وقد سبق الكلام كما قلت مرارًا من أول الكلمة وتعريفها وبيان أسامها وانقسامها إلى اسم وفعل وحرف، وانقسام الفعل إلى ماض ومضارع وأمر. وسبق الكلام في ذكر علامات الأسماء، وقد ذكر بعض العلامات لم يذكر الجميع، وكذلك غيره يذكر بعض العلامات فمستقل ومستكثر. وعن بعض علامات الفعل الماضي وهي العلامة الفارقة وهي تاء التأنيث الساكنة. وعن علامة فعل الأمر وهي العلامة المزدوجة المركبة مجموع شيئين فدلالته على الطلب مع قبوله ياء المخاطبة. وعن العلامة التي للفعل المضارع وهي قبول لم ولا بد أن يبتدئ بحرف من أحرف المضارعة. وعن أن الحرف لا يقبل شيئًا من العلامات. وتكلم كذلك المصنف عن انقسام الاسم إلى معرب ومبني، وتكلم عن بعض المبنيات على السكون وعلى الفتح وعلى الكسر وعلى الضم.
وتكلم عن إعراب الفعل وبنائه، وبين أن الماضي يكون مبنيًّا دائمًا وهذا باتفاق، وأن الأمر يكون مبنيًّا وهذا على الصحيح، وبين أنواع بناء الماضي وبناء الأمر. وبين أن المضارع يكون مبنيًّا في حالتين: إذا اتصل به نون النسوة فعلى السكون، أو نون التوكيد فعلى الفتح. وفيما عدا ذلك فالمضارع معرب؛ ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، ويرفع إذا تجرد من الناصب والجازم. ثم تكلم عن الإعراب وتعريفه وأنواعه وعلاماته. والإعراب هو تغيير أواخر الكلمات لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظًا أو تقديرًا. وأنواعه وألقابه وأقسامه أربعة: الرفع والنصب والجر والجزم. فالأسماء ترفع وتنصب وتجر ولا تجزم، والأفـعال ترفع وتنصب وتجزم ولا تجر. والأصل في الرفع أن يكون بالضمة، وفي النصب أن يكون بالفتحة، وفي الجر أن يكون بالكسرة، وفي الجزم أن يكون بالسكون. وما خرج عن ذلك فهو داخل في أبواب الإعراب الفرعي.
وسبق الكلام عن أن أبواب الإعراب الفرعي سبعة: خمسة في الأسماء، وبابان في الأفعال. وهذه الأبواب السبعة هي: الأسماء السته وترفع بالواو وتنصب بالالف وتجر بالياء. والمثنى ويرفع بالالف وينصب ويجر بالياء. وجمع المذكر السالم ويرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، وكذلك ما ألحق به. والمجموع بألف وتاء أو بألف وتاء مزيدتين أو ما يسمى بجمع المؤنث السالم، هذا يرفع بالضمة على الأصل، ويجر بالكسرة على الأصل، وإنما ينصب بالكسرة، فهَا هنا خرج من الإعراب الأصلي إلى الإعراب الفرعي. وما لا ينصرف أو الممنوع من الصرف، وهذا يرفع بالضمة على الأصل، وينصب بالفتحة على الأصل، وإنما يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة، وهذا الذي أدخله في أبواب الإعراب الفرعي. وسبق إجمال العلامات أو الموانع للصرف وسيأتي تفصيله بإذن الله تبارك وتعالى.
والبابان اللذان في الأفعال هما: الأمثلة الخسة أو ما يسمى بالأفعال الخمسة، وهي كل فعل مضارع اتصلت به واو الجماعة أو ألف الاثنين أو ياء المخاطبة، هذه الأمثلة ترفع بثبوت النون وتنصب وتجزم بحذفها. والفعل المضارع المعتل الآخر، وهذا يرفع بالضمة على الأصل وتكون مقدرة، وينصب بالفتحة على الأصل تكون ظاهرة أحيانًا ومقدرة أحيانًا، وإنما دخل أبواب الإعراب الفرعي من باب الجزم؛ فانه يجزم بحذف حرف العلة. ثم تكلم المصنف بعد ذلك عن أبواب الإعراب التقديري، وهي خمسة أبواب: المقصور وهذا تقدر عليه الحركات كلها للتعذر. والمضاف إلى ياء المتكلم وهذا أيضًا تقدر عليه الحركات كلها ولكن للمناسبة. والمنقوص تقدر عليه الضمة والكسرة للثقل، وتظهر عليه الفتحة لخفتها. وبابان في الأفعال: الفعل المضارع المعتل الآخر بالألف وهذا تقدر عليه الضمة والفتحة للتعذر. والفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء وهذا تقدر عليه الضمة وحدها للثقل.
ثم بدأ المصنف بعد ذلك فصلًا جديدًا في إعراب الفعل المضارع بتفصيل، فتكلم عن رفع المضارع، كان ذلك في الدرس الماضي تكلم عن رفع المضارع ثم تكلم عن نصبه. فسبق أن المضارع إذا لم يسبقْه ناصب ولا جازم فانه يرفع، وهذا عند الجميع ولكن اختلفوا في سبب ذلك، واختار المصنف مذهب الفراء ومن تبعه من أن نفس تجرده من الناصب والجازم هو سبب رفعه. وإذا سبقه ناصب نصب، وسبق للمصنف أن ذكر النواصب أربعة وهي: أن، ولن، وإذا، وكي. وسبق الكلام عن لن، وعن كي، وعن إذا من شروطها. وسبق الكلام بعض الكلام عن أن.
وكان آخر ما تكلمت فيه عند قول المصنف: واشترطت ألا تسبق المصدرية بعلم مطلقًا ولا بظن في أحد الوجهين احترازًا عن المخففة من الثقيلة. هذا أول الشروع في درس الليلة إن شاء الله تبارك وتعالى، وأرجو أن يكون في هذا التذكير السريع في أول خمس دقائق فائدة للجميع بإذن الله تبارك وتعالى، وإلا فلو لم يكن فيه فائدة فيمكن أن تذكر مثلا للإدارة أو ما أشبه أن هذا ليس فيه فائدة فأدخل مباشرة في الدرس الجديد.
قال: واشترطت ألا تسبق المصدرية بعلم مطلقًا؛ يعني بما يدل على العلم كعلم ورأى، ويئس التي تأتي بمعنى علم أحيانًا كما سيأتي، وهدى يهدي تأتي بمعنى يتبين كما في بعض الآيات في كتاب الله تعالى. فإذا سبقت المصدرية بعلم، أو إذا سبقت أنْ بعلم، فتكون أنْ تكون أيضًا مصدرية لكن تكون أنْ مخففة من الثقيلة. وسبق الكلام أن أنْ المخففة وأنْ سبق الكلام أن كليهما من الأحرف المصدرية، لكن أنْ المصدرية الناصبة للمضارع بخلاف أنْ المخففة من الثقيلة فالثانية لا تنصب المضارع. فهو يقول: إذا جاءت أنْ فانظر إلى ما قبلها، إن كان ما قبلها يدل على العلم فلا تنصب المضارع بعدها، أو هذا إذا تكلمت، وإذا رايت في الشواهد العربية فإنك ترى المضارع بعدها مرفوعًا، لكن لابد أن تراه مفصولًا عنها إلا في ضرورة الشعر. انك إذا وجدت أنْ ووجدت قبلها ما يدل على العلم كعلم يعلم، رأى يرى، أو لم يهدي كما سياتي ان شاء الله تعالى، إذا رايت هذا قبل أنْ فاعلم أنها مخففة من الثقيلة وستجد بعدها مضارعا مرفوعا، لكن ستجد بينهما فاصلا.
قال: ولا بظن في أحد الوجهين؛ إذا رايت ووجدت قبلها ما يدل على الظن كظن وحسب وزعم وخال إلى أخره، هذه الأفعال التي تدرس في باب افعال القلوب أو ما ينصب مفعولين أو في باب الظن وأخواتها، كل هذا باب واحد، إذا وجدت قبلها ما يدل على الظن فحينئذ يجوز لك كمتكلم إذا اردت أن تنشئ كلامًا عربيًّا أن تنصب المضارع بعد أنْ الواقعة بعد الظن، وأن ترفعه، يجوز لك هذا ويجوز لك هذا، وإذا وجدته في العربية فستجده أحيانًا مرفوعًا وأحيانًا منصوبًا، والأكثر أن يكون منصوبًا كما يأتي بإذن الله تعالى. قال: احترازًا عن المخففة من الثقيلة.
ثم سيبين هذا الاحتراز، قال: والحاصل أن لأنْ المصدرية باعتبار ما قبلها ثلاث حالات؛ إحداها: أن يتقدم عليها ما يدل على العلم، فهذه مخففة من الثقيلة لا غير، يعني لا غير ذلك. بعضهم يعني يشغب على هذا التعبير التعبير لا غير ولكن ليس هذا موضعه. يعني أنها إذا سبقت بعلم بما يدل على العلم فهي مخففة من الثقيلة، ليس المضارع بعدها منصوبًا، وإنما يكون مرفوعًا كما سيأتي.
قال: ويجب فيما بعدها أمران؛ أحدهما: رفعه، يعني يجب رفع المضارع الذي يأتي. والثاني: فصله منها بحرف من حروف أربعة؛ وهي: حرف التنفيس، وحرف النفي، وقد، ولو. لو بنفسها، قد بنفسها، حرف النفي يدخل فيه لا ولن ولم وبكل وردت شواهد، وحرف التنفيس السين وسوف. يعني هي أربعة أحرف في المعنى، وإلا فهي عدة أحرف، يعني إذا عددتها فقد تجدها سبعة أحرف لكن هو يقصد الأربعة معنى؛ أن السين وسوف من باب واحد، وأن حرف النفي سواء كان لا أو لم أو لن هو من باب واحد. وطبعًا إذا كان لم فستجد المضارع بعد ذلك مجزومًا بلم وسيبطل عمله أن (يعني ليس لها عمل أصلاً)، وإذا كان لن فإن المضارع يكون منصوبًا بعدها بلن، فالذي يظهر فيه ذلك هو لا. وقد ولو لابد أن يكون مفصولًا بشيء من هذا.
قال: فالأول نحو: ﴿عَلَمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ﴾ [المزمل: 20]؛ قول الله تبارك وتعالى. هنا عندنا أنْ وبعدها الفعل يكون، هذا فعل مضارع مرفوع، لماذا؟ لأن أنْ هذه مخففة من الثقيلة لأنها سبقت بالعلم، سبقت بما يدل على العلم وهو قوله علم، والمعنى علم أنه سيكون منكم مرضى، يعني أنْ واسمها هنا يقولون عنه هو ضمير الحال والشان والقصه والقضية، هكذا يسمى ضمير الشان أو ضمير الحال أو ضمير القصة أو ضمير القضية، هذا كله من مسمياته. علم أن سيكون يعني علم أنه سيكون كذا وكذا علم أن سيكون منكم مرضى، الفعل المضارع هنا رفع وقد سبقته السين، فصل بينه وبين أنْ السين فهو فعل مضارع مرفوع.
وقال الثاني نحو: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: 89]، ألا يرجعوا اليهم قولا. أفلا يرون هنا بمعنى أفلا يعلمون، فهي رؤية بمعنى العلم، حتى وإن كانت بصرية (أفلا يرى هؤلاء الذين عبدوا العجل أن هذا العجل لا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا وإن كانت بصرية لأن هذه الرؤية البصرية تفيد العلم أيضا، ولكن الاقرب أنها رؤية علمية)؛ فعلى كل هي تدل على العلم واليقين. أفلا يرون ألا يرجع ألا أصلها أنْ لا، طب سبق أن بينت مرارًا أن لا نافية لا تعمل في الفعل، طب سبق سبق هذا الفعل أن لماذا لم تعمل مع أنه سبقه أنْ؟ ماذا قال؟ لم يقل ألا يرجعوا، وقرأ الجميع هكذا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾، كذا في المتواتر، لا أعلم في المتواتر النصب، فلماذا هذا؟ لأنها سبقت بما يدل على العلم فهي مخففة من الثقيلة ليست ناصبة للمضارع، وحيل بينها وبين المضارع بحرف النفي وهو لا: أفلا يرون ألا يرجع (يعني أنه لا يرجع إليهم قولا).
نعم، قال: والثالث نحو: علمت أن قد يقوم زيد. علمت أنْ قد يقوم زيد. ولا أعلم لهذا شاهدًا في كتاب الله تعالى بمعنى أنْ وبعدها قد وبعدها مضارع، نعم جاء مثل هذا، لكن لم يأتي بعد ذلك مضارع كما جاء فعل آخر، كما قال الله تبارك وتعالى للحواريين: ﴿قَالُوا نُرِيدُ أَن نَّأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: 113]، نعلم أن قد صدقتنا، فإن لما سبقت بعلم فصل بينها وبين ما بعدها بقد لكن جاء الفعل بعد ذلك ماضيا. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ﴾ [الجن: 28]، فأيضًا لما سبقت بعلم فصل بينها وبين الفعل الذي بعدها بقد لكن جاء الفعل ماضيًّا. مثل هذا مضارعا في الكلام فسيكون مرفوعًا كما قال هو: علمت أن قد يقوم زيد.
قال والرابع نحو: أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًا. وذلك لأن قبله: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الرعد: 31] ومعناه فيما قاله المفسرون أفلم يعلم وهي لغة النخع وهوازن. هذه الآية في سورة الرعد يقول الله تبارك وتعالى فيها: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31]. ما معنى ييأس؟ ييأس هنا بمعنى يعلم ويتبين، وهذا من قليل الكلام (أن تكون يئس بمعنى علم)، لكن هو معنى صحيح وهو الذي عليه قول أهل العلم هنا. أفلم ييأس (يعني أفلم يعلم ويتبين)؛ أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس. فجاءت أنْ وجاء قبلها ما يدل على العلم واليقين وهو ييأس الذي بمعنى يعلم ويتبين، ففصل بينها وبين المضارع الذي بعدها بلون وجاء هذا المضارع مرفوعًا، وجاء هذا المضارع أيضًا مرفوعًا. ومثله قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ أَهْلِهَا أَن لَّوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: 100]، أولم يهدي (يعني أولم يتبين لهم)؛ أولم يهدي الذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصابناهم بذنبهم. فيهدي بمعنى يتبين وتدل على العلم واليقين، فجاء المضارع بعدها مرفوعًا وفصل بينه وبين أنْ لو.
ثم تكلم المصنف عن يبين به المعنى فقال: ومعناه فيما قاله المفسرون أفلم يعلم. أفلم ييأس بمعنى أفلم يعلم، وهي لغة بعض العرب قال هي لغة النخع وهوازن. قال سحيم (سحيم بن وثيل الرياحي اليربوعي أو غيره فقيل البيت لغيره): أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني الم تيأسوا أني ابن فارس زهدمي. أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني (وروي إذ ييسرونني وبينهما خلاف في المعنى، لكن أحدهما مرتب على الآخر). الشاهد فيه أنه قال: أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني الم تيأسوا أني ابن فارس زهدمي، يعني الم تعلموا أني هذا الرجل.
قال الم تيأسوا ومعناه الم تعلموا، فهو يؤيد أن قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَن لَّوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [الرعد: 31] بمعنى أفلم يعلم. قال ويؤيده قراءة ابن عباس: أفلم يتبين، فقرات وهذه قراءة شاذة لا يقرا بها، ولكنها تشهد للمعنى وتبينه وتوضحه، كما قلت قبل ذلك مرارًا أن القراءات الشاذة تبين المعنى اللغوي وتبين الـمثلا مسألة صرفية أو تعالج مسألة نحوية أو ما أشبه ذلك، لكنه لا يُقْرَأ ولا يُتَعَبَّد لله تعالى بها.
قال: وعن الفراء إنكار كون ييأس بمعنى يعلم، وهو ضعيف. يعني أنكر بعض العلماء كالامام الفراء عليه رحمه الله أن ييأس بمعنى يعلم، قال وهو ضعيف (أي قوله هذا ضعيف)، نعم هو ييأس بمعنى يعلم قليل في الكلام لكنه موجود، قليل في الكلام لكنه موجود.
قال الثانية، ما هذه الثانية؟ هذا ترجع به إلى قوله: والحاصل أن لأنْ باعتبار ما قبلها ثلاث حالات، إحداها كذا وكذا، إحداها مبتدا وبعده كذلك الثانية كذا وكذا، الثانية أن يتقدم عليها ظن.
أن يتقدم عليها ظن، وليس ظن، لا، ظن؛ أي ما يدل على الظن، سواء بقوله ظن، أو حسب، أو خال، أو زعم، أو ما أشبه ذلك مما يدل على الظن، فيجوز أن تكون مخففة من الثقيلة فيكون حكمها كما ذكرنا، يعني أنه إذا وجدت أن، ووجدت قبلها فعلاً يدل على الظن ليس على العلم، فحينئذ يجوز أن تكون مخففة من الثقيلة أيضاً، وأن يكون المضارع بعدها مرفوعاً أيضاً، وأن يفصل بينه بفصل مما سبق، ويجوز أن تكون منصوبة، وهذا هو الارجح والأكثر.
قال: ويجوز أن تكون ناصبة، وهو الأرجح في القياس والأكثر في كلامهم؛ يعني يجوز أن تكون أن هذه ناصبة للمضارع مصدرية، وأن يكون الفعل بعدها منصوباً. قال: ولهذا أجمعوا على النصب في قوله تعالى: ﴿أَحَسَبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت: 2]؛ سبقت بحسب، وحسب بمعنى ظن؛ يعني أظن الناس أن يتركوا دون فتنة لقولهم آمنا؟ لا، ليس هذا صحيحاً، إنما: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 3]، وبعدها بآيات: ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ﴾ [العنكبوت: 11]، فتاتي الفتنة فيتبين هذا.
ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، فالمؤمن لا يتمنى البلاء ولكن يسأل الله تبارك وتعالى السلامة، وأن يثبت له إيمانه، وأن يتوفاه الله عز وجل على خاتمة حسنة. قال: ﴿أَحَسَبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا﴾، فهنا أن جاءت بعد حسب، وقرأ الجميع يتركوا، لم يقرا أحد في الأئمة العشرة يتركون، لم يقرأ يتركون. هنا لم يفصل بينها فصل، فالأكثر في الكلام والأرجح في القياس والاستعمال أن تكون ناصبة، وأن ينصب المضارع بعدها، وأمثالها كثيرة، قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]، ﴿أَمْ حَسَبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾ [الجاثية: 21]، قال: ﴿أَن نَّجْعَلَهُمْ﴾، ﴿أَمْ حَسَبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: 4]، يقول: أن يسبقوننا، وهكذا. فمثل هذا جاء هكذا بالنصب فهو الأكثر والأرجح.
قال: واختلفوا في قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71]، طبعا قرأ الجميع برفع الفتنة، إنما الكلام على تكون؛ فقرئ: وحسب ألا تكون فتنة، وقرئ: وحسب ألا تكونوا فتنة. ألا أصله أن لا، فإن هنا سبقت بما يدل على الظن حسب، فحينئذ يجوز أن تكون ناصبة ويجوز أن تكون مخففة من الثقيلة، فعندما تكون ناصبة سيقرأ القارئ: وحسب ألا تكون فتنة، وعندما تكون مخففة من الثقيلة سيقرأ: أحسب ألا تكونوا فتنة؛ يعني أنها لا تكون فتنة. وقد قرأ جماعة من القراء هكذا وجماعة هكذا، حتى هذه الآية يعني ليس فيها جمهور، خمسة من الأئمة قرأوا بالرفع وخمسه قرأوا بالنصب، فهذا سائغ وهنا سوغ هذا الفصل: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ﴾، بخلاف الآيات التي ذكرت قبل ذلك: أحسب الناس أن يتركوا، يحسب الإنسان أن يترك سدى، ليس هناك فصل في الفعل، فكان هذا مؤدياً لأن تكون أن ناصبة وهو الأرجح.
قال: الثالثة: ألا يسبقها علم ولا ظن، يعني إذا وجدت أن، وجدت قبلها، لم تجد قبلها شيئاً من العلم أو الظن، لا هذا ولا هذا، وجدت شيئاً آخر: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ [الشعراء: 82]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82] وما أشبه ذلك، فحينئذ قال: فيتعين كونها، فيتعين كونها ناصبة. ألا يسبقها علم ولا ظن فيتعين، أي فحينئذ يتعين كونها ناصبة، كقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: 82]، ومثله أيضاً: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5]، ﴿وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾ [النمل: 19]، ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: 29]، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: 82]، فهذه أمثلة كثيرة تكون فيها أن ناصبة للمضارع، ولا وجه فيها أن تكون مخففة من الثقيلة؛ لأنها لم تسبق بعلم ولم تسبق بظن. فإذا سبقت بعلم فهي مخففة من الثقيلة إلى غير، وإذا لم تسبق بشيء فهي ناصبة المضارع إلى غير، وإذا سبقت بظن فالوجهان قائمان، والأرجح النصب وأن تكون مصدرية ناصبة للمضارع.
ثم قال بعد ذلك: وأما إعمالها مضمرة فعلى ضربين. كل هذا الكلام كل هذا الكلام الذي سبق إنما هو في إعمال أن ظاهرة، فكان شيء من ذلك في الدرس الماضي وبقيته في هذا الدرس، كل ذلك كان في إعمال أن وهي ظاهرة أن، ويأتي بعدها مضارع، أحياناً تعمل مضمره. هنا سياتي الخلاف بين العلماء في هذا، وسياتي شيء من الخلاف في هذا. قال: وأما إعمالها مضمرة فعلى ضربين؛ لأن إضمارها إما جائز وإما واجب. يعني ستكون مضمرة مختفية ليست موجودة، مقدرة، ومع ذلك تعمل، وهذا الإضمار أما أن يكون إضماراً جائزاً وأما أن يكون إضماراً واجباً. قال: فالجائز في مسائل، ستجعل في هذه المسائل هذا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً.
قال: إحداها أن تقع بعد عاطف مسبوق باسم خالص من التقدير بالفعل؛ يعني أن تقع أن بعد حرف من حروف العطف، بعضهم قال: ليست كل حروف العطف من العطف تأتيها هنا، وإنما المراد بعضها، وهو الواو، وثم، والفاء، وبعضهم نص على هذه الأربعة، تقع بعد عاطف؛ يعني بعد حرف من حروف العطف، قيل: هي هذه الأربعة فقط، بعد عاطف مسبوق باسم خالص من التقدير بالفعل؛ يعني يسبق بمصدر أو اسم مصدر؛ يعني لا يسبق بشيء يمكن أن يؤول بالفعل، لا يؤول مثلاً بأن والفعل، لكن لا يؤول بالفعل وحده، لا يؤول بالفعل وحده. قال كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وِرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51]، في قراءة من قرأ من السبعة بنصب يرسل، وذلك بإضمار أن والتقدير: أو أن يرسل، وأن والفعل معطوفان على وحياً؛ أي وحياً أو إرسالاً، ووحياً ليس في تقدير الفعل. ولو أظهرت أن في الكلام لجاز، طبعا في غير القرآن، وكانه يقول: يمكن أن يكون الكلام ولو أظهرت أن في الكلام لجاز، لو أظهرت في الكلام لجاز، لو جاءت هكذا لكان جائزاً، لكن جاءت القراءة هكذا، لكن عندي في النسخة: ولو أظهرت، وإذا قيل: ولو أظهرت، فلا بد أن يقال في مثل هذا؛ أي في غير كتاب الله تعالى.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وِرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51]، هنا اختلف الأئمة القراء في هذا، فقرا نافع وحده بالرفع: إلا وحياً أو من وراء حجاب أو يرسل رسولاً، فهذا فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمه الظاهرة، ولم يسبقه ناصب ولا جازم. وقرأ الجماهير، قرأ الأئمة التسعة بالنصب كما هي قراءتنا المعروفة: أو يرسل رسولاً، فلماذا هكذا؟ قالوا: هنا أن، وهي مضمرة جوازاً بعد أو، طيب لماذا اضمرتها هنا؟ قالوا: لأنها سبقت باسم خالص من التقدير بالفعل وهو قوله: ﴿إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: 51]، ووحياً ليس في تأويل يوحي، إنما هو في تأويل إلا أن يوحي، فهو مصدر، فهذا المصدر ليس في تأويل الفعل، إنما هو في تأويل أن والفعل. ففي مثل هذا قالوا: يجوز النصب، هذا مما يدل على الجواز ليس على الوجوه، وإلا فقد قرأ الإمام نافع كما سمعتم بالرفع. ففي مثل هذا عندما تجد النصب تقول الفعل هنا منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد أو التي سبقت بمصدر وهو وحياً.
قال: وكذا قول الشاعر، والشاعر المراد بهم امرأة معينه معروفة شاعرة، قالت: ولبس عباءة وتقر عيني أحب إلي من لبس الشفوف ولبس عباءة وتقرى عيني؛ يعني كأنها تقول: لبس عباءة وقرار عين، فاللبس مصدر القرار مصدر، كأنها تقول: وأن ألبس عباءة أن تقر عيني، هذا أحب إلي من لبس الشفوف. وقد سبق أن أن تؤل مع ما بعدها بمصدر: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]؛ وصيامكم خير لكم. قال تقديره: ولبس عباءة وأن تقر عيني، ولبس عباءة وأنت قر عيني؛ كأن تقول: أن ألبس عباءة وأن تقر عيني هذا أحب إلي من لبس الشفوف، أي من اللبس الرقيق الناعم الذي عودني عليه الملك الذي أنا متزوجة إياه. ويقال إنها كانت امرأة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أبيه، لكنها كانت تحن إلى البادية وإلى العيشة الصعبة التي كانت تعيشها، وهكذا بعض الناس يحنون إلى الماضي وإن كان خشناً على حياة الترف التي حلت.
ومثل هذا قول الشاعر: إني وقتلي سليكا ثم أعقله كالثور يضرب لما عافت البقر إني وقتلي سليكا ثم أعقله؛ وقتلي إياه ثم عقلي إياه؛ يعني ثم إعطائي الدية بعد أن أقتله، العقل معطوف على القتل، كأن يقال: أن أقتله وأن أعقله. وهناك بيت آخر وإن كان مختلفاً في عربيته: لولا توقع معتر فأرضيه ما كنت أوثر أترابا على تربي لولا توقع معتر فأرضيه، لولا أنني أتوقع رجلاً يأتي محتاجاً يطلب مني، فبسبب ذلك أرضيه، فأرضيه، ما كنت أوثر أتراباً على ترب، ما كنت أوثر غيناً على فقر، هكذا. فالشاهد فيه أنه جاء هنا في فأرضيه؛ يعني لولا توقعه فإرضائي له، فكل هذا فيه أن مضمرة، فيه أن مضمرة جوازاً بعد حرف العطف، بعد الفاء، وبعد ثم، وبعد أو، وبعد الواو. كل هذا يقال فيه: الفعل المضارع منصوب بأن المضمرة جوازاً بعد عاطف مسبوق باسم خالص من التقدير بالفعل.
مثلوا يعني للاسم الذي ليس خالصاً من التقدير بالفعل بقولهم: الطائر فيغضب زيد الذباب هكذا يقولون، أو مثلاً: الفائز فافرح بفوزه أبي أو اخي مثلاً؛ كان في مسابقة دينية مثلاً ففاز، فقل فأقول: الفائز فافرح بفوزه اخي الفائز، هنا معناه الذي يفوز، فقولهم فائز في تأويل يفوز، فهذا الاسم ليس خالصاً من التقدير بالفعل، بل هو مقدر بالفعل، فتقول: الفائز فافرح بفوزه ولا فافرحوا، لا؛ قالوا هنا تقول: فافرح بالرفع، لماذا مع أنه موجود بعد عاطف وهو وهذا العاطف مسبوق باسم لكنه ليس خالصاً من التقدير بالفعل. طبعا ولا أعلم آية فيها النصب بمثل هذا إلا هذه الآية من سورة الشورى التي سبقت: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وِرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: 51]، قد يكون هناك آيات أخرى في هذا الصدد، لكن هذه الآيات التي تحضرني في مثل هذا، نعم، قيل ذلك في آية أخرى في سورة الشورى لكن لا يظهر أن القول بهذا فيها صحيح.
قال: الثانية؛ يعني بذلك الحالة الثانية من أي شيء؟ قال: فالجائز في مسائل: إحداها أن تقع بعد عاطف إلى آخره، الثانية أن تقع بعد لام الجر. فهنا سيكون المضارع الذي يأتي بعد أن، عفواً، سيكون المضارع الذي يأتي منصوباً سيكون منصوباً بأن مضمرة جوازاً، سيكون منصوباً بأن مضمرة جوازاً، وهنا لاحظ أنك تقول: سيكون منصوباً أن مضمره، بان مضمره، مضمره هنا حال لأن أن معرفة، أن أي سيكون منصوباً بهذه الكلمه أو بهذا الحرف، فتقول: بان مضمره، لا تقول: بان مضمره، فإذا جئت بها معرفة جعلتها نعتاً، فتقول: هذا منصوب بأن المضمرة، لماذا؟ لأن أن في تأويل المعرفة، فالمراد بها معرفة، فهي علم على هذا الحرف، فإما أن تنعت بمعرفه مثلها وإما أن ينتصب الذي بعدها على الحال إذا كان نكرة، فلاحظ الفرق بينهما وأنت تتحدث.
نعم، قال: الثانية أن تقع بعد لام الجر، سواء كانت للتعليل، طبعا هذه اللام التي للجر هي لام حرف جر، وهذه اللام تكون لعدة أنحاء في مثل هذا: أما أن تكون للتعليل، واما أن تكون للعاقبة، واما أن تكون زائدة، واما أن تكون للجحود، وكل هذا سيتكلم عليه. قال: سواء كانت للتعليل كقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 44]، وأنزلنا إليك الذكر، إذا قيل: لماذا؟ قيل في الكلام: لتبيّن للناس، هذه لام التعليل، فهي للتعليل وللسسببية؛ يعني ما قبلها سبب لما بعدها، ما سبب انزال الكتاب؟ أن يبين للناس. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: 1-2]، واللام هنا لام التعليل، وإن كان بعضهم نازع في ذلك، ولكن المتأمل يظهر له بجلاء أن هذه اللام هي لام التعليل: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 1-2]. يبقى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 44]، تبين هنا ساعرض لكم على الوجهين: الوجه الأول الذي ليس فيه تقدير يقولون: تبين فعل مضارع منصوب بلام التعليل، الوجه الثاني هو الذي يريده المصنف يقول: هذا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد لام التعليل، هذا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد... سيبين هو شيئاً من العلة في ذلك عند الكلام على حد...
طب لماذا إذن يقول هؤلاء هذا ويشغلوننا بأن المضمره؟ هم يقولون؛ يعني خلاصة كلامهم يقولون: هذه اللام التي هي لام الجر تعمل الجر في الاسماء: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97]، ليس لله اسم، الله هنا مجرور باللام، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهُ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: 41]، لله، للرسول، لذي القربى، كل هذا مجرور لأجل لأجل اللام، فاللام حرف جر تجر الاسم. فإذا قالوا: هم يقولون، فاذا جعلناها هنا ناصبة للفعل المضارع وقلنا: هذا فعل مضارع منصوب باللام، قالوا: فسيكون عندنا حرف واحد يعمل في الاسماء الجر، ويعمل في الافعال النصب، قالوا: لا نجد مثل هذا في العربية. هذه خلاصة كلامهم، الآخرون لا يأبهون بهذا، يقولون: لا، عده أحرف تعمل هذا، تعمل هذا وتعمل هذا ولا أشكال. فهذا الأول المشهور من مذهب الكوفيين أعني أن هذا الفعل منصوب باللام التعليل، والثاني والمشهور من مذهب البصريين يقولون: هذا الفعل منصوب بأن مضمرة جوازاً بعد لام التعليل.
ومثل هذا كثير، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. وكذلك: ﴿وَأُعْمِرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾.
وهكذا في كل هذا اللام للتعليل قال: أو للعاقبة، يعني سواء كانت اللام للتعليل أو كانت للعاقبة وهي التي تسمى بلام الصيرورة، وهي لام المال التي تكون في العاقبة والمال والصيرورة في نهاية الأمر ليس المراد بها التعليل أوّلًا. قال كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]. قال: واللام هنا ليست للتعليل؛ لأنهم لم يلتقطوه لذلك، وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، فكانت عاقبته أن صار لهم عدوًّا وحزنًا. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوًّا وحزنًا، هم هل هم التقظوه لذلك؟ لا، هم أولًا التقظوا شيئًا صندوقًا مرميًا في البحر: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [طه: 39]. رأوا هذا التابوت في نهر النيل فأخذوه ليروا ما فيه، فلما رأوه غلمًا صالحًا وحصل ما حصل من المشاورة والمدورة بين فرعون وامرأته إلى آخره. التقطوه، أخذوه: ﴿عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: 9]. قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ [القصص: 9]. فاستقر أمرهم على ذلك أنهم أخذوه عسى أن ينفعهم أو يتخذوه ولدًا، فهم التقطوه لأجل ذلك، فماذا كانت العاقبة؟ ماذا كان في المآل؟ ماذا صار الأمر؟ إلى أي شيء صار الأمر؟ قال: ليكون لهم عدوًّا وحزنًا. فبعض العلماء يقول: هذه لام للتعليل أيضًا، وببعضهم ينازع في هذا ويقول: لا، هذه لام العاقبة ونحوها على وجه أيضًا. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ﴾ [يونس: 88]. أآتيتموها هذه الأموال ليضلوا عن سبيلك؟ هذه علة أم هذه هي العاقبة؟ هذان أيضًا وجهان قيمان.
أيان كان، سواء قلت اللام للتعليل أو اللام للعاقبة، فالفعل المضارع منصوب على الوجهين السابقين؛ ستقول على مذهب الكوفيين أو على المشهور من مذهب الكوفيين: (ليكون)، (يكونُ) فعل مضارع منصوب بلام التعليل، بلام العاقبة، منصوب بلام العاقبة أو السيرورة أو لام المال، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وتقول على المشهور من مذهب الكوفيين البصريين -على مشهور من مذهب البصريين- (ليكونَ): ستقول: (يكونَ) فعلض مضارع منصوب بـ(أن) مضمرة جوازًا بعد لام العاقبة. ومثله أيضًا (ليضلوا)، (ربنا ليضلوا عن سبيلك)، (يضلوا) فعل مضارع منصوب باللام، سواء كانت للتعليل أو للعاقبة، وعلامة نصبه حذف النون. وعلى الوجه الثاني: فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرة جوازًا بعد اللام، سواء قلت للتعليل أو للعاقبة، وعلامة نصبه حذف النون.
قال: أو زائدة، يعني أو زائدة يعني سواء كانت للتعليل أو كانت للعاقبة أو كانت زائدة. كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [الأحزاب: 33]، (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ) يعني يريد أن يذهب عنكم، فاللام هنا ليست للعاقبة ولا للتعليل ولا لشيء من ذلك، فسموها اللام الزائدة. والمسألة في زيادة بعض الأحرف أو زيادة بعض الكلمات في العربية أصلاً ومفرّع عليه القرآن؛ القرآن بلسان عربي مبين، كلام طويل، وليس البحث فيه الآن، ويحتاج إلى أخذ ورد ونقاش طويل. فالشاهد على هذا: تقول في مثل هذا (ليذهبَ) على مذهب الكوفيين أو المشهورين من مذهبهم: (يذهبَ) فعل مضارع منصوب باللام، منصوب باللام الزائدة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وعلى المشهور مذهب البصريين: تقول فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرة جوازًا بعد اللام الزائدة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. ومثله أيضًا قول الله تبارك وتعالى في قول المؤمنين: ﴿وَأَمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]، (أمرنا لنُسلم لرب العالمين) أي (أمرنا أن نسلمَ). ومثله قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [التوبة: 32]، يعني يريدون أن يطفئوا، كما في آية التوبة. كل هذا من هذا الباب: (يطفئوا) فعل مضارع منصوب باللام الزائدة أو منصوب بـ(أن) مضمرة جوازًا بعد اللام الزائدة على الوجهين السابقين، وعلامة نصبه بالجميع حذف النون. قال: فالفعل في هذه المواضع منصوب بـ(أن) مضمرة، ولو أظهرت في الكلام لجاز.
قال بعد ذلك: وكذا بعد (كي) الجارة. وهذا موضع أنا فيه في ريب منذ زمن، يعني هو هنا قال: وكذا بعد (كي) الجارة، كأنه يقول: إذا كانت هناك (كي) إذا كانت (كي) جارة وليست اللام قبلها لا لفظًا ولا تقديرا، فإن المضارع ينصب بـ(أن) مضمرة جوازًا بعد (كي). وهو نفسه قد خالف ذلك قبل ذلك لما كان الكلام على (كي) الدرس الماضي، أرجع بكم إلى خمس صفحات إلى الوراء؛ عندما قال في الأصل: (وبكي المصدرية نحو: لكي لا تأسوا)، إذا رجعتم إلى هذا الموضع وجدتموه في آخر الموضع قبل أن يقول: (وبإذن)، يقول: (وكانت أن مضمره بعدها إضمارًا لازمًا)، يعني واجبا، فهناك قال إضمارًا لازمًا واجبًا وهذا هو الأظهر على مختاره. وهنا يقول: وكذا بعد (كي) الجارة، فكأن تكون مضمرة إضمارًا جائزًا، فكانه اختلف رأيه، فالله أعلم بما يختاره في ذلك، الأظهر هو الأول على ما اختاره هو.
ثم قال: ولو كان الفعل الذي دخلت عليه اللام مقرونًا بـ(لا) وجب إظهار (أن) بعد اللام. هذه مسألة داخل مسألة، يعني مسألة داخل مسألة، عندك اللام وعندك (أن). في بعض الأحيان يجب إظهار (أن) حتى في موضع جواز الإضمار، يعني الموضع هو موضع جواز للاظهار والإضمار، لكن يجب الإظهار لعله أخرى، سيجب الإظهار لعله أخرى، وذلك إذا كان الفعل مقرونًا بـ(لا). قال: سواء كانت (لا) نافية، يعني سواء كانت نافية أو زائدة، سواء كانت (لا) نافية كالتي في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ﴾ [النساء: 165]، يعني قوله تبارك وتعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 165]. يعني بعث الله الرسل مبشرين ومنذرين لماذا؟ لئلا يكون للناس، فهذه لام التعليل. فسيقول قائل: الذي درسناه قبل ذلك أن (أن) تظهر وتضمر جوازًا، يعني تضمر جوازًا بعد لام التعليل، فمعنى أنها تضمر جوازًا أنها تظهر جوازًا، لماذا هنا يقولون تظهر وجوبا؟ هذه العلة الأخرى وهي وجود (لا)؛ لأنه لا يقال في الكلام لـ(لا يكونَ) هذا ليس عربيًا فصيحًا، لا يقال في ذلك لَلا. وكذلك حتى في مع اللام المفتوحة لَلا هذا أيضا لا يكون إلا في نوادر الشعر. فمثل هذا يؤتى فيه بـ(أن) في هذا الموضع، مع أنها جائزة الإظهار وجائزة الإضمار، يؤتى بها هنا أتيانًا واجبًا، ويكون إظهارها واجبًا لعله أخرى وهي وجود (لا). واعلم أصل (لئلا) إذا أردت أن تكتبها شيئًا فشيئًا فقول اللام: هذا حرف، و(أن) حرف آخر، و(لا) حرف آخر؛ اللام هي لام التعليل، و(أن) هي الناصبة للمضارع المصدرية، و(لا) حرف نفي، فقول (لئلا) هذه ثلاث كلمات أو ثلاثة أحرف، فوجب إظهار (أن) في هذا الموضع مع أنه موضع للجواز، لجواز الإظهار والإضمار، لعله أخرى وهي وجود (لا)، و(لا) هنا نافية.
قال: أو زائدة، سواء كانت (لا) نافية أو زائدة، كلاتي في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29]، يعني أي: ليعلم أهل الكتاب (لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله)، هل ذلك لأن (لكي لا يعلموا) أنهم لا يقدرون، أم ليعلموا أنهم لا يقدرون؟ (ليعلموا أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله وليعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم). فلا يععلم معناها: ليعلمَ، فهذه زائدة. ومن المواضع الشهيرة التي يؤكدون أن بها أن في القرآن أحرفًا زائدة بهذا المعنى، فهي زائدة في المعنى وليست زائدة في المبنى، يعني لا يمكن أن يتخلى عنها، بل هي لابد أن يكون لها معنى، ومن أهم معانيها توكيد الكلام وتقويته، الله أعلم. والذي ينازع في هذا -أنا قد أدخل في المسألة شيئًا- الذي ينازع في هذا سيجد نفسه مضطرًا للقول باشياء أخرى في عشرات الآيات لا يمكن أن تكون صحيحة، والذي ينازع في وجود بعض الأحرف الزائدة في العربية أو في كتاب الله تبارك وتعالى بهذا المعنى، لا يمكن أن تكون خُلفًا من الكلام أبدا مع هذا الله، لابد أن يكون لها معنى في الكلام، وأن وجودها أحسن وأتقن وأجل من حذفها.
ثم يقول بعد ذلك: ولو كانت اللام مسبوقة بكون ماض منفي وجب إضمار (أن). سيبدا في مسائل الإضمار، في مسائل الإضمار الواجب؛ فهو تكلم عن مسائل الإظهار، وعن مسائل الإضمار الجائز، وعن مسألة عرضت في الإظهار في الإظهار الواجب هي معناه ستكلم عن آخر مسألة في ذلك وهي مسألة الإضمار الواجب، طبعا على ما يختاره هو من مذهب البصريين. ستجول في هذا: فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرة وجوبا بعد (حتى) أو بعد (أو) أو بعد (فاء السببية) أو بعد (واو المعية) كما سياتي، أو بعد (لام الجحود)، هذه خمس مسائل، وفي وسط هذا ستعرض له مسألة أخرى ستاتي قريبا إن شاء الله تعالى.
قال: ولو كانت اللام مسبوقة بكون بكون، في نسخات -في النسخة التي معي- بكون، كون هكذا بكسرة واحدة لا بكون كسرتين، بكون ماض منفي. يعني إيه بكون ماض منفي؟ يعني بـ(كان) المنفية، وأن تكون بلفظ الماضي أو بمعنى الماضي أو باللفظ والمعنى جميعا، المهم أن تكون مسبوقة بكون في الفعل (كان) وما يتفرع عنه: (كان)، (يكون)، وأن يكون منفيا، وأن يكون بلفظ الماضي ومعناه أو بمعناه فقط. قال حينئذ: وجب إضمار (أن)، سواء كان المضي في اللفظ والمعنى، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33]. الشاهد في الأول: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾، (يعذبَ) هذا فعل مضارع منصوب بلام الجحود على مشهور مذهب الكوفيين، وعلامة نصب الفتحة الظاهرة. وعلى مشهور مذهب البصريين، وهو الذي اختاره يختاره المصنف وجاء به لأجل هذا: (يعذبَ) فعل مضارع منصوب بـ(أن) مضمرة وجوبًا بعد لام الجحود، وعلامة نصب الفتحة الظاهرة. ما الفرق؟ الفرق هنا قالوا في لام الجحود لا يمكن أن يؤتى بـ(أن)، لا يقال: (ما كان حتى في الكلام العالي: ما كنت لأن أفعَل كذا وكذا)، لا يقولون هذا، يأتي أحيانا في لا في اللامات الأخرى، أو في اللام الزائدة أو في لام العاقبة أو في لام التعليل، أما مع لام الجحود فلا يؤتى بـ(أن)، فيكون الإضمار واجبًا، والآخرون يقولون: لا، لام الجحود هي التي نصبت هذا المضارع. ومذهب الكوفيين في كثير من الأحيان يكون هذا هكذا مرتبطًا بالظاهر ولا يتاولون كثيرا، ومثلا ينشئون بعض القواعد على بعض الأشعار القليلة، لهم في ذلك مذاهب معروفة.
قال: أو في المعنى فقط، قال: لم، كقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137] وهنا آيتان فيه هذا؛ الأولى قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137]. والأخرى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء: 168]. أيا مكان هذه أو تلك: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. هنا (لم يكن)، (يكن) هذا فعل مضارع، فكيف أقول أن تكون مسبوقة بكون ماض؟ نعم، أقول: هذا مضارع في اللفظ لكنه في المعنى ماضي، فسبق سبق بـ(لم)، وسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى أيضا تفصيل لو جوازم المضارع، فـ(لم) من جوازم المضارع هو حرف نفي وجزم وقلب؛ حرف نفي ينفي ما بعده، حرف جزم يجزم المضارع الذي بعده، كما ترون: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4] فيجزم الذي بعده، وقلب يقلب زمن المضارع الذي بعده إلى ماضي أو إلى ماضٍ، فيقلب زمن المضارع إلى ماضٍ، هذا هو الذي يريد: ﴿لَمْ يَكُنْ﴾. فالفعل (يكن) وإن كان مضارعًا إلا أنه بمعنى الماضي، يعني الذين فعلوا كذا وكذا ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾. قال: وتسمى هذه اللام لام الجحود، وتسمى هذه اللام لام الجحود.
واذا تكلمت في مثل هذا، تكلم هكذا دائما: تسمى هذه اللام لام الجحود، فالأول يكون مرفوعًا على أنه نائب عن الفاعل والمفعول الأول، والثانية والثانية يكون منصوب منصوبًا على أنه مفعول به ثانٍ. وقال مثلا: يكن مثلا يكنى ابن تيمية أبا العباس مثلا، لا تق لا تقول مثلا: يكنى ابن تيمية أبا ابو العباس، لا، إنما يكون الأول هكذا مرفوعًا على أنه نائب عن الفاعل، ويكون الثاني منصوبًا على أنه مفعول به ثانٍ، يعني لا تقول: تسمى هذه اللام لام الجحود، لا، وأيضًا سياتيك مثلا: (كان) وأخواتها ترفع المبتدا ويسمى كثيرا ما تسمع: ويسمى اسمها، لا، ويسمى هو اسمها. ومثل هذا كثير.
نعم، قال: وتلخص أن لـ(أن) بعد اللام ثلاث حالات؛ وجوب الإضمار، وذلك بعد لام الجحود، ووجوب الإظهار، وذلك إذا اقترن الفعل بـ(لا)، وجواز الوجهين، وذلك فيما بقي. قال الله تعالى: ﴿وَأَمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 71]. وقال تعالى: ﴿أُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الزمر: 12]. طبعا على ما سبق بيانه من مثل هذا: (أمرنا لنُسلم)، (أمرت لأن أكونَ)، الأحسن أن قال في كتاب الله تعالى وفي التنزيل من قول المؤمنين أو من قول الرسول أو ما اشبه ذلك: (وأمرنا لنُسلم)، و(أمرت لأن أكونَ). اللام هي واحدة هنا وهناك وهي تسمى اللام الزائدة، فاحياناً لنسلم وأحياناً لأن أكون، فظهرت مرة وأضمرت مرة، هذا في الإضمار الجائز، هذا في الإضمار الجائز. وأحياناً يكون الإضمار واجبًا، كل هذا بعد اللام؛ الإضمار يكون واجبًا في حالة واحدة بعد لام الجحود، وأحياناً.
يكون الإظهار واجباً، وذلك إذا كان مع أن لا، كقوله: «لأن يكون لا يعلم»، فهذا هو فصل ما بين ذلك. فإذا كانت اللام لام الجحود، وجب الإضمار، وإذا كان هناك لا مع أن، وجب الإظهار، وفي غير ذلك يجوز الإظهار ويجوز الإضمار.
أذكر بعض الأمثلة الأخرى للام الجحود قبل أن انتقل إلى مسألة أخرى: قال الله تباركَ وتعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115]، وما كان الله ليضل.. ما كان وبعدها اللام، إذا وجدت ما كان، ما يكون، لم يكون، أو كل ذلك وجدت بعده اللام، فهذه اسمها لام الجحود. والجحود معناه النفي، يعني أنها اللام التي تدل على نفي؛ لأن ما قبلها منفي، هذا معنى الجحود.
فـ «ليضل» ساع لكم على الوجهين على مشهور مذهب الكوفيين: يضل فعل مضارع منصوب بلام الجحود، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. وعلى مشهور مذهب البصريين: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد لام الجحود، وعلامة الفتحة الظاهرة. ومثل: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ [آل عمران: 179]، ونحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ [آل عمران: 179].
وقال الله تباركَ وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا﴾ [يونس: 13]، وما كانوا ليؤمنوا.. ليؤمنوا، الفعل يؤمنوا فعل مضارع منصوب بلام الجحود أو منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد لام الجحود على المذهبين، وعلامة نصبه حذف النون.
ثم قال رحمه الله تعالى: ولما ذكرت أنها تضمر وجوباً بعد لام الجحود، استطردت في ذكر بقية المسائل التي يجب فيها إضمار أن وهي أربع. يعني هو ذكر النصب بأن وهي ظاهرة، وذكر النصب بأن وهي مضمرة جوازاً، وعرض له النصب بأن وهي ظاهرة وجوباً مع لا، ثم ذكر النصب بأن وهي مضمرة وجوباً. هناك إظهار جائز وإظهار واجب وإضمار جائز وإضمار واجب، هنا عن الإضمار الواجب قال: استطردت بذكر بقية المسائل حتى يغلق هذا الباب، فسيكون المضارع عندك منصوباً بأن الظاهرة أو بأن المضمرة جوازاً أو بأن المضمرة وجوباً.
قال: وهي أربعة، يعني وهي أربع مسائل؛ إحداها بعد حتى، يعني ستجد مضارعاً قبله حتى، إذا وجدته منصوباً فسيكون فيه هذا الخلاف المذكور، ستقول: هذا فعل مضارع منصوب بحتى أو منصوب بأن مضمرة وجوباً بعد حتى. المصنف سيختار هذا وسيبني عليه، لكن هناك بعض الكلام في المضارع الذي يأتي بعد حتى، وطبعاً حتى وحدها تحتاج إلى دراسة طويلة. قال: واعلم أن للفعل بعد حتى حالتين: الرفع والنصب، أو الرفع والنصب وهذا أدق، يعني حالتين؛ واعلم أن للفعل بعد حتى حالتين هما الرفع والنصب، ويجوز الرفع والنصب.
قال: فأما النصب فشرطه كون الفعل مستقبلاً بالنسبة إلى ما قبلها، هذا شرط النصب بحتى؛ أن يكون الفعل الذي بعدها مستقبلاً بالنسبة للفعل الذي قبلها، قال: سواء كان مستقبلاً بالنسبة إلى زمن التكلم أو لا. فالأول كقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91]. فان رجوع موسى عليه الصلاة والسلام مستقبل بالنسبة للأمرين جميعاً. ماذا يعني بهذا؟
نقول: قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فهم قالوا هذا الكلام، قالوه قبل رجوع موسى، فرجوع موسى مستقبل بالنسبة لقولهم، وأيضاً رجوع موسى مستقبل بالنسبة لعكوفهم: لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى، فهو مستقبل بالنسبة للأمرين جميعاً إلى زمن الكلام.
والثاني كقوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: 214]، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله.. الآية: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِيكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. قال: لأن قول الرسول وإن كان ماضياً بالنسبة إلى زمن الإخبار، إلا أنه مستقبل بالنسبة إلى زلزالهم.
يعني قد يقول قائل هنا: كيف تقول شرط النصب أن يكون الفعل مستقبلاً بالنسبة لما قبلها وهذا شيء قد مضى؟ مستهم الباساء والضراء، كل هذا يقوله الله تباركَ وتعالى لنبيه أو كما يقولون يحكيه، يعني وإن كانت هذه فيها شيء من المسائل العقديّة، بعض ما يعيب على هذه الكلمة يقول: لا تقال في حق الله تباركَ وتعالى، إن صح حكاية تمثيل، يعني الله لا يحكي أحداً شيء، يعني هم يقولون هذا من حكاية الحال، فالقائل قد يقول: هؤلاء مستهم الباساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول، كل هذا متقدم، فكيف ينصب المضارع؟ كيف تقول المضارع ينصب في حالة الاستقبال؟ وقالوا: نعم اقرأ الكلام: ﴿مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ﴾، يبقى مس الباساء والضراء والزلزال كل هذا متقدم على قول الرسول، فقول الرسول الذي كان -طبعاً الرسول هنا ليس لا يراد به النبي عليه الصلاة والسلام إنما هذا فيما مضى يقول الله تباركَ وتعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام رضوان عليهم فيما حدث لمن سبقوهم- حتى يقول رسول ذلك الزمان والذين آمنوا معه متى نصر.. فكل هذا وإن كان متقدماً وقد سبق ومضى، لكن الزلزال ومس الباساء والضراء إلى آخره كل هذا سابق على قول الرسول، فقول الرسول ومن معه من المؤمنين مستقبل بالنسبة إلى هذا.
قال: لأن قول رسول وإن كان ماضياً بالنسبة إلى زمن الإخبار، إلا أنه مستقبل بالنسبة إلى زلزالهم إلى قوله: وزلزلوا، حينئذ جاز النصب، وسياتي أن في الآية الرفع. فهو يريد أن يقول: الشرط الوحيد لنصب الفعل بعد حتى أن يكون الفعل الذي بعدها مستقبلاً بالنسبة لما قبلها بأي نوع من انواع الاستقبال، فهذا هو الشرط الوحيد، لكن إذا أردت أن ترفع الفعل بعد حتى فهذا له ثلاثة شروط سياتي الكلام عنها بعد.
ثم قال: ولحتى التي ينتصب الفعل بعدها معنيان، هذه مسائل معنوية، فتاره تكون بمعنى كي وذلك إذا كان ما قبلها علة لما بعدها نحو: «أسلم حتى تدخل الجنه». وإذا بحثت في القرآن ربما لا تجد مثل هذا المعنى وحده، يعني لا تجد حتى بمعنى التعليل فقط، إنما إما أن تكون بالمعنى الآخر وهو معنى الغاية، طبعاً تكون أحياناً ابتدائية، إما أن تكون بمعنى الغاية أو تدل على المعنيين والغاية مقدمة، لكن أن تكون حتى بمعنى التعليل دون غيره من المعاني فقد لا تجد هذا، يعني قد تجد تعطي معنى التعليل أحياناً أو بشيء من التأويل مع احتمال المعنى الآخر، والمعنى الآخر الذي هو الغاية يكون أقوى، فلاجل هذا هو مثل بغير القرآن يعني؛ قال نحو: «أسلم حتى تدخل الجنة» يعني كان يقول: أسلم، كان يقول: أسلم كي تدخل الجنة، لا يريد هنا: أسلم إلى أن تدخل، يريد: أسلم كي تدخل الجنة، فهي بمعنى الغاية -عفواً- بمعنى العلة، هي بمعنى العلة.
قال: وتاره تكون بمعنى إلى، هذه التي بمعنى الغاية، تارة أن تكون بمعنى إلى وذلك إذا كان ما بعدها غاية لما قبلها، تكون بمعنى إلى كقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91]، لن نبرح عليه عاكفين إلى أن يرجع، فحتى هنا بمعنى إلى، معنى الغاية، ومثله كثير: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الشعراء: 201] يعني إلى أن يروا العذاب الأليم، ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فضْلِهِ﴾ [النور: 33] يعني إلى أن يغنيهم الله من فضله، ﴿وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: 62]، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ﴾ [الحجرات: 5] يعني إلى أن تخرج إليهم، لم يذهبوا إلى أن يستأذنوا أو إلى أن يستأذنوه، لكن ليست بمعنى كي.
قال: وكقولك: «لاسيرن حتى تطلع الشمس»، هنا لا تكون أبدا بمعنى كي: «لاسيرن كي تطلع الشمس»، لا الشمس ستطلع سرت أم لم تسر، إنما لاسيرن إلى أن تطلع، فهذه غاية وليست علة.
قال: وقد تصلح للمعنيين معا كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، يحتمل أو يحتمل كلاهما جائز، يحتمل أن يكون المعنى: كي تفيء، أو: إلى أن تفيء. ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾ في أول الآية: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: 9]، كأنه: فقاتل التي تبغي إلى متى؟ حتى تفيء إلى أمر الله، أو فقاتل التي تبغي لماذا؟ حتى تفيء إلى أمر الله، فهنا يمكن أن يكون المعنى مراداً به هذا ومراداً به هذا: فقاتل التي تبغي كي تفيء إلى أمر الله، أو قاتل التي تبغي إلى أن تفيء إلى أمر الله، والغاية هنا أقرب، وهذا له بعض الأمثلة في كتاب الله تعالى يحتمل فيها الوجهين: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] يعني وقاتلوهم كي لا تكون فتنة أو إلى ألا تكون فتنة، ﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99] يعني أفأنت تكره الناس كي يكونوا مؤمنين أو إلى أن يكونوا مؤمنين، ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53] يعني كي يتبين أو إلى أن يتبين، ففي مثل هذه المواضع تصلح للمعنيين وإن كان معنى الغاية أقرب، والعلم عند الله تعالى، لكن في أغلب المواضع تاتي بمعنى الغاية لا بمعنى حتى معنى العلة، لكن هل هناك موضع تأتي فيه بمعنى العلة دون الغاية؟ هذا لا أعلمه والله أعلم.
ثم قال: والنصب في هذه المواضع وما أشبهها بأن مضمرة بعد حتى حتماً أي وجوباً، بأن مضمرة بعد حتى لا بحتى نفسها، خلافا للكوفيين؛ لأنها قد عملت في الأسماء الجر، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]، سلام هي حتى مطلع الفجر، وحتى حين، ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَاهُم مَّسَكَانَهُمْ بَعْدَ مَا رَأَوْا الْآيَاتِ لِيَسْنَةً حَتَّى حِينٍ﴾، فتولى عنهم حتى حين، وكذلك في ثمود قيل لهم: تمتعوا حتى حين. هذه أغلب المواضع التي جاءت فيها حتى جارة لاسم ظاهر بعدها، فهي حرف جر.
قال: فلو عملت في الأفعال النصب، لزم أن يكون لنا عامل واحد يعمل تارة في الأسماء وتارة في الأفعال، وهذا لا نظير له في العربية. هذا سبب قوله، يقولون: حتى تعمل الجر في الأسماء كما هنا هي حرف جر، فكيف تعمل النصب في الأفعال؟ عندنا الأحرف إما أن تكون مختصة بالفعل وتعمل فيه كـ«لم»، «لم» هذه تدخل الفعل المضارع وحده وتجزمه، و«لن» أيضاً تدخل الفعل المضارع وحده وتنصبه، فهي مختصة بالفعل وتعمل فيه. وأحياناً تكون مختصة بالاسم وتعمل فيه كأحرف الجر: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ﴾ [الإسراء: 1]، حروف الجر مختصة بالاسماء وتعمل فيها. وأحياناً تكون مختصة بالاسماء ولا تعمل فيها كالالف واللام، هذه مختصة بالاسم ولا تعمل فيها شيئاً. وأحياناً تكون مختصة بالأفعال ولا تعمل فيها شيئاً كالسين وسوف وقد، مختص بالأفعال ولا تعمل فيها شيئاً. وأحياناً تدخل على الأسماء والأفعال جميعاً، لكن إن عملت عملت في أحدهما كهذه، إذا دخلت على الأسماء والأفعال جميعاً فإنها تعمل في أحدهما أو لا تعمل، لكن أن تعمل في هذا وفي ذاك قالوا: هذا لا نجد له مثيلاً.
فعندنا «لن» فيه مثلاً تدخل على الأسماء وعلى الأفعال لكن تعمل في الأسماء أحياناً إذا كانت تعمل عمل «ما» الحجازية، تعمل فيها لكنها لا تعمل في الأفعال شيئاً، فمثل هذا هو الذي سبب لهم هذا الكلام.
ثم انتقل إلى شيء آخر قال: واما رفع الفعل بعدها أي بعد حتى فله ثلاثة شروط. يعني قد تجد حتى وتجد المضارع بعدها مرفوعاً وهذا قليل، هذا قليل يعني لا يوجد إلا في آية واحدة في كتاب الله تعالى على قراءة واحدة كما سياتي، والعلم عند الله هذا الذي يعرفه، فهذا لكن ان وجدت ذلك فاعلم أنه بسبب شروط اجتمعت، فليس في كل موضع يجوز لك أن ترفع المضارع بعد حتى.
قال: وأما رفع الفعل بعدها بعد حتى فله ثلاثة شروط: الأول؛ كونه مسبباً عما قبلها. كونه مسبباً عما قبلها في النصب نعم، يجوز أن يكون مسبباً عما قبلها، يجوز أن يكون مسبباً ويجوز ألا يكون، يجوز أن يكون للغاية ليس مسبباً عما قبلها. قال: لكن في الرفع من الشروط أن يكون مسبباً، يعني لا يمكن أن يكون للغد أن يكون مسبباً عما قبله. قال: ولهذا امتنع الرفع في نحوي: «سرت حتى تطلع الشمس». لا يمكنك أن تقول: «سرت حتى تطلع الشمس»، لماذا؟ لأن السير لا يكون سببا لطلوعها، حتى إن قلت ذلك وأنت مثلاً تسير والشمس مستطلع هذا لا يكون قالوا، فالسبب السير هنا ليس سبباً أصلاً لطلوع الشمس، ومن شرط رفع المضارع بعد حتى أن يكون ما قبلها ما بعدها مسبباً عما قبلها.
قال الثاني: أن يكون زمن الفعل الحال لا الاستقبال، وهذا عكس الشرط السابق. فإذا رجعت إلى شرط النصب قال: فالنصب شرطه كون الفعل مستقبلاً بالنسبة إلى ما قبلها، لابد أن يكون الفعل الذي بعد حتى مستقبلاً بالنسبة إلى الذي قبلها، لكن هنا لابد أن يكون الشرط هو الحال لا الاستقبال على العكس من شرط النصب، إلا أن الحال تارة يكون تحقيقاً.
وتارة يكون تقديرا، والحال تؤنث وتذكر يعني؛ لأن الحال تارة يكون أو تكون تحقيقا، وتارة يكون أو تكون تقديرا. فالأول كقولك: سرت حتى أدخلها. سرت حتى أدخلها إذا قلت ذلك وأنت في حال الدخول، أنت تقول: أنا سرت إلى البلدة حتى أدخلها، يعني حتى أدخلها الآن. فسيرك مسبب يعني دخولك مسبب عن سيرك، وسيرك سبب لدخولك هذا الشرط الأول، وهنا حتى أدخلها الآن في الحال هذا هو الشرط الثاني، والكلام قبلها تام هذا الشرط الثالث الذي سيأتي، إذا قلت ذلك وأنت في حال الدخول.
والثاني كالمثال المذكور أيضا: سرت حتى أدخلها، إذا كان السير والدخول قد مضيا، طب مضيا لكنك تريد حكاية الحال، ولكنك أردت حكاية الحال، وعلى هذا جاء الرفع في قوله تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: 214] هذه في قراءة نافع، قرأ نافع وحده دون بقية الأئمة حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر؟ فهنا رفع هذا الفعل، وطبعا هو لا يقرأ إلا بأثر، فهذه قراءة هكذا أنزلها الله كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء الرفع هكذا، وهذا سبق قبل ذلك: حتى يقول الرسول؛ قال: لأن الزلزال والقول قد مضيا.
كل هذا قد مضى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثْلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمּ مَّسَّتْهُمُ الْبَاسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214] فكل ذلك قد سبق، مستهم الباساء والضراء وزلزلوا حتى يقول يعني حتى قال الرسول، كل هذا قد مضى. قال: الثالث الشرط الثالث أن يكون ما قبلها تاما. ولهذا امتنع الرفع في نحو: سيري حتى أدخلها، لا تقول: سيري حتى أدخلها؛ سيري هذا مبتدا نحتاج إلى خبر والكلام غير تام. وفي نحو: كان سيري حتى أدخلها، إذا حملت كان على النقصان دون التمام، يعني إذا قلت: كان سيري، كان سيري حاصلا حتى أدخلها، فكلمة حصلا الخبر هنا ليس موجودا فالكلام نقص.
لكن إذا قلت: كان سير، حصل سيري، جاز لك أن تقول: حصل سيري حتى أدخلها. وحتى أدخلها، كل هذه مسائل تفريعية في الرفع بعد حتى، فعليك أن تضبط أصول المسائل، أما المسائل التفريعية فإن ضبطتها فبها ونعمه والحمد لله تعالى، والا فلا تبتئس بهذه التفريعات كثيرا.
قال: المسألة الثانية في أي شيء؟ في المسائل الأربع التي تضمر بعدها أن وجوبا فتصير المسائل خمسا؛ لأنه ذكر بعد لام الجحود ثم قال: ساذكر المسائل الأخرى استطراضا حتى يتم الباب، وهي أربع مسائل مع لام الجحود ستصير خمس مسائل. المسألة الثانية أي الثانية بعد أو التي بمعنى إلى أو إلا، أو إذا كانت بمعنى إلى أو إلا هي تكون بمعنى إلى أن أو إلا أن. هذا لا أعلم له شاهدا في كتاب الله تعالى، أن يكون هناك مضارع وأن يكون هذا المضارع منصوبا بعد أو التي بمعنى إلى أو معنى إلا لا يحضرني فيه شاهد من كتاب الله تعالى، فان كان عند أحد فليوصله مشكورا.
قال: فالأول كقولك: لألزمنك أو تقضيني حقي، لألزمنك أو تقضيني حقي يعني لألزمنك إلى أن تقضيني حقي. ففي مثل هذا كيف تعرب؟ تقول: تقضيني، تقضي فعل مضارع منصوب باو، وعلامة نصب الفتحة الظاهرة، أو فعل مضارع منصوب بأن مضمره وجوبا بعد أو وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، فيعرب على الوجهين كما ذكرت لك، أما على مشهور مذهب الكوفيين أو على مشهور مذهب البصريين، والمختار عند المصنف وغيره مذهب البصريين. فهو منصوب بأن مضمره وجوبا بعد أو التي بمعنى إلى معنى إلى أن، وهذا يظهر من المعنى. وقال الشاعر: لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى، فما انقادت الآمال إلا لصابري. فهذا أما أن يكون شاهدا إن صح عربية البيت، واما أن يكون مثالا، والمثال لا يلزم فيه أن يكون شاهدا صحيحا عربي، إنما هو مثال: قام زيد، ضرب زيد عمرا، فاستشهدوا بأي مثال.
لكن أن يكون شاهدا وأن يكون دليلا لابد أن يكون عربيا فصيحا. ومثل هذه الابيات التي لا يعرف قائلها ولا تجدها إلا في الكتب المتأخرة بهذين الشرطين، يعني إن كان هناك بيت لا يعرف قائله لكن مثلا هو في كتاب سيبويه أو في الكتب المتقدمة فمثل هذا غالبا ما يكون عربيا فصيحا، لكن إذا وجدت بيتا كذا لا يعرف قائله ولا يوجد إلا في الكتب المتأخرة، فمثل هذا يعني ضع تحته خطا كبيرا وعلامه وبعده علامة استفهام كبيرة، ففيه كلام طويل أنا يعني أؤخره أو اتغاضى عنه عمدا.
فالشاهد فيه لو صح أو لو كان مثالا: لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى، يعني لاستسهلن الصعب إلى أن أدرك المنى. إذا رايت شيئا صعبا امامي، إذا رايت مثلا علم النحو صعبا، فانا ساستسهل هذا الصعب، ساقول: بل هو سهل، وسأحاول فيه مرة ومرة ومرة، وسأقرا كتابا وكتابا آخر، وسأحضر المجالس في هذا الكتاب، وسأحل تدريبات وتطبيقات، وسأئال فيه بعض الذين سبقوني في هذا العلم، وسأدعو الله تبارك وتعالى كثيرا، فالله عز وجل هو الذي يعلم ويفتح على عباده، وسأفعل وأفعل وأفعل حتى يسهل عندي هذا العلم حتى أدرك المنى من هذا العلم مثلا. هذا مثال يعني لصعوبة هذا العلم عندي وعند كثيرين يعني، فكانه يقول: لاستسهلن الصعب أو أدرك المنى فمن قادت الآمال إلا لصابرين. لكن انا اذا استصعبت الشيء وانصرفت عنه فانه لن يسهل لي بعد ذلك.
أحيانا يكون الشيء صعبا فيلين للانسان بفضل الله تبارك وتعالى، كما الآن الله عز وجل لداود الحديد، فالذي الآن لداود عليه السلام الحديد هو قادر على أن يلين لك علوما كثيرة قد لانت لغيرك، أن يلين لك وأن يسهل لك العمل بها بهذا العلم الذي تعمله، كما سهله لغيرك. فإذا ألن الحديث لداود مع أنه لا يعلم أنه لغيره، فكيف وقد ألن هذا العلم أو غيره لكثيرين من الناس، فالنته لك يسيرة سهلة، ولكن اطلب من الله تبارك وتعالى وهو جواد كريم سبحانه وبحمده.
قال: والثاني كقولك يعني أو التي بمعنى إلا، كقولك: لأقتلن الكافر أو يسلم، أي إلا أن يسلم. إلا أن يسلم، لا يمكن هنا أن تقول: إلى أن يسلم، لا أقتلنه إلى أن يسلم هذا لا يكون. وقول الشاعر: وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيما. قناة معروفة، قناة الرمح يعني، كسرت كعبها أو تستقيم يعني إلا أن تستقيم. فانا اذا غمزتها، إذا امسكتها وهي معوجه اما ان اكسرها واما أن تستقيم في يدي. يعني وإن كان يريد الهجاء فذلك معروف يعني يهجو الاقوام أما أن يعتدلوا أمامه واما أن يكسرهم وياتي بهم إلى الأرض. كسرت كعوبها أو تستقيم يعني إلا أن تستقيم، إلا أن تستقيم فلا أكسر كعوبها. ولا يصح أن تكون هنا بمعنى إلى؛ لأن الاستقامة لا تكون غاية للكسر، لا يققال: كسرتها إلى أن تستقيم، لا، كسرتها إلا أن تستقيم.
قال المسألة الثالثة، ويعني الكلام في المسألة الثالثة والرابعه من باب واحد، وأرجو باذن الله تعالى أن استطيع أن أجمل الكلام في المسألتين في هذه الدقائق الست المتبقية باذن الله تعالى. قال المسألة الثالثة: بعد فاء السببية إذا كانت مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل. فاء هي فاء السببية تكون للتعليل، والمعنى يظهر أنها للتعليل وللسببية، لكن لابد أن تكون مسبوقة بنفي محض بنفي، وهذا النفي لم ينتقد بنفي آخر أو باستثناء هو نفي، أو طلب بالفعل أو طلب، وهذا الطلب مع النفي جمعه جمع الجميع بعضهم فهي تسعة: مر وادع وانهى وسل واعرض لحظهم تمنى وارجلا.
حاول أن تحفظ هذا البيت لتفهم؛ لأن هذا سياتيك في بعض الأشياء الاخرى. الطلب هو: الأمر والدعاء والنهي والسؤال الاستفهام والعرض والتحضيض والتمني والرجاء والنفي، هذا هو التاسع. فهو قال: مر وادع وانهى وسل واعرض لحظهم تمنى وارجك النفي قد كملا. مر هذا الأمر، وادعو الدعاء، وانهى هذا النهي، وسل السؤال أو الاستفهام، وأعرض هذا العرض، لحظهم هذا التحضيض، تمنى هذا التمني، وارجو هذا الرجاء، كذاك النفي هذا والنفي قد كمل.
فاذا سبقت فاء السببية وكذلك واو المعية وهي المسالة الرابعة والأخيرة، إذا سبقت هذه أو تلك بشيء من هذا، فإن المضارع يأتي بعدها منصوبا، ها سيكون منصوبا بها على رأي الكوفيين أو بأن مضمرة وجوبا به البصريين. قال: فالنفي كقوله تعالى: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: 36] والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا. لا يقضى عليهم هذا نفي: لا يقضى عليهم فيموت. أي فبسبب القضاء عليهم يموتون؟ لا، فاء هنا نفي محض، لا يقضى عليهم، هل هم بسبب القضاء عليهم يموتون؟ لا يموتون فيموت. فالفاء سببية يعني فبسبب ذلك يبقى يموت فعل مضارع منصوب بفاء السببية وعلامة نصبه حذف النون، أو فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية وعلامة نصبه حذف النون، والمختار هو الثاني كما هو مختار المصنف.
وقال: وما تاتينا فتحدثنا. ما تاتينا يعني لا تاتينا أنت فتحدثنا. قال: واشترطنا كونه محضا احترازا من نحو: ما تزال تاتينا فتحدثنا، وما تاتينا إلا فتحدثنا. فإن معناهما الإثبات؛ فلذلك وجب رفعهما، أما الأول فلأن زال للنفي وقد دخل عليها النفي ونفي النفي إثبات، وأما الثاني فلانتفاض النفي بإلا. يعني ما تاتين فتحدثون هذا الكلام منفي أم مثبت؟ لا، مثبت فيجب يجب الرفع. ما تاتين إلا فتحدثنا، ما تاتينا هذا نعم نفي، لكن انتقد النفي بإلا فصار الكلام إثباتا، وما محمد إلا رسول، ما محمد هذا نفي، إلا رسول انتقد النفي بإلا، يبقى محمد رسول هذا إثبات للرسالة. فكذلك هاهنا، فالشاهد أنه لابد أن يكون النفي محضا كما في الآية وكما هو معروف في غير ذلك.
قال: وأما الطلب فانه يشمل الامر كقوله: يا ناق سيري عنقا فسيحا إلى سليمان فنستريحا. الشاهد فيه: سيري فنستريح؛ يعني سيري فبسبب سيرك إلى هذا الرجل إلى سليمان بن عبد الملك بن مروان نستريح؛ لأنه شاعر فسيقول له عدة أبيات وسيغدق له العطايا هكذا يريد يعني، كأنه قال لها: سيري فنستريح، أي فبسبب سيرك استريح. نستريح فعل مضارع على الوجهين: فعل مضارع منصوب بفاء السببية أو بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، لماذا؟ لأنه سبق بالطلب بالأمر.
سبق بالطلب أو بالأمر، ومثل ذلك في عدة آيات من كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، أو في الآيات الاخرى التي ليس فيها أن قبل ذلك. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: 117] طبعا يقرا الجمهور أو الجماهير: وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويقرا ابن عامر وحده: إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. كن فبسبب ذلك يكون.
والنهي يعني الطلب يشمل الأمر ويشمل النهي، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ [طه: 81] ولا تطغوا فيه فبسبب الطغيان يحل؛ يبقى يحل فعل مضارع منصوب بفاء السببية أو بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، سبق بأي شيء؟ سبق بالنهي. قال تعالى أيضا: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129] فلا تميلوا فبسبب ميلكم تذروها كالمعلقة.
والتحضيض نحو: لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق. لولا أخرتني فأصدق؛ فلولا للتحضيض، الصدق مضارع منصوب بفاء السببية أو بأن مضمرة أو بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وسبق بلولا التي للحض أو للتحضيض. ومثل أيضا: ﴿لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِمَا لَكُم فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾ [الفرقان: 8].
والمنى المنى هو التمني نحو: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما. يا ليتني كنت معهم فأفوز فبسبب وجودي معهم أفوز، فأفوز على ما سبق مضارع منصوب بفاء السببية أو بأن مضمرة وجوبا بعد فائه السببية، وهو سبق بالتمني.
والترجي كقوله تعالى: لعلي أبلغ الأسباب، طبعا كقول فرعون: ﴿لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر: 36-37] أو يقال كقوله تعالى: وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات فاطلع، في قراءة بعض السبعة بنصب اطلع، طبعا هذه لم يقراها هكذا إلا حفص عن عاصم وحده، فأطلع قلعا هذه رواية حفص عن عاصم. أما شعبة عن عاصم وبقية الأئمة وهم الأئمة التسعة جميعا فيقرؤون: أسباب السماوات فاطلعوا بالرفع، وهذا مما يؤكد لك أن النصب هاهنا جائز وليس بواجب.
ولهذا مثال آخر في سورة عبس قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس: 3-4] لعله أيضا لعله يزكى أو يذكر فتنفعه الذكرى هذه قراءة عاصم يعني وافقه شعبة، شعبة وافق حفصا هنا هذه قراءة عاصم، وأيضا قرأ الجمهور: أو يتذكر فتنفعه. فهنا الرفع والنصب جائز.
والدعاء يعني ويشمل الدعاء كقوله: رب وفقني فلا أعدل عن سنن الساعين في خير سنن. رب وفقني فلا أعدلك أي في سبب توفيقك لا أعدل، فأعدل مضارع منصوب بفاء السببية أو بأن مضمرة وجوبا بعد فاء السببية بما السبب؟ لأنه مسبوق بالدعاء وفقني.
والاستفهام كقوله: هل تعرفون لباناتي فأرجو أن تقضى فيرتد بعض الروح للجسد؟ هل تعرفون لبناتي فبسبب ذلك أرجو، تعرفون لبنات حاجتي فأرجو.
وله أمثلة في كتاب الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]. في قراءة عاصم فيضاعفه وقرأ فيضعفه وقرأ بالرفع أربع قراءات فيها. الشاهد فيها النصب فيضاعفه؛ لأنه سبق بمن: من ذا الذي.
ومثله أيضاً: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ [الأعراف: 53]. هذه الآية أشهر في هذا. فهل لنا من شفعاء فيشفعوا؟ هل لنا من شفعاء؟ فبسبب ذلك يشفعون. يبقى: فهل لنا من شفعاء فيشفع؟ يشفع مضارع منصوب بفاء السببيه أو بأن مضمرة وجوباً بعد فاء السببيه، وقد سبق بالاستفهام هل.
قال: والعرض، أي ويشمل العرض كقوله: يا ابن الكرام ألا تدنو فتبصر ما قد حدثوك فما راء كمن سمع. وكقول الشاعر الآخر -طبعا هو لم يذكره، ذكر في كلام الشيخ محمد-: ألا رسول لنا فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس مجرانا. فهذا البيت أمتن في العربية؛ لأنه ينسب لأمية بن أبي الصلت: ألا رسول لنا فيخبرنا. ثم قال:
واشترطت في الطلب أن يكون بالفعل احترازا من نحو قولك: نزال فنكرمك بالرفع، وصه فنحدثك هنا أيضاً بالرفع، خلافاً للكسائي. وسبق الكلام عن الكسائي وتوفي سنة 189 في إجازة ذلك مطلقاً، فالكسائي يقول: إذا كانت هناك فاء السببية سواء سبقت بفعل أو باسم فإن هذا الفعل الذي يكون بعدها يكون منصوباً. هو يقول لابد أن يسبقها فعل.
قال: ولابن جني -يعني خلافاً لابن جني وابن عصفور-. ابن جني هو أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، وتوفي سنة 392، وتلميذ الفارسي وروية أبي الطيب المتنبي. وابن عصفور هو أبو الحسن علي بن مؤمن الإشبيلي الأندلسي متأخر في القرن السابع، توفي سنة 669.
فقلت في إجازته أي في إجازة ذلك بعد نزال ودراك ونحوهما مما فيه لفظ الفعل دون صه ومه ونحوهما مما فيه معنى الفعل دون حروفه. يعني هذه مسألة خلافية خلاستها أن بعضهم يشترط أن يكون الطلب بالفعل، ولكن خالفهم الإام الكسائي فقال: الطلب بأي شيء، بالفعل أو باسم الفعل. توسط ابن عصفور وابن جني فقالوا: لا، إذا كان اسم الفعل مشابهاً للفعل نزالي، دراكي، حذاري، وما أشبه ذلك، فحينئذ ينصب المضارع، إذا لم يكن كصه وما هو نحوه فانه لا ينصب. قال: وقد صرحت بهذه المسألة في المقدمة في باب اسم الفعل في مسائله إن شاء الله تبارك وتعالى.
قال المسألة الرابعة -هذا آخر شيء، على خمس دقائق الزائدة-: المسألة الرابعة بعد واو المعية إذا كانت مسبوقة بما قدمنا ذكره، هي هذه المسألة محالة المسألة السابقة، يعني لابد أن تكون مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل. فهنا تتذكر البيت: مر وادع ونه وسل وأعرض لحظة تمنى وردك النفي قد كمل.
مثال ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]. أأم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟ لما هنا بمعنى لم، أي ولم يعلم، أي لم يعلم علما يترتب عليه الثواب والعقاب. ولعل هذه المسألة قد سبقت ولعلها تأتي في وقت آخر يكون أطول يعني لأبيها، وإن شاء الله هي بينة ظاهرة جلية واضحة عندكم إن شاء الله تبارك وتعالى.
ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين، اعلم هذا مع هذا، فهذه واو المعية، ويعلم الصابرين. وكذلك في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: 27]. قال في قراءة حمزة وابن عامر وحفص -طبعا حمزة وابن عامر بنصب الفعلين ولا نكذب ونكون، أما ابن عامر فنصب فعلا واحدا- المهم يعني هذه هذا أيضاً مما يؤكد أن هذا النصب جائز لا واجب؛ لأن الجمهور يقرا: فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بايات ربنا ونكون من المؤمنين.
وقال الشاعر: ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء؟ ألم أك جاركم ويكون؟ يعني هذه واو المعية. هو منصوب لأنه سبق بالاستفهام: لم أكن. وقال آخر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم. لا تنه عن خلق ومع ذلك أنت تأتي مثله، فقال: لا تنه عن خلق وتأتي مثله، فهذه واو المعية؛ فمعيب أن ينهى المرء عن خلق وهو في الوقت نفسه يفعل هذا الخلق. ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وأدخل بعضهم أيضاً آية أخرى في هذا: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، وإن كان بعضهم يخالف في هذا المعنى.
قال: وتقول: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، وتشرب اللبن، وتشرب اللبن. قال: فتنصب تشرب إن قصدت النهي عن الجمع بينهما، وهذا هو الشاهد هنا: لا تأكل السمك وتشرب اللبن، يعني لا تجمع بين هذين، لا تأكل السمك وتشرب اللبن معا، لا تجمع بين أكل السمك وشرب اللبن. وتجزم إن قصدت النهي عن كل واحد منهما، يعني لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن لا معا ولا في أي حال، كأنك نهيته عن هذا وهذا مجتمعين ومتفرقين، خلاف الأول نهيته عنهما مجتمعين. وترفع إن نهيت عن الأول وأبحت الثاني، أي لا تأكل السمك ولك شرب اللبن، فإذا قلت: لا تأكل السمك وتشرب اللبن كأنك تقول أنت تشرب اللبن هذا لا باس به.
فهذه هي الخلاصة في هذا، والعلم عند الله تبارك وتعالى. وأعتذر مرة أخرى على سبع دقائق زائدة، وإنما اردت ذلك حتى أبدأ في جوازم المضارع من الدرس القادم بإذن الله تعالى، وحتى لا يكون للدرس القادم تعلق كبير بدرس اليوم. هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق