تسجيل الدخول

الدرس 25

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا هو الدرس الخامس من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله. وسريعا قبل أن أبدأ أذكر بما تمت دراسته كرؤوس أقلام؛ تكلم المصنف في أول الكلام عن الكلمة وأقسامها، وتكلم عن كل قسم من الأسماء والأفعال والحروف من جهة الإعراب والبناء، وذكر بعض العلامات. ثم تكلم عن الإعراب الأصلي والفرعي إجمالا وتفصيلا، وذكر أبواب الإعراب الفرعي السبعة. ثم تكلم عن الإعراب الظاهري والمقدر وذكر أبواب الإعراب المقدر الخمسة. ثم تكلمنا بعد ذلك عن إعراب الفعل المضارع، وعن أحوال رفعه ونصبه وجزمه. ثم بدأ كلاما جديدا في النكرة والمعرفة؛ فعرف النكرة ومثل لها وذكر المعارف الستة، وتكلم عنها تفصيلا، وهي: الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، وذو الأداة أو المعرف بأل، والمضاف إلى إحدى هذه الخمسة.

ثم تكلم عن أبواب جديدة في أبواب المبتدأ والخبر وما يتبعهما، تكلم عن المبتدأ والخبر وذكر مسائل فيهما. ثم تكلم عن النواسخ، نواسخ المبتدأ والخبر أو نواسخ الابتداء، فذكر كان وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها، وإن وأخواتها. ثم ذكر النافية للجنس، وظن وأخواتها، وتكلم في مسائل في هذه الأبواب. ثم بعد ذلك تكلم عن الفاعل ونائب الفاعل، وباب الاشتغال وباب التنازع، وبهذا يكون قد أنهى الكلام عن المرفوعات. لم يبق إلا التوابع، وهذه سيجملها بعد المرفوعات والمنصوبات والمجرورات. فبدأ بعد المرفوعات بالكلام على المنصوبات، فبدأ بالمفعولات الخمسة؛ فذكر المفعول به، وقال: ومنه المنادى، وفرع مسائل في المنادى وتكلم عنه طويلا. ثم ذكر المفعول المطلق وذكر بعض مسائله، وذكر المفعول له، وهو المفعول لأجله أو من أجله، وذكر بعض مسائله. ثم ذكر المفعول فيه، وهو الظرف الزماني أو المكاني، وذكر بعض مسائله؛ وكان هذا آخر شيء في الدرس الماضي. فلم يبق من المفاعيل إلا المفعول معه، وبعد ذلك يذكر بقية المنصوبات إن شاء الله تعالى.

وهذا أوان الشروع في درس الليلة. قال رحمه الله تعالى: والمفعول معه هو اسم فضلة بعد واو أريد بها التنصيص على المعية، مسبوقة بفعل أو ما فيه حروفه ومعناه؛ كسرت والنيل، وأنا سائر والنيل. هذا هو المفعول معه. قال: خرج بذكر الاسم هنا؛ ذكر التعريف هو اسم فضلة بعد واو أريد بها التنصيص على المعية، ثم شرح التعريف في أول الكلام، وهذا منهج حسن جدا لكنه لم يستمر عليه في كل الكتاب، كما رأيتم؛ أحيانا لا يذكر تعريفا أصلا، وأحيانا يذكر التعريف ويفرع عليه، وأحيانا يذكر التعريف ويشرحه كما في هذا المكان وفي بعض الأماكن، فهو ينوع؛ لم يأخذ طريقة واحدة في كتابه كله إنما ينوع الطرق، ولقي هذا الكتاب الحمد لله قبولا كثيرا بعد المصنف عليه رحمة الله بين العلماء وطلبة العلم والدارسين، وهذا فضل الله سبحانه.

قال: خرج بذكر الاسم الفعل المنصوب بعد الواو؛ فالمفعول معه لابد أن يكون اسما. الفعل المنصوب بعد واو المعية الذي درستموه في نواصب المضارع؛ الذي ينصب بعد أن التي تكون مضمرة وجوبا على قول البصريين، أو بعد واو المعية على قول الكوفيين، يكون منصوبا بها، في قولك: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن. وهذا المثال لا تأكل السمك وتشرب اللبن سبق أن فيه ثلاثة أوجه؛ يجوز أن تقول: لا تأكل السمك وتشربُ اللبن، بجزم الفعلين هكذا، ولكن هذا الكسر كان تلافيا لالتقاء الساكنين، فالفعلان مجزومان لأنك نهيت الذي تقول له ذلك عن الفعلين جميعا، عن أكل السمك وشرب اللبن، سواء كان أحدهما قبل الآخر أو بعد الآخر، أو تنهاه عن هذا وذاك؛ يعني لا تفعل هذا ولا تفعل هذا. وأما قولك: لا تأكل السمك وتشربُ اللبن، يعني لا تأكل السمك، وتشربُ اللبن، هذا على الاستئناف؛ فكأنك أبحت له شرب اللبن. الكلام ليس عن هذا ولا عن ذاك، الكلام عن الحالة الثالثة: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن، وتشربَ؛ لماذا تشربَ؟ لأنه فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد واو المعية. والمراد من قولك لصاحبك: لا تأكل السمك وتشربَ اللبن، المراد منه لا تجمع بينهما؛ قد تكون أبحت له أحدهما دون الآخر، قد تكون تنهاه عنهما جميعا، لكن ظاهر اللفظ النهي عن الجمع بينهما.

لماذا وتشربَ اللبن مع أنه منصوب بعد واو المعية، لماذا ليس مفعولا معه؟ لأنه فعل، والمفعول معه لابد أن يكون اسما. قال: فإنه على معنى الجمع، أي لا تفعل هذا مع فعلك هذا، ولا يسمى مفعولا معه لكونه ليس اسما؛ هذا هو السبب. إذاً تشربَ هذا لا يسمى مفعولا معه لأنه ليس اسما. بعضهم قال: المصدر المنسبك كله مفعول معه، هذه محل نزاع؛ المصدر المنسبك من أن وما بعدها، وهذا أيضا سبقه، يعني لا يكن منك أكل للسمك مع شرب للبن؛ تشربَ مع أن التي بعدها مصدرها المنسبك، شربَ أن تشربَ، يعني شربَ؛ قالوا هذا مفعول معه، قاله بعضهم.

قال: والجملة الحالية؛ خرج كذلك الجملة الحالية، لا تكون مفعولا معه في نحو: جاء زيد والشمس طالعة. فإنه وإن كان المعنى على قولك: جاء زيد مع طلوع الشمس، مع بمعنى المعية، وسبقت بالواو، والشمس طالعة، هذه واو الحال؛ إلا أن ذلك أيضا ليس باسم ولكنه جملة، والشمس طالعة تحتاج إلى اسم لا إلى جملة. فإذا لا يصح لك أن تقول الشمس طالعة في محل نصب لأنها مفعول معه، لا، هي في محل نصب لأنها حال أو لأنها جملة حالية؛ لأن المفعول معه لابد أن يكون اسما، أما الحال فيكون اسما مفردا، ويكون جملة، ويكون شبه جملة، والحال لم يأتِ بعد، هو الدرس الذي بعده إن شاء الله تعالى في هذا الدرس.

قال: وبذكر الفضلة ما بعد الواو في نحو: اشترك زيد وعمرو. اشترك زيد وعمرو، يمكن أن يكون هذا بمعنى المعية لأن اشتراك زيد وعمرو يمكن أن يكون اشتراكهما معا، اشتركا في شيء معا، ومع ذلك هذه الواو التي قد تفيد المعية لا يعرب ما بعدها مفعولا معه، لماذا؟ لأن عمرا عمده وليس فضلة. قال: فإنه عمده لأن الفعل لا يستغني عنه؛ لأنك لا يجوز لك أن تقول: اشترك زيد، لأن الاشتراك هذا الافتعال في مثل هذه الأفعال لابد أن يكون من اثنين، لا يقال اشترك زيد لأن الاشتراك لا يتأتى إلا بين اثنين، فحينئذ المعطوف والمعطوف عليه كلاهما عمده، فتحتاج إلى الرفع، وحينئذ لا تعرب هذا المرفوع مفعولا معه لأن المفعول معه لابد أن يكون فضلة. ومثله تخاصم وتصافح وما أشبه ذلك مما يحتاج إلى اثنين.

قال: وبذكر الواو ما بعد مع؛ هو اسم فضلة بعد واو أريد بها، لو كان هذا الاسم الفضلة بعد مع، هذا أيضا لا يكون مفعولا معه في نحو: جاءني زيد مع عمر. هذا واضح في المعية لكن عمر يعرب مضافا إليه؛ مع ظرف وعمر مضاف إليه، قد يقول قائل مفعولا معه، ولا، المفعول معه يكون بعد الواو ليس بعد مع، وإن كانت مع بمعنى المعية. وما بعد الباء في نحو: بعتك الدار بأثاثها؛ يعني مع أثاثها، فأنت بعت الدار مع الأثاث الذي فيها، ومع ذلك أثاث هذا معه اسم مجرور بالباء وليس مفعولا معه، لأن المفعول معه لابد أن تسبقه واو لا باء.

وبذكر إرادة التنصيص على المعية؛ نحو: جاءني زيد وعمرو. إذا أريد مجرد العطف، إذا أردت جاءني زيد وعمرو، وأنت تريد مجرد العطف لا تريد النص على المعية؛ فحينئذ لا يكون عمرو مفعولا معه. ما الفرق؟ الفرق أنك إذا قلت: جاءني زيد وعمرا، معنى هذا أنهم جاؤوك معا؛ زارني زيد وعمرا، دخل زيد وعمرا المدرسة، معنى هذا أنهما دخلا معا، لم يتقدم أحدهما على الآخر. أما جاءني زيد وعمرو، هذا يحتمل ثلاثة احتمالات: أن يكون زيد جاء أولا وأن يكون عمرو تبعه، والعكس أن يكون عمر جاء أولا وأن يكون زيد تبعه، والثالث أن يكونا جاءا معا، كل هذا تحتمله واو العطف. جاء زيد وعمرو، أما جاء زيد وعمرا فلا تحتمل إلا أنهما جاءا معا.

وقولي مسبوقة إلى آخره؛ مسبوقة في قوله: اسم فضلة بعد واو أريد بها التنصيص على المعية، مسبوقة بفعل أو ما فيه حروفه ومعناه؛ هذه الواو لابد أن تكون مسبوقة بفعل، أو بشيء فيه معنى الفعل وحروفه، من المصدر أو اسم المصدر أو اسم الفاعل أو اسم المفعول أو ما شابه. قال: هذا بيان لشرط المفعول معه وهو أنه لابد أن يكون مسبوقا بفعل أو بما فيه معنى الفعل وحروفه، هذا أو ذاك. فالأول كقولك: سرت والنيل. سِرْتُ والنيلَ، النيلَ هنا تَنصب؛ لماذا تنصب؟ تنصب على أنها مفعول معه؛ فانت سِرت محاذيا النيل. هذه النيل ليس معنى هذا أن النيل يسير معك، لأجل هذا لا يصح أن تقول: سِرتُ والنيلُ، أو أنا والنيلُ يعني أنا سِرت والنيل يسير معي؛ لا، أقول سِرت والنيلَ، أي سِرت محاذيا، كما قال ابن مالك عليه رحمة الله في نحو: سيري والطريقَ مسرعة، سيري والطريقَ مسرعة، أي سيري مع الطريق حال كونك مسرعة.

وقول الله تعالى، يعني كقولك سِرت والنيلَ، وقول الله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]. هذا من قول نوح عليه السلام لقومه: كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله، فعلى الله توكلت؛ فأجمعوا أمركم وشركاءكم. هذه قراءة الجمهور: فأجمعوا أمركم وشركاءكم، وهذه فيها خلاف طويل بين العلماء، بعضهم يقول شركاءكم معطوف على قوله أمركم، بعضهم يقول لا، نقدر لقول شركاءكم فعلا خاصا: اجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم، وأصح الأقوال هو هذا الذي ذهب إليه ابن هشام هنا، هو أن الشركاء مفعول معه؛ فأجمعوا أمركم مع شركائكم، ليس المعنى اجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم، لأن أجمع لا تأتي في الشركاء، إنما أقول: أجمع أمره، وجمع شركاءه؛ الذي يجمع شركاء هو جمع ليس أجمع، وإن كان بعضهم يبيح ذلك لكن المشهور الأول. وليس المعنى اجمعوا أمركم واجمعوا شركاءكم، إنما هو يريد: اجمعوا أنتم وشركاؤكم أمركم، فستكونون مجتمعين معا. وخير ما فسر به القرآن القرآن نفسه، وخير ما فسرت به القراءة قراءة أخرى؛ قرأ أبو جعفر من هذا الموضع: فأجمعوا أمركم وشركاؤكم، شركاؤكم، قرأها بالرفع، قراءة صحيحة عطفا على واو الجماعة التي في قوله أجمعوا، وهذا هو الذي يؤدي معنى المعية؛ كأنه يقول: اجمعوا أنتم مع شركائكم، مع من تدعون من دون الله، مع من تعبدون، اجمعوا جميعا أمركم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون، ففعلوا ما يريدونهم، وتحدى آلهتهم وهو وحده، ونجاه الله تبارك وتعالى وأهلكهم جميعا، فلله الأمر من قبل ومن بعد.

هنا يقول ابن هشام يذكر هذه الآية، وفي غير ذلك من كتب يذكر هذه الآية مع أنه قال في المغني: ولم تأتِ يعني لم تأتِ المفعول معه، أو لم تأتِ واو المعية في القرآن بيقين، هكذا قال، وبعضهم يذكر هذه الكلمة كثيرا بأن ابن هشام لا يرى هذا؛ فإما أن يقال تغير اجتهاده وخلف في هذا، وإما أن يقال غير ذلك، وغير ذلك أقرب العلم عند الله تعالى، وهو أنها لم تأتِ واو المعية أو لم يأتِ المفعول معه في القرآن بيقين، إنما جاء باحتمال، بخلاف مثلا واو العطف لأنه كان يتكلم عن الواوات، فمثلا واو العطف هذه جاءت في القرآن بيقين عند الجميع لا يماري في ذلك أحد، أما واو المعية فلم تأتِ في القرآن؛ كأنه كان هذا هو التفسير الصحيح والشرح الصحيح لكلامه، وهذا شرح بعض العلماء على ذلك وهو شرح مقبول جدا، يعني لم تأتِ هذه بيقين، ثم إنه مثل بهذه الآية وتكلم في الخلاف فيها.

وبعضهم يجعل منه بعض الشواهد الأخرى؛ كقول الله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا﴾ [المزمل: 11]. وذرني والمكذبين؛ ذرني فعل وفاعل ومفعول به، ذر هذا فعل أمر، فاعله تقديره أنت يا رسول الله، وياء المتكلم الذي عائدة على الله تعالى في موضع المفعول به، والمكذبين، الواو هنا تحتمل العطف، تحتمل أنها مفعول معه، ولكن الأقرب أنها مفعول معه، يعني والله أعلم، لماذا؟ لأن في آية أخرى قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 112]. فذرهم وما يفترون يعني دعهم مع افترائهم، ويمكن أن يقال: دعهم ودع افترائهم، أو دع ما يفترونه؛ هنا العطف والمعية كلاهما قريب، لكن ما معنى دعهم؟ دع هؤلاء المشركين، اتركهم واترك افترائهم، أو اترك الذي يفترون، اترك هؤلاء وهؤلاء، لا علاقة لك بهم، لكن إذا قلنا هذا المعنى هو المراد في ذرني والمكذبين، لا يكون المعنى فاسدا؛ يعني ذرني أي دعني، اتركني، لا، المعنى اتركني معهم؛ يعني الله تبارك وتعالى سيتولى أمرهم، فتقوى المعية في آية المزمل، والعلم عند الله تعالى. وكذلك فذرهم وما يفترون فيها وجه بالمعية، والذين تبوأوا الدار والإيمان، تبوأوا الدار مع الإيمان، هذا وجه، بعضهم يقول لا، إنما هي للعطف، فوربك لنحشرنهم والشياطين، أي.

مع الشياطين، وبعضنا يقول العطف أعم. المواضع التي وردت فيها واو المعية اختلف فيها؛ فهذا معنى قولي لم تأتِ في القرآن بيقين. لكن اصطلاحاً: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ [يونس: 71]، وتؤيد القراءة الأخرى. ومما يقوي هذا القول بواو المعية قوله تبارك وتعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ﴾ [المزمل: 11].

قال: والثاني كقولك: أنا سائر والنيل. ما الفرق بين هذا وذاك؟ الواو هي الواو، والنيل هو النيل. الفرق أن "سرتُ" هذا فعل وفاعل، أما "أنا سائر" فأنا ضمير، وسائر اسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وفيه حروف الفعل؛ "سار" في حروف الفعل، فهو اسم فاعل وفيه حروف الفعل، فيعمل عمل الفعل، وفيه معناه وحروفه. كما تقول مثلاً: سهرتُ والمصباح، أو: أنا ساهر والمصباح. المصباح أيضاً مفعول معه؛ لأن العطف هنا يفيد معنى ليس مراداً، وقد يكون ليس صحيحاً؛ هو سهر المصباح؟

قال: ولا يجوز النصب في نحو قولهم: كل رجل وضيعته. كل رجل وضيعته، هذا سبق قبل ذلك في باب المبتدأ والخبر، هذا المثال يذكرونه مثالاً لحذف الخبر وجوباً، أي: كل رجل وضيعته مقترنان. وبعد واو عُينت مفهوم مع، كمثل كل صانع وما صنع، مثل كل صانع وما صنع، كل رجل وضيعته؛ فليس هذا من باب المفعول معه. إنما كل مبتدأ، ورجل مضاف إليه، والواو عاطفة، وضيعته معطوفة على رجل، والخبر محذوف. والضيعة كما سبق الحرفة أو الصناعة أو الأرض التي تأتي لصاحبها بخراج أو بغلة، وقيل سُميت بذلك لأنه يضيع دونها. طيب لماذا لا يقول وضيعته؟ أين الفعل؟ كل رجل وضيعته ليس لم يسبق فعل، قال: خلافاً للصيمري، وهو أبو محمد عبد الله بن علي، ولا تعرف سنة وفاته بالتحديد. قال: لأنك لم تذكر فعلاً ولا ما فيه معنى الفعل؛ كل رجل وضيعته ليس هناك فعل وليس هناك شيء في معنى الفعل.

وكذلك لا يجوز: هذا لك وأباك. هذا لك وأباك، قد يقول قائل: كل رجل ليس فيه شيء رائحة الفعل، أما "هذا لك" فهناك رائحة الفعل؛ الهاء التي للتنبيه بمعنى أنبه، ذا التي للإشارة بمعنى أشير. فإذاً يجوز أن أقول: هذا لك وأباك بدل وأبيك؟ لا يجوز هذا بالنصب. قال: لأن اسم الإشارة وإن كان فيه معنى الفعل وهو أشير، لكنه ليس فيه حروف، وكذلك الهاء التي للتنبيه وإن كانت فيها معنى أنبه، إلا أنها ليست فيها حروف التنبيه نبه أو أنبه أو ما أشبه ذلك. في مثل "هذا لك وأباك" إنما يقال: هذا لك وأبيك، أو ولأبيك. والثاني "ولأبيك" هذا هو الوارد كثيراً، أما الأول ففيه نزاع بين أهل العلم، وإن كان بعضهم نحا هذا، وقال: ورد عن العرب قولهم: كيف أنت وقصعة من ثريد؟ كيف أنت وقصعة من ثريد، لو وردت بواو المعية وبواو العطف، كيف أنت وقصعة، مع قصعة، مع أنه لم يسبق فعل ولا ما فيه حروفه ومعناه، وبعضهم يؤول في هذا، لكن على كل هذه مسألة تبقى خلافية.

قال بعد ذلك: وقد يجب النصب كقولك: لا تنه عن القبيح وإتيانه. ومنه: قمت وزيداً، ومررت بك وزيداً على الأصح فيهما، ويترجح في نحو قولك: كن أنت وزيداً كالأخ، ويضعف في نحو: قام زيد وعمر.

قال: للاسم الواقع بعد الواو المسبوقة بفعل أو ما فيه معنى الفعل ثلاث حالات. هذا الاسم الذي يقع بعد الواو التي سبقت بفعل أو ما فيه معنى الفعل مع حروف الفعل، هذا له ثلاث حالات، بعضهم يجعلها حالتين، بعضهم يجعلها أربع حالات، بعضهم يجعلها خمس حالات، والمصنف نفسه في بعض كتبه جعلها خمس حالات، فـهذا يرجع إلى النظر. مثلاً: جواز الأمرين، هذه حالة؛ بعضهم يقول: جواز الأمرين مع ترجيح الرفع، جواز الأمرين مع ترجيح النصب، فيجعلهما حالتين. فهذا هو الذي يجعل الحالات تختلف من عالم لآخر. بعض يرى حالة النصب فيها واجب، آخر يقول: لا، الرفع جائز وإن كان النصب أفصح. فهذا سبب اختلافهم في عدد الحالات التي في هذا.

قال: إحداها أن يجب نصبه على المفعولية، أي على أنه مفعول معه؛ المفعولية إذا أطلقت قد يظن الظان أنها على أنها مفعول به، على أنه مفعول معه؛ وذلك إذا كان العطف ممتنعاً لمانع معنوي أو صناعي. متى يجب جعل الواو واواً للمعية ولا يجوز جعلها للعطف؟ إذا كان في العطف فساد، إذا كان في العطف فساد في المعنى أو فساد في الصناعة النحوية.

فالأول كقولك: لا تنه عن القبيح وإتيانه؛ وذلك لأن المعنى على العطف: لا تنه عن القبيح، وعن إتيانه، وهذا تناقض. إذا قلت: لا تنه عن القبيح وإتيانه. أو خلينا في النصب الأول الذي هو جائز قبل فيه الممنوع أو الواجب، يعني لا تنه عن القبيح وإتيانه، ما المعنى؟ يعني لا تنه عن القبيح مع إتيان القبيح. والممثل مثلاً القبيح بشرب الخمر، مثلاً: لا تنه عن القبيح الذي هو شرب الخمر مع شربك للخمر؛ يعني لا يكن منك نهي عن القبيح عن شرب الخمر وأنت تعاقرها، هذا "لا تقولون ما لا تفعلون، أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم"، هذا هو المعنى، معنى الكلام: لا تنه عن القبيح وإتيانه؛ يعني يقبح منك جداً أن تنهى عن هذا القبيح وأنت تفعله. طيب ما المعنى على الآخر على العطف؟ لا تنه عن القبيح وإتيانه، معناه: لا تنه عن القبيح، ولا تنه عن إتيان القبيح، هذا هو التناقض الذي أراده الشيخ. وبعض مشايخنا الكرام قال: لا، هذا المثال خطأ وليس في الكلام تناقض. لا، المثال صحيح والكلام فعلاً فيه تناقض؛ إذا قلت لا تنه عن القبيح، القبيح كما ذكرت وليكن شرب الخمر هو القبيح، يعني لا تنه عن شرب الخمر، ولا تنه عن إتيان شرب الخمر، يعني لا تنه من يشرب الخمر عن شربها، هذا المعنى، كانك تقول له لا تنه عن شرب الخمر ولا تنه عن إتيان شرب الخمر. لا هو فعلاً فيه التناقض؛ فالذي يأتي القبيح، يفعل القبيح، كأنك قلت له لا تنهاه.

قال: والثاني كقولك: قمت وزيداً، ومررت بك وزيداً. أما الأول فإنه لأنه لا يجوز العطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بعد فاصل ما. نعم، توكيد بضمير منفصل هذا كثير، لكن لا يلزم التوكيد بضمير منفصل، لا بد أن تفصل بين الضمير المتصل المرفوع وبين الذي عطف عليه؛ تفصل بالضمير المنفصل أو تفصل بأي شيء آخر، تفصل بالمفعول به، تفصل بـ"لا" النافية، تفصل بأي المهم أن تفصل. أما القول بعد التوكيد بضمير منفصل، هذا ذكر لبعض شيء دون آخر. كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنبياء: 54]، في قول إبراهيم عليه السلام لقومه. لقد كنتم أنتم وآباؤكم، قالوا: العربية الذي يقول هذا لا تجز أن يقال إن كنتم وآباؤكم، إنما لا بد من الفصل. هذا الذي جاء هنا: كنتم أنتم وآباؤكم. قال الله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾ [طه: 42]، لا اذهب وأخوك، بل اذهب أنت وأخوك. ﴿اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 35]، لا اسكن وزوجك، بل اسكن أنت وزوجك. وكل هذا فيه فصل بضمير منفصل. لكن يجوز الفصل بغير الضمير المنفصل بشيء آخر، قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾ [النمل: 67]، إذا كنا تراباً وآباؤنا، لم يقل إذا كنا نحن. إذا كنا تراباً وآبائنا، ففصل بخبر كان. هل يجوز كنا وآباؤنا؟ هذه التي فيها الخلاف، لكن الذي في القرآن من هذا كله لا بد أن يكون فيه فصل. ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ [الرعد: 23]، قيل هي واو المعية، وقيل هي واو العطف. طيب كيف قال يدخلونها ومن صلح؟ كيف عطف على واو الرفع التي هي واو الجماعة التي هي واو الضمير وهي في محل رفع، كيف عطف عليها الاسم الظاهر؟ من لأنه فصل بالمفعول، ﴿يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ﴾ وفصل بالمفعول، ومثل هذا كثير.

هل يجوز بعد كل هذا أن يقال: قمت وزيد؟ مثل هذا لم يأتِ في القرآن لا أعلمه جاء في كتاب الله تعالى. أما العطف على الضمير المرفوع بغير فاصل من الفواصل المذكورة أو غيرها لا أعلم، لكن بعض العلماء ذهب إلى الجواز، الجمهور يمنعون ويستدلون بكل هذه الآيات وغيرها، لكن بعض العلماء ذهب إلى الجواز، لكن لا أعلم لهم شيئاً. حتى في الحديث مثلاً، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "بعثت والساعة كهاتين"، قال والساعة بالنصب وجهاً واحداً، في رواية أخرى: "بعثت أنا والساعة كهاتين"، هنا أجازوا النصب والرفع لأجل قوله أنا، بعثت أنا والساعة، لما قال أنا وأكد بضمير منفصل جاز العطف. المسألة الثانية لا، الخلاف فيها قوي.

وأما الثاني فإنه لأنه لا يجوز العطف على الضمير المخفوض -مجرور- إلا بإعادة الجار مرة أخرى حتى بعد الفصل، هذا يقولون حتى وإن فصلت لا بد أن تعيد الجار مرة أخرى. كقوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ [المؤمنون: 22]، وعليها على دخلت على الضمير ها، هل يصح أن يقال في الكلام وعليها والفلك؟ قالوا لا، لا بد أن تقول وعليها وعلى الفلك؛ لأنك إذا أردت أن تعطف على الضمير المجرور فلا بد أن تعيد الذي جره، لا بد أن تعيد الذي جره، سواء إن كان مجروراً بحرف فعليك أن تعيد الحرف نفسه، أو كان مجروراً بالإضافة فعليك أن تعيد المضاف إليه مرة أخرى. ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ﴾ [الأحزاب: 7]، قالوا لا يجوز أن يقال في حتى في غير كتاب الله ومنك ونوح. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾ [الزمر: 65]، إليك وإلى الذين. ﴿رَبَّنَا يَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ [الحشر: 10]، كل هذا إلى الآن صحيح، لكن المشكلة في عدم الجواز، فالأمثلة على هذا كثيرة.

أما غير ذلك، هل يجوز أن يقال في غير كتاب الله لهب وعليها ولا الملك أو ما أشبه ذلك؟ الصحيح الجواز. هذه المسألة الخلاف فيها أقوى من المسألة التي فيها، وعليها أدلة كثيرة؛ يجوز على الصحيح أن يعطف على الضمير المجرور بغير إعادة الجار. وهذا فيه عدة أدلة من كتاب الله تعالى، أشهرها، وهو الذي يعول عليه كثير من العلماء، قراءة حمزة عليه رحمة الله، وهو أحد الأئمة، أئمة الكوفة الكبار من القراء، ومن السبعة ومن العشرة، وقراءته صحيحة، وإن ضعف بعضهم أو تكلم فيها غير واحد من الأئمة، فيستدل بقولهم، وإنما يستدل لهم ويقال: دليلكم لا يصح، أو دليلكم فيه قصور، أو الدليل ثابت عليكم وأخطأتم في هذا، وكلامكم الآخر على العين والرأس، لكن لا يقبل منكم هذا. قرأ حمزة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: 1]، والأرحام به والأرحام، فجر الأرحام عطفاً على الضمير.

وفي قول شهير في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 64]، هذه أشهر ما قيل فيها قولان: حسبك الله، أي يكفيك الله ويكفيك المؤمنون، أي حسبك الله وحسبك المؤمنون، حسبك أتباعك من المؤمنين. القول الثاني: حسب الله وحسب المؤمنين الله، هذا الثاني أصح، وهو دليل لهذا، يا أيها النبي حسبك الله، حسبك، حسب مضاف الكاف مضاف إليه، ومن الواو عاطفة ومن معطوفة على الضمير الذي هو الكاف، حسبك الله وحسب من اتبعك الله تبارك وتعالى. فهذا دليل كان محتملاً، لكن يقولون يقوى هذا الدليل إذا عرفتم أن الحسب خاص بالله سبحانه وتعالى؛ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: 59]، فذكر الإيتاء أولاً وآخراً لله ورسوله، وذكر الحسب فقط لله وحده. وهناك آية أخرى في سورة الحجر معروفة: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ [الحجر: 20]، على أحد الوجهين، ويقوى الاستدلال بهذا جداً؛ لأنه تأويل جماعة من السلف، وهم كانوا باللغة أعرف من النحويين الذين قعدوا القواعد. فجاء عن بعض السلف ما يشهد لهذا، يقول وجعلنا لكم فيها معايش لكم جعلنا لمن لستم له برازقين معايش، يعني لكم ولمن لستم، فلا يقال لا، هذا لا يجوز لغة، هم أهل اللغة أصلاً، هم أهل اللغة فهم أعرف بما يجوز وما لا يجوز في لسان العرب. المهم هذه أشهر أدلة لهم في ذلك، ولهم أدلة من أشعار العرب معروفة.

قال: إذا على هذا يصح أن يقال: مررت بك وزيدٌ. نعم يصح، هذا لا يجب، إنما هو مذهب الجمهور، هل يصح مررت بك وزيدٌ؟ على الصحيح نعم يصح. ومن النحويين من لم يشترط في المسألتين شيئًا، فعلى قوله يجوز العطف، ولهذا قلت: على الأصح فيهما.

اخترنا الأصح عدم جواز العطف، قد يتابع في المسألة الأولى أو قد لا يتابع؛ لأن الشواهد فيها لا أعرف شاهدًا قرآنيًا، فالعلم عند الله تعالى، وإن كان بعض العلماء نزع فيه. أما المسألة الثانية ففيها شواهد كثيرة من كتاب الله ومن لسان العرب.

قال: والثانية: هذه هي الحالة الثانية للاسم الواقع بعد الواو، أن يترجح المفعول معه على العطف، وذلك نحو قولك: كُن أنت وزيدًا كالأخ. يجوز أن تقول: كن أنت وزيدٌ كالأخ؛ كن أنت وزيدٌ، هنا "اسكن أنت وزوجك" ليس فيها إشكال. كن أنت وزيدٌ، كن أنت وزيدًا، لماذا رجح المفعول معه مع أنه يسوغ العطف؟

قال: وذلك لأنك لو عطفت زيدًا على الضمير في "كُن"، لزم أن يكون زيدٌ مأمورًا، وأنت لا تريد أن تأمره؛ يعني إذا أردت أن تأمره قلت: كُن أنت وزيدٌ كالأخ. أما إن قلت لابنك: كُن أنت وزيدًا، يعني مع زيد هذا، وزيد هذا ليس موجودًا، أقول له: كن أنت وزيدًا، يعني مع زيد كالأخ؛ كالأخ أم كالأخوين؟ لا يصح كالأخوين، وهذا قول بعض العلماء، لكن الأفصح أن يقال: كالأخ، وسيذكر المصنف هذا. وإنما تريد أن تأمر مخاطبك بأن يكون معه كالأخ. قال الشاعر: فكونوا أنتم وبني أبيكم، مكان الكليتين من الطحال. مكان الكليتين من الطحال، يعني نحن في عاميتنا نقول الكليتين بالكسر، والطحال بالضم. أما الذي يعرفه في العربية العكس، قد يكون هناك وجه آخر، لكن فلنبقَ على المشهور حتى يظهر وجه صحيح جديد، مكان الكليتين بالضم، من الطحال بالكسر.

ما معنى ذلك؟ يعني كونوا قريبًا من بني أبيكم من إخوانكم كقرب الكليتين من الطحال، ومعلوم القرب بين الكليتين والطحال. ماذا قال؟ قالوا: كونوا أنتم وبنوا أبيكم، لا قال: وبني أبيكم، يعني مع بني أبيكم، فجعل الواو للمعية. معناه يجوز فيها أن تكون للعطف ويجوز الرفع، لأنه قال: "لقد كنتم أنتم"، هناك في كتاب الله: ﴿لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾ [يس: 69]، رافع لأنه يريد العطف، لا يريد المعية؛ لأنهم لم يكونوا مع آبائهم في الزمن نفسه، أو لم يكونوا جميعًا مع آبائهم في الزمن نفسه؛ لما أرادوا آباءهم السابقين الميتين، والواو تكون نصًا في المعية.

قال: وقد استفيد من تمثيل "كُن أنت وزيدًا كالأخ" أن ما بعد المفعول معه يكون على حسب ما قبله فقط، لا على حبهما؛ يعني كُن أنت وزيدًا كالأخ أم كالأخوين؟ وزيدًا هذا مفرد كالأخ، ويجوز كالأخوين، وإلا لقلت الأخوين. هذا هو الصحيح، ومما نص عليه ابن كيسان، والسماع والقياس يقتضيانه. وعن الأخفش إجازة مطابقتهما قياسًا على العطف، وليس بالقوي، يقال هذا قول لبعض العلماء، قاسه الأخفش إن كان الجمهور على خلافه. قل: كُن أنت وزيدًا كالأخ أم كالأخوين؟ الأخفش يجوز كالأخوين، والجميع يجوز كالأخ، لكن الآخرون يوجبونه.

قال: والثالثة، أن هذه الحالة الثالثة أن يترجح العطف ويضعف المفعول معه، وذلك إذا أمكن العطف بغير ضعف في اللفظ ولا ضعف في المعنى، يترجح العطف؛ الأصل يقول لك: الأصل الواو أن تكون للعطف، أما كونها معية فبعضهم نازع في وجود هذا، فلا يكون هو الأصل. المترجح هنا العطف وليس هناك ما يضعف هذا العطف، ليس هناك شيء يضعفه، وذلك إذا أمكن العطف بغير ضعف في اللفظ ولا ضعف في المعنى، نحو: قام زيدٌ وعمروٌ. هذا هو الأصل، قام زيدٌ وقام عمروٌ، قاما معًا، قام أحدهما قبل الآخر، هذا أو ذاك، العطف يحتمل كل ذلك؛ يحتمل أن يكون زيدٌ قام أولًا وتبعه عمروٌ، وأن يكون عمروٌ قام أولًا وتبعه زيدٌ، وأن يكونا قد قاما معًا. قال: لأن العطف هو الأصل ولا مضاعف له فيترجح.

قال بعد ذلك: باب الحال. كلامنا هنا عن الحال، فبعد أن ذكر المصنف -عليه رحمه الله- المرفوعات، ذكر بعد ذلك المنصوبات، وقد سبق الكلام في المرفوعات بتفصيل، فالمرفوعات هي المبتدأ والخبر، والفاعل، والنائب عن الفاعل، واسم كان وأخواتها، واسم كاد وأخواتها، واسم لا النافية للجنس وأخواتها، واسم ما الحجازية وأخواتها، وكذلك خبر إن وأخواتها، وخبر لا النافية للجنس، الفعل المضارع الذي لم يسبقه ناصب ولا جازم، والتابع للمرفوع، هذه هي المرفوعات.

ثم ذكر المصنف بعد ذلك المنصوبات، والمنصوبات إذا أردت أن تعرفها إجمالًا سريعًا هي المفعولات الخمسة التي سبقت دراستها: المفعول المطلق، والمفعول به، والمفعول له، والمفعول معه، والمفعول فيه وهو الظرف الزمني والمكاني. أقول: هذه خمسة، يقول هذه ستة فيجعل الظرف، يقول ظرف الزمان وظرف المكان هذا للتكثير، يعني هذه خمسة، والمنادى في الأصل بعضهم يجعله من المفعول به كالمصنف، والحال هذا الذي سيذكره الآن إن شاء الله تعالى، والتمييز، والمستثنى في بعض صوره، وكذلك خبر كان وأخواتها، وخبر كاد وأخواتها، وخبر ما الحجازية وأخواتها، واسم إن وأخواتها، واسم لا النافية للجنس، والفعل المضارع المسبوق بناصب، والتابع للمنصوب، وبعضهم يجعل من ذلك أيضًا المنصوب على نزع الخافض. هذه غاية الكلام في المنصوبات، بعد ذلك سيتكلم على المجرورات.

أكمل بقية المنصوبات قال: باب الحال. أو "باب الحال"، هذا باب الحال، وهو وصف فضلة يقع في جواب "كيف"، كـ "ضربتُ اللصَّ مكتوفًا". طبعًا الحال فيها كلام طويل جدًا جدًا، المصنف اختصره وذكر أهم ما فيه، وكذلك التمييز فيه كلام طويل جدًا، المصنف اختصره أيضًا في صفحتين أو ثلاث صفحات، فأرجو أن يتسع الوقت والكلام على الحال وعلى التمييز، لا أدري هل يتسع أيضًا للكلام على الاستثناء أم لا؛ لأن هذه الأبواب هي أبواب طويلة والمصنف ذكر خلاصة فيها، لم يذكرها بكل مسائلها.

فالحال من جهة تنقسم إلى حال مفردة وجملة وشبه جملة، وكأنه لم يذكر هذا، قد يكون يأتي مثلًا في ثنايا الكلام هكذا، لا يقصد الحال. أحيانًا تأتي نكرة وهذا الأصل، وأحيانًا تأتي معرفة، أيضًا هو ذكر هذا لكن لم يطل الكلام فيه. الحال أحيانًا تأتي منتقلة وهذا هو الأصل، وأحيانًا تأتي لازمة أيضًا أشار إلى هذا إشارة، لم يتكلم فيه كثيرًا. الحال أحيانًا تأتي جامدة وأحيانًا تأتي مشتقة، ذكر هذا ولكن لم يطل فيه. الحال تأتي مبينة أو مؤسسة، وتأتي أحيانًا مؤكدة، ذكر هذا سريعًا.

فالحال عند الدراسة الطويلة، وإن شاء الله بإذن الله لو قدر الله تبارك وتعالى لكم دراسة الألفية معي أو مع غيري، المهم لو قدر الله لكم دراسة الألفية، فستأخذون غالب هذه المسائل بإذن الله تعالى بتفصيلاتها، كل مسألة وحدها، تعرف الفرق بين الحال المؤسسة أو المبينة والحال المؤكدة، تأخذ أمثلة على هذه وتلك، وكذلك تعرف مواضع مجيء الحال معرفة، وكذلك الكلام على الحال وصاحب الحال. المصنف تكلم عن هذه المسألة، هذه مسألة تكلم فيها، كذلك عما تأتي منه الحال: تأتي من الفاعل، تأتي من المفعول به، تأتي من المضاف إليه بشروط، تأتي من المجرور، هل تأتي من المبتدأ؟ هذه مسائل كثيرة في الحال، يمكن مثلًا المصنف لو عمل الحال معاملة المنادى لكتب في الحال 20 صفحة أيضًا، لكنه لم يكتب فيها أكثر من صفحتين.

فإن شاء الله تبارك وتعالى سامر مرورًا على هذه الأبواب التي مر عليها المصنف سريعًا. قال رحمه الله تعالى: لما انتهى الكلام على المفعولات شرعت في الكلام على بقية المنصوبات. هذا هو الذي جعل لكم المنصوبات هنا، شرعت في الكلام على بقية المنصوبات، وهذا من حسن تصنيف المصنف عليه رحمه الله بالترتيب الذي أذكره كثيرًا في أوائل الدروس، هذا ترتيب حسن جدًا، وكان تابعًا فيه في الغالب لغيره من العلماء كابن مالك وغيره، لكن ترتيبه حسن جدًا، ففي بعض المخالفات في الترتيب.

قال: فمنها الحال، وهو عبارة عن ما اجتمع فيه ثلاثة شروط: أحدها أن يكون وصفًا، والثاني أن يكون فضلة، والثالث أن يكون صالحًا للوقوع في جواب "كيف"، وذلك كقولك: ضربت اللصَّ مكتوفًا. إذاً الحال وصف فضلة، منتصب، يعني منصوب على الحالية، وواقع في جواب "كيف"؛ كأنك قلت: كيف حصل ذلك؟ فتقول حال كذا وكذا. كيف ضربت اللص؟ قول: "ضربت اللص مكتوفًا"، يعني حال كونه مكتوفًا ضربته. "اللص واقفًا"، هنا يصح حال كوني واقفًا أو حال كونه واقفًا. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]. إذا لقيتم الذين كفروا زحفًا، لو قيل هي حال، طبعًا فيها أكثر من إعراب؛ زاحفين زحفًا فهو مفعول مطلق، أو زحفًا زاحفين فهو حال. طيب حال من أي شيء؟ لقيتم أنتم، حال من هذه التاء، أم حال من الذين كفروا، أم حال من الفعل، أم من المفعول؟ يصح أن يكون من أحدهما أو منهما جميعًا، ففي مثل هذا هذه أيضًا مسائل لم يتكلم عنها المصنف في هذا الباب. فقيل إذا قيل: كيف ضربت؟ قال: ضربته مكتوفًا. ومثل هذا كثير.

الحال وصف فضلة، وصف يعني ليست مشتقة، هذا معنى قوله وصف، سيأتي في التمييز فيقول اسم، لن يقول وصف، إنما قال هنا وصف، وفي التمييز قال اسم؛ لأنه يريد هنا بوصف يريد المشتق، أما في التمييز قال اسم لأنه يريد الجامد غير المشتق، أو يريد المشتق الذي هو اسم الفاعل واسم المفعول والصيغ المشبهة وصيغ المبالغة وما أشبه ذلك من المشتقات، لأجل هذا إذا جاء الحال غير مشتق أُوِّل بالمشتق، أُوِّل بالمشتق. قال الله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: 14]، مخلصين حال، هذا منصوب على الحال، فاعبد الله مخلصًا له الدين، أفمن يمشي مكبًا على وجهه، ورجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا، كذلك ﴿وَكَانُوا سُجَّدًا﴾ [الأعراف: 161]، تخرج بيضاء من غير سوء، ﴿لَا تَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: 27]، كل هذه المنصوبات تكون منصوبة على الحال، فهي تبين الحال، كيف يدخلون؟ يدخلون آمنين. كيف تخرج يد موسى؟ تخرج بيضاء. كيف يخرون؟ يخرون ساجدين. كذلك ارجعي إلى ربك، كيف ترجع؟ راضية مرضية. هذه أمثلة كثيرة، والغالب فيها أن الحال مشتق، وهو الذي سماه وصفًا.

قال: فإن قلت يرد على ذكر الوصف قوله تعالى: ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71]، فانفروا ثبات، أي جماعات متفرقين، هذا قول الله تبارك وتعالى لعباده المؤمنين. فلما أبى كثير من المؤمنين هذا حصل ما حصل، وصرنا أضعف خلق الله في الأرض، وصرنا مستضعفين ومستذلين لأذل خلق الله، وتبارك وتعالى يخاطب المؤمنين، مؤمنين به ربًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، وبدينه الإسلام دينًا، وبهذا القرآن حاكمًا وشارعًا ودستورًا ومنهاجًا وقانونًا، لو صحت هذه الكلمات التي يقولونها: "يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم"، احذروا من أعدائكم، فانفروا ثبات أو انفروا جميعًا، انفروا جماعات متفرقين أو انفروا جميعًا مجتمعين في جيش واحد، وليرى منكم أعداؤكم قوة حتى يهابوكم، فإن لم تفعلوا ساموكم سوء العذاب كما يحصل لنا في هذا الاستضعاف الذي نعيشه جميعًا، أسأل الله تبارك وتعالى أن ينصر دينه في الأرض. قال الشاهد: قال ﴿فَانفِرُوا ثُبَاتٍ﴾، أي جماعات متفرقين، أما ثبات جمع ثُبَة، الثُّبَة الجماعة، والجماعات الجماعة والجماعات، هذا ليس وصفًا، ليس اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا شيء من ذلك، قال: يؤول بالمشتق، لابد أن يؤول بالمشتق يعني نفروا متفرقين. فهنا سيذكر الإشكال كاملًا وسيُجيب عنه بعد ذلك شيئًا فشيئًا، لكن هذا هو الأصل. لماذا سأل هذا السؤال في ثبات؟ لأن ثبات ليس وصفًا.

قال: فإن ثبات حال وليس بوصف، وعلى ذكر الفضلة يعني يرد على ذكر الفضلة نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [الإسراء: 37]، وقول الشاعر: ليس من مات فاستراح بميت، إنما الميت ميت الأحياء، إنما الميت من يعيش كئيبًا كاسفًا باله قليل الرجاء. هنا ذكر الميت والميت في بيت واحد، وهذا صحيح وهذا صحيح، وورد جميعًا في كتاب الله تبارك وتعالى. قال: فإنه لو أسقط طيب ما الإشكال؟ ما الإشكال الذي يريد ابن هشام أن يضعه على نفسه؟ هو يقول: أنا قلت في الكلام الحال فضلة، طيب الحال فضلة، "إنما الميت من يعيش كئيبًا"، احذف كئيبًا، إنما الميت من يعيش، هذا كلام صحيح. "ولا تمش في الأرض مرحًا"، مرحًا حال، احذف مرحًا، حتى في غير كتاب الله تعالى لا تمش في الأرض، هذا معنى، فكيف تقول فضلة؟ الجواب سبق عندكم الجواب، إن شاء الله تعالى تعلمون الجواب، فرق بين الفضلة التي يريدها العلماء والفضلة التي يظنها من يسمع كلامهم في هذا، يظن الظن أن الفضلة هو ما يمكن أن يستغنى عنه، إنما المراد الفضلة هو ما ليس عمدة، ما يقع بعد تمام الجملة، حتى وإن كان لازمًا ومستغنى عنه، كما قال: فإنه لو سقط لو أُسقط مرحًا، مرحًا، ويت بمعنى مرحًا، أو بجعل الإنسان كأنه المرح بنفسه، فالمرح مصدر والمراد اسم الفاعل، أو المراد المبالغة، وكئيبًا إذا لو أُسقط مرحًا وكئيبًا فسد المعنى، فيبطل كون الحال فضلة. وعلى ذكر الوقوع في جواب...

يسأل سائل: كيف يرد على ذكر الوقوع في جواب كيف، نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]؟ ولماذا قال هذا؟ لأن ولا تعثوا معناه لا تفسدوا، كما قال النبي ﷺ عن الدجال: «فعاث يمينا وعاث شمالا، يا عباد الله فاثبتوا»؛ عاث يمينا وعاث شمالا يعني أفسد يمينا وأفسد شمالا. ويبقى ولا تعثوا معناه لا تفسدوا، فلا تفسدوا في الأرض مفسدين؛ فهل يقول قائل كيف تفسد الأرض مفسدا؟ فهذا هو الإشكال.

الجواب هنا أن هذه هي الحال المؤكدة. قلت: طبعا هذا سؤال في سبعة أسطر أو ثمانية أسطر والجواب في سطرين، وهذا من المحاسن؛ الإجابة في بعض الأحيان يحتاج الكلام فيها إلى تطويل لإفهام من أمامك، فإذا عرفت أنه يفهم في شيء يسير فلا تطل، وإلا فأطل، وهذه حكمة يؤتيها الله من يشاء.

قلت: ثبات في معنى متفرقين، ﴿انفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ [النساء: 71] أي متفرقين. متفرق هذا اسم فاعل، فالجامد يؤول بمشتق فهو وصف تقديرا. والمراد بالفضلة ما يقع بعد تمام الجملة، لا ما يصح الاستغناء عنه؛ إذ إنما الميت من يعيش كئيبا، كئيبا حال، وإن كان لا يستغنى عنها لكنها وقعت بعد تمام الجملة. كذلك في الآية: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18]، مرحا وإن وقعت لأنها وقعت بعد تمام الجملة لكن لا يستغنى عنها.

قال والحد المذكور للحال المبينة للمؤكدة. الحال المؤكدة طبعا الحال إما أن تكون مؤكدة لصاحبها، أو مؤكدة لعاملها، أو مؤكدة لمضمون جملة قبلها، كل هذا أيضا لم يذكرها رحمه الله. وهذه الحال المؤكدة في وقوعها في القرآن خلاف بين العلماء؛ بعضهم يقول ليست هناك حال مؤكدة خصوصا في كتاب الله تعالى، وإنما كل كلمة قلتم هي مؤكدة إنما تحتمل معنى لا يحتمله الكلام بدونه، وبعضهم يقول بل هي موجودة بكثرة.

منه ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: 19]، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]، ﴿أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: 79]؛ كل هذا يقولون الكلام فيه تام بغير الحال، وإنما ذكرت الحال تأكيدا لهذا المعنى، وقد يكون في معنى زائد.

قال وشرطها التنكير. قال شرط الحال أن تكون نكرة. كل الأمثلة التي سبقت الحال فيها نكرة، سواء كان في الحال المؤكدة أو في الحال المبينة المؤسسة. ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الأنبياء: 16]، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾، ﴿لَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [الأعراف: 150]، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [الأعراف: 120]، ﴿تَخْرُجُ بَيْضَاءَ﴾ [الأعراف: 108]، فقوله ساجدين رجع إلى ربه راضية؛ الحال في كل هذا نكرة.

هل تأتي الحال معرفة؟ نعم، يعني لا يقول قائل إن الحال لم تأت معرفة، لا، جاءت معرفة في كتاب الله وفي غيره من الكلام العربي وهو كثير، وتأتي الحال معرفة في كتاب الله وفي السنة الصحيحة وفي أشعار العرب وفي نثرها وهو الصحيح، لا يمانع في ذلك أحد. فبعضهم يقول: نعم، الحال تأتي معرفة ولا حاجة بنا إلى شيء من ذلك، إنما نقول الأكثر أن تأتي نكرة ولكن يجوز أن تأتي معرفة. هذا قول، وقول آخر يقول: لا، كل حال جاءت معرفة فلا بد أن تؤول بالنكرة، هذا هو القول الثاني، وبعضهم توسط في هذا وقال: الحال إن احتملت الشرط كان في معنى الشرط فيصح أن تكون معرفة وإلا فلا يصح.

المصنف ذكر أيضا شيئا من ذلك، قال: فإن جاءت بلفظ معرفة وجب تأويلها بأي شيء؟ بنكرة. وذلك كقولهم ادخلوا الأول فالاول، وأرسلها العراك، وكقراءة بعضهم أيوه كقراءة بعضهم ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: 8]. كذا والحمد لله نسخة عندي ضبطوها على هذا، قراءة شاذة؛ لكن هو لا يريد القراءة القراءة المتواترة، الجماهير يقرؤون ﴿لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾، هم يريدون ويزعمونهم هم الأعزون ويزعمون أن المؤمنين هم الأذلون وكذبوا.

فيقولون ليخرجن الأعز، يعني سنخرج النبي ومن معه صلى الله وسلم وبارك على محمد ورضي الله عن الصحابة أجمعين. فهم يقولون هؤلاء المنافقون عبد الله بن أبي ومن تبعه: رجعنا إلى المدينة، نحن أعزاء سنخرج هؤلاء الأذلين منها. قلت: هذه القراءة في الرواية الشاذة التي يريدها المصنف يقولون: رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل، هذا معنى جديد. ليخرجن يعني سيخرج الأعز منها الأذل، أي سيخرج الأعز الذي هو النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه، هؤلاء الأعز الذين هم أعزاء في المدينة، سيخرجون الأذل، أي سيخرجونهم أذلاء.

قال: وهذه المواضع ونحوها مخرجة على زيادة الألف واللام، يعني مخرجة على زيادة الألف واللام، هذا أيضا هو الجواب: ادخلوا الأول فالاول، كأنه قال يعني ادخلوا أولا فأول، أي ادخلوا مترتبين. المهم الحال نكرة. أرسلها العراك أي أرسلها معتركة، وهذا جاء في بعض أبيات العرب: فارسلها العراك ولم يذدها، ولم يشفق على نغص الدخال. الشاهد أن هذا قيل في راعٍ يرعى إبله، فارسل إبله تشرب من الماء معتركة متزاحمة مع إبل أخرى، هذه هي الدخال التي تدخل معها وقد تندص عليها الشرب. وقيل هو حمار الوحش أرسل أتنه أيضا معتركة بين حمير أخرى أو أتن أخرى، والشاهد المعنى المراد هو المعنى النحوي هنا سواء كان هذا حمار الوحش أرسل أتنه أو راعٍ أرسل مائيته أو إبله تعترك، أرسلها العراك أي معتركة متداخلة متعاركة مع غيرها.

قال وهذه المواضع مخرجة على زيادة الألف واللام. هذا انتهى الكلام، قال: وكقولهم اجتهد وحدك، وهذا مؤول بما لا إضافة فيه والتقدير اجتهد منفردا. اجتهد منفردا، اجتهد وحدك، اجتهد منفردا، هذا جاء في كتاب الله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ﴾ [الزمر: 45]. وحده، هذه وحد والهاء هاء الضمير هذه نكرة أضيفت إلى الضمير فصارت معرفة، ومع ذلك يعربها العلماء حالا، فكيف يعربون المعرفة حالا؟ قالوا لأنها بمعنى النكرة أي منفردا؛ إذا ذكر الله وحده منفردا دون غيره من الآلهة اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة، أعوذ بالله تعالى. كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ رَبُّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46]، وحده أي ربك وحده، ليس المعنى إذا ذكرت ربك في القرآن وحده يعني في القرآن وحده دون غيره، لا، يعني إذا ذكرت ربك وحده في القرآن، هذا من التقديم والتأخير المعروف.

بدأ ثاني، قال: وشرط صاحبها التعريف أو التخصيص أو التعميم أو التأخير. فهنا نتكلم عن صاحب الحال، وأيضا الكلام عن صاحب الحال كلام طويل، المصنف أيضا وكما ذكرت لكم الحال المؤكدة تأتي مؤكدة لصاحبها أحيانا وعاملها أحيانا أخرى. فقال في آخر الكلمة عن الحال، أحاول إن شاء الله بإذن الله أن أنهيه، وأن التمييز. قال وشرط صاحبها التعريف أو التخصيص أو التعميم أو التأخير نحو ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ﴾ [القمر: 7]، ﴿يَخْرُجُونَ﴾، ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: 10]، ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾ [الشعراء: 208]، لميت موحشا طلل.

قال: أي شرط صاحب الحال واحد من أربعة أمور: الأول التعريف؛ صاحب الحال لا بد أن يكون معرفة، لا يكون نكرة إلا بمسوغ، لعلكم ذكرتم بهذا المبتدأ، المبتدأ لا يكون إلا معرفة، هذا هو الأصل، هل يكون نكرة؟ يكون نكرة إذا كان لها مسوغ، أكثر هذه المسوغات التي تجوز في النكرة تجوز هنا في صاحب الحال. وأيضا تذكرون هذا أيضا في باب العلم، في باب العلم جاء شيء من هذا.

قال الأول التعريف كقوله تعالى: ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ﴾ [القمر: 7]، فخشعا حال من الضمير في قوله يخرجون، والضمير أعرف المعارف الست المذكورة، وإلا فأعرف المعارف اسم الله تبارك وتعالى الذي يطلق عليه لا على غيره. خشعا أبصارهم يخرجون يعني يخرجون خشعا أبصارهم؛ الآية ﴿خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ [القمر: 7]، يخرجون من الأجداث خشعا أبصارهم، يعني يخرجون وقد خشعت أبصارهم، خشعا حال من الضمير، وهذه حال تقدمت على صاحبها لا إشكال في هذا. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًا﴾ [آل عمران: 39]، مصدقا هذه حال، يحيى صاحب الحال، وصاحب الحال معرفة سواء تقدم أو تأخر.

والثاني التخصيص، يعني إذا لم تكن إذا لم يكن صاحب الحال معرفة يمكن أن يكون نكرة لكنها خصصت بشيء حتى يجوز أن يأتي منها الحال، يعني حتى لا تكون نكرة محضة. ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ﴾، سواء هذه قراءة الجمهور، وقرأت سواءً، وقرأت سواءٌ، معروف يعني يعقوب قرأ سواءٌ عطفا على ما قبلها، وأبو جعفر قرأ سواءٌ يعني هي سواء مستوية، والجمهور قرأوا بالنصب سواءً للسائلين. فقيل نصب على الحال، طيب الحال من أي شيء؟ من أربعة؛ في أربعة أيام حال كونها سواءً، حال كونها مستوية لمن سأل عن هذا، فمن سألك فقل له خلقت الأرض في هذه الأربعة، فسواء حال من أربعة، وهي وإن كانت نكرة ولكنها مخصصة بالإضافة إلى أيام في أربعة أيام، لما أضيفت هذه النكرة إلى أيام جاز أن يأتي منها الحال. قال تعالى: ﴿وَهَٰذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِّسَانًا عَرَبِيًّا﴾ [الأحقاف: 12]، طيب لسانا هذا حال، حالا موطئة، هذا أيضا بيتكلم عن المصنف حال موطئة وطأت للحال التي بعدها، لأن اللسان ليس وصفا، إنما العربي هذا وصف، لأنه الصفة المشبهة، فمهم لسانا هذا منصوب على أنه حال أو هو موطئ للحال أيا ما كان، لكن هو النصب على الحال، طيب من أي شيء؟ من كتاب، هذا كتاب وكتاب نكرة، لكنه لما وصف تخصص، إذا هذا تخصيص بالوصف.

قال وثالث التعميم، يعني إذا كانت هناك نكرة لكن سياق العموم فحينئذ يجوز أن يأتي منها الحال، تعميم كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ﴾، قال فجملة لها منذرون هنا ذكر أن الجملة قد تأتي حالا، هذا الذي قلت لكم في الأول، كلام ذكر الحال المفرد والجملة وهذا عرضا. الجملة لها منذرون حال من قرية، وهي نكرة عامة لوقوعها في سياق النفي، قرية وما كنا من قرية، هذه نكرة، كيف جاء منها الحال؟ لأنها عامة، وما أهلكنا من قرية، النكرة في سياق النفي تفيد العموم، إذا كانت عامة أو خاصة الكلام في المبتدأ والخبر تماما. يعني ما أهلكنا من قرية إلا منذرة، إلا لها منذرون يعني إلا منذرة.

والرابع التأخير عن الحال، يعني أحيانا لا تجد مسوغا للنكرة حتى تأتي لها بحال، حينئذ تقدم الحال عليها. إذا قلت جاء رجل ضاحكا، الجمهور يقولون لك لا، لا يجوز هذا الكلام، تقول جاء زيد ضاحكا نعم، لكن جاء رجل ضاحكا جئت بالحال من النكرة المحضة التي لا مسوغ لها، طيب تقول أنا أريد هذا، قل يقولون لك يجوز أن تقدم الحال على صاحبها النكرة، هنا يجوز فيجوز لك أن تقول جاء ضاحكا رجل، هكذا يجوزه. استدل بقوله: لميت موحشا طلل، يلوح كأنه خلل. الطلل ورأس الدر يعني شيء متقاربان، لكن هذا مما يتركه الناس في الصحراء عندما يذهبون من هذا المكان الذي كانوا فيه بقرب الماء ذهابا إلى مكان آخر، فالطلل ما يبقونه ويبقى شاخصا كشيء لهم مثلا كانوا يخبزون فيه أو يصنعون فيه الأكل، أو الأثافي التي كانوا يضعونها يشعلوا تحتها النار حتى ينضجوا ما يريدون، هذه هذا اسمها اسمه طلل، وبعضهم يقول بقي الرسم هو ما بقي غير شخص الأشياء، رسم دار وقفت في طلل، كدت قد تعقد الحياه. لميت موحشا طلل، هذا الطلل كان موحشا؛ طلل موحش، موحش ليس فيه أحد يخشاه يخاف من من جلس فيه موحش يعني ليس أحد يؤنسك، أنك تعيش بين الوحش. هنا موحش الأصل أنه نعت ووصف لطلل فقدمه، فلما قدمه صار حالا لميت موحشا، يعني حال كونه موحشا، طلل، قالوا هذا حال ليس لها مسوغ، فلاجل هذا جاء أو عفوا، هذا صاحب الحال هنا ليس له مسوغ وهو نكرة، فلاجل هذا جاء الحال قبلها. وبعضهم يقول لا هذا المثال غير صحيح، يعني تمثيل المصنف بهذا غير صحيح لعدة أمور، أولا لأنه جعل الحال من المبتدأ، والحال مجيء الحال من المبتدأ الجمهور لا يصححونه، فيقال جاء على مذهب سيبويه. الشيء الثاني، طلل يلوح كأن هذه الجملة وصفية لطلل، فهنا جاء الحال من نكرة موصوفة، أي من نكرة مخصصة، فعلى كل الكلام فيه إذاعة، في هذا الكلام نظر.

كما ذكرت الخلاصة قبل الانتهاء من الباب، هل يجوز أن يأتي أو أن تأتي الحال؟ الحال تؤنث وتذكر، هل يجوز أن تأتي الحال بالنكرة اللا مسوغة؟ لا يحضرني في القرآن من شيء من ذلك، لكن ورد في السنة حديث في الصحيح، قول عائشة رضي الله عنها: صلى النبي ﷺ يوما قاعدا وصلى وراءه رجال قياما، وصلى وراءه رجال قياما، فقال رجال؛ قالوا هذا نكرة ليس لها مسوغ ومع ذلك جاء منها الحال. وذلك باب والتمييز وهو اسم فضلة نكرة جامد.

التمييز مفسر لما انبهم من الذوات، وهو من المنصوبات. التمييز هو ما اجتمع فيه خمسة أمور: أحدها أن يكون اسماً، والثاني أن يكون فضلة، والثالث أن يكون نكرة، والرابع أن يكون جامداً، والخامس أن يكون مفسراً لما انبهم من الذوات. فهو موافق للحال في الأمور الثلاثة الأولى، ومخالف له في الأمرين الأخيرين؛ فالحال مشتق مبين للهيئات، والتمييز جامد مبين للذوات. هذا الكلام فيه التمييز أو المميز أو التفسير أو المفسر أو التبيين أو المبين، هذا كله يأتي ومعناه واحد.

فالتمييز اسم فضلة نكرة، وهو كالحال في هذه؛ الحال اسم فضلة نكرة، لكن الحال مشتق والتمييز جامد، الحال مفسر لما انبهم من الهيئات، والتمييز مفسر لما انبهم من الذوات. فبين التمييز والحال بعض إطلاق وبعض تقييد؛ فالحال والتمييز كلاهما اسم ليس فعلين ولا حرفين، والحال والتمييز كلاهما فضلة ليس عمدتين، والحال والتمييز كلاهما نكرة ليس معرفتين. سبق الكلام عن الحال وأنه إذا كان معرفة يُؤول بالنكرة، الحال مشتق والتمييز يكون جامداً، الحال يفسر الهيئة، كيف الهيئة؟ ضربت اللص مكتوفاً، رجع موسى إلى قومه غضبان، ارجعي لربك راضية، هكذا الحال يبين الهيئة. أما التمييز فيبين شيئاً مبهماً، لكن هذا الشيء المبهم هو الذات؛ رأيت أحد عشر كوكباً، اشتريت فداناً أرضاً، وهكذا يفسر ذاتاً، يفسر شيئاً قبله.

قال وأكثر وقوعه بعد المقادير، كجريب نخلاً، وصاع تمراً، ومنوين عسلاً، والعدد؛ يعني يقع بعد المقادير وبعد العدد، نحو أحد عشر كوكباً، وتسع وتسعين نعجة. وأما تمييز كم الاستفهامية فمجرور مفرد كتمييز المئة وما فوقها، أو ممنوع كتمييز العشرة وما دونها، ولك في تمييز الاستفهامية المجرورة بالحرف الجر والنصب. ويكون التمييز مفسراً للنسبة، نسبة محولاً كـ ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: 4]، ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]، وإن أكثر كمال أو غير محول نحو امتلا الإناء ماءً.

وقد يؤكدان؛ يعني الحال والتمييز، يعني كل هذا الكلام كان عن التمييز، قال: وقد يؤكدان، رجع إلى الكلام على الحال، جمع مع التمييز فجعل الحال تكون مؤكدة وجعل التمييز يكون مؤكداً، نحو ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]، وقوله: من خير أديان البرية ديناً، ومنه: بئس الفحل فحلهم وفحلُ، خلافاً لسيبويه.

قال في الشرح: التمييز نوعان؛ مفسر لمفرد، ومفسر لنسبة. المفسر للمفرد يرفع إبهام مفرد قبله، فهناك شيء مفرد قبل التمييز، هذا الشيء المفرد هو عدد أو كيل أو وزن أو مساحة أو استفهامية؛ هذا شيء مفرد يأتي تمييز ليرفع هذا الإبهام. تقول: جاءني ثلاثة عشر رجلاً، جاءني ثلاثة عشر كتاباً، المعدود مثلاً هنا؛ هذا فرق بين الكتاب والرجل، فالذي يرفع الإبهام هو التمييز. المفسر للنسبة يرفع إبهام نسبة جملة قبله؛ هناك نسبة في جملة اشتعل الرأس شيباً، فهنا الإبهام ليس في اشتعل وليس في الرأس، إنما في هذه النسبة، نسبة الاشتعال إلى الرأس.

قال: فمفسر المفرد له مظان يقع بعدها، أحدها المقادير، وهي عبارة عن ثلاثة أمور: المساحات كجريب نخلاً، والكيل كصاع تمراً، والوزن كمنوين عسلاً. الجريب مساحة من الأرض، كأن تقول: اشتريت جريب نخلاً، طبعاً يجوز أن تقول: اشتريت جريب نخل، لكن الكلام على النصب على التمييز، واشتريت صاعاً تمراً. الصاع والمد ملء كفي الرجل المعتدل كما تعلمون. والوزن كمنوين عسلاً؛ المناوين مثنى مَنّ، والمن رطلان، الرطل أيضاً وحدة للوزن، فالرطل كان معروفاً عندنا في بعض الأماكن التي عشت فيها إلى وقت قريب كانوا يزنون بمثل هذا، ولم يكن هذا الكيلو والنصف وصل إلى هذه الأماكن، أو كانوا كان هذا وحدة، وكان هذا وحدة أخرى، لكن كان المشهور الرطل، هذا يوزن به مثلاً السمن والعسل وهذه الأشياء، معروف في بلادنا في الفلاحين وما أشبه ذلك.

فأقول اشتريت منوين عسلاً، يعني أربعة أرطال عسلاً وتمراً ونخلاً، كل هذا منصوب على التمييز، قلت اشتريت صاعاً، أي صاع؟ صاعاً تمراً، صاعاً أقطاً، كما في حديث زكاة الفطر، تكون صاعاً من كذا وكذا، فالصاع هذا يشمل أشياء كثيرة. اشتريت صاعاً، هنا ما زال هناك إبهام، الإبهام في كلمة الصاع، إذا قلت تمراً، فهذا هو التمييز يزيل هذا الإبهام.

والثاني العدد، وهذا الذي جاء في كتاب الله كثيراً، الثاني العدد كأحد عشر كوكباً، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا﴾ [يوسف: 4]، هو في المنام رأى أحد عشر، لم يزل هذا الإبهام إلا بقوله كوكباً، ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142]، ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60]، وهذا كثير. أحياناً يحذف هذا التمييز، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر: 27-30]، واضح عليها تسعة عشر ملكاً؛ لأجل هذا جاء بعدها ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً﴾ [المدثر: 31].

وهكذا حكم الأعداد، أيضاً في قصة داود عليه السلام في قول أحد الخصمين: ﴿إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: 23]، لماذا نصبت؟ نصبت على التمييز، له تسع وتسعون أي شيء؟ تسع وتسعون نعجة، ممكن قلت له تسع وتسعون دجاجة، بيضة، بقرة، زوجة، كما ذكر في الأثر؛ قال نعجة، هذا هو التمييز الذي يرفع الإبهام. وقالوا في الحديث: «إن لله تسعة وتسعين اسماً».

وفُهم من عطف في المقدمة، المقدمة التي قُطرت في المتن، يعني العدد على المقادير أنه ليس من جملته، وهو قول أكثر المحققين؛ لأن المراد بالمقادير ما لم ترد حقيقته بل مقداره، حتى هل المراد بالمقادير ما أريدت حقيقته؟ يعني أنت تقول اشتريت صاعاً، الصاع هذا شيء معين، يعني كان مثلاً الكوب الكبير أو ما أشبه ذلك، يعني رأيت بعضكم يكل به الشيء، يضع فيه الشيء حتى يعرف مكياله خلاف الوزن. اشتريت كيلو كذا، هذا الكيلو هذه وحدة للوزن، هل أنت تقول اشتريت كيلو يعني اشتريت هذه الحديدة؟ اشتريت الصاع، اشتريت هذه الصفيحة التي يعبأ فيها الأرز أو هذه الأشياء، هل اشتريتها هي؟ لا، اشتريت صاعاً من أرز، صاعاً تمراً، أنت اشتريت الذي بداخله فهو لا تراد حقيقته. قال: إن المراد بالمقادير ما لم ترد حقيقته بل مقداره، أي الصاع، حتى إنه تصح إضافة المقدار إليه، وليس العدد كذلك، ترى أنك تقول عندي مقدار رطل زيتاً، نعم بلى، تقوله لا ترى بلى تقول هذا مقدار رطل، يعني قريب من رطل يقدر برطل، ولا تقول عندي مقدار عشرين رجلاً إلا على معنى آخر، مقدار عشرين رجلاً يعني إذا كان عندك رجل يساوي عشرين أو عندك رجلان يساويان عشرين، هذا عنده مقدار عشرين رجلاً، هذا معنى آخر غير موجود. إذا قلت عندي عشرين رجلاً، فأنت تريد العشرين أنفسهم، بخلاف عندي صاع تمراً، يعني عندك التمر الذي يساوي صاعاً، ليس عندك هذا الصاع الذي يوضع فيه التمر.

ومن تمييز العدد تمييز كم الاستفهامية، هذا يعني يتبع تمييز العدد، وذلك لأن كم في العربية كناية عن عدد مجهول الجنس والمقدار، وهي على ضربين، على نوعين: استفهامية بمعنى أي عدد، ويستعملها من يسأل عن كمية الشيء، وخبرية بمعنى كثير، ويستعملها من يريد الافتخار والتكثير، أو الافتخار أو التكثير، ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ﴾ [الأعراف: 4]، هذا ليس افتخاراً، هذا تكثير، ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ [الدخان: 25]، قد يكون يعني يقال مثلاً من الله تبارك وتعالى أنه على كل شيء قدير وأنه أهلكهم، لكن هل هذا المعنى فيقال الافتخار والتكثير؟ التمييز للاستفهامية منصوب مفرد.

إذاً عندنا كم الاستفهامية وكم الخبرية، ما الفرق بينهما؟ أنت تقول لصاحبك: كم كتاباً تقرأ؟ كتاباً هذا تمييز، وكم هنا مفعول به. كم ساعة تقرأ في اليوم؟ ساعة تمييز، وكم هنا ظرف للزمان. الإعرابات هذه الكلام طويل، الشاهد هنا تقول: كم ساعة تقرأ؟ كم كتاباً قرأت؟ كم ولداً عندك؟ كل هذا استفهام تريد منه جواباً. لكن أحياناً تريد التكثير، وهذا ورد في كتاب الله، وهذا في كتاب الله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112]، قال كم لبثت، استفهامية. ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: 211]، الاستفهاميه الأغلب وأيضاً خبرية: ﴿وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ﴾ [النجم: 26]. كثيراً ما يأتي بعدها هكذا كم من، وكم من قرية أهلكنا، كم من ملك.

وفي الاستفهامية يأتي بعدها المنصوب أو التمييز منصوباً، جاء في موضع واحد فيما أعلم في كتاب الله تعالى قال: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ﴾ [المؤمنون: 112]، في مواضع أخرى قال: كم لبثت، هكذا ﴿كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ [البقرة: 211]، لم تأت منصوباً، إنما جاء مجروراً.

قال: وتمييز الخبرية وتمييز الاستفهامية منصوب مفرد، تقول: كم عبداً ملكت؟ وكم داراً بنيت؟ هذا سؤال، وتمييز الخبرية مخفوض دائماً. إذاً تمييز الاستفهامية يكون منصوباً لأنه من تمييز العدد، أما تمييز الخبر فهو مخفوض مجرور دائماً، أحياناً يكون مع جر، هذا أحياناً يكون مفرداً وأحياناً يكون مجموعاً، ثم يكون مجموعاً كتمييز العشرة فما دونها، تقول: كم عبيد ملكت، ملكت أنا يستكثر؛ يعني كم بيت اشتريت، كم ولد عندي، استكثر بأموالها، وكما تقول: عشرة أعبد ملكت، وثلاثة أعبد ملكت، تكثير، تقليل وتكثير العدد القليل وعدد الكثير، ويكون مفرداً كتمييز المئة فما فوقها، تقول: كم عبد ملكت، كما تقول مئة عبد ملكت، ألف عبد ملكت، فهذه اسمها خبرية. ويجوز خفض تمييز كم الاستفهامية إذا دخل عليها حرف جر، يبقى إذاً الاستفهامية تمييزها منصوب، متى يجوز جره إذا دخل عليها حرف جر، تقول: بكم درهم اشتريت؟ كم درهم اشتريت؟ بكم جنيه؟ بكم دولار؟ بكم اشتريت هذا؟ بكم درهم، كم جنيه أو ما أشبه هذا، أي شيء نصب جره؟ بأي شيء جره؟ قال: الخفض بـ من مضمرة، إضافة، خلافاً للزجاج، فالزجاج يقول كم مضاف، ودرهم مضاف إليه، يقول لا، بكم من درهم، من المضمرة هي التي جرته مع أنهم لا يجرون بالمضمر، يقولون يضعف، ومع ذلك جاء هنا وخالفوا.

قال: الثالث من تمييز المفرد ما دل على مماثلة، قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109]، بمثله ايش؟ مدداً، وقولهم: إن لنا أمثالها إبلاً، فمدداً تمييز، وإبلاً تمييز. الرابع ما دل على مغايرة، مماثلة ومغايرة، هذا وهذا نحو: إن لنا غيرها إبلاً أو شاءً، والشاء جمع شاة، ويطلق على الأغنام يعني الضأن والمعز وما أشبه ذلك. وقد أشرت بقولي وأكثر وقوعه إلى أن تمييز المفرد لا يختص بالوقوع بعد المقادير، يقع بعد هذه الأشياء.

قال: ومفسر النسبة على قسمين، محول وغير محول، الكلام إن شاء الله لن يطول باذن الله، سأخذ يعني دقائق، فالمحول على ثلاثة أقسام، هذا المفسر الآتي مفسر للنسبة، هناك جملة قبله ويأتي يرفع شيئاً من الإبهام في هذه الجملة، أحياناً يكون محولاً عن شيء وأحياناً يكون غير محول.

قال: فالمحول على ثلاثة أقسام، محول عن الفاعل، نعم هو اشتعل الرأس شيباً، أصله اشتعل شيب الرأس، لكن كما قلت لك قبل ذلك هذا المثال تحديداً فرق شديد بين اشتعل الرأس شيباً واشتعل شيب الرأس، اشتعل شيب الرأس شيء فيه، لكن اشتعل الرأس شيباً، الرأس كله اشتعل وابيض، فجعل المضاف إليه فاعلاً، والمضاف تمييزاً، هذا انتهى الكلام.

ومحول عن المفعول نحو ﴿وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: 12]، أصله فجرنا عيون الأرض، فجرنا عيون، يعني هناك عيون في الأرض فُجرت، أما فجرنا الأرض كلها تفجرت وصارت عيوناً، ففرق بين هذا وهذا، ونحوه إن كان ليس من الباب ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: 19]، هذا المعنى ليس كمعنى فُتحت أبواب السماء، فُتحت أبواب السماء، أبواب فُتحت؛ لأن فتحت السماء فكانت أبواباً، يعني فُتحت السماء فكانت كلها أبواباً وكان الباب مختلفاً، لكن المعنى المراد مختلف.

قال: وفجرنا عل قال فعل فيه مثل ما ذكرنا، ومحول عن مضاف غيرهما، وذلك بعد أفعل التفضيل المخبر به عما هو مغاير للتمييز، بعد أفعل التفضيل، وذلك كقولك زيد أكثر منك.

أكثر منك مالا؛ فعلام؟ هو أصله علم زيد أكثر، وكقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ [الكهف: 34]. فإن كان الواقع بعد أفعل التفضيل هو عين المخبر عنه، وجب خفضه بالإضافة، تقول: مال زيد أكثر مال، إن كان أفعل التفضيل مضافاً إلى غيره فينصب، نحو: زيد أكثر الناس مالًا، لا يصح أكثر الناس مال؛ لأنه لا يكون هنا مضاف إليه بهذه الطريقة، أكثر الناس مالًا.

طبعًا لم يذكر غير المحوّل، كقوله: امتلأ الإناء ماء؛ لأنه ليس المعنى امتلا ماء الإناء، فهنا هذا ليس محوّلًا، الإناء نفسه امتلأ بالماء.

آخر شيء كلام على التوكيد يسير جدًا، قال: وقد يقع كل من الحال والتمييز مؤكدًا، غير مبين لا لهيئة ولا لذات. الحال يبين الهيئة، التمييز يبين الذات، يعني هناك شيء مبهم في الكلام، أحيانًا يأتي هذا مؤكدًا لما سبق الكلام فيه، وخلاف العلماء فيه إجمالًا، فليس هناك حاجة إلى البيان؛ لأجل هذا جاء في كتاب الله تعالى، فإما أن يكون للتوكيد، وهو مما تكلمت به العرب، والقرآن جاء بكلام العرب وبلسان عربي مبين، وإما يكون هناك معنى زائد، لكن يعرفه المتخصص والمتأمل، ولا يعدم المسلمون شيئًا أو من هؤلاء في كل عصر وتجدهم.

إذا قال: مثال ذلك في الحال: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: 25]، ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: 33]، ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا﴾ [النمل: 19]، كل هذا سبق؛ لماذا؟ لأن العثو فساد، ولأن التولي هو الإدبار، ولأن البعث هو الحياة، ولأن التبسم هو الضحك. بعضهم يخالف في كل هذا، ليس التبسم كالضحك، وليس التولية كالإدبار، وليس البعث كالحياة في كل حال، وهكذا. وقال الشاعر: وتضيء في وجه الزمان منيرة؛ تضيء منيرة، الإضاءة والإنارة.

مثال ذلك في التمييز، قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: 36]. لو قال: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر، لكان المعنى واضحًا؛ لأنه لا يقال عدة شهور اثنا عشر يومًا أو سنة، الله اثنا عشر شهرًا، قال هذا توكيد. ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142]؛ أيضًا هذا للتوكيد.

وقول أبي طالب: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية، هذا واضح، خير أديان البرية دينًا توكيد. ومنه قول الشاعر: والتغلبيون بئس الفحل فحلهم فحلا. منطقه رحمه الله يمنع أن يقال نعم الرجل رجلًا زيد، نعم الرجل زيد، أو زيد نعم الرجل، كما قيل في باب بئس في باب الفاعل، لكن هل يجوز أن يقال نعم الرجل رجلًا زيد؟ ويأتي هنا هكذا، يمنع من هذا. بعض يقول هذا من باب الحال، ليس من باب التمييز، قال وتأوّلوا (سيبويه وأتباعه) فحلًا في البيت على أنه حال مؤكدة، حال وليس تمييزًا. شهد على جواز المسألة كثيرة، فحل إلى التأويل، ودخول التمييز في باب نعم وبئس أكثر من دخول الحال، نعمة وبئس كما سبق يأتي بعدهما تمييز، لا يأتي بعدهما حال، ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]، سبق في باب الفاعل؛ بدَلًا تعرب حالًا أم تمييزًا؟ لا، تعرب تمييزًا. إذًا فحلا في هذا البيت تمييز. عند الله تبارك وتعالى، هذا وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.