هذا هو الدرس الثالث والعشرون من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله. كان آخر شيء في الدرس الماضي الكلام عن قوله: وهو خمسة، يعني المفعولات، بعد أن قال باب المفعول منصوب، تكلم عن المفعولات إجمالًا، وها هو يبدأ فيها تفصيلًا، فذكر المفعول به أولًا وهو ما وقع عليه فعل الفاعل، وذكر هذا التعريف ومثل له، ولم يطل في باب المفعول به.
وذكرت أن المفعول به يكون واحدًا ويكون اثنين ويكون ثلاثة، وهو قد ذكر ذلك إجمالًا. فهناك أفعال لازمة هذه لا تدخل هنا، الفعل اللازم يرفع فاعلًا، أما الفعل المتعدي فالكلام فيه فمنه ما يتعدى إلى واحد ومنه ما يتعدى إلى اثنين ومنه ما يتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. قال: ومنه المنادى، وأدخل في الدرس بإذن الله تعالى بلا مقدمة لأنني أريد بإذن الله تبارك وتعالى أن يأخذ هذا الدرس هذا الباب وهو باب المنادى، فأرجو أن يكتمل هذا الباب في هذا الوقت الذي هو محدد لهذا الدرس.
قال: ومنه المنادى، قال في الشرح: أي ومن المفعول به المنادى، فالمنادى هو ما وقع عليه فعل الفاعل، و﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾، قل ضربت زيدًا، وهكذا وقع عليه فعل الفاعل؛ فمنه المنادى. لماذا؟ وذلك لأن قولك يا عبد الله أصله أدعو عبد الله، إذا قلت يا عبد الله فكأنك تقول أنادي وأدعو عبد الله ليقبل علي. قلت قائل: تقول يا زيد، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿يَا نُوحُ﴾، هل قال أدعو نوح؟ لا، أدعو نوحًا، ﴿قَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾، يقول هنا نعم هذا المنادى، هو هذا الإشكال سيأتيك بعد قليل الجواب عليه، وهو أن المنادى إما أن ينصب لفظًا وإما أن يكون في محل نصب، فإن وجدته هكذا لا تظن أنه مرفوع، إنما هو مبني في محل نصب.
قال: فحذف الفعل وأنيب يا عنه، فيا عبد الله بدلًا من أن تقول أدعو عبد الله، أدعو فعل وفاعل مستتر تقديره أنا، وعبد الله مفعول به، فحذفت الفعل وأنيبت يا عنه، فيا عبد الله، فعملت فيه النصب، قيل هي العاملة وقيل الفعل هو المحذوف، والعامل هذا خلاف ليس تحته كبير طائل. قال: وإنما ينصب مضافًا كعبد الله، أو شبهه كيا حسنًا وجهه ويا طالعًا جبلًا ويا رفيقًا بالعباد، أو نكرة مقصودة كقول الأعمى: يا رجلًا خذ بيدي.
ثم قال في الشرح: يعني أن المنادى إنما ينصب لفظًا في ثلاث مسائل. وهنا دخل إلى أحكام المنادى دون أن يذكر أدوات النداء وما أشبه ذلك، فالمعروف أن أدوات النداء أحرف، كلها أحرف وهي يا، وهذه أصل الباب يا، والهمزة مقصورة وممدودة أ وآ، وأيا، وهيا، وأي، ووا للندبة. هذه أدوات النداء وأشهرها يا، والهمزة، وأي، والواو، ووا تكون في باب يسمى الندبة، هذه ستأتي إن شاء الله تعالى في آخر الدرس.
وأصل الباب وأكثره يا، فيا هنا أم الباب كما قيل في إن أم النواصب، كما سبق لأنها تعمل ظاهرة ومضمرة وجوبًا ومضمرة جوازًا كما سلف ذلك في نواصب المضارع. فيا أصل هذا الباب أو يقال فيه أم الباب كما يقال الفاتحة أم القرآن وهكذا مكة أم القرى وما أشبه ذلك، هذا يا أم الباب هو أصل هذا الباب والأكثر فيه والأغلب في الاستعمال حتى إنه لم يأتِ في القرآن غيره. كل ما جاء في القرآن من باب النداء إنما هو بياء، كما ستأتي الأمثلة كلها، فيا نوح يا هود يا صالح يا شعيب، في كل الأمثلة كذلك، ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾، الأمثلة كلها على هذا المنوال، وفي أمثلة كثيرة حذف حرف النداء، ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾، ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾، أي يا يوسف. وإذا حذف حرف النداء فالذي يقدر له يا فقط، لا يقال الهمزة مقدرة أو أي مقدرة أو وا مقدرة، لا، إنما حرف النداء الذي يقدر هو يا، أصل هذا الباب وهو الذي يأتي كثيرًا ولا يقدر غيره كما سبق، فكل ما جاء من استعمال القرآن في النداء هو بياء إلا في موضع واحد فيه خلاف، والصواب أنه ليس كذلك.
هناك موضع واحد في قراءة صحيحة، ليس متفقًا عليها يعني هو موضع واحد وفي قراءة ليست قراءة الجمهور، قراءة الإمام ابن كثير ونافع وحمزة، وفيها خلاف، بعد كل هذا هناك خلاف ليس في صحة القراءة معاذ الله، أما هناك خلاف في اعتبار الهمزة للنداء. قال الله تبارك وتعالى: في قراءة قرأ كذا، قرأ الجمهور ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ في سورة الزمر، ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، أمن عبارة عن أم ومن، وهنا حذف المقابل لأن قبلها ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ * أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، يعني أهذا خير أم من هو قانت عليه؟ أهذا الذي قيل له ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ خير أم من هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه؟ هذا خير أم هذا؟ أجاب الله بعد قال: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، هذا بمعنى الجواب أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء، كما هو في كتاب الله عمومًا لا يستوي الخبيث والطيب، ما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا إلى آخره.
فهذه قراءة الجمهور، قرأ الأئمة المذكورون -هم نافع وابن كثير الحرميان، وحمزة- ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، والصحيح أن الهمزة أيضًا للاستفهام، يعني أمن هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا كهذا الذي قيل له ﴿تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا﴾، أهذا كهذا؟ لا، ليس كذلك، حتى تكون القراءتان بمعنى واحد ويكون مفادهما واحد. ما الذي قيل في هذه القراءة حتى تدخل في هذا الباب حتى أذكرها؟ قال بعضهم أمن هو قانت على هذه القراءة معناه يا من هو قانت آناء الليل ساجدًا وقائمًا يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي، يعني يا من هو قانت قل، فيه ضعف، العلم عند الله تعالى، والأصوب أن الهمزة للاستفهام، ولم يأتِ في كتاب الله نداء فيما أعلم في غير هذا الموضع اختلف فيه هكذا، إنما النداء يكون بياء، وإذا كان حرف النداء محذوفًا فهو يا، والعلم عند الله.
قال يعني أن المنادى إنما ينصب لفظًا في ثلاث مسائل، فالمنادى إذا إما أن يكون منصوبًا ظاهرًا لفظًا وإما أن يكون في محل نصب لأنه في الأصل مفعول به. ما المسائل؟ قال في ثلاث مسائل: إحداها أن يكون مضافًا كقولك يا عبد الله ويا رسول الله. يا عبد الله، يا رسول الله، عبد مضاف واسم الله في موضع المضاف إليه، وكذلك يا رسول الله، إذا كان المنادى مضافًا كان مضافًا وبعده مضاف إليه، فهذا المنادى يكون منصوبًا، قالوا في منادى منصوب وعلامة نصبه كذا، وهنا علامة نصبه الفتحة، لكن لا يلزم أن تكون فتحه، ينصب بعلامة نصبه كما سبق، علامات النصب خمسة، يأتي منها في الأسماء والأسماء هي المنادى، يأتي منها في الأسماء أربعة: الفتحة والألف والكسرة والياء، هذه هي الأربعة، أما حذف النون فيكون في الأفعال.
تقول يا عبد الله ويا رسول الله، وقال الشاعر: ألا يا عباد الله قلبي متيم، بأحسن من صلى وأقبحهم بعلا، الشاهد فيه ألا يا عباد الله، يا عباد الله، وهذا له أمثلة كثيرة في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض، قالوا يا ذا القرنين، لم يقولوا يا ذو ولا يا ذي، وأنتم تعلمون أن ذو وذا وذي هذا كله من الأسماء الستة يرفع بالواو وينصب بالألف ويجر بالياء، فهو هنا منصوب، لماذا نصب؟ نصب لأنه منادى، يا ذا القرنين، فهذا منادى، طيب لماذا كان منصوبًا؟ لأنه مضاف، ذا مضاف، والقرنين مضاف إليه مجرور بالياء لأنه مثنى. ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي﴾، يا أبانا، نقول يا أبونا ويا أبينا، يا أبانا هذا منصوب بالألف لأن الأسماء الستة، كذلك ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ في قول الجن لما سمعوا هذا القرآن العظيم، يا قومنا أجيبوا داعي الله، يا قومنا أيضًا بالنصب، نا الضمير نا في موضع مضاف إليه، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾، على قول أن فاطر مضاف، وأن مالك أيضًا منادى، عفوا أن فاطر السماوات والأرض منادى، وأن مالك الملك أيضًا منادى، يعني قل اللهم يا الله، يا فاطر السماوات والأرض، يا الله، يا مالك الملك.
ففي كل هذا يكون المنادى مضافًا وبعده مضاف إليه، وهو أيضًا في الأحاديث موجود كما في حديث الدجال، النبي صلى الله عليه وسلم يقول عن الدجال: فعثى يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا، وكذلك في الحديث المعروف في مانع الزكاة: لألفين أحدكم يقول يا رسول الله أغثني، في القيامة جاء بشيء يحمله على رأسه مما لم يكن يؤدي زكاته فيقول يا رسول الله أغثني، فيقول النبي عليه الصلاة والسلام له: لا أملك لك شيئًا، قد أخبرتك. وفي الحديث المشهور: يا خيل الله اركبي، كل هذا منادى مضاف ويكون منصوبًا، وكذلك ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾، يا بني آدم، بني هذا منادى مضاف ومنصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، فالمنادى المضاف ينصب بأي علامة من علامات نصبه.
هذه المسألة الأولى، الثانية أن يكون شبيهًا بالمضاف، هو ما اتصل به شيء من تمام معناه، والشبيه بالمضاف مر معنا قبل ذلك في اسم لا التي لنفي الجنس، فاسم لا التي لنفي الجنس إما أن يكون مفردًا وإما أن يكون مضافًا وإما أن يكون شبيهًا بالمضاف، هنا أيضًا المنادى إما أن يكون مفردًا أو مضافًا أو شبيهًا بالمضاف. ذكرت لكم قبل ذلك المفرد تقاسمه، الشبيه بالمضاف ما اتصل به شيء من تمام معناه، وهذا الذي به التمام إما أن يكون اسمًا مرفوعًا بالمنادى كقولك: يا محمودًا فعله، يعني يا أيها الذي يحمد فعله أو حُمِد فعله، فعله هذا نائب عن الفاعل لقول محمودًا، وكما ذكرته مرارًا سياتي الكلام بإذن الله تبارك وتعالى عما يعمل عمل الفعل، فمنه اسم المفعول يعمل عمل فعله فيرفع النائب عن الفاعل، يا محمودًا فعله، يعني يا من حُمد فعله أو يُحمَد فعله. فإذا قيل هذا يا محمودًا فعله هذا من المفرد أم من المضاف أم من الشبيه بالمضاف؟ لا، ليس مفردًا، يا محمودًا فعله هذه كأنها كلمة واحدة، كأنه قال يا محمود الفعل، هو مضاف؟ لا، ليس مضافًا، قال يا محمود الفعل لكان مضافًا، محمود مضاف والفعل مضاف إليه، لكن هنا قال يا محمودًا فعله، فليس مفردًا وليس مضافًا، هو بينهما، فهو شبيه بالمضاف.
يا محمودًا فعله، هذا أيضًا ينصب، يا حسنًا وجهه، لم يقل يا حسن فقط حين إذ سيكون مفردًا، ولم يقل يا حسن الوجه حين إذ سيكون مضافًا، لا، ليس مفردًا ولا مضافًا، قال يا حسنًا وجهه، يعني يا من حسن وجهه، فحسن هذه صفة مشبهة ووجهه فاعل بها، وكذلك يا جميلًا فعله، يعني يا من جمل فعله، هذه أيضًا جميلًا صفة مشبهة وفعله فاعل بها، يا كثيرًا بره، الكلام واحد، أو منصوبًا به، يعني إما أن يكون مرفوعًا بالمنادى أو منصوبًا به كقولك: يا طالعًا جبلًا، لم يقل يا طالع ولا يا طالع الجبل، إنما قال يا طالعًا جبلًا، فجعله من باب الشبيه بالمضاف، ليس المفرد وليس المضاف، والذي اتصل به هنا منصوب به، يا طالعًا، لم يقل جبل، لا، طالعًا أنت جبلًا فتطلع أنت جبلًا، يعني يا من تطلع أنت جبلًا أو يا من يطلع هو جبلًا، والثاني أفصح، يا طالعًا جبلًا، فجبلًا مفعول به، هذا ليس من باب الإضافة إنما من باب الشبيه بالمضاف.
أو مخفوضًا بخافض متعلق به، الشبيه بالمضاف على الوجهين السابقين، يعني لا يحضرني فيه شاهد من كتاب الله تعالى، لا المرفوع ولا المنصوب في هذا الباب، يعني قال أو مخفوضًا بخافض متعلق به، كقول قولك يا رفيقًا بالعباد ويا خيرًا من زيد. يا رفيقًا، يقول يا رفيق فقط، وهنا لا يقال يا رفيق العباد، يا راحم العباد، لكن يا رفيقًا بالعباد، هذه الكلمة لأن أصل الفعل يحتاج إلى شيء يتعدى به، فرفق بهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليهم، فقال يا رفيقًا بالعباد، فهذا الفعل رفق يرفق فارفق به ويحتاج إلى حرف جر ليتعدى، وقال يا رفيقًا بالعباد، هذا لا يأتي مضافًا لأنه في الأصل لا يقال يا رفيق العباد، ولو جاء مفردًا لقال يا رفيق، كما قال يا رحيم، يا غفور، يا ودود، يا كريم، وهكذا. هنا لم يأتِ مفردًا ولم يأتِ مضافًا إنما جاء شبيهًا بالمضاف يا رفيقًا بالعباد، كذلك يا خيرًا من زيد. ومن هذا يعني جاءت آية في كتاب الله في هذا المعنى، أو الذي يحضرني في ذلك آية في كتاب الله تعالى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا حَسْرَةً﴾.
يا حسرة على العباد، يا حسرة على العباد. ليست هذه كبقية الآيات، ففي بقية الآيات يا نوح، يا هود، يا صالح كما سبق، وكذلك فيما سبق يا قومنا، يا ربنا، يا بني آدم، أو حتى المفرد يا فاطر السماوات والأرض، يا خيل الله، وفي الحديث يا عباد الله، يا رسول الله. لكن أن تأتي هكذا يا حسرة، ليس هو من باب المفرد الذي هو مبني على الضم، وليس من باب الإضافة؛ فالإضافة لا تجتمع مع التنوين، إنما جاء بالتنوين، وهذا اسمه شبيه بالمضاف.
يا حسرة على العباد، يعني حسرة نازلة على العباد، وهذه حسرة العباد على أنفسهم، حتى لا يذهب الذهن إلى أن هذه الحسرة من غير العباد؛ لا، هذه من العباد على أنفسهم فهم الذين يتحسرون. قال: أو معطوفا عليه قبل النداء لقولك يا ٣٣ في رجل سميته بذلك، هذا طبعا نادر، إن سميت رجلا بمثل هذا، يعني سمي واحد مثلا ٢٥ أو ٣٣، هذا نادر، لكن كما أن الفقهاء يفترضون بعض المسائل وقد تقع بعدهم وقد لا تقع، فكذلك النحويون يفترضون هنا مسائل شبيهة بما قالته العرب أو قياسا على ما قالته العرب، ليس بمعنى أنها قد تقع وقد لا تقع؛ الأمر انتهى واللغة تممت قبل عصر التدوين، هذه إنما يفترضون مثل هذا، أنهم يقولون لو افترضنا أن هذا حصل فهو يعامل هذه المعاملة، يعامل من هذا الباب، وإن لم يكن ذلك موجودا في كلام العرب أو موجودا مثله في كلام العرب، حينئذ تقول يا ٣٣، فستعامله معاملة الشبيه بالمضاف. إذا فهذا المضاف وهذا الشبيه بالمضاف.
المسألة الثالثة التي ينصب فيها المنادى قال: أن يكون نكرة غير مقصودة، كقول الأعمى يا رجلا خذ بيدي، هل يقول يا رجلا أم يا رجل؟ سيأتي إن شاء الله تعالى، لو قصد واحدا بعينه لقال يا رجل خذ بيدي، هذا رجل أعمى يقف على قارعة الطريق يريد أن يعبر، فإذا كان معه قائل خاص به فسيقول له يا رجل خذ بيدي، هو يقصده، هذه نكرة مقصودة؛ رجل نكرة لكنها مقصودة، هو يقصد صاحبه الذي معه. لكن إن أراد أن يعبر به الطريق، أي واحد من المشاة من المارين من العابرين، قال يا رجلا خذ بيدي. يقصد النكرة لكن لا يقصد واحدا بعينه، يا رجلا أي رجل من الرجال، إذا قال يا رجلا خذ بيدي لنصبها، بعضهم نازع في وجود هذا لكن الصحيح وجوده وهو أعلم عند الله تعالى.
وورد عليه الشاهد الشهير، وهذا الشاهد شطره الأول روي من شاعرين كلاهما قال: فيا راكبا أما عرضت فبلغن نداماي من نجران ألا تلاقيا. هذا البيت لعبد يغوث بن وقاص كما قالوا، وقال مالك بن الريب وشطره الأول كما هو فيا راكبا أما عرضت فبلغن بني مالك والريب ألا تلاقيا. فهذان شاعران عربيان قال هذا فيا راكبا، وهل يقصدان، يقصد كل واحد منهما راكبا بعينه؟ لا، هذا رجل يموت وهذا رجل مأسور، مالك بن الريب هذه مرثيته التي رثى بها نفسه قبل الموت، يقول يا راكبا أما عرضت فبلغن بني مالك والريب ألا تلاقيا، لو إذا ذهبت إلى هذا المكان ورأيتهم فبلغهم أنه لا تلاق بيننا، أنني سأموت، وهذا الأسير كأنه يقول ذلك أيضا، فهو لا يقصد راكبا بعينه، يقصد أي راكب كان. فيا راكبا، فهذا اسمه نكرة غير مقصودة. مثلا الرجل الذي يخطب على المنبر، خطيب يقول قد يقول للناس يا غافلا، أو يتكلم هكذا وهو يكلم الناس يقول يا غافل، يا غافل إلى متى، فكأنه يقصد واحدا بعينه، أحسن من ذلك أن يقول يا غافلا متى مثلا تعود لربك، يا عاصيا متى تتوب، فهو يقصد نكرة غير مقصودة، فكل واحد يظن أنه معني بهذا الكلام، وأيضا لو قال يا غافل كأنه يخاطب كل واحد بنفسه، هذا له باب وهذا له باب.
يا غافلا حتى متى تتوهمُ، والفعل يكذب ما يقول وتزعمُ. هذه ثلاث مسائل يجب فيها نصب المنادى، يكون المنادى فيها منصوبا، هو الأصل أن المنادى منصوب لأنه مفعول به. قال: والمفرد المعرفة يبنى على ما يرفع به كيا زيد ويا زيدان ويا زيدون ويا رجل لمعين، قال يستحق المنادى البناء بأمرين إفراده وتعريفه، إذا فهنا المنادى هنا سيكون مبنيا في محل نصب، فأصله النصب هنا، خرج عن هذا الباب هو مبني في محل نصب فيبنى على ما يرفع به في محل نصب. لعلكم تذكرون شيئا من هذا، هذا الباب فيه شبه من باب لا نافية للجنس، هذا الباب يكون فيه المنادى مفردا ومضافا وشبها بالمضاف، كذلك اسم لا نافية للجنس يكون مفردا ومضافا وشبها بالمضاف. الشبه الثاني شبه من وجه وافتراق من الوجه، هنا يكون المنادى مبنيا على ما يرفع به في محل نصب، هناك اسمها المفرد يكون مبنيا على ما ينصب به في محل نصب، مبني على ما يرفع به، هناك مبني على ما ينصب به.
ما الذي يبنى في هذا الباب؟ المفرد العلم، قالوا يا هود ما جئتنا ببينة، قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول، يا نوح اهبط بسلام منا، كل هذا اسمه مفرد علم، يوسف أعرض عن هذا يعني يا يوسف أعرض عن هذا، يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا، ففي كل هذا المنادى مفرد علم فهو مبني على الضم في محل نصب. الثاني النكرة المقصودة بالنداء كما سلف في حال رجل الأعمى، عافانا الله وإياكم، والأعمى هذا وصف ليس سبا، قال الله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى﴾ [عبس: 1-2]. فبعض الناس مثلا يتحرج فيقول مثلا الكفيف أو البصير، هذا حسن من باب عدم إغارة الصدور أو ما أشبه ذلك إن كان هذا يسبب شيئا في الصدر، لكن مجرد هذا إنما هو وصف، وجاء في كتاب الله تبارك وتعالى وهو أحسن الحديث.
نعم، فإذا كان هذا معه صاحب له فقال يا رجل فهو يقصده، وهنا يقول يا رجل بضمة واحدة فيكون مبنيا على الضم في محل نصب، أما إذا كان لا يقصد أحدا فكما سبق يقول يا رجلا، هذه نكرة غير المقصودة. إذا فهذه هي النكرة المقصودة. قال: ونعني بإفراده ألا يكون مضافا ولا شبيها به، هذا هو المضاف. ونعني بتعريفه أن يكون مرادا به معين، يكون مرادا به معين، سواء كان معرفة قبل النداء كزيد وعمرو، أو معرفة بعد النداء بسبب الإقبال عليه كرجل وإنسان تريد بهما معينا يا رجل ويا إنسان، تريد بهما معينا، فإذا وجد في الاسم هذان الأمران استحق أن يبنى على ما يرفع به لو كان معربا. تقول يا زيد بالضم، ويا زيدان بالألف، ويا زيدون بالواو، فإذا كان أمامك مثلا جماعة تقول مثلا يا مسلمون، يا مسلمون فهنا يكون مبنيا على الواو في محل نصب، هو يبنى على ما يرفع به. ماذا قلت يا مسلمين مثلا يا مسلمين أفيقوا، هذا نداء هو نكرة لكنه غير مقصود، غير مقصود به أناس معينون، يعني لا يقصد به أناس معينون، هذا هو الفرق بينه، لو قلت يا مسلمون أو ما أشبه ذلك كأنك تقصد أناسا معينين، وإن كنت تقصد المسلمين جميعا فانت تقصدهم بأعيانهم، يا مسلمين كأنك تقصد أناسا بغير أعين، هذا يرجع إلى المعنى الذي يريده المتكلم. تقول يا زيد بالضم، ويا زيدان بالألف، ويزيدون بالواو.
قال الله تعالى: ﴿يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا﴾ [هود: 32]، طبعا قال هنا قالوا يا نوح قد جادلتنا، أو قال الله تعالى: ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ [هود: 48]، لأن نوحا لم يجادل ربه هنا، هذا الموضع يقوله قومه له وهذا سبق التنبيه عليه مرارا، ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: 10] يا نوح، نوح هذا علم مفرد علم، نبي من أنبياء الله الكرام وأول رسول إلى أهل الأرض كما ثبت في الصحيح، هذا علم عليه هو ينادي شخصا معينا. يا جبال أوبي معه، هذه اسمها نكرة مقصودة، هذه جبال تردد التسبيح، ترجع التسبيح مع داود عليه السلام، وهذه الجبال التي كانت حوله فهي نكرة مقصودة، ومثل ذلك كذلك قول الله تعالى: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: 69]، يراد بها النكرة المقصودة، يراد بها هذه النار التي دخلها إبراهيم عليه السلام، وإن كانوا قد ذكروا في هذه المسألة آثارا معروفة في أن النار جميعا ظنت أنها مناداة فلم ينضج بها قدح يومئذ، يعني كل من كان يضع شيئا على النار لم يحدث لها أي شيء، لكن هذا والله أعلم الآية في إبراهيم عليه السلام في خصوص هذه النار، وإلا فهؤلاء القوم أنفسهم الذين وضعوا إبراهيم في النار لو كانوا يشعلون نارا عندهم فلم تسخن الماء ولم تنضج الكراع كما قالوا أو ما أشبه ذلك، كان من يريد أن يأكل شيئا مشويا أو على النار فإنه لما علموا أن هذه الآية، يعني كل شيء لم تمسه النار، هذه النار حصل لها شيء اليوم، فلو أني ألقيت نفسي فيها، كأنه يقول لو أني ألقيت نفسي فإنني لا أحترق ذهب إحراقها، لا والله أعلم الآية في هذه النار خاصة، هذا هو معنى أنها نكرة مقصودة، هي نكرة مقصودة بالنداء.
قصد بالنداء النار التي وضع فيها إبراهيم الخليل عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه، يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم، أما سائر النار فهي على إحراقها وعلى خاصيتها المعروفة، هذا مما يضعف القول بهذا الأثر والعلم عند الله تعالى. وكذلك قال الله تعالى: ﴿قِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44] وقيل يا أرض ويا سماء، هذا اسمه نكرة مقصودة.
قال بعد ذلك فصل، هذا يعني هو أهم شيء في هذا الباب مع الفصل الآتي، نعم قال فصل: وتقول يا غلام بالثلاث، يعني يا غلامُ، ويا غلامِ، ويا غلامَ بضمة وكسرة وفتحة، وبالياء فتحا وإسكانا، يا غلامي يا غلامي، وبالألف يا غلاما، هذه ست لغات، قال: إذا كان المنادى مضافا إلى ياء المتكلم كغلامي جاز فيه ست لغات. إحداها يا غلامي بإثبات الياء الساكنة في آخره فتثبت الياء في آخره وتسكن. قال كقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِي لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف: 68] على غير قراءتنا، يا عبادي هذه قراءة نافع وأبي جعفر وغيرهما، ففي هذه القراءة يا عبادي ثبتت الياء ساكنة. وأشهر من ذلك عندنا، لأننا طبعا لا نقرأ بهذه القراءة، نحن نقرأ يا عبادي لا خوف عليكم بحذف، وهذه لغة أخرى، أشهر من ذلك لعدم قراءتنا بهذه القراءة لأنها ليست مشهورة عندنا، الحديث القدسي قول الله تبارك وتعالى في الحديث القدسي: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا»، وفيه كثير من كذا يا عبادي إنما هي أعمالكم، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وهكذا كله يا عبادي يا عبادي، فهذا فيه إثبات الياء الساكنة.
والثانية يا غلام بحذف الياء الساكنة وإبقاء الكسرة دليلا عليها، قال الله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: 16]، وكذلك في الآية السابقة يا عبادي لا خوف عليكم في قراءة من قرأ بها، كذلك وهي قراءته ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾، يا عبادي فاتقون، حذفت الياء أصلا، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [الزمر: 10] كذلك في سورة الزمر، هذه تحذف. هذه الثالثة، ضم الحرف الذي كان مكسورا لأجل الياء، الحرف الذي كان مكسورا لأجل الياء هذا يضم، قال وهي لغة ضعيفة، هكذا قال لغة ضعيفة، ممكن يقال قليلة لكن لا يقال ضعيفة، إنما هي لغة قليلة، حكوا من قولهم يا أمُ لا تفعلي، أصلا نقول يا أمي أو يا أمي أو يا أمي كما هو معلوم فيها أوجه كثيرة، لكنه قال يا أمُ لا تفعلي بالضم. وقرئ قال رب احكم بالحق الذي قرأ في هذا والله أعلم، قرأ رب احكم بالحق، قال هذا من مفاريد حفص، حفص عن عاصم قرأ قال، الباقون قرأوا قل، لكن قل رب احكم بالحق كما هو المعلوم، أبو جعفر وهو أحد القراء العشرة قرأ قل رب احكم بالحق، قل رب احكم بالحق بالضم، أما غيره فيقرأ قل رب احكم بالحق بالكسر، وحفص يقرأ قال رب احكم بالحق وهي قراءة كلها صحيحة. إذا الشاهد في قراءة أبي جعفر، الشاهد في هذا قراءة أبي جعفر قل رب احكم بالحق وقال رب، ومعناه يا رب، ولأجل هذا نبهت على قول المصنف وهي لغة ضعيفة فيقال هي لغة قليلة، لا يتجاسر بأن يقال هي لغة ضعيفة لأنه ثبتت بها قراءة صحيحة.
الرابعة يا غلامي بفتح الياء، يعني بإثبات الياء مفتوحة، الأولى كانت بإثبات الياء ساكنة، الرابعة هذه بإثبات الياء مفتوحة، يعني هو لم يرتبها ترتيبا معينا، رتبها ترتيبا آخر. قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 53] قل يا عباديَ الذين، قد يقول قائل هذه لأجل الفتحة، هذه لأجل التقاء الساكنين لا، ما هو يمكن أن يقال يا عباديَ الذين كما في.
في الزمر: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾، فهنا يا عبادي يجوز فيها حذف وإثبات الياء مفتوحة، فهذا صحيح. وكذلك قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا... إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾.
الخامسة: يا غلاما، بقلب الكسرة التي قبل الياء المفتوحة فتحة. هذه الكسرة التي كانت قبل الياء قلبت فتحة: يا غلامي، هذه الكسرة التي على الميم قبل الياء قلبت فتحة، فحينئذ أنت ستنقلب الياء ألفاً؛ لأن الكسرة تناسبها الياء ولأن الفتحة تناسبها الألف، فتنقلب الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. قال الله تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾، أن تقول نفس يا حسرتا، أصله يا حسرتي، كأنه ينادي الحسرة عياذاً بالله: يا حسرتي تعالي وأحضري فهذا أوانك أعوذ بالله تعالى. فيا حسرتا أصله يا حسرتي، يا حسرتي التاء مكسورة وبعدها ياء، فتحت الكسرة التي تحت التاء فانقلبت الياء ألفاً: يا حسرتا. وكذلك ﴿وَقَالَ يَا أَسَفَىٰ عَلَىٰ يُوسُفَ﴾، تولى عنهم وقال يا أسفاً على يوسف، أصله يا أسفي، يا أسفاً، هذه خمس لغات وهي كلها موجودة في كتاب الله تعالى كما رأيتم بالشواهد.
اللغة السادسة لا أعلم لها شيئاً في كتاب الله تعالى، قال السادسة: يا غلاما، بحذف الألف وإبقاء الفتحة دليلاً عليها كقول الشاعر: ولست براجع ما فات مني بلهف ولا بليت ولا و، والشيخ فيها قال بلهفة أي بقول يا لهف، يعني يا لهفي على ما حصل لي من التفريط، ولست براجع ما فات مني، وهذا البيت واضح أنه بيت إسلامي كان متأخراً، أي بقولي يا لهفة. وقولي تقول يا غلام، هذا في الأصل قال تقول يا غلام بالثلاث، أي: يا غلامُ، يا غلامَ، يا غلامِ بالثلاث، أي بضم ميم وفتحها وكسرها. وقد بين تجيه ذلك، هاتان المسألتان اللتان ذكرهما المصنف هما أهم مسألتين في هذا الباب وباب النداء، وسيأتي شيء من ذلك أيضاً في المسألة القادمة وكذلك شيء في تابع المنادى، هذا الذي فيه كلام مهم جداً في شواهد القرآن. الباب الأول هو ضبط أصل هذا الباب، وضبط الأداة التي هي أم الباب، ومعرفة إذا حذفت ما الذي يقدر. وكذلك هذا الباب ينقسم إلى خمسة أقسام: قسمان يبنيان على ما يرفعان به في محل نصب، وثلاثة أقسام تنصب. كل هذا سبق مع اللغات التي في المنادى المضاف وفي بعض الأشياء الأخرى. غير ذلك ستجد كلاماً كثيراً في هذا الباب فيه بعض الخلاف، وبعض المسائل التي يجوز فيها أوجه في العربية ولا يأتي عليها كبير شواهد؛ فلاجل هذا، إن شاء الله، مع طول هذا الباب إلا أنه باذن الله تعالى سينتهي في هذا اليوم أو في هذا المجلس.
قال: «ويا أبتِ ويا أمَّه ويا ابنَ أمي ويا ابنَ عمي» بفتح وكسر، وإلحاق الألف أو الياء للأولين قبيح وللآخرين ضعيف، لكن الأول يقابله الآخر، فللأولين قبيح، وللآخرين هذا أفصح ضعيف. قال: إذا كان المنادى المضاف إلى الياء أباً أو أماً، طبعاً سبق المنادى المضاف إلى الياء، يا غلامي، يا عبادي، كما في الآيات: أسف، وحسرة، إلى آخره، هذا يجوز فيه ست لغات. طب إذا كان يا أبي أو يا أمي هل هو كما سبق في ست؟ قال: جاز فيه عشر لغات. ما العشر؟ أول شيء لا بد أن تجوز اللغات الست السابقة، هذا جائز، يبقى إذاً يجوز أن تقول: يا أبي ويا أمي بإثبات الياء ساكنة، يا أبي ويا أمي بإثبات الياء مفتوحة، يا أبي ويا أمي بكسرة فقط، يا أبا ويا أما بفتحة فقط، يا أب يا أم بضمة فقط، يا أبا ويا أما بألف، فهذه لغات كلها صحيحة.
طب كيف صارت عشراً؟ قالوا زادوا عليها في هاتين الكلمتين فقط الأب والأم، زادوا عليها أربع لغات، الست المذكورة ولغات أربع أخر. إحداها إبدال الياء تاء مكسورة، يا أبي هذه الياء ستنقلب تاء فيقال: يا أبتي ويا أبتِ، فإبدال الياء تاء مكسورة، وبها قرأ السبعة ما عدا ابن عامر، فقال يا أبتِ ويا أبتي، ابن عامر قرأ يا أبتِ، والجمهور قرأوا يا أبتي. هذه الأولى: إبدال الياء تاء مكسورة، فيا أبتي قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، كذلك ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ في سورة مريم في عدة مواضع، يا أبتي مواضع متتالية. الثانية: إبدالها تاء مفتوحة وبها قرأ ابن عامر: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾، ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ﴾، ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾، فقول يا أبتِ، يا أبتِ، إذاً يا أبتي ويا أبتِ هاتان لغتان وهما الواردتان في كتاب الله تعالى مع جواز اللغات الست الأخرى التي ورد خمس لغات منها في كتاب الله تعالى في غير هذه الكلمة. ويقاس على أب أم، يقال: يا أمتي ويا أمه، يا أمتي ليس المعنى ليست المناداة هنا للأمة التي هي أمة الإسلام، لا، ينادي الأم التي أمّه يناديها بهذا، سائغ صحيح يا أمتي بكسرة فقط، وجاز يا أمتي بالياء كما سيأتي لكنه غير قوي.
قال الثالثة: يا أبتَا بالتاء والألف وبها قُرئ شاذاً يا أبتَا. الرابعة: يا أبتي بالتاء والياء، يا أبتَا ورد فيه بعض الأشعار كما قال القائل: يا أبتَا ارقني القذان فالنوم لا تطعمه العينان، والآخر يقول يا أبتَا علك أو عساك، وكذلك يا أبتي كقول القائل: يا أبتي لا زلت فينا فإنما لنا أمل في العيش ما دمت عائشة، يا أبتي لا زلت فينا. لكن هذا ورد فيه بعض الأشعار فيسوغ بقله. قال وهاتان اللغتان قبيحتان أن تقول يا أبتَا ويا أبتي، والأخيرة أقبح أقبح من التي قبلها، يعني يا أبتي أقبح، وينبغي أن لا تجوز إلا في ضرورة الشعر، فكأنه قال يعني فيها ثماني لغات أو فيها تسع لغات مثلاً لو كانت هذه لا تجوز إلا في الضرورة وأخرى جائزة في ضرورة الشعر. على كل هذا تنويع لما يجوز في لسان العرب، وتختار من ذلك شيئاً، واختر ما هو في كتاب الله تعالى وما درج عليه الكلام العربي الفصيح: يا أبتِ، وكذلك يا أبتِ ويجوز يا أبي ويا أمي وهكذا.
قال: وإذا كان المنادى مضافاً إلى مضاف إلى الياء مثل يا غلام غلامي، فكأنه عنده غلام وهذا الغلام عنده غلام، فهو لا ينادي الغلام إنما ينادي غلام غلامه، قال لم يجز فيه إلا إثبات الياء مفتوحة أو ساكنة، تقول يا غلام غلامي ويا غلام غلامي فقط، هذا أو هذا، هاتان اللغتان. قال: إلا إن كان ابن أم أو ابن عم، يعني تقول يا ابن أم ويا ابن عم، هل هنا تنادي الأم أو تنادي العم؟ لا، تنادي مضافاً إلى الأم أو مضافاً إلى العم وهو الابن. ماذا يجوز في الأم والعم؟ تقول ماذا تقول فيه؟ يا ابن أم، على السابق لو يا غلام غلامي على السابق تقول يا ابن أمي ويا ابن أمي، يا ابن عمي ويا ابن عمي، لغتان. قالوا لا هناك لغتان أخران، قال فيجوز فيهما أربع لغات فتح الميم وكسرها. وقد قرأت السبعة بهما، يعني السبعة العشرة، ويذكر السبعة دائماً في قوله: ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾، قال ابن أمَّ إن القوم استضعفوني، وقال ابن أمِّي إن القوم استضعفوني، وكذلك قال: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾، قال يا ابن أمِّي لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. الثالثة: إثبات الياء كقول طبعاً في يا ابن عم منه، قول خديجة رضي الله عنها لورقة بن نوفل لما نزل الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أول مرة، فذهبت به إليه وقالت: يا ابن عمي اسمع من ابن أخيك، يا ابن عمي اسمع من ابن أخيك، يا ابن عمي هكذا في الرواية: يا ابن عمي اسمع من ابن أخيك، فيجوز يا ابن عمي عمي ويا ابن عمي. قال إثبات الياء وقول الشاعر: يا ابن أمي ويا شقيق نفسي أنت خلفتني لدهر شديد، يا ابن أمي ويا شقيق نفسي، فأثبت الياء ساكنة. والرابعة: قلب الياء ألفاً لقوله: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي، أصله يا ابنة عمي، فقلب الياء ألفاً فقال: يا ابنة عما لا تلومي واهجعي.
قال وهاتان اللغتان قليلتان في الاستعمال: يا ابن أمي ويا ابن عمي، ويا ابن أمّا ويا ابن عمّا، إنما المستعمل كثيراً يا ابن أم، ويا ابن عم، ويا ابن أمي، ويا ابن عمي بفتحة وكسرة. بعد ذلك بعد الكلام في المنادى ذكر شيئاً فيما يتبع المنادى فيما يأتي بعد المنادى، وهذا الباب يعني مشكلته أنه يأتي قبل الكلام في التوابع، فالكلام في التوابع لم يذكره المصنف، فلم يذكر المصنف النعت والعطف والتوكيد والبدل، ومع ذلك سيذكر أحكاماً للنعت والعطف والتوكيد والبدل في هذا الباب، فإشكاله في هذا أنه لم يذكره، وكذلك إشكاله أن فيه كثيراً من الاستثناءات وفيه وكذلك فيه بعض التداخل. هذا الباب حاول أن تأخذه كذا، ولا بد أن تقرأه كثيراً وأن تسمع فيه كثيراً حتى يسهل إن شاء الله تبارك وتعالى.
قال فصل: «ويجري ما أفرد أو أضيف مقروناً بأل من نعت المبني وتأكيده وبيانه ونسقه المقرون بأل على لفظه أو محله، وما أضيف مجرداً على محله ونعت لفظه، والبدل المجرد والنسق المجرد كالمنادى المستقل مطلقاً». في أول الكلام قال: من نعت المبني، الكلام هنا على المبني. قال هذا الفصل معقود لأحكام تابع المنادى، والحاصل أن المنادى إذا كان مبنياً والمبني هو العلم المفرد والنكرة المقصودة، يا زيد ويا رجل، وفي القرآن ﴿يَا نُوحُ﴾ و﴿يَا جِبَالُ﴾، كان علماً مفرداً أو نكرة مقصودة. المنادى إذا كان مبنياً، طب لم يذكر الثاني، وأن المنادى إذا كان منصوباً؟ لماذا؟ لأن الأصل أن المنادى إذا كان منصوباً ماذا يكون في التابع؟ طبعاً لم ندرس التابع لكن إن شاء الله أنتم تعلمون التابع: العطف والنعت والتوكيد والبدل. لماذا سمي تابعاً؟ لأنه يتبع ما قبله في إعرابه، إذا كان المتبوع مرفوعاً كان التابع مرفوعاً، إذا كان المتبوع منصوباً كان التابع منصوباً، إذا كان المتبوع مجروراً كان التابع مجروراً. فحينئذ هذا يسمى تابعاً سواء كان عطفاً أو نعتاً أو توكيداً أو بدلاً. فإذا كان المنادى منصوباً فهو منصوب، التابع أيضاً يكون منصوباً؛ لأنه لا يمكن أن يتبعه إلا على نصبه، طبعاً إلا إذا كان منادى مستقلاً. لأجل هذا أقول لكم هذا الباب يعني الاستثناءات هي التي تدخل فيه بعض الأشياء، لكن الأصل أنه إذا كان المنادى الذي هو متبوع منصوباً فهو منصوب، يكون التابع إذاً منصوباً كذلك.
لكن الإشكال في المنادى المبني، لماذا فيه إشكال؟ لأنه مبني على ما يرفع به في محل نصب، فهو كأنه مرفوع اللفظ منصوب المحل، مع أنه ليس مرفوع اللفظ، هو هذا بناء ليس رفعاً لكن هو في شكله كأنه مرفوع اللفظ منصوب المحل، قالوا فحينئذ يتجاذبه عاملان، يتجاذبه هذا وهذا، فأحياناً ياتي التابع تابعاً له على لفظه، وأحياناً يأتي التابع تابعاً له على محله، وأحياناً يجوز في التابع هذا وذاك. قال هنا والحاصل أن المنادى إذا كان مبنياً، وكان تابعه نعتاً أو تأكيداً، أو بياناً، والذي يسمى عطف البيان، أو نسقاً وعطف النسق بحرف من حروف العطف، أو نسقاً بالألف واللام إذا كان منسوقاً عليه معطوفاً عليه بحرف عطف، لكن هذا المعطوف فيه ألف ولام، وكان مع ذلك مفرداً أو مضافاً وفيه الألف واللام، جاز فيه الرفع على لفظ المنادى والنصب على محله. يعني في كل هذه الأحوال يجوز فيه الرفع والنصب. طبعاً لو كان كله من هذا الباب لكان سائغاً وسلساً وسهلاً ولا إشكال فيه، لكن سيخرج بعض، لكن الحمد لله أغلبه من هذا الباب، أغلبه النعت والتوكيد والبيان والنسق بالألف واللام، يعني لم يبق إلا البدل وشيء من النسق، يعني البدل هذا يريحك لأنه كأنه منادى مستقل، وأغلب الباقي يجوز فيه الرفع والنصب. يجوز فيه الرفع والنصب، تقول في النعت: يا زيدُ الظريفُ، وأقول في النعت: يا زيدُ الظريفَ بالرفع والظريفَ بالنصب. الظريفُ بالرفع والظريفَ بالنصب، لماذا؟ لأنه نعت لهذا المنادى المبني، الظريفُ نعت على اللفظ، مع اللفظ ليس رفعاً لكن هو مبني فيتجاوزون في هذا، والظريفَ لأنه مبني في محل نصب. قال وفي التأكيد أو التوكيد: يا تميمُ أجمعون وأجمعين، هذا اسمه توكيد معنوي، في التوكيد المعنوي قول: يا.
تميم أجمعون وأجمعين. أجمعون وأجمعين يرفع بالواو وينصب ويجر بالياء، تقول: يا تميم أجمعون رفعاً على اللفظ، وأجمعين نصباً على المحل؛ لأنه في محل نصب.
وفي عطف البيان: يا سعيد كرز. وكرز هذا، إذا قلت كرز، طبعاً كرز هذا سبق قبل ذلك، وقلت مما يفسرون به، وقد يكون أصعب، ذكرت هذا قبل ذلك في باب العلم، يقولون: الكرز ضرب من الجوالق؛ لأنهم كانوا يعلمون الجوالق، والجوالق هذه كلمة معربة؛ لأن الجيم والقاف قالوا لا تجتمع الجيم والقاف في كلمة عربية. الجوالق كلمة معربة، وهي عندنا في مصريتنا العامية شوال، وقد سبق الكلام في هذا، أجراب مثلاً من خيش أو ما أشبه ذلك يوضع فيه بعض الأشياء، فهذا لقب للذنب، فهم يجيزون أن يكون كرز هذا بدلاً، ويجيزون أن يكون عطف بيان. الكلام هنا ليس في البدلية كما في عطف البيان، طبعاً كثير من المسائل التي يجوز فيها أن تكون بدلاً يجوز أن تكون عطف بيان، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى قريباً في البدل وعطف البيان في التوابع.
قالوا لو قلت كرز هذا عطف بيان، إذاً فيجوز أن تقول: يا سعيد كرز، ويا سعيد كرزاً. إذا قلت هو بدل، إذا عرضته بدلاً، هذا سيأتي إن شاء الله تعالى، تقول: يا سعيد كرز؛ يعني كأنك قلت: يا سعيد يا كرز؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، فهو كالمنادى المستقل كما أشار إليه المصنف، وسيأتي في الشرح بإذن الله تعالى.
قال: وفي النسق: يا زيد والضحاك. ويجوز: يا زيد والضحاك، ويا زيد والضحاك. ضحاك هذا معطوف على زيد على اللفظ، والضحاك معطوف على زيد على المحل. قال الشاعر: يا حكم الوارث عن عبد الملك. يمدح الحكم بن عبد الملك، وليس هو ابن عبد الملك بن مروان، لا، عبد الملك بن بشر بن مروان بن الحكم. قال: يا حكم الوارث أو الوارث عن عبد الملك، يجوز هذا ويجوز هذا. إذاً: يا حكم الوارث عن عبد الملك، ويا حكم الوارث عن عبد الملك. الوارث نعت لحكم، وهذا النعت فيه أل، فحينئذ يجوز نصبه ويجوز رفعه؛ الرفع على حكم الوارث نعت منعوت، النصب يا حكم الوارث، كيف يكون النعت هكذا؟ لأن حكم في محل نصب لأنه منادى، قال: روي برفع الوارث ونصبه.
وقال الآخر: فما كعب بن مامة وابن أروى بأجود منك يا عمر الجواد. يا عمر الجواد، لم يقل جواد، ما قال يا عمر الجواد، قال، والقوافي منصوبة كلها بالدال المنصوبة، قال: الجواد، مع أنه قال يا عمر، وكان يجوز أن يقول: يا عمر الجواد، يا عمر الجواد، ويجوز يا عمر الجواد. قال فهذا على الجواد على اللفظ، والجواد على المحل.
وقال آخر: ألا يا زيد والضحاك سيراً، وقد جاوزتما خمر الطريق. يا زيد والضحاك، يجوز والضحاك، ويجوز والضحاك. والضحاك أصوب وأصح وأفصح؛ لأنها الواردة في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: 10]. نقرأ هكذا: يا جبال أوبي معه والطير، وألنا له الحديد. الغالب هكذا، طب إذا أكملنا أحياناً لا نستطيع أن نكمل، نقول والطير والطير والطير؟ ماذا نصنع؟ لا، قُرئت جميعاً على نصب الطير، هذا في القراءة المتواترة. يا جبال قالوا أوبي معه والطير، وألنا له الحديد. قال وقُرئ شاذاً: والطير. شاذ لكن قراءة هي لغة صحيحة لكنها دون لغة الفصحى.
قال: وهذه أمثلة المفرد، وكذلك المضاف الذي فيه أل، تقول: يا زيد الحسن الوجه، والحسن الوجه، هذا وهذا، والحسن الوجه هنا وهنا، هو نعت، فيجوز في النعت في هذا النعت أن يكون مرفوعاً على اللفظ، وأن يكون منصوباً على المحل.
وقال الشاعر: يا صاحي هذا الضامر العنسي، والراحل لذيذ الأنساع والحديث. طبعاً البيت يحتاج إلى كلام طويل لكن في الشاهد فقط، يا ذا، ليس كما قال الله تعالى، قالوا: ﴿يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: 83]، ذا هنا يا ذا القرنين يعني يا صاحب القرنين، لا هنا ذا بمعنى هذا. يا صاحي ومعناه يا صاحبي، وهذا من الترخيم الذي كثر في مثل هذه الكلمة، وهو مضطرد في هذه الكلمة، أنه غير مقيس ويأتي فيها لكن لا ينقاس مثل هذا الترخيم، أصله يا صاحبي فحذفت الياء من باب الترخيم الذي لا يطرد أو لا ينقاس عفواً. يا صاحي أصله يا صاحبي، يا ذا يعني يا هذا، الضامر العنس، العنس الناقة القوية الشديدة، والضامر أحياناً الخيل يحصل لها هذا التضمير عمداً، وأحياناً يحصل لها بسبب الهزال، يعني يكون هناك دقة في هذه الخيل لأجل أن تسرع الخطى، وكذلك في النوق، وهنا الكلام في النوق، وأحياناً يحصل لها هذا بسبب الهزال فتراها هزيلة تظنها مضمرة صاحبها ضمرها مثلاً، لكن ليس هكذا، إنما بسبب الهزال الذي أصابها، فكأنه قال: يا صاحي يا صاحبي، يا هذا النحيف، الإبل القوية يعني هذه الإبل القوية التي صارت نحيفة أنت صاحبها، يا هذا، لكن قال يا ذا بحذفها، يا ذا الضامر العنسي. ماذا يجوز في هذا؟ يجوز أن يقول الضامر العنسي، والضامر العنس. خلاصة الكلام أنه يجوز أن يأتي هذا النعت مرفوعاً على اللفظ، ومنصوباً على المحل، فيا ذا الضامر ويا ذا الضامر العن، يروى برفع الضامر ونصبه.
فإن كان التابع من هذه الأشياء مضافاً وليس فيه الألف واللام تعين نصبه على المحل، كقولك: يا زيد صاحب عمر. وهذا ورد في كتاب الله تعالى، إذ قال الله: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 45]، فإنه مضاف وليس فيه الألف واللام، فالإضافة هنا حقيقية، فقال: يا عيسى ابن مريم. طبعاً اختلفوا في عيسى، يا عيسى هنا هو الذي يقدر عليه فتحة أم ضمة؟ لأنه إذا قدرت عليه الفتحة فإنها لا تظهر، وإذا قُدرت عليه الضمة فإنها لا تظهر، فبعضهم قدر هذا وبعضهم قدر كذا، على كل حال ابن هذا فيه وجه واحد وهو النصب، لا يقال هنا يجوز عيسى بن مريم ويعيسى بن مريم. يا زيد صاحب عمر، وصاحب عمر هذا لأنه ليس فيه الألف واللام، فحينئذ تعين نصبه على المحل، ليس على، لا يرفع على اللفظ إنما ينصب على المحل وجوباً.
كذلك قال: ويا زيد أبا عبد الله، هذا في البدل، يا زيد أبا عبد الله، وكذلك، أو ليس في البدل، البدل سيأتي هذا في عطف البيان، ويا تميم كلكم، ويميم كلكم، كلكم أو كلهم، كلاهما بالنصب إنما هو المراد به التوكيد، لا يقال هنا يا تميم كلكم، مع أنه كان يقال قبل ذلك يا تميم أجمعون ويا تميم أجمعين، لكن هذا توكيد مفرد، أجمعون وأجمعين هذا توكيد مضاف وليس فيه ألف ولام، فحينئذ هذا على وجه واحد، يا تميم كلكم بالنصب أو كلهم بالنصب أيضاً، لكن الخلاف في الضمير، يعني قال: ويا زيد وأبا عبد الله، هنا لا يقال يا زيد وأبو عبد الله، ويا زيد وأبا عبد الله. لماذا كنت تقول يا زيد والضحاك والضحاك؟ لا، وهذا نسق، وهذا نسق، هذا عطف وهذا عطف. لا، هناك والضحاك مفرد وبالألف واللام، هنا مضاف وليس بالألف واللام، إذاً هي زيد وأبا عبد الله.
قال الله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الزمر: 46]، فاطر قيل نعت، نعم، وقيل منادى آخر كما سبق، يعني قل اللهم يعني يا الله، يا فاطر السماوات والأرض، وهذا مثلت به في أول الكلام، اللهم يا فاطر السماوات والأرض، وكذلك قل اللهم مالك الملك، يعني يا مالك الملك، إذ قال الله، واذ قال، لا في الآية الأخرى قال عيسى بن مريم: اللهم ربنا، يعني يا الله يا ربنا، كل هذا قيل فيه هو نعت، ولكن له وجه واحد لأجل أنه مضاف وليس فيه ألف ولام، وقيل هو منادى جديد، فالمنادى الجديد له حكم جديد.
قال: وإن كان التابع نعتاً لأي، هذا سهل جداً، إذا كان التابع نعتاً لأي تعين رفعه على اللفظ، إذا كان التابع نعتاً لأي تعين رفعه على اللفظ كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ [النساء: 1]، يا أيها الناس إن وعد الله حق، يا أيها النبي اتق الله، يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك، وكذلك يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك، قل يا أيها الكافرون ليس الكافرين، وكذلك آيت يا أيتها النفس المطمئنة، ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم، فإذا كان التابع نعتاً لأي أو أية المؤنثة، فحينئذ يتعين رفعه على اللفظ، بعضهم جوز نصبه لكن دون سماع.
قال: وإن كان التابع بدلاً أو نسقاً بغير الألف واللام أعطي ما يستحقه لو كان منادى، هذا أيضاً سهل، إذا كان التابع، إذا عرضته بدلاً أو رأيته منسوقاً، يعني رأيت قبله حرف العطف الذي هو الواو غالباً، إذا رأيت قبل هذا التابع حرف العطف وهو ليس بالألف واللام فاعتبره منادى جديداً، اعتبره منادى جديداً، احكم عليه بالأحكام التي سبقت في أول المنادى، تقول في البدل: يا سعيد كرز. تخيل هنا قال كرز، ومن قليل قال كرز، الفرق أنه هناك أعرب كرزاً، أعربها عطف بيان، هنا أعربها بدلاً، وهي يجوز فيها الوجهان. يا سعيد كرز يعني كأنك قلت يا كرز بضم كرز بغير تنوين كما تقول يا كرز، ويا سعيد أبا عبد الله بالنصب، كما تقول يا أبا عبد الله، وفي النسق يا زيد عمرو، بالضم كما تقول يا عمرو، ويا زيد وأبا عبد الله، كما تقول بالنصب، كما تقول يعني يا أبا عبد الله، وهكذا أيضاً حكم البدل والنسق لو كان المنادى معرباً، لأجل هذا قال في أول الكلام مطلقاً، لو أنك ترجع إلى أول الكلام قال فيه: والبدل المجرد والنسق المجرد كالمنادى المستقل مطلقاً، أي مع المبني الذي فيه هذا الكلام الطويل أو مع المعرب، مع هذا أو مع هذا.
ذكر بعد ذلك عدة مسائل إن شاء الله تنتهي سريعاً، قال: ولك في نحو يا زيد زيد اليعملات فتحهما أو ضم الأول، يا زيد زيد اليعملات. أولاً ما معنى هذا الكلام؟ زيد اليعملات، هذا رجل اسمه زيد واليعملات جمع يعملة، والمراد بها ناقة فتية قوية تعمل بجد وقوة، وهذا، وهذا نسب إليها، زيد اليعملات كان قيل كان يحدو وينشد ويغني لها، يعني حداء الإبل المعروف، فقيل يا زيد زيد اليعملات، هو الأصل يا زيد اليعملات، يا سعد الأوس، فإذا جيء بزيد مرتين ماذا يقال الثاني؟ زيد اليعملات، هذا منصوب وجهاً واحداً، لكن يقال يا زيد زيد اليعملات أم يا زيد زيد اليعملات، يعني يا زيد أم يا زيدون فقط؟ هذا الكلام هنا. ومثل هذا مثلاً في قول النبي عليه الصلاة والسلام يا كعب بن مالك، هو ليس من هذا الباب، لكن هو قريب، يا كعب بن مالك، ابن هذا فيه وجه واحد هو النصب ابن مالك، لكن اختلف في كعب، قيل الوجه فيه النصب وقيل الوجه فيه الضم وكلاهما جائز، الصحيح أن كلاهما جائز: يا كعب ابن مالك ويا كعب ابن مالك، فهذا من باب آخر لكن قريب من هذا في هذا.
وقال يا زيد زيد اليعملات، قال لك في ما فتحهما يا زيد زيد اليعملات أو ضم الأول يا زيد زيد اليعملات. إذا تكرر المنادى المفرد مضافاً نحو يا زيد زيد اليعملات، جاز لك في الأول وجهان: أحدهما الضم وذلك على تقديره منادى مفرداً، كأنك قلت يا زيد يا زيد اليعملات، ويكون الثاني حينئذ أما منادى سقط منه حرف النداء، وأما عطف بيان، وعندي عطف، لا عطف يكون، وأما عطف بيان، وأما مفعولاً بتقدير أعني، هذه أوجه، أقربها أنه منادى، يعني يا زيد يا زيد اليعملات، والثاني الفتح يعني يا زيد زيد اليعملات، وذلك على أن الأصل يا زيد اليعملات زيد اليعملات، كان الأصل أن الكلام فيه تكرار وحذف، حذفت كلمة اليعملات ثم اختلف فيه. هذا استطراد لبيان الكلام، لماذا قيل هذا، والذي يثبت عندك وتحضر، يحضر في ذهنك، والذي أريدك أن تعرفه وتحفظه في هذا، أنه يجوز في مثل هذا أن تقول يا زيد زيد اليعملات ويا زيد زيد اليعملات، ويا سعد سعد الأوس ويا سعد سعد الأوس، ويا تيم تيم عدي ويا تيم تيم عدي، كما في الأشعار التي ذكرت في هذا، الأبيات معروفة في هذا، يا زيد زيد اليعملات الذبل، تطاول الليل عليك تنزيل، يا تيم تيم عدي لا أباً لكم، لا يلقينكم في سوأة عمر، وهكذا الباقي.
فلماذا قيل يا زيد زيد اليعملات مع قال أصله يا زيد اليعملات يا زيد اليعملات، ما الحذف؟ ما الذي حدث لهذا الحذف؟ قال، فقال سيبويه: حذف اليعملات من الثاني لدلالة الأول عليه، إنه قال يا زيد زيد اليعملات، طب إذا حذف اليعملات من الثاني يا زيد اليعملات زيد، طب هذا ليس هو الكلام، كيف تقول هذا؟ ليس، قال: لا، هو أقحم زيداً الثاني بينهما، وأقحم زيد بين المضاف والمضاف إليه، وقال المبرد: حذف اليعملات من الأول لدلالة الثاني عليه، هذا فيه إشكال آخر، يعني كلام سيبويه عليه إشكال، وكلام المبرد عليه إشكال، كيف يحذف الأول لدلالة الثاني عليه؟
تحذف الثاني لدلالة الأول عليه. ومثال ذلك: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38]، أي: وأبصر بهم، حُذِف الثاني لدلالة الأول عليه. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، أي: واللائي لم يحضن كذلك فعدتهن ثلاثة أشهر، حُذِف الثاني لدلالة الأول عليه. أما حذف الأول لدلالة الثاني عليه فهذا مشكل. قال: وكل من القولين فيه تخريج على وجه ضعيف. أما قول سيبويه ففيه الفصل بين المتضايفين وهما كالكلمة الواحدة، لكن هذا الفصل لا إشكال فيه وقد وردت عليه شواهد كثيرة، منها في كتاب الله تبارك وتعالى الآية المعروفة من سورة الأنعام. قال: وأما قول المبرد ففيه الحذف من الأول لدلالة الثاني عليه، وهو قليل والكثير عكسه، وقد بينت هذا والحمد لله.
قال: فصل ويجوز ترخيم المنادى المعرفة. هذا كلام في الترخيم، والترخيم حذف آخر الاسم تخفيفاً. هذه خلاصة، تحذف آخر الاسم تخفيفاً، لكن أحياناً تحذف حرفاً وأحياناً تحذف حرفين وأحياناً تحذف كلمة كاملة. وهذا الترخيم لا أعلم له شاهداً في كتاب الله تعالى، إنما هي قراءة شاذة «بره»، ليست في العشرة أبداً، وقرئت بوجهين كلاهما على الترخيم. والمشهور فيه الحديث المعروف: «مالك يا عائش؟». النبي صلى الله عليه وسلم يدللها، يقول: «مالك يا عائش؟»، أصله يا عائشة. فهذا المعروف، لكن سريعاً إن شاء الله تعالى في أحكام الترخيم. قال: ويجوز ترخيم المنادى المعرفة.
وهو طبعاً المعرفة، ما الذي يرخم هنا؟ سيرخم شيء من ثلاث: إما أن يكون نكرة مقصودة، وإما أن يكون علماً مفرداً، أو علماً مركباً تركيباً مزجياً. هذا هو الذي يرخم، إذاً فلن يدخل هنا المضاف ولا الشبيه بالمضاف، هذا لا يدخل وهذا كذلك لا يدخل. فإنما النكرة المقصودة والعلم إذا كان مفرداً أو كان مركباً تركيباً مزجياً. وهو أي ترخيمه هو حذف آخره تخفيفاً، فذو التاء مطلقاً كـ «يا طلح» و«يا ثب»، وغيره بشرط ضمه وعلميته ومجاوزته ثلاثة أحرف كـ «يا جعف» أو «يا جعفا» ضماً وفتحاً.
قال: من أحكام المنادى الترخيم، وهو حذف آخره تخفيفاً، وهي تسمية قديمة. وروي أن قيل لابن عباس: إن ابن مسعود قرأ «ونادوا يا مالي»، فقال: ما كان أشغل أهل النار عن الترخيم! ذكره الزمخشري وغيره، هذا يعني نسبته للزمخشري يعني مظنة الضعف، هذا والله أعلم محل نظر. أنا يعني هذا قصور مني لم أبحث الأثر، لكن الظاهر فيه الضعف. قال: وعن بعضهم أن الذي حسن الترخيم هنا أن فيه الإشارة إلى أنهم يقتطعون بعض الاسم لضعفهم عن إتمامه. يعني الآية: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف: 77]، ونادوا يا مالك ليقض، ليس فيها شيء من هذا، القرآن كله ليس فيه شيء من هذا. وردت هذه الرواية وهذه القراءة التي شاذت مرة: ونادوا يا مالي ليقض علينا ربك، وبعضهم قرأها: ونادوا يا مال ليقض علينا ربك. يا مالي ويا مال، وهذه لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر كما سأشير إليها إن شاء الله تعالى وسيذكره المصنف. قالوا على كل هي من باب الترخيم، حذفوا الكاف التي هي آخر الكلمة ترخيماً.
قال: وشرطه أن يكون الاسم اسم معرفة، ثم إن كان طبعاً معرفة، قد يكون معرفاً بالنداء. هذا هو الباب السابع من أبواب المعارف، كما قبل ذلك قلت لكم: ال المعارف الستة وهي الضمير والعلم واسم الإشارة والاسم الموصول والمضاف وذو الأداة أل بال، وكذلك المضاف إلى أحد هذه الخمسة. بعضهم يزيد سابعاً هو الذي يسمى نكرة مقصودة ويقول هو معرف الآن بالنداء، وأضم يدخله هنالك. قال: وشرط أن يكون معرفة، ثم إن كان مختوماً بالتاء لم يشترط فيه علمية ولا زيادة على الثلاثة، تقول في «ثبة» وهي الجماعة: ثبة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]. ثبة يعني جماعات متفرقة أو انفروا جميعاً في جماعة واحدة، جماعات سرايا، هكذا يخرج عشرة في سرية أو مئة كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا. فثبة، ثبة هذه نكرة لكن أنت إذا كلمت جماعة معينة تقول: يا ثب، يا ثب، يا ثب. يجوز يا ثب بفتحة ويا ثب بضمة واحدة، وهي الجماعة. هذا بغير شرط، لماذا؟ لأنه ليس علماً، فلا يحتاج إلى هذا الشرط، وكذلك هو ليس متجاوزاً ثلاثة أحرف. قبل «يا ثب» لا، هو ثلاثة أحرف. قال: يا ثب، كما تقول في عائشة: يا عائشة، يا عائشة.
وإن لم يكن مختوماً بالتاء فله ثلاثة شروط، يعني إن لم يكن هذا الذي تناديه مختوماً بالتاء فله ثلاثة شروط. أما إذا كان مختوماً بالتاء تنادي تقول: يا طلحة، ويا طلح. يا طلحة، يا طلحة على الأصل، يا طلحة، يا طلح على الترخيم، يطلح بضمة أو يطلح بغير ضم، فتحة. الأولى تسمى لغة من لا ينتظر، والثانية تسمى لغة من ينتظر، سيتكلم المصنف عليها يعني حتى لا نتجاوز الكلام. قال: أحدها أن يكون مبنياً على الضم. هذا الشرط الأول. والثاني أن يكون علماً، والثالث أن يكون متجاوزاً ثلاثة أحرف. أن يكون مبنياً على الضم، يبقى إذاً لن يدخل فيه المضاف ولا الشبيه بالمضاف ولا النكرة غير المقصودة، كل هذا خارج، فلابد أن يكون مبنياً على الضم. الثاني أن يكون علماً، إذا لم تكن فيه التاء فلابد أن يكون علماً، أما إذا لم يكن علماً فإنه لا يرخم، يعني لا يقال مثلاً في «رجال» لا يقال: يا رجا، وأنت تقصد يا رجال، لا، هذا لا يقال، لا يسوغ.
قال: والثالث أن يكون متجاوزاً ثلاثة أحرف، وذلك نحو حارث وجعفر، تقول يا حاري ويا جعف، يعني يا حاري ويا حار، هذا وذاك، ويا جعف بالفتح ويا جعف بالضم. ولا يجوز في نحو يا عبد الله، لا يجوز، إنما تقول يا عبد الله، لا يمكن أن ترخم هذا الاسم، ولا شاذ قرناها أن يرخما لأنهما ليس مضمومين ليس مبنيين على الضم. ولا في نحو إنسان مقصوداً به معين؛ لأنه ليس علماً، ولا في نحو زيد وعمرو وحكم، لأنها ثلاثية، يعني لا يقال يا زي أو يا عم أو يا حك، لا يجوز هذا. بعضهم أجاز في حكم، قال: وأجاز الفراء الترخيم في حكم وحسن، مثل حكم ونحوهما. لماذا؟ ما السبب من الثلاثيات محركة الوسط؟ قال: نعم، أنا لا أجيزه في زيد وعمرو لأن الوسط ساكن، أما حكم وحسن الوسط متحرك، والوسط المتحرك كأنه بمنزلة حرف رابع. ثم استدل عليهم بدليل سريعاً إن شاء الله تعالى لأن الكلام في هذا يحتاج إلى درس مفرد.
قال: قياساً على إجرائهم نحو سقر مجرى زينب في إيجاب منع الصرف. سقر من ثلاثة أحرف، قال لا، مجرى هند في إجازة الصرف وعدمه. قالوا: سقر من ثلاثة أحرف، إذاً هند عندكم من ثلاثة أحرف يجوز فيها الصرف وعدمه، جاءت هند وجاءت هند، صحيحان. فالعلم الثلاثي ساكن الوسط المؤنث، العلم المؤنث الثلاثي ساكن الوسط يجوز فيه الصرف وعدمه. قالوا إذاً عندكم سقر ثلاثة كهند، تجيزون فيها هذا وذاك؟ قالوا: لا، هي ممنوعة من الصرف وجهاً واحداً. لماذا؟ قالوا: تجري مجرى زينب؛ لأن الحرف الذي هو في الوسط، القاف، لما تحرك صار كأنه حرف رابع، فالحركة صارت كأنها حرف رابع. وكذلك هو في كتاب الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]. قالوا: لم يقل في سقر، وكذلك حتى في الرفع والنصب، يرفع بضمة واحدة وينصب بفتحة واحدة، سأصليه سقراً، ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي﴾ [المدثر: 27-28]. هو ممنوع من الصرف.
وقال: وإجراؤهم جمز، جمز هذا معنى سريع، يعني لحركة وسطه، مجرى حبارى، هذا طائر معروف، في إيجاب حذف ألفه في النسب لا مجرى حبلى، المرأة الحبلى معروفة الحامل، في إجازة حذف ألفها وقلبها واواً. هذا باب آخر، يعني الفراء يستدل عليهم ببابين، الباب الأول في باب منع الصرف، يقول لهم: أنا أجزت الترخيم في حكم لأنه ساكن الوسط كما منعتم الصرف في سقر، عفواً أجزت الترخيم في حكم لأنه متحرك الوسط كما منعتم الصرف في سقر لأنه متحرك الوسط. وكذلك أجريتم جمز سريع هذا في باب النسب مجرى حبارى، فقلتم جمزي كما قلتم حباري في النسب، ولم تقولوا جمزوي كما قلتم في حبلى حبلي وحبلوي. فلماذا ما السبب في إجرائكم جمز مجرى حبارى لا مجرى حبلى؟ قالوا: السبب عندنا هو حركة الوسط، جمزا، الميم لما تحركت صار صارت هذه الحركة كأنها حرف خامس. فالخلاصة أنه يقول أيضاً حكم وحسن لما تحركت الكاف التي في حكم والسين التي في حسن، لما تحرك الوسط، لما تحرك هذا الحرف الذي في المنتصف كأنه رباعي. هذه خلاصة كلام الفراء في هذا، والله أعلم.
قال: وأشرت بقولي «كيا جعف ضماً وفتحاً» إلى أن الترخيم يجوز فيه قطع النظر عن المحذوف، فتجعل الباقي اسماً برأسه فتضمه، ويسمى لغة من لا ينتظر. ويجوز أن تقطع النظر عنه بل تجعله مقدراً، فيبقى ما كان على ما كان عليه وتسمى لغة من ينتظر. إذاً تقول يا جعف، أصلها يا جعفر، هذا منادى مبني على الضم، فتقول يا جعفو، تقول هذا أيضاً منادى مبني على الضم، وهذه لغة من لا ينتظر، يعني تقول يا جعفو، هذا منادى مبني على الضم وأنا لا أنتظر الحرف الرابع الذي هو حذف جعفر الراء. بعضهم يقول لا، يا جعف، هذا منادى مبني على ضم مقدر على الحرف المحذوف، فهذا ينتظر الحرف المحذوف لأجل أن يبقي عليه الضمة. هذه هذا فرق ما بين لغة من ينتظر ولغة من لا ينتظر. قال: فتقول على اللغة الثانية في جعفر: يا جعف، ببقاء فتحة الفاء. وفي مالك: يا مالي، ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾، ببقاء كسرة اللام وهي قراءة ابن مسعود. وفي منصور: يا منصو، ببقاء ضمة الصاد. وفي هرقل: يا هرق، ببقاء سكون القاف. وتقول على اللغة الأولى، وهي لغة من لا ينتظر، سيضم هذه الأحرف جميعاً: يا جعف ويا مال ويا هـ ويا هرق، بضم أعجازهن، وهي قراءة أبي الثري الغنوي، يقصد في يا مالي، يا مال، يا مال، ويا منصو بضمة، لكن هي ضمة أخرى، يعني هكذا يقول باجتلاب ضمة غير تلك الضمة التي كانت قبل الترخيم.
هذا كله فيما يرخم ويحذف حرف واحد. أحياناً تحذف حرفين، قال: ويحذف من نحو سلمان ومنصور ومسكين حرفان، ومن نحو معدي كرب الكلمة الثانية. المحذوف للترخيم على ثلاثة أقسام، أن يكون أحدها أن يكون حرفاً واحداً، وهو الغالب كما مثلنا. والثاني أن يكون حرفين، وذلك فيما اجتمعت فيه أربعة شروط. متى يحذف من الاسم حرفان؟ طبعاً لابد أن يكون علماً، بناءً على هذه الشروط السابقة التي سبقت، لابد منها هنا. لا، هناك شروط زائدة، قال: أن يكون قبل الحرف، ما قبل الحرف الأخير زائداً، الثاني أن يكون معتلاً، الثالث أن يكون ساكناً، الرابع أن يكون قبله ثلاثة أحرف. يبقى إذاً مع الشروط السابقة أن يكون مبنياً على الضمة وأن يكون علماً وأن يكون متجاوزاً ثلاث أحرف، هذا متجاوز الأربعة، هناك شروط زائدة. الحرف الأخير انظر إلى الذي قبله، لابد أن يكون الذي قبل الأخير حتى تحذف هذا الذي قبل الأخير مع الأخير، لابد أن يكون هذا الذي قبل الآخر زائداً، معتلاً، ساكناً، وأن تعد قبله فتجد ثلاثة أحرف. يعني إن كان أصلياً لا يحذف، إن كان صحيحاً لا معتلاً لا يحذف، إن كان متحركاً لا ساكناً لا يحذف، كذلك إن كان قبله حرفان فإنه لا يحذف.
قال: وذلك نحو سلمان ونحو منصور ومسكين على من، سلمان، منصور، تقول هذا رجل منصور نصره الله، هذا لا يقال له يا منصو مثلاً كما سبق، لا لابد أن يكون علماً. وكذلك تقول هذا رجل مسكين من المساكين، لا يقال له يا مسك يا مسكي أو يا مسك، لا لا يقال هذا ولا ذاك، إنما لابد أن يكون اسمه منصوراً وأن يكون اسمه مسكيناً، أن يسمى بهذا الاسم. تقول يا سلم ويا منص ويا مسك، هذه لغة من لا ينتظر: يا سلم، يا منصو، يا مسك، أو يا سلم، يا منصو، يا مسك، هذه لغة من ينتظر. وقال الشاعر: يا مرو إن مطيتي محبوسة ترجو الحباء وربها لم ييأسي الشاهد فيه يا مرو، أصله يا مروان، يا مرو، ويا مرو، ما الذي حذفه؟ حذف الألف والنون، حذف الألف والنون، يا مروان، فحذف الألف والنون. لماذا؟ لأن الألف التي قبل النون زائدة ومعتلة وساكنة وقبلها ثلاثة أحرف وهي التي تركها يا، يريد يا مروان. وقال آخر: قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه طبعاً يلغى هذا البيت قفي فانظري أسماء هل تعرفينه، أهذا المغيرة الذي كان يذكره، فليس فيه شاهد على هذا، لكن هذه روايته مشهورة أيضاً. قفي فانظري يا اسم هل تعرفينه، هذا من رؤية عمر بن أبي ربيعة المشهورة. فيا اسم أصله يا أسماء، يا أسماء، وأسماء أيضاً فيها هذا الذي ذكره المصنف، الألف زائدة، أسماء التي حذفت مع الهمزة الألف أسماء، هذا الممدود ألف، والتي بعدها على السطر هذه همزة، ألف وهمزة، هذه الألف زائدة ومعتلة أسماء وساكنة أسماء وقبلها ثلاثة أحرف التي تركها وهي يا اسم، فقبل ثلاث.
أحرف فاجتمعت فيها الشروط، فلأجل هذا أرخم بحذف حرفين. قال: ويجب الاقتصار على حذف الحرف الأخير من نحو مختار علماً؛ إذا سميت رجلاً بمختار، إذا سميته بمختار -هذا كثير عندنا معروف- علماً من لماذا؟ لماذا يقال فيه يا مختا إذا أردت أن ترخمه؟ لا يقال فيه يا مخت، لا تحذف الحرفين، إنما تحذف الأخير فقط. لماذا؟ لأن هذه الألف أصلية لأنها منقلبة عن الأصل، لأنها من اختار، واختار إما أنها من اختير، فهو مختار، مختير، يعني مفتعل أو مختير، هو مفتعل، لأن كلمة مختار يصح فيها أن تكون اسم فاعل وأن تكون اسم مفعول. أنا مثلاً اخترت هذا اللون، اخترت هذا اللون فأنا مختار، أنا الذي اخترته، وهذا اللون مختار، فهو واختير مني وهكذا.
﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 33]. الله عز وجل مصطفٍ لهؤلاء، وهؤلاء مصطفون، فهذا مصطف، وهذا مصطفى. طيب ما معنى اصطفى؟ من معانيها اصطفى معناها اختار، اختار؛ فالله عز وجل مختار، وهذا النبي آدم ونوح وإبراهيم المذكورون، وهذا النبي مختار، فالله مختار، وهذا النبي مختار؛ الله مختار اختار هذا النبي، وهذا نبي مختار اختاره الله، فيقولون هذا يصح أن يكون اسم فاعل واسم مفعول. على كل هو مختير أو مختير؛ مختير اسم فاعل، ومختير اسم مفعول. طب لماذا لم يحذف؟ لأن المعتل أصلي، لأن الأصل مختير أو مختير. قال الله تعالى: ﴿مَّا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ [القصص: 68]، فخيرة؛ فأصل الاختيار الخاء والياء والراء، هذه أصول. أصول، لا أحب أن أطيل في هذا كثيراً، هذا من باب التصريف، لكن أدخله المصنف هنا إدخالاً، فلزم يعني فك عبارته.
يعني قال وعن الأخفش أجازه، الأخفش يجيز، يقول لا، قل يا مخت، ويا مخت، واحذف الأول والثاني كما فعل الفراء في حكم وحسن؛ هو أيضاً سيستدلهم، قال عن الأخفش أجازه يعني روي عن الأخفش أو جاء عن الأخفش اجازه حذفها، وجزء أجازه حذفها تشبيهاً لها بالزائدة؛ قال سنشبهها، سنشبهها بالألف الزائدة فنحذفها. هل عندك شاهد أو مثال؟ قال نعم، الصرفيون فعلوا ذلك، قال كما شبهوا ألف مراماً، وهذا من رماه يراميه مراماً، يعني من الرمي في النسب بألف حبارى فحذفوها، ألف حبارى زائدة. في النسب يقولون حباري، يحذفون الألف الزائدة. ومراماً أصلها الألف التي في آخرها أصلية أم زائدة؟ لا، أصلية لأنها منقلبة عن أصل، لأنها من رمى يرمي، فالاصل في النسب التصريف؛ طبعاً المصنف لم يذكر النسب هنا، لم يذكر كثيراً من التصريف هنا، ذكر شيئاً نادراً، يعني الأصل في أن يقال مراموي، لا، هم قالوا لا تحذف هذه الألف، يقال مرامي. فقال: قال يعني أنا أجيز هذا قياساً على هذا.
قال: وفي نحو، وفي نحو هذا عطف على قوله في نحو مختار، يعني يجب الاقتصار في نحو في حذف على حرف حذف الحرف الأخير في نحو مختار، وكذلك يجب الاقتصار على حذف الحرف الأخير في نحو دلاص علماً من، طبعاً هذه الأشياء لا بد أن تفصل وأن تفسر معانيها، أما من الشارح أو من المحشي، لكن هذا لم يحصل. يقولون درع دلاص، ودرع دلامص كلاهما بمعنى واحد وهي الدرع الملساء الناعمة البراقة، هذه الدرع إذا كانت ملساء ناعمة براقة فإنهم في العربية يقال لها درع دلاص، ودرع دلامص؛ دلاص بالدال واللام والألف والصاد، ودلامص بالدال واللام والألف والصاد مع الميم. فقالوا هذه الميم زائدة، وهذا من الغريب، الغريب أن تزاد هذه الميم في مثل هذا الموضع، لكن قالوا فحينئذ إذا كانت هذا يعني سميت رجلاً هكذا، يعني إذا كانت هذا طبعاً من باب الافتراض أيضاً، إذا سميت رجلاً بهذه الكلمة دلاص، هذا سميته كذا، تحذف الحرفين الأخيرين أم تحذف الحرف الأخير وحده؟ المصنف يقول لا، احذف الأخير وحده، لماذا؟ لأن الميم وإن كانت زائدة بدليل قولهم درع دلامص ودرع دلاص، ولكنها حرف صحيح، لا بد أن يكون زائداً وأن يكون معتلاً، حرف صحيح لا معتل. وفي نحو سعيد وعماد وثمود، تحذف، تحذف الواو والدال أو الياء والدال أو الألف والدال؛ لا، ستحذف الدال فقط. سعيد، عماد، ثمود؛ فستقول يا سعي، يا عما، يا ثم؛ لماذا؟ لأن الحرف المعتل لم يسبق بثلاثة أحرف، سبق بحرفين. وعن الفراء أجازه حذفهن، وأنشد سيبويه: تنكرت منا بعد معرفة لمي، أصله يا لميس، فحذف الحرف الأخير فقط، فحذفوا السين أو فحذف السين فقط، طبعاً فحذفوه أصله فحذف، لأن هذا شاعر حذف هو السين وحدها.
قال وفي نحو، طبعاً إن شاء الله هذا آخر شيء، سيبقى الكلام بإذن الله تعالى في الاستغاثة والندبة للدرس القادم. هذا آخر شيء، قال وفي نحو هبيخ وقنور، طبعاً إذا كان علمين؛ هبيخ فيه معاني، قيل هو الرجل الأحمق المسترقي، وقيل هو الغلام الناعم، وقيل هو واد معين، وقيل هو الوادي عموماً العظيم؛ وقنور شرس صعب أو ضخم الرأس. يعني إذا سميت رجلاً بهبيخ مثلاً، أحمق أو أو حتى كان بمعنى واد معين وأردت أن ترخمه، وكذلك القنور ضخم الرأس أو شرس، إذا أردت أن ترخمه، مع أنه خمسة أحرف وحرف العلة موجود الرابع، ومع ذلك لا يحذف إلا الحرف الأخير، تقول يا هبي، أو يا هبي، يقنو، أو يقنو؛ لماذا؟ لأن حرف العلة، لأن حرف العلة محرك وليس ساكناً. الثالث: هذا آخر شيء في الترخيم، قال الثالث أن يكون المحذوف كلمة برأسها، وذلك في المركب تركيب المزج نحو يا معدي كرب، ويا حضرموت؛ معدي كرب وحضرموت؛ فتقول يا حضر، أو يا حضر، يا معدي تقول يا سيبا، يا سيبا، وهي يا سيبا، يا راما هرمز يا راما، وهكذا.
هذا والله أعلم تبارك وتعالى، وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق