السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أما بعد، فهذا هو الدرس الرابع والعشرون من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمه الله. وما زال الحديث في أبواب النداء. قال: فصل، ويقول المستغيث: يا ل الله للمسلمين، بفتح لام المستغاث به إلا في لام المعطوف الذي لم تتكرر معه يا، نحو: يا لزيد ولعمر. هذا باب الاستغاثة ويتبعه باب الندبة، وهاتان المسألتان هما آخر مسألتين في أبواب النداء التي أطال المصنف الباب فيها وفي مسائلها.
قال من أقسام المنادى: المستغاث به، وهو كل اسم نودي ليخلص من شدة أو يعين على دفع مشقة. فالمستغاث به هو من ينادى لتخليص من شدة أو لدفع مشقة؛ فإما أن يدفعها قبل أن تأتي، وإما أن يخلص منها بعد ما حدثت. الأصل أن يستغاث بالله سبحانه وتعالى كما هو معلوم، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ [الأنفال: 9]. لكن يجوز الاستغاثة بحي حاضر قادر على الإغاثة، هذا لا بأس به، وتفصيل هذا في أبواب العقائد كما هو معلوم. ومما يدل على جوازه من حي حاضر أو قادر، قول الله تبارك وتعالى في قصة دخول موسى عليه السلام: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ﴾ [القصص: 15]، فاستغاثه هذا الرجل الذي من بني إسرائيل بموسى عليه السلام فأغاثه. لكن ليس الكلام عن هذه الاستغاثة، إنما الكلام عن نوع في النداء يسمى الاستغاثة.
كيف تكون الصياغة النحوية للاستغاثة؟ عندنا مستغاث، ومستغاث له، قد يحذف هذا، وعندنا مستغيث. المستغيث يحتاج إلى حرف يستغيث به، فالأصل أن يستغيث بحرف يا، فيقول: يا فلان. فالأصل في أنه لو قال يا فلان أي يا زيد، أنه نداء، أما إذا كان للاستغاثة فله صيغة خاصة. نعم له صيغ أخرى، لكن الصيغة الأصلية أن يقول كما قال المصنف: يا لزيد، بأن يأتي بلام بعد يا، هذه اللام تكون جارة لما بعدها، وهو مجرور لفظاً منصوب محلاً كما هو معلوم.
قال: ولا يستعمل له من حروف النداء إلا يا خاصة؛ يا هي التي تستعمل له بخلاف النداء المحض، النداء يجوز بعده أدوات كما سبق، وأصلها يا، لكن يجوز بالهمزة ويجوز بأيا وهيا وغير ذلك، أما الاستغاثة فتكون بياء دون غيرها. قال: والغالب استعماله مجروراً بلام مفتوحة؛ هذا هو الغالب أن يقال يا لزيد، لكن أحياناً تحذف اللام وتزيد ألفاً تقول يا زيدا، وأحياناً تقول يا زيد على أنه كأنه نداء، ولكن ليس نداء في هذا الموضع، إنما يفرق بينه وبين النداء بالسياق؛ أنت تعلم أن هذا نداء وأن هذا استغاثة.
هذه اللام المفتوحة فيها خلاف بين العلماء في خلاف صناعي؛ قال: وهي متعلقة بياء عند ابن جني، وسبق التعريف لما فيها من معنى الفعل؛ فيا فيها معنى الفعل كما سبق في أول الكلام عن النداء، فأصل المنادى مفعول به؛ قال: ومنه المنادى، أي ومن المفعول به المنادى، لأن أصل يا عبد الله أدعو عبد الله، أنادي عبد الله وهكذا، فيا فيها معنى الفعل: أدعو، فقال إذا فيها معنى الفعل فتتعلق بها اللام. اللام هذه التي هي حرف جر، وقلت لكم قبل ذلك: حروف الجر أو الجر والمجرور الذي بعده لا بد لهما من شيء يتعلقان به، قال هذا الجر والمجرور تجدون هذا في كتب الإعراب كثيراً: الجر والمجرور متعلق بكذا، فلا بد أن تفقه هذا التعلق لأنه يفيد معنى بخلاف ما لو علقت بشيء آخر.
وعند ابن الضائع وابن عصفور بالفعل المحذوف، فكأنها تصحفت إلى الصائغ، الضائع هو أبو الحسن علي بن محمد الإشبيلي متوفى سنة 680، فهذا هو المقصود هنا والله أعلم، وعند هذين العالمين اللام في يا لزيد، يا ل الله، متعلقة بالفعل المحذوف الذي هو أدعو، لكن إذا قلت أدعو لله، قالوا لا، كان هذا الفعل الذي هو أدعو يتضمن فعلاً آخر: أدعو ملتجئاً لله، لأن هذه اللام وإن كانت مفتوحة هي تفتحها هنا، لكن هي معناها لام جر، ولكنها تفتح في مثل هذا لكن تؤول بالمكسورة المعروفة، فكأنك تقول أدعو ملتجئاً لله. أياً ما كان هذا أو ذاك، هذا شيء صناعي، قال: وينسب إلى سيبويه، وقال ابن خروف هي زائدة فلا تتعلق بشيء. الخروف هذا عالم، هذا كان من أسمائه، أو لعل من أجداده كان يسمى هكذا، كان هو أبو الحسن علي بن محمد بن علي الإشبيلي المتوفى سنة 669، وهو مشهور بهذا، وهناك شاعر مقارب له أيضاً يطلق عليه هذا اللقب أيضاً ابن خروف، وأحياناً في الترجمة قد يخلط بين هذا وذاك، فينسب لهذا العالم النحوي بعض الأشياء التي هي غير مستحسنة، وإذا رجعت إلى أصل الكلام وجدتها منسوبة للشاعر وليست لهذا العالم، فهذا يحدث أحياناً.
قال: هي زائدة فلا تتعلق بشيء؛ أياً ما كانت هذه اللام، إما أن تكون زائدة وإما أن تكون أصلية، وإذا كانت أصلية تعلقت بالفعل المحذوف أم تعلقت بياء، هذه كلها أقوال لفهم المسألة صناعياً. قال: وذكر المستغاث له بعده مجروراً بلام مكسورة دائماً على الأصل، والغالب ذكر المستغاث له بعده، وقد يحذف هذا المستغاث له، تقول يا ل الله للمسلمين، وقد تقول يا ل الله فقط. قال: وهي حرف تعليل وتعلقها بفعل محذوف وتقديره أدعوك لكذا؛ يا ل الله كأنك تقول يا الله أدعوك يا الله لكذا وكذا، وذلك كقول عمر رضي الله عنه: «يا ل الله للمسلمين»، هذا يروى عن عمر رضي الله عنه، صح عنه، فكأنه في عام المجاعة -عام الرمادة والعلم عند الله تعالى- ماذا يريد بهذا؟ كأنه يقول يا الله أدعوك لهؤلاء المسلمين الذين أصابتهم هذه المجاعة، قال يا ل الله للمسلمين، فجاء بيا وهي خاصة بالاستغاثة، لا يقال بغيرها، وفتح اللام مع المستغاث به وهو الله تعالى يا ل الله، وجره بهذه اللام وفي موضع نصب إن كان مفرداً، إلا أنه يقولون هنا قد طال فصار في موضع نصب كأنه شبيه بالمضاف، وقال للمسلمين هذا جار ومجرور، يعني يا الله أدعوك للمسلمين، بفتح اللام الأولى وكسر الثانية يا لله بالفتح للمسلمين بالكسر. اللام الأولى مفتوحة واللام الثانية مكسورة.
وإذا عطفت عليه مستغاثاً آخر، يعني إذا قلت يا لزيد ثم تريد أن تستغيث بزيد وعمر، وهما حيان حاضران قادران يستطيعان أن يغيثاك، تقول يا لزيد ويجوز أن تقول يا لزيد ويا لعمر، فتفتح اللام الثانية لأنك أعدت يا، ويجوز أن تقول يا لزيد ولعمر، فحينئذ تكسر اللام الثانية إذا لم تعد يا. طبعاً هذا الأسلوب ليس موجوداً في كتاب الله تعالى ولا أعلمه موجوداً في السنة كذلك. قال: وإذا عطفت عليه مستغاثاً آخر فإن أعدت يا معطوف فتحت اللام كقول الشاعر: يا لقومي ويا لأمثال قومي، لأناس عتوهم في ازدياد. يا لقومي، يستغيث بقومه، ويا لأمثال قومي، يستغيث بأمثال قومه، لأناس عتوهم في ازدياد. هنا يظهر لك شيء لو صح هذا البيت وكان عربياً، يظهر لك أن المستغاث له قد يكون منتصراً له، وقد يكون منتصراً منه أو عليه، فأنت تستغيث يا ل الله للمسلمين أنت تريد أن يغيث الله المسلمين، هنا يقول يا لقومي ويا لأمثال قومي لأناس عتوهم في ازدياد، هل يريد أن يغيثوهم لا، بل أن ينصروه عليهم، فالمستغاث له إما أن يكون منتصراً له مستغاثاً له، وإما أن يكون مستغاثاً منه، يعني مستغاثاً منتصراً عليه، تريد أن يساعدك عليه. فقال يا لقومي ويا لأمثال قومي بفتح اللام الثانية لأنه كرر يا. قال: وإن لم تعد يا كسرت لام المعطوف كقوله: يبكيك ناء بعيد الدار مغترب، يا للكهول وللشبان للعجب. فلم يقل يا لول الشبان، لا قال يا للكهول وللشبان، لأنه لم يعد يا.
وقيل هذا الأسلوب يا للكهول وللشبان للعجب هذا ليس من باب الاستغاثة إنما هو من باب التعجب، سواء قيل هو من باب الاستغاثة أو من باب التعجب فمؤدى البابين في مثل هذا واحد؛ لأنه يدعو الكهول والشبان للعجب، يعني لا يستغيث بهم لأجل العجب، إنما يدعوهم للعجب، هذا معنى. قال: وللمستغاث به استعملان آخران، أحدهما أن تلحق آخره ألفاً، فلا تلحقه حينئذ اللام من أوله يعني يا لزيد، تقول يا زيدا، لأن تقول يا لزيد لأن اللام تقتضي الجر إذا حذفت اللام نصب تقول يا زيدا، ويجوز أن تقول يا زيد، لكن إذا قلت يا زيد تقول يا زيد لعمر، لا تقول يا زيد فقط، تقول أنا أريد الاستغاثة لا، هنا ستختلط بالنداء، إنما حتى تكون استغاثة تقول يا زيد لعمرو، يعني يا زيد أستغيث بك لدفع أو أستغيث بك لدفع الشدة عن عمرو هذا أو ذاك، أما أن تريد أن تنتصر له وأن تدفع عنه شدة، أو أن تنتصر منه أن تتخلص منه أو من بغيه. قال يا يزيدا لأمل النيل عز وغنى بعد فاقة وهواني، يا يزيدا، ويدعو يزيد هذا لأمل نيل عز لرجل يؤمل أن ينال عزا وغنى بعد ذلة وفقره، كأنه يدعو الخليفة لأن يعطيه مالاً أو ما أشبه ذلك لأجل أن يعز به ويغنى بعد ذلة وفقره، وقال يا يزيدا أدعوك لمن يأمل منك نيل العز والغنى، لم يقل يا ليزيد أو يا ليزيدا، لأنه يزيد، ولم يقل أيضاً يا ليزيد، لأن في الشعر يجوز أن يصرف ما لا ينصرف، إنما قال يا يزيدا فحذف اللام ونصب يزيد.
والثاني ألا تدخل عليه اللام من أوله ولا تلحقه الألف من آخره، لا هذا ولا ذاك، يجري عليه حكم المنادى؛ فتقول على ذلك يا زيد لعمر، يا زيد لعمر بضم زيد، ويا يا عبد الله لزيد بنصب عبد الله، كأنك تقول يا زيد ويا عبد الله، هذا منادى وهذا منادى، لكن هذا منادى مستغاث به لأجل لعمرو ولزيد، هذا الذي، لكن لا تقل يا عبد الله أو يا زيد وتقول أنا أريد الاستغاثة في النحو، لا أنت هنا خلطت بين الاستغاثة والنداء المحض، إنما يا زيد لعمر، يا عبد الله لزيد هنا عرف أن الكلام استغاثة وليس نداءً محضاً. قال الشاعر: ألا يا قوم للعجب العجيب، وللغفلات تعرض للأريب. هنا ماذا يجوز؟ يجوز أن يقول يا قوم أو يا قومي، الذي يتابع ويدرس ويذاكر سيعلم أنه يجوز أن يقول يا قومي ويا قوم، ألا يا قوم للعجب العجيب، ألا يا قومي للعجب العجيب، فهذا منادى مضاف إلى ياء المتكلم، فما الجائز فيه كما سبق في الدرس الماضي؟ يجوز فيه ست لغات، هذا المنادى الذي هو مضاف لياء المتكلم، إذا كان أباً أو أماً كما سبق يجوز في عشر لغات، هذا سبق في الدرس الماضي. قال: والمندوب: وزيداه، وأمير المؤمنيناه، ورأساه، ولك إلحاق الهاء وقفاً، يعني يقول وزيداه وأمير المؤمنيناه ورأساه، هذه الهاء تكون اسم، تكون هاء السكت وتكون ساكنة كما رأيت، ويجوز طبعاً ضمها وكسرها كما سيأتي في الكلام بإذن الله تعالى. قال: المندوب هو المنادى المتفجع عليه أو المتوجع منه، هذا أسلوب جديد واسمه الندبة، الندبة أن تندب أحداً. المندوب هو المنادى المتفجع عليه أو المتوجع منه، هذا عندنا يقولون يسمون شيئاً من هذا يسمونه الندب، فلان بتندب، أحياناً يكون هذا الندب ممنوعاً منه ما حراماً، حينئذ يكون من باب النياحة، وأحياناً يكون مجرد نداء لمتفجع عليه أو متوجع منه فيكون من باب الإباحة، يكون مباحاً، يعني ليست الندبة هذه.
الندب والنواح في كل حال أحيانا يكون نواحاً، والنائحة متوعده كما في الأحاديث الكثيرة. النائحة إذا لم تتب قبل موتها أخرجت عليها درع من جرب وسربال من قطران، كما قال عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم أخذ العهد والبيعة على النساء فيما أخذ ألا ينحن، ومع ذلك قل من وفى منهن كما في حديث أم عطية؛ قال: فلم تف منهن إلا خمس نساء. لكن على كلٍ، وإن لم يفين فليس معنى هذا أنه سائغ. لا تقولن إحدى النساء مثلاً: هذه وهذه من الصحابيات فعلن. لا، وإن كان فهو ذنب، ومن كان فهو ذنب بناءً على ما جاء في الأحاديث وكبيرة.
على كلٍ، المندوب هو المنادى المتفجع عليه أو المتوجع منه. قال فالأول كقول الشاعر يرثي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: حملت أمراً عظيماً فأطبرت له، وقمت فيه بأمر الله يا عمرا، يا عمرا طُب يا عمر. هنا هل اختلط بالنداء؟ لا. وقال يا عمر، لو كان كذا لقال يا عمر، لكن قد يقول قائل هذا ضرورة. قالوا لا، هذا قاله جرير بن عطية قاله في عمر بن عبد العزيز بعد موت عمر؛ فعلم أنه ليس نداء، وعلم أنه تفجع عليه، فهو ندبة.
وقد وردت الندبة في بعض الأحاديث أيضاً. هذا الأسلوب لا أعلمه في كتاب الله تعالى. وردت الندبة من فاطمة ابنة النبي عليه الصلاة والسلام في حياة أبيها صلى الله عليه وسلم وبعد وفاته، والنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر عليها. في حياته دخلت عليه وهو يموت عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت، قالت: وكرَب أباه. هذا هو الأسلوب: وزيداه، وأمير المؤمنين، ورأساه. فقالت: وكرَب أباه. إنما قال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم. ونفى أن يكون هناك كرب، لكن لم يقل لها هذا الندبة لا يجوز أو لا يصح أو هذا من النياحة، لا، مثل هذا فقط؛ فهذا يبين الجواز.
والنبي صلى الله عليه وسلم دخل على عائشة رضي الله عنها وقالت عائشة رضي الله عنها: ورأساه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «بل أنا ورأساه». طبعا في قصة لكن قال الشاهد: «بل أنا ورأساه»، فقالت ورأساه والنبي لم ينكر عليها، قال: «ورأساه». فهذا اسمه نداء للمتفجع عليه أو المتوجع منه، فالمتوجع منه هو الرأس، رأسه يوجعه يؤلمه فقال: ورأساه. تتفجع على أبيها صلى الله عليه وسلم وهو يموت: وكرب أباه. ولما مات عليه الصلاة والسلام قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، يا أبتاه جنة الفردوس مأواه، إلى آخره. فقالت يا أبتاه، وهذا أيضاً من هذا الباب. فهذا الباب فيه عدة أحاديث، لكن ليس فيه شيء في كتاب الله، ولا علم.
طبعا بعضهم يقول موجود: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: 56]. في بعض الشواذ قرئ: يا حسرتاه. قد يكون من هذا الباب. إذاً فهذه كلها من باب الندبة، وهنا أيضاً يا عمرا، قاله من باب الندبة لأنه قاله بعد موته. القصة المشهورة: وإسلاماه، ومعتصماه، كل هذا من هذا الباب من باب الندبة. والمتفجع عليه كما سبق، إما أن يكون مفقوداً حقيقة، وإما أن يكون مفقوداً حكماً، هذا أو ذاك؛ حقيقة بعد موتها عليه الصلاة والسلام قالت: يا أبتاه، وحكماً ومعتصماه؛ لأن المعتصم كان حياً يومئذ، ولأجل هذا سير الجيوش حتى افتتح عمورية، لكن كأنها فقدته حكماً لأنها أذلت وأهينت وهو حي. والمتوجع عليه كـ: وكرب أباه، ورأساه.
قال والثاني كقول المتنبي: إذاً الثاني هو المتوجع منه، أما الأول متفجع عليه يا عمرا، فهذا يتفجع لموت عمر بن عبد العزيز، أما في الثاني فيتوجع من سيف الدولة. المتنبي يتوجع من سيف الدولة لما حصل بينهما النفرة التي حصلت، وهذا شيء معروف في قصة أبا الطيب. قال: وحر قلباه ممن قلبه شبم، ومن بجسمي وحالي عنده سقم. وحر قلباه؛ قلبي حار هو وقلبه شبم؛ قلبه بارد، فليس عنده هذه الحرارة، لا يحبني كما أحبه، لا يقدرني كما أقدره، ومن بجسمي وحالي عنده سقم؛ إنما هو إذا رآني هكذا ظنني مريضاً، يعني وأيضاً فيقول جسمي سقيم وأيضاً حالي سقيم، تغير علي فرآني ليس كما كان يراني قبل ذلك بعد أن كان يظنني أو يراني محباً له معظماً له، أمدحه لحبي له ليس طلباً للمال ولا طلباً للسلطان، صار الآن يراني أمدحه طمعاً في شيء، أو أنني أمدحه وأقصد الهجاء، أو أنني أضمر له شراً إلى آخره. يعني الشاهد فيه: وحر قلباه. طبعاً هو قول المتنبي هنا كما سبق مراراً ليس استشهاداً، وإنما هو تمثيل لأن المتنبي توفي سنة 354، هو بعد عصر الاحتجاج بزمن طويل، فلكن هذا يكون مثالاً لا شاهداً ولا دليلاً.
طبعاً هذا المثال فيه عدة أشياء، والأصل كان أن يقول أو كان الأصل أن يقول: وحر قلبا بذكر الياء فحذفها، ثم قال: لو قال وحر قلبا ثم أكمل لحذف الهاء، لأن المصنف يقول ولك إلحاق الهاء وقفاً، فهو أثبت الهاء وصلاً، وأثبتها وصلاً مضمومة غير ساكنة، قالوا فوقع في أكثر من ضرورة. لكن بعضهم قال كل هذه ضرورات يبيحها الشعر، أو بعضها ليس ضرورة.
قال: ولا يستعمل فيه من حروف النداء إلا حرفان: وا، وهي الغالبة عليه كما في كل الأمثلة السابقة، إلا في قول جرير: يا عمرا. فكل الأمثلة السابقة فيها استعمال وا، قال: وهي الغالبة عليه والمختصة به، ويا، وذلك إذا لم يلتبس بالمنادى المحض، فإذا لم يلتبس بالمنادى المحض جاز (أي استعمل له ياء). قال: وحكمه حكم المنادى، طبعاً لما يلتبس قول جرير بالمنادى المحض كما قلت في عصر ذاك لأنه قاله بعد موته، ولا يلتبس على من يدرس إذا عرف أن جريراً قاله بعد وفاة عمر، وإلا فقد يلتبس، قد تقول إنه قاله نداء وقال يا عمر، القافية أحوجته إلى هذه إلى هذا الألف. قال: وحكمه حكم المنادى، فتقول: وزيد، وزيد بالضم، ووا عبد الله بالنصب كما كنت تقول يا زيد ويا عبد الله. ولك أن تلحق آخره ألفاً فتقول: وزيدا، وعمرا كما قال في أول الكلام. ولك إلحاق الهاء في الوقف، فتقول: وزيداه، بهاء ساكنة، هذه الهاء ليست ضميراً إنما هي هاء الوقف، وعمراه، كما قال عليه الصلاة والسلام: ورأساه، وكما قالت فاطمة رضي الله عنها: يا أبتاه، وكرب أباه، وهكذا. طبعاً في الأمثلة التي ذكرتها أيضاً في فاطمة يا أبتاه جاءت بياء، لم تأت بواه، لأني استثنيت قول جرير فقط، لا، وأيضاً هذا قال: فإن وصلت حذفتها، حذفت هذه الهاء إن وصلت، أنت حذفتها، إلا في الضرورة. طبعاً بعضهم يقول لا، ليس في الضرورة، بل يجوز إثباتها. قال: إلا في الضرورة فيجوز إثباتها، كما تقدم في بيت أبي الطيب في بيت المتنبي فجعله من باب الضرورة، وبعضهم يقول لا، ليس ضرورة، واستدل على ذلك ببيت الشعر قال الشاعر: ألا عمرا عمراه، عمرو بن الزبيراه، فأثبت وكذا وكذا هنا وهنا، فممكن أن يقال أيضاً هذا ضرورة، هذا البيت ضرورة، فالوجهان قائمان.
هنا قال: ويجوز حينئذ ضمها تشبيهاً بهاء الضمير، وكسرها على أصل التقاء الساكنين. يعني إذا وصلت في الضرورة أو في غير الضرورة على القولين السابقين هذه الهاء: ورأساه، وكرب أباه، وكذلك وحر قلباه؛ إذا وصلت يجوز أن تقول: وحر قلباه ممن قلبه شبمه، أو وحر قلباه ممن قلبه شبمه؛ وحر قلباه، كأنك شبهتها بهاء الضمير، والأصل فيها الضم، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 255]، إنما تكسر في بعض الأحيان مثل به وعليه وإليه المصير، حتى إنه لما كان الأصل فيها الضم قرأ حفص وحده: ﴿وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: 10]، ﴿بِس يُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 10]، ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63]، معنى الأصل هنا الكسر لكن هو قال أرجعها إلى الأصل الأول هو أصل ضم هاء الضمير، وهذا من أصح ما يقال في الجواب عن الإشكال في مثل هذا. بعضهم يثير إشكالاً هنا، هذا أصح ما يقال في الجواب عنه. قال: وقولي والنادب معناه ويقول النادب في أول الكلام في الندبة، قال والنادب وزيد، يعني ويقول النادب وزيدا.
انتهى الكلام عن النداء والندبة. بعد ذلك يكمل المصنف عليه رحمه الله تعالى الكلام عن المفعولات أو المفاعيل، بعد أن أنهى الكلام عن المفعول به، وذكر فيه قرابة سطرين أو ثلاثة أسطر، لم يطل فيه. قال: ومنه المنادى، فذكر أن المنادى جزء من المفعول به وكتب فيه صفحات كثيرة، ثم بعد ذلك أكمل الكلام عن بقية المفعولات. قال: والمفعول المطلق، وهو المصدر الفضلة المسلط عليه عامل من لفظه كـ ضربت زيداً ضرباً، أو من معناه كـ قعدت جلوساً، وقد ينوب عنه غيره، كـ ضربته سوطاً، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129]، ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44]، وليس منه ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: 35]. هذا هو الكلام في المفعول المطلق، والمصنف لم يطل في بقية المفعولات، أو قال هنا في هذا الكتاب لم يطل في المفعولات كلها؛ لأنه لم يطل في المفعول به، بينما طال في المنادى، ولم يطل أيضاً في المفعول له، والمفعول فيه والظرف، ولا المفعول معه، وكذلك هنا لم يطل في المفعول المطلق. فبإذن الله تبارك وتعالى أحاول أن آتي ببقية المفعولات في درس الليلة إن شاء الله تعالى، والإطالة الأشياء التي لم يذكرها يعني تأتي في كتب أخرى تكون مطولة، أو في شرح آخر يكون مطولاً يعني يستدرك فيه ما تركه هنا.
قال: لما أنهيت القول في المفعول به وما يتعلق به من أحكام من أحكام المنادى، شرعت في الكلام على الثاني من المفاعيل وهو المفعول المطلق. هذا هو الثاني عند المصنف، بعض العلماء يبدأ بالمفعول المطلق، يقول مثلاً المفعولات خمسة، أولها المفعول المطلق. لماذا يقول المفعول أولاً؟ يقول هذا من وجهين: أولاً هو مفعول مطلق. وإذا سئل لماذا سمي مطلقاً؟ فإنه يقول لأنه أطلق عن أي تقييد؛ تقول مفعول به، مفعول له، مفعول معه، مفعول فيه، لكن هنا تقول مفعول مطلق لا تقيده بحرف جر. ثم إنه هو المفعول، نقول إنه هو المفعول حقيقة. إذا قلت: ضربت زيداً ضرباً شديداً أمام الأمير مثلاً اتباعاً لك، مثلاً هنا في هذه الجملة أنت ذكرت كل المفعولات؛ تقول ضربت زيداً -هذا مفعول به- ضرباً شديداً -هذا مفعول مطلق- أمام الأمير -هذا مفعول فيه وهو ظرف المكان- يوم الخميس -هذا مفعول فيه أيضاً وهو ظرف الزمان- إكراماً لك أو سماعاً لك أو ما أشبه ذلك طاعة لك -هذا مفعول له-. لم أذكر مفعول معه؛ ضربت زيداً مثلاً وطلوع الشمس، يعني مع طلوع الشمس، أيّاً ما كان، تذكر المفعولات كلها. أي هذه المذكورات هو المفعول حقيقة؟ الفعل الذي فعلته، زيد ليس هو الفعل الذي فعلته هذا وقع عليه الفعل، تقول ضربت زيداً مثلاً وطلوع الشمس يعني مع طلوع الشمس، هذا ليس الفعل الذي فعلته، ضربت زيداً أمام الأمير هذا هو المكان الذي ضربته فيه، يوم الخميس هذا هو الزمان الذي فعلته فيه، طاعة لك هذا هو السبب الذي فعلت لأجله الفعل. طيب إذاً ما الفعل؟ الفعل الذي فعلته هو هذا؛ ضربت زيداً ضرباً شديداً. هذا الذي فعلته، هذا الضرب هو المفعول الذي قال هو المفعول المطلق؛ لأنه المفعول على الحقيقة، فلاجل هذا يقدمه بعض العلماء. وعلم بهذا لماذا سمي مطلقاً، لماذا سمي مفعولاً مطلقاً؟ مطلقاً عن كل المقيدات.
قال: وهو عبارة عن مصدر فضلة تسلط عليه عامل من لفظه أو معناه. هذه تعريفات تحفظ، يعني احفظوا التعريفات التي هي للمفعولات حتى تستطيعوا أن تفرقوا بينها، كذلك للأشياء التي سبقت والأشياء التي ستأتي إن شاء الله تعالى، حفظ التعريف مهم جداً ومفيد حتى هذا في غالب العلوم خصوصاً في علوم الآلات؛ مثلاً في مصطلح الحديث كيف تفرق بين المرسل والمنقطع والمعضل والمعلق، وإن كان السلف أو الأئمة الأقدمون أحياناً يطلقون هذا على هذا وهذا على هذا، يعني لا يفرقون، لكن كما في الاصطلاح الذي تأسس وانبنى عليه العمل تستطيع أن تفرق بهذا. كيف تستطيع؟ لا بد أن يكون عندك حفظ لهذه التعريفات حتى تفرق بين هذا وذاك على مصطلح المتأخرين. فحفظ هذا هنا يفرق لك بين هذه المفعولات. فالمفعول المطلق هو مصدر فضلة تسلط عليه عامل من لفظه أو معناه.
مصدر، يبقى إذاً لا بد أن يكون مصدراً، وقد ينوب عن المصدر غيره، لكن الأصل أن يكون مصدراً. المصدر كما قال ابن مالك عليه رحمه الله: المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن. الفعل يدل على حدث وزمن، إذا أزلت الزمن بقي الحدث، فالمصدر هو الحدث الذي يسمونه التصريف الثالث للفعل: ضرب، يضرب، ضرباً، قام، يقوم، قياماً، قال، يقول، قولاً. فهذا هو المصدر. فضلة، يعني معنى ذلك أنه يأتي بعد تمام الجملة، ليس من عمدة الجملة؛ فعل وفاعل، فعل ونائب عن الفاعل، كان واسمها وخبرها، إن واسمها وخبرها، مبتدأ وخبر.
لا، ليس هو شيئاً من ذلك. فضلة يأتي بعد تمام الجملة، تسلط عليه عامل من لفظه أو من معناه. لابد أن يعمل فيه عامل من لفظه أو من معناه، وهذا العامل قد يكون فعلاً أو غير فعل. قال الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ [النساء: 164]. أين المفعول المطلق هنا؟ هو تكليماً، هو مصدر نعم، مصدر كلم تكليماً، علم تعليماً، فهم تفهيماً وهكذا. فمصدر الفعل فعل يكون على التفعيل، هذا مصدر فضلة، نعم، فضلة كلم الله فعل وفاعل، بعد ذلك موسى مفعول به، تكليماً مفعول مطلق.
كل هذا عند العلماء يسمى كل واحدة منها فضلة، بمعنى أنه تمت الجملة بدونه، لا المعنى تم بدونه، لا يلزم؛ قد يكون المعنى قد تم بدونه وقد لا يكون، لكن لا يتم المعنى التمام الكلي إلا به. ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾؛ يقولون هذا التكليم ينفي ما يسمى بالمجاز، فبعضهم نازع في وجود المجاز في لغة العرب أصلاً، أو في لسان العرب؛ أثبته في كلام العرب لكن لم يثبته في القرآن. وآخرون أثبتوه هنا وهنا، لكن قالوا على كلٍ: تكليماً هذه تنفي هذا المجاز، تنفي أنه كلمه الله موسى تكليماً يعني كلمه مثلاً جبريل ونسب الفعل إلى نفسه، لا، لما كلم الله موسى تكليماً.
قال له تبارك وتعالى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 14]. هذا من أجل الأدلة على معنى الكلام من الله تبارك وتعالى وأنه كلام يسمع، قال له: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ * إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ [طه: 13-14]. ولا يقول له جبريل ولا غيره إنني أنا الله، إنما هذا قول الله له، وقال له: اسمعه. فموسى عليه السلام بنص كتاب الله سمع كلام الله سبحانه، فهذه من الأدلة، والأدلة في ذلك كثيرة معروفة. وكلٌ يريد تنزيه الله تبارك وتعالى، ولكن هناك من يصيب الصواب وهناك من يخطئ، والمسؤول في ذلك رب العالمين تبارك وتعالى يُسأل التوفيق للسداد والصواب في كل الأمور، خصوصاً في مثل هذه الأمور التي هي من أهم الأمور التي تتعلق بعقيدة المرء وتوحيده وإيمانه بالله سبحانه وتعالى.
إذاً ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾ هو مصدر فضلة، تسلط عليه عامل، كلم، إذاً تكليماً ما الذي نصبه؟ كلم، موسى ما الذي نصبه؟ كلم، الله هذا لفظ الجلالة ما الذي رفعه؟ كلم. هذا اسمه العامل، هذا العامل رفع فاعلاً ونصب مفعولاً به ونصب مفعولاً مطلقاً. هذا اسمه العامل، طب هذا العامل من لفظه أم من معناه؟ من لفظه كلم الله موسى تكليماً، قد يكون من معناه، قال والثاني نحو قولك: قعدت جلوساً، وتاليت حلفه. قال الشاعر: تالى ابن أوس حلفه ليردني.
وذلك لأن الآلية هي الحلف، ولأن القعود هو الجلوس. أولاً قال مصدر فضلة، تسلط عليه عامل، هذا العامل قد يكون فعلاً وقد يكون غير فعل، من الفعل كلم الله موسى تكليماً، وكل شيء فصلناه تفصيلاً، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً، إنا أنشأناه إنشاءً، كل هذا، وأحياناً يكون العامل غير فعل. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: 1]، فالعامل هنا اسم فاعل، ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: 2] أيضاً العامل اسم فاعل. قال تعالى: ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَّوْفُورًا﴾ [الإسراء: 63]، العامل هنا مصدر، جزاؤكم الأولى مصدر. إذاً قد يكون العامل فعلاً وقد يكون شيئاً مما يعمل عمل الفعل.
وهناك أحياناً يكون هذا المصدر الذي هو مفعول مطلق أحياناً يكون مؤكداً، كلم الله موسى تكليماً، وفي الآيات السابقة إنا أنشأناه إنشاءً، وقد يكون زائداً على التأكيد، لكن هذا أيضاً شيء لم يذكره المصنف، يسمونه مؤكداً لعامله أو مبيناً لنوعه أو مبيناً لعدده، هو لم يذكر مبين للعدد في وسط الكلام. من المبين للنوع أن يكون مثلاً هذا المصدر موصوفاً أو مضافاً، لن يكون لمجرد التوكيد أما سيكون مبيناً للنوع، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا﴾ [المزمل: 10]، هذا يبين نوع الهجر، وهجرهم هجراً جميلاً، كذلك والعنهم لعناً كبيراً، ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعناً كبيراً، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً، في كل هذا.
قال بعد ذلك وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ﴾ [الواقعة: 55]، شرب لم يقل شاربون شرباً، قال شاربون شرب الهيم، الهيم هي الإبل عطاش وقيل الرمال والأول أشهر، والمعنى أنهم يشربون فلا يرتوون تماماً. هناك شيء آخر وهو أن هذا الفعل قد يكون بلفظ وقد يكون المصدر بلفظ آخر، هذا هو الذي يريده المصنف في الثاني قال قعدت جلوساً وتاليت حلفه، تالى ابن أوس حلفه، قعدت جلوساً، إذا قلت قعدت قعوداً هذا مفعول مطلق، إذا قلت جلست جلوساً هذا مفعول مطلق، هذا من لفظي وهذا من لفظي، إذا قلت قعدت جلوساً أو جلست قعوداً كل هذا أيضاً مفعول مطلق، ولكن العامل من معناه ليس من لفظه، ليس من لفظه وإنما هو من معناه. طبعاً بعضهم خالف في هذا وقال أصل الكلام قعدت أجلس جلوساً، لأن الجلوس والقعود وإن كان يظهر أنهما واحد إلا أن هذا له معنى وهذا له معنى آخر، ومثل هذا يعرف في مراجعة ألفاظ كتاب الله تبارك وتعالى، فكل موضع يوضع في مكان في كتاب الله تعالى غالباً ما لا يمكن إلا أن ينوب عنه غيره، إذا قيل هنا إذا قيل لكم مثلاً تفسحوا في المجالس، فسحوا، بخلاف إن كنا نقعد منها مقاعد للسم، فهنا المجالس أريد بها معنى قد لا يجوز أن يعبر عنه بالمقام. وإن كنا نقعد منها مقاعد، قد لا يجوز أن يعبر عنها أن نجلس منها مجالس، هذا له معنى وهذا له معنى وهذه المسائل تعرف بمثل، يعني ليس لها نظير إلا أن تجمع هذه الكلمة فيما وردت فيه في كتاب الله تعالى، فحينئذ سينطبع في ذهنك انطباع حسن، طبعاً هذا سيكون قد سبقك به علماء، أنت تفعل هذا ثم ترده إلى ما قاله أهل العلم في هذا لتبين ما وصلت إليه بفضل الله تبارك وتعالى ومدى صحته وخطئه مما قاله أهل العلم.
المهم على هذا قعدت جلوساً وتاليت حلفه، تالى ابن أوس حلفه، يعني حلف ابن أوس حلفه أو تالى إليه تالى إليه أو حلف حلفه، وهذه وذاك كلاهما بمعنى الحلف، بمعنى واحد بمعنى القسم يعني اليمين، ومثل هذا أيضاً ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ [النور: 22]، وقرأها أبو جعفر: ولا يتأل أولوا الفضل منكم والسعة. قال وأحترزت بذكر الفضلة عن نحو قولك: كلامك كلام حسن، كلامك كلام، هذا مبتدأ وهو مصدر، كلام هذا خبر وهو مصدر، هل هو هذا مصدر وهذا مصدر هل أحدهما يمكن أن يكون مفعولاً مطلقاً؟ لا، هذا مرفوع هذا مرفوع، هذا مبتدأ وهذا خبر، قول معروف ومغفرة، قول ومغفرة هذا مصدر وهذا مصدر ومع ذلك ليس من هذا لأنهما عمد وليست فضلات.
قال وقول العرب: جد جده، قال فكلامه الثاني وجده مصدران سلط عليهما عامل من لفظه من لفظهما، وهو الفعل في المثال الثاني والمبتدأ في المثال الأول بناءً على قول سيبويه أن المبتدأ عامل في الخبر وليس من باب المفعول المطلق في شيء، يعني يريد أن يقول لك لابد أن يكون هذا المصدر الذي سلط عليه عامل من لفظه لابد أن يكون فضلة، كلامك كلام حسن، فالكلام هنا في قول كلام، كلام هذا خبر، هذا الخبر سلط عليه عامل من لفظه وهو كلامك، كلامك الخبر ما الذي رفعه؟ هناك عدة أقوال هو يريد الآن قول سيبويه. سيبويه يقول الخبر عمل فيه المبتدأ كما قال ابن مالك عليه رحمه الله: ورفع مبتدأ بالابتدا كذاك رفع خبر بالمبتدأ، ورفع مبتدأ بالابتداء عامل معنوي، كذلك رفع خبر بالمبتدأ، فالخبر مرفوع بالمبتدأ، على هذا إذاً فهذا سلط عليه عامل من لفظه ومع ذلك هو عمدة ليس فضلة، كلامك كلام حسن، فهذا سلط عليه عمله من لفظه ومع ذلك ليس كذلك لأنه عمدة وليس فضلة فليس من باب المفعول المطلق شيء، كذلك جد جده، فجده فاعل لجد، جد الجد يعني جد فلان جداً، هذا أصل المعنى جد فلان جداً، ولكن حذف فلان هذا وجاء بعد ذلك بهذا فاعلاً، فقال جد جد جده، هذا فاعل ليس من المفعول المطلق في شيء.
قال وقد تنصب أشياء على المفعول المطلق ولم تكن مصدراً، يعني الأصل أنه مصدر فضلة، قد لا يكون مصدراً هذا يسمى نائباً عن المفعول المطلق، وذلك على سبيل النيابة عن المصدر نحو كل وبعض مضافين إلى المصدر، كل وبعض، قال كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ [النساء: 129]، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]، أن تميلوا ميلاً، ميلاً هذا مصدر فهو مفعول مطلق، طب هنا ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، هذا كل ما إعرابها؟ قال فيها نائب عن المفعول المطلق، وبعضهم يتجاوز يقول هذا مفعول مطلق، نعم، لكن الأصل أنه نائب عن المفعول المطلق لأن المفعول المطلق الأصل أن يكون ظرفاً، طب الميل هذا مضاف إليه هنا، الميل هذا المصدر نفسه لا يعرب مفعولاً مطلقاً إنما يعرب مضافاً إليه.
قال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ [الحاقة: 44]، طبعاً لو كان الكلام أو لو قلت بالكلام، لو تقول على الله تعالى بعض التقول لكانت بعض نائباً عن المفعول المطلق وجهاً واحداً، لكن هنا قال ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾، فالمصنف يذهب إلى أنه مفعول مطلق أو نائب عن المفعول المطلق، وبعضهم يقول لا الأقاويل ليست مصدراً، هو هنا مضاف إلى الأقاويل التي هي جمع أقوال، أحاديث، أحدوثة، أعاجيب، أعجوبة، أساطير، أسطورة، أقاويل، أقوال، كانها القولة الممجوجه أو أقاويل جمع الجمع فأقاويل جمع أقوال، وأقوال جمع قول على كل ليست مصدراً، فنزع بعضهم قال بعض هنا مفعول به، لكن على قول المصنف ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ﴾ أي بعض التقول يعني كأنه قال، فحينئذ ستكون مفعولاً مطلقاً. قال والعدد ينوب عنه عدده، يبقى إذاً المفعول المطلق ينوب عنه كل وينوب عنه بعض لكن بشرط الإضافة إلى المصدر وينوب عنه العدد، قال نحو: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، والذين يرمون من المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، يعني أصل الكلام أو معنى الكلام: فاجلدوهم جلداً عدده ثمانين، اجلدوهم جلداً، لا حذف هذا وجيء بالكلام الصحيح الفصيح فاجلدوهم ثمانين جلدة، ثمانين هذا نائب عن المفعول المطلق فيعرب قال نائب عن المفعول المطلق منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، جلدة هنا تمييز، فثمانين مفعول مطلق وجلدة تمييز، وأسماء الآلات نحو كل وبعض، يعني قد تنصب أشياء على المفعول المطلق نحو كل وبعض والعدد، نحو العدد وأسماء الآلات، فهذا يكون مجروراً، وأسماء الآلات كنحو ضربته سوطاً أو عصاً أو مقرعة، ضربت فلاناً سوطاً، ضربت فلاناً عصاً يعني ضربته ضرباً بالسوط أو بالعصا أو بالمقرعة، الشيء الذي يقرع به يضرب، كل هذا أيضاً مما ينوب عن المفعول المطلق.
قال وليس مما ينوب عن المفعول المطلق عن المصدر صفته، وليس مما ينوب عن المصدر صفته، هذه مسألة فيها خلاف، هذه المسألة مسألة خلافية بين العلماء، ولعل الأقرب ما نفاه ابن هشام عليه رحمه الله، فهو ذكر هذه المسألة واختار رأيه فيها، والأقرب والعلم عند الله تعالى أن رأيه فيها مرجوح وأن رأي الجمهور صح.
قال وليس مما ينوب عن المصدر صفته، نحو ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا﴾ [البقرة: 35]، رغداً فيها عدة أقوال، ليس في معناه، معناها واسعاً، يعني واسعاً هنيئاً سهلاً لا تعب فيه ولا عناء ولا مشقة، لكن في عدة أقوال في إعرابها، قال خلافاً للمعربين، إذاً فماذا يعربها المعربون أو جمهور المعربين؟ يعني خلافاً لجمهور المعربين فجمهور المعربين ماذا يعربها؟ قل نائب عن المفعول المطلق، مصدر هي نائب عن المفعول المطلق أو هي حال، زعموا أن الأصل أكلاً رغداً، وكلا منها أكلاً رغداً، يعني أكلاً واسعاً هنيئاً سهلاً مريئاً، وزعم الأصل أكل رغداً وأنه حذف الموصوف ونابت صفته منابه فانتصب انتصابه، ومذهب سيبويه أن ذلك إنما هو حال من مصدر الفعل المفهوم منه، يعني وكلا منها حال كون الأكل رغداً، حال كون الأكل رغداً، وبعضهم يقول حال من الفاعل، يعني راغدين، هي حال من هذاك، لكن الأول هو المشهور، والله أعلم. قال والتقدير فكلا حال كون الأكل رغداً، ويدل على ذلك، سيستدل يعني لنفسه لماذا ليس مفعولاً مطلقاً، ويدل على ذلك أنهم يقولون سير عليه طويلاً، يقولون سير عليه طويلاً، لم يقولوا طويل، فيقيمون الجر والمجرور مقام الفاعل، سير عليه، الجر والمجرور هنا في موضع النائب عن الفاعل، ولو جيء بالمصدر لُقي سير عليه سير طويل، فسير ستكون نائباً عن المفعول المطلق. قال
لا يقولون طويلٌ بالرفع، فدلّ على أنه حالٌ لا مصدر، وإلا لجازت إقامته مقام الفاعل؛ لأن المصدر يقوم مقام الفاعل باتفاق. لكن هذا الدليل لا ينهض لابن هشام عليه رحمة الله، لماذا؟ لأنهم يقيمون الجار والمجرور مع وجود المفعول به، هذا على الصحيح. يعني العرب ثبت عنها أنها تقيم الجار والمجرور مقام الفاعل مع وجود المفعول به، فكيف إذا لم يوجد المفعول به؟ فإذا يجوز إقامة الجار والمجرور مقام الفاعل، فيجوز أن تقول: سِير عليه طويلٌ، وسِير عليه طويلاً. فهذا سائغ، والعلم عند الله تبارك وتعالى.
قالوا أيضاً في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63]، قالوا هذا نائب عن المفعول المطلق؛ لأن الأصل يمشون على الأرض مَشياً. ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا﴾ [المرسلات: 24]، وما أشبه ذلك، كل هذا يدل على أنه مما ينوب عن المفعول المطلق صفته أيضاً، خلافاً لابن هشام ومن ذهب مذهبه.
قال: والمفعول له، هذا هو النوع الثالث. والمفعول له هو المصدر المعلل لحدثٍ شاركه وقتاً وفاعلاً، نحو: قمتُ إجلالاً لك. فإن فقد المعلل شرطاً جُرّ بحرف التعليل، هنا جرّ بحرف التعليل، بعد ذلك سيقول بـ "في"، عفواً باللام، لا جرّ بحرف التعليل، أيّاً ما كان نحو: ﴿خَلَقَ لَكُم﴾ [البقرة: 29]، وقوله: "وإني لتعروني لذكراك هزّة". في النسخة عندي "لتعروني" بغير ياء متكلم، لا "لتعروني". ﴿وَجِئْتُ وَقَدْ نَضَتْ لِنَوْمٍ ثِيَابَهَا﴾.
الثالث من المفاعيل المفعول له، ويسمى المفعول لأجله ومن أجله، هذا هو المشهور، قلنا هذا مفعول لأجله، نعم، هذا مفعول لأجله، أو يسمى مفعولاً من أجله، وهو عند العلماء أيضاً يسمى المفعول له. لكن يعني أشهر عندنا المفعول قال: هذا مفعول لأجله، مفعول لأجله، مفعول من أجله، مفعول له، أيّاً ما كان. قال وهو كل مصدرٍ معللٍ لحدثٍ مشاركٍ له في الزمان والفاعل. هذا هو تعريف المفعول له: كل مصدرٍ معللٍ لحدثٍ شاركه وقتاً وفاعلاً.
وذلك كقوله تعالى: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: 19]. فـ "حذرَ" مصدر منصوب ذكر علة لجعل الأصابع في الآذان، وزمنه وزمن الجعل واحد، وفاعلهما أيضاً واحد وهم الكافرون، فلما استوفيت هذه الشروط انتصب؛ فنُصب حذرَ الموتِ على أنه مفعول له، مفعول لأجله، مفعول من أجله، تمت فيه الشروط، حذرَ يحذرُ حذراً، فهذا مصدر.
لماذا يجعل هؤلاء جميعاً أصابعهم في آذانهم؟ والمراد أطراف الأصابع كما هو معلوم، لماذا يجعلون أصابعهم في آذانهم؟ حذرَ الموت، يحذرون من الموت بسبب البرق والرعد الذي في السماء. إذاً فهذا مصدر معلل للحدث، والحدث هو جعل الأصابع في الآذان، شاركه وقتاً وفعلاً؛ هم في الوقت الذي يحذرون فيه الموت في هذا الوقت يجعلون أصابعهم في آذانهم، فالوقت واحد، والذين يجعلون أصابعهم في آذانهم هم الذين يحذرون الموت، فالفاعل واحد. فتمت الشروط، فنُصب "حذرَ الموتِ". يقول العلماء: ولو تمت الشروط فإنه حينئذ يجوز أيضاً جرّ هذا المصدر بحرف تعليل، حتى إذا تمت الشروط. لكن يقولون: إذا لم تتم الشروط هل يُنصب أم لا؟ هنا الخلاف.
هناك شواهد كثيرة لهذا الباب، القرآن مليء بالشواهد لهذا الباب. قال تعالى: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114]. ابتغاء يعني لطلب مرضات الله، وهو الفاعل وهو المبتغي، وفي وقت فعله يبتغي مرضات الله سبحانه وتعالى. وهذا في الإصلاح بين الناس والمعروف، ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ...﴾، ففي وقت فعله هو يبتغي مرضات الله سبحانه.
قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55]، ادعوه لأجل التضرع، وكذلك ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الأعراف: 56]، ادعوه لأجل الخوف ولأجل الطمع، وفي وقت الدعاء تكونون خائفين طامعين، وأنتم الخائفون الطامعون وأنتم الداعون. قالوا في كل هذا وفي غيره وهو كثير، تتم هذه الشروط، فحينئذ يُنصب على أنه مفعول له. لكن بعض الشروط فيها خلاف، والمصنف لم يُطل في هذا أيضاً، فلا أريد الإطالة في مسائل لم يُطل فيها المصنف.
قال: فلو فقد المعلل شرطاً من هذه الشروط، وجب جرّه بلام التعليل. هنا قال بلام التعليل، وفي المتن ماذا قال؟ "بحرف التعليل"، وهذا أدق، بحرف التعليل، لا يلزم بلام التعليل، لكن الأكثر أن يكون التعليل باللام. وهنا فائدة قبل أن أكمل، قد تجدون شيئاً من هذه المنصوبات يعامله أكثر من معاملة، أو يعربه بعض العلماء إعراباً، ويعربه آخرون إعراباً، ويعربه آخرون إعراباً ثالثاً وهكذا، فأحياناً يجوز مثل هذا ويكون السياق محتملاً لكل هذا، ويكون المعنى قلّ ما يتغير، أو إذا تغير فهو معنى صحيح، فأحياناً تجد بعضهم يقول: هذا مفعول لأجله، بعضهم يقول: هذا حال، بعضهم يقول: هذا مفعول مطلق في كلمة واحدة، نعم، تجد هذا كثيراً.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: 140]، ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنعام: 140]، إذا قيل: لماذا حرّموه؟ أقول: حرّمه لأجل الافتراء، فهو مفعول له مفعول لأجله. كيف حرّموه؟ حرّموه مفترين على الله، فقال هو: "افتراء" هذا مصدر لكنه وقع موقع الحال فهو حال. ﴿حَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ يعني حرّموه مفترين على الله، افتراء فهذا مفعول مطلق. في مثل هذا يسوغ هذا أو هذا أو هذا، لكن بعضهم يقول: الأقرب هذا أو الأقرب هذا، تختلف أنظارهم في مثل هذا.
قال: فلو فقد المعلل شرطاً من هذه الشروط، وجب جرّه بلام التعليل أو بحرف التعليل، كـ "إلى" أو "من" أو "في" أو "الباء"، هذه حروف التعليل. قال: فمثال ما فقد المصدرية، قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]. قال: فإن المخاطبين هم العلة في الخلق، وخُفّض ضميرهم باللام؛ لأنه ليس مصدراً. هو الذي خلق لكم، خلق هذا فعل حدث، طيب خلق لكم، لماذا؟ خلق هنا خلقها لكم، لكم أيها الناس، سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه، خلق لكم، سخر لكم، لأجلكم. فهنا هناك علة، لكن "لكم" هذه الكاف أو الكاف والميم هل هذا يصح أن يكون مصدراً؟ هذا ليس مصدراً، فحينئذ إذا لم يكن مصدراً فإنه فقد شرطاً، وشرطاً مهماً، فحينئذ لا يكون منصوباً على أنه مفعول له، فيكون مجروراً باللام.
وكذلك قول امرئ القيس: "ولو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ"، كفاني ولم أطلب قليلٌ من المال. وهذا البيت سبق قبل ذلك لأجل هذا تجده في الترقيم قد تجد الترقيم غريباً، تقول كيف يكون الترقيم هكذا؟ البيت الذي قبله رقمه 100 وهو رقمه 81، والذي بعده رقمه 101، نعم، هذا البيت سبق مرة قبل ذلك بهذا الرقم. قال: "ولو أن ما أسعى لأدنى معيشةٍ"، لو كنت أسعى لأجل أدنى معيشة، لكن كلمة "أدنى" هذه أفعل تفضيل ليست مصدراً، فحينئذ جرت باللام لأنها ليست مصدراً، فقدت الشرط، فـ "أدنى" أفعل تفضيل وليست بمصدر، فلهذا جاء مخفوضاً باللام.
ومثال ما فقد اتحاد الزمان، قوله: "فجئت وقد نضت لنوم ثيابها". نضت هذه تجدونها في بعض النسخ "نضت"، وإنما هي "نَضَتْ" بالتشديد. ذكرها هنا مرة وذكرها في الأصل مرة، في بعض النسخ "نضت"، لا هي "نَضَتْ" بالتشديد، مش تشديد الضاد. قال: "فجئت وقد نضت لنوم ثيابها". قال: فإن النوم وإن كان علة في الخلع في خلع الثياب، لكن زمن خلع الثوب سابق على زمنه، الإنسان إذا أراد أن ينام يعني تخفف شيئاً ما فخلع الثياب الخارجية ثم ذهب لينام، فيقول: زمان خلعك الثوب متقدم على زمان نومك، فكذلك هذه المرأة التي يتحدث عنها امرؤ القيس، فحينئذ لم يقل: "فجئت وقد نضت نوماً ثيابها" مع أن النوم مصدر وهو علة فيه أغلب الشروط، لكن لأجل اختلاف الزمان، لأجل اختلاف الزمان فقط، بعضهم لا يعتبر اختلاف الزمان سبباً في عدم الصلاح. يعني قلنا يصلح أيضاً اختلف الزمان، ويصلح إن اختلف الفاعل.
ومثال ما فقد اتحاد الفاعل قوله: "وإني لتعروني لذكراك هزّة، كما انتفض العصفور بلّله القطر". ثم ذكر كلاماً في سبب هذا قال: فإن الذكرى هي علة عُرو الهزّة وزمنهما واحد، وأيضاً "لتعروني لذكراك"، ذكرى مصدر، إذاً هو مصدر وهو معلل لحدث "تعروني لذكراك هزّة"، فهذه الهزّة التي تعروه وتصيبه وتأتيه، ما سببها؟ سببها التذكر، وهو وكذلك الزمن واحد؛ يتذكر فتحصل له هذه الهزّة التي تحصل للمحب أو العاشق أو ما أشبه ذلك، فكل الشروط موجودة، لكن قال: "تعروني" تصيبني هزّة، تصيبني هزّة، فاعل العرو، فعل الإصابة هذا، والهزّة هذه الهزّة تصيبني، وذكراك أنا الذي أذكرك فاختلف الفاعل، قال: لأجل اختلاف الفاعل.
وهنا يأتي قول الله تبارك وتعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ [الرعد: 12]، بعضهم أعربهم مفعولاً لأجله مع اختلاف الفاعل، "يريكم البرق خوفاً وطمعاً". من الذي يُري؟ الذي يُري الناس البرق هو الله، طيب من الذي يخاف ويطمع؟ الراؤون الذين يرون البرق الناس، فاختلف الفاعل، ومع ذلك نُصب. فعلى أي شيء نُصب؟ الذين يقولون بوجوب اتحاد الفاعل يقول: لا، لم يُنصب على هذا المعنى، إنما ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾ يعني أخافةً وإطماعاً، كأنه قال مثلاً: الخوف والطمع بمعنى الإخافة والإطماع، فحينئذ نسلم بقولكم. أو يقول: خائفين طامعين، هذا الأول يعني هذا يذكر أولاً خائفين طامعين، خوفاً وطمعاً يعني خائفين طامعين، فيكون حالاً من المفعول به، يُريكم البرق حال كونكم خائفين طامعين. أو يقول: خوفاً وطمعاً يعني تخافون بسبب ذلك خوفاً، وتطمعون طمعاً، هو مفعول مطلق لفعلين محذوفين. أو يقول: نسلم خوفاً وطمعاً يعني إخافةً وإطماعاً، هذا هو الثالث. أنا قدمت هذا الذي يقول لا يجوز مع عدم اتحاد الفاعل، خلاص خوفاً وطمعاً على بابه وهذا مفعول لأجله مع اختلاف الفاعل، فالذي يري هو الله والذي يخاف ويطمع هو العبد الرائي أو العباد الرائون، وحينئذ عدم اتحاد الفاعل ليس إشكالاً.
قال: فإن الذكرى هي علة عُرو الهزّة وزمنهما واحد، ولكن اختلف الفاعل؛ ففاعل العرو "هزة"، وفاعل الذكرى هو المتكلم لأن المعنى لذكري إياه، فلما اختلف الفاعل خُفّض باللام. وعلى هذا جاء قوله تعالى: ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8]، قال تعالى: ﴿الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8]، يعني خلق الله لأن الآية قبل: خلق الإنسان من نطفة، وبعد ذلك قال: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ [النحل: 5]، قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾، فهو الذي خلق وهو الذي زين، فنُصب "زينة" على أنها مفعول مطلق، وهو الذي خلق والناس هم الذين يركبون، قال: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾، لم يقل ركوباً وزينة، لما قال لتركبوا وزينة، وإن كان أيضاً هذا مما ينازع فيه، "لتركبوها" أنتم، "ولتتزينوا" أنتم، قال: وزينة أيضاً أنتم تتزينون. لكن المخالف يقول: لا هو الفاعل لهذا وذاك، الزينة يعني تزييننا هو الذي زينه كما قال: ﴿وَزِينَةً﴾، أنها للناظرين، في شيء آخر قال: ﴿فَإِنَّ تَرْكَبُوهَا﴾ بتقدير لأن تركبوها، وهو علة لخلق الخيل والبغال والحمير، وجيء به مقروناً باللام لاختلاف الفاعل؛ لأن فاعل الخلق هو الله سبحانه وتعالى، وفاعل الركوب بنو آدم، وجيء بقوله جل ثناؤه: ﴿وَزِينَةً﴾ منصوباً؛ لأن فاعل الخلق والتزيين هو الله تعالى، هذا واضح.
قال: والمفعول فيه وهو ما سُلّط عليه عامل على معنى "في" من اسم مكان، كـ "صمت يوم الخميس"، أو "حيناً" أو "أسبوعاً"، أو اسم مكان مبهم وهو الجهات الست كالامام والفوق واليمين وعكسهن ونحوهن، هذا أو ذاك، لكن كأنه في الشرح يريد أنه يقول: عكسهن هذا بالجر، وأما ونحوهن هذا معطوف على الجهات الست، يعني الجهات الست ونحوهن كعند ولدى، والمقادير كالفرسخ، وما صيغ من مصدر عامله كـ "قعدت مقعد زيد".
هذا هو النوع الرابع من أنواع المفعولات. قال الرابع من المفعولات: المفعول فيه، وهو المسمى ظرفاً. المفعول فيه هو المسمى ظرفاً. لماذا سمي مفعولاً فيه؟ لأن المفعول فيه هو ظرف الزمان أو ظرف المكان، وكل فعل لا بد أن يكون في زمان معين أو في مكان معين، لكن الفعل يدل على الزمان في، فهو في نصها: فالفعل حدث وزمن يدل على الزمان تضمناً، يعني الزمان جزء من الفعل، ويدل على المكان التزاماً، لماذا؟ لأن كل فعل لا بد أن يكون أن يحصل في مكان معين، عندما تقول صليت، صليت هذا فعل وفاعل، طيب هذه الصلاة لا بد أن يكون لها زمن معين، تقول نعم، الصلاة تدل على حدث وزمن، طيب هل يدل على المكان؟ نعم يدل على المكان التزاماً، لأنك إذا صليت فلا بد أن تكون قد...
صليت في مكان، في مسجد، ما في بيت، ما في مكان ما في الصحراء؛ المهم أنك صليت في مكان، يقولون: يدل على المكان التزاماً، وهذا سيتفرع عليه شيء قادم بإذن الله تعالى. قال الرابع من المفعولات: المفعول فيه، وهو المسمى ظرفاً، ظرف الزمان وظرف المكان، ففعل الفعل في زمان معين، وفعل الفعل في مكان معين.
قال: وهو كل اسم زمان أو مكان سُلط عليه عامل على معنى «في»، كقولك: صمت يوم الخميس، وجلست أمامك. صمت يوم الخميس؛ يعني صمت في هذا اليوم، فكلمة يوم هنا منصوبة على أنها مفعول فيه، على أنها ظرف للزمان. وجلست أمامك، أي في هذا المكان الذي هو قدام ما تجلس، هذه أمامك، والركب أسفل منك، فهذه الكلمة اسمها ظرف للمكان، هي مفعول فيه، كأني جلست في هذا المكان.
وهذا له أمثلة كثيرة، من أمثلة ظرف الزمان في كتاب الله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: 113]، وقال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [المؤمنون: 112-113]. وكذلك: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: 96]، قال: ﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾ [المائدة: 26]. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3]، وقال تعالى: ﴿لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [غافر: 17]. ومن أمثلة ظرف المكان: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال: 42]، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ [مريم: 24]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، إلى آخره. هذه من أمثلة ظروف الزمان وظروف المكان.
قال: وعلم مما ذكرته أنه ليس من الظروف «يوماً» و«حيث» من قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ [الإنسان: 10]، ومن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124]؛ فإنهما وإن كانا زماناً ومكاناً، لكنهما ليسا على معنى «في». كل اسم زمان أو مكان سُلط عليه عامل على معنى «في»، لا بد أن يكون العامل على معنى «في». ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ يعني في هذا المكان الذي هو تحتك. ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ ۚ لَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ﴾ [الأنفال: 42]، إذ أنتم بالعوة الدنيا وهم بالعوة القصوى، النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكان، وأبو سفيان وقريش في مكان، والركب في مكان آخر في مكان أسفل منكم، ذهب أبو سفيان بالعير.
فالعامل هنا هل هو على معنى «في»؟ ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا﴾ نخاف في يوم؟ لا، نخاف لو كان الكلام: لو قلت في الكلام: أنا أخاف العذاب في يوم كذا وكذا، نعم هنا يكون المعنى على معنى «في»، أخاف العذاب يوم القيامة. نعم، هنا صحيح على معنى، يعني أخاف العذاب في هذا اليوم، لكن أخاف يوم القيامة، أنا أخاف اليوم نفسه، ﴿إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ يعني أخاف اليوم نفسه؛ إنها ليست على معنى «في»، وإنما المراد أنهم يخافون نفس اليوم، يخافون اليوم نفسه، هذا أفصح من نفس اليوم.
قال: وإن الله تعالى يعلم نفس المكان المستحق لوضع الرسالة فيه، الله يعلم نفس ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ الله يعلم المكان الذي يستحق وضع الرسالة. طبعاً وهذه الآية وحدها تحتاج إلى درس مفرد، ويمكن أن تراجعوها في كتب التفسير، يعني فيها كلام طويل، وتجدون فيها عدة أبحاث، وقد لخصها صاحب الأثر العقدي، ولعل الشيخ حسين قد أفادكم بهذا الكتاب كثيراً. من أهم الأبحاث المعاصرة هو: الأثر العقدي في تعدد التوجيه الإعرابي لآيات القرآن الكريم للدكتور محمد السيف، هذا الكتاب من أجلّ ما كتب من أبحاث معاصرة في هذا الزمان، والعلم عند الله تعالى. فهذه الآية فيها مباحث عقدية كثيرة، الكلام فيها من عدة أوجه، لكن على كلٍّ، بعض العلماء يقول هنا أصلاً من ناحيته الصناعية يأبى شيئاً في هذا الباب، والناحية المعنوية تأبى شيئاً آخر، وهذا الكلام يطول. المهم أن الله عز وجل يعلم المكان الذي هو مستحق لأن يضع فيه الرسالة، فليس على معنى «في».
قال: وعامل «حيث» فعل مقدر دل عليه «أعلم»، أي يعلم حيث يجعل؛ لماذا؟ لأنهم قالوا: «أعلم» هذا أفعل تفضيل، وأفعل تفضيل عند كل النحويين لا يمكن أن ينصب مفعولاً به، فكيف قال هنا مفعول به؟ قالوا: نعم، يقدر له فعلاً من جنسه، يعني أعلم: يعلم.
قال: وأنه ليس منهما أيضاً نحو ﴿أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ من قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127]، لأنه إن كان على معنى «في» لكنه ليس زماناً ولا مكاناً. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء التي لا تؤتونهن أجورهن وترغبون أن تنكحوهن. عند مراجعة هذه الآية مع ما ورد فيها من كلام لأهل العلم، وما ورد فيها من آثار، يرى أن المعنى يجوز على وجهين: ترغبون عن نكاحهن، وترغبون في نكاحهن، والمعنيان متخالفان.
وأنت في الكلام لا يجوز لك أن تقول: رغبت أن يقوم، أنت يجلس معك رجل فتقول: رغبت أن يقوم، دون أن تبين، دون أن يكون هناك قرينة معنوية أو لفظية تبين المعنى؛ لماذا؟ لأن سامعك قد يظنك تقول رغبت أن يقوم، يعني رغبت في قيامه، ويظنك الظن الآخر: رغبت عن قيامه، فالأول كأنك تحب قيامه، والثاني كأنك تكره قيامه، فالمعنيان متخالفان. قالوا: ففي مثل هذا لا بد أن تأتي بالحرف الذي تريده، ومع ذلك جاء كتاب الله تعالى منزوع هذا الحرف، ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ مع أنه محتمل: وترغبون في نكاحهن، ترغب في نكاح هذه اليتيمة لأنها جميلة ولأنها ذات مال، أو ترغب عن نكاحها، أما لأنها ذميمة أو لأنها ليست ذات مال، أو لهما جميعاً، فهذا هو ذاك.
فكيف ذلك؟ قالوا: لأن في، لأنك عندما تقول: رغبت أن يقوم فلان، هذا لا يظهر فيه المعنى، والمعنى على هذا أو ذاك معنى مختلف، وعند عدم ظهوره يحصل للسامع التباس، هذا الالتباس ليس في مثله في القرآن، إنما ﴿وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ﴾ هذا فيه إجمال، ليس فيه التباس، إنما فيه إجمال؛ يعني قد ترغب فيها وقد ترغب عنها، هذا موجود وهذا موجود. إذاً فصح حذف حرف الجر، لأن الآية إذا فسرت بهذا فهذا صحيح، وهذا له أناس، هناك أناس يرغبون في نكاح هؤلاء اليتيمات لجمالهن أو لمالهن أو لهما جميعاً، وهناك أناس يرغبون عن نكاحهن لدمامتهن أو لفقرهن أو لمجموع ذلك، إذاً فهذا الإجمال حتى يشمل الحالين جميعاً، بخلاف الإلباس أو الالتباس الذي في الأول. على كلٍّ، لو على أحد التفسيرين: وترغبون أن تنكحوهن، ولا ترغبون في نكاحهن، إذاً هو سُلط عليه عامل على معنى «في»، هل يكون منصوباً على أنه مفعول فيه على أنه ظرف للزمان أو مكان؟ لا، هو ليس زماناً ولا مكاناً، وهذا الذي يريده المصنف.
قال: واعلم أن جميع أسماء الزمان تقبل النصب على الظرفية، ولا فرق في ذلك بين المختص منها والمعدود والمبهم. ونعني بالمختص ما يقع جواباً لمتى كيوم الخميس، وبالمعدود ما يقع جواباً لكم كالأسبوع والشهر والحول، وبالمبهم ما لا يقع جواباً لشيء منهما كالحين والوقت. طبعاً هذا التقسيم عليه بعض النزاع، يمكن أن تقرأه في شرح الشيخ محمد محيي الدين في حاشيته. على كلٍّ، هو يقول: كل أسماء الزمان تقبل الظرف، تقبل النصب على الظرفية، كما قال الإمام ابن مالك عليه رحمه الله: «وكل وقت قابل ذاك، وما يقبله المكان إلا مبهماً». فأسماء الزمان جميعاً تقبل النصب على الظرفية؛ لماذا؟ ما السبب؟ هذا الذي قلته لكم سيأتي في كلام قريباً إن شاء الله، لأن الزمان جزء من الفعل، المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل، كامن من مدلولي الفعل؛ ما المدلولان اللذان يدل عليهما الفعل؟ الحدث والزمان. فالزمان جزء من الفعل، فحينئذ كل أسماء الزمان يصح أن يعمل فيها الفعل، أو يقوم، يصح أن يعمل فيها وأن تكون منصوبة على الظرفية.
أياً ما كانت، سواء كانت معدودة أو مبهمة أو مختصة، مختصة بوصف أو إضافة: يوم الخميس صرت، صمت يوم الخميس؛ هذا يوم مختص، هذا يوم معروف، أو معدود: يوماً، شهراً، سنة، يومين، سنين، وهكذا، أو مبهم، لا هذا ولا ذاك، وقتاً، أو زمناً، أو حيناً، أو زماناً؛ أي مكان، فكل أسماء الزمان تقبل، لأن الزمن جزء من مدلولي الفعل.
قال: وإن أسماء المكان لا ينتصب منها على الظرفية إلا ما كان مبهماً، لا بد أن يكون مبهماً. ارجع إلى كلام ابن مالك عليه رحمه الله، قال: «وكل وقت قابل ذاك، وما يقبله المكان إلا مبهماً»، مثل الجهات، والمقادير، وما صيغ من الفعل كـ«مرمى» من «رمى»، هذا هو المبهم. يبقى عندك مبهم ومختص، في المكان المختص هذا واضح، المختص هذا مكان معين: البيت، الدار، المسجد، هذا مكان مختص، القرية مكان مختص؛ بخلاف المكان المبهم: فوق، وتحت، وعند، ولدى، ويمين، وشمال، وأمام، وخلف، هذا اسمه مبهم.
قال: والمبهم ثلاثة أنواع: أحدها أسماء الجهات الست، وهي الفوق، والتحت، والأعلى، والأسفل، واليمين، والشمال، وذات اليمين، وذات الشمال، والوراء، والأمام. كل هذا مرفوع لأنه خبر ومعطوف على الخبر، قال الله تعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]، ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، أمثلته في ذلك كثيرة، فوق وتحت هذا ظرف مكان وهذا ظرف مكان، وكذلك ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾، وكذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79]، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة: 5]، كل هذا من باب ظرف المكان.
قال: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ﴾، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: 17]، ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ﴾، وقال: «وعكسهن» أشرت به إلى الوراء، والتحت، والشمال، وقال كـ«الأمام»، و«الفوق»، و«اليمين»، وعكسهن: أمام وراء، تحت فوق، تحت يمين شمال، هذا وذاك، وكذلك ما أشبه هذا. وقولي «ونحوهن» أشرت به إلى أن الجهات وإن كانت ستاً إلا لكن ألفاظها كثيرة: ذات اليمين، اليمين، وذات اليمين، الشمال، وذات الشمال، وراء وخلف، أمام وقدام، كل هذه ألفاظ كثيرة للجهات الست.
قال: ويلحق بأسماء الجهات ما أشبهها في شدة الإبهام والاحتياج إلى ما يبين معناها كـ«عند» و«لدى». هذا مما يلحق بأسماء الجهات، إذا قلت «فوق»، فوق أي شيء؟ لا بد أن تقيد بشيء: فوق كل ذي علم، تحت قد جعل ربك تحتك سرياً؛ فلا بد أن تقيد بشيء. هناك أشياء مبهمة تحتاج إلى بيان، فمنه: «عند»، و«لدى»، وكذلك «وسط»، و«بين»، ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا﴾ [يس: 9]، وكذلك في النص: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: 66]. هذه الكلمات «عند»، «لدى»، ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: 59]، ﴿عِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ﴾، ﴿إِن لَّدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: 12]، ﴿إِنَّ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾، وهكذا، كل هذا يدخل أيضاً في باب ظرف المكان.
قال: الثاني أسماء مقادير المساحات، كالفرسخ، والميل، والبريد، تقول: سرت ميلاً، سرت بريداً، سرت فرسخاً، كل هذا يكون منصوباً على أنه مفعول فيه، لأنه مكان، ينصب على أنه ظرف للمكان. طبعاً الفرسخ، والميل، والبريد، معروفة في الفقه، الميل هذا أقلها، نحن الآن المعروف عندنا الكيلو، تقول لك مثلاً: تمشي في الطريق إلى القاهرة، تقول: القاهرة مثلاً 50 كيلو، يعني باقي على القاهرة 50 كيلو، الكيلو هو 1000 متر معروف، والمتر 100 سم، فهذا الميل أقل من 2 كيلو طبعاً، قيل إن هو أكثر من ذلك، لكن المشهور والمعروف معمول به في الآن أقل من 2 كيلو، يعني بين كيلو ونصف و2 كيلو هذا الميل. الفرسخ ثلاثة أميال، هو أكبر منها، والبريد أربعة فراسخ.
ولا كـ«الفرسخ»، و«الميل»، و«البريد»، فالميل هذا أقلها، هذا يعني مثلاً كيلو و700 متر، حوالي كيلو متر، مسافة، مش كيلوغرام، مسافة، هذا الميل. أكبر منه، أكبر منه الفرسخ، فرسخ ثلاثة أميال، أكبر منهما البريد، بريد أربعة فراسخ، طبعاً أكبر من ذلك المرحلة، لم يذكرها، هذه المرحلة لم يذكرها المصنف، مرحلة بريدان؛ فلأجل هذا يقولون: السفر عند الجمهور، يعني السفر الذي تقصر فيه الصلاة مرحلتان.
قال: الثالث، وهذا إن شاء الله آخر شيء الكلام عن مفعول المفعول معه (يعني يؤجله إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى)، الثالث: ما كان مصوغاً من مصدر عامله كقولك: جلست مجلس زيد، وما مجلس، مفعل اسم للمكان، اسم للمكان. فإذا واصل وعامله هو «جلست»، لم يقل: جلست جلوس زيد، لو قال جلست جلوس زيد لا لم يكن من هذا الباب، قال جلست جلوس زيد، فجلوس هذا مفعول مطلق، لأنه مصدر، لا إذا صاغ من مصدر العامل اسماً للمكان: جلست مجلس زيد، وأراد اسم المكان، لم يرد أنه مصدر، هذا شيء آخر. إذا أراد اسم المكان يعني جلست في هذا المجلس، فهو منصوب على معنى «في»، فهو مفعول فيه، لأنه ظرف للمكان. فالمجلس مشتق من الجلوس الذي هو مصدر لعامله وهو جلست.
قال الله تعالى، طبعاً في قول الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: 9]، طبعاً إذا أردت أن تأتي بهذا فلا بد أن تأتي بأول السورة: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: 1]، ففي قول الله تبارك وتعالى عن الجن: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾.
ولو قلت: ذهبت مجلس زيد، أو جلست مذهب عمرو لم يصح. هنا لا بد أن تقول: ذهبت إلى مجلس زيد، أو في مجلس زيد، جلست في مذهب عمرو.
لكن لا يصح النصب على هذا المعنى؛ قال: لم يصح لاختلاف مصدر اسم المكان ومصدر عامله، جلست مجلس، ذهبت مذهب. كنا نقعد منها مقاعد.
هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على محمد، والحمد لله رب العالمين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق