السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، هذا هو الدرس الثاني من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.
وقد سبق الكلام قبل ذلك سريعا في الكلمة وأقسامها، والكلام على كل قسم من جهتين الإعراب والبناء. سبق كلام المصنف عن الإعراب والبناء إجمالا وتفصيلا، وقسم الإعراب من جهة إلى قسمين: إلى أصلي وفرعي، وذكر الإعرابات الأصلية وذكر أبواب الإعراب الفرعي السبعة. ثم قسمه من جهة أخرى إلى قسمين آخرين: إلى ظاهر ومقدر، وذكر الإعراب الظاهر وذكر أبواب الإعراب المقدر وهي خمسة أبواب. ثم تكلم عن إعراب الفعل المضارع تفصيلا، وأنه ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، ويرفع إذا تجرد من الناصب والجازم، وذكر النواصب والجوازم لفعل واحد وفعلين.
ثم تكلم بعد ذلك عن النكرة والمعرفة، فعرف النكرة وذكر أمثلة لها، وذكر المعرفة الستة وذكر فيها بعض المسائل، وهذه المعارف هي: الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والأسماء الموصولة، والمعرف بأل أو ذو الأداة، والمضاف إلى شيء من هذه الخمسة. ثم ذكر بعد ذلك المبتدأ والخبر وذكر فيه مسائل، ثم بعد ذلك ذكر النواسخ؛ نواسخ المبتدأ والخبر أو نواسخ الابتداء، وسبق أنها ثلاثة إجمالا وسبعة تفصيلا. وقد ذكر المصنف ثلاثة إجمالا وذكر خمسة تفصيلا، فذكر كان وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها، وإن وأخواتها، وذكر لا النافية للجنس، وذكر ظن وأخواتها، وأهمل الكلام عن بابين: أحدهما يلحقان وأخواتها وما الحجازية وأخواتها وهو كاد وأخواتها أو أفعال المقاربة والرجاء والشروع، والثاني يأتي بعد ظن وأخواتها وهو ما ينصب مفعولين، ما ينصب ثلاثة مفاعيل، الثاني والثالث منهما من هذه المفاعيل الثلاثة مبتدأ وخبر في الأصل، لم يذكر هذين البابين.
ثم بعد ذلك ذكر الفاعل وبعض المسائل فيه، ثم ذكر نائب الفاعل وبعض المسائل فيه كذلك، ثم كان آخر شيء في ذلك الكلام عن الاشتغال أو عن باب اشتغال العامل عن المعمول، وسبق الكلام فيه في أصل هذا الباب وفي تعريفه، وفي وجه واحد أو في مسألة واحدة من مسائل ترجيح النصب. فسبق أن الأصل في هذا الباب وأن الضابط فيه أن يتقدم اسم كما يقال زيد أو زيدا، هذا الاسم المتقدم أحيانا يجوز فيه الرفع، وأحيانا يجوز فيه النصب، وأحيانا يجب فيه الرفع، وأحيانا يجب فيه النصب، وأحيانا يترجح. يعني أحيانا يجب الرفع، وأحيانا يجب النصب، وأحيانا يجوز النصب وهو أرجح، وأحيانا يجوز الرفع وهو أرجح، وأحيانا يستوي الوجهان، كل هذا في هذا الاسم المتقدم زيد زيدا.
بعد أن يتقدم هذا الاسم يتأخر عنه فعل، لو ليكن فعله هو ضرب، هذا الفعل يكون عاملا في ضمير أو في شيء بعد ذلك في اسم أضيف إلى الضمير، أو ما أشبه هذا، فيقال زيد ضربته أو ضربت أخاه أو مررت به، أيا ما كان؛ حينئذ يجوز أن تقول زيد ضربته وزيدا ضربته، وفي مثل هذا الرفع أولى، لكن هذه أصل المسألة وأصل الصوت أن يتقدم اسم، وأن يتأخر عن هذا الاسم فعل، هذا الفعل يعمل في ضمير الاسم ضربته، أي كأنك قلت ضربت زيدا، زيد هذا تقدم، ولا يصح للفعل ضرب أن ينصب الضمير الذي هو ضمير زيد أن ينصب زيدا في الوقت نفسه، فهذا لا يكون. فحينئذ يسمونه باب الاشتغال، اشتغل فيه هذا الفعل بالعمل في ضمير الاسم، اشتغل بالعمل في ضمير الاسم واشتغل عن العمل في الاسم المتقدم، فيسمونه باب الاشتغال أو يسمونه باب اشتغال العامل عن المعمول.
تكلم المصنف عن هذه المسائل، ولضيق الوقت في الدرس الماضي ذكرت مسألة واحدة وأخذت منها شطرا أو شيئا، بل هي يعني أخذت ثلثا منها. المسألة الأولى هي ترجيح النصب، ترجيح النصب له بعض الصور، الصورة الأولى أن يكون الفعل المذكور فعل طلب، كأن تقول زيدا اضربه، كأنك قلت اضرب زيدا اضربه، لكن لا يأتي المثال هكذا إنما هذا من باب التوضيح والتفسير، وإلا فالعرب لا تقول هذا لا تأتي بالمفسر والمفسر نعم، أما تقول اضرب زيدا أو زيدا اضرب أو زيدا اضربه، لكن لا تقل اضرب زيدا اضربه، إنما هذا تفسير وتوضيح. وذكر المصنف بعد ذلك اعتراضا ببعض الآيات القرآنية، وسبق الجواب عن ذلك وأن مذهب المبرد أقرب من مذهب سيبويه في هذا وليس فيه كبير تأويل ولا يستدعي حذفا.
المسألة الثانية أو الصورة الثانية من صور ترجيح النصب، قال رحمه الله تعالى: ومنها أن يكون الاسم مقترنا بعاطف، مسبوق بجملة فعلية. أن يكون الاسم هذا الاسم هو هنا عمرو الذي سيذكره، هذا الاسم سبق بعاطف أو اقترن بعطف، اقترن بعاطف يعني سبق بعاطف، هذا العاطف الذي يقترن به يكون سابقا له، وعمرو تقول وعمرا، أم وعمرا، لابد أن ننظر إلى بقية الصورة، مسبوق بجملة فعلية، هذا العاطف حرف العطف هذا يكون مسبوقا بجملة فعلية، يبقى إذا قام زيد هذه جملة فعلية، قام فعل وزيد فاعل، تقول وعمرو عمر أكرمته، أم تقول عمرا أكرمته؟ يقولون يجوز هذا ويجوز هذا، يجوز أن تقول عمر أكرمته ويجوز أن تقول عمرا أكرمته، ما المترجح؟ قالوا يترجح النصب، لماذا يترجح النصب؟ لأن هذا فيه مشاكلة، تقول قام زيد وعمرا أكرمته، كأنك قلت قام زيد وأكرمت عمرا، فأعطفت جملة فعلية على جملة فعلية، فهذه المشاكلة أولى من أن تعطف جملة اسمية على جملة فعلية.
قال وذلك لأنك إذا رفعت كانت الجملة اسمية، فيلزم عطف الاسمية على الفعليّة وهما متخالفتان، ولو قال وهما متخالفتان لكان أفصح، يعني أن الجملة الاسمية والجملة الفعليّة متخالفتان، الجملة جملة مؤنثة وهما متخالفتان، ولعلها عندكم في بعض النسخ هكذا. وإذا نصبت كانت الجملة فعلية لأن التقدير وأكرمت عمرا أكرمته، وأكرمت عمرا فقلت قام زيد فعل وفاعل، وأكرمت عمرا فعل وفاعل ومفعول، فعطفت جملة فعلية على جملة فعلية، قال فتكون قد عطفت فعلية على فعلية وهما متناسبان، والأفصح أن يقال وهما متناسبتان. قال والتناسب في العطف أولى من التخالف، التناسب في العطف أولى من التخالف، قال فلذلك رجح النصب لأجل هذا رجح النصب على الرفع، فتقول قام زيد وعمرا أكرمته، ويجوز أن تقول قام زيد وزيد وعمر أكرمته، فتكون بذلك جعلت عمرا بالرفع جعلتها مبتدأ، قلت عمر مبتدأ وجملة أكرمته الجملة كلها خبر، وأعطفت جملة اسمية على جملة فعلية، لكنه مرجوح.
وهذه الصورة هي من أكثر الصور مجيئا في كتاب الله تعالى، ووضعت من عمدا يعني فيما أعلم والله أعلم هذه أكثر الصور مجيئا، لكن احتراز لنفسي قلت من أكثر الصور مجيئا في كتاب الله تعالى، عليها أمثلة كثيرة، ذكر المصنف منها بعضها، قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ [النحل: 4-5]. قال أجمع على نصب الأنعام لأنها مسبوقة بالجملة الفعليّة وهي خلق الإنسان، خلق الإنسان خلق فعل ماضي، والفاعل تقديره هو يعود على الله تبارك وتعالى، قد ذكر في أول السورة: ﴿أَتَىٰ أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ بعد ذلك: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ * خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۚ تَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ﴾ [النحل: 1-4]. فالفاعل تقديره هو يعود على الله سبحانه وتعالى، الإنسان هذا مفعول به إذا خلق الإنسان، بعد ذلك قال والأنعام خلقها، يعني كأنه قال خلق الإنسان وخلق الأنعام، بعد ذلك من المتعلقات لا يدخل في هذه الجملة كما سبق، إنما الجملة انتهت من فعل وفاعل بعد ذلك مفعول، بعد ذلك الجر والمجرور متعلق بخلق من نطفة، وهكذا، وهذه إذا الفجائية بعدها جملة أخرى، المهم أنها جملة والأنعام خلقها هذه الجملة معطوفة على جملة خلق الإنسان، يصح في الكلام في خارج القرآن يصح أن يقال والأنعام خلقها، يقول الأنعام مبتدأ وخلقها أي خلقها الله هذه جملة من فعل وفاعل ومفعول، والجملة خبر المبتدأ، لكن هذا لم يقرأ به على الأقل في المتواتر، يعني المتواتر لم يقرأ به، إنما الكل قال والأنعام خلقها، فقرؤوا بالنصب كأنه قال خلق الإنسان وخلق الأنعام.
ومثله أيضا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون: 12] بعدها ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: 27] قد خلقنا الإنسان ثم بعد ذلك والجان خلقناه يعني وخلقنا الجان خلقناه، ولكن مثل هذا إنما هو في كما قلت لكم في التفسير والتفصيل، وهذه أيضا قراءة مجمع عليها في المتواتر الجان خلقنا بالنصب. ونحوها كثير، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: 12]. قال وكل شيء فصلناه تفصيلا، لماذا هذا؟ أنه معطوف على ما سبق جعلنا الليل، فمحونا، وجعلنا آية، وفصلنا، فكل هذه أفعال عطف بعضها على بعض ولو جيء وكل شيء لكان صحيحا. فقال وكل شيء فصلناه تفصيلا.
وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ ۚ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 27-29]. تلاحظون الأفعال بناها، الأرض بقى قال أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها، رفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، كل هذه أفعال بعد ذلك الفعل والفاعل والمفعول، ثم جاء بعد ذلك بموضع الشاهد هنا والأرض بعد ذلك دحاها قال والأرض بعد ذلك دحاها، أي ودحى الأرض، وهذا له أمثلة كثيرة.
قال ومنها الصورة الثالثة أو المسألة الثالثة من مسائل ترجح النصب، قال ومنها أن يتقدم على الاسم أداة الغالب عليها أن تدخل على الأفعال، كهمزة الاستفهام وبعض أحرف النفي كإن وما ولا وغير هذا، لكن هو قال كقولك أزيدا ضربته وما زيدا رأيته، فذكر همزة الاستفهام وذكر. قال تعالى وهنا أضع هذه الكلمة من كتاب الله تعالى، فقالوا: ﴿أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ﴾ [القمر: 24]. كما مر مثل هذا مرارا، فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه، لماذا جاءت أبشرا هكذا بالنصب؟ لم تأت بالرفع، قال إن همزة الاستفهام يعني يأتي بعدها الفعل أكثر من الاسم، يأتي بعدها الفعل أكثر من نعم، يأتي بعدها الاسم أحيانا الله خير أما تشركون كما سبق قريبا أأنتم أشد خلقا أم السماء لكن يأتي بعدها الفعل أكثر. فقالوا هنا فعل هو الذي نصب بشرا، طيب ما هذا الفعل هل نقدره من عندنا؟ لا قالوا موجود في الآية يعني أنتبع بشرا منا واحدا نتبعه، هذا في التفسير والتفصيل كما قلت مرارا يعني لا يذكرون هذين الفعلين معا لا في القرآن ولا في غيره، إذا أبشرا منا واحدا نتبعه تقدم الاسم وهو بشر وتأخر الفعل وهو نتبع، والفعل نتبع عمل في ضمير الاسم أن أتبعه يعني أتبع هذا البشر المذكور، وهو صالح عليه السلام، لأن هذه الآية من قول قوم صالح، كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر. ولو فرغ هذا الفعل هو نتبع من هذا الضمير لنصب الاسم، في غير القرآن يعني تقول كأنهم يقولون أنتبع بشرا واحدا منا وهكذا، فهذه صورة الاشتغال أو صورة اشتغال العمل عن المعمول متطابقة في هذه الآية وفي كل الآيات السابقة، إذا فالنصب هنا أرجح لأجل الهمزة التي تقدمت على هذا الاسم المشتغل عنه.
أجعل نحن بعضهم أيضا منه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا﴾ [الأنعام: 53]. أهؤلاء من الله عليهم من بيننا، فبعضهم يقول هؤلاء مبتدأ والجملة بعد ذلك خبر وهذا واضح ليس فيه إشكال، ومع بعض يقول لا لأجل هذه الهمزة نجعل هؤلاء في محل نصب على المفعولية، طيب الفعل من لا يقال من الله هؤلاء، يقولون نقدر فعلا مناسبا من الله عليهم يعني فضلهم يعني أفضل الله هؤلاء، أخص الله هؤلاء وما أشبه ذلك.
قال بعد ذلك وأما وجوب النصب، هذه الحالة الثانية، إذا كل هذا كل الذي سبق كان في الحالة الأولى، والمجموع خمس حالات. الحالة الثانية قال وأما وجوب النصب ففيما إذا تقدم على الاسم أداة خاصة بالفعل، كأدوات الشرط والتحضيض، إذا تقدم على الاسم أداة خاصة بالفعل كأدوات شرط وقد سبق درستم أدوات شرط قبل ذلك التي تجزم فعلين، فيأتي بعدها فعل الشرط ويأتي بعدها جواب الشرط، ولعلكم تذكرون البيت الذي يقول اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وبلن وبالتنفيس، بدأوا بالجملة الاسمية، معنى ذلك أن الجملة الاسمية لا تلي أداة الشرط، إذا فأداة الشرط لابد أن يكون بعدها فعل لابد أن يكون بعدها فعل، وخالف في ذلك بعض العلماء بل الكوفيون يخالفون في هذا ويعربون ما يأتي بعد أداة الشرط إن كان مرفوعا يعربونه مبتدأ كما هو معلوم من مذهبهم في هذا الباب أو في غيره، لكن هذا على الأرجح وعلى الأقوى، والعلم عند الله تعالى. قال كقولك إن زيدا رأيته فأكرمه وهلا زيدا أكرمته، هنا زيد تقدم هذا الاسم، وجاء بعد ذلك بالفعل وهو رأى، ثم انشغل هذا الفعل الذي رأى بنصب الضمير العائد على زيد يعني رأيته، كأنك قلت إن رأيت زيدا فأكرمه أو إن رأيت زيدا رأيته فأكرمه.
فزيداً مفعول به لفعل مناسب للفعل الذي بعده وهو رأى. وكذلك: هلا زيداً أكرمتهم، بمعنى: هل أكرمت زيداً أكرمته. وهذه الصورة لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله تعالى، وقد نص بعضهم على عدم وجود شاهد لها. قال: وكقول الشاعر:
لا تجزعي إن منفساً أهلكته، فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي.
وهذا البيت ينسب لنمر بن تولب، هو صحابي معروف، كان معروفاً بالكرم، وهذا البيت يدل على كرمه. لا تجزعي إن منفساً أهلكته، أريد بالمنفس المال النفيس، يعني كانت امرأته توبخه على كثرة إنفاقه، قال: لا تجزعي، الشاهد هنا أن منفساً أهلكته، يعني إن أهلكت منفساً، فيقولون هنا منفساً يجب أن يكون منصوباً بفعل سابق. بعضهم يعترض على هذا يقول: ورد هذا البيت بالرفع: لا تجزعي إن منفسٌ أهلكته، قالوا ورد هذا البيت برفع، وهذا يعني يضاد مذهبكم. والجواب سهل، وهو أن منفسٌ سيكون حينئذ فاعلاً لفعل محذوف، يعني لا تجزعي إن منفسٌ أهلكته، يعني أنهلك منفسٌ أهلكته، فهلك هو لأني أهلكته، لكن لن يكون من باب التنازع الذي من باب الاشتغال الذي يؤدي إلى نصب هذا المفعول، إنما سيكون من الباب الذي هو معروف، يعني أن وليها فعل، لكن هذا الفعل إما أن يكون رافعاً لفاعل وإما أن يكون ناصباً لمفعول به، هذا يعني تخريج لرواية الرفع، فليست تعكر على هذا الذي ذهبوا إليه.
الصورة الثالثة أو المسألة الثالثة أو الحالة الثالثة، قال: وأما وجوب الرفع ففيما إذا تقدم على الاسم أداة خاصة بالدخول على الجملة الاسمية كإذا الفجائية. كقولك: خرجت فإذا زيدٌ يضربه عمروٌ. هذا لا يجوز فيه النصب لأنه يقتضي تقدير فعل، وإذا الفجائية لا تدخل إلا على الجملة الاسمية. قد سبق الكلام قبل ذلك في جواز المضارع، وسبق تكرير المصنف لهذه المسألة وهي أن إذا الفجائية لا تدخل على الجملة الاسمية، هذا كرره هنا مرة أخرى، فكأنه يقول خرجت فإذا، بعد ذلك هذه إذا الفجائية لا بد أن تأتي هنا جملة اسمية، فإذا قدرت فعلاً فستكون أدخلت إذا الفجائية على جملة فعلية، وهذا مخالف، فحينئذ يجب رفع زيد على الابتداء. وهذه الصورة أيضاً لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله سبحانه.
قال: وأما الذي يستويان فيه فضابطه أن يتقدم على الاسم عاطف مسبوق بجملة فعلية مخبر بها عن اسم قبلها. هنا يستوي الرفع والنصب، يجوز أن ترفع فحينئذ ستعرب المرفوع مبتدأ، ويجوز أن تنصب فحينئذ سيكون مفعولاً به لفعل يفسره ما بعده. متى هذا؟ إذا تقدم على هذا الاسم الذي هو هنا عمرو، هو سيذكر عمراً، إذا تقدم عليه عاطف، يبقى إذاً وعمراً، هذا العاطف سبق بجملة فعلية مخبر بها عن اسم قبلها: زيدٌ قام أبوه، زيدٌ مبتدأ، وقام أبوه جملة فعلية في موضع الخبر، جاءت الجملة كلها خبر. تقول: وعمراً أكرمته، ويجوز أن تقول: وعمرٌ أكرمته. لماذا؟ قال: وذلك لأن زيداً قام أبوه جملة كبرى ذات وجهين. ومعنى قولي كبرى أنها جملة في ضمنها جملة، ومعنى قولي ذات وجهين أنها اسمية الصدر فعلية العجز، ما معنى هذا الكلام؟
معناه أنك إذا قلت زيدٌ قام أبوه، إذا قيل لك ما هذه الجملة؟ على كلام المصنف ستقول له هذه جملة كبرى في داخلها جملة صغرى. الجملة الكبرى جملة ابتدائية اسمية، زيدٌ مبتدأ، بعد ذلك أنا أريد الخبر، فأنا بدلاً من أن أجد الخبر مثلاً زيدٌ قائم، فقائم هو الخبر، لا، وجدت الكلام هكذا: زيدٌ قام أبوه، فأعربت إعراباً جديداً، قلت قام فعل ماضٍ، وأبوه أبو فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الستة والضمير وهو الهاء مضاف إليه مبني على الضم في محل جر لأنه مضاف إليه، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع لأنها خبر عن المبتدأ. إذاً فهذه جملة في داخلها جملة، الخبر عبارة عن جملة كما سبق خبر مبتدأ، وكذلك خبر كان وأخواتها، وخبر ما الحجازية وأخواتها، وخبر إن وأخواتها، وخبر لا النافية للجنس أيضاً، كل هذه الأخبار تكون مفردة وجملة وشبه جملة. إذاً فهذا مبتدأ خبره جملة، هي جملة داخلها جملة، فالأول مبتدأ وخبر، فهذه جملة اسمية في الخبر نفسه جملة فعلية. لأجل هذا يقول جملة كبرى ذات وجهين، كبرى جملة في ضمنها جملة، ذات وجهين لأن الجملة الأولى اسمية، ولأن الجملة الصغرى جملة فعلية. قال: فإن راعيت صدرها رفعت عمراً، وكنت قد عطفت جملة اسمية على جملة اسمية، وإن راعيت عجزها نصبته، نصبت عمراً، وكنت قد عطفت جملة فعلية على جملة فعلية، فالمناسبة حاصلة على كلا التقديرين، فاستوى الوجهان. فأنت إذا قلت زيدٌ قام أبوه وعمراً أكرمته، تقول زيدٌ قام أبوه، زيدٌ مبتدأ والجملة بعده خبر، وعمرٌ مبتدأ والجملة بعده خبر، فهنا تناسب، عطفت جملة اسمية على جملة اسمية. إذا قلت زيدٌ قام أبوه وعمراً أكرمته، كأنك قلت قام أبوه فعل وفاعل، وعمراً أكرمته يعني أكرمت عمراً، هذا فعل وفاعل ومفعول به، فتكون بذلك عطفت جملة فعلية على جملة فعلية، فهناك تناسب من وجه، وهنا تناسب من وجه آخر، فاستوى الطرفان.
هذا سووا في هذا بين الرفع والنصب، وعلى ذلك شاهد شهير في كتاب الله تبارك وتعالى، ربما كان هناك غيره لكن هذا الذي يحضرني. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: 38-39]. أولاً لا بد أن يبدأ الكلام من الأول، الشمس مبتدأ، مبتدأ أين خبره؟ تجري لمستقر لها، تجري فعل مضارع طبعاً مرفوع علامة رفعه الضمة المقدرة للثقل كما درست قبل ذلك، لأن الياء تثقل عليها الضمة ولا تتعذر، وتجري فيه فاعل مستتر جوازاً تقديره هي يعود على الشمس، طب الفعل والفاعل ما موقعهما في الإعراب؟ خبر شمس مبتدأ، وهذه الجملة خبر، إذاً الجملة الأولى جملة اسمية الشمس مبتدأ وخبرها الجملة الفعليه والجملة الثانية التي هي الخبر جملة فعلية، فإذا جيء بمعطوف بعد ذلك والقمر جاز فيه النصب والرفع. وكذلك قرأ القراء، كذلك قرأ الأئمة القراء، فقرا بعض الأئمة كنافع وابن كثير وأبي عمرو قرأوا بالنصب، نعم قرأ، أظن الجمهور بالنصب وجماعة بالرفع، يعني المهم أن هذه الآية فيها قراءتان، بعضهم يقرأ بالرفع وبعضهم يقرأ بالنصب والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، ويقرأ آخرون والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم، فهما قراءتان متواترتان صحيحتان، بكل قراءة منهما قرأ جماعة من الأئمة.
والقمر قدرناه منازل، والقمر قدرناه منازل، وتخريج القراءتين واضح مما سبق. والشمس تجري الشمس مبتدأ والجملة بعده خبر، والقمر قدرناه منازل، قمر مبتدأ والجملة بعده خبر. طب على قراءتنا التي نقرأ، بالقراءة برواية حفص عن عاصم، وهي قراءة جماعة من الأئمة كذلك: الشمس هذا مبتدأ، تجري لمستقر لها هذه جملة، جملة الخبر وهي جملة فعلية، والقمر قدرناه منازل، يعني قدرنا القمر، فهذه جملة فعلية عطفت جملة فعلية على جملة فعلية أخرى، هذه قراءة النصب، هي قراءة الجمهور. أنا عكست في الأول، قلت قراءة رفع قراءة الجمهور، لا، قراءة النصب هي قراءة الجمهور: والقمر قدرناه منازل، إذاً القراءة بالنصب والقمر قدرناه منازل هي قراءة الأكثرين، وهي رواية مشهورة عندنا في رواية حفص عن عاصم. بعضهم يجعل لها مثالاً آخر أو شاهداً آخر في كتاب الله تعالى من سورة النجم، لكن والله أعلم توجيهه فيما أرى ليس من هذا الباب، يعني سيكون من باب آخر ليس من هذا الباب، لأجل هذا أعرضت عنه.
قال: وأما الذي يترجح فيه الرفع فما عدا ذلك، كقولك زيدٌ ضربته، هذا الأصل زيدٌ ضربته، أنت تقول عندما تقول زيدٌ ضربته، زيدٌ مبتدأ والجملة خبر، هذا هو الأصل. قال الله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ في ثلاثة مواضع، جناتُ عدنٍ يدخلونها، ففي كل موضع هكذا جنات بالرفع، وأظن اتفق الجميع، بل أجمعت السبعة على رفعه، السبعة العشرة كذلك. قال وقرأ شاذاً بالنصب، نعم يجوز قراءة بالنصب، لكن قالوا الراجح هو الرفع، وإنما يترجح الرفع في ذلك لأنه الأصل ولا مرجح لغيره. جناتُ مبتدأ وبعد ذلك الجملة خبر. هذا الباب الكلام فيه طول، وفي إشكال شهير في آية في سورة القمر، يعني كل هذا أنا آثرت ألا أعرضه لئلا أشوش الأذهان. هذا الباب كان بعض شيوخنا بعض من يشرح لنا هذا الكتاب كان كنت أتمنى أن يرفع هذا الباب، وهو باب الاشتغال وباب آخر من هذا الكتاب، ربما هو كان يزيد في ذلك ويغالي، يعني أقول من العلم كله من علم النحو كله، لكن لا أرى هذا الكلام وجيهاً، فذكرت قوله هذا حفظ الله تعالى وبارك وجزاه الله عنا خيراً كل من شرح له، ذكرت هذا لا لأجل ألا أشغب بأشياء أخرى زيادة على ما سبق، يكفي ما سبق.
قال: وليس منه قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ هذه آية من سورة القمر، وليست هي التي كنت أريد، قال: لأن تقدير تسليط الفعل على ما قبله إنما يكون على حسب المعنى المراد، وليس المعنى هنا أنهم فعلوا كل شيء في الزبر، حتى يصح تسليطه على ما قبله، وإنما المعنى وكل مفعول لهم ثابت في الزبر، وهو مخالف لذلك المعنى، فالرفع هنا واجب لا راجح، والفعل المتأخر صفة للاسم فلا يصح له أن يعمل فيه. هذا الكلام إن كان دسماً لكنه سهل، يعني عندما تستحضر أول الكلام تقول زيدٌ ضربته، ستقول زيدٌ ضربته زيدٌ مبتدأ وضربته خبر. طب متى تقول زيداً ضربته؟ عندما تقدر ضربته كأنك قلت ضربت زيداً، ضربته، يعني الشرط أن يصح أن يعمل الفعل الذي بعده في هذا الاسم، أن يعمل هذا الفعل أو الموجود في هذا الاسم، أو أن يعمل فعل يؤخذ من هذا الموجود، المهم أن هناك عاملاً يعمل في الاسم المتقدم، هذا العامل ليس من عندي ليس من ذهني ليس من كيسي كما يقال، إنما هذا العامل إنما هو من الجملة التي بعد الاسم. إذاً لا بد من النظر إلى المعنى، فالإعراب فرع عن المعنى. فإذا قلت هنا: وكل شيء فعلوه في الزبر، معنى الكلام أن كل شيء يفعله الإنسان يفعله بنو آدم، يفعله المكلفون من الجن والإنس، فهو موجود ومكتوب ومسطر في اللوح المحفوظ وفي كتب أعمالهم. فهذا هو المعنى، كل شيء يفعله المكلفون يفعله الجن والإنس ممن يحاسبهم الله تبارك وتعالى، كل هذه الأشياء التي يحاسبهم عليها موجودة ومكتوبة ومسطرة عليهم في صحائف أعمالهم أو في اللوح المحفوظ، وكلاهما صحيح، فكل شيء موجود في الكتاب هذا أو ذاك.
طيب هذا المعنى هل يوافق المعنى لو نصبت كل؟ لا يوافقهم، لو قدر مقدر قال: لا يمكن على أصل النحويين أن أقول وكل شيء فعلوه يعني فعلوا كل شيء فعلوه، تقول له قد أفسدت المعنى، لماذا؟ لأن المعنى على كلامك أنهم فعلوا كل شيء في اللوح المحفوظ أو فعلوا كل شيء في صحائف عملهم، هل نحن فعلنا شيئاً في اللوح المحفوظ أو فعلنا شيئاً في صحائف الأعمال؟ نحن لم نفعل شيئاً، لم نر هذا ولا هذا حتى نفعل فيه شيئاً، أما المعنى أن كل شيء فعلناه موجود في هذا أو ذاك، فالمعنى يفسد تماماً على النصب، لأجل هذا أجمع على الرفع. إذاً فالإعراب فرع المعنى، فليس كل ما جاز هكذا لغة يصح أن يقال لأن المعنى به يفسد. قد قال: وليس منه أزيداً ذهب به لعدم اقتضائه النصب مع جواز التسليط. كنت تقول مثلاً زيدٌ مررت به أو زيدٌ أو زيداً مررت به بالنصب، الرفع زيدٌ مررت به زيدٌ مبتدأ مررت به جملة في موضع الخبر، وزيداً مررت به يعني جاوزته، لأن الفعل مر لا يتعدى بنفسه، هذا سبق، لكن هنا إذا قلت أزيداً ذهب به؟ هنا لا تستطيع أن تجعل زيداً منصوباً لا بالفعل ذهب ولا بفعل آخر مرادف له، لأنه على كل حال سيكون نائباً عن الفاعل، كأنك قلت مثلاً ذهب ذهب زيدٌ ذهب بزيدٍ، لن تستطيع أن تنصب. نقول: لا، يعني ذهب به يعني أخذ، إذاً ستقول أخذ زيداً ذهب به أيضاً، سيكون بالرفع حينئذ، هو لا يقتضي النصب حتى وإن سلط عليه.
بعد ذلك قال: باب في التنازع. قال: يجوز في ضربني وضربتُ زيداً إعمال الأول واختاره الكوفيون فيضمر في الثاني كل ما يحتاجه، أو الثاني يعني يجوز إعمال الثاني واختاره البصريون فيضمر في الأول مرفوعه فقط، نحو جفوني ولم أجفُ الأخلاء. وليس منه كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال. لماذا؟ لفساد المعنى. يسمى هذا الباب باب التنازع وباب الإعمال أيضاً. سمى باب التنازع هذا سيظهر معناه، باب الإعمال لأنه بعضهم أعمل هذا وبعضهم أعمل هذا، قال: وضابطه أن يتقدم عاملان.
ضابطه أن يتقدم عاملان أو أكثر، ويَتأخر معمول أو أكثر، ويكون كل من المتقدم طالباً لذلك المتأخر. فإذا قلت مثلاً: زرتُ وأكرمتُ زيداً، هنا تقدم عاملان: الفعل زار والفعل أكرم، ويَتأخر معمول وهو زيد. طب زرتُ وأكرمتُ زيداً؛ زيداً هذا مفعول به لزرتُ أم لأكرمتُ أم لهما؟ لا، هنا قالوا ليس لهما، إنما هو لأحدهما. طب أيهما جائز؟ قالوا كل جائز؛ فإذاً قالوا زرتُ وأكرمتُ زيداً؛ زيداً مفعول به لأحدهما، عند هؤلاء وعند هؤلاء ليس لهما.
المختلفون من أهل العلم كمدرسة الكوفة ومدرسة البصرة قالوا هذا جائز وهذا جائز، يعني يجوز أن تعمل هذا ويجوز أن تعمل هذا. الكوفيون قالوا: نعمل الأول لسبقه؛ لأنه سبق فهو يعمل في هذا المفعول. البصريون قالوا: نعمل الثاني؛ لقربه من المعمول، فكل له وجه. فلما نظر العلماء إلى أقوال العرب من شعر ونثر وجدوا مذهب البصريين أرجح. فالشواهد تشهد لصحة مذهب البصريين. تقول: زرتُ وأكرمتُ زيداً. قد يقول قائل: ما الفرق إذا كان زيد مفعولاً به للأول أو للثاني؟ لا، الذي يقول زرتُ وأكرمتُ زيداً هذا سيقول: هذا المثال على مذهب البصريين، ولو كان على مذهب الكوفيين لوجب أن يقال: زرتُ وأكرمتُه زيداً، وهذا ما سنعرفه إن شاء الله بعد قليل.
قال مثال تنازع العاملين معمولاً واحداً، قوله تعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]. ومن يدرس هذا الباب فعليه أن يحفظ هذا الشاهد وشاهداً آخر سآتي به إن شاء الله تبارك وتعالى، فهذان الشاهدان هما أقوى شاهدين في هذا الباب، فكثير من الشواهد لا يظهر فيها النصب، أو لا يظهر فيها أي العاملين عمل؛ لأن إما أن تكون مجرورة وإما أن يكون هناك بناء ليس هناك إعراب. حتى يكون عندك شواهد في الباب من كتاب الله تعالى، فهذا أهم الشواهد في هذا الباب.
قال: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾. أولاً ما العاملان السابقان؟ العامل الأول هو آتوني، وآتوني بمعنى أعطوني. والعامل الثاني هو أفرغ، أي صُبَّ. أين المعمول؟ المعمول هو قطراً، والمراد بالقطر النحاس. طب قطراً منصوب؛ وذلك لأن آتوني فعل وفاعل ومفعول يحتاج إلى مفعول ثانٍ، آتوني أعطوني، وسياتي قريباً إن شاء الله تبارك وتعالى في هذا الدرس الكلام عن المفعول به، فهناك أفعال تنصب مفعولين وهذه تنقسم إلى قسمين، سياتي الكلام منها. هذا الفعل آتوني والذي شبهه أعطوني، وهكذا، هذا ينصب مفعولين. فآتوني: آتي فعل أمر، وواو الجماعة فاعل، والنون للوقاية، وياء المتكلم مفعول به أول، ويحتاج الكلام إلى مفعول به ثانٍ، كما في قول عيسى عليه السلام: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ [مريم: 30]، آتاني الكتاب يعني أعطاني الكتاب. قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]، السفهاء مفعول به أول وأموالكم مفعول به ثانٍ. إذاً فهذا الفعل يحتاج إلى مفعول به ثانٍ. طب قطراً يصح أن يكون مفعولاً به ثانياً؟ نعم يصح، يعني أعطوني قطراً، أعطوني هذا النحاس حتى أجعله أفرغه وأصبه على هذا على هذين الجبلين يعني وما فعلته بينهما من السد والرَّدم حتى يتماسك، حتى يكون سداً منيعاً متماسكاً، وكذلك أملس لا يستطاع نقبه ولا يستطاع صعوده. فقطراً يصح أن يكون مفعولاً به ثانياً لآتوني. بعد ذلك وأفرغ فعل وفاعل يحتاج إلى مفعول، أفرغ أي صُبَّ، ماذا يصب؟ يصب هذا القطر، فإذاً قطراً يصح أن يكون مفعولاً به فقط لأفرغ لأنه لا يحتاج إلا إلى مفعول واحد. أفرغ الإناء، إذاً هذا يحتاج إلى مفعول. قال وتأخر عنهما قطراً، وكل منهما طالب له؛ هذا يحتاجه على أنه مفعول ثانٍ، وهذا يحتاجه على أنه مفعول، هو لا يحتاج إلا مفعولاً واحداً.
طيب هو لأيهما؟ هو معمول للثاني. ما الدليل؟ لا، حتى لا آخذ الكلام قبل أن يذكره المصنف، أمر على الكلام؛ لو كان معمولاً للأول لتغيرت الصيغة، لقيل: آتوني أفرغه عليه قطراً، لكن لم يأتِ هكذا.
قال ومثال تنازع العاملين أكثر من معمول: ضرب وأكرم زيدٌ عمراً. ضرب وأكرم عاملان، وزيدٌ فاعل وعمراً مفعول. وهذا معمول وهذا معمول، الفاعل معمول، نعم معمول؛ عمل فيه الفعل الرفع على الفاعلية، والمفعول به معمول، نعم عمل فيه الفعل النصب على المفعولية.
قال ومثال تنازع أكثر من عاملين معمولاً واحداً، كما: صليت وباركت وترحمت على إبراهيم، قال: فعلى إبراهيم مطلوب لكل واحد من هذه العوامل. طبعاً هذه صيغة كأنها من عند المصنف أو من كلام العلماء. وأما أن تكون هذه الصيغة في حديث فهذا لا أعلم كانت في حديث بهذه الصورة فلا أعلم. إنما لا يعلم: «اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم»، أو على آل إبراهيم هناك رواية، كذلك وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم أو على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. لكن جمع هكذا كأنها صيغة، لكن بعضهم يُنزِّل عليها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل: 89]، هذه موافقة لما ذكره المصنف، لكن الفرق أن صليت وباركت وترحمت هذه أفعال، أما هدى ورحمة وبشرى هذا مما يعمل عمل الفعل. قال: فعلى إبراهيم مطلوب لكل واحد من هذه العوامل الثلاثة.
قال ومثال تنازع أكثر من عاملين أكثر من معمول، قوله عليه الصلاة والسلام: «تسبحون وتحمدون وتكبرون دُبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين». فدبر منصوب على الظرفية، وثلاثاً وثلاثين منصوب على أنه مفعول مطلق، يعني هو نائب عنه لأنه عدده، يعني تسبحون تسبيحاً عدده كذا. قال: وقد تنازعهما كل من العوامل الثلاثة السابقة عليهما، يعني تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كل صلاة، وكذلك تسبحون وتحمدون وتكبرون ثلاثاً وثلاثين، هذه صورة المسألة.
قال إذا تقرر هذا فنقول: لا خلاف في جواز أي العاملين أو العوامل شئت، وإنما الخلاف في المختار. قال فالكوفيون يختارون إعمال الأول لسبقه، والبصريون يختارون إعمال الأخير لقربه. طب لأي شيء تشهد الشواهد؟ الشواهد تشهد لصحة مذهب البصريين. ما الدليل على ذلك؟ الدليل بقية الكلام. قال وإذا فإن أعملت الأول أضمرت في الثاني كل ما يحتاج إليه من مرفوع ومنصوب ومجرور. إذا أعملت الأول أضمرت في الثاني كل ما يحتاج إليه، فأنت إذا عملت الأول على مذهب الكوفيين ستقول في المثال الأول: زرت وأكرمت عمراً، لا تقول: زرت وأكرمته عمراً، لأنك عملت الأول زرت عمراً، طب وأكرمت هذا يحتاج إلى مفعول به؟ قال: لا بد أن تضمره، لا بد أن تجعله ضميراً وأن تلحقه بفعله، أن يكون منصوباً، يبقى أنت تقول: زرت وأكرمته عمراً. طب هل هكذا ورد؟ ورد الكلام؟ لا، مثل زرت أكرمته عمراً. قول الله تبارك وتعالى: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ كما سبق؛ لو أعمل الأول وهو آتوني، فكان قطراً معمولاً لآتوني لجيء لجاء الكلام آتوني أفرغه عليه قطراً، لماذا؟ لأن أفرغ يحتاج إلى مفعول به، فقطراً ليس مفعولاً به له، إذاً فهو يحتاج إلى مفعول به؛ قالوا إذاً يُلحق به، طب لم يُلحق؟ قالوا فهذا دال على صحة مذهب البصري.
قال: وذلك نحو قام وقعدا أخواك؛ لعل عندكم في النسخة كما عندي: قام وقعد أخوك، هكذا قام وقعد، قام وقعدا بالالف، لماذا؟ لأنه سيعمل الأول، فسيدمر في الثاني، سيجعل الفاعل موجوداً بألف الاثنين. يبقى من عنده قام وقعد أخواك بغير الألف التي هي ألف الاثنين فليجعل هذه الألف، ومن كانت عنده الألف فالنسخة صحيحة، قام وقعدا أخواك، وقام وضربتهما أخواك، يعني قام أخواك وضربتهما؛ يبقى هنا لأنه أعمل الأول، فلا بد أن يضمر في الثاني مرفوعه كما سبق قعدا، ومنصوبه كما هنا ضربتهما، ومجروره كما في الآتي قام ومررت بهما أخواك، وهذا لا تكاد تنطق به العرب، فلاجل هذا ضَعُف مذهب الكوفي. قال وذلك لأن الاسم المتنازع فيه وهو أخواك في المثال في نية التقديم، فالضمير إن عاد على متأخر لفظاً لكنه متقدم رتبة لا إشكال.
قال وإن أعملت الثاني، هذا هو المذهب الصحيح الآتي. قال وإن أعملت الثاني فإن احتاج الأول إلى مرفوع أضمرته؛ إن احتاج إلى مرفوع أضمرته، فقلت قاما وقعد أخواك، أضمرته أي جعلته ضميراً موجوداً، لا يُحذف؛ لأن هذا الفاعل لا يُحذف إلا في مسائل محفوظة، وقد مرت قبل ذلك، أو مر أكثرها قبل ذلك لما تكلم عن ما قام إلا هند، وما قام إلا هند، ورجح أن الواجب أن تقول ما قام إلا هند؛ لأن الفاعل محذوف هاهنا وهند إنما هي بدل منه، والأصل ما قام إلا هند، ما قام أحد إلا هند. وسبق طبعاً أن هذا الكلام فيه نظر، وأن هناك قراءة لأبي جعفر ترد هذا الكلام، سبق الكلام في هذا، ثم ذكر المسائل التي يطرد فيها حذف الفاعل في باب النيابة عن الفاعل وفي باب أفعل في التعجب إذا سبقه ما يدل عليه وفي فعل المصدر؛ هذه المواضع الأربعة التي ذكرها في حذف الفعل، هناك مواضع أخرى، لكن هذا الموضع ليس منها، إذاً فلا يحذف الفعل هنا، تقول: قاما وقعد أخواك. قال وإن احتاج إلى منصوب أو مخفوض أو مجرور يعني حذفته، حذفت المنصوب أو المجرور فقلت ضربت وضربني أخواك.
في هذا المثال ما العامل؟ الأول أم الثاني؟ العامل هو الثاني. ضربت، هذا فعل وفاعل، وضربني أخواك، ضربني: ضرب فعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به مقدم، وأخواك فاعل مؤخر، ضربني أخواك هما اللذان ضرباني. طب ضربت؟ لو أعمل الأول لقال: أخويك، يعني ضربت أخويك. طب قال: ضربت وضربني أخواك؛ أين مفعول ضربت؟ لماذا لم يقل ضربتهما وضربني أخواك؟ لو قال ضربتهما وضربني أخواك، لم يكن من هذا الباب أو كان كلاماً خطأ أصلاً. قالوا لا، هنا لأنه منصوب اغتفر حذفه فيحذف لا يذكر، يحذف. قال كذلك مررت ومر بي أخواك؛ مررت ومر به أخواك، أصل الكلام مررت بأخويك ومر به أخواك، ولو قيل مررت بهما ومر به أخواك أيضاً ربما لم يكن كلاماً عربياً، إنما مررت ومر به أخواك، فحذف الجر والمجرور لأنه أعمل الثاني دون الأول. قال ولا تقل ضربتهما ولا مررت بهما، هنا من القليل أن يقول المصنف لا تقل في هذا الكتاب يعني كثيراً ما يجعلها لا النافية يعني لا تقول يعني أنت لا تقولها لأنه لا يصح؛ لا تقل لأنه هنا ينهاك عن هذا القيل لأنه أيضاً لا يصح؛ لأن عود الضمير على ما تأخر لفظاً ورتبة إنما اغتفر في المرفوع لأنه غير صالح للسقوط. لكن أنا لو قلت ضربتهما وضربني أخواك، لعاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وكذلك مررت بهما ومر بي أخواك، لعاد الضمير على متأخر لفظاً ورتبة، وكان هذا الكلام كأنه لا يصح عربياً، فقيل لهم: أنتم تقولون قاما وقعد أخواك، فتعيدون الضمير الذي هو ألف الاثنين على متأخر لفظاً ورتبة. قالوا: نعم هذا في المرفوع فقط لأنه لا يصح سقوطه لأنه فاعل كما سبق، ولا يصح سقوطه. قال لأنه غير صالح للسقوط أي للحذف يعني، ولا كذلك المنصوب والمجرور يعني وليس كذلك المنصوب والمجرور.
ما شواهد هذه المسألة الكبيرة؟ أنا لم أرضَ أن أدخل لكم وأن أقول لكم ما قلت في آخر باب الاشتغال مما قاله شيخنا المذكور، من أنه كان يريد أن يحذف هذا الباب وباب آخر، هذا هو الباب الآخر، هذان البابان معاً وهما التنازع والاشتغال كان يحب أن يحذف. كان هو يحب أن يحذف من هذا الكتاب ومن كتب النحو عموماً، لكن الأمر الله أعلم ليس بهذه الصورة. إذاً أنا قلت لكم قبل ذلك كنت أريد أن يكون هذا درساً منفصلاً وحده دون شيء معه، لا قبله ولا بعده، لكن يعني أبى الله إلا أن يكون هكذا، يعني هناك شيء منه كان في الدرس الماضي وسياتي شيء بإذن الله تعالى في المفعولات، شيء يسير إن شاء الله في هذا الدرس. نعم، طيب ما الأمثلة على هذا؟ المصنف ذكر مثالاً وهذا قليل، ليس من عادة المصنف أن يذكر مثالاً في الأصل ويغفله في الشرح.
ففي هذا الموضع، وأظن في موضع أو في موضعين آخرين، ذكر في الأصل «جفوني ولم أجفل الأخلّاء» ولم يذكر بقية البيت، يعني «جفوني ولم أجفل الأخلّاء، إنني لغير جميل من خليلي مُهمل». هذا البيت إن صح عربياً فهو شاهد ودليل، وإلا ما صح فهو مثال. هذا ذكرت لكم كثيراً قبل ذلك، ذكرت أن مثل هذه الأبيات إذا رأيتم كما يذكر الشيخ محمد محيي الدين، وهو من المحققين في هذا الباب ومن العارفين بالشعر العربي، هذا لم يذكر لهذا البيت مثلاً قائلاً معيناً؛ لم يُعرف له قائل ولم يوجد إلا في الكتب المتأخرة. يوجد مثلاً إلا في الكتب بعد القرن السادس وما بعده، فأين كان قبل ذلك؟ فهذا يدل على أنه بيت ليس عربياً، يعني إنما وُضع ليستشهد به، أو لا أقول يستشهد، بل يجعله مثلاً لشيء معين، وإن كان بعضهم يذهب إلى أشد من ذلك. المهم، الشاهد فيه: «جفوني ولم أجفل الأخلّاء»، ماذا أعمل؟ أعمل الثاني: «ولم أجفل الأخلّاء»، «لم أجفُ أنا الأخلّاء». فأجفو فعل مضارع مجزوم بـ«لم»، وعلامة جزمه حذف حرف العلة وهو الواو، والأخلّاء مفعول به. طيب جفوني، لم يقل الأخلّاء، إذاً جفوني ولم أجفُ الأخلّاء. طيب لو أعمل الأول، لقال: «جفوني ولم أجفهم الأخلّاء». نعم، لقال: «جفوني ولم أجفهم الأخلّاء»، يعني غير الصيغة وقال جفاني، ولم يأت بالواو إلا على لغة «أكلوني البراغيث»، فقال: «جفاني ولم أجفهم». هل قال ذلك؟ لا، فعلم أن هذا لو كان عربياً لكان دليلاً قاطعاً لصحة مذهب البصريين.
وفي كتاب الله تعالى من هذا آيتان هما أشهر ما قيل في ذلك، وهناك آية أخرى قيل بها، وبقية الآيات هي على ذلك، هي على مذهب البصريين لكن لا يظهر فيها هذا من أول وهلة. الآية الأولى ما سبق الكلام فيها مراراً، وهي قول الله تبارك وتعالى في سورة الكهف: ﴿آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: 96]. هذا يدل على أنه أعمل الثاني: «أفرغ عليه قطراً»، فقطراً مفعول به للفعل «أفرغ»، ولو أعمل الأول لكان الكلام: «آتوني أفرغه عليه قطراً»، وهذا لم يقرأ به أحد. إذاً هنا أعمل الثاني.
من ذلك أيضاً قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19]. «هاؤم» بمعنى خذوا، هذا اسم فعل أمر بمعنى خذوا، واقرأوا معروف، «كتابيه» أي كتابي، والهاء هاء السكت، يعني خذوا كتابي اقرأوه. فكتابي الذي هو «كتابيه» بهاء السكت، هذا يصح أن يكون مفعولاً به لـ«اقرأوا» وأن يكون مفعولاً به لـ«هاؤم»، يعني خذوا كتابي، اقرأوا كتابي. طيب هو مفعول به لأيهما؟ مفعول به للثاني، يعني «اقرأوا كتابيه». طيب لو كان مفعولاً به للأول، لكان الكلام: «هاؤم اقرأوه كتابيه»، وهذا أيضاً لم يقرأ به أحد، فهذا دال على صحة مذهب البصريين.
وبعضهم يجعل من هذا أيضاً قول الله تبارك وتعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 26]. ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ﴾، والفعل هذا يتعدى بنفسه أحياناً، ويتعدى بـ«إلى» أحياناً، ويتعدى باللام أحياناً؛ يتعدى بنفسه إلى المفعول الثاني: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، تعدى بنفسه للمفعولين جميعاً، و﴿يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قال: ﴿لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنًا﴾، فجعل «سُنن» مفعولاً به للثاني. ولو كان مفعولاً للأول، يعني «ليبيّن لكم سنناً»، لكان الكلام: «ليبيّن لكم ويهديكموها»، أو «يهديكم إياها» مثلاً، وهذا أيضاً لم يقرأ به أحد. فهذه الآية عند من يجعلها من هذا الباب، وهناك آيات أخرى، ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا﴾ [الجن: 4]. كان ويقول، كلاهما؛ يعني يريد قوله «سفيهنا» على أنه مرفوع، كان احتاج إلى هذا المرفوع على أنه اسم كان، و«يقول» يحتاج إلى هذا المرفوع على أنه فاعل، فهذا وهذا. وقالوا أيضاً هو فاعل لـ«يقول». ومثل هذا كثير، لكن لا يظهر فيه ما يظهر في مثل هذا المنصوب. فالظاهر يكون في المنصوب، وكذلك يكون في المجرور، قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176].
قالوا: يستفتونك ويفتيكم، كلاهما يحتاج إلى الجر والمجرور الذي بعد ذلك «في الكلالة»، يعني يستفتونك في الكلالة، الله يفتيكم في الكلالة. قالوا ما الذي عمل في الجر والمجرور؟ هو الجر والمجرور في موضع النصب؛ يعني لا بد له من عامل يعمل فيه، لا يكون الجر والمجرور هكذا؛ يقولون الجر والمجرور متعلق بكذا، هو الذي عمل فيه أو في محله. هذا الجر والمجرور معمول لـ«يستفتونك» أم معمول لـ«يفتيكم»؟ معناه يصح أن يكون معمولاً للجميع، وهو محتاج إلى هذا وذاك، وهو في المعنى يحتاج إلى هذا وذاك، لكن هو ما الذي عمل فيه؟ قالوا عمل فيه «يفتيكم». وهذا يؤكد مذهب البصريين، وكأنهم يقولون لو عمل فيه الأول على مذهب الكوفيين، لكان الكلام: «يستفتونك قل الله يفتيكم فيها» في الكلالة. ومثل هذا لم يقرأ به أحد، لأنهم يقولون لو أعمل الأول لوجب أن يُضمر في الثاني كل ما يحتاجه هنا، سيقول «يفتيكم فيها» لأنه عمل الأول، يعني يستفتونك في الكلالة، قل الله يفتيكم فيها. فمذهب البصريين أرجح وهو المتناغم مع لسان العرب.
قال المصنف: «وليس من التنازع قول امرئ القيس: ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة، كفاني ولم أطلب قليل من المال». إنه بعد أن ذكر باب الاشتغال وما فيه، ذكر آية يُظن أنها منه وهي ليست منه، وقول الله تبارك وتعالى ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 52]، وبعد ذكر باب التنازع ذكر بيت من الشعر يُظن أنه منه وهو ليس منه، والمعول على هذا كله فساد المعنى، فليس منه لفساد المعنى، وهنا أيضاً ليس منه لفساد المعنى، ثم ذكر استطراداً طويلاً في شرح البيت. خلاصة الكلام أن امرأ القيس كان بعد أن قُتل أبوه، هو طبعاً كان قبل ذلك سكيراً، فلما قُتل قال: «اليوم خمر وغداً أمر»، ثم أصبح يطلب مُلك أبيه، فيقول: «ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة، كفاني ولم أطلب قليل من المال، ولكنما أسعى لمجد مُؤثَّل، وقد يُدرك المجدَ المؤثلَ أمثالي». المجد المؤثل الأصيل الذي له أصل، هو كان أبوه ملكاً فهو لا يطلب مُلكاً لم يكن له. فهو بمجموع البيتين واضح أنه يطلب الملك.
فلو قال «كفاني»، هو يقول: «ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة»، يعني لو كنت أنا ساعياً لمعيشة قليلة ليست معيشة ملوك، أسعى لأتكفّف لأعيش وآكل وأشرب، أفعل وأنام مثلاً حتى أموت، الأمور العادية التي كنت أفعلها قبل ذلك حتى وإن كان مدمناً للخمر أو عاكفاً على الخمر، لم أعد أسعى لهذه المعيشة، لم أعد أسعى لهذه المعيشة الدنيئة، إنما أنا الآن أطمح للملك. فقوله لو كنت أسعى لأدنى معيشة، لكفاني قليل من المال، هذا هو المعنى؛ لو كنت أسعى لمعيشة دنيئة يسيرة كما كنت قبل ذلك لكفاني قليل من المال، ولم أطلب قليلاً من المال. هذا المعنى يتناقض، يعني لو قال كفاني قليل من المال ولم أطلب قليلاً من المال لكان المعنى متناقضاً تماماً؛ لأن الشرط في صحة أن يكون هذا من باب التنازع أن يطلب كل من العاملين السابقين المعمول اللاحق، وأن يصح المعنى. كفاني قليل من المال ولم أطلب قليلاً من المال، رجل يسعى لأدنى معيشة أقل معيشة، فحينئذ سيكفيه قليل من المال، وحينئذ لن يطلب قليلاً من المال، لا طبعاً ليس المعنى هكذا. طب إذا «لم أطلب» هذه لأي شيء؟ هذا يقول لك أنت واضح من المعنى بالبيت الآخر أنني أطلب الملك، كأنه قال: كفاني قليل من المال، ولم أطلب الملك، لو كنت أسعى لأدنى معيشة، لم أكن طالباً للملك، أو لم أطلب الملك. ثم قال بعد ذلك: ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي. المصنف ذكر استطراداً طويلاً أرجو أن يكون مفهوماً، وإلا فهو اعتبر الكلام بـ«لو» أنها حرف امتناع لامتناع، وذكر كلاماً طويلاً قد لا يُفهم بسهولة، أحاول أن أبسطه إن استطعت بإذن الله تعالى.
قال: وذلك لأن شرط هذا الباب أن يكون العاملان موجهين إلى شيء واحد كما قدمنا، هذا واضح في كل الأمثلة: «آتوني أفرغ عليه قطراً»، القطر يحتاج إلى «آتوني» ويحتاج إلى «أفرغ»، وكل من «آتوني» و«أفرغ» موجه إلى القطر على أنه يحتاج هذا ما يحتاجه مفعولاً، وهذا يحتاجه مفعولاً ثانياً. «هاؤم اقرأوا كتابيه»، خذوا كتابي، اقرأوا كتابي. قال: ولو وُجِّه هنا «كفاني» و«أطلب» إلى «قليل» لفسد المعنى. إلى هنا انتهى الكلام، والكلام واضح، فسد المعنى لأنه لا يصح أن يقول كفاني قليل من المال ولم أطلب قليلاً من المال، هذا معنى متناقض، لكن أسهب المصنف جداً في بيان فساد المعنى. قال: لأن «لو» تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره كما سبق قبل ذلك، «لو» لما حرف أو أداة على اختلاف بين حرف أم اسم، «لو» لما أداة وجود لوجود، قيل حرف وقيل اسم، و«لو» حرف امتناع لامتناع، و«لولا» حرف امتناع لوجود. الكلام هنا في «لو»، هذه حرف امتناع لامتناع، تدل على امتناع الشيء لامتناع غيره. فإذا كان ما بعدها مثبتاً كان منفياً، نحو: «لو جاءني أكرمتُه»، معناها أيه؟ معناها لم أكرمه لأنه لم يجئ، لم أكرمه لعدم مجيئه، فامتنع الإكرام لامتناع المجيء، مع أن الكلام بعدها مثبت، «جاءني» و«أكرمته» مثبتان، فمعناهما النفي. وإذا كان منفياً كان مثبتاً نحو: «لو لم يُسئ لم أعاقبه»، ما معنى «لو لم يسئ لم أعاقبه»؟ معنى ذلك أنه أساء فعاقبته، أو أنك عاقبته لأنه أساء، فلم يسئ منفي، ولم أعاقبه منفي، فالمعنى فيهما الإثبات. فالمثبت بعدها منفي، والمنفي بعدها مثبت.
قال وعلى هذا، فقوله: «ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة»، فالذي بعد «لو» هو «أن ما أسعى لأدنى معيشة»، هذا مثبت أم منفي؟ هذا مثبت فهو منفي، قال: منفي لكونه في نفسه مثبتاً. أحاول أن أشرح لك ألفاظ المصنف شيئاً فشيئاً دون استطراد حتى تفهمها قدر الاستطاعة بإذن الله تعالى، وقد دخل عليه حرف الامتناع، فهو في نفسه مثبت ودخل عليه حرف الامتناع فصار منفياً. هو: «ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة»، قال: وكل شيء امتنع لعلة ثبت نقيضه. هذا شيء امتنع لأجل علة ما، الذي يثبت يثبته عكسه. يبقى إذاً ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة، هو لا يسعى لأدنى معيشة، فما نقيض ذلك؟ قال ونقيض السعي لأدنى معيشة عدم السعي لأدنى معيشة، يعني السعي لمعيشة عالية، معيشة الملك. وقوله «لم أطلب» مثبت، «لم أطلب» مثبت، كيف ده منفي؟ نعم مثبت لكونه منفياً بـ«لم»، و«لم» وهي داخل في حيز «لو»، وقد دخل عليه حرف الامتناع، فلأنه منفي بـ«لم» ودخل عليه حرف الامتناع فصار الآن مثبتاً.
فلو وُجِّه إلى «قليل» وجب فيه إثبات طلب القليل، يعني «ولم أطلب قليلاً»، يعني لو حصل ذلك لم أطلب قليلاً، فأنا الآن طالب للقليل، كأنه يقول أنا يا جماعة الآن طالب للقليل. هو منذ قليل قال أنا لا أسعى للقليل، فكيف أقول إني لا أسعى للقليل ومع ذلك أنا طالب للقليل؟ هذا لا يقوله عربي. قال وهو عين ما نفاه أولاً، وإذا بطل ذلك تعيّن أن يكون مفعول «أطلب» محذوفاً، يعني «لم أطلب الملك»، وتقديره لم أطلب الملك طبعاً، وهذا التقدير مأخوذ من البيت الثاني كما سبق، ومقتضى ذلك أنه طالب للملك وهو المراد. فإن قيل إنما يلزم فساد جعله من باب التنازع لعطفك «لم أطلب» على «كفاني»، ولو قدرته مستأنفاً كان نفياً محضاً غير داخل تحت حكم «لو»، هذا إخراج للباب من أصله؛ لأنه لا بد أن يكون العاملان مسلَّطين على معمول واحد، وألا يفسد المعنى. قال: قلت إنما يجوز التنازع بشرط أن يكون بين العاملين ارتباط، وتقدير الاستئناف يُزيل الارتباط.
ثم قال بعد ذلك: باب المفعول المنصوب. قال قد مضى أن الفاعل مرفوع أبداً، أبداً يعني دائماً، واعلم واعلم الآن أن المفعول منصوب أبداً، أي دائماً. والسبب في ذلك أن الفاعل لا يكون إلا واحداً، والرفع ثقيل، والمفعول يكون واحداً فأكثر، والنصب خفيف، فجعل الثقيل للقليل، والخفيف للكثير، قصداً للتعادل. هذا من باب العلل، وكثير من العلماء يقول بالعلل النحوية وبعضهم ينكر هذه العلل، خصوصاً العلل الثواني والثوالث، ويكون ما نأخذ ما ورد عن العرب هكذا كما جاءنا، ولا نتكلم في كثير من التعليل، وأحياناً يكون التعليل صحيحاً وأحياناً يكون ضعيفاً، حتى إن بعضهم ليمثل بضعف الشيء بقياسه على علة نحوية، فيقول هذا أضعف من علة نحوية أو من علة نحوية، كأنهم ضربوا بها المثل في الضعف. فهذا التقرير يمكن أن يوافق فيه المصنف ويمكن ألا يوافق، يعني هكذا ورد عن العرب أنهم جاؤوا بالفاعل مرفوعاً وبالمفعول به منصوباً، وهذا الذي ورد في كتاب الله تعالى كله، وكذلك في المعروف في السنة، وكذلك في أشعار العرب، إلا في قليل من كلامها نظمه ونثره.
وهذا نادر جدا أنهم رفعوا المفعول ونصبوا الفاعل، ولكن اعتمدوا على أن المعنى مفهوم ولا يلتبس أبداً. وإلا فلا تجدهم رفعوا المفعول ونصبوا الفاعل في مكان ملتبس، إنما ما ورد عنهم من رفع المفعول ونصب الفاعل فإنما كان فيما لا يلتبس كقولهم: كسر الزجاج الحجر، وخرق الثوب المسمار. هذا معلوم أنه على العكس، كسر الزجاج الحجر معلوم لكل أحد أن الحجر هو الذي يكسر الزجاج. وكذلك خرق الثوب المسمار معلوم لكل أحد أن المسمار هو الذي يخرق الثوب، فنصبوا الفاعل ورفعوا المفعول في مثل هذا، وفي بعض أشعارهم القليل، لكن هذا نادر لا يقاس عليه. وأما أن المعنى مفهوم وفي غير ذلك يقال رفعوا الفاعل دائماً ونصبوا المفعول دائماً، وهذا كلامهم كله ولا يؤخذ.
لكن المصنف يقول: تمس لذلك علة فقال الفاعل لا يكون إلا واحداً، ليس هناك فاعل أول وفاعل ثانٍ وفاعل ثالث، قد يكون هناك فاعل ومعطوف على الفاعل، أما المفعول فهناك فعل كما سيأتي بإذن الله قريباً ينصب مفعولاً واحداً، هناك مفعول واحد، هناك فعل ينصب مفعولين، هناك فعل ينصب ثلاثة مفاعيل، فالمفعول يكون واحداً ويكون اثنين ويكون ثلاثة فيتعدد. قالوا: إذاً نجعل الرفع الذي هو ثقيل للفاعل الذي هو واحد، ونجعل النصب الذي هو خفيف للمفعول الذي هو كثير، فجعلنا الثقيل للقليل، وجعلنا الخفيف للكثير قصداً للتعادل بين هذا وذلك، هذا الذي يذكره المصنف.
قال: وهو خمسة، قيل أربعة وقيل ستة كما سيذكر، لكن المشهور أنه خمسة. قال: هذا هو الصحيح، الصحيح أن المفعولات خمسة أو أن المفاعيل خمسة، يقولون المفعولات ويقولون المفاعيل. قال هي: المفعول به كـ "ضربت زيداً"، والمفعول المطلق وهو المصدر كـ "ضربت ضرباً"، والمفعول فيه وهو الظرف كـ "صمت يوم الخميس" و"جلست أمامك"، والمفعول له كـ "قمت إجلالاً لك"، والمفعول معه كـ "سرت والنيل". هذه كلها سيأتي الكلام فيها تفصيلاً إن شاء الله تبارك وتعالى.
هناك مفعول مطلق، مطلق يعني لم يقيد بشيء، لم يقيد بحرف جر كغيره، لأجل هذا بدأ به بعضهم، قالوا نبدأ بالمفعول المطلق لأنه لم يقيد بحرف جر بخلاف غيره: مفعول به، له، معه، فيه، لكن هذا مفعول مطلق الذي هو الفعل نفسه "ضربت ضرباً"، فالضرب هو الحدث، هو المفعول سمي المفعول المطلق. ثم بعد ذلك يقيد، مفعول به وقع عليه فعل الفاعل "ضربت زيداً"، زيد هو المضروب مفعول فيه. أما هذا الفعل الذي يفعله الإنسان، الضرب، الأكل، الشرب، إنه يفعله في زمان معين أو في مكان معين، الفعل إما أن يفعله الإنسان في زمان معين أو في مكان معين، فإذا فعله في زمان معين وجاء هذا الزمان منصوباً فيكون منصوباً على الظرفية الزمنية، يعني أن فلاناً فعل هذا في يوم كذا وكذا، قال كـ "صمت يوم الخميس"، وجلست أمامك، جلس في هذا المكان المعين كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: 42]، هذا معروف.
قال والمفعول له، الذي يسمى المفعول لأجله أو المفعول من أجله، مفعول لأجله بسبب كذا وكذا، فعلت هذا الفعل لأجل كذا، "قمت إجلالاً لك" أي لأجل الإجلال لأجل الاحترام. وكان هذا ينازع فيه من الناحية الشرعية في بعض الأحيان، أحياناً يجوز القيام لفلان وأحياناً لا يجوز، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قوموا إلى سيدكم» فأنزلوه، لما جاء سعد بن معاذ رضي الله عنه ليحكم في بني قريظة، لكن في موطن آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من أحب أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار». فالمسألة فيها بعض الكلام يعرف من الدراسة الحديثية والفقهية في هذا الباب، وإلا فليس كل قيام يكون منهياً عنه ويكون صاحبه متوعداً بالنار، وليس كل قيام يكون سائغاً جائزاً فكل بحسبه. وقام طلحة بن عبيد الله مهرولاً لكعب بن مالك رضي الله عنه يهنئه بتوبة الله عليه ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الباب لابد أن يبحث، ولكن ليس هذا محل بحثه، إنما محل بحثه كما ذكرت لكم أما في الحديث وإما في الفقه.
قال والمفعول معه: "سرت والنيل"، هذا ليس مفعولاً به ولا مفعولاً له ولا مفعولاً لأجله ولا مفعولاً مطلقاً، مفعول معه، "سرت والنيل" يعني أنا سرت محاذياً لهذا النهر، لنهر النيل سرت معه، هو لا يسير معي، أنا أسير معه، فنحو سيري والطريقة مثل سيري مع الطريق، نسير مع النهر، كذلك "سرت والقمر"، فهذه هي المفعولات الخمسة هذا إجمالاً، وسيأتي الكلام عليها تفصيلاً إن شاء الله تعالى.
قال ونقص الزجاج منها المفعول معه، سبق التعريف بالزجاج عليه رحمة الله فجعله مفعولاً به، وقدر "سرت وجاوزت النيل" يعني في هذا المثال "سرت والنيل"، نقول لا، النيل هذا ليس مفعولاً معه، ليس هناك شيء عنده اسمه مفعول معه، بل المفعولات أربعة فقط: مفعول مطلق، ومفعول له، ومفعول فيه وهو الظرف زماناً كان أو مكاناً، ومفعول به والذي وقع عليه فعل الفاعل. تقول طب والنيل هذا من هذا الباب؟ يعني "سرت والنيل" أي سرت وجاوزت النيل، فقدر هذا المقدم. قال وإن كان طبعاً فرق بين "سرت والنيل" بمعنى أنه مفعول معه وما بين "سرت وجاوزت النيل"، بينهما فرق واضح في الصناعة.
قال ونقص الكوفيون منها المفعول له، فجعلوه من باب المفعول المطلق، يعني "قمت إجلالاً لك" قالوا كما كأنك تقول قعدت قعوداً، هذا مفعول مطلق، وقعدت جلوساً، هذا مفعول مطلق لكنه مخالف للفظ مخالف له في اللفظ، وقمت قياماً هذا مفعول مطلق موافق في اللفظ، وقمت وقوفاً هذا مفعول مطلق مخالف في اللفظ، كذلك قالوا قمت إجلالاً، هذا مفعول مطلق لكنه مخالف في اللفظ. لكن والله أعلم بين البابين فرق واضح.
وزاد السيرافي سادساً، السيرافي هو الإمام أبو سعيد الحسن بن عبد الله بن المرزبان المتوفى سنة 368، زاد سادساً السيرافي قال لا، المفعولات ليست أربعة بل ليست خمسة، النص هي هذه الخمسة: مفعول به، مفعول مطلق، مفعول له، مفعول معه، مفعول فيه وهو ظرف زمان أو مكان، وهناك آخر أيضاً سادس وهو المفعول منه. المفعول منه، هل هناك شيء اسمه المفعول منه؟ نعم، هذا زاده بعض العلماء واستدل بهذه الآية، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: 155]. "اختار موسى قومه"، يعني اختار موسى من قومه سبعين رجلاً، "اختار موسى قومه سبعين رجلاً"، "اختار سبعين رجلاً" لقومه، كيف نعربها؟ فعل "اختار" هو لا ينصب مفعولين، ولا يصح نصب المفعولين، إنما اختار قومه وأما اختار سبعين قال نعم، اختار سبعين، طب من أين؟ من قومه، طب كيف نصبت؟ قال نصبت لأنه مفعول منه، فهذا اصطلاح خاص به، وإن وافقه عليه موافق، اختار موسى قومه لكن يأبى الأئمة ذلك ويقول لا، ليس هناك شيء اسمه مفعول منه، "اختار موسى قومه سبعين رجلاً"، سبعين هنا أكثر من وجه للعلماء في هذا، بعضهم يقول اختار موسى قومه هذا هو المفعول به، اختار قومه، ثم قال سبعين رجلاً، هذا إنه بدل بعض من كل، اختار قومه اختار منهم سبعين، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ﴾ [المزمل: 2-3]، وهذا إن شاء الله سيأتي في باب البدل، قم الليل هو قال ذكر الليل ثم قال نصفه، والليل ليس نصف الليل، أما هذا اسمه بدل بعض من كل، تقول أكلت الرغيف ثلثه نصفه ربعه هكذا.
الوجه الثاني أنهم يقولون "اختار موسى سبعين" نعم اختار سبعين، وقومه هذا اسمه منصوب على نزع الخافض يعني على حذف حرف الجر، وهذه مسألة لم يتكلم فيها المصنف في هذا الكتاب، مسألة النصب على نزع الخافض أو على حذف حرف الجر، أيضاً من المسائل التي أهملها المصنف في هذا الكتاب ولم يذكرها، هناك بعض المسائل لم يذكرها يعني استدرك في كتب أخرى. إذاً على كلمة خالفوا السيرافي، قالوا لا ليس هناك شيء اسمه مفعول منه، وهذه الآية التي استدللت بها تحتمل وجوهاً أخرى.
قال وسمى الجوهري المستثنى مفعولاً دونه، قالوا يا جماعة في هناك نوع سادس لكن ليس مفعولاً إنما هو المفعول دونه، ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249] قليلاً لماذا نصب؟ قال نصب لأنه مفعول دونه، فشربوا منه، شربوا جميعاً الذين كانوا مع طالوت إلا قليلاً دون هؤلاء فهو منصوب على أنه مفعول. من قال لا، هو منصوب على أنه مستثنى، والجوهري عليه رحمة الله صاحب الصحاح هو معروف، الذي اختصر في مختار الصحاح كما هو معلوم، اختصر في غير ذلك، يعني هو أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري المتوفى سنة 393.
قال المصنف رحمه الله تعالى: المفعول به، وهو ما وقع عليه فعل الفاعل كـ "ضربت زيداً". المفعول به ما تعريفه؟ التعريف الذي اختاره المصنف "ما وقع عليه فعل الفاعل"، "ضربت زيداً"، هذه العبارة مكونة من عدد من الكلمات ما عددها أو ما عددهن؟ ثلاث: ضرب والتاء وزيداً، ضرب فعل ماض بني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك وهو التاء، والتاء ضمير مبني على الضم في محل رفع لأنه فاعل، وزيداً مفعول به، عندي فعل وفاعل ومفعول، الفاعل هو التاء أنا، يعني كان أو قال "ضرب زيد عمراً"، فاعل التاء الذي هو أنا الذي هو مثلاً عمرو، ثاني قلت: ضرب عمرو زيداً في هذا المثال عكس، عمرو هذا هو فاعل الضرب، والفعل هو الضرب، هذا الضرب وقع على من؟ وقع على زيد، فيقولون المفعول به ما وقع عليه فعل الفاعل.
هذا هو المفعول به قال: هذا الحد لابن الحاجب عليه رحمة الله، وقد استشكل بقولك: "ما ضربت زيداً"، إذا قلت "ما ضربت زيداً"، أنت هنا ضربته أم لم تضربه؟ لا، لم تضربه، فكيف تقول وقع عليه فعل الفاعل؟ هذا لم يقع عليه فعل الفاعل، وكذلك لا تضرب زيداً، لا تضرب زيداً يعني اضربه ولا لا اضربه؟ لا تضربه يعني لا توقيع عليه للفعل، فكيف تقول زيداً مفعول به وقد وقع عليه فعل الفاعل؟ فبعضهم نازع في هذا الحد، ولا تكاد تجد تعريفاً إلا وعليه اعتراضات، فيعني هذه الأمور أيضاً تؤخذ بسلاسة ويسر، ويتوقف معها قليلاً طالما أنها لا ينبني عليها كبير عمل، وليست من مسائل مثلاً الفقه الكبيرة، ومسائل العقيدة ولا مسائل الأصول، فقلت هذه الأشياء، لكن هو أجاب عن ذلك، قال: وأجيب بأن المراد بالوقوع إنما هو تعلقه بما لا يعقل إلا به، ليس معنى أنه لابد أن يحصل شيء، لا، أن يتعلق به وجوداً أو عدماً أو إثباتاً أو نفياً، "ضربت زيداً"، ضربت هذا الفعل الذي هو متعدٍ، لابد أن يتعدى إلى شيء، إلى هنا تعدى إلى زيد إثباتاً، "ما ضربت زيداً"، أيضاً هذا الفعل "ضرب" لابد أن يتعدى، تعدى إلى زيد، فزيد زيداً، لكن نفياً، إثباتاً أو نفياً، ألا ترى أن زيداً في المثالين متعلق بضرب؟ نعم، بلى، ألا ترى بلى ترى ذلك؟ وأن ضرب يتوقف فهمه عليه أو على ما قام مقامه من المتعلقات، بلى، الأمر واضح.
بقي من ذلك شيء قبل قول المصنف ومنه المنادى، لأن الكلام في المنادى سيكون بإذن الله تبارك وتعالى في الدرس القادم، وسيكون درساً طويلاً، فالمصنف تكلم عن المفعول به في سطرين، ثم تكلم عن المنادى الذي هو جزء من المفعول به يعني في قرابة 20 صفحة، إن شاء الله بإذن الله سيكون الدرس القادم، وذكر أمثلة كثيرة وأنواعاً كثيرة، وذكر الاستغاثة والندبة والترخيم، الأشياء التي تبعنا، كثير منها ليس في كتاب الله، سأذكرها وإن شاء الله سينتهي درس المنادى غداً إن شاء الله تعالى وقدر وكانت هناك عافية بإذن الله تعالى.
قال ومنه المنادى، قبل ذلك، قبل قوله ومنه المنادى، أذكر شيئاً في هذه الدقيقة: إن المفعول به إما أن يكون واحداً أو اثنين أو ثلاثة كما يعني إشارة هو إشارة قال والنصب خفيف، المفعول يكون واحداً فأكثر والنصب خفيف، المفعول يكون واحداً فأكثر. هناك أفعال تنصب مفعولاً واحداً، هناك أفعال تنصب مفعولين، وهناك أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل، مما ينصب مفعولاً واحداً أو من الأمثلة قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16] فعل وفاعل ومفعول، كذلك ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [إبراهيم: 25] هذا فعل وفاعل ومفعول، ﴿لَّا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 102] يسمعون واو الجماعة فاعل وحسيسها مفعول به، لكن ﴿يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 3] يقيمون واو الجماعة فاعل والصلاة مفعول به وهكذا، أمثلة كثيرة.
هناك ما ينصب مفعولين، وهذا الذي ينصب مفعولين هو نفسه على قسمين: منهما ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، ومنه ما ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر. الذي ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر سبق الكلام فيه وهو ظن وأخواتها: ﴿أَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور: 15]، ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]، ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: 6]، الأمثلة سبقت بكثرة. الذي ينصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر كالفعل آتى وأعطى، كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]، وفي قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، وآتوا فعل وفاعل، اليتامى مفعول به أول، أموالهم مفعول به ثاني، أعطيناك أعطينا النا فاعل والكاف مفعول أول والكوثر مفعول به ثاني.
الذي ينصب ثلاثة مفاعيل سبعة أفعال أيضاً، لما يتكلم المصنف عليها، لها مثال فيما أعلم لها مثال واحد في كتاب الله تعالى، فيه نزاع في قوله تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 167].
عليهم، قال بعضهم: يريهم، الهاء مفعول به أول، الله فاعل، أعمالهم مفعول به ثانٍ، حسرات مفعول به ثالث، فبعضهم جعلها من هذا الباب، وبعضهم جعلها من باب ما ينصب مفعولين فقط، وأعرب حسرات حالًا.
هذه بعض الأمثلة على ما ينصب مفعولًا واحدًا، وما ينصب مفعولين، وما ينصب ثلاثة مفاعيل زيادة على ما ذكره المصنف في باب الفاعل.
أبدأ الدرس القادم بإذن الله تعالى في باب المنادى، وأرجو أن يتم في درس واحد. هذا، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، الحمد لله رب العالمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق