء وأقل شيء أن تقول: مررت برجال قائمين آباؤهم.
قال ويجوز قطع صفة المعلوم موصوفها حقيقة أو ادعاء رفعاً بتقدير هو، ونصباً بتقدير أعني أو أمدح أو أذم أو أرحم. يقول في الشرح: إذا كان الموصوف معلوماً بدون الصفة، قالوا معلوماً حقيقة أو ادعاء، يعني ما إنه أما إنه معلوم حقيقة، وإما إنه معلوم ادعاء أن يدعي أنه معلوم أو نزلته منزلة المعلوم، جاز لك في الصفة الاتباع والقطع، يعني الأصل أن هذا الموصوف الأصل فيه أن يأتي موصوفه تابعاً له رفعاً ونصباً وجراً، أحياناً يعرب ويقول لا هذا نعت مقطوع.
فالنعت المقطوع حينئذ لن يكون نعتاً لهذا الذي قبله على اللفظ، لابد من شيء مقدر، تقول مثلاً: بسم الله الرحمنِ الرحيمِ، الرحمنِ هذا نعت موافق لمنعوته في كل شيء. هل يجوز لك في غير كتاب الله تعالى، في غير القراءة أن تقول: أنا أقول بسم الله الرحمنُ الرحيمُ، أو بسم الله الرحمنَ الرحيمَ؟ في غير القرآن نعم هذا جائز، لأن المنعوت هنا معلوم حقيقة، بداهة كل يعلم رب العالمين سبحانه وتعالى.
فما تأويل ذلك بسم الله الرحمنُ الرحيمُ أو بسم الله الرحمنَ الرحيمَ؟ تأويله يعني بسم الله أمدحُ الرحمنَ، أو بسم الله هو الرحمنُ، أمدحُ الرحمنَ، هو الرحمنُ، هذا اسمه النعت على القطع. أو الاتباع على القطع، قال: مثال ذلك في صفة المدح الحمد لله الحميدِ، يجوز أن تقول الحمد لله الحميدُ، هذا لا إشكال فيه ولا يخالف فيه أحد، الحمد لله الحميدِ، لله جار ومجرور والحميدِ نعت لله وهو مجرور مثله. وتقول الحمد لله الحميدُ، يعني الحمد لله هو الحميدُ، الحمد لله الحميدَ، أعني الحميدَ، أو أخص الحميدَ، أو أمدح الحميدَ.
سبحان الله، أجاز فيه سيبويه الجر على الاتباع، هذا الإشكال فيه، والنصب بتقدير أمدح، والرفع بتقدير هو، وقال سمعنا بعض العرب يقول الحمد لله ربِّ العالمينَ بالنصب هكذا. فسألت عنها يونس فزعم أنها عربية، هذا يونس بن حبيب شيخ سيبويه على الجميع رحمة الله.
ومثاله في صفة الذم: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، قرأ الجمهور بالرفع على الاتباع، والجمهور يقرؤون ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾، وقرأ عاصم بالنصب على الذم، هذه من مفاريد عاصم، هناك مفاريد لحفص وهناك مفاريد لعاصم يعني حفص وشعبة يقرآن القراءة نفسها، فكل راوٍ من الرواة في الغالب له مفاريد، وكل قارئ له مفاريد، هذه من مفاريد عاصم. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، أسوة أيضاً مفاريد عاصم، وهكذا في هذا كثير، يعني هذا من مفاريد عاصم يقرأ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، غيره يقرأ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةُ الْحَطَبِ﴾، بـ ﴿حَمَّالَةُ﴾ بالرفع، ﴿حَمَّالَةُ﴾ نعت، ﴿امْرَأَتُهُ﴾ ﴿حَمَّالَةُ﴾ أين الخبر؟ في جيدها حبل من مسد، الخبر بعد ذلك، طبعاً هناك إعرابات أخرى لكن هذا على هذا الوجه.
طيب كيف تؤول قراءتنا ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾؟ ألم يقف مثلاً بعضكم مع نفسه وهو يقرأ لماذا جاءت هكذا؟ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾، ﴿وَامْرَأَتُهُ﴾ بالرفع ﴿حَمَّالَةَ﴾، الذي يهتم بهذا الباب سيقف مع مثل هذا، نقول مثلاً: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُّسَمًّى﴾، يقف هنا، ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ﴾، أجد في موضع آخر ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾، يقف في مثل هذه الأشياء فيتأمل، وأنواع التأمل في كتاب الله تبارك وتعالى لا تنتهي.
فـ ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾ يعني أذمُّ حمالةَ الحطب، هذا منصوب على الذم، هذا من النعت المقطوع. ومثاله في صفة الترحم: مررت بزيدٍ المسكينِ، هذا المسكينُ بالاتباع لأنه مجرور، لأنه نعت بزيدٍ، المسكينُ يعني هو المسكينُ، بزيدٍ المسكينَ، أعني المسكينَ، أو أرحمُ المسكينَ، يجوز فيه الخفض على الاتباع، والرفع بتقدير هو، والنصب بتقدير أرحم. ومثاله في صفة الإيضاح: مررت بزيدٍ التاجرِ، التاجرُ، التاجرَ يجوز فيه الخفض على الاتباع، والرفع بتقديره هو، والنصب بتقدير أعني.
قال ولا فرق في جواز القطع بين أن يكون الموصوف معلوماً حقيقة أو ادعاء، فالأول مشهور وقد ذكرنا أمثلة كل الذي سبق مثال للمعلوم حقيقة. من المعلوم أحياناً قد يكون معلوماً ادعاء، تقول: مررت بزيدٍ التاجرِ، أو التاجرُ هو لا يعرفه، فكأنك نزلته منزلة من يعرفه، هذا يصح فيه الحقيقة والادعاء. قال والثاني نص عليه سيبويه في كتابه فقال: وقد يجوز أن تقول مررت بقومك الكرامِ كرامِ الكرامِ الكرامةِ، يعني بالنصب أو الرفع إذا جعلت المخاطب كأنه قد عرفهم، ثم قال نزلتهم هذه المنزلة وإن كان لم يعرفهم. والأقرب والله أعلم في هذا أن يقال مثلاً مررت بقومي الكرامِ أم بقومك، يعني كيف يقول بقومك الكرامُ أو الكرامَ؟ أقول نزلتهم منزلة من يعرف، هل هناك أحد لا يعرف قومه؟ فلو كان هذا المثال هكذا لقيل مررت بقومي الكرامُ، أو مررت أنت بقومي الكرامُ، فكأنك نزلت قومك أنت لمخاطبك كأنه يعرفهم وإن لم يكن يعرفهم، لكن كون المثال هكذا الذي ذكره عليه رحمة الله بقومك مشكل.
قال بعد ذلك والتوكيد، نعت أخذ وقتاً طويلاً، فلا حول أن أسرع فيما بقي حتى ينتهي الكلام بإذن الله تعالى عن التوابع، بقي كثير إن شاء الله تعالى في هذه الساعة، وأستطيع بإذن الله تعالى أن أكمل الكلام في التوابع الباقية.
قال والتوكيد وهو إما لفظي نحو: أخاك أخاك، ألا إن من لا أخا له، ونحو: أتاك أتاك اللاحقون، احبسي احبسي، أو أتاك أتاك اللاحقون، احبسي احبسي روايتان، قال ونحو: لا لا أبوح بحب بثينة، أو بثينة أنها، أو عزة، على حسب الرواية، وليس منه دكاً دكاً، صفاً صفاً. قال الثاني من التوابع التوكيد، ويقال فيه أيضاً التأكيد بالهمزة وبإبدالها ألفاً، التأكيد على القياس في نحو فأس ورأس، وهذا كله مقروء به، فأس ورأس، يعني كلمة رأس التي وردت في كتاب الله، أو بأس، نعم كلمة بأس أيضاً يط فيها بأس وبأس، هكذا وهكذا. قال وهو ضربان أي نوعان لفظي ومعنوي، هناك توكيد لفظي وتوكيد معنوي.
قال والكلام الآن في اللفظي، وهو إعادة اللفظ الأول بعينه سواء كان اسماً، يبقى أحياناً يعاد اللفظ الأول بعينه وهو اسم، وأحياناً وهو فعل، وأحياناً وهو حرف، وأحياناً تعاد جملة كلها، كل هذا من باب التأكيد أو التوكيد اللفظي، قال سواء كان اسماً كقوله: أخاك أخاك، إن من لا أخا له، كساع إلى الهيجاء بغير سلاح، وانتصاب أخاك الأول بإضمار احفظ أو الزم أو نحوهما، والثاني توكيد له، أخاك أخاك، أخاك الأول يعني الزم أخاك، ثم قال أخاك مرة أخرى هذا من باب التوكيد، فيعيد الكلمة بنفسها، هذا ليس فيه إشكال.
أو فعلاً كقوله: فأين إلى أين النجاة ببغلتي، أتاك أتاك اللاحقون، احبسي احبسي، أو أتاك أتاك اللاحقون، احبسي احبسي، أتاك أتاك يخاطب نفسه أو مخاطبه، أما أنه هو الذي يهرب هذا الأقرب، أتاك أتاك فيخاطب الإنسان نفسه، لا إشكال في هذا كما قالت هاجر لنفسها صهٍ تريد نفسها، وأتاك أتاك كأنه يخاطب البغلة، فاتاك أتاك هذا توكيد للفعل، وبعضهم يقول أيضاً منه احبسي احبسي، وهذه الكسرة إنما هي لتلافي التقاء الساكن، فأصله احبسي تكلم هكذا، لكن على كل هذا من باب توكيد الفعل أو من باب توكيد الجملة، تتكرر الكلمة اسماً كانت أو فعلاً أو حرفاً، ويتكرر الأسلوب إذا كان جملة.
قال وتقدير البيت فأين تذهب، إلى أين النجاة ببغلته، فأين إلى أين، يعني فأين تذهب هذا تقديره إلى أين النجاة، قال فحذف الفعل العامل في أين الأول، وكرر الفعل والمفعول في قوله أتاك أتاك أو أتاك أتاك، واللاحقون فاعل بأتاك الأول، قد يقول قائل هذا من باب التنازع، يعني اللاحقون يصح أن يكون فاعلاً لأتاك الأول ولأتاك الثاني، فهذا من باب التنازع، لماذا تقول هو من باب التوكيد؟ لا، الذي درس باب التنازع لا يقول هذا، لأنه يجب أن يقول أتاك أتاك أتوا، أو أتوا أتاك، سواء قيل الكاف مكسورة أو مفتوحة، أيما كان. قال ولا فاعل للثاني لأنه إنما ذكر للتوكيد، ليس إليه شيء، وقيل إنه فاعل بهما، يعني اللاحقون فاعل بالفعلين جميعاً، لكن هل لهذا من شاهد؟ هل هناك فاعل يكون لفعلين مجموعين؟ لا أعلم.
قال وذلك لأنهما اتحدا لفظاً ومعنى، نزلا منزلة الكلمة الواحدة، لما اتحدا لفظاً ومعنى نزلا منزلة الكلمة الواحدة، وقيل إنهما تنازعا قوله اللاحقون، ولو كان طبعاً هذا في باب التنازع هذا غلط، قال ولو كان كذلك لزم أن يضمر في أحدهما، فكان يقول أتوك أتاك اللاحقون على إعمال الثاني، أو أتاك أتوك على إعمال الأول، وهذا سبق بيانه وذكره في باب التنازع. وقوله احبسي احبسي تكرير للجملة، لأن الضمير المستتر في الفعل في قوة الملفوظ به.
أو حرفاً، طبعاً يمكن أن يعترض عليه هذا الاعتراض في قوله أتاك أتاك أيضاً، أتاك فعل وفاعل ومفعول، فكأنه كرر الجملة، لكن هو فرق بين هذا وذاك، أو حرفاً يعني سواء كان المكرر حرفاً كقوله: لا أبوح بحب بثينة أنها، أخذت علي مواثيقاً وعهوداً، هذا البيت يروى بحب عزة، فكأنه لكثير عزة وليس لجميل بثينة، أياً من كان، لا أبوح بحب عزة أو بحب بثينة، شاهده فيه أنه قال لا أبوح لا أبوح، فالثانية توكيد للأولى، لا الثانية أكدت لا الأولى، وإلا فلو كان يريد بها النفي لكان لا نافية للنفي، ونفي النفي إثبات، وقد يكون هذا المعنى مراداً له، وقد يكون هذا المعنى مراداً له، ويكون أراد أن ينفي النفي، فحينئذ هذا إثبات، وهذا الذي قاله بعد ذلك. يعني قال أنها أخذت علي مواثيقاً وعهوداً بلا أبوح بحبها، وقد أباح للعالم كل حبها بهذا البيت، فالشعر عندهم كان مشتهراً، هذا البيت ما زال يدرس من يومه إلى يوم أن قاله إلى أن يشاء الله تبارك وتعالى، فكيف قال لا أبوح وقد باح بحبها؟ فلعلّه يريد هذا، لكن لعل المصنف يذهب إلى غير ذلك، وأن هذا من باب التوكيد، وهذا يشبه قول المرأة التي قالت في حديث أم زرع حديث مشهور: زوجي لا أبث خبره إني أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره، قالت في الأول لا أبث خبره، أنا لا أريد أن أتكلم عنه، ثم قالت بعد ذلك إن أذكره أذكر عجره وبجره، يعني ليتك سكت، و لا لا أبوح بحبها مع ذلك أنت بهذا قد بحت.
قال وليس من تأكيد الاسم قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا * وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ خلافاً لكثير من النحويين، طبعاً كثير من النحويين يقولون أن هذا من باب التوكيد، هذا من باب التوكيد، إذا دكت الأرض دكاً دكاً، دكت الأرض دكاً، ودكاً الأخرى توكيد، وقد يستدلون على ذلك بقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾، فدكة واحدة هذا يبين أن الدكة بعد ذلك إنما هو توكيد، يعني لو قال وجاء ربك والملك صفاً صفاً، أيضاً بعضهم قال هذا من باب التوكيد جاؤوا صفاً، وقد يقال صفاً معناها صفوفاً، ويطلق المفرد ويراد الجمع، أو الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء الأطفال الذين، فأحياناً يطلق المفرد ويراد الجمع، وصفاً الأخرى توكيد.
المصنف وغيره من العلماء يأبون ذلك، قل لأنه جاء في التفسير أن معناه دكاً بعد دك، بعضهم قال نعم هذا دك بعد دك، وهذا بخلاف الآية المذكورة دكة واحدة، هذا قول وهذا قول آخر، وأن الدكة كرر عليها حتى صارت هباء منبثاً، وأن معنى صفاً صفاً أنها تتنزل ملائكة كل سماء فيصطفون صفاً بعد صف محدقين بالجن والإنس، يعني صفوفاً صفوفاً أو صفاً بعد صف، فكأنه من باب الحال، يعني هذا بعد ذاك، وعلى هذا فليس الثاني فيه تأكيداً للأول.
يبقى هذه المسألة مسألة خلافية، بعضهم يقول لا، دكاً الأولى تعرب مفعولاً مطلقاً ودكاً الثانية تعرب توكيداً لفظياً، وكذلك الكلام فيه صفاً صفاً، صفاً الأولى حال، وصفاً الثانية توكيد، هو يقول لا، مجموعهما حال، يقول دكاً بعد دك، صفاً بعد صف عفواً هذا مجموع حال والأولى دكاً بعد دك على أنه مفعول مطلق، وليس من باب التوكيد، قال وعلى هذا فليس الثاني فيه تأكيداً للأول بل المراد به التكرير كما يقال علمته الحساب باباً باباً يعني.
علمته الحساب باباً بعد باب كأنه على الحال. فليس معنى هذا أنك علمته الحساب باباً واحداً، بل باباً بعد باب إلى النهاية. قال: وكذلك ليس من تأكيد الجملة قول المؤذن: الله أكبر الله أكبر، خلافاً لابن جني. هذه أيضاً مسألة خلافية؛ إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، هل بقوله الثاني الله أكبر يؤكد الجملة الأولى؟ الصواب أنه لا؛ هذا والله أعلم الصواب فيه أن هذا تكرير وليس تأكيداً. فكأنك في كل مرة تنشئ تكبيراً، ومن ذلك ما هو مسنون لنا بأن نسبح الله تبارك وتعالى 33، وأن نكبره 33، وأن نحمده 33 بعد كل صلاة، وكذلك قبل النوم أن نسبح 33 ونحمد 33 ونكبر 34.
فكل تكبيرة يراد بها تكبير الله تبارك وتعالى وإكباره وإعظامه، بخلاف التي قبلها. وكذلك التسبيح تقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله؛ ففي كل مرة تسبح الله تعالى وتنزهه عن كل ما لا يليق به. الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله؛ في كل مرة تنشئ حمداً جديداً على نعم الله تبارك وتعالى المتوالية عليك. وهكذا؛ ففي كل مرة تسبيح جديد، وفي كل مرة تحميد جديد، وفي كل مرة تكبير جديد. فكذلك المؤذن لما يقول: الله أكبر الله أكبر، ليس هذا من باب التوكيد، لأن الثانية لم يؤتَ بها لتأكيد الأولى، بل لإنشاء تكبير ثانٍ.
بخلاف قوله: قد قامت الصلاة، وقد قامت الصلاة. نعم، قد قامت الصلاة وحدها كافية؛ قد اقترب قيامها، فقوموا أيها المصلون لنصلي. فكأنه يؤكد بالثانية، فهذه تأكيد للجملة، لا تنشئ معنى جديداً؛ لأن المعنى الأول هو قائم بنفسه، فإن الجملة الثانية خبر ثانٍ جيء به لتأكيد الخبر الأول. هذا ليس معناه الخبر الاصطلاحي الذي يأتي بعد المبتدأ؛ هذا إخبار مرة أخرى لتأكيد الخبر الأول.
هل في القرآن توكيد لفظي؟ هذه مسألة خلافية، سبق للمصنف أن ذكر شيئاً منها. دكّاً دكّاً، قيل: بعضهم هو من ذلك. صفّاً صفّاً، قال بعضهم هو من ذلك. بعضهم يقول أيضاً: ﴿وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19]، ﴿هُمْ﴾ الثانية توكيد، ﴿وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: 49]، هذا من باب التوكيد. ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5-6]، كذلك ﴿أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ * ثُمَّ أَوْلَىٰ لَكَ فَأَوْلَىٰ﴾ [القيامة: 34-35]، ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: 4-5]، ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: 3-4]. كل هذه الآيات فيها خلاف بين العلماء، بعضهم يقول باب التوكيد اللفظي، وبعضهم يقول ليست من هذا الباب، وإنما كلٌ بحسبه.
قال: أو معنوي، وهو بالنفس أو العين. هذا هو التوكيد المعنوي، وهو بالنفس والعين مؤخرة عنها إن اجتمعتا، وتجمعان على أفعل مع غير المفرد. وبكل لغير مثنى إن تجزأ بنفسه أو بعامله. وبكلا وكلتا له، أي للمثنى، إن صح وقوع المفرد موقعه واتحد معنى المسند. ويضافن لضمير المؤكد. وبأجمع وجمع وجمعهما غير مضافين.
هذا هو التوكيد المعنوي، قال النوع الثاني: التوكيد المعنوي. التوكيد المعنوي وهو بألفاظ محصورة، هذا لا يحتاج إلى تعريف، لأنه يعرف بالعد لا بالحد. فإذا عرفت ألفاظه فلا إشكال في ذلك. التوكيد المعنوي بالنفس والعين، وبكل، وبكلا، وكلتا، وأجمع، وأجمعين.
قال منها: النفس والعين، وهما لرفع المجاز عن الذات. تقول: جاء زيد؛ فيحتمل مجيء ذاته، ويحتمل مجيء خبره أو كتابه، خصوصاً إذا كان زيد هذا مثلاً ملكاً أو وزيراً أو رئيساً أو ما أشبه ذلك؛ حينئذ تقول: كيف يأتـي عندنا؟ فيحتمل أنه مثلاً بعث نائباً عنه. فيقال: لا، جاء زيد نفسه، جاء الأمير نفسه. فإذا كان أميراً وقيل: جاء الأمير، قد يقول: كيف يأتي عندنا؟ قال: جاء الأمير نفسه، جاء الأمير عينه، جاء الأمير نفسه عينه؛ بمثل هذا يرتفع الاحتمال. فإذا قلت ارتفع الاحتمال الثاني، فهو المجاز. ولا بد من اتصالهما بضمير عائد على المؤكد، ولك أن تؤكد بكل منهما وحده، وأن تجمع بينهما بشرط أن تبدأ بالنفس؛ تقول: جاء زيد نفسه، جاء زيد عينه. إذا جمعت بينهما تقول: جاء زيد نفسه عينه، لا تبدأ بالعين؛ لا تبدأ بالنفس ويمتنع: جاء زيد عينه نفسه.
ويجب إفراد النفس والعين مع المفرد، وجمعهما على وزن أفعل مع التثنية والجمع؛ تقول: جاء الزيدان أنفسهما أو أعينهما، وجاء الزيدون أنفسهم أو أعينهم، والهندات أنفسهن أو أعينهن. ولا أعلم شاهداً للتوكيد بالنفس والعين في كتاب الله تعالى، وقد نص بعضهم على عدم وجوده أصلاً؛ يعني ينازع بعضهم في شيء من ذلك. أقول: أحياناً في بعض الآيات تحتمل الآية أن تكون من التوكيد لكن بزيادة حرف، أما التوكيد هكذا بغير زيادة ليس موجوداً، لكن احتمال ضعيف؛ ﴿الْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، أي يتربصن هن أنفسهن؛ لكن المعنى والله أعلم ليس كذلك، تربصن بأنفسهن عن الزواج بعد وفاة، أو المطلقات يتربصن بأنفسهن بعد الطلاق.
وبعضهم جعل من هذا الباب ﴿وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس: 44]. فقال: ولكن الناس يظلمون؛ هذا المعنى، ولكن الناس يظلمون أنفسهم. هذه قال هي توكيد للناس، يعني الناس هم أنفسهم هم الذين يظلمون. لكن والله أعلم الصحيح أن هذه الآية ليست من باب التوكيد بشيء، ولكن هي من باب المفعول به الذي تقدم على الفعل والفاعل، يعني ولكن الناس يظلمون أنفسهم. وتبينها آية أخرى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِن ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ﴾ [النحل: 118]، ويبينها أيضاً آية آل عمران: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 117]. ولكن أنفسهم، ما الذي قبل أنفسهم هذه حتى تكون توكيداً لها؟ ليس هناك شيء، لابد أن تؤكد معرفة قبلها، فليس هناك معرفة قبلها تؤكده، قال ﴿وَلَٰكِنْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾. وهذه من فوائد اختلاف الآيات باختلاف الألفاظ، أن الآية بلفظ توضح معنى لا يتضح بلفظ آخر.
قال: ومنها كل، لرفع احتمال إرادة الخصوص بلفظ العموم. فتقول: جاء القوم؛ فيحتمل مجيء جميعهم، ويحتمل مجيء بعضهم؛ وأنك عبرت بالكل عن البعض، أو بكل عن البعض؛ لأن المصنف نفسه سيذكر أن كلاً وبعضاً لا تدخل عليهما الألف واللام، مسألة خفيفة يعني. إذا قلت جاء القوم يمكن أن تقول جاء القوم، يعني جاء بعضهم أو جاء أكثرهم، إذا قلت: جاء القوم كلهم، هنا رفعت هذا الاحتمال.
وإنما يؤكد بها بشروط، أحدها: أن يكون المؤكد بها غير مثنى؛ وهو المفرد والجمع. هل يقال جاء الزيدان كلهم أو كلهما؟ لابد أن يكون غير مثنى، قد يؤكد المفرد بها وقد يؤكد الجمع. هذا صحيح وهذا وارد، وجاء جميعاً في كتاب الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: 154]، وقال: ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: 123]، وقال تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران: 119]. وكذلك في الجمع قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31]، وقال عن فرعون وقومه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر: 42]، وقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ [يس: 36]. إذاً فهذا يأتي للمفرد ويأتي للجمع، لكن لا يأتي للمثنى.
والثاني: أن يكون متجزئاً بذاته أو بعامله. متجزئ بذاته كقوله ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، الأمر القضاء والقدر، هذه أشياء متجزئة بذاتها، فالأمر كله من أصغر شيء لأكبر شيء كله لله سبحانه وتعالى. الأسماء: علم آدم الأسماء كلها، اسم كذا واسم كذا؛ هذا متجزئ بذاته. أو بعامله كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30]، ملائكة، ملك وملك وملك، هم متجزئون بذواتهم، ليسوا شيئاً واحداً. والثاني كقولك: اشتريت العبد كله؛ فإن العبد يتجزأ باعتبار الشراء. نعم قد يشتري جزءاً من عبد، أحياناً يكون العبد فيه شركاء متشاكسون، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: 29]، هذا عبد يملكه أكثر من سيد، هذا يريده أن يذهب يميناً وهذا يريد أن يذهب يساراً، هذا هو الذي شبيه بالذي يعبد مع الله غيره.
أما إذا كان يحاول أن يرضي الله تبارك وتعالى وحده دون غيره، رضي من رضي وسخط من سخط؛ بعد ذلك لا يهمه. فقول: اشتريت العبد كله، لأنه يتجزأ بعامله الشراء، وهذا معروف حتى في العتق، كما قال عليه الصلاة والسلام: «من أعتق شركاً له من مملوك»؛ حينئذ يحصل، اختلف العلماء في الاستسعاء وفي أنه يلزم بعتق بقيته.
قال: وإن كان لا يتجزأ باعتبار ذاته، العبد لا يتجزأ باعتبار ذاته، فتقول مثلاً: اشتريت العبد كله؛ لا يتجزأ بذاته، يمكن أن أشتري يده مثلاً أو اشتري رأسه، أما أن يشتري كله، أو أن يترك. فالعبد نفسه لا يتجزأ إنما يتجزأ باعتبار الشوائب. قال: ولا يجوز جاء زيد كله؛ لأنه لا يتجزأ لا بذاته ولا بعامله؛ زيد هذا شخص واحد لا يتجزأ. وكذلك العامل، لا يصح أن يقال جاء زيد كله؛ لأنه لا يتجزأ، أما أن يجيء كله أو لا يجيء كله، فلا يقال إلا جاء زيد.
والثالث: أن يتصل بها أي بكل، ضمير عائد على المؤكد، فليس طبعاً كل التي ذكرتها لكم فيها هذا الضمير؛ لأن الأمر كله، الأسماء كلها، لابد هكذا. ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ [الأحزاب: 51]؛ هذا هو الضمير، لابد أن يعود وأن يكون مطابقاً للمؤكد إذا كان مفرداً، إذا كان مؤنثاً، إذا كان مجموعاً وهكذا. والثالث: أن يتصل بها ضمير عائد على المؤكد، فليس من التوكيد قراءة بعضهم وهي قراءة شاذة: إن كلاً فيها، خلافاً للزمخشري والفراء، لما يقول: إن كلنا فيها، قالوا إن كلاً فيها؛ طبعاً القراءة التي على العشرة أن ﴿كُلٌّ فِيهَا﴾.
ومنها: أي من المؤكدات، كلا وكلتا؛ وهما بمنزلة كل في المعنى، لكن كل للمفرد والجمع، وكلا وكلتا للمثنى. فيختار لهاتين: كلا للمثنى المذكر، كلتا للمثنى المؤنث. تقول: جاءني الزيدان، فيحتمل مجيئهما معاً وهو الظاهر، ويحتمل مجيء أحدهما، وأن المراد أحد الزيدين، كما قالوا في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]؛ قالوا أي من إحدى القريتين، وينزل على رجل من إحدى القريتين، على أبي جهل أو أبي لهب واحد من هؤلاء الكبراء. فإذا قيل كلاهما اندفع الاحتمال؛ إذا قلت: جاء الزيدان كلاهما، اندفع هذا الاحتمال.
وإنما يؤكد بهما بشروط: أحدها أن يكون المؤكد بهما دالاً على اثنين، يعني بعكس كل؛ لابد ألا يكون اثنين، أن يكون مفرداً أو جمعاً، أما كلا وكلتا فلابد أن يكون المؤكد اثنين. الثاني: أن يصح حلول الواحد محلهما، فلا يجوز على المذهب الصحيح -هذه خلافية- أن يقال: اختصم الزيدان كلاهما. بعضهم يقول يجوز: اختصم الزيدان كلاهما، تشارك الزيدان كلاهما، تسابق الزيدان كلاهما؛ لا إشكال. قول لا؛ إذا كان هكذا لا يكون إلا من اثنين، فاختصم الزيدان، تشارك الزيدان، تسابق الزيدان، ترام الزيدان؛ هذا لا يحتاج إلى توكيد، لأنه لا يمكن أن يقال: تسابق زيد، أو اختصم زيد، أو تشارك زيد، أو اشترك زيد، لابد أن يكون مشتركاً مع غيره. قال: لأنه لا يحتمل أن يكون المراد اختصم أحد الزيدين، فلا حاجة للتوكيد.
الثالث: أن يكون ما أسندته إليهما غير مختلف في المعنى، نعم لابد أن يكون متفقاً في المعنى: جاء الزيدان كلاهما، ذهب الزيدان كلاهما. لا يجوز أن تقول: جاء زيد وذهب عمرو كلاهما؛ هذا جاء وهذا لم يجئ، هذا جاء وهذا ذهب. قال: فلا يجوز مات زيد وعاش عمرو كلاهما. الرابع: أن يتصل بهما ضمير عائد على المؤكد؛ لا بد من اتصال الضمير. يعني في قول الله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ [الكهف: 33]؛ كلتا هنا ما أعربها مبتدأ لأن ليس فيها ضمير يعود على المؤكد، وهي أصلاً تقدمت على المؤكد، لم يقل الجنتان كلتاهما، قال كلتا الجنتين، ليس هناك ما يجعلها توكيداً. وكذلك في قول عليه الصلاة والسلام: «كلاكما قتله»، لما جاءه الشابان اللذان قتلا أبا جهل وهما معاذ بن عفراء ومعاذ بن عمرو بن الجموح، فكل يقول أنا قتلته؛ يريد أن يستبقي هذا الخير العظيم بقتل عدو الله، فقال عليه الصلاة والسلام لما نظر في أسيافهما: «كلاكما قتله»؛ هذا أيضاً مبتدأ، لم يقل معاذ ومعاذ كلاهما، قال كلاكما قتله، فليس هناك مؤكد قبلها، هذا مبتدأ.
هل ورد كلا وكلتا في القرآن؟ نعم ورد في القرآن هكذا، لكن هل ورد توكيداً؟ لا، إنما ورد كلا في كتاب الله تبارك وتعالى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]. في قراءتنا يبلغن أحدهما، فهذا فاعل و(أو) عاطفة، وكلاهما معطوف على الفاعل، فليس هذا من باب التوكيد. لكن قرئت هناك قراءة صحيحة: أما يبلغان عندك الكبر أحدهما أو كلاهما، فحينئذ أحدهما هذا بدل، وبدل بعض من ألف الاثنين، أو كلاهما هذا معطوف على البدل، فإما أن يكون معطوفاً على البدل، وإما أن يكون معطوفاً على الفعل. أما كتوكيد مستقل هكذا (كلاهما) أو (كلتاهما) أو (كليهما) أو (كلتيهما)، فلا أعرفه في كتاب الله.
قال: ومنها أجمع وجمعاء وجمعهما. أجمع وأجمعون وجمعاء وجمعوات وهكذا، هذا جمعهما. قال: وهو أجمعون وجمعاء، وكذلك جمعوات. وإنما يؤكد بها غالباً بعد كل، فلهذا استغنت عن أن يتصل بها ضمير يعود على المؤكد. أحياناً يؤكد بها بعد كل، وأحياناً يؤكد بها وحدها، فلهذا قال غالباً؛ تقول: اشتريت العبد كله أجمع، والأمة كلها جمعاء، والعبيد كلهم أجمعين، والإماء كلهن جمع أو جمعوات. وقال الله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: 30].
ويجوز التوكيد بها وإن لم يتقدم كل، قال الله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]. طبعاً تعرفون الإشكال في هذا؛ هذا إشكال واضح: هل يقال كما قال قال الله تعالى ثم يأتي الكلام هكذا بغير: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]؟ و﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 43]؛ فهنا جاءت (أجمع) توكيداً بغير كل. أما في مثل قول الله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38]، أو ﴿فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] وما أشبه ذلك، يقولون هنا (جميعاً) ليست من باب التوكيد وإنما تعرب حالاً؛ لأنها نكرة، والنكرة لا تكون توكيداً كما سيأتي؛ هذه منصوبة على الحال. وهذا واضح، يعني اهبطوا منها جميعاً؛ الذي يؤكد هنا هو واو الجماعة، وواو الجماعة في محل رفع، طيب، المؤكد هل هو مرفوع؟ لا، هذا منصوب، فقالوا النصب هنا على الحال.
قال: وفي الحديث: «إذا صلى الإمام جالساً فصلوا جلوساً أجمعون». لماذا رفعت بالواو؟ رفعت لأنها توكيد لواو الجماعة التي في (صلوا)، صلوا واو الجماعة هنا فاعل، فأجمعون مرفوعة بالواو؛ لأن التوكيد يتبع المؤكد في الرفع، هذا مرفوع محلاً وهذا مرفوع لفظاً بالواو. ويروى بالرفع تأكيداً للضمير، وبالنصب على الحال وهو ضعيف، يعني (فصلوا جلوساً أجمعين) هذا حال؛ لاستلزامه تنكيرها وهي معرفة بنية الإضافة؛ يعني إذا قال أجمعين أو قل، نكرة، لكن أجمعون الأصل فيه أنه معرفة؛ المعروف لأن المراد: سجد الملائكة كلهم أجمعهم، يعني صلوا جلوساً أنتم أجمعكم، يعني هذا هو المعنى المراد أنها معرفة، لأنها أكدت المعرفة.
قال: وقد فُهم من قوله (أجمع وجمع وجمعهما) أنهما لا يثنيان، فلا يقال أجمعان ولا جمعوان، وهذا مذهب جمهور البصريين وهو الصحيح، لأن ذلك لم يُسمع. يعني في خلاف ولكن لم يُسمع، لم يُسمع تثنية؛ أما مفرد وأما جمع. قال: وهي بخلاف النعوت، لا يجوز أن تتعاطف المؤكدات ولا أن يتبعن نكرة. وندر: يا ليت عدة حول كله رجب، يروى هذا رجب ورجب، شاهد.
قال: ذكرت في هذا الموضع مسألتين من مسائل النعت، إحداهما أن النعوت إذا تكررت فأنت فيها مخير بين المجيء بالعطف وتركه، إذا كان عندك أكثر من نعت فحينئذ يجوز لك أن تأتي بحرف العطف وأن لا تأتي، رايت رجلاً كاتباً شاعراً عالماً، رايت كاتباً رجلاً، رايت رجلاً كاتباً وشاعراً وعالماً؛ في الأول الثلاثة الأول الكاتب والشاعر والعالم نعت للرجل، وفي الثاني الكاتب والشاعر والعامل أيضاً نعوت للرجل، لكن في مرة عطفت بغير عاطف وفي مرة عطفت بالعاطف؛ هذا صحيح وهذا صحيح.
قال: فالأول كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ [الأعلى: 1-4]، هذه كلها صفات لله تعالى وحده، وجيء فيها بالواو. وكقول الشاعر: إلى الملك القرم وابن الهمام، وليث الكتيبة في المزدحم؛ يعني نعت الملك ووصف الملك بهذه الأوصاف المذكورة، وجعل بين كل نعت وآخر حرف عطف. والثاني كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ * هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ * مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ [القلم: 10-12]، كل هذه نعوت وهي بغير الواو، حلاف ومهين وهماز ومشاء، لو كان هذا في غير القرآن صحيح، لكن هنا جاء بها بغير عطف، فإذن النعوت إذا كانت هناك عدة نعوت لمنعوت واحد، فيجوز أن تأتي بها بحرف عطف بينها ويجوز أن لا تأتي بحرف عطف.
هذه المسألة لماذا جاء بها هنا؟ سيذكر بعد ذلك لأن التوكيد يخالفها، إذا تقول: جاء زيد زيد نفسه عينه، ولا تقول: جاء زيد نفسه وعينه، سجد الملائكة كلهم أجمعون، لا يجوز لا في القرآن ولا في غيره: سجد الملائكة كلهم واجمعون، هذا هو، لماذا جاء بهذه المسألة وهي تخص النعت لأنها تخالف التوكيد.
قال: الثانية أن النعت كما يتبع المعرفة كذلك يتبع النكرة، لو عذبنه عذاباً شديداً (نكرة)، ثم نذيقهم العذاب الشديد (معرفة)، فالنعوت تأتي في النكرات وفي المعرف. قال: وذكرت أن ألفاظ التوكيد مخالفة للنعوت في الأمرين جميعاً؛ يعني لا يمكن أن يكون التوكيد نكرة، ولا يمكن أن تتعاطف المؤكدات بحرف العطف. قال: وذلك أنها لا تتعاطف إذا اجتمعت، لا يقال: جاء زيد نفسه وعينه، ولا جاء القوم كلهم وأجمعون؛ وعلة ذلك أنها بمعنى واحد، والشيء لا يعطف على نفسه، بخلاف النعوت فإن معانيها متخالفة، هذا واضح؛ جاء القوم كلهم أجمعون، كلهم وأجمعون بمعنى واحد، بخلاف رأيت رجلاً شاعراً وكاتباً وعالماً، كل واحدة لها معنى. الذي خلق فسوى هو سبحانه وتعالى الذي قدر فهذا، لكن خلق فسوى ليست بمعنى قدر فهذا، ليست بمعنى أخرج المرعى، وهكذا. كذلك الحلاف لا تطع كل حلاف مهين، هذا الرجل هو نفسه حلاف ومهين وهماز، ولكن يجوز أن تأتي هكذا بغير عطف، ويجوز في الكلام أن يؤتى بعطف؛ معناها بمعنى واحد لكن ألفاظها مختلفة. عفواً، مع أن هنا حلاف ومهين وهماز هذه بألفاظ مختلفة وبمعاني مختلفة، فيصح أن تتعاطف بحرف العطف وبغير حرف العطف. أما التوكيد، فإن كانت ألفاظه مختلفة فإن معانيه واحدة، فلا يتعاطف بحرف العطف.
قال: وكذلك لا يجوز في ألفاظ التوكيد أن تتبع نكرة، لا يقال: جاء رجل نفسه، لأن ألفاظ التوكيد معارف، لابد أن يكون التوكيد معرفة لأن المؤكد معرفة، فلا تجري على النكرات، وشذ قول الشاعر: لكنه شاقه أن قيل ذا رجب، يا ليت عدة حول كله رجب، هذا بيت شاذ، يقول بعضهم: يا ليت عدة حول كله، حول سنة عام وهو نكرة، ومع ذلك أكده بكل، هذا لا يقاس عليه.
قال: وعطف البيان، في الكلام عن عطف البيان إن شاء الله بإذن الله تعالى سيتكلم عن عطف البيان وعطف النسق وعن البدل، إن شاء الله سيكون كلاماً سريعاً بإذن الله تعالى حتى يبقى تبقى هذه الأشياء الخمسة التي تكون في درس الغد بإذن الله تعالى. قال: عطف البيان وهو تابع موضح أو مخصص، جامد غير مؤول، هذا هو الباب الثالث من أبواب التوابع، والعطف في اللغة الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، عطف عليه، يعني كانه رجع عليه بعد أن كان مبتدأ، وهذا يأتي كثيراً في الحروف، عطف عليه، عطَفَه فعل به كذا وكذا. وفي الاصطلاح ضربان: عطف نسق وسياتي، وعطف بيان، والكلام الآن فيه.
حاول أن تحفظ التعريفات، يعني عطف البيان تابع موضح أو مخصص جامد غير مؤول، النعت تابع مشتق أو مؤول به مبين للفظ متبوعه، البدل تابع مقصود بالحكم بلا واسطة، يعني إذا حفظت هذه التعريفات الثلاث، يسهل عليك في بعض في كثير من الأحيان أن تفرق بينها، وإن كنت تجد العلماء في كثير من الأحيان ما يقولون هذا نعت أو بدل أو عطف بيان، يعني هذا موجود نعم موجود بكثرة في كتب الإعراب في إعراب القرآن وغيره تجدون يقولون هكذا هذا نعت أو بدل أو عطف بيان، فأحياناً تتداخل بعض هذه الأشياء، لكن تحفظ التعريف حتى تميز، يعني لماذا قالوا هذا هنا؟ لأنه يحتمل كذا ويحتمل كذا، فلو احتمل كذا لكان نعتاً واحتمل كذا لكان بدلاً أو عطف بيان وهكذا.
قال: وقولي تابع جنس يشمل التوابع الخمسة، وقولي موضح أو مخصص مخرج للتوكيد، كجاء زيد نفسه، هذا لأنه مؤكد ليس موضحاً ولا مخصصاً، ولعطف النسق جاء زيد وعمرو، هذا مغاير ليس مؤكداً ولا مخصصاً، وللبدل كقولك أكلت الرغيف ثلثه، هذا جزء من الرغيف، فكيف يكون موضحاً له مخصصاً لهذا جزء منه؟ وقولي جامد (هذا تابع موضح أو مخصص جامد) مخرج للنعت لأنه مشتق أو مؤول بالمشتق، فإنه إن كان موضحاً في نحو جاء زيد التاجر، ومخصصاً في نحو جاء رجل تاجر، لكنه مشتق. وقولي غير مؤول مخرج لما وقع من النعوت جامداً كمررت بزيد، هذا يعربون هذا يعربونه نعتاً، قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27]، هاتين نعت، يعني مررت بزيد المُشار إليه، إحدى ابنتي المُشار إليهما، هذا اسمه نعت، طب هو جامد؟ تقول هو مؤول بالمشتق، وبقاع عرفج خشن، فإنه في تأويل المشتق، ألا ترى أن المعنى بزيد المشار إليه وبقاع خشن بلين؟ فيوافق متبوعه.
فعطف البيان يوافق متبوعه، هل يريد أنه يوافق متبوعه في الرفع والنصب والجر؟ لا، هو معلوم، هذا بديهي، إنما يعني أنه يوافق متبوعه في التنكير والتعريف، وفي التذكير والتأنيث، وفي الإفراد والتثنية والجمع، هذا هو الذي يريده هنا، وإلا فكل التوابع لابد أن تتبع في الإعراب في الرفع والنصب والجر، وإن كان يقول يمكن أن يقصد الجميع، لكن هو نص على هذا. قال: أعني بهذا أن عطف البيان لكونه مفيداً فائدة النعت (فائدة النعت عندي فائدة النعت، لا مفيداً فائدة النعت) من إيضاح متبوعه وتخصيصه، يلزمه من موافقة المتبوع في التنكير والتذكير والإفراد وفروعهن ما يلزم في النعت، أما موافقته في الرفع والنصب والجر فهذه بديهية، لأجل هذا نص على ذلك، فلابد أن يوافق في التنكير والتعريف وفي التذكير أو التأنيث وفي الإفراد أو التثنية والجمع.
ثم يقول: كأقسم بالله أبو حفص عمر، هذا من أبيات شعر قالها رجل يقال إنه ذهب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم يعطه عمر، قال: أقسم بالله أبو حفص عمر، ما مسها من نقب ولا دبر، اغفر له اللهم إن كان فجر، أو ما أشبه ذلك، يعني فالشاهد يعني فجر يعني أنه أقسم قسماً غير صحيح، هذا معنى الفجر في القسم، أقسم بالله أبو حفص عمر، وهذا خاتم حديد، قال: أشرت بالمثالين إلى ما تضمنه الحد من كونه موضحاً للمعارف ومخصصاً للنكرات، وهو موضح للمعرفة أبو حفص وضحه عمر، هذا خاتم من أي شيء؟ هذا خاتم حديد، ويجوز أن يقال خاتم حديد، لكن هنا خاتم حديدٍ على الإضافة، هنا خاتم حديد على أنه عطف بيان، وإن كان بعضهم يقول عطف البيان لا يأتي في النكرة، هنا المصنف يخالف.
قال: والمراد بأبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال تعالى: ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: 50]، ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: 61]، في كل هذا يقال هذا بدل أو عطف بيان، يعربونه هكذا أو هكذا. قال: ولك في نحو خاتم حديد ثلاثة أوجه: الجر بالإضافة على معنى من، هذا خاتم حديد، يعني خاتم من حديد كما سبق بالإضافة، الإضافة تكون على معنى من إذا كان جزءاً منه كما هنا، أو تكون على معنى في إذا كان مظروفاً (مكر الليل والنهار)، وتكون على معنى اللام وهذا في الباقي. والنصب على التمييز (هذا خاتم حديداً) فهو يميزه من أي نوع من الحديد، هذا تمييز وقيل على الحال، لكن على تمييز أقوى، والاتباع. فمن خرج النصب على التمييز قال إن التابع عطف بيان، ومن خرجه على الحال قال إنه نعت صفة، قال إنه صفة، والأول أولى؛ لأنه جامد جموداً محضاً فلا يحسن كونه حالاً ولا صفة، الخبر والحال والصفة كل هذا من باب واحد، والأصل أن الحال والصفة يكونان مشتقين، والحديد جامد، ليس مشتقاً، ليس اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة أو ما أشبه.
قال: ومنع كثير من النحويين كون عطف البيان نكرة تابعاً للنكرة، يعني هذا ممنوع عند بعض العلماء، بل عند كثير من العلماء، والصحيح الجواز، وقد خرج على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16]، من ماء (جار مجرور) صديد فيها عدة أوجه، قال بعضهم هو نعت، وقيل هو بدل، وقيل هو عطف بيان، فبعضهم يمنع عطف البيان، قلت: أنا أعربه بدلاً لا أعربه عطف بيان، لأن عطف البيان إنما يكون في المعارف، وأقول ياتي في المعارف ويأتي في النكرات.
وقال الفارسي في قوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 95]، يجوز في طعام أن يكون بياناً وأن يكون بدلاً، وطعام نكرة، وحتى وإن أضفت إلى مساكين فإنها تظل نكرة؛ لأنها أضيفت إلى نكرة مثلها. قال: ويعرب بدل كل من كل إن لم يمتنع إحلاله محل الأول، كقوله: أنا ابن التارك البكري بشر، وقوله: يا أخوينا عبد شمس.
وكل ما جاز أن يقال فيه هو عطف بيان، يجوز أن يقال فيه هو بدل؛ لأجل هذا تجدون مثلاً بعض المتأخرين يقولون: هذا باب واحد، لماذا نشق هكذا على الطلبة؟ عندنا نعت، وعطف نسق، وتوكيد، وبدل، عطف نسق فقط، مش عطف بيان، كل عطف بيان خلاص قل عليه بدل وانتهى الأمر.
لكن هناك بعض المسائل قالوا: يقول العلماء فيها لا هذه عطف بيان ولا يصح أن تكون بدلاً، الذي يقول البدل ليس على نية تكرار العامل أصلاً يقول: خلاص انتهى الأمر، هو هناك عندنا نعت وعطف نسق وتوكيد معنوي ولفظي وبدل، وليس عندي عطف بيان، هذا الذي يشبه النعت في بعض الأحيان ويشبه التوكيد والبدل في بعض الأحيان الأخرى.
نمشي على ما عليه المصنف، قال: كل اسم صح الحكم عليه بأنه عطف بيان مفيد للإيضاح أو للتخصيص؛ أن يحكم عليه بأنه بدل كل من كل مفيد لتقرير المعنى وتوكيده، لكونه على نية تكرار العامل، فبدل على نية تكرار العامل، فكل ما جاز أن يكون عطف بيان فإنه يجوز أن يكون بدلاً، وهذا تجدونه كثيراً جداً، بدل أو عطف بيان، هذا تجدونه كثيراً في الإعراب.
قال: واستثنى بعضهم من ذلك مسألة وبعضهم مسألتين وبعضهم أكثر من ذلك، ويجمع الجميع قولي: إن لم يمتنع إحلاله محل الأول، فإذا امتنع إحلاله محل الأول يكون عطف بيان ولا يكون بدلاً، لماذا؟ قالوا: لأن البدل على نية تكرار العامل، فإذا امتنع أن يحل محله؛ إذاً يمتنع تكرار العامل.
قال: وقد ذكرت لذلك مثالين، أحدهما قول الشاعر: أنا ابن التارك البكري بشر * عليه الطير ترقبه وقوعا والثاني قول الآخر: أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا * أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
وبيان ذلك في البيت الأول أن قوله «بشر» عطف بيان على «البكري»، أنا ابن التارك البكري بشر، يعني أنا ابن الرجل الذي ترك هذا البكري الذي هو بشر، البكري هو بشر الذي تركه ميتاً هكذا عليه الطير ترقبه وقوعاً، الذي تركه مقتولاً، أقول هو أبي، فأنا ابن هذا الرجل الذي ترك هذا البكري، الذي ترك بشراً هذا، فلو قال: أنا ابن التارك البكري، البكري ماذا تعرب؟ تعرب مضافاً إليه، هل يجوز أن يقال في الكلام أنا ابن التارك بشر؟ وبشر مضاف إليه؟ لا، سبق في الإضافة مثل هذا لا يصح إلا أن يقال التارك بشر، أو التاركاً بشر إذا كان مثنى أو مجموعاً، الضارب زيد والضارب زيد، أما الضارب زيد لا يجوز؛ طبعاً لا يجوز على الصحيح، وإلا فالفراء وغيره يجيزونه، فلا إشكال عندهم في هذا، لكن على كلٍ يقولون إذا كان المضاف بالالف واللام، فإن لابد أن يكون المضاف إليه أيضاً بالالف واللام، أو يكون هذا المضاف مثنى أو مجموعاً إذا كان صفة.
قال: وبيان ذلك في البيت الأول أن قوله بشر عطف بيان على البكري، ولا يجوز أن يكون بدلاً منه؛ لأن البدل في نية إحلاله محل الأول، ولا يجوز أن يقال أنا ابن التارك بشر؛ لأنه لا يضاف ما فيه الألف واللام نحو التارك إلا لما فيه الألف واللام، طبعاً قال نحو التارك حتى لا يعترض عليه بالتارك والتارك بالتثنية أو الجمع، أقول هو التارك فقط إلا لما فيه الألف واللام نحو البكري، ولا يقال الضارب زيد كما تقدم شرحه في باب الإضافة، من جوزه فلا إشكال عنده في ذلك، لأنه يقول يجوز الضارب زيد كما يجوز الضارب زيد، الضارب زيد، كل هذا جائز، لكن المصنف ذهب خلاف ذلك.
إذاً فأنا ابن تارك البكري بشر، بشر ماذا تعرب؟ والبكري هو بشر، بشر هذا عطف بيان، هل يجوز أن يعرب بدلاً؟ الذي يذهب هذا المذهب يقول: لا، لا يجوز أن يعرب بدلاً، هذا يقول لا يجوز أن أقول الضارب بشر، أقول يجوز أن تعرب بدلاً، فحينئذ هذه المسائل التي فرعوا عليها ستختفي كلها، وسيقوى قول من يقول: لا نشعب على الطلبة مثل هذا، قول معروف لبعض العلماء.
قال: وبيان ذلك في البيت الثاني أن قوله عبد شمس ونوفلا: أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا، عطف بيان على قوله أخوينا، ولا يجوز أن يكون بدلاً؛ لأنه حينئذ في تقدير إحلاله محل الأول، كأنه قال أيا عبد شمس، أيا نوفل، هنا لو قال أيا عبد شمس صح لقال هكذا أيا عبد شمس، طب لو قال يا نوفل لقال أيا نوفل؛ لأنه سيكون مبنياً على الضم في محل نصب؛ لأنه منادى مفرد علم، طب كيف قل نوفلا؟ إذاً لا يصح أن يحل محل الأول، يعني لا يصح أن تأتي بالعامل مرة أخرى تقول يا نوفلا، فحينئذ هذا يقولون هذا عطف بيان وليس بدلاً، فكأنك قلت أيا عبد شمس ونوفلا، وذلك لا يجوز؛ لأن المنادى إذا عطف عليه اسم مجرد من الألف واللام وجب أن يعطى ما يستحق لو كان منادى، ونوفلا لو كان منادى لقيل فيه يا نوفل بالضم لا يا نوفلا بالنصب، قد سبق هذا في باب أحكام تابع المنادى، ووضحته لكم الآن كما هو سريعا، تقول يا نوفل ولا يجوز أن تقول يا نوفلا، فلذلك كان يجب أن يقول هنا أخوينا عبد شمس ونوفل، طب هل هو قال ذلك؟ لا، قال ونوفلا، طب كيف نعرب قول أخوينا؟ هذا منادى منصوب وعلامة نصبه الياء، عبد شمس هذا عطف بيان، ونوفلا هذا أيضاً معطوف على عطف البيان ليس بدلاً معطوفاً على البدل، قد يقال لا عبد شمس هذا بدل ونوفلا هذا معطوف على البدل، ويغتفر في المتبوع ما لا يغتفر في التابع، هذا أيضاً يمكن أن يقال.
قال: وعطف النسق بالواو، الرابع من التوابع عطف النسق، تكلم عن النعت وعن التوكيد اللفظي وعن التوكيد المعنوي وعن عطف البيان، سيتكلم الآن عن النسق، لكنه لم يجعل التوكيد المعنوي والتوكيد اللفظي شيئين، إنما جعلهما باباً واحداً تحت التوكيد، إنما جعل العطف بابين، وبعضهم يجعل العطف باباً واحداً، وهذا سبق وأنه خلاف لفظي في هذا التعداد، قال وقد مضى تفسير العطف، وأما النسق فهو التابع المتوسط بينه وبين متبوعه أحد حروف العطف الآتي ذكرها، ولم أحده بحد لوضوحه على أنني فسرته بقوله، يعني هو واضح لا يحتاج إلى أن يفسر، وقال فسرت العطف، العطف هو الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه، هذا الذي فسر به العطف قبل ذلك، أما النسق فهو واضح بشيء بحرف من حروف النسق، من حرف من حروف عطف النسق.
وهذا النسق هو التابع الذي توسط بينه وبين متبوعه حرف من الحروف التي تأتي، قال ولم أحده بحد لوضوحه على أنني فسرته بقولي بالواو إلى آخره، فإن معناه أن عطف النسق هو العطف بالواو أو الفاء وأخواتهما، واعترضت بعد ذكري كل حرف بتفسير معناه، يعني جعل جملة معترضة لتفسير معاني الأحرف.
قال: الواو وهي لمطلق الجمع، قال السيرافي: السرافي هو أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي، توفى سنة 368هـ، قال: أجمع النحويون واللغويون من البصريين والكوفيين على أن الواو للجمع من غير ترتيب، طبعاً هذا الإجماع منخر، الأكثرون على ذلك وهو الصحيح، الصحيح أنها لا تفيد ترتيباً، قال تعالى: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الأنعام: 84]، داوود وسليمان ثم ذكر بعد ذلك موسى وهارون وهما متقدمان على داوود وسليمان، وكذلك ذكر يوسف في المنتصف وهو متقدم على الجميع، قال بعد ومن ذريته، هذا ليس فيه أي ترتيب، فالواو لا تفيد الترتيب إنما تفيد مطلق الجمع.
قال وأقول: إذا قيل جاء زيد وعمرو، فمعناه أنهما اشتركا في المجيء، ثم يحتمل الكلام ثلاثة معاني، أن يكونا قد جاءا معاً، أن يكون مجيئهما على الترتيب، أن يكون على عكس الترتيب، جاء زيد وعمرو؛ جاء زيد أولاً ثم تبعه عمرو، هذا كلام صحيح، جاء زيد مع عمرو تقول جاء زيد وعمرو، صحيح، جاء عمرو ثم جاء زيد تقول جاء زيد وعمرو، هذا صحيح، لا يقول أحد إنك خالفت، فإن فُهِم أحد الأمور بخصوصه فمن دليل آخر، ليس من هذا الكلام.
كما فهمت المعية في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة: 127]، إبراهيم وإسماعيل يرفعان معاً، هذا فُهم بأنهما كانا يرفعان معاً بمعرفة هذه القصة، وكما فهم الترتيب في قوله: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنسَانُ مَا لَهَا﴾ [الزلزلة: 1-3]، هذا معنى معروف، الأرض تزلزل ثم بعد زلزلتها هذه تخرج ما فيها من أموات ومعادن وما أشبه ذلك، تخرج الأرض أفلاذ كبدها كما قال عليه الصلاة والسلام، بعد ذلك يقول الإنسان ما الذي حصل لها، ماذا حدث؟ هذا فهم الترتيب.
وكما فهم عكس الترتيب في قوله تعالى إخباراً عن منكر البعث، قال في قوله تعالى إخباراً عن منكر البعث: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون: 37]، ولو كانت للترتيب لكان اعترافاً بالحياة بعد الموت، لو كانت للترتيب نموت ونحيا يعني نموت ثم نحيا بعد ذلك، لكان اعترافاً منهم بالبعث الذي يريدون أن يبطلوه، لكن طبعاً قيل المعنى يموت جيل ويحيا وهكذا ثم لا عودة، لكن على الأول لا يحتاج الكلام إلى مثل هذا، نموت ونحيا معناه نحيا ونموت وانتهى الأمر، وهذا الذي ذكرناه قول أكثر أهل العلم من النحاة وغيرهم، وليس بإجماع كما قال السيرافي، بل روي عن بعض الكوفيين أن الواو للترتيب، طب سيعترض عليه بهذه الآية وغيرها من الآيات، وأنه أجاب عن هذه الآية بأن المراد يموت كبارنا وتولد صغارنا فنحيا، وهو بعيد، وإن صح هذا التأويل هنا، كيف يصح في أماكن أخرى كثيرة؟ ومن أوضح ما يرد عليهم قول العرب اختصم زيد وعمرو، وامتناعهم من أن يعطفوا ذلك بالفاء أو بثم لكونهما للترتيب، فلو كانت الواو مثلهما لامتنع ذلك معها كما امتنع معهما، لأنهم لا يقولون اختصم زيد فعمر لأن هذا معناه أن الثاني اختصم بعد الأول، معنى اختصم أنهم اختصموا معاً.
قال: والفاء هذا هو الحرف الثاني، والفاء للترتيب والتعقيب، طبعاً معاني الحروف جميعاً هذا يدرس في كتاب أكبر من هذا، لكن المصنف ذكر هذا كفوائد سريعة، ولا هي المعاني لها كتب خاصة بها، قال: إذا قيل جاء زيد فعمر، فمعناه أن مجيء عمر وقع بعد مجيء زيد من غير مهلة، فهي مفيدة لثلاثة أمور، التشريك في الحكم هذا هو الحكم الأول، ولم أنبه عليه لوضوحه، هذا واضح والترتيب والتعقيب، قال وتعقيب كل شيء بحسبه، فإذا قلت دخلت البصرة فبغداد وكان بينهما ثلاثة أيام، طبعاً على سيرهم كان بينهما ثلاثة أيام ودخلت بعد الثالث فليست فذلك تعقيب إذا دخلت بعد الثالث فذلك تعقيب في مثل هذا عادة، فإذا دخلت بعد الرابع والخامس فليس بتعقيب، ولم يجز الكلام، طبعاً هذا يمكن يقال هذا في نظر لكن على كلٍ صحيح أن كل تعقيب بحسبه.
نعم صحيح أن كل تعقيب، فكذبوه فعقروها، كذبوهم، كذبوا صالحاً عليه السلام من أول يوم فعقروها، لا يلزم أنهم عقروها في نفس اليوم بعد التكذيب، استمرت عدة أيام ثم أو ما شاء الله الله أعلم كم استمرت هذه الناقة ثم عقروها بعد ذلك، فدمدم عليهم ربهم بذنبهم، لم يدمدم عليهم بعد عقرها مباشرة كما قال، إنما قال تمتعوا في داركم ثلاثة أيام، فكل تعقيب بحسبه، يقال مثلاً فلانة تزوجت فأنجبت كذا وكذا، هذا فأنجبت أقل شيء أن يكون بعد ستة أشهر أو سبعة أشهر على أقل الحمل كما هو معلوم، فهذا معلوم كل تعقيب بحسبه، لابد أن يفهم هذا على معناه.
قال: وللفاء معنى آخر وهو التسبب، وذلك غالب في عطف الجمل نحو قولك سها فسجد، يعني بسبب سهوه سجد، زنى فرجم، سرق فقطع، عياذاً بالله من هذه الكبائر، وقوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37]، بسبب يعني كانت سبباً في توبة الله تعالى.
ولدلالتي على ذلك استعرت بالربط في جواب الشرط نحو من يأتني فإني أكرمه، هذه في جواب الشرط، وسبق الكلام فيها في جوازم المضارع، ولهذا إذا قيل من دخل داري فله درهم، أفاد استحقاق الدرهم بالدخول، من دخل فله درهم هو مستحق له، ولو حُذفت الفاء احتمل ذلك واحتمل.
الإقرار بالدرهم له، من دخل داري فله درهم؛ أيضاً يستحق الدرهم بالدخول، أو من دخل داري له درهم فأنا أقررت له بذلك؛ معنى قريب. قال: وقد تخلو الفاء العاطفة للجمل عن هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى: 2-5]. هنا ليس المعنى على التسبب، المعنى على العطف، فخلت من معنى السببية؛ فليست في كل موضع تعطف فيه جملة تكون سببية، لا، قد تكون وقد لا تكون.
قال: وثم للترتيب والتراخي؛ إذا قيل جاء زيد ثم عمرو، فمعناه أن مجيء عمرو وقع بعد مجيء زيد بمهلة، وأيضاً كل مهلة بحسبها؛ فهي مفيدة أيضاً لثلاثة أمور: التشريك في الحكم ولم أنبه عليه لوضوحه، والترتيب، والتراخي. فإما قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ [الأعراف: 11]، فقيل التقدير: خلقنا أباكم ثم صورنا أباكم، فحذف المضاف منهما؛ هذا واضح.
خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة؛ قال الله تبارك وتعالى بعد أن خلقنا وصورنا قال للملائكة؛ بعض العلماء يقول ذلك، يقول: نعم، وثم تقتضي هذا، يعني خلقناكم ثم صورناكم؛ خلقناكم وصورناكم في ظهر أبيكم آدم كما شاء الله تبارك وتعالى من خلق وتصوير، يعني بعد خلق آدم خلق الله عز وجل ذريته وصورهم في ظهره، ثم قال بعد ذلك للملائكة اسجدوا؛ هذا قول حتى يجعل ثم على بابها. وقال بعضهم: لا، خلقناكم أي خلقنا أباكم، ثم صورناكم أي ثم صورنا أباكم آدم، ثم بعد ذلك قلنا للملائكة اسجدوا لآدم اسجدوا له، فهذا حتى يجعلها على بابها.
لكن هناك عدة أدلة أخرى تخرج فيها ثم عن هذا المعنى؛ في ظاهر الأمر عن معنى التراخي أو عن معنى الترتيب، أولاً عن معنى الترتيب كهذه الآية، وكقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الأنعام: 154] بعد قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]. وهناك آية أخرى كما في سورة البلد: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: 17] بعد ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾، قال: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والمعروف أن الإيمان يكون قبل ذلك. وبعضهم يقول: هذا من باب الترتيب الذكري، ليس من باب الترتيب الزمني المعين، فيخرجون من هذا؛ أو يقال: الغالب في ثم أنها للترتيب والتراخي وقد تخرج عن هذا المعنى.
قال بعد ذلك: وحتى للغاية والتدريج؛ وسبحان الله لم يسع الوقت لمثل هذا عند حتى، حتى لا أطيل عليكم، وبإذن الله تبارك وتعالى ينتهي الكتاب غداً. ينتهي الكتاب بإذن الله تعالى غداً؛ سيكون كلامه من أول حتى إلى آخر الكتاب إن شاء الله تعالى، أحاول ألا أطيل، ألا أقف كثيراً مع كل لفظة ومع كل جملة للمصنف، حتى أفرغ هذه الصفحة لصاحبها جزاه الله خيراً شيخنا كريم، حتى يتم الله تبارك وتعالى عليه دروسه ويضع فيها دروسه؛ فهذا سيكون متعارضاً مع وقت الدرس، فبإذن الله تعالى أنتهي غداً من هذا الكتاب بإذن الله سبحانه.
هذا، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله.
الشيخ حسين عبد الرازق