الإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.
أذكر مسائل الكتاب سريعًا بإذن الله تعالى، حتى يتم هذا الكتاب في هاتين الساعتين بإذن الله تعالى، فلا أطيل ذكر المصنف. الكلمة وأقسامها وقسمها إلى اسم وفعل وحرف، وتكلم عن كل قسم من ناحية الإعراب والبناء، وعن علامات لكل قسم. ثم تكلم عن أبواب الإعراب الأصلي وأبواب الإعراب الفرعي السبعة، وهي الأسماء الستة، والمثنى، وجمع المذكر السالم، وجمع المؤنث السالم أو ما جمع بألف وتاء المزيدتين، والممنوع من الصرف، والأمثلة الخمسة، والفعل المضارع المعتل الآخر. ثم تكلم عن تقسيم الإعراب من جهة أخرى إلى ظاهر ومقدر، وتكلم عن أبواب الإعراب التقديري وهي خمسة: الاسم المضاف لياء المتكلم، والاسم المقصور، والاسم المنقوص، والفعل المضارع المعتل الآخر بالألف، والفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء. ثم تكلم عن إعراب المضارع تفصيلًا، وعن حالات نصبه وجزمه ورفعه، وذكر نواصب المضارع وجوازمه لفعل واحد ولفعلين.
ثم تكلم عن النكرة والمعرفة وقسم المعرفة إلى ست، وهي: الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، وذو الأداة وهو المعرف بأل، والمضاف إلى معرفة من الخمسة السابقة. ثم تكلم عن المبتدأ والخبر، وذكر في ذلك بعض المسائل. ثم تكلم عن نواسخ المبتدأ والخبر أو نواسخ الابتداء، فتكلم عن كان وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها، وإن وأخواتها، ولا النافية للجنس، وعن ظن وأخواتها. ولم يتكلم عن كاد وأخواتها، وكذلك لم يتكلم عما يتبع ظن من الأفعال السبعة التي تنصب ثلاثة مفاعيل. ثم تكلم بعد ذلك عن الفاعل ونائبه، وأخذ يعدد المرفوعات حتى ينهيها، فتكلم عن الفاعل والنائب عن الفاعل، وذكر مسائل هنا ومسائل هنا، وتكلم عن الاشتغال والتنازع وذكر الصور التي في ذلك.
ثم بعد أن أنهى الكلام عن المرفوعات تكلم عن المنصوبات، فذكر المفاعيل أو المفعولات الخمسة، وهي: المفعول به، وذكر منه المنادى وأطال فيه جدًا. ثم ذكر المفعول المطلق والمفعول له، والمفعول فيه وهو الظرف زمانًا أو مكانًا، والمفعول معه. ثم أكمل الكلام عن المنصوبات، فذكر الحال والتمييز والاستثناء؛ لأن المستثنى في بعض أحواله يكون منصوبًا فذكره هاهنا. ثم بعد انتهاء الكلام عن المنصوبات تكلم في المجرورات، فذكر المجرور بالحرف والمجرور بالإضافة، وذكر بعض المسائل، ولم يذكر المجرور بالتبعية لأنه سيذكره في التوابع، ولم يذكر المجرور بالمجاورة لأنه نادر شاذ أو قليل، ثم إنه ذكره بعد ذلك في باب النعت استفرادًا.
ثم ذكر بعد ذلك بابًا فيما يعمل عمل الفعل وهي عشرة أشياء، ذكر منها هنا سبعة: ذكر اسم الفعل والمصدر، واسم الفاعل، وصيغ المبالغة أو أمثلة المبالغة، وذكر اسم المفعول، وذكر الصفة المشبهة، وذكر اسم التفضيل أو ما يسمى بأفعال التفضيل. ثم ذكر بعد ذلك التوابع وهي النعت والتوكيد والعطف والبدل. وانتهى الكلام في الدرس الماضي عن العطف، تكلم المصنف عن عطف البيان ثم تكلم عن عطف النسق، وكان الكلام في أثناء هذا العطف وانتهى الوقت، فبإذن الله تعالى أكمل بقية مسائل الكتاب إجمالًا هكذا حتى يكون ذلك كله في موضع واحد. فبعد أن أنهى الكلام عن العطف بنوعيه تكلم عن البدل، ثم تكلم بعد ذلك عن مسائل أخرى في تتمة ونهاية هذا الكتاب.
فذكر الكلام عن العدد وعن الممنوع من الصرف بعد أن أجمله قبل ذلك في أبواب الإعراب الفرعي فصل فيه هنا. ثم ذكر الكلام عن التعجب مقيسه ومسموعه، وذكر الصيغتين المقيستين. ثم تكلم بعد ذلك عن أشياء في الوقف وعن الهمزات: همزة القطع وهمزة الوصل. وهذه الأشياء التي ذكرتها، وهي البدل وبقية العطف والعدد وما لا ينصرف والتعجب والوقف والهمزات وبعض الكتابة، هذه الأشياء أرجو أن يتم الله تبارك وتعالى علينا هذا الدرس بتمامها جميعًا بإذن الله تعالى.
أحاول أن لا أطيل المسائل. قال رحمه الله تبارك وتعالى: «حتى» للغايَة والتدريج، هو الآن يتكلم عن عطف النسق، فذكر الواو والفاء وثم، ثم ذكر «حتى» فقال: «حتى» للغايَة والتدريج. قال: معنى الغاية آخر الشيء، ومعنى التدريج أن ما قبلها ينقضي شيئًا فشيئًا إلى أن يبلغ الغاية، وهو الاسم المعطوف هذا الذي يكون بعدها، ولذلك وجب أن يكون المعطوف بها جزءًا من المعطوف عليه؛ لابد أن يكون جزءًا لأن هذا هو معنى الغاية.
فيقول: إما تحقيقًا كقولك: «أكلت السمكة حتى رأسها». هذا المثال يعربونه أو يذكرونه على ثلاثة أوجه، يقولون: «أكلت السمكة حتى رأسُها»، و«حتى رأسِها»، و«حتى رأسَها». أكلت السمكة حتى رأسِها، حتى هنا حرف جر يعني أكلت السمكة إلى رأسها. أكلت السمكة حتى رأسُها، رأسُها مبتدأ. أكلت السمكة حتى رأسَها، الكلام عن النصب كأنهم قالوا: أكلت السمكة ورأسَها. والراس جزء من السمكة، لأجل هذا قال أن يكون جزءًا من المعطوف.
والمشهور في السمكة هذه الحوت كما في كتاب الله تبارك وتعالى، قال: أو تقديرًا كقول الشاعر: ألقى الصحيفة كي يخفف رحله ... والزاد حتى نعلَه ألقاها يعني ألقى الصحيفة والزاد والنعل. هل الصحيفة والزاد جزء مما معه؟ نعم. طب النعل؟ أو قل الزاد أولًا، الزاد هو الطعام الذي معه والزاد حتى نعله، فهل النعل جزء من الزاد؟ لا، إنما أراد أن هذا الرجل الذي يريد أن يهرب من القتل، لأن الملك قد كتب إلى بعض الناس بقتله وعرف ذلك لما قرأت عليه الرسالة، قصة معروفة، فألقى كل ما معه كأنه قال ألقى كل ما معه أو كل ما يثقله وهرب بناقته. وإن لم تكن النعل جزءًا من الزاد هو معلوم، فقالوا: إما تحقيقًا وإما تقديرًا؛ لأنه كأنه يقول: ألقى ما يثقله حتى نعله، يعني ألقى كل شيء حتى النعل، أي ألقى كل شيء والنعل، وعندما يلقي سيلقي شيئًا فشيئًا، هذا معنى التدريج حتى نعله، هذه هي الغاية وما بعدها هو الغاية.
قال: لا للترتيب. يعني حتى للغاية والتدريج لا للترتيب. بعض العلماء أصلًا لم يجعل حتى من حروف الجر، هذا مذهب الكوفيين، أنهم لم يجعلوا حتى من حروف الجر، والذي يكون تابعًا لما قبلها لا يقولون هو معطوف بحتى، إنما يقدرون له عاملًا بحسبه سواء كان مرفوعًا أو منصوبًا أو مجرورًا، فلم يجعلها حرف عطف. وحتى هذه تأتي حرف جر كما في قول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]، في قوله: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [المؤمنون: 54]، فهي هنا حرف جر، ويأتي المضارع منصوبًا بعدها كما سبق بيانه في نواصب المضارع. العلماء قال الكوفيون: منصوب بحتى نفسها، وقال البصريون: بل منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعدها. قالوا: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾ [طه: 91]، يرجع مضارع منصوب بحتى عند الكوفيين، أو منصوب بأن مضمرة وجوبًا بعد حتى. فتأتي حرف جر يجر ما بعدها، وتأتي ناصبة للمضارع على قول، أو ينصب المضارع بعدها وإن لم يكن بها على قول آخر، وتأتي ابتدائية فيأتي بعدها جملة من مبتدأ وخبر، وتأتي عاطفة عند بعض العلماء، فبعضهم أنكر أن تكون عاطفة أصلًا، وإذا كانت عاطفة فهي بالمعنى المعنيين السابقين للغاية والتدريج وليست للترتيب.
قال: زعم بعضهم أن حتى تفيد الترتيب كما تفيده ثم والفاء، وليس كذلك. طبعًا سبق الخلاف في ثم والفاء وأن الأكثرين على أنهما تفيدان الترتيب، ثم مع التراخي والفاء بدون تراخي. وليس كذلك، وإنما هي لمطلق الجمع كالواو، هي لمطلق الجمع لا تفيد ترتيبًا ولا غيره، قد يفهم الترتيب من غيره. قال: وأشهد لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «كل شيء بقدر، بقضاء وقدر، حتى العجز والكيس». العجز والكيس معطوفان على قوله كل، يعني كأنه قال: كل شيء بقضاء وقدر، والعجز والكيس كذلك بقضاء وقدر. العجز هو الضعف والنقص في البدن أو في الهمة وما أشبه ذلك. والكيس القوة والنشاط والحذق في الأمور وما أشبه ذلك، فكل هذا بقضاء وقدر، وإن لم يكن عون من الله للفتى ما يجني عليه اجتهاده. فالإنسان نعم لا يستسلم للعجز، وكذلك لا يتكبر ولا يتعالى بنشاطه وحذقه في الأمور ومعرفته بمآلات الأمور وما أشبه ذلك، إنما يعلم أن كل ذلك بقضاء وقدر، ويدفع قدر الله بقدر الله. لكن على كل هو يقول: ولا ترتيب بين القضاء والقدر، وإنما الترتيب في ظهور المقضيات والمقدرات، يعني أن الله تبارك وتعالى أولًا علم كل شيء أزلًا وقدر كل شيء كذلك، وكتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ثم تقع هذه المقدرات والمقضيات بحسب ما قدره الله تبارك وتعالى. فهو ينفي بهذا الحديث أن تكون للترتيب.
هل في ذلك نزعة عقدية؟ أنا لم تظهر لي نزعة عقدية في هذا، المصنف عليه رحمة الله في بعض الأحيان تظهر منه نزعة عقدية في بعض الآيات في تفسير بعض الآيات أو بعض الأحاديث، لكن أنا لم يظهر لي هنا شيء، قد يكون مثلًا في قوله خلق الله السماوات والأرض في بعض كتبه ليس كذا، في بعض كتبه أبى أن تعرب مفعولًا به بناء على نزعة عقدية غير صحيحة، لكن هنا هل هناك نزعة عقدية سببت هذا فذكر هذا الحديث وذكر هذا المعنى الذي بعده ولا ترتيب بين القضاء والقدر وإنما الترتيب في ظهور المقضيات والمقدرات؟ العلم عند هذا محل سؤال وبحث.
قال: «أو» لأحد الشيئين أو الأشياء، مفيدة بعد الطلب التخيير أو الإباحة، وبعد الخبر الشك أو التشكيك، أو هذا هو الحرف الخامس الذي يذكره المصنف من حروف العطف. قال: لأحد الأشياء أو لأحد الشيئين، إما أن تكون بعد طلب وإما أن تكون بعد خبر، فإذا كانت بعد طلب فتفيد تخييرًا أو إباحة، وإن كانت بعد خبر فتفيد شكًا أو تشكيكًا. ثم ذكر معنى هذا الكلام ثم ذكر أمثلته من كتاب الله تعالى، قال: مثالها لأحد الشيئين قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19]. هذا للشك، لا يعلمون لبثوا يومًا أو بعض يوم. طبعًا هم لم يلبثوا لا يومًا ولا بعض يوم، إنما لبثوا مدة زمانهم. هذا المعنى هذا على اعتبار أنه قال ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112]، خلاف بين العلماء في مثل هذه الآيات لبثتم في قبوركم أو في حياتكم الدنيا وهذا الثاني أقرب، هذا هو الذي يحاسبون عليه فيستقلون المدة. وهذا الذي جاء في كتاب الله في عدة مواضع: ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ [طه: 103]، ﴿إِذ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه: 104]، فيستقلون هذا، ومعشرهم جميعًا كأن لم يلبثوا إلا ساعة من نهار، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46]. هم يستقلون هذا، يقولون في موطن ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ هذا للشك، أو لأحد الأشياء.
وهذا للتخيير لأن معناه الطلب: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]، ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ أي من حنث في يمينه، من حنث في يمينه فعليه أن يكفر إحدى هذه الكفارات. قال: ولكونها لأحد الشيئين أو الأشياء امتنع أن يقال: سواء علي أقمت أو قعدت. هنا بعضهم يجوز ذلك، لماذا يمتنع؟ قال: لأن سواء لابد فيها من شيئين، لأنك لا تقول سواء علي هذا الشيء، فهي تكون للشيئين أو لعدة أشياء، فيمتنع أن يقول سواء علي كذا، قال سواء علي كذا أو كذا.
قال: ولها أربعة معاني، معنيان بعد الطلب وهما التخيير والإباحة، ومعنيان بعد الخبر وهما الشك والتشكيك. فمثالها للتخيير: تزوج هندًا أو أختها، وللإباحة: جالس الحسن أو ابن سيرين. ما الفرق بينهما؟ تزوج هند أو أختها، جالس الحسن أو ابن سيرين. قال والفرق بينهما أن التخيير يأبى جواز الجمع بين ما قبلها وما بعدها، والإباحة لا تأباه. يعني أنك إذا خيرته بين شيئين فليختر أحدهما، أما إذا أبحته فإنه يجوز له أن يختار الجميع. هذا فرق بين التخيير والإباحة، قال: ألا ترى أنه لا يجوز له أن يجمع بين تزوج هند وأختها، وله أن يجالس الحسن وابن سيرين جميعًا. بلى، فتزوج هندًا أو أختها أي اختر واحدة منهن، فهذا تخيير، أما أن يختار هذه أو هذه، وهذا طلب تزوج، هذا طلب يراد به التخيير. جالس الحسن أو ابن سيرين، هذا الطلب يريد به الإباحة، يعني يجوز لمن عاصر الحسن أو ابن سيرين أن يجالس هذا أو يجالس هذا أو يجالسهما معًا. مثلًا: ادرس الصرف أو النحو، يعني يجوز لك أن تدرس الصرف ويجوز لك أن تدرس النحو ويجوز أن تجمع بينهما، هذا للإباحة.
أنت الآن تريد أن تسافر إلى بلد معين في وقت معين، وعندك بلدان، يعني تراوح بين بلدين، وقال لك: سافر هذه البلدة أو هذه البلدة في هذا اليوم، فأنت تأخذ مثلاً منحة دراسية أو ما أشبه ذلك، فلا يمكنك إلا أن تسافر إحدى البلدين أو إحدى البلدتين؛ هذا هو التخيير.
قال: ومثالها للشك قولك: جاء زيد أو عمرو. هذا المثال محتمل للأمرين جميعاً. قال: ومثالها للشك قولك: جاء زيد أو عمرو، إذا لم تعلم الجائي. ومثالها للتشكيك قولك: جاء زيد أو عمرو، فهذا محتمل للشك وللتشكيك. الشك إذا لم تعلم من جاء منهما تقول: جاء زيد أو عمرو؛ أحدهما جاء لكن أنا لا أعلم، أشك أن هذا أو ذاك. وإذا أردت أن تشكك غيرك قل: جاء زيد أو عمرو؛ هو لا يدري، هو يعلم أن أحدهما جاء فتقول له: جاء زيد أو عمرو، أنت تخيله، إذا كنت عالماً بالجائي منهما ولكنك أبهمت على المخاطب.
هل لذلك أمثلة من كتاب الله؟ قال: وأمثلة ذلك من التنزيل قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89]. فأنت في الكفارة مخير بين هذا وهذا. قد يقول قائل: أنا سأفعل الثلاث؛ الحمد لله، وسع الله علي، سأطعم عشرة مساكين وسأكسوهم وسأحرر الرقبة. يقول لك: افعل، جزاك الله خيراً، لكن لا تعتقد أن الثلاثة جميعاً هي كفارة اليمين. هذا الاعتقاد خطأ، فيه تحميل لكتاب الله ما لا يحتمل، فيه تحميل للشريعة ما لا تحتمل. الشريعة خيرتك بين هذا وهذا، فإن كنت مستطيعاً قادراً وفعلت الثلاثة، هذا من باب آخر؛ تفعل إحداهن على أنها كفارة، والأخريان تكونان ليست كذلك، وإنما تكونان نافلة له. فإنه لا يجوز له الجمع بين الجميع على اعتقاد أن الجميع هو الكفارة، هذا واضح.
قال وقوله تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: 61] إلى آخر الآية، هذا للإباحة. يعني هل معنى الكلام إذا أكلت من بيت أبيك فليس لك أن تأكل من بيت أمك، أو ليس لك أن تأكل من بيت أخيك وبيت أختك؟ لا، كل هذا مباح، أن تأكل من هذا أو هذا أو هذا، أن تجمع مثلاً بين بعض هذه الأشياء في يوم واحد وهكذا.
قال وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19] هذا سبق أنه للشك. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * قُل لَّا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: 24-25]. ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ هذا يقوله الرسول عليه الصلاة والسلام لأعدائه من المشركين. هل هو لا يعلم؟ هو يقيناً وقطعاً يعلم أنه على هدى وأنهم في ضلال مبين، لكن هذا من باب التشكيك، انظروا أنتم ماذا تفعلون وماذا نفعل نحن، وأينا على هدى وأينا على ضلال، أينا أحق بأن يوصف بالضلال التي تصفونني بها.
قال بعد ذلك: وأم لطلب التعيين بعد همزة داخلة على أحد المستويين. تقول: زيد عندك أم عمرو؟ هنا أم عاطفة؛ عطفت عمراً على زيد، زيد عمرو، فهذا معطوف عليه. هل هو من عطف المفرد أم من عطف الجملة؟ هذا خلاف بينهم، فكأن المصنف اختار أنه من عطف المفرد، وهذا نص عليه أيضاً في مغني اللبيب وغيره. قال: إذا كنت قاطعاً بأن أحدهما عنده، زيد عندك أم عمرو؟ معنى الكلام أنك تعلم أن واحداً من هذين عنده لكن تريد أن تعلم أن يعين لك الموجود منهما فتأتي بأم، قال: ولكنك شككت في عينه؛ يعني في من هو المراد، من الذي عنده دون الآخر. طبعاً هي ليست في كل موضع تفيد التشكيك، أو عفواً تفيد الشك، إنما هذا في المثال الذي ذكره.
قال الله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ [النازعات: 27]، هذا واضح، ليس فيه شك، وكل يعلم أن السماء أشد خلقاً؛ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس. ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ليس معناها لا يعلمون أن خلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس، معناه أنهم استبعدوا البعث، وخلق الله عز وجل السماوات والأرض أكبر من بعثهم، فبعث الناس أيسر، فكل على الله يسير. خلق الناس مرة أخرى وإعادتهم أهون على الله تعالى من خلق السماوات والأرض وكل عليه هين.
كما قال تعالى مثلاً: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: 41]. يعني لو كانوا يعلمون أن ما اتخذوه من دون الله أولياء، أو أن ما اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً؛ لما اتخذوا ولما عبدوا من دونه أولياء. لو كانوا يعلمون أن هذا الشرك، وهذا الصرح العظيم من الشرك بالله تعالى الذي بنوه لأنفسهم، هو هين كهوان بيت العنكبوت، لما أشركوا بالله شيئاً. وهذه أمثلة كثيرة، فكأن الكلام لا يعود هكذا على ما هو متبادر، أو قد يتبادر إلى ذهن بعض الناس.
يعني مما يوضح هذا أيضاً: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر: 5]. وقد تسمع بعض الناس يقرأ: كلا لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم، وهذه القراءة قد تفسد المعنى. ليس المعنى: لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم، يعني لو علمتم علم اليقين لرايتم الجحيم، هذا ليس المعنى أبداً، إنما المعنى متعلق بما قبلها: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ لما ألهاكم التكاثر. هو متعلق بقوله: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، يعني لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر، لكن أنكم لا تعلمون الأمر على حقيقته، ولا تقدرون الدنيا بقدرها والآخرة بقدرها، فإنه ألهاكم التكاثر حتى انشغلتم بهذه الدنيا، وشغلتكم وغرتكم الحياة الدنيا. الشاهد في هذا هو قوله تعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ فليست في كل موضع بمعنى الشك.
قال: ولهذا يكون الجواب بالتعيين لا بنعم ولا بلا؛ أزيد عندك أم عمرو؟ تقول: زيد، أو تقول: عمرو. أأنتم أشد خلقاً أم السماء؟ تقول: السماء. قال: وتسمى أم هذه معادلة لأنها عادلت الهمزة في الاستفهام بها، ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾، فدخلت الهمزة على أحد المستويين، ودخلت أم على المستوي الآخر، ألا ترى أنك أدخلت الهمزة على أحد الاسمين اللذين استوى الحكم في ظنك بالنسبة إليهما، وأدخلت أم على الآخر، ووسطت بينهما ما لا تشك فيه وهو قولك: عندك.
قال: وتسمى أيضاً متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر، لا يقال: أزيد عندك؟ وأنت تريد أن المعنى: أزيد عندك أم لا؟ لا، قلت: أزيد عندك؟ هنا تريد جواباً آخر؛ نعم أو لا، لا تريد به التعيين.
قال في آخر هذا الباب: وللرد عن الخطأ في الحكم لا، بعد إيجاب؛ ولكن، وبل، بعد نفي، ولصرف الحكم إلى ما بعدها، بل بعد إيجاب. ذكر هنا السابعة والثامنة والتاسعة من حروف العطف، بعد ذكر ستة فيما سبق؛ ذكر الواو والفاء وثم وأم وأو وحتى، هذه ستة، ثم ذكر لا، ولكن، وبل. قال: وجعلها جميعاً مع بعضها لما بينها من الاجتماع والافتراق.
قال حاصل هذا الموضع: أن بين لا ولكن وبل اشتراكاً وافتراقاً. إذا أردتم من حديثكم أن يعرب اشتراكاً؛ سأقول: هي إن بين كذا وكذا اشتراكاً، يعني أن اشتراكاً حاصل وواقع ومستقر وكائن بين هذه الأحرف. هنا تقدم خبر إن على اسمها لأنه ظرف، والظرف والجار والمجرور يتقدم أو يتوسط بين إن واسمها كما سبق. هذه الأشياء لا بد أن تكون منكم على بال، وأن تراجعوا كثيراً وتقرأوا كثيراً في إعراب القرآن، تتضح لكم هذه المدارك.
قال: فأما اشتراكها؛ فهي تشترك من وجه من بعض الأوجه، وتختلف من أوجه أخرى. قال: فأما اشتراكها فمن وجهين، أحدهما أنها عاطفة؛ لا عاطفة، ولكن عاطفة، وبل عاطفة. ليست في كل موضع كذلك، لكن لا تأتي عاطفة، ولكن تأتي عاطفة، وبل تأتي عاطفة، وهو يريد هذا. والثاني: أنها تفيد رد السامع عن الخطأ في الحكم إلى الصواب. هذا الشيء الثاني الذي تشترك فيه هذه الأحرف الثلاثة، أن السامع يظن شيئاً أو يريد شيئاً، فأنت ترده عن هذا الخطأ إلى معنى آخر تراه صواباً.
قال: وأما افتراقها فمن وجهين أيضاً؛ هناك وجهان للافتراق. أحدهما: أن لا تكون لقصر القلب وقصر الأفراد. عندك قصر قلب وقصر أفراد وقصر تعيين. المخاطب الذي أمامك، الذي تخاطبه قد يظن شيئاً معيناً، فأنت تقلب عليه ظنه، أقول: لا، بل الصواب عكس هذا؛ فهذا اسمه قصر قلب. هو ظن أن الحق مثلاً في (أ)، أنت قلبت عليه فقلت: بل الحق في (ب)، فقلبت عليه ذلك وقصرت الحق على (ب). قصر الأفراد؛ هذا المخاطب ظن عدة أشياء، فأنت قصرت له الحكم على أحدها، هذا اسمه قصر أفراد. وظن عدة أشياء قلت له: بل هذا هو الصواب، هذا قصر أفراد. قصر التعيين؛ ظن شيئاً غير معين، فأنت عينت له، هذا اسمه قصر تعيين. المصنف تكلم عن قصر القلب وقصر الأفراد، سيتضح إن شاء الله تعالى بما يأتي.
قال: وبل ولكن إنما يكونان لقصر القلب فقط، لقصر القلب فقط. تقول: جاءني زيد لا عمرو، جاءني زيد لا عمرو، رداً على من اعتقد أن عمراً جاء دون زيد، أو أنهما جاءاك معاً. الذي اعتقد أن عمراً جاء دون زيد وقال: أنا أظن أن عمراً جاءك، فتقول: جاءني زيد لا عمرو؛ ماذا صنعت هنا؟ قلبت عليه اعتقاده، هذا اسمه قصر قلب. يقول: أنا أظن أن زيداً وعمراً عندك وأنهما جاءاك؛ تقول: جاءني زيد لا عمرو، هو ظن شيئين، أنت قلت له: الصواب شيء واحد، جاءني زيد لا عمرو، هذا قصر أفراد. جاءني زيد، هذا خبر، وليس فيه نفي إثبات، وهذا مع لا، فلا تكون بعد الإثبات، أما لكن وبل فيكونان بعد النفي. نعم بل تكون بعد الإثبات في موضع آخر سآتي له.
قال: وتقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، وتجوز ويجوز: بل عمرو؛ يعني لأن لكن وبل يشتركان في هذا. تقول: ما جاءني زيد لكن عمرو، أو بل عمرو، رداً على من اعتقد العكس. إذا قلت: ما جاءني زيد لكن عمرو، هذا معناه أنه اعتقد في الأول أنه قد جاءك زيد، اعتقد عكس المراد، فيقول: لقد جاءك زيد، فيقول: ما جاءني زيد لكن عمرو. هذا قصر قلب، فلكن وبل لقصر القلب، أما لا فتكون لقصر القلب وقصر الأفراد.
قال: والثاني؛ هذا الشيء الثاني الذي تختلف فيه هذه الحروف، قال: إن (لا) إنما يعطف بها بعد الإثبات كما سبق، جاءني زيد لا عمرو، بعد الإثبات. و(بل) يعطف بها بعد النفي، ولكن يعطف بها بعد النفي، ويكون معناها كما ذكرنا قصر القلب. العبارة فيها شيء من القلق، كأنه يعني: بل ولكن يعطف بهما بعد النفي. هنا انتهى الكلام، يبقى بل ولكن يعطف بهما بعد النفي، لا يعطف بها بعد الإثبات.
ثم تكلم عن شيء آخر احترازاً من بل؛ لأن بل التي قال يعطف بها بعد النفي، أيضاً يعطف بها بعد الإثبات بمعنى آخر. قال: ويعطف ببل بعد الإثبات، ومعناها حينئذ إثبات الحكم لما بعدها وصرفه عما قبلها، وتصيره كالمسكوت عنه من قبل، أنه لا يحكم عليه بشيء، وذلك كقولك: جاءني زيد بل عمرو. في مثل جاءني زيد بل عمرو، هذا اسمه إضراب، اسمها بل الإضرابية. نقول: جاءني زيد، هذه جملة من فعل وفاعل ومفعول به مقدم، عمرو فاعل مؤخر، والنون طبعاً الموجودة نون الوقاية، جاءني زيد، ثم أضربت عن هذا فقلت: بل عمرو. يبقى إذا أنت تثبت الآن المجيء لعمرو الذي بعد بل.
أما مجيء زيد، هذا اختلف فيه العلماء في مثل هذه الحال؛ يقولون: هو أضرب عن هذا، فزيد لم يجيء؛ جاءني زيد، أنا هنا لما أضربت معناه أنه لم يجيء، وهذا بعضهم يعبر عنه ببدل الغلط والإضراب والنسيان الذي سيأتي يمثل له بمثل هذا. بعضهم يقول: لا، جاءني زيد تبقى في حكم المهمل، والآن أثبت المجيء لعمرو، وتبقى الجملة التي قبلها في حكم المهمل، لم يتكلم عنها لأي علة كان، هذا المعنى هو أضرب عنه لا يهمه.
هل لهذه الأمثلة (لا، ولكن، وبل) من شواهد في كتاب الله تعالى؟ أما (لا)؛ يعني لا يحضرني لها شاهد، لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله تعالى تكون فيه عاطفة، قد يكون هناك كثير لكن لا يحضرني شاهد في هذا، تأتي على عدة أوجه في كتاب الله تعالى.
جاءت في كتاب الله عاطفة، لا أعلم لها شاهداً؛ وكذلك بل. أيضاً تكون ابتدائية ويأتي بعدها جملة، وفي قوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26] أي بل هم عباد مكرمون. وقالوا: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَٰنُ وَلَدًا ۗ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: 26]؛ أي بل هم عباد مكرمون، وما أشبه ذلك. تأتي بعدها جملة، وتأتي كثيراً للإضراب والتحول من كلام إلى كلام آخر، وتأتي أحياناً للإبطال؛ لإبطال كلام المشركين.
بعد ذلك، هل جاءت عاطفة لمفرد على مفرد؟ أيضاً لا أعلم لها شاهداً. أما «لكن» فهذه فيها خلاف، بعض العلماء يقول لكي تكون عاطفة لابد ألا تتقدمها الواو، لأن لو تقدمتها الواو فالعطف بالواو، وبعضهم يقول لا تكون عاطفة إذا تقدمتها الواو، وحينئذ الواو تكون ملغاة. وعلى هذا بعض الأدلة في كتاب الله تعالى على هذا الخلاف، قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: 40]. قد يتبادر للذهن ولكن رسول الله، يعني ولكن هو رسول الله عليه الصلاة والسلام، لكن لماذا قال: ولكن رسول الله؟ هنا خلاف بين العلماء، بعضهم يقول الواو هي العاطفة وقول «لكن» هي العاطفة، و«رسول» معطوف على «أبا»؛ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم، فجاء بالنصب؛ «أبا» خبر كان منصوب، لأجل هذا جاء «رسول» بالنصب، فلماذا نصب؟ لأنه معطوف على المنصوب. والآخرون يقولون: لا، والمعنى ولكن كان رسول الله؛ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن كان رسول الله. هذا فيه خلاف، لكن على كل حال «لكن» ورد فيها عدة آيات تحتمل أن تكون فيها عاطفة، ومنها قول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يونس: 37]، أيضاً «تصديق» قد يُظن أنها ولكن هو تصديق، لكن «تصديق» جاءت هكذا «تصديق» قبل أيضاً ما كان هذا القرآن أن يفترى، يعني ما كان هذا القرآن افتراء ولكن تصديقاً. وقال أيضاً: ﴿مَّا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ [يوسف: 111].
بهذا يكون الكلام قد انتهى عن العطف بنوعيه. قال في آخر التوابع والبدل: وهو تابع مقصود بالحكم بلا واسطة، وهو ستة: بدل كل نحو ﴿مَفَازًا * حَدَائِقَ﴾، وبعض نحو ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾، واشتغال نحو ﴿قِتَالٍ فِيهِ﴾، وإضراب وغلط ونسيان نحو تصدقت بدرهم دينار، بحسب قصد الأول والثاني، أو الثاني وسبق اللسان، أو الأول وتبين الخطأ.
الباب الخامس من أبواب التوابع البدل، وهو في اللغة العوض، قال الله تعالى: ﴿عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا﴾ [القلم: 32] في قول أصحاب الجنتين كما هو معلوم، يعني أن يعوضنا خيراً منها. وفي الاصطلاح: تابع مقصود بالحكم بلا واسطة، التابع المقصود بالحكم بلا واسطة هو المسمى بدلاً، كما قال ابن مالك رحمه الله. فقولي «تابع» جنس يشمل التوابع، يشمل جميع التوابع كما سبق في التعريفات التي ذكرت. وقول «مقصود بالحكم» مخرج للنعت والتأكيد وعطف البيان؛ فإنها مكملة للمتبوع المقصود بالحكم، ليست هي المقصودة بالحكم. و«بلا واسطة» مخرج لعطف النسق؛ كجاء زيد وعمرو، أنت تريد جاء زيد وجاء عمرو فهو مقصود بالحكم، لكنه بواسطة حرف العطف، أما التابع فيكون بغير واسطة، فإنه إن كان تابعاً مقصوداً بحكم لكنه بواسطة حرف العطف.
قال وأقسامه ستة: أحدها بدل كل من كل، وهو عبارة عن ما الثاني فيه عين الأول، هذا الذي يسمى البدل المطابق لقولك: جاءني محمد أبو عبد الله، محمد هو أبو عبد الله، هذا اسمه محمد وكنيته أبو عبد الله. يقول: جاءني محمد أبو عبد الله، «أبو عبد الله» تعرب بدلاً، هل لها إعراب آخر؟ نعم، سبق أنها تعرب عطف بيان، قلنا هو عطف البيان والبدل كأنهما شيء واحد، وكل ما جاز أن يعرب عطف بيان فإنه يعرب بدلاً إلا إذا امتنع إحلاله محل الأول. وقوله ﴿مَفَازًا * حَدَائِقَ﴾؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ [النبأ: 31-32]؛ ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾، مفازاً اسم إن، حدائق لماذا نصبت؟ لأنها بدل مما قبلها، كأنه قال: إن للمتقين حدائق وأعناباً وكذا وكذا. ومثال هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿لِّتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 1]، الله الذي له ما في السماوات، اسم الله هنا لفظ الجلالة؛ على قراءة الجر: ﴿اللَّهِ الَّذِي﴾، فهو بدل من الذي قبله، ﴿إِلَىٰ صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللَّهِ﴾، ولا يكون نعتاً؛ لأن أسماء الله تبارك وتعالى يُنعت بها اسم الله، أما اسم الله فلا يُنعت به غيره، ويقال في الكلام: العزيز هو الله، الحكيم هو الله، الحميد هو الله، لكن العزيز والحكيم والحميد وغير هذا من أسماء الله، هذا هو المعنى، يعني من أسماء الله، لكن يقال الله من أسماء الحميد، هذا معنى المعروف. ومثله أيضاً قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 6-7]، هذا في أول الفاتحة في قول المؤمنين عندما يدعون ربهم تبارك وتعالى بعد أن يثنوا عليه بما هو أهله: اهدنا الصراط المستقيم، ثم أبدل منه: صراط الذين أنعمت عليهم. أمثلة أيضاً كثيرة، هذا اسمه بدل مطابق أو بدل كل من كل.
الثاني بدل بعض من كل، وضابطه أن يكون الثاني جزءاً من الأول كقولك: أكلت الرغيف ثلثه، وكقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، فـ ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ بدل من الناس، هذا هو المشهور. طبعاً ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ﴾، «من» هنا فيها ثلاثة إعرابات، هذا أشهرها وأصحها. قال هذا هو المشهور، وقيل فاعل بـ«حج» أو بـ«حج»؛ حج البيت، قراءتان وهما لغتان فصيحتان، أي ولله على الناس أن يحج مستطيعهم. وهذا معنى غريب سيظل المصنف، هل فرض الله على الناس أن يحج المستطيع؟ يعني هل فرض الله على الأغنياء والفقراء أن يحج الأغنياء المستطيعون؟ يعني فرض على الفقير أن يحج الغني؟ هذا معنى لو قيل إنه فاعل لكان هذا هو المعنى، ولله على الناس يحج البيت، يعني ولله على الناس أن يحج المستطيع؛ يعني فرض حتى على الفقراء. ما الفرض على الفقير؟ أن يحج الغني! هذا معنى باطل لا يقال. هذا إلزام لمن أعرب هذا الإعراب، فمن قال «من» فاعل يقال له: يلزمك أن يكون هذا هو المعنى، وهو يفر من هذا المعنى فيقال له فالإعراب إذاً خطأ؛ فالإعراب فرع المعنى.
وقال الكسائي عليه رحمه الله: أنها شرطية مبتدأ والجواب محذوف، إن ولله على الناس حج البيت، الكلام من استطاع إليه سبيلاً فليحج، فعلى قول الكسائي تقول: ولله على الناس حج البيت، ثم تقول: من استطاع إليه سبيلاً أي فليحج. لكن لماذا الحذف والكلام لا يحتاج؟ قال: ولا حاجة لدعوة الحذف مع إمكان تمام الكلام، والوجه الثاني يقتضي أنه يجب على جميع الناس أن مستطيعهم يحج، وذلك باطل باتفاق، فيتعين القول الأول. طيب، القول الأول ما معناه؟ ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً، معناه البدلية، وهي بدل بعض؛ يعني ولله على الناس حج البيت، من هؤلاء الناس؟ هل فرض الله عز وجل على كل الناس أن يحجوا؟ لا، على المستطيع فقط؛ يعني كأنه قال ولله على من استطاع أن يحج البيت، فالحج فرض على المستطيع. ومن هذا أيضاً، من بدل من هذا البدل الذي يسمى بدل بعض، قول الله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: 2-3]، ﴿نِّصْفَهُ﴾ فالنصف جزء من الليل.
والثالث بدل الاشتمال، وضابطه أن يكون بين الأول والثاني ملابسة بغير الجزئية، طبعاً بغير الجزئية والكلية. فإذا قلت: أعجبني زيد أبو عبد الله، أعجبني زيد؛ هذا اسمه بدل مطابق بدل كل من كل، لأن زيدا هو أبو عبد الله، هو هذا هو هذا. إذا قلت: أعجبني زيد وجهه، وجه؛ هذا الوجه جزء منه، هذا اسمه بدل بعض من كل. إذا قلت: أعجبني زيد علمه، العلم ليس زيداً وليس جزءاً من زيد، لكن زيداً مشتمل على العلم، هذا معناه بدل الاشتمال، هناك ملابسة ما بين البدل والمبدل منه ليست كلية ولا جزئية إنما احتمالية. قال وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: 217]، مع عن أي شيء سألوا؟ سألوا عن القتال في الشهر الحرام، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ يعني عن قتال فيه، هذا معنى كون البدل على نية تكرار العامل، عن قتال فيه. طيب، هل القتال هو الشهر الحرام؟ لا. هل القتال جزء من الشهر الحرام، يعني هو يوم واحد ولا اثنين ولا يوم 15 في شهر اسمه قتال؟ ليس هذا. طيب لماذا جاز أن يكون بدلاً؟
قالوا: هذا بدل اشتمال؛ لأن الشهر الحرام اشتمل على القتال، وهذا معروف في سرية عبد الله بن جحش رضي الله عنه في القصة المشهورة في السيرة، ما كان في آخر يوم جمادى، وحصل أنهم لو فاتوهم يعني لو تركوهم لفات اليوم أو لدخلوا في الشهر الحرام، ولو قاتلوهم لقتلوهم في الشهر الحرام، قال هذه قصة معروفة؛ كان في آخر يوم من رجب والله أعلم، لو تركوهم لنجوا، ولو قاتلوهم لانتهكوا حرمة الشهر، فحصل بينهم شيء من نزاع، في القصة المشهورة في السيرة، فاعترض المشركون على ذلك فقيل لهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]، نعم نحن نوقن بهذا، نعلم، قل يا رسول الله لهم القتال في الشهر الحرام كبير، وهذا الذي صنعه هؤلاء الصحابة الأفاضل خطأ وإن كان لهم تأويل، لكن تعالوا وانظروا حتى تقيسوا الأمور بميزان واحد لا بموازين متعددة، قل قتال فيه كبير، والصواب أن تقف ها هنا، خلافاً لمن يصل، نعم يمكن أن تصل حتى في موضع الوقف، نعم، لكن حتى تكون فاهماً للمعنى وحتى تتذوق معنى آي القرآن، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾، وقف ها هنا ثم قل بعد ذلك الكلام على تمته. هذا الذي يُذكر بعد ذلك ليس له علاقة بما سبق، هذا أكبر، والقتال فيه كبير، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 217]، نعم القتال في الشهر الحرام كبير، لكن هذه الأشياء التي تفعلونها أكبر عند الله من مجرد القتل في الشهر الحرام الذي تعيبونه علينا، فأنتم تعيبون علينا أننا قتلنا رجلاً أو رجلين منكم في الشهر الحرام بتأويل، وأنتم ماذا تفعلون؟
﴿وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾، كل هذا تفعلونه، الصد عن سبيل الله والكفر بالله والكفر بالمسجد الحرام والصد عن المسجد الحرام على الاختلاف في المعنى، وتخرجون ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ من هذا المسجد الحرام، كل هذا أكبر من... لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 34]. كل هذا الذي تفعلونه أكبر من مجرد القتل بالشهر الحرام، فهذا هو المعنى.
قال: ونبهت بالتمثيل بالآيات الثلاث على أن البدل والمبدل منه يكونان نكرتين، نحو قوله تعالى ﴿مَفَازًا * حَدَائِقَ﴾، مفازاً نكرة، حدائق نكرة، ومعرفتين مثل: «من الناس» و«من استطاع»، «من» هذه موصوله سبقت في الموصولات والموصولات من المعارف، ومختلفين مثل: الشهر وقتال، الشهر معرفة وقتال نكرة، هذا ليس كالنعت وليس كعطف البيان، عطف البيان يجب فيه المطابقة، النعت يجب فيه المطابقة، أما هذا فلا يجب فيه المطابقة في هذا، في التذكير في التعريف والتنكير، كعطف النسق يمكن أن نقول جاءني زيد وامرأة، زيد معطوف وامرأة معطوف عليه، وهذا نكرة وهذا معرفة، امرأة نكرة وزيد علم معرفة، ومثل هذا أيضاً في كون البدل نكرة وأن يكون المبدل منه معرفة، هناك آية في كتاب الله تبارك وتعالى على العكس من ذلك، البدل معرفة والمبدل منه نكرة، نعم بدل معرفة والمبدل منه نكرة.
﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]. صراط نكرة، ووصفت بمستقيم، وهذا ما زال نكرة أيضًا. بعد ذلك قال: ﴿صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 53]، فكلمة صراط نكرة، لكن أضيفت إلى اسم الله تعالى فتعرفت.
الرابع والخامس والسادس: بدل الإضراب، وبدل الغلط، وبدل النسيان. بعض العلماء أنكر هذا كله، خصوصًا بدل الغلط والنسيان هذا. وبعض يقول هذا اسمه بدل مخالف، يبقى عندك: بدل مطابق، بدل بعض، بدل الاشتمال، بدل مخالف. أيًّا ما كان، لكن على قول المصنف، ويمثلون له بمثال واحد، قال: كقولك تصدقت بدرهمٍ دينارٌ، أو جاء زيدٌ عمروٌ.
مثلاً: تصدقت بدرهمٍ دينارٌ؛ فهذا المثال محتمل لأن تكون قد أخبرت بأنك تصدقت بدرهم، ثم عنّ لك وبدا لك أن تخبر بأنك تصدقت بدينار، هذا بدل الإضراب: تصدقت بدرهم، ثم أضربت عن درهم، قلت بدينار.
أو أن تكون قد أردت الإخبار بالتصدق بالدينار، فسبق لسانك إلى الدرهم، أنت تريد أن تقول تصدقت بدينار فقلت تصدقت بدرهم دينار، كما نحن نقول: تصدقت بدرهم، قصدي كذا، تصدقت بدرهم دينار. فسبق اللسان هنا يسمى بدل غلط، غلط لسانك فنطق شيئًا لم ترده.
أو أن تكون قد أردت الإخبار بالتصدق بالدرهم، فلما نطقت بان فساد ذلك القصد، وهذا بدل النسيان؛ أنت تقصد أن تقول تصدقت بدرهم، بعد أن تكلمت تذكرت أنك تصدقت بدينار لا بدرهم، فتقول: دينار. هذا نسيان، نسيت ثم تذكرت. وربما أشكل على كثير من الطلبة الفرق بين بدلي الغلط والنسيان، وقد بيناه، ويوضحه أن الغلط في اللسان، والنسيان في الجنان، أي في القلب.
باب العدد. قال: باب العدد من ثلاثة إلى تسعة، يؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث دائمًا، نحو: ﴿سَبْعُ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: 7]. هنا لابد أن تنظر إلى شيء قبل الدخول في باب العدد، التذكير والتأنيث، هذا لابد أن ترى مفرد هذا المعدود، أي إذا كان المعدود مفردًا فلا إشكال، أين الإشكال؟ الإشكال يكون إذا كان المعدود جمعًا، فحينئذ لابد أن تفرده لتعلم أمذكر هو أم مؤنث.
﴿سَبْعُ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾، قد يقول قائل: هذه ليالٍ وهذه أيام، هذا مؤنث وهذا مؤنث، لابد أن تفرد ليالي، مفردها ليلة مؤنثه، سبع مذكرة لأن هذا يخالف، وثمانية أيام مفردها يوم، ثمانية بالتأنيث لأن هذا يخالف. يجري على القياس ولا يجري على القياس، تذكير وتأنيث لابد أن تنظر إلى المفرد، فإن كان المعدود مفردًا فلا إشكال، وإن كان جمعًا فأرجعه إلى المفرد واعده إلى المفرد حتى يتبين لك.
قال: وكذلك العشرة إن لم تركب، وما دون الثلاثة، وفاعل كثالث ورابع على القياس دائمًا، ويفرد فاعل أو يضاف لما اشتق منه أو لما دونه أو ينصب ما دونه. طبعًا هنا ضغط باب العدد ضغطة كبيرة، عندي نص في صفحة واحدة وأحتاج إلى كلام طويل، لكن إذا ضبطت هذه الضبطة تضبط الباب كله، يعني لا يبقى بعد أن تضبط هذا الضبط ضبطًا ذهنيًا إلا أن تتكلم به كلامًا صحيحًا، ولو فكرت قليلاً، يعني قول مثلاً: أريد العدد 13 مع رجل وامرأة، فتقول: جاءني 13 رجلاً و13 امرأة، هكذا، فتعرف لماذا قلت هذا ولماذا قلت هذا.
قال: اعلم أن ألفاظ العدد على ثلاثة أقسام، أحدها ما يجري دائمًا على القياس في التذكير والتأنيث، فيذكر مع المذكر، أي يذكر العدد مع المعدود المذكر، ولابد أن تنظر إلى المفرد، يعني مثلاً ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4]، لا إشكال لأن الكوكب هذا مفرد، لكن سبع ليالٍ وثمانية أيام لابد أن ترجع الكلام إلى مفرده.
قال: ويؤنث مع المؤنث. ما هذا الذي يجري دائمًا على القياس؟ قال: وهو الواحد والاثنان وما كان على صيغة فاعل. تقول في المذكر: واحد، اثنان، ثانٍ، ثالث، على رابع صيغة فاعل، إلى عاشر، وفي المؤنث: واحدة، اثنتان، ثانية، ثالثة، رابعة، إلى عاشرة. هذه ضغطة كبيرة وليس عليها أمثلة، فاعلم أن العدد الذي هو واحد، والعدد الذي هو اثنان، يوافقان المعدود تذكيرًا وتأنيثًا، واعلم أيضًا أنهما يأتيان بعد الأعداد الأخرى، ستجد سبع ليالٍ وثمانية أيام، ستجد العدد أولاً والمعدود بعد ذلك، العدد واحد واثنان لا، العكس، يأتيان بعد المعدود ويوافقانه.
قال تعالى: ﴿يُسْقَىٰ بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ [الرعد: 4]، ماء مذكر واحد مذكر، وهنا الواحد جاء بعد ماء. وكذلك: ﴿لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ [البقرة: 61]. قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213]، أمة مؤنثة واحدة مؤنثة. طعام مذكر واحد مذكر. ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13]، نفخة مؤنثة واحدة مؤنثة. وكذلك العدد اثنان أيضًا هو بهذا التفصيل.
قال تعالى: ﴿قُلِ احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود: 40]، زوجين اثنين، العدد هنا تأخر الذي هو اثنين، وزوجين هذا مذكر، فاثنين مذكر. ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ [غافر: 11]، هنا المعدود حذف لكن معناه معروف، أمتنا أماتتين اثنتين، وأحييتنا إحياءتين اثنتين، فجاء المعدود هكذا وإن كان مقدرًا مؤنثًا، فجاء العدد مؤنثًا. إذا هذان العددان يجريان على القياس، بمعنى أنهما يذكران مع المذكر، ويؤنثان مع المؤنث، ويأتيان بعده.
كذلك العدد الذي يكون على وزن فاعل: ثالث ورابع وخامس، أقول: الرجل الثالث والمرأة الثالثة. قال تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14]، أي برسول ثالث، إذا أرسلنا إليهم اثنين، رسولين اثنين، يعني أرسلنا إليهم اثنين، فكذبوهما فعززنا بثالث. ومن هذه الأمثلة تعلم أنه أحيانًا في أحيان كثيرة يحذف المعدود، يحذف المعدود، أمتنا اثنتين، يعني أماتتين اثنتين. فعززنا بثالث أي برسول ثالث، فإن كانت اثنتين أي فإن كانت امرأتين اثنتين في المواريث. وقال تعالى: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 20]، رايتم اللات والعزى ومناة، مناة مؤنثة، الثالثة، إذا ثالث لأنه رسول ثالث، لأنها مناة.
قال تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 9]. الخامسة لماذا الخامسة؟ لأنه المعنى هو الشهادة، الشهادة الخامسة، لأنه قال قبلها: ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: 6] فهذه شهادة، قال: والخامسة. وهكذا، فتقول: هذا هو الدرس السادس، وهذه هي المحاضرة السادسة، هذا المجلس السابع، هذه هي الإملاءة السابعة، وهكذا، فتذكر مع المذكر وتؤنث مع المؤنث.
انتهى الكلام من واحد واثنين، نعم انتهى، لكن اعلم دائمًا أنه وضع لك هذا هكذا مضغوطًا فلن يعيده لك مرة أخرى مع العدد المركب، ولن يعيده مرة أخرى مع العدد المعطوف. ما معنى هذا؟ معنى هذا أن الواحد والاثنين إذا كانا مفردين كما سمعت فإنهما يطابقان المعدود تذكيرًا وتأنيثًا، وإذا كانا مركبين كما سترى في الأمثلة إن شاء الله تعالى فإنهما يطابقان المعدود، وإذا كانا معطوفين فإنهما كذلك يطابقان المعطوف، ففي كل حالهما يطابقان. يعني إذا قلت 11 أو 21، 51، وقلت 72 أو 82، كل هذا لابد أن يطابق، ففي كل حالهما يطابقان، حتى لا يشوشك بأمور كثيرة، أما تفصيل العدد هكذا الذي تأتي على كل ما فيه فيمكن أن يفصل إلى ثمانية أقسام، هذا فصلته قبل ذلك، لكن ليس في هذا المجلس أو في هذه المحاضرات إلى ثمانية أقسام، لكن هذا التقسيم لا يحتاج إليه، يعني ما تكفيه الإشارة بمثل هذا. قل واحد واثنين في كل موضع يطابقان.
والثاني: ما يجري على عكس القياس، العكس الماضي، يعني إذا كان المعدود مؤنثًا يكون العدد مذكرًا، إذا كان المعدود مذكرًا يكون العدد مؤنثًا، والنظر إلى المعدود المفرد، أكرر مرة أخرى، إذا كان مفردًا فلا إشكال، وإذا كان جمعًا فلابد أن أفرده. قال: فيؤنث مع المذكر ويذكر مع المؤنث، وهو الثلاثة والتسعة وما بينهما، يقولون من ثلاث إلى تسع. تقول: ثلاثة رجال وثلاث نسوة. لماذا ثلاثة رجال؟ أقول رجال مفردها رجل، فالرجل مذكر، فقلت ثلاثة رجال لأنه يخالف. وثلاث نسوة، نسوة مفردها امرأة، هذا مفرد من غير لفظه، ثلاث نسوة مفردها امرأة، والمرأة مؤنث، أو قلت ثلاث نسوة لأنه يخالف.
هل ذلك من مثال؟ ذكر هو المثال في الأصل وفي الشرح، قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: 7]، سبع ليال وثمانية أيام، وحسومًا فيها أقوال العلماء، من أنها دائمة متتابعة، يعني هذه الأيام كانت دائمة متتابعة عليهم، وبعض يقول حسومًا يعني حاسمة لهم، قاطعة أو حاسمة له، مثنية مهلكة، أو ما أشبه ذلك، ومعن قريب، أياً ما كانت، سبع ليال وثمانية أيام، سبع تذكير لأن الليلة مؤنثة، ثمانية بالتأنيث لأن اليوم مذكر، وأمثلته كثيرة.
قال تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: 10]، لأن يوم مذكر، وكذلك ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54]. ولقد آتينا موسى تسع آيات، تسعة لأن الآية مؤنثة. ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: 27]، سبعة لأن البحر مذكر. ﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ [الحجر: 44]، يبقى سبع وسبعة، لماذا لها سبعة أبواب؟ لأن الباب مذكر، فهنا قال سبعة أبواب وسبعة أبحر لأن البحر مذكر ولأن الباب مذكر، أما في الآية في سورة الحاقة سبع ليال، لأن الليلة مؤنثة.
أيضًا هو لا يحتاج أن يقول لك هذا في العدد المفرد، يعني كما رأيت الآن ثلاث، أربع، خمس، في هذه الآيات التي ذكر، لا يحتاج أن يقول لك هذا أيضًا في العدد المركب، يعني في العدد 13، 15، 17، في هذه الأعداد، تقول 17 ولا 17؟ طب هذا لم يذكره لي، لا، أقول لك أنا قلت لك العدد من ثلاث إلى تسعة يذكر مع المؤنث ويؤنث مع المذكر، ففي كل حال إذا كان مفردًا أو إذا كان مركبًا أو إذا كان معطوفًا.
الثالث: ما له حالتان، وهو العشرة. العشرة هذه العشرة تستعمل مركبة أحيانا ومفردة أحيانًا. قال: فإن استعملت مركبة جرت على القياس. تقول: 13 عبدًا بالتذكير، و13 بالتأنيث. هذا يقول إذا استعملت مركبة، العدد المركب من 11 إلى 19، هذه الأعداد المركبة. طيب 13 عبدًا، العشرة المركبة توافق، العبد مذكر عشر مذكر، 10، طب الثلاثة؟ يقول قائل: هنا هو لم يذكر لها ثلاثة، ذكرها لك قبل ذلك، ثلاثة في كل أحوالها منها هنا أنها تخالف المعدود، فثلاثة بالتأنيث وعشرة بالتذكير لأن العبد مذكر، ثلاث عشرة أمة، ثلاثة بالتذكير والعشرة بالتأنيث لأن الأمة مؤنثة.
طب أين الكلام في 11 و12؟ لم يذكرها، لا، يعتبر ذكرها لأنه ذكر لك أن الواحد والاثنين يطابقان دائمًا، وأن العشرة المركبة تطابق، إذا هذا الحمد لله، يبقى العددان 11 و12 هذان العددان يطابقان في كل حالتهما، هذان أسهل عددين في هذا من الأعداد المركبة والمعطوفة.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4]، أحد مذكر عشر مذكر، الكوكب مذكر، 11 كوكبا. في حديث عائشة رضي الله عنها في حديث أم زرع: جلست 11 امرأة، إحدى مؤنثة عشرة مؤنثة لأن المرأة مؤنثة، 11 امرأة. قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36]، اثنا مذكر عشر مذكر لأن الشهر مذكر. ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]، اثنتا مؤنثة عشرة مؤنثة عينا مؤنثة، وهذا أمثلته كثيرة.
قال: وإن استعملت غير مركبة جرت على خلاف القياس. تقول: عشرة رجال بالتأنيث وعشر إماء بالتذكير، هذه العشرة تحير، إذا استعملت مفردة تخالف، إذا استعملت مركبة توافق. عشرة رجال لأنها هنا مفردة ليست مركبة مع شيء، وعشر إماء أيضًا لأجل هذا، مثال ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ [هود: 13]، السورة مؤنثه، سورة أنزلناها، فهذه سورة مؤنثه، فقال بعشر سور. ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، المسكين مذكر وقال عشرة مساكين، فأنث.
واعلم أن لأسماء العدد التي على وزن فاعل، طبعًا باب العدد لمن أن يأخذ بهذه الصورة ويحاول أن يطبق عليه، وأن يأتي بكل الآيات التي في هذا، وبما يستطيع من أحاديث في هذا، وبعد ذلك يدرب نفسه ويمرن نفسه، ويختار أعدادًا كثيرة، يكتب هكذا بالحساب، بالحساب كذا: 1، 2، 3، 10، 38، 45، ويكتب أعدادًا كثيرة هكذا بالحساب، واحد واثنان هكذا، ثم يحاول أن يدرب نفسه بأن يأتي بكلمة مذكرة وكلمة مؤنثة، أقول مثلاً: رجل وامرأة، ولد بنت، باب ومرأة، أي مكان، أي شيء، يأتي بشيء ويختبر نفسه كيف آتي بهذا وذاك، يعني يجده بعد ذلك يجد فيه سهولة بإذن الله تعالى.
قال: واعلم أن لأسماء العدد التي على وزن فاعل أربع حالات، هنا راجع إلى وزن فاعل الذي يطابق كما سبق، الدرس السادس، السابع، العاشر، الأول، الثاني، كذا على وزن الثاني، الثالث، الرابع، أو المحاضرة الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، فيوافق، لكن هنا ذكر شيئًا آخر في هذا العدد الذي على وزن فاعل، قال: إحداها الإفراد، تقول: ثانٍ، وثالث، ورابع، وخامس، ومعناه واحد موصوف بهذه الصفة، ما مثاله؟ قول الله تعالى: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 14] أي بواحد ثالث وهو رسول ثالث، فعززنا بثالث، هذا لا إشكال فيه.
الثانية: أن يضاف إلى ما هو مشتق منه، أن يضاف إلى ما هو مشتق منه، فتقول: ثاني...
ثاني اثنين وثالث ثلاثة ورابع أربعة، ومعناه واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، وواحد من أربعة. قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: 40]. ما من هو الذي قيل فيه ثاني اثنين؟ هو رسول الله عليه الصلاة والسلام. هل معنى ذلك أن أبا بكر يذكر أولاً وأن الرسول عليه الصلاة والسلام يذكر ثانياً؟ لا، حاشا وكلا، ليس هذا هو المعنى. ثاني اثنين معناه أنه أحد اثنين، فأبو بكر كان ثاني اثنين، والرسول عليه الصلاة والسلام كان ثاني اثنين، كل واحد منهما ثاني اثنين.
وقال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]. يعني حتى هؤلاء عندما يذكرون، يذكرون الله أولاً، يعني الآب والابن والروح القدس، معاذ الله عياذاً بالله، الشرك صغير لكل ملة.
قال: الثالثة أن يضاف إلى ما دونه، كقولك: ثالث اثنين، ورابع ثلاثة، وخامس أربعة، ومعناه جاعل الاثنين بنفسه ثلاثة، وهما اثنان هو ثالثهما، وجاعل الثلاثة بنفسه أربعة. قال الله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]، فهم ثلاثة الله رابعهم، خمسة الله عز وجل سادسهم. ما اجتمع رجل وامرأة، امرأة لا تحل له، كان الشيطان ثالثهما؛ هذا هو المعنى، وجاعل الاثنين بنفسه ثلاثة. وهذه الثلاثة جاءت في كتاب الله تعالى كما ذكر المسألة. السورة الرابعة لا أعلم لها شيئاً في كتاب الله تعالى.
قال الرابعة: أن ينصب ما دونه، فتقول: رابع ثلاثة، رابع ثلاثة. رابع اسم فاعل نصب ما دونه على أنه مفعول به، رابع ثلاثة بتنوين رابع ونصب ثلاثة. كما تقول جاعل الثلاثة أربعة. ولا يجوز مثل ذلك في المستعمل مما اشتق منه، خلافاً للأخفش وثعلب؛ إذ إن الأخفش وثعلباً عليهما رحمة الله يجيزان أن تقول ثالث ثلاثة ورابع أربعة. يقولون: لا، إما أن تقول رابع أربعة، أو ثالث ثلاثة، أو تسكت. أما مثل هذا فيقال فيما ينصب ما دونه ثالث اثنين، أو رابع ثلاثة، وهكذا.
قال بعد ذلك: موانع صرف الاسم تسعة، يجمعها هذا الباب الثاني من الأبواب المتممة لهذا الكتاب. قال: موانع صرف الاسم تسعة، يجمعها وزن المركب عجمة تعريفها عدل ووصف الجمع زد تأنيثه. ذكر هذا البيت وذكر على ترتيبه، سيذكر هذا بعد ذلك. قال: كأحمد وأحمر وبعل وإبراهيم وعمر وأُخَر وأُحاد وموحد إلى الأربعة، مساجد ودنانير، وسلمان وسكران، وفاطمة وطلحة وزينب وسلمى وصحراء. فألف التأنيث والجمع الذي لا نظير له في الآحاد، كل منهما يستأثر بالمنع، والبواقي لا بد من مجامعة كل علة منهن للصفة أو العلمية. وتتعين العلمية مع التركيب، والتأنيث، والعجمة. وشرط العجمة عالمية في العجمة، أو في العجمية أي في اللغة العجمية، وزيادة على الثلاثة. والصفة أي وشرط الصفة أصالتها وعدم قبولها التاء، فعريان وأرمل وصفوان وأرنب بمعنى قاس وذليل منصرفة. ويجوز في نحو هند أو هند وجهان، هذا جائز وهذا جائز، بخلاف زينب وسقرة وبلخ. وكعمر عند تميم، حذامي إن لم يختم براء كسفاري، وأمس معين إن كان مرفوعاً، وبعضهم لم يشترط فيهما، وسحَر عند الجميع إن كان ظرفاً معيناً. هذا هو الذي ذكره في قطر الندى.
ثم يقول في الشرح: الأصل في الاسم المعرب بالحركات الصرف. الأصل في الاسم المعرب بالحركات أنه معرب فينصرف، محمد رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، من محمد عبد الله ورسوله، فهذا اسم معرب مصروف. لماذا يمنع من الصرف؟ يمنع من الصرف لعلة واحدة تقوم مقام علتين، أو لعلتين مجتمعتين. قال: وإنما يخرج عن ذلك الأصل إذا وجد فيه علتان من علل تسع، أو واحدة منها تقوم مقامهما. وقد جمع العلل التسعة في بيت واحد، من قال: اجمع وزن عادلاً أنث بمعرفة ركب وزد عجمة في الوصف قد كمل. هذا البيت بخلاف البيت الذي ذكره في الأول، وذكر في الأول وزن المركب عجمة تعريفها عدل ووصف الجمع زد تأنيثه، هنا قال: اجمع وزن عادلاً أنث بمعرفة ركب وزد عجمة في الوصف قد كمل. قال: وهذا البيت أحسن من البيت الذي أثبتته في المقدمة، وهو لابن النحاس، هذا أو ذاك، وقد مثلتها في المقدمة على الترتيب، وها أنا أشرحها على هذا الترتيب فأقول، يعني هو الآن سيشرحها على الترتيب الذي ذكره في المقدمة، وهو ترتيب على البيت الأول، لم يذكره على هذا البيت الذي استحسنه بعد ذلك.
والخلاصة أن الممنوع من الصرف أو الذي لا ينصرف، قال: يمنع من التنوين، وهذه اللغة الفصحى العليا. كان هناك لغة تجيز أن يصرف كل ما لا ينصرف إلا باب أفعل، وذكر له بعض الشواهد القليلة في كتاب الله تعالى، لكن الأصل أنه يمنع من الصرف هذه العلة المذكورة، فيمنع من التنوين، لا ينون لا في حال رفعه ولا في حال نصبه ولا في حال جره. الشيء الثاني الذي يكون لهذا الباب، أنه يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، كما سبق في الإعراب الفرعي، باب الإعراب الفرعي يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة. إنما يجر بالكسرة في حالتين: إذا كان فيه أل، أو إذا كان مضافاً. هذا شيء.
الشيء الآخر أن تعرف العلل التي تمنع الاسم من الصرف. عندك مجموع العلل تسع علل، عندك تسع علل تمنع الاسم من الصرف. ثلاث علل مفردة هي: ألف التأنيث الممدودة، وألف التأنيث المقصورة، وصيغة منتهى الجموع. وعندك ثلاث علل مع الوصفية: العدل، وزيادة الألف والنون، ووزن الفعل. هذه ثلاث مع الوصفية، وست علل مع العلمية: هذه الثلاثة المذكورة التي ذكرت مع الوصفية (العدل، ووزن الفعل، وزيادة الألف والنون)، وثلاث أخرى هي: التأنيث، والتركيب المزجي، والعجمة. هذه هي مجموع العلل.
فالمصنف سيذكر علة، هذه العلة يعني لا تكون وحدها في كل حال، لا بد من علة أخرى معها. قال العلة الأولى: وزن الفعل. وزن الفعل وحده لا يكفي، إنما لا بد معه من وصفية أو علمية. سأذكر قال: وزن الفعل وحقيقته أن يكون الاسم على وزن خاص بالفعل، هو سيذكر فعل وفعل وانفعل وما شبه ذلك، ففعل من الأوزان الخاصة بالفعل، فعل من الأوزان الخاصة بالفعل، انفعل من الأوزان الخاصة بالفعل، فإذا سميت رجلاً بنحو هذا فإنه يمنعه من الصرف. أو يكون يعني أن يكون الاسم على وزن خاص بالفعل، أو يكون في أوله زيادة كزيادة الفعل، هذا كزيادة نايت في أول المضارع وهو مساوٍ له في وزن، فالأول الذي على وزن خاص بالفعل كان تسمي رجلاً قَتُل بالتشديد أو ضَرَب أو نحوه من أبنية ما لم يسمَّ فاعله، أو انطلق ونحوه من الأفعال الماضية المبدوءة بهمزة الوصل. إن سميت رجلاً بنحو هذه الأسماء فإنه يمنع من الصرف؛ فإن هذه الأوزان كلها خاصة بالفعل. والثاني مثل أحمد ويزيد ويشكر وتغلب ونرجس، نعم نرجس على علم، ويمكن نرجس أيضاً يعني نرجس ونرجس، نرجس هذا يصح على أنه ماضٍ، ونرجس يصح أيضاً بمعنى آخر، لكن هذه الأشياء هذه الكلمات لو سمي بها أو بما يشابهها علم، فإنه يمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. وكذلك إذا كان هناك وصف، فإنه يمنع لأجل العلمية ولأجل الوصفية ولأجل وزن الفعل.
قال تعالى في قول عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]. اسمه أحمد، لماذا قال اسمه أحمد؟ معي في آية أخرى ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾، لماذا صرف محمد ولم يصرف أحمد؟ محمد هذا علم ليس له مانع من الصرف، العلمية فقط لا تمنع من الصرف، لا بد أن يؤتى معها بشيء آخر. جاء هنا هذا الشيء الآخر في أحمد، أحمد على وزن الفعل، وأحمد نفسه في الأصل، أنت تقول: أحمد الله تبارك وتعالى أن أعطاني كذا وكذا، أحمد، فخرج من هذا المعنى وهو أنه فعل مضارع، خرج إلى أن سمي به نبينا عليه الصلاة والسلام، وسمي به غيره، لكن هذا هنا اسمه أحمد، فالمراد به نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال: إن لي خمسة أسماء، كما في حديث جبير بن مطعم في الصحيحين وغيرهما، فأحمد خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة، ورفع بضمة واحدة لأنه ممنوع من الصرف، لم ينون.
أقول مثلاً عن يزيد، تريد أن تقول عن يزيد بن أبي حبيب، تقول: عن يزيد بن أبي حبيب، أم عن يزيد؟ لا تقول عن يزيد، عن يزيد، لماذا؟ لأنه مجرور بعن، لأنه على وزن الفعل. طيب وزن الفعل مع الوصفية، قال الله تعالى: ﴿فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: 86]. أحسن، أحسن هذا أيضاً يأتي فعلاً، وأحسن كما أحسن الله إليك، إنما خرج عن هذا وصار وصفاً، فحيوا بأحسن منه، وأنا أفعل تفضيل، فقال: فحيوا بأحسن، هذا ممنوع من الصرف لأجل هذا جر بالفتحة، كما قال ابن مالك عليه رحمه الله: وجر بالفتحة ما لا ينصرف.
قال العلة الثانية: التركيب. التركيب إما أن يكون تركيباً مزجياً، وإما أن يكون تركيباً إسنادياً، وإما أن يكون تركيباً إضافياً. الإسنادي ليس داخلاً معنا، الإضافي ليس داخلاً معنا. المراد هنا المزيج، والمزيج منه ما ختم بويه، ومنه ما لم يختم بويه. والمراد هنا هو ما لم يختم بويه. أما الذي ختم بويه ففيه خلاف بين العلماء، والمصنف وغيره يذهبون إلى أنه يكون مبنياً على الفتح، وهذه هي اللغة القويمة فيه. قال: وليس المراد به تركيب الإضافة كمرئ القيس، فالتركيب الإضافي لا يدخل هاهنا، تقول: جاء عبد الله، رأيت عبد الله، مررت بعبد الله، فتعرب الجزء الأول كما يحتاج من الإعراب على الرفع والنصب والجر. قال: مرؤ القيس، رأيت امرأ القيس، مررت بامرئ القيس، يعرب كما هو، لأن الإضافة تقتضي الجر بالكسرة، فلا تكون مفضية للجر أو مقتضية للجر بالفتحة. ولا تركيب الإسناد كشاب قرناها، تركيب الإسناد عبارة عن فعل وفاعل أو عن جملة من فعل وفاعل أو من فعل وفعل ومفعول، سمي بها رجل أو سمي بها امرأة. هذا الذي سمع عن العرب وقاس عليه النحويون الجملة الاسمية، شاب قرناها؛ هذه امرأة لها قرنان شاب من طول الزمان، يعني فاقت فاتت الأربعين أو الخمسين، فشاب قرناها، شاب قرناها، فعل وفعل، شاب فعل وقرن فاعل وهاء مضاف إليه، فعل وفاعل ومضاف إليه، خرجت عن هذا المعنى كله وسميت بها امرأة، فقالوا شاب قرناها. تأبط شراً، تأبط فعل، وفيه فاعل مستتر جوازاً تقديره هو، وشراً مفعول به، تأبط شراً. هل أعرب هذا لو قلت جاء تأبط شر؟ لا، خرج عن كل هذا وصار يسمى به رجل من شعراء العرب وصعاليق المعروفين، وهو من شعراء الصعاليك، كالشَّنفرى وغيره، مجموعة من الشعراء السليك بن السلكة والشنفرى، كانوا يسمون الشعراء الصعاليك، واسمه ثابت بن جابر يعني هذا اسمه، لكن تأبط شراً أطلق عليه، هذا أيضاً لا يدخل في هذا الباب فإنهم من باب المحكي.
ولا التركيب المزجي المختوم بويه، بعض العلماء يعربه، يقول أيضاً هذا يعرب إعراب ما لا ينصرف، لكن اللغة القويمة فيه أنه يبنى على الكسر، كما سبق في المبنية على الكسر، قال: مثل سيبويه وعمرويه، لأنه من باب المبني، والصرف عدمه، إنما يقالان في المعرب. وإنما المراد التركيب المزجي الذي لم يختم بويه، كبعلبك وحضرموت ومعدي كرب، معدي كرب هذا اسم رجل في العرب، وهو والد صحابي كريم هو الصحابي المقدام بن معدي كرب، المقدام بن معدي كرب رضي الله عنه. يقول: جاء المقدام بن معدي كرب، معناه مضاف إليه، ابن مضاف ومعدي كرب مضاف إليه، مع ذلك تجره بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف، وحضرموت مكان في بلد في اليمن، وبعلبك بلدة في لبنان، فتقول مررت ببعلبك أو مررت بحضرموت، وهنا مجرورة، هذه مجرورة بأي شيء جرت؟ جرت بالفتحة، وجر بالفتحة ما لا ينصرف. لماذا تجر بالفتحة؟ لأنها علم، ففيها العلمية وفيها التركيب المزجي، لأنها علم مركب تركيباً مزجياً.
العلة الثالثة: العجمة، وهي أن تكون الكلمة على الأوضاع الأعجمية، كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ۚ وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ [النساء: 163]. نوح مصروف، الأسباط مصروف، ولأجل هذا جر بالكسرة، أما إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب فجرت كلها بالفتحة لأنها ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة. وقال: وجميع أسماء الأنبياء أعجمية إلا أربعة، محمد صلى الله عليه وسلم وصالح وشعيب وهود صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. هكذا قال بعض العلماء، قالوا هذه الأسماء الأربعة من أسماء الأنبياء الكرام عليهم جميعاً صلاة الله وسلامه هي العربية، وبعضهم زاد عليها نوحاً ولوطاً لأجل هذا يأتيان في القرآن مصروفين، بعضهم قال لا، المصنف يقول من هذا، يقول هذه الأربعة عربية لأجل هذا تصرف في كتاب الله تعالى: محمد رسول الله، ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: 61]، ﴿وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: 84]، ﴿وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [هود: 50]، فتأتي كلها مصروفاً.
يقول له قائل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 59]، وأيضاً في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 160]، ﴿إِذْ قَالَ أَخُوهُمْ لُوطٌ﴾ [الشعراء: 161]، فصرف نوحاً ولوطاً.
فيقول: نعم، لأنه علم، وإن كان أعجمياً إلا أنه ثلاثي ساكن الوسط. ويقولون: العالم الأعجمي الثلاثي ساكن الوسط يُصرف وجهاً واحداً. بعضهم يقول: يجوز صرفه وعدمه، لكن الأكثرون يقولون: يُصرف وجهاً واحداً. إذاً نوح ولوط صُرِفا في كتاب الله تعالى لإحدى العلتين أو لإحدى العلتين أو لأحد سببين. قال بعضهم: هما عربيان، لأجل هذا هما مصروفان. قال بعضهم: هما اسمان أعجميان. طيب لماذا صُرِفا؟ لأنه لخفتهما، لأنهما ثلاثيان وأوسطهما ساكن؛ نوح، لوط؛ الواو التي في المنتصف ساكنة.
وبعض العلماء جمع هذه الأسماء الستة التي تُصرف من أسماء الأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه في قولهم: «صن شمله». «صن» من الصون، اسم أمر من الصيانة، و«شمله» عباءة معينة يلبسها، كان يلبسها العربي معروفة، أو رداء، سعد ومشتمل. ما هكذا يا سعد ترد الإبل، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اشتمال الصماء، يعني اشتمال الصماء أن يلبس ثوباً واحداً لا يخرج منه شيء، ليس فيه فتحات، فكأنه لا يستطيع أن يصلي ويركع ويسجد، فنهي عن الصلاة فيها أو عن اللبس هكذا. الشاهد: «صن شمله»، ما هذه؟ هذه إشارات بكل حرف إلى نبي، يعني إذا أردت أن تعرفها؛ فصن هذه إشارة إلى صالح، نون إشارة إلى نوح، شمله: شين شعيب، ميم محمد، ل لوط، هاء هود عليهم الصلاة، يعني هذه إشارة من ستة أحرف لكن لها معنى «صن شمله»، لها معنى حتى لا تنساه، تشير لك إلى الأسماء المصروفة من أسماء الأنبياء، أما بقية الأسماء فهي ممنوعة من الصرف.
قال: وشرط الاعتبار العجمة أمران: أحدهما أن تكون الكلمة علماً في لغة العجم، كما مثلنا. كل هذه الأسماء هي أسماء أعلام أعجمية في لغة العجم، نعم قد تختلف هذا لا إشكال فيه، يعني إبراهيم، إبراهام، هم لو قالوا إبراهام، كل هذا يعني العرب عندما تأتي باسم يقولون أعجمي فيلعبون به، يعني يختلفون فيه وينطقونه على عدة أوجه. قال: فلو كانت عندهم اسم جنس ثم جعلناها علماً وجب صرفها، فلا بد أن تكون علماً عندهم، وذلك بأن تسمي رجلاً «لجاماً»، لجام الحديدة وما يتصل بها من حبل التي توضع في حنك الدابة، في الفرس أو غيره حتى يستطيع صاحبها أن يلجمها، وأن يمسكها أو أن يرسل لها العنان لتمشي وتجري وتتسابق وما أشبه، أو «ديباج» ثوب أو نسيج من حرير، إذا سميت رجلاً لجاما أو ديباج فإنه يُصرف، لأنه ليس علماً في لغة العجم، وإن كانت كلمة لجام أعجمية، أو كلمة ديباج أعجمية.
والثاني: أن تكون زائدة على ثلاثة أحرف، فلهذا انصرف نوح ولوط على هذا القول. قال الله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: 34]. وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [نوح: 1]. ومن زعم من النحويين أن هذا النوع يجوز فيه الصرف وعدمه فليس بمصيب.
قال: العلة الرابعة: التعريف، العالمية؛ يعني العالمية أيضاً لا تكون وحدها، إنما تكون مع شيء من الأشياء الستة التي سبقت، لكن هو اختار هذا بناءً على البيت الذي ذكره، فهذا الترتيب ترتيب يخص بناءً على البيت الذي ذكره، ولا في التعريف وحده كذا. لا، كل التعريف بالعالمية، العالمية مع العجمة، مع التأنيث، مع زيادة الألف والنون، مع هذه الأشياء الستة مذكورة. قال: التعريف المراد به تعريف العالمية؛ لأن المضمرات والإشارات والموصولات لا سبيل لدخول تعريفها في هذا الباب. العلم المعرف المراد به العلم، لا يدخل فيه شيء من الأشياء الأخرى، لا يدخل فيه الضمير ولا اسم الإشارة ولا الاسم الموصول ولا المعرف بأل ولا المضاف إلى شيء منها. لماذا؟ قال: لأنها -أي لأن الضمائر وأسماء الإشارة وأسماء الموصولات- لأنها مبنيات كلها. أو كلها يجوز كلها على أنه توكيد معنوي لاسم إنّ أنها، ويجوز كلها على أنه توكيد معنوي لضمير المحذوف، مبنية هي كلها ولكن هذا فيه نزاع. الشاهد قال: وهذا باب إعراب، فلا تدخل فيها هذه المبنيات.
طبعاً هناك خلاف سبق في هذين وهاتين والذين واللتين، هذه معربة أم مبنية؟ قال: وأما ذو الأداة والمضاف، فإن الاسم إذا كان غير منصرف دخلته الأداة، ثم دخلته الأداة أو أُضيف، جُرّ بالكسرة حينئذ، فسيكون مجروراً بالكسرة، فاستحال اقتضاؤهما الجر بالفتحة، سيكون مجروراً بالكسرة، لن يكون مجروراً بالفتحة، وحينئذٍ فلم يبقَ إلا تعريف العلمية، يبقى إذاً العلم يجتمع مع غيره، فبهتين العلتين يُمنع من الصرف.
قال: العلة الخامسة: العدل، وهو تحويل الاسم من حالة إلى حالة أخرى مع بقاء المعنى الأصلي. قال: وهو على ضربين: واقع في المعارف وواقع في الصفات. فالواقع في المعارف يأتي على وزنين: أحدهما «فُعَل»، فُعَل العلم الذي على وزن فُعَل، وذلك في المذكر وعدله عن فاعل؛ كعمر، وزفر، وزحل، وجمح، وهبل، وأدد، إلى آخره، هذه الأشياء وإن كان بعضها قد يكون مصروفاً، لكن هذا المذكور. أقول: في الصحيحان من حديث عمر رضي الله عنه تقول عمر، نقول عمر، طيب تقول اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عمر، ولا أربع عُمَر؟ قول أربع عُمر، وعُمر يعني جمع عمرة، عُمر، والفاروق رضي الله عنه عُمر، تقول عن عُمر بالفتح، وتقول اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع عُمر بالجر مع التنوين، لماذا أربع عُمر؟ هذا جمع عمرة، هذا ليس فيه علمية ولا وصفية، فلماذا فهو اسم نكرة فينوّن، لكن تقول عن عمر رضي الله عنه، فهو علم، ويقال فيه علم معدول، أو فيه العلمية والعدل، هكذا قالوا: فُعَل أصله أصله عامر، يعني معدول عن عامر.
عن عمر رضي الله عنه. والثاني: فُعالي، وذلك في المؤنث وعدله عن فاعله، نحو حذامي وقطامي ورقاش. هذه المسألة مرت بتفصيل في أوائل الكلام عند الكلام عن المبني على الكسر، ذكرها المصنف وها هنا يعني بتفصيل شبيه بما سبق، فأمر عليها سريعاً. قال: وذلك في لغة تميم خاصة، فأما الحجازيون فيبنونه على الكسر. قال الشاعر: أ تاركة تدللها قطامي.. رضينا بالتحية والسلام. هكذا عندي في النسخة: رضينا بالتحية والسلام، وهكذا شرحه الشيخ وأعربه، لكن هناك رواية أخرى ولعلها أشهر والله أعلم: أ تاركة تدللها قطامِ.. وضنّاً بالتحية والسلام. أو وضنّاً، ضنّاً بكسر الضاد وفتحها وهو البخل، وما هو على الغيب بضنين، النبي صلى الله عليه وسلم ليس بخيلاً على ما أوحاه الله عز وجل إليه، فإنه يذكره للناس، لا يكتم منه شيئاً. الشاهد هنا وضنّاً، يعني هل تترك تدللها وتترك بخلها بالتحية والسلام؟ هذا هو المعنى، وضنّاً هذا معطوف على التدلل، أ تاركة تدللها؟ يعني هل آن لها أن تترك هذا التدلل وأن تترك هذا البخل بالتحية والسلام، وأن تحب محبوبها كما يحبها؟ وكذا، لكن على المعنى الثاني الذي ذكره المصنف يعني رضينا بالتحيات والسلام، يعني سنرضى منها بهذه التحيات والسلام، يعني دون ما فوقها، نقول على الرواية الله الشاهد. قال: قطامي، ما إعرابه؟ فاعل أ تاركة، يعني أ تترك قطامي تدللها؟ فهو فاعل لاسم الفاعل، ومع ذلك جاء به قطامي لأنه مبني على الكسر.
قال الآخر: إذا قالت حذامي فصدقوها.. فإن القول ما قالت حذامي. تلاحظون أنه كتب الرقم واحداً هنا، لأن هذا البيت سبق، وهو أول بيت ذكره المصنف من الأبيات التي يستشهد بها، فهذه المسألة مرت بطولها. قال: فإن كان آخره راء كسفاري وهو اسم لماء، وحضاري لكوكب، وباري لقبيلة، فأكثرهم يوافق الحجازيين على بنائه على الكسر، ومنهم من لا يوافقهم بل يلتزم الإعراب ومنع الصرف، وهذه أيضاً سبقت بطولها.
قال: ومما اختلف فيه التميميون أيضاً «أمس» الذي أريد به اليوم الذي قبل يومك، فأكثرهم يمنعه من الصرف إن كان في موضع رفع على أنه معدول عن الأمس، فيقول: مضى أمس بما فيه، ويبنيه على الكسر في النصب والجر على أنه متضمن معنى الألف واللام، فيقول: اعتكفت أمسِ، وما رأيته مذ أمسِ. وبعضهم يعربه إعراب ما لا ينصرف مطلقاً، وقد ذكرت ذلك في صدر هذا الشرح، يعني هذه المسألة سبقت بطولها، وتكلمت فيها هناك بطول أيضاً لا يحتاج الكلام إلى إعادة شيء فيها.
وأما سحر، فجميع العرب تمنعه من الصرف بشرطين، طيب: أحدهما أن يكون ظرفاً، والثاني أن يكون من يوم معين، يعني إن أريد به سحر يوم بعينه، حينئذ يكون علماً، يعني كأنه علم على هذا الوقت، كقولك: جئت يوم الجمعة سحراً، هكذا، لأنه حينئذ معدول عن السحر، كما قدر التميميون أمس معدولاً عن الأمس، فإن كان سحر يوم غير معين انصرف، وهذا الذي جاء في كتاب الله قوله تعالى: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾، نجيناهم بسحر نعمة من عندنا. هذا مصروف يعني نجيناهم في سحر يوم ما، لا يراد لم يرد خصوص سحر يوم بعينه، وإن كانوا هلكوا في سحر يوم بعينه، لكن هذا ليس مراداً في الكلام. فإن أريد سحر يوم، جئتك يوم الجمعة سحراً، فيكون ممنوعاً من الصرف على أنه أريد به يوم، فكان فيه العلمية والعدل، عدول عن السحر، أمس عن الأمس، فقياس أمس السحر عن السحر.
قال: والواقع في الصفات ضربان؛ الواقع من المعدول، العدل سبق في الأسماء في المذكر والمؤنث، عمر في المذكر وحذامي في المؤنث، العدل في الصفات، عدل عن شيء آخر، ضربان نوعان: واقع في العدد وواقع في غيره. فالواقع في العدد يأتي على صيغتين: فُعَال ومَفْعَل، وذلك في الواحد والأربعة وما بينهما، تقول: أُحاد وموحد، وثناء ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع. قال البخاري رحمه الله تعالى: لا تتجاوز العرب الأربعة. وهذا يعني من حسن صناعة المصنف عليه رحمه الله، أحياناً يستدل بقول البخاري يعني ليس من باب الاستدلال، يعني يذكر قول البخاري احتراماً له، وفي موضع آخر يعني في موضع عظيم في «جذور الذهب» ذكر كلاماً لشيخ الإسلام ابن تيمية يبين فيه صحة ما ذهب هو إليه من تبعه في هذا، وهذا مما يبين أنه يعني يقدر العلماء قدرهم، إن كان يعني يعرف المصيب من المخطئ، ويتابع في الإصابة دون الخطأ، هذا معلوم منه، يعني إنسان مجتهد ومحترم لأهل العلم كما هو معلوم عليه رحمه الله.
قال: لا تتجاوز العرب الأربعة، فهذه الألفاظ الثمانية معدولة عن ألفاظ العدد الأربعة مكررة، معدولة حالة كونها مكررة، لأن أُحاد معناه واحد واحد، ثناء معناه اثنان اثنان، وكذا الباقي. قال الله تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: 1]. مثنى يعني أولي أجنحة اثنين واثنين وثلاثة وثلاثة، وأربعاً وأربعاً، لا يعني اثنين ثلاثة، وهكذا، فمثنى وما بعده صفة لأجنحة، نعت. قال أجنحة مثنى وثلاث ورباع، لم يقل مثنى وثلاثة ورباع مع أنه نعت، لأنه ممنوع من الصرف للوصفية والعدل، هو معدول عن اثنين اثنين، وثلاث ثلاث، وأربع أربع.
قال: والمعنى والله أعلم أولي أجنحة اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى»، فمثنى الثانية للتوكيد، لإفادة التكرار، لأن ذلك حاصل بالأول، يعني هو كأن يقول: لو قال النبي عليه الصلاة والسلام «صلاة الليل مثنى» لفهمنا أن معناه صلاة الليل اثنين اثنين، فلما قال مثنى مثنى هذا من باب التوكيد اللفظي، وهذا سبق التوكيد اللفظي قبل ذلك، فهو يقول هذا قال.
والواقع في غير العدد أُخَر، وذلك نحو قولك: مررت بنسوة أُخَر، مررت بنسوة أُخَر أو أُخر لا تقول أُخرين. قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. إذا أكملت تقول: فعدة من أيام أخر، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، ففي الآية التي بعدها أخر، ويريد الله أخر، يريد الله، فتقول أُخَر لا تقول أُخرين، من كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر، نعم يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم اليسر نعم نعم فعدة من أيام أخر، يريد الله بكم اليسر، عندما تكمل، قال: تقول جاءني رجل آخر وامرأة أخرى، لا تقول أُخراً، تقول أخرى. والقاعدة، نعم قال: مررت بنسوة أُخر؛ لأنها جمع الأخرى، وأخرى أنثى آخر، ألا ترى أنك تقول جاءني رجل آخر وامرأة أخرى؟ والقاعدة أن كل فُعلى مؤنثه أفعَل لا تستعمل هي ولا جمعها إلا بالألف واللام أو الإضافة، كالكبرى والصغرى والأكبر والأصغر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: 35]، ﴿قَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 18]، ولا يجوز أن تقول صُغرى ولا كبرى ولا كُبَر ولا صُغَر.
هذا أيضاً فيه نزاع، قد يقول قائل: مثلاً قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، كأنه يجعله من باب أُخر، قال: ولهذا لحّنوا العروضيين في قولهم فاصلة كبرى وفاصلة صغرى، ولحّنوا أبا نواس في قوله: وهذا يقال أبو نواس، لكن الذي يعرفه في ضبط هذه الكلمة أنه أبو نواس، ولحّن أبا نواس في قوله: كأن صغرى وكبرى من فقاقعها.. حصباء دُرّ على أرض من الذهب. فهو يقول كان عليه أن يقول: كأن الصغرى والكبرى، يعني كأنها من باب أفعل التفضيل، لكن لو قيل ليست من باب أفعل التفضيل فهو جائز والله أعلم، فتلحينهم ليس في موضعه. قال: فكان القياس أن يقال الأُخَر، ولكنهم عدلوا عن ذلك الاستعمال فقالوا أُخَر، ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، كما عدل التميميون أمسِ عن الأمس، كما عدل التميميون أمس عن الأمس، عندي في النسخة كما عدل التميميون الأمس عن الأمس، لا أمس عن الأمس، وكما عدل جميع العرب سحر عن السحر، قال الله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. قال العلة السادسة: الوصل.
فاحمر وأفضل وسكران وغضبان، واشترط لاعتباره أمران: أحدهما الأصالة. فلو كانت الكلمة في الأصل اسماً ثم طرأت لها الوصفية لم يعتد بها؛ لابد أن تكون وصفاً في الأصل، كأحسن، حيَّ بأحسن منها، وأقول: مررت برجل سكران.
فهكذا لابد أن تكون في الأصل وصفاً، وذلك كما أخرجت صفواناً وأرنباً عن معناهما الأصلي، وهو الحجر الأملس والحيوان المعروف. كمثل ﴿صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ﴾ [البقرة: 264]، صفوان حجر أملس، الحيوان المعروف الذي يشر هذا اسمه أرنب، قال واستعملتهما بمعنى قاس وذليل. صفوان الحجر الأملس هذا قاسي، فقلت لا أنا أريد أن أصف رجلاً بأنه صفوان، لا أسميه، إذا سميته صفوان فإنه يمنع من الصرف، تقول: جاء صفوانُ، رأيت صفوانَ، مررت بصفوانَ. وهكذا، أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان بعض الأدرع في غزوة حنين وهكذا.
لكن يقول: أنت تريد أن تصفه لأنه صفوان، ما معنى صفوان؟ أقول معنى قاسي. هل صفوان في الأصل صفة؟ لا، هي في الأصل اسم للحجر الأملس، قالوا هنا: يصرف، قول مرتجل صفوان يعني برجل قاسي. قال فقلت: هذا رجل صفوان، وهذا رجل أرنب، تقول: لا، يقول لك لا، قل هذا رجل أرنب، يقول كما تقول هذا رجل أكرم من فلان، تقول أكرم، لا أقول هذا رجل أرنب، لماذا؟ لأن أكرم هي في الأصل وصف، هي أفعل تفضيل، أما أرنب فهي في الأصل عبارة عن حيوان معروف ويوصف بالذلة، عياذاً بالله. فقولنا أرنب بمعنى ذليل، فإنك تصرفهما لعروض الوصفية فيهما.
الثاني: ألا تقبل الكلمة تاء التأنيث، يعني إذا كان لابد أن تكون من باب أفعل فعلاء، أحمر حمراء، أخضر خضراء، أعمى عمياء وهكذا، لكن لا تكون من باب أرمل أرملها، لا يكون مؤنثها بالتاء. قال فلهذا تقول مررت برجل عريان ورجل أرمل بالصرف، لماذا؟ لقولهم في المؤنثة عريانة وأرملة، عريان لا يقال في عريان وعريا، إنما عريان وعريانة، فمررت برجل عريان فتصرف؛ لأن فعلان ليس مؤنثه على وزن فعلى إنما على فعلانة، ورجل أرمل فيقال من باب أرمل.
أفعل فعلاء وفعلان فعل، هذان بابان معروفان، أفعل مؤنثه فعلاء، فعلان مؤنثه فعل، سكران سكرى، غضبان غضبى. أما إذا كان غضبان غضبانة أو فعلان فعلانة، هذا أيضاً لا يصرف لقولهم في المؤنثة عريانة وأرملة، بخلاف سكران وأحمر، فتقول مررت برجل سكرانَ، واشتريت مثلاً تدثرت بغطاء أحمرَ. قال فإن مؤنثهما سكرى وحمراء بغير التاء.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: 71]، حيران لماذا لم يقل حيراناً؟ قال حيران بفتحة واحدة مع أنه حال، لأنه إن كان من باب منصوب الحال إلا أنه منصوب بفتحة واحدة؛ لأنه ممنوع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون. قل: ﴿أَنَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَىٰ أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ﴾ [الأنعام: 71]. حيران لم يقل حيراناً.
قال وحيران أحياناً يجوز الوجهان، يعني أحياناً تقول مثلاً هذا رجل غضبان وامرأته غضبى، أو هذا رجل غضبان وامرأته غضبانة، لو جاز الوجهان حينئذٍ يجوز أن تصرف ولا تصرف. على هذا جاء الحديث بهاتين الروايتين، وإن كان ينظر في هل يعني تصحيح أحدهما دون الأخرى، لكن الذي يحفظ في ذلك الروايتان جميعاً: «من دعا امرأته إلى فراشها فابت فبات غضبان عليها»، «فبات غضباناً عليها»، هل هذا من تصرف الرواة أو النُساخ الله أعلم، لكن الأحوط لو كان من باب غضبان غضبى فيقال غضبان عليها، وإن كان يجوز غضبان غضبى غضبانة فيقال غضباناً عليها، ومنع الصرف هنا معروف. النبي صلى الله عليه وسلم يقول لعائشة رضي الله عنها: «إني لأعلم إذا كنت عني راضية وإذا كنت علي غضبى»، فمنع الصرف معلوم.
ومثل أفعل، قال الله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 7]، وحي بأحسن منها.
قال العلة السابعة الجمع، وشرطه أن يكون على صيغة لا يكون عليها الآحاد، هذا اسمه صيغة منتهى الجموع، وهو نوعان: مفاعل كمساجد ودراهم، ومفاعيل كمصابيح وطواويس. قد يقول قائل دراهم ليست على وزن مفاعل، إنما دراهم وزنها فواعال، درهم فعال، لا فعال، دراهم فعالل، وكذلك طواويس ليست على وزن مفاعيل، إنما هي فواعيل، إنما يقصد هنا، فالجواب أنه يقصد هنا الوزن العروضي، يعني مفاعل أيّاً ما كان مفاعل فواع فعل فعال، أيّاً ما كان بأي صيغة.
مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ [التوبة: 25]، مواطن مفاعل، كذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5]، بمصابيح، مصابيح هذا ممنوع من الصرف فهو مجرور بفتحة بدلاً من الكسرة؛ لأنه ممنوع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع.
العلة الثامنة الزيادة، والمراد بها الألف والنون الزائدتان نحو سكران وعثمان، سكران في الوصف برجل سكرانَ، وفي الآية حيرانَ، لم يؤت حيراناً في التنوين. وعثمان، قال عليه الصلاة والسلام هذه عن عثمان لما أخذ البيعة لأجله في صلح الحديبية قال: «هذه عن عثمان».
العلة التاسعة التأنيث، وهو على ثلاثة أقسام: تأنيث بالألف كحبلى وصحراء، وتأنيث بالتاء كطلحة وحمزة، وتأنيث بالمعنى كزينب وسعاد، زينب وسعاد ليس فيهما علامة تأنيث، لكن تأنيث بالمعنى. فهذه تسمى بها امرأة، وهذه تسمى بها امرأة، حبلى وصحراء هذه فيها ألف التأنيث المقصورة، وهذه فيها ألف التأنيث الممدودة، طلحة وحمزة اسمان لرجلين، ولكن فيهما علامة تأنيثهما وهي التاء، هذا اسمه تأنيث لفظي. كل هذه الأنواع كلها، قال كلها تمنع الاسم من الصرف، لكن تأثيرها يختلف، لكن كلها تمنع الاسم من الصرف.
قال وتأثير الأول منها في منع الصرف لازم مطلقاً، حبلى وصحراء الثالث بالألف من غير شرط، هذه علة تقوم وحدها مقام علتين، قال تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [فصلت: 44]، هدى التنوين وبشرى بغير تنوين لماذا؟ في ألف التأنيث المقصورة، وكذلك ألف التأنيث، قول مشيت في صحراءَ مغفرة.
قال وتأثير الأول منها في منع الصرف لازم مطلقاً من غير شرط كما سيأتي، وتأثير الثاني مشروط بالعلمية كما سيأتي، مشروط بالعلمية، الثاني ما ثاني كطلحة، لابد أن تسمى، إذا قلت مثلاً هذه طلحة تريد مثلاً الطلح المعروف الموز، المعروف ﴿وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ [الواقعة: 29] مراد به الموز، قلت هذه طلحة، هذه موزة، فهنا لا تكون ممنوعة من الصرف، إنما تصرف، لابد أن يسمى به رجل، يقول عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ستسمي به رجلاً.
قال وتأثير الثالث كتأثير الثاني أيضاً العلمية، هذا علمية مع تأنيث ولكنه تارة يؤثر وجوب منع الصرف، وتارة يؤثر جوازه، العلمية مع التأنيث، الأصل في العلم المؤنث أنه ممنوع من الصرف، لكن يقولون العلم الثلاثي المؤنث ساكن الوسط يجوز صرفه ومنعه. هذا قال الجواز الثاني تارة يؤثر جوازاً، فالأول مشروط بوجود واحد من ثلاثة أمور: وهي إما الزيادة على ثلاثة أحرف كسعاد وزينب، وإما تحرك الوسط كسقر ولظى، قال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾ [المدثر: 26-27]، فهنا لم تصرف، ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42] أيضاً لم تصرف، لم يقل في سقرٍ مع أنه ثلاثي لكنه محرك الوسط، ولظى ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَىٰ * نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ﴾ [المدثر: 11-12]، هذه قرأ رواية حفص وحده، وقرأ الجميع نزاعةً للشوى بالرفع، الشيد قال كلا إنها لظى أقول لظى نزاعة، هل نقول لظى نزاعة بالتنوين؟ لا، هذا أيضاً لأجل تحرك الوسط.
وإما العجمة، كَمَاهَ وجور وحمص وبلخ، هذه أسماء بلدان، أسماء بلدان أعجمية، وإن كانت ثلاثية ساكنة الوسط إلا أنها تمنع من الصرف لأجل العجمة، فيقال هي أعلام أعجمية فعلتان لمنع الصرف بغض النظر عن التأنيث.
والثاني فيما عدا ذلك كهند ودعد وجمل، أو هند ودعد وجمل، هذه ثلاثة أسماء لنساء، أشهرها عندنا هند، قول مثلاً قال النبي صلى الله عليه وسلم لهند أو لهندة: «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف» لما شكت أبا سفيان، لهند ولهندٍ، فهذه يجوز فيها الصرف وعدمه. وقد اجتمع الأمران في قول الشاعر: لم تتلفع بفضل مئزرها دعد، ولم تسق دعدٌ في العلب، فقال وقال الصرف وعدمه.
فهذه جميع العلل، وقد أتينا على شرحها شرحاً يليق بهذا المختصر، ثم اعلم أنها على ثلاثة أقسام:
الأول: ما يؤثر وحده ولا يحتاج إلى انضمام علة أخرى، وهو شيئان الجمع وألف التأنيث، يبقى إذاً صيغة منتهى الجموع هذه علة قائمة مقام علتين، ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: 5]، ﴿نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ﴾ [التوبة: 25]، كذلك ألف التأنيث المقصورة وألف التأنيث الممدودة، هذه تقوم مقام علتين.
والثاني: ما يؤثر بشرط وجود العلمية، وهو ثلاثة أشياء: التأنيث بغير الألف، والتركيب، والعجمة، العلمية والتأنيث، العلمية والتركيب المزجي، والعلمية مع العجمة، نحو فاطمة وزينب ومعدي كرب وإبراهيم، ومن ثم انصرف صنجة وإن كان مؤنثاً أعجمياً، وصولجان وإن كان أعجمياً ذا زيادة في زيادة الألف والنون، ومسلمة وإن كان مؤنثاً وصفاً، لماذا؟ لانتفاء العلمية فيهن، هذه الكلمات ليست أعلاماً، ليس فيها علمية، فلابد من العلمية مع شيء آخر، العلمية مع العجمة، العلمية مع زيادة الألف والنون، العلمية مع التأنيث، أما العلمية وحدها فلا تكفي، أما التأنيث وحده فلا يكفي في بعض الأحيان، وكذلك العجمة وهكذا.
قال الثالث: ما يؤثر بشرط وجود أحد الأمرين العلمية أو الوصفية، وهو ثلاثة أيضاً: العدل، والوزن، والزيادة، العلمية مع العدل، العلمية مع وزن الفعل، العلمية مع زيادة الألف والنون، الوصفية مع العدل، الوصفية مع وزن الفعل، الوصفية مع زيادة الألف والنون، قال مثال تأثيرها مع العلمية عمر وأحمد وسلمان، ومثال تأثيرها مع الصفة ثلاث وأحمر وسكران، أو ثلاث وأحمر وسكران، هذا صحيح هذا صحيح.
انتهى الكلام، بعد ذلك يقول باب التعجب، له صيغتان، ما أفعل زيداً، وإعرابه: ما مبتدأ بمعنى شيء عظيم، وأفعل فعل ماض، وفاعله ضمير ما، وزيداً مفعول به، والجملة خبر ما، وأفعل به وهو بمعنى ما أفعله وأصله أفعل، أي صار ذا كذا كأغد البعير أي صار ذا غدة، فغير اللفظ وزيدت الباء في الفاعل لإصلاح اللفظ، ومن ثم لزمت هنا بخلافها في فاعل كفى. وإنما يبنى فعل التعجب واسم التفضيل من فعل ثلاثي مثبت متفاوت تام مبني للفاعل، ليس اسم فاعله على أفعل.
هذا هو الأصل، الشرح يقول التعجب تفعل من العجب وله ألفاظ كثيرة غير مبوّب لها في النحو، يبقى إذاً التعجب أولاً ينقسم إلى قسمين: قسم قياسي مبوّب له في النحو، هذا له صيغتان ما أفعله وأفعل به فقط، يبقى الكلام على إعراب هذه الصيغة وإعراب هذه الصيغة سريعة إن شاء الله.
أشياء أخرى يظهر منها معنى التعجب، سواء كانت في كتاب الله أو في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام أو في قول العرب، هكذا يظهر منها التعجب، لكن لا يبوّبون لها، إنما هي كلمات تقال في التعجب، قال كقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28] تعجب من كفرهم، وقوله عليه الصلاة والسلام: «سبحان الله، إن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً»، اللفظ الذي يحفظه في الصحيحين أن المؤمن لا ينجس، زيادة حياً ولا ميتاً قد تكون خرج ذلك، إن المؤمن لا ينجس.
وقولهم لله دره فارساً، لله در فارساً، وأصل الدر أصله اللبن الذي يخرج من الضرع، كأنه يعني كانوا يحلبون الناقة، يعني هذا يكون لهم أكلاً وشرباً، يعني شرب حتى رضيت، كما قال أبو بكر رضي الله عنه، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة اشرب فشرب حتى شبع، وهكذا شرب الضيوف وشرب النبي عليه الصلاة والسلام، فكان هذا أكلاً له مشروباً. فإذا قالوا لله درك، كأنك تفعل أفعالاً تغني الناس كما يغني هذا اللبن، هذا مما قيل، أو لله درك كأنهم يمدحون لبن الأم الذي أرضعتك، فأنت شربت لبناً حسناً فجئت بأفعال حسنة، هذا مما يقال في الأفعال، ومما قاله أيضاً في من ذلك قالوا في لك من ليل، يقولون تبارك الله، قاتله الله، كل هذا من معاني التعجب، هذه كلها من معاني التعجب.
قال وقول الشاعر: يا سيداً ما أنت من سيد، ما ليست نافية هنا، يعني ما أنت من سيد، قد يقول غير ما أنت من سيد، يعني لست سيداً، لا، ما أنت من سيد، ما مبتدأ وأنت خبره، ما أنت وسيد من سيد أصله سيداً يعني منصوب على التمييز، ومن هذه التي تجر التمييز، هذا من باب التعجب، موطأ الأكتاف رحب الذراع. والمبوّب له في النحو صيغتان ما أفعل زيداً وأفعل به، فأما الصيغة الأولى فما اسم مبتدأ، اختلف في معناها على مذهبين، أحدهما أنها نكرة تامة بمعنى شيء.
هناك إشكال: كيف بُدئ بها وهي نكرة؟ قال على هذا القول: فما بعدها هو الخبر، وجاز الابتداء بها لما فيها من معنى التعجب؛ كما قالوا في قول الشاعر: عجب لتلك قضية، وإقامتي فيكم على تلك القضية أعجب. فكلمة "عجب" في "عجب لتلك" مبتدأ لأن فيها معنى التعجب، فقالوا: معنى التعجب هذا مما يسوغ الابتداء بالنكرة. وأما لأنها في قوة الموصوفة، إذ المعنى: شيء عظيم حَسَّنَ زيداً؛ يعني كأنك تقول: ما أحسن زيداً؛ يعني هناك شيء عظيم جعل زيداً حسناً. هذا هو معنى الكلام: ما أحسن زيداً، أي شيء عظيم حَسَّنَ زيداً.
فلماذا ابتدئ إذاً بـ "ما" التي بمعنى شيء؟ لأنها موصوفة وإن كان الوصف محذوفاً، كما قالوا في "شر أهر ذاب"، إن معناه شر عظيم. "أهر ذاب" أي: جعل له هريراً، وهو النباح، وذو الناب هنا المقصود به الكلب؛ يعني إذا كان الكلب ساكتاً رابضاً ليس فيه إشكال، فوجدته ينبح كثيراً؛ هناك شر عظيم جعله ينبح هكذا. هذا معنى "شر عظيم أهر ذاب". هم أصلاً لم يقولوا شر عظيم، قالوا "شر أهر"، فكأنهم قالوا: شر عظيم.
قال: والثاني أنها تحتمل ثلاثة أوجه، أحدها أن تكون نكرة تامة، كما قال سيبويه على المذهب السابق الذي ذكره في الأول، أن تكون نكرة تامة. والثاني أن تكون نكرة موصوفة بالجملة التي بعدها "شيء حسن زيداً"، فـ "حسن زيداً" هذه صفة لشيء، طب أين الخبر؟ الخبر محذوف. الثالث أن تكون معرفة موصولة بالجملة التي بعدها؛ يعني "ما" ليست بمعنى شيء، بل بمعنى الذي "حَسَّنَ زيداً" ما هو؟ حذف الخبر "شيء عظيم". وعلى هذين الوجهين فالخبر محذوف، والمعنى: شيء حَسَّنَ زيداً، هذا شيء عظيم، أو الذي حَسَّنَ زيداً شيء عظيم، هذا قول الأخفش.
وأما "أفعل"، فزعم الكوفيون أنها اسم؛ بدليل أنه يصغر، قالوا: ما أُحيسنه وما أُميلحه، قال الشاعر: يا ما أُميلح غزلاناً صيدت لنا. وزعم البصريون أنه فعل ماضٍ، وهو الصحيح؛ لأنه مبني على الفتح، ولو كان اسماً لارتفع؛ يعني لو كان اسماً لارتفع لأنه خبر، لقالوا: ما أحسنُ زيدٍ. ولأنه يلزمه مع ياء المتكلم نون الوقاية، ونون الوقاية الأصل أنها تلزم مع الأفعال لا مع الأسماء؛ يقال: ما أفقرني إلى عفو الله، ولا يقال: ما أفقري. وأما التصغير فشاذ، ووجه أنه أشبه الأسماء عموماً بجموده وأنه لا مصدر له، وأشبه "أفعل" التفضيل خصوصاً بكونه على وزنه وبدلالته على الزيادة، وبكونهما لا يُبنيان إلا مما استكمل شروطاً يأتي ذكرها إن شاء الله. فهو يقول: وأشبهت الفعل في أشياء وأشبهت الاسم في عدة أشياء، فنجعله إلى الفعل أقرب، فنقول: هو ما فعل ماضي، أما شبهه للاسم فهو شاذ أو قليل.
قال: وفي "أحسن" ضمير مستتر بالاتفاق، مرفوع على الفاعلية؛ يعني "ما أحسن زيداً"، "أحسن" هذا فعل احتاج إلى ضمير هو الفاعل راجع إلى "ما"، وهو الذي دلنا على اسميتها؛ لأن الضمير لا يعود إلا على الأسماء، قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8]. قد يقول قائل: هو عائد على الفعل "اعدلوا"، لا، "العدل" المفهوم "العدل أقرب للتقوى"، فالضمير لا يعود إلا على اسم، فإذا لم يكن هناك اسم في الكلام فلا بد أن يُفهم هذا الاسم بسابق الكلام. قال: وزيداً مفعول به. "ما أحسن زيداً"، "زيداً" مفعول به على القول بأنه فعل ماضٍ، ومشبه بالمفعول به على القول بأنه اسم على قول الكوفيين.
وأما الصيغة الثانية فـ "أفعل به"، "أحسن بزيد"، هل الصيغة الأولى وردت في كتاب الله تعالى؟ نعم، قال الله تعالى: ﴿قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ﴾ [عبس: 17]، وقال: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]. والصيغة الثانية "أفعل به"، قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38]، وفي آية أخرى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ [الكهف: 26]. قال: فـ "أفعل" فعل باتفاق، لفظه لفظ الأمر ومعناه التعجب، وهو خالٍ من الضمير. وأصل قولك "أحسن بزيد" أصله "أحسن زيدٌ"، فعل ماضٍ وفاعله. كيف وصل الحال به إلى أن يكون فعل أمر أو على صورة فعل الأمر، وأن يؤتى بالباء؟ كيف وصل هكذا؟ "أحسن زيدٌ" أي صار ذا حُسن، كما قالوا: أورق الشجر، وأزهر البستان، وأثرى فلان، وأترب زيد، وأغد البعير، كل هذا "أفعل" فيه بمعنى صار ذا كذا، بمعنى صار ذا ورق، أورق الشجر أي صار الشجر ذا ورق، أزهر البستان أي صار ذا زهر، أثرى الرجل يعني صار ذا ثروة، أترب زيد إذا صار ذا متربة أو مسكين، صار ذا متربة يعني ذا فقر وفاقة، أغد البعير أي صار ذا غدة حصلت له غدة. فضمن معنى التعجب، فقال: أحسن زيد، يعني صار ذا حسن. هذا الحسن احتجنا أن نتعجب منه فقلنا: "أحسن بزيد"، وحولت صيغته إلى صيغة "أفعل" بكسر العين، فصار "أحسن زيد".
طب "أحسن زيد"، "أحسن" هذا فعل أمر، طب فعل الأمر لا يمكن أن يأتي بعده فاعل ظاهر، بل إنهم قالوا لو أتى بعده ضمير ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه: 42]، لو جاء بعده ضمير فليس هو الفاعل إنما هو توكيد للفاعل المستتر وجوباً، فكيف يقال "أحسن زيد"؟ قال: فاستقبح اللفظ بالاسم المرفوع بعد صيغة فعل الأمر، فزيدت الباء لإصلاح اللفظ فصار "أحسن بزيد". طبعاً كل هذا من باب تقريرات العلماء وتقديراتهم لكلام العرب وإلا فالعرب لم تفهمنا شيئاً من هذا، وجاء كتاب الله هكذا، والنبي ﷺ لم يتكلم في هذه الأشياء، هذا من استقراء العلماء لكلام العرب وكيف صار كلامهم هكذا حتى يجعلوا ذلك على وتيرة واحدة، وإلا فبعض العلماء ينكر مثل هذا تماماً، لا هو جاء عن العربي هكذا، لماذا كل هذا التشقيق الذي تذكرونه على صيغة أمر "بزيد"؟ فهذه الباء تشبه الباء في ﴿كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الرعد: 43]، لا أصل الكلام كفى الله شهيداً، كفت شهادة الله تعالى، قال: كفى بالله شهيداً، فالباء لحقت بالفاعل. قال في أنها زيدت في الفاعل، ولكنها تخالفها من جهة أنها لازمة، "كفى بالله شهيداً" يصح في غير كتاب الله أن نقول "كفى الله شهيداً" في غير الكتاب العزيز نقول كفى الله شهيداً، أما في "أحسن بزيد" لا يصح أن نقول "أحسن زيدٌ"، فالباء مع "كفى" غير لازمة، أما مع هذا الفعل "أحسن" في التعجب فهي لازمة، وتلك جائزة الحذف. قال سحيم: عميرة ودع، ويروى هريرة إن تجهزت غادياً أو غازياً روايتان، كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً، قال كفى فالشيب والإسلام، لم يقل كفى بالشيب والإسلام. مع أنه جاء في كتاب الله كذا بالباء ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ [الفرقان: 31] وكفى بالله شهيداً، لكنها غير لازمة.
قال: ولا يُبنى فعل التعجب واسم التفضيل إلا مما استكمل خمسة شروط، طبعاً ذكر في الأصل سبعة شروط، قال خمسة هي سبعة. يعني إذا أردت أن تتعجب من شيء هل لك أن تتعجب من أي فعل؟ نقول مثلاً إنسان ينطلق بسرعة فتقول مثلاً: ما أطلقه، لا، إنسان يستخرج البترول فتقول: ما استخرجه، لا أقول لا لا، هناك أشياء لا بد أن، واحد مثلاً كأنه صقر فيقول: ما أسقره، لا، قالوا لا بد أن ننظر إلى ما استكمل الشروط.
أحدها أن يكون فعلاً، فلا يُبنيان من غير فعل، ولهذا خُطئ من بناه من الجلف والحمار فقال: ما أجلفه وما أحمره، بعضهم يجيز هذا لكن قالوا لا، لأن الجلف رجل جاف غليظ، والحمار معروف، قال لا هذا ليس له فعل، فإذاً لا يُبنيان منه. قالوا لا، عندنا قول العرب، ما هذا فلان؟ يقولون فيه: ما أصصه، وهو "أص" من شظاظ، شظاظ هذا رجل سارق لص معروف كان يُضرب به المثل، قالوا هذا فقال: هذا شاذ وشاذ قولهم، هذا شاذ لا يُقاس عليه.
الثاني أن يكون الفعل ثلاثياً، فلا يُبنيان من نحو دحرج وانطلق واستخرج، لا يُبنيان من الرباعي ولا من الخماسي ولا من السداسي. وعن أبي الحسن جواز بنائه من الثلاثي المزيد فيه بشرط حذف زوائده. وعن سيبويه جواز بنائه من "أفعل" نحو أكرم وأحسن، فسيبويه يقول "ما أكرمه" يصح أن تكون من كرم من الكرم، ما أكرمه ما أكرم فلاناً وفلان أكرم من فلان، ﴿رَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ [العلق: 3] فأكرم، ويجوز أن تكون من الإكرام، يعني يجوز أن أقول ما أكرمه على أنه يكرم، ليس وكريماً فقط بل إنه يكرم، وكذلك "ما أحسنه" من الحسن أو من الإحسان، بعضهم يجيزه من الحسن فقط وهذا هو الأكثر، يجيزه من الحسن والإحسان.
الثالث أن يكون مما يقبل معناه التفاوت، فلا يُبنيان من نحو مات وفني لأن حقيقتهما واحدة، وإنما نتعجب ما زاد على نظائره، فلا يقال فلان أموت من فلان أو أفنى من فلان هذا في أفعال التفضيل، ولا يقال ما أموته أو ما أفناه هذا ما لا يُتعجب منه أو ليس فيه شيء يزيد على نظائره، شيء واحد لا يقبل تفاوت.
الرابع ألا يكون مبنياً للمفعول، فلو يُبنيان من نحو ضرب وقُتل فلان ضرب ضرباً شديداً فيقول ما أضربه، لا هو مضروب ليس ضارباً، يبنى من ضرب لكن ليس من ضُرِب.
الخامس ألا يكون اسم فاعله على وزن أفعل، فلا يُبنيان من نحو عمي وعرج وشبههما من أفعال العيوب الظاهرة، العمى والعرج والعور، لا يقال هذا أعمى من فلان أو أعرج منه أو أعور منه، ولا يقال ما أعماه وما أعرجه وما أعوره، هذا لا يقال، وإن كان بعضهم جوز ذلك في قول الله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ﴾ [الإسراء: 72] يعني أشد عمى، صُب في الآخرة أعمى، ليست من هذا الباب.
ولا من نحو سويد وحمر ونحوهما من أفعال الألوان، لو قال فلان أسود من فلان أو أحمر من فلان، قال أشد سواداً، وإن كان جاء الحديث بروايتين "ماؤه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل"، ففي الرواية "أبيض من اللبن" فكأنه على هذا يعني يجوز بقلة أو هو من الروايات بالمعنى.
ولا من نحو لَمي ودعج ونحوهما من أفعال الحلا، يقال فلان ألمى من فلان أو أدعج من فلان، أو ما أدعجه وما ألماه، الدعج اتساع العين مع شدة بياضها وشدة سوادها، يعني البياض بياض شديد والسواد سواد شديد مع سعة العين، هذا والدعج واللمى، هذا هذه سمرة مليحة محمودة مستحسنة، في الشفة أحياناً تكون الشفة سمراء، لكن هذا الثمار ليس حسناً يكون ليس مستساغاً، وأحياناً يكون حسناً جداً مستساغاً، فهذا يسمى لما، فيقال في هذه امرأة لمياء، ومن هذا سموا لمياء بهذا المعنى، وإن كان كثير ممن يسمي لا يعلم لا يعرف هذا المعنى، هذا معروف يعني لكن هذا أصل كلمة لمياء. قال فلان ألمى وفلانة لمياء، فاللمى بمعنى أن شفتيه فيهما سمار أو سواد، لكنها مستحسنة ليست مستقبحة، فأحياناً يكون البياض مستقبحاً وأحياناً يكون السواد مستقبحاً، قال الله تبارك وتعالى: ﴿تَخْرُجُ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [الأعراف: 108]، فأحياناً يكون هناك بياض بسوء برص، وأحياناً يكون السمر أو السواد جميلاً، كما يقولون عندنا السمر نص الجمال، فهذا هو المعنى، قال ونحوهما من أفعال الحلا التي الوصف منها على وزن أفعل، لأنهم قالوا من ذلك هو أعمى وأعرج وأسود وأحمر وألمى وأدعج.
باب الوقف، بقي كلام عن الوقف في والهمزات هذه الأشياء. أنا لا أريد أن أقول لكم اقرؤوها، يسيرة إن شاء الله، أقرؤها سريعاً بإذن الله تعالى. يعني لو أخذنا مثلاً عشر دقائق أو فوق ذلك إن شاء الله بإذن الله لن أطيل بإذن الله تعالى، هو آخر درس إن شاء الله، الناس ستستريحون من.
قال: باب الوقف. في الأفصح على نحو "رحمة" بالهاء، وعلى نحو "مسلمات" بالتاء. إذا وقف على ما فيه تاء التأنيث؛ فإن كانت ساكنة لم تتغير، تقول قامت وقعدت، لا يقال قامه وقعده، إنما قامت وقعدت. وإن كانت متحركة التي نسميها التاء المربوطة؛ فإما أن تكون الكلمة جمعاً بالألف والتاء أو لا، فإن لم تكن كذلك فالأفصح الوقف بإبدالها هاء، هذه التاء المربوطة هذه رحمة وهذه شجرة، رحمة وشجرة، تقف عليها بالهاء، هذه رحمة وهذه شجرة. هل يجوز بالتاء؟ وبعضهم يقف بالتاء، وقد وقف بعض السبعة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]، ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ [الدخان: 43]، إذا وقفت إن رحمت، وإن شجرت، طبعاً هذا أيضاً يكون اقتراحاً أو اختباراً، وإلا ففي سياق الكلام لماذا أقف على إن رحمت وإن شجرت؟ لكن على كل إن رحمت وإن شجرت هاتان لغتان فصيحتان وقراءتان صحيحتان، فليس فيهما نكير.
قال بالتاء وسمع بعضهم يقول يا أهل سورة البقرة، على هذه الرواية، وقال بعض من سمعه كأنه لم يكن يعرف هذه اللغة، فأراد أن يجابهه بكلام شبه يعني قال: والله ما أحفظ منها آية، يعني مع أنه يحفظ البقرة، لكن يقول لا أحفظ سورة اسمها البقرة، فهذه التي اسمها البقرة أنا لا أحفظ منها آية، فكأنه يعيب على هذه اللغة وهي لغة فصيحة، وقال الشاعر: والله أنجاك بكفي مسلمة. أصله.
بعد ما كانت نفوس القوم عند الغلصمة، أصله الغلصمة، وكادت الحرة أن تدعى أمة، يقصد كادت الحرة أن تدعى أمة، قال: وإن كان جمعًا بالألف والتاء مسلمات، مؤمنات إلى آخره، فالأصح الوقف بالتاء، وبعضهم يقف بالهاء يقول مسلماة، مؤمناة، لكن هذا ليست قراءة. الفرق بين هذه وتلك، الأولى قراءة، رحمة رحمة، شجرة شجرة، فهم على بينة منه، على بينة، وهذه قراءتنا. كل هذا الذي بالتاء في مصحفنا تجود التاء فتقف عليه بالتاء اضطرارًا أو اختبارًا، فهم على بينة. إن الذين حقت عليهم كلمة ربك، إذ قالت امرأة عمران، امرأة لوقفت، أما هذه فهي لغة، لكن لا أعلم فيها قراءة، مسلمات ومؤمنات وقانتات، هذه لغة فصيحة لكن لا أعلم فيها قراءة، فرق بين اللغة والقراءة.
قال: فالأصح الوقف بالتاء، وبعضهم يقف بالهاء، وسمع من كلامهم كيف الأخوة والأخواة، يعني والأخوات، وقالوا دفن البنات من المكروماة، سبحانك هذا بهتان، معظم ماذا من أيام الجاهلية؟ دفن البنات، يعني البنات من المكروماة، من المكرومات، هذا في الوأد الذي توعد الله تبارك وتعالى فاعليه شرًا، والموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت. إذا كانت هي تسأل بهذا فكيف وائدها؟ كيف يصنع بوائدها؟ وقد نبهت على الوقف على نحو رحمة بالتاء ومسلمات ومسلمات بالهاء بقوله بعد، وقد يعكس فيهن، قال: وعلى نحو قاض رفعًا وجرًا بالحذف، ونحو القاضي فيهما بالإثبات، هذا سبق معنا في الاسم المنقوص في أول الكلام، في الإعراب المقدر.
إذا وقفت على المنقوص وهو الاسم الذي آخره ياء مكسور ما قبلها، فإما أن يكون منونًا أو لا، فإن كان منونًا فالأفصح الوقف عليه رفعًا وجرًا بالحذف، تقول: هذا قاض، وإذا وقفت تقول: هذا قاض، فاقض ما أنت قاض هكذا، ومررت بقاض، بقاض. ويجوز أن تقف عليه بالياء، وبذلك وقف ابن كثير على هاد ووال وواق، من قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، يقف الجمهور: ولكل قوم هاد، ويقف ابن كثير: ولكل قوم هادي. وابن كثير إمام أهل مكة، مكة عبد الله فيها مقامه، وابن كثير إمام أهل مكة، قراءته صحيحة ولا إشكال عليها، لأني سمعت من ينكر جدًا أن تقول هذا فعل ماضي، قل يجب أن تقول هذا فعل ماض، هذا فعل ماض، لا، في الوقف يجوز أن تقول هذا فعل ماضي، قرأ ابن كثير إمام أهل مكة: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾، ﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾، ﴿وَمَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مِن وَاقٍ﴾.
وهكذا، وإن كان غير منون فالأفصح الوقف عليه رفعًا وجرًا بالإثبات، تقول: هذا القاضي، ومررت بالقاضي، ويجوز الوقف عليه بالحذف، وقف الجمهور على المتعال والتلاق، في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾، ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾، ووقف ابن كثير نفسه، يعني ابن كثير خالف هنا وهنا، فما وقفوا عليه بغير ياء مما فيه ألف ولام وقف عليه بالياء، وما وقفوا عليه بغير ياء مما ليس فيه ألف ولام وقف عليه أو بعضه، يعني ليس الجميع، ما عندكم ينفد وما عند الله باق، أظن أنه يوافق هنا لا يخالف، لكن هذه لغة صحيحة وقراءة صحيحة متواترة. قال: وقف ابن كثير بالياء على الوجه الأفصح: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِي﴾، ﴿لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِي﴾، عندنا في قراءتنا هذا موجود وهذا موجود: ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، وردت المهتدي في الأعراف، وردت المهتد في الكهف وغيره.
قال: وقد يعكس فيهن، الضمير راجع إلى قلب هذا، يعني لما سبق، وهو الذي سبق، الضمير راجع إلى قلب تاء رحمة رحمة هاء رحمة ورحمة، وإثبات تاء مسلمات، مسلمات مسلمات، وحذف ياء قاض، قاض قاضي، وإثبات ياء القاضي، القاض القاضي. وقد يوقف، أي وقد يوقف على رحمة بالتاء تقول رحمة، وعلى مسلمات بالهاء تقول مسلماتاه، وعلى قاض بالياء تقول قاضي، وعلى القاضي بالحذف فتقول القاضي. قال: وليس في نصب قاض والقاضي إلا الياء، إذا كان المنقوص منصوبًا وجب في الوقف إثبات يائه، هذا المنقوص إذا كان منصوبًا فإن كان منونًا أبدل من تنوينه ألفًا كقوله ربنا إننا، قول المؤمنين في آخر آل عمران: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي﴾، الإمام إذا وقفت على المنادي أقول مناد، لا أقول مناديا، وإذا أكملت أقول مناديا ينادي، وتقف بالياء وتجعل الألف للتنوين، وكذلك مثل ﴿وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾.
وإن كان غير منون وقف على الياء كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، لو قال التراق لأنه منصوب بلغت هي روح التراقي، التراقيه، كذلك قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ﴾، يتبعون الداعي. ويوقف على إذا ونحو لا نسفعن ورأيت زيدًا بالألف، يجب في الوقف قلب النون الساكنة ألفًا في ثلاث مسائل، إحداها إذا، هذا هو الصحيح، وجزم ابن عصفور في شرح الجمل بأنه يوقف عليها بالنون، تقول إذا، هذا خلاف بينهم، وبنى على ذلك أنها تكتب بالنون، وليس كما ذكر، ولا تختلف القراء في الوقف على نحو ولا ينفع إذا أبدًا بالألف، ولن تفلحوا إذا، إذا وقفت هكذا أقول لن تفلحوا إذا، وهي إذا. الثانية نون التوكيد، نون التوكيد الخفيفة الواقعة بعد الفتحة، احتراز مما تقع بعد الضمة والكسرة هذه ليس فيها ذلك، كقوله ﴿لَنَسْفَعًا﴾، ﴿كَلَّا لَمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، تقف لنسفعا، ﴿لَيُسْجَنَنَّ﴾، ﴿وَلَيَكُونًا﴾ بالألف، وقف الجميع عليهما بالألف، قال الشاعر: وإياك والميتات لا تقربنها، ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا، يعني فاعبدا أصله فاعبدًا.
الثالثة تنوين الاسم المنصوب نحو رأيت زيدًا، ﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾، قولًا كريمًا تقف هكذا، هذا وقف عليه العرب بالألف إلا ربيعة، هذه قبيلة فإنهم وقفوا على نحو رأيت زيدًا بالحذف، يقول رأيت زيد، هذا يختلف منا في بعض الأحيان، قل كان زيد قائم، الأصل كان زيد قائمًا لكن قائم، وقال وقف على لغة ربيعة، قال شاعرهم: ألا حبذا غنم وحسن حديثها، لقد تركت قلبي بها هائمًا دنف، المفروض أن يقول هائمًا دنف، لكن قال دنف لأنه أراد هذا حتى يثبت له تثبت له قافيته، والدنف المرض عمومًا أو هو مرض العشق خاصة، هذا الإشارة قال: كما يكتبن يعني يوقف عليها كما تكتب، إذا يوقف عليها كما تكتب، نسفع توقف عليها كما تكتب، إذا نسفع، رأيت زيدًا كما تكتب.
قال: لما ذكرت الوقف على هذه الثلاثة، ذكرت كيفية رسمها في الخط استطرادًا، فذكرت أن النون في المسائل الثلاث تصور ألفًا على حسب الوقف، وأن نون التوكيد الخفيفة يعني تصور نونًا، يعني لا نسفعن تقف، وعن الفراء أن إذا إذا كانت ناصبة كتبت بالألف لأنها لا تلتبس بشيء، وإلا كتبت بالنون فرقًا بينها وبين إذا الشرطية والفجائية، وقد تلخص أن في كتابة إذا ثلاثة مذاهب، بالألف مطلقًا، وبالنون مطلقًا، والتفصيل هذا كلام سهل معروف، كما تصور هذه الكلمة إذا تصور بالألف تكتب إذا، يقف عليها بالألف، لا نسفعا تصور بالألف عليها، رأيت زيدًا بالألف يقف عليها بالألف، الأخيرة ليس فيها إشكال، لا نسفعا بعضهم قال لا نصورها بالنون ونقف وقف عليها بالنون، طبعًا في خلاف في غير القرآن، في القرآن وقف عليها أو صورت بالألف فنقف عليها بالألف، ﴿وَلَن يُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾، في غير القرآن يمكن أن أقول ستزورني إذًا أكرمك، فأكتبها بالنون وأقف عليها بالنون، أما في كتاب الله فهذا رسم المصحف متبع، ويقاس عليه ما خالفه من رسمه.
قال بعد ذلك: وتكتب الألف بعد واو الجماعة كقالوا دون الأصلية كزيد يدعو، وترسم الألف ياء إن تجاوزت الثلاثة كاستدعى والمصطفى، أو كان أصلها الياء كرمى والفتى، وألفًا في غيره كقفى والعصى، وينكشف أمر الفعل بالتاء كرميت وعفوت، والاسم بالتثنية كعصوين وفتيين. بقي ثلاث صفحات، الحمد لله بقي ثلاث صفحات، قال: ذكرت هذه المسألة من مسائل الكتابة استطرادًا بذكر مسألتين مهمتين من مسائلها، إحداهما أنهم فرقوا بين الواو في قولك زيد يدعو، وبينها في قولك القوم لم يدعوا، زيد يدعو دعا يدعو، فهو الواو أصلية، القوم لم يدعوا هذه واو الجماعة، أصلها لم يدعوا، هذه واو الجماعة فجعلوا مع الجماعة ألفًا فرقًا، هذه اسمها الألف الفارقة، فزادوا ألفًا بعد واو الجماعة وجردوا الأصلية من الألف قصدًا للتفرقة بينهم، لا يعترض معترض على هذا برسم المصحف، رسم المصحف فيما يخالف رسمنا هذا لا يقاس عليه، هذا رسم خاص به، فإذا فتحت المصحف تجدهم كتبوا ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾، تجدهم كتبوا ألفًا بعدها مع أن واوه هي واو الفعل ليست واو الجماعة، قال رسم المصحف فيما خالف رسمنا لا يقال عليه، فهذا اصطلاح خاص بالمصحف.
الثانية أن من الألفات المتطرفة ما يصور ألفًا ومنها ما يصور ياء، هنا يقصد الألفات لا يقصد الهمزات، لأن الهمزة المتطرفة الكلام فيها طويل، وكذلك في المتوسطة وفي أول الكلام، هذا لم يتكلم عليه أصلاً، يتكلم على الألف متى تكتب ترسم ألفًا ومتى ترسم ياء، قال: وضبط ذلك أن الألف إذا تجاوزت ثلاثة أحرف أو كانت منقلبة عن ياء إن صورت ياء، مثال ذلك في النوع الأول استدعى لأنها زائدة على ثلاثة أحرف، لا نكتب استدعا بعين وألف، استدعى بعين وياء وإن كانت تنطق ألفًا، والمصطفى لأنها زائدة على ثلاثة أحرف، وفي النوع الثاني رمى وهدى والفتى والهدى لأنها على ثلاثة أحرف، رمى ثلاثة، هدى ثلاثة، قد يقول قائل الفتى خمسة؟ لا، الألف واللام لا تحسبان، فتى هدى، وإن كانت ثالثة منقلبة عن واو صورت ألفًا، بمجموع هذين بين الشرطين تصور ألفًا أن تكون الألف ثالثة وأن تكون منقلبة عن واو، حينئذ تكتب ألفًا، تكتب ألفًا، وذلك نحو دعا وعفى والعصى والقفى، دعا يدعو، عفى يعفو، عصى عصوان، قفى قفوان، فمن هنا كيف تكتب الربا؟ كيف تكتب الزنا؟ ما الفرق بينهما؟ الربا تكتب بالألف والزنا تكتب بالياء، عياذًا بالله من الذنوب والسيئات جميعًا، هذا فرق ما بينهما.
قال: ولما ذكرت ذلك احتجت إلى ذكر قانون يتميز به ذوات الواو من ذوات الياء، كيف أعرف بقاء أن أصل هذه الكلمة واو وأن أصلها ياء حتى أكتب؟ قال: هناك قانون في ذلك، فذكرت أنه إذا أشكل أمر الفعل وصلته بتاء المتكلم أو المخاطب، فمهما ظهر فهو أصله، ألا ترى أنك تقول في رمى وهدى رميت وهديت، وفي دعا وعفى دعوت وعفوت، بلى ترى ذلك، عندما ترى ذلك خلاص، يبقى إذا رميت يبقى رمى اكتبها بالياء، هديت هدى اكتبها بالياء، دعا دعوت، فدعا اكتبها بالألف، عفوت بالواو اكتبها بالألف، وإذا أشكل أمر الاسم نظرت إلى تثنيته، فمهما ظهر فيه فهو أصله، ألا ترى أنك تقول في الفتى والهدى الفتيان والهديان، دخل معه السجن فتيان، فتى بالياء، هدى بالياء، وفي العصا والقف عصوان وقفوان، وما أحسن قول الشاطبي، هو الإمام أبو محمد قاسم بن فِرة رحمه الله تعالى، المتوفى سنة 590، وهو إمام القراءات المعروفة، وهو بخلاف الشاطبي الآخر الذي هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي صاحب أصول الفقه موافقته الاعتصام، هذا متوفى سنة 790، بينهما 100 سنة لصالح الشاطبي صاحب القراءات، توفي قبله بـ 200 عام.
قال: وهذه في لاميته المعروفة بالشاطبية وحرز الأماني ووجه التهاني، قال: وتثنية الأسماء تكشفها، وإن رددت إليك الفعل صادفت منهلا، تثنية الأسماء تكشفها، تثني الاسم تعرف أصله ياء ولا أصله واو حتى تكتب، وإن رددت إليك الفعل رميت هديت عصيت أقول هكذا حتى تكتب، فحينئذ تعرف، قال: صادفت منهلاً ووجدت منهلاً معرفة بهذا يعني منهلاً عذبًا قويًا، قال الحريري وهو صاحب ملحة الإعراب أبو محمد قاسم بن علي توفي سنة 516، قال: إذا الفعل يومًا غم عنك هجاؤه، فألحق به تاء الخطاب ولا تقف، فإن تره بالياء يومًا كتبته بياء وإلا فهو يكتب بالألف، يعني من ليس معي يعني من ظل معي إلى الآن فليحتملني بإذن الله تعالى في هاتين الصفحتين حتى يكون الكتاب قد تم.
قال: فصل همزة اسم، هي آخر مسألة، همزة اسم بكسر وضم، وست وابن وابنة، وامرئ وامرأة وتثنيتهن واثنين واثنتين، انتهى الكلام بعد ذلك والغلام ويم الله في القسم بفتحهما أو بكسر في أيمن، إذا بدأت بأيم أو أيم همزة وصل، همزة وصل تثبت ابتداءً وتحذف وصلاً، وكذا همزة الماضي المتجاوز أربعة أحرف كاستخرج وأمره ومصدره، وأمر الثلاثي كأقتل وأغز وأغزي بضمهن، وأضرب وامشوا واذهب بكسر كالبواقي. هذا الفصل في ذكر همزات الوصل، وهي التي تثبت في الابتداء وتحذف في الوصل، والكلام فيها في الفصل سيذكر الكلام عن همزات الوصل وهمزات القطع، سيذكر هذه مع تلك في الأسماء والأفعال والأحرف، وهي قصيرة جدًا ويمكن أن تقرأها وحدك، لكن إن شاء الله حتى يتم الكتاب عليه وعليكم بخير بإذن الله تعالى، وحتى يعطينا الله عز وجل ثواب الكتاب جميعًا، وعلى الله عز وجل أن يجمعنا بهذا المصنف في جنته، هو على كل شيء قدير. قال: فالأول في ضبط مواقعها فنقول: قد استقر أن الكلمة إما اسم أو فعل أو حرف، فأما الاسم فلا تكون همزته همزة وصل إلا في نوعيه، الاسم الأصل فيه الهمزة همزة قطع.
تكون همزة الوصل في عشرة أسماء محفوظة، وفي مصادر الفعل الخماسي والسداسي فقط، هذه خلاصة الكلام. في الأسماء عشرة أسماء محفوظة، ومصادر الفعل الخماسي ومصادر الفعل السداسي. قال أحدهما أسماء غير مصادر، أسماء هنا منونة ليست ممنوعة من الصرف، هي مصروفة، إلا إذا سميتموها، إنما تمنع من الصرف إذا سميت بها امرأة؛ قل جاءت أسماء رضي الله عنها. وهي عشرة محفوظة: اسم، واست، وابن، وابنة، وابنم، وامرؤ، وامرأة، واثنان، واثنتان، وابنان وابنمان وامراتان وأمران، هذه كلمات كلها.
يقال فيها هكذا: يبدأ باسم، ابن، ابنة إذا بدأت، لكن في درج الكلام تسقط كما رأيتم. قال اثنان واثنتان وابنان وابنمن وهكذا؛ قال الله تعالى: ﴿رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]. إذا بدأت تقول امرأتان، لكن طبعا لا يبدأ فيها هؤلاء يعني كاختبار، وأن امرأة خفت من بعدها تقول امرأة، لكن وأن امرأة، هذه همزة وصل رجل وامرأتان؛ قال تعالى: ﴿لَّا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: 51]، ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ﴾ [النساء: 128]، ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ﴾ [التحريم: 12]. هذه كلها همزات وصل، بخلاف الجمع فإن همزاته همزات قطع؛ قال الله تعالى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا﴾ [النجم: 23]، معناها جمع اسم، فاسم بهمزة وصل، وأسماء بهمزة قطع. لماذا قالوا؟ لأن همزات الوصل هي في هذه الكلمات العشرة فقط وفي المصادر الخماسية والسداسية.
قال: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61]، همزة وصل معناها المفرد ابن، هذه همزة قطع أبناء، معناها المفرد بهمزة الوصل ابن. قال النوع الثاني أسماء وهي مصادر، وهي مصادر الأفعال الخماسية كالانطلاق والاقتداء، والسداسية كالاستخراج. الاقتداء وفي نسخة الاقتدار، كل واحد اقتدر واقتدى هذا كلهم خماسية؛ فتقول الاقتداء والاستخراج وهكذا. هذا أحيانا كثيرا يسقط منه نقول هذا الانطلاق، وتجد همزة تحت في الكتابة وهذا الاستخراج، وتجد همزة تحت؛ لا يا جماعة هذه همزة وصل.
أما الفعل؛ قال الخلاصة: همزات المضارع همزات قطع سواء كان مضارعاً لثلاثي أو رباعي أو خماسي أو سداسي؛ تقول أعمل، وأدحرج، وأنطلق، وأستخرج. همزات المضارع كلها همزات قطع. همزات الماضي الثلاثي والرباعي همزاته همزات قطع: أكل، وأكرم. الباقي همزاته همزات وصل، خماسي وسداسي: انطلق، استخرج. الأمر الرباعي أيضاً قطع: أخرج، أكرم. غير الرباعي الثلاثي والخماسي والسداسي همزاته همزات وصل: اخرج، انطلق، استغفر. هذه خلاصة لمن أراد.
قال: وأما الفعل فإن كان مضارعاً فهمزاته همزات قطع، نحو أعوذ بالله، أستغفر الله، أحمد الله؛ أحمد حمد يا أحمد. أعوذ أعوذ ثلاثي، أستغفر سداسي. همزات المضارع جميعاً ثلاثياً كان أو رباعياً أو خماسياً أو سداسياً همزات قطع. وإن كان ماضياً فإن كان ثلاثياً أو رباعياً فهمزاته همزات قطع؛ فالثلاثي أخذ وأكل، رباعي نحو أخرج وأعطى. وإن كان خماسياً أو سداسياً فهمزاته همزات وصل: انطلق واستخرج. وأما الأمر فإن كان من الرباعي فهمزاته همزات قطع كقولك يا زيد أكرم عمراً ويا فلان أجب فلاناً. قال أجب هذه ليست رباعية؛ لا، أجب رباعي أجاب يجيب إجابة، هو رباعي لكن حذف بعضه لعلة صرفية.
قال: وأما الحرف فلم تدخل عليه همزة وصل إلا على اللام في الألف واللام، نحو قولك الغلام والفرس. معنى الخليل أنها همزة قطع، الخليل قال هذه همزة قطع أصلاً، فليس هناك حرف فيه همزة وصل، والصح أن همزة وصل لا قطع، لكن أن همزة قطع عملت في الدرج معاملة الوصل تخفيفاً لكثرة الاستعمال؛ كما حذفت الهمزة من خير وشر، ذلك خير نزلاً كما سبق معنا في أفعال التفضيل، أصله أخير وأشر في الحالتين للتخفيف. وبقية الحروف همزاتها همزات قطع: أم، واو، وأن، إذا، الحروف الهمزة وصل على خلاف في ذلك والبقية همزة قطع.
الفصل الثاني في حركة همزة الوصل. اعلم أن حركة الهمزة بعد أن انتهى الكلام همزات الوصل وهمزات القطع، الكلام هنا في حركة همزات الوصل، نبدأ بها متحركة بالكسر أم بالفتح أم بالضم. قال اعلم أن منها ما يحرك بالكسر في الأكثر، وبالضم في لغة ضعيفة، وهو اسم هكذا تبدأ: اسم أحمد، إذا بدأت مبشراً برسول يأتي من بعد اسمه أحمد، أبدأ أقول اسم أحمد لا يقال اسمه ولا اسمه، وإن كانت اسم هذه صحيحة لغة لكن لا يقرأ بها، وهو اسم. وقد أشرت إلى ذلك بقولي همزة اسم بكسر أو ضم في أول الكلام. ومنها ما يحرك بالفتح خاصة، وهي همزة لام التعريف، الله لا إله إلا هو الحي القيوم؛ لو قلنا الألف واللام تعريف ليس اسماً، المؤمنون والمؤمنات، المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض، المنافقون والمنافقات بعضهم بعض، المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، كما قال عليه الصلاة والسلام المؤمن المؤمنون المسلمون، فهذه همزة وصل تكون مفتوحة، هذا قليل جداً.
ومنها ما يحرك بالفتح في الأفصح وبالكسر في لغة ضعيفة هو أيمن المستعمل في القسم، في قولهم أيمن الله أيمن الله لأفعلن. وهذا الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «ويم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، هو يقال فيه أيمن الله ويقال ويم الله، وبعضهم يقول أحياناً في قليل من الكلام يقال م الله فتحذف منه كل أحرف إلا الميم، لكن الأشهر فيه ويم الله. وهمزتها كما همزة وصل لأجل هذا سقطت في كلام النبي عليه الصلاة والسلام ويم الله، لكن لو بدأ به قال أيم الله على اللغة الفصحى، وهو اسم مفرد مشتق من اليمن، هذا اختلاف، يعني بعض أيمن الله ما أصل أيم الله ويم الله؛ قيل من اليمن وقيل من اليمين. مشتق من اليمن وهو البركة لا جمع يمين خلافاً للفراء، وقد أشرت إلى هذا القسم الذي قبله بقوله بفتحهما أو بكسر همزة أيمن أيم وأيم أشر بالفتح.
ومنها ما يحرك بالضم فقط، وهو أمر الثلاثي إذا انضم ثالثه ضماً متأصلاً، نحو اقتل، ادخل، يعني دخل يدخل، كتب يكتب، قتل يقتل، فالضم فيه ضم الحرف الثالث ضم أصلي، فهكذا تقول في بدء الأمر تقول اقتل، ادخل: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 46]. ودخل تحت قولنا متأصلاً نحو قولك للمرأة اغزي يا هند، اغزي تقول لها اغزي، أغزي، لأن الزاي هي الثالث مكسورة؛ هذا كسر غير أصلي، الضم هو الأصلي أصله من غزا يغزو فأصله اغزوي، كما تقول اخرجي ولكن حذفت الواو لعلة تصريفية لأن أصله اغزو بضم الزاي وكسر الواو، فأسكنت الواو للاستثقال، هذه الكسرة ثقيلة على الواو فصارت الواو ساكنة ثم حذفت هذه الواو ثم كسرت الزاي التي كانت مضمومة لتناسب الياء، اغزي لتناسب الياء. وقد أشرت إلى هذا بالتمثيل بأغزي ومثلت قبلها بأغزو لأنبه على أن الأصل اغزوي بالضم بدليل وجوده إذا لم توجد ياء المخاطبة، وهذا واضح اغز يا فلان اغزي يا فلان. كما أقول مثلاً ادع الله أنت يا فلان ادع الله ويا فلانة ادعي الله، ادعي الله وإن كان صعباً ادعي الله أصله ادعوي.
وخرج عنه قول نحو قولك امشوا تقول امشوا امضوا، لماذا تقول امشوا مشي الثالث الحرف الثالث مضموم؟ أقول لك لا هذا ضم غير أصلي هو من مشى يمشي، فأصله امشيوا امضيوا، فالحرف الثالث مكسور ولكن حصل فيه العلة الصرفية المذكورة، فإنه ابتدأوا بالكسر لأن أصله امشيوا بكسر الشين وضم الياء فسكنت الياء للاستثقال امشيو، الياء هذه لما سكنت حذفت ثم حذفت التقاء الساكنين ثم ضمت الشين امشيو صارت امشوا لتجانس الواو ولتسلم من القلب ياء حتى تسلم من القلب ياء أيضاً.
قال ولهذا مثلت به في الأصل لما يكسر مع تمثيل بضرب للتنبيه على أنهما من باب واحد. طيب لماذا مثل باذهب؟ قال وإنما مثلت باذهب دفعاً لتوهم من يتوهم أنهم إذا ضموا في مثل اكتب وكسروا في مثل اضرب فينبغي أن يفتحوا في مثل اذهب، قالوا نعم اكتب لأن الثالث قد يقول قائل هذا من القائلين، أقول إذا ضم الثالث في اكتب فضم همزة الوصل، ولما كسر الثالث في اضرب كسر همزة الوصل اضرب اكتب. إذا اذهب الثالث مفتوح فأقول اذهب، قالوا لا هذا ليس موجوداً. طب ماذا نفعل؟ قال نكسرها أيضاً اذهب ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ [طه: 42]. قال ليكونوا قد راعوا بحركة الهمزة مجانسة حركة الثالث، هذا الذي يظنه الظان. وإنما لم يفعلوا ذلك لماذا لم يفعلوا ذلك الذي ظنه الظان؟ قال وإنما لم يفعلوا ذلك لئلا يلتبس بالمضارع المبدوء بالهمزة، إذا قلت اذهب اذهب اذهب أنا، لا أنا قصدي اذهب أنت، تقول لا قل لي اذهب، قال في حال الوقف عليك أنا إذا قلت لفلان يا فلان اذهب فيقول لي أين تذهب؟ يقول لا أنا أقصد أنت اذهب، أقول لا أنت قل لي اذهب، هذا هو الفرق حتى لا يلتبس هذا بذلك. ومنها ما يكسر لا غير وهو الباقي وذلك أصل الباب.
قال رحمه الله تعالى: وهذا آخر ما أردنا إملاءه على هذه المقدمة، وقد جاء بحمد الله مهذب المباني مشيد المعاني محكم الأحكام مستوفي الأنواع والأقسام، تقر به عين الودود وتكمد به عين الجاهل الحسود. إن يحسدوني فإني غير لائمهم، قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا. فدام لي ولهم ما بي وما بهم، ومات أكثرنا غيظاً بما يجد. أنا الذي يجدونه في صدورهم لا أرتقي صدراً منها ولا أرد. وإلى الله العظيم أرغب أن يجعل ذلك لوجهه الكريم مصروفاً، وعلى النفع به موقوفاً، وأن يكفينا شر الحساد، ولا يفضحنا يوم التناد، لا في الدنيا ولا في الآخرة بمنه وكرمه إنه الكريم التواب والرؤوف الرحيم الوهاب.
وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين، وغفر الله لي ولكم وللمصنف وجمعنا جميعاً في جنته، إنه نعم المولى ونعم النصير، سامحوني على الإطالة. هذا وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق