تسجيل الدخول

الدرس 26

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد، فهذا هو الدرس السادس والعشرون من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.

وستكون الدروس القادمة بإذن الله تعالى مدة الدرس فيها ساعتين، حتى أنتهي في أربعة أيام؛ لأن هناك مشاغل بعدها عندي وفي القناة، فأحاول إن شاء الله تبارك وتعالى أن أجمل الكلام في هذه الدروس الأربعة فيما تبقى من الكتاب بإذن الله تعالى.

قال رحمه الله تعالى: والمستثنى بإلا من كلام تام موجب، نحو: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]. فإن فقد الإيجاب ترجح البدل في المتصل، نحو: «ما فعلوه إلا قليل منهم»، والنصب في المنقطع عند بني تميم، ووجب عند الحجازيين، نحو: ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: 157]، ما لم يتقدم فيهما فالنصب، نحو قوله: «وما لي إلا آل أحمد شيعة، وما لي إلا مذهب الحق مذهبه»، أو فقد التمام فعلى حسب العوامل، نحو: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: 50]، ويسمى مفرغًا.

قال في الشرح: من المنصوبات المستثنى في بعض أقسامه. سبق الحديث عن المنصوبات إجمالًا: المفعولات الخمسة، اسم كان، اسم إن وأخواتها، واسم لا نافية للجنس، خبر كان وأخواتها، خبر من الحجازية وأخواتها، خبر كاد وأخواتها، الحال، التمييز، والمستثنى في بعض أحواله، كذلك المضارع المسبوق بناصب، والتوابع. يتكلم على المستثنى مع أن المستثنى منه ما يكون بحسب العوامل، ومنه ما يكون على البدلية سواء كان رفعًا أو نصبًا أو جرًا، لماذا يذكره في المنصوبات؟ لأنه هو الأكثر أو لأنه هو الأصل عند تمام الشروط.

قال: المستثنى في بعض أقسامه؛ والحاصل أنه إذا كان الاستثناء بإلا وكانت مسبوقة بكلام تام موجب وجب من مجموع هذه الشروط الثلاثة نصب المستثنى. ما الشروط الثلاثة المذكورة؟ الشرط الأول أن يكون الاستثناء بإلا؛ والاستثناء هو إخراج ما لولاه أو الإخراج بإلا ما لولا هذا الإخراج لدخل في الكلام، تقول: جاء القوم، منهم محمد وأحمد وعلي وزيد إلى آخره، تقول: إلا زيدًا؛ لولا قولك إلا زيدًا لدخل زيد في القوم، هذا هو الاستثناء.

فهذا الاستثناء له أدوات، أداته الأولى هي إلا، بعد ذلك سيتكلم المصنف عن غير وسوى، وتكلم بعد ذلك عن خلا وعدا وحاشا، وعن ما خلا وما عدا، وبعضهم يزيد وما حاشا أيضًا، قل ما تأتي ما حاشا أحيانًا، وعن ليس ولا يكون، فهذه هي الأدوات، هي ثمانية. لو جعلت ما خلا غير خلا هذه ستزيد على عشرة، لكن هي واحد، لكن تزيد ما قبلها أو تحذف منها، ما خلا وما عدا، هذه أدوات الاستثناء، أولها إلا. الحديث عن إلا، فإذا كان الاستثناء بإلا هو الشرط الأول، وكان الكلام تامًا؛ ما معنى التمام؟ معنى التمام أن يكون المستثنى منه موجودًا في الكلام، ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: 1-3]؛ يستثنى منه الإنسان، والمراد به الاستغراق، يعني كل إنسان في خسر إلا هؤلاء، فهذا معنى كون الكلام تامًا أن يكون المستثنى منه موجودًا في الكلام.

الشرط الثالث أن يكون الكلام موجبًا؛ ما معنى كونه موجبًا؟ يعني ليس منفيًا ولا شبه منفي، ليس الكلام قبل إلا منفيًا ولا شبه منفي، يعني ليس فيه نفي ولا نهي ولا استفهام. فإذا كان الاستثناء بإلا وكان الكلام تامًا، المستثنى منه سيكون موجودًا، وكان الكلام موجبًا ليس نفيًا ولا شبه نفي، حينئذ قال: بمجموع هذه الشروط الثلاثة وجب نصب المستثنى، وهذه اللغة القويمة التي جاءت في كتاب الله تعالى، وإن كان بعضهم حكى شذوذًا لغة أخرى بالرفع أيضًا قد تخرج عليها بعض القراءات، لكن الشائع المعروف عند العلماء هو الوجوب بهذه الشروط.

قال: سواء كان الاستثناء متصلًا، نحو: قام القوم إلا زيدًا. هناك استثناء متصل واستثناء منقطع؛ الاستثناء المتصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: 3]، الذين آمنوا من جنس الإنسان، يعني من جنس الناس، الإنسان المراد به عموم الناس، جاء القوم إلا زيدًا؛ زيد من جنس الناس. هناك استثناء منقطع، الذي بعد إلا ليس من جنس ما قبلها، هذا شيء وهذا شيء آخر، هذا يسمى استثناء منقطعًا.

قال: سواء كان الاستثناء متصلًا، نحو: قام القوم إلا زيدًا، وقوله تعالى: ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 249]؛ شربوا هؤلاء الذين كانوا مع طالوت لما جاءهم النهر، شربوا منه، يعني شرب القوم جميعًا من النهر إلا قليلًا منه؛ فجاء هنا بالنصب، وأجمع القراء على النصب هاهنا. طيب الأسلوب؛ أولًا الاستثناء بإلا، والأسلوب تام، فشربوا منه هذا ليس نفيًا ولا نهيًا ولا استفهامًا، شربوا منه هذا إثبات، كلامه تام، الكلام موجب، وكذلك فشربوا واو الجماعة هذا كلام تام، المستثنى منه موجود وهو واو الجماعة، شرب هؤلاء القوم، شرب الجيش كله إلا قليلًا، فالقليل جزء من هؤلاء الجماعة الذين عُوض عنهم بواو الجماعة، فوجب النصب لأجل هذا. طيب هذا القليل من جنس المستثنى منه؟ نعم، هؤلاء القلة المؤمنون من جنس الناس الذين كانوا مع طالوت.

ومثله أيضًا في القصة نفسها: ﴿فَلَمَّا كَتَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]، استثناء بإلا والكلام تام، المستثنى منه موجود في الكلام وهو موجب، والكلام كذلك موجب، ليس نفيًا ولا نهيًا ولا استفهامًا. قال الله تبارك وتعالى أيضًا: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ * إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ [المدثر: 38-39]، أصحاب اليمين من النفوس، نفس من النفوس، كل نفس، والاستثناء بإلا والكلام قبلها موجب، كل نفس بما كسبت رهينة، ليس هناك نهي ولا نفي ولا استفهام، ومثله كثير جدًا، ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67]، المتقين مستثنى منصوب، علامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم؛ في كل هذه الشواهد وهناك شواهد كثيرة أخرى.

قال: أو منقطعًا، يعني حتى إذا كان الاستثناء منقطعًا كقولك: قام القوم إلا حمارًا؛ هكذا يعني يقولون، العرب قالت مثل هذا، كانوا يستثنون بعض الأشياء التي تكون ملاصقة للإنسان ملازمة له يستثنونها من الكلام، فغالبًا يأتي الإنسان في زمنهم على حمار، فيقول: جاء القوم إلا حمارًا، فكأنهم جاءوا بحُمُر، لا، كان هناك واحد مثلًا جاء على قدميه أو ما شبه ذلك، فكانوا يستثنون؛ هل الحمار من جنس القوم؟ لا، ليس من جنس القوم، القوم من بني آدم وهذا الحمار من جنس آخر، إذًا فهذا اسمه استثناء منقطع، قالوا أيضًا يجب فيه النصب؛ لماذا؟ لأن الاستثناء بإلا، ولأن الكلام تام، القوم موجود، له مستثنى منه باعتبار بهذا الاعتبار، والكلام موجب، فوجب النصب.

قال: ومنه في أحد القولين قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: 30-31]. هكذا في الموضع: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ [طه: 116]، ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ﴾ [البقرة: 34]، وكان في كل المواضع إلا إبليس بالنصب. طيب الاستثناء بإلا، والأداة إلا، والكلام تام، الملائكة هذا المستثنى منه، والكلام موجب، سجد الملائكة كلهم أجمعون، ليس هناك نهي ولا نفي ولا استفهام، إذًا هنا وجب النصب. طيب، هل الاستثناء تام؟ هل الاستثناء هنا متصل أم منقطع؟ هنا دب الخلاف بين العلماء، لأجل هذا قال المصنف في أحد القولين، فبعض العلماء، ويعزى إلى الجمهور، يقول: إن إبليس كان من الملائكة، واستدلوا على ذلك بعدة أدلة، منها أنه دخل في الكلام: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: 28-31]؛ فدخل في عموم الخطاب، وقال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]، وفي الآية الأخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]، والآية الأولى: ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]، والأمر كان للملائكة؛ فهم يستدلون بهذا أقوى دليل لهم على أنه من الملائكة.

وبعضهم يستدل بأدلة أخرى، منها أن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: 29]، ومن يقل منهم، أي من الملائكة، ولم يقل منهم أحد ذلك، إنما قاله إبليس؛ هو الذي جعل نفسه إلهًا وعبد من دون الله تبارك وتعالى، ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [يس: 60-61]، فيستدلون أيضًا بهذا، ويستدلون بقول الله تبارك وتعالى للملائكة: ﴿أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 33]، ما تبدون القول الذي قلتموه لما قلت: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: 30]، قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30] إلى آخره، هذا الذي أبداه، وما كنتم تكتمون، هذا الذي كتم إبليس من أنه لن يسجد لآدم، هذه أهم استدلالاتهم في هذا. طبعًا وغيرهم من العلماء يجيبون على هذا، يجيبون على كل هذا، يقولون: الاستثناء فيه منقطع، استدللتم بسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس، نقول: الاستثناء في هذه الآيات وفي كل الآيات منقطع. وبعضهم يقول: حتى ولو كان الاستثناء هكذا لأنه واحد في جملة ملائكة كثيرين فدخل تبعا لهم، فهو ليس منهم، على كل يجبون على الاستثناء بأنه منقطع.

ويقولون: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذَٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 29]، يقولون: هذا حكم معلق على شرط، وهذا لا يستلزم الوقوع، لا يستلزم الوقوع، لا يلزم أن يقول أحد منهم إني إله من دونه ولا يلزم أن يدخل أحد منهم النار؛ هذا حكم معلق على شرط، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها، لم تسرق ولم تقطع يدها. ﴿قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ﴾ [الزخرف: 81]، ليس له ولد، فلا فلم يعبد غيره، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، لم يشرك ولم يحبط عمله، وهذا كثير جدًا، يعني سأل النبي: من يأتي منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين، لم تأت واحدة منهن بفاحشة ولم يضاعف العذاب لواحدة منهن، فكذلك من يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم؛ هذا هو الحكم، من قال دخل جهنم، لم يقل أحد، هذا هو الجواب عن الثاني.

وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون، ذكروا أشياء في التفاسير أنهم قالوا يعني لن يخلق الله تبارك وتعالى خلقًا هم أكرم عليه منا، أو ما أشبه ذلك بعض الأشياء، فخرجوا من كل هذا، واستدلوا بدليل آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلقت الملائكة من نور، وخلق الجن من مارج من نار»، فالملائكة من نور والجن من نار، فانفصل هذا الأصل عن هذا الأصل، هؤلاء خلقوا من شيء وهذا خلق من شيء، واستدلوا طبعًا بالآية التي هي أشهر ما يذكر في هذا، في آية الكهف، قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50]، كان من الجن ففسق عن أمر ربه. هذا يعني استطراد يعني كان لا بد منه لأجل توضيح كلام المصنف في أحد القولين، ولأجل توضيح المسألة، فمن قال بقول من القولين فلا يُثرب عليه، وعنده أدلة، والإمام الطبري على جلالته يرى أن إبليس كان من الملائكة، هذا يعني لا يقال هذا، كيف يقال هذا وهذا مخالف للأدلة؟ نعم هو يعلم الأدلة ويعلم هذه الآية، بل شنع على من استدل بهذه الأدلة التي ذكرتها له. المهم مثل هذه الأقوال تعرفها وتعرف مآخذ العلماء ومتاجرهم، يعني يصقل عقلك، وتستطيع أن تلتمس أعذارًا لمن خالفك.

قال: فلو كانت المسألة بحالها ولكن الكلام السابق غير موجب -عندي في النسخة ولكن الكلام السابق موجب، هذا خطأ- لا، يكون هكذا؛ لو كانت المسألة بحالها هناك ثلاثة شروط في الأول، لو كانت المسألة بحالها، يعني إذا كان الاستثناء بإلا، وكان الكلام قبل ذلك تامًا، ولكنه غير موجب؛ فإذا من عنده في النسخة ولكن الكلام السابق موجب كما في النسخة، لا، لا هذا خطأ، ولكن الكلام السابق غير موجب، فلا يخلو أما أن يكون الاستثناء متصلًا أو منقطعًا.

إذًا الاستثناء بإلا، والكلام قبلها تام، المستثنى منه موجود لكنه غير موجب، هناك نفي أو نهي أو استفهام، حينئذ يجوز وجهان، أو حينئذ ستفصل، يصل هذه إلى حالتين: أولًا إما أن يكون الاستثناء متصلًا، وإما أن يكون منقطعًا، فإن كان الاستثناء متصلًا يعني كان المستثنى من جنس المستثنى منه، جاز في المستثنى وجهان؛ أحدهما أن يجعل تابعًا للمستثنى منه على أنه بدل منه، بدل بعض من كل عند البصريين، أو عطف نسق عند الكوفيين، هذا جائز وهذا جائز، يعني بين البصريين والكوفيين، ما كيف يعرب؟ كيف يعرب هذا؟ أقول مثلًا: ما قام القوم إلا زيد، أو إلا زيدًا؛ الأول على الأول، إلا زيد، طبعًا إن شاء الله سأذكر الآيات لأن المصنف ذكر الآيات ماذا مثالًا للتقيد، قام القوم ما قام القوم إلا زيد، وإلا زيدًا، على الأول إلا زيد هذا هو الرفع، هذا هو الاتباع الذي يذكره المصنف، ما قام القوم، قام فعل، والقوم فاعل، والاستثناء بإلا والقوم موجودون هذا أسلوب تام، والاستثناء بإلا لكنه غير موجب، ما قام القوم، هنا منفي.

يقول: ان ينصب على أصل الباب وهو عربي جيد، والاتباع أجود منه. أي: أن الأول أجود، أن ينصب على أصل الباب، والأصل في الاستثناء النصب، يبقى إذا تقول: قام القوم إلا زيداً، هذا أجود، وإلا زيدٍ هذا جيد، لكنه دون الأفصح.

قال: ونعني بغير الإيجاب النفي والنهي والاستفهام. مثال النفي قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ [النساء: 66]. أصل الكلام قبلها: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾. الاستثناء بإلا: ما فعلوه، وفعلوه هذه الواو واو الجماعة هي الذي استثنى منه. يبقى إذا الاستثناء بإلا والكلام تام، هذا الكلام موجب لا غير موجب، ما فعلوه هنا نفي، إذا نقول: إلا قليل منهم أم إلا قليلاً منهم؟ قرأ الجمهور: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾، وقرأ ابن عامر: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ﴾. إلا قليل وإلا قليلاً، فقليل بدل أو عطف نسق، وقليلاً مستثنى. قرأ السبعة، العشرة، قارئاً، إلا ابن عامر بالرفع على الإبدال من الواو في ما فعلوه، وقرأ ابن عامر وحده بالنصب على الاستثناء.

ومثال النهي قوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾. هذه الآية فيها خلاف طويل بين العلماء، وهو مبني على اختلاف القراءتين، فبعضهم قرأ: ﴿إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ كما في قراءتنا في رواية حفص عن عاصم التي نقرأ بها، وقرأ آخرون: ﴿إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ بالرفع، قال: قرأ أبو عمرو وابن كثير بالرفع على الإبدال من أحد، يعني: ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك. في الآية من أولها قالوا: ﴿يَا لُوطُ إِنَّ رُسُلَ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾ على قراءتهم. يبقى إذا ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾.

وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء، طب ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾، هو قبل قليل قال: الاتباع أجود، فكيف تأتي قراءة الجمهور على غير الأجود؟ هذا هو الذي سيتكلم فيه، قال: وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء، وفيه وجهان، أحدهما: أن يكون مستثنى من أحد، يعني ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك، وجاءت قراءة الأكثر على الوجه المرجوح، لماذا؟ لأن مرجع القراءة الرواية، رواية للرأي، فالقراءة سنة متبعة، حتى وإن خلفت ما جعله العلماء قواعد بعد ذلك، فإنما تؤخذ منها القواعد، لا تحاكم هي إلى القواعد.

بعضهم قال: لا، ليس من هذا الباب أصلاً، إلا امرأتك لو رجعت إلى أول الآية عرفت، قالوا يا لوط: ﴿إِنَّ رُسُلَ رَبِّكَ لَن يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتُكَ﴾، هذا واجب وهذا واجب، يعني يجب أن تقول: إلا امرأتك. والثاني: أن يكون مستثنى من أهلك، ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ يعني إلا امرأتك، فعلى هذا يكون النصب واجباً. ومثال الاستفهام قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾. قال وقرأ الجميع بالرفع على الإبدال من الضمير في يقنط، ولو قرئ إلا الضالين بالنصب على الاستثناء لجاز، ولكن القراءة سنة متبعة. يعني على قول المصنف وعلى استدلال العلماء بمثل هذا، هو يقول: ومن يقنط هو، من يقنط هو، فهناك ضمير مستتر هنا في يقنط، ما يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، فالضالون بدل. لكن على ما سبق بيانه قبل ذلك في هذا الاستثناء المفرغ، الضالون هو الفاعل، ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، يعني لا يقنط إلا الضالون، كأنه قال يقنط الضالون. هذا أقرب إلى الاستثناء المفرغ الذي سيأتي بعد ذلك، ولكن على ما ذهب إليه المصنف يقول: الضالون بدل من الضمير المستتر في يقنط. ولو قرئ الضالين على أنه مستثنى لجاز ولكن لم يقرأ به، ولكن تبقى هذه الآية محل نزاع، وكأنها والله أعلم في الأقرب تكون من الاستثناء المفرغ.

قال: وإن كان الاستثناء منقطعاً، يعني المستثنى ليس من جنس المستثنى منه، فأهل الحجاز يوجبون النصب في هذا المنقطع، فيقولون: ما فيها أحد إلا حماراً. وبلغتهم جاء التنزيل، قال الله تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعُ الظَّنِّ﴾. اتباع الظن هل هو جزء من العلم؟ لا، ليس جزءاً من، ليس من جنس العلم، فهذا الظن الذي يتبعونه ليس من العلم في شيء. ﴿أَمْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۞ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ۞ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾، يعني جعل العلم في مقابل الظن، فليس هو من جنس العلم، فجاءت الآية هكذا وقرأ بها الجميع: ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعُ الظَّنِّ﴾، يعني ما لهم به علم، فعلم هنا في موضع الرفع على أنها مبتدأ، فقال: إلا اتباع الظن.

قال: وبنو تميم يجيزون النصب والابدال في مثل هذا، حتى وإن كان الاستثناء منقطعاً، يجيزون النصب والإبدال، يعني على قولهم يقولون: ما فيها أحد إلا حمار، في مثل هذا، ويقرأون إلا اتباع الظن. طبعاً بنو تميم لا يستطيعون أن يقرأوا بغير ما أنزل الله أو بغير ما جاءت به القراءة، إنما كأنه يقول: يعني يقرأون لو قرأوا على سليقتهم بغير لو قيل اقرأوا هذا الكلام على سليقتكم لقرأوه هكذا، هذا يعني تخريج لايه كلام المصنف، وإلا فمثل هذا لا يقال إنهم يقرأون القرآن على غير ما أنزله الله، بالرفع على أنه بدل من العلم باعتبار الموضع. إلا اتباع الظن، طب العلم مجرور أم مرفوع؟ ﴿مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾، نعم هو مجرور لفظاً لكنه مرفوع محلاً كما سبق، يعني ما لهم به علم، في الإعراب علم هذه مبتدأ، أو وبعضهم يقول هي فاعل للجار والمجرور الذي اعتمد على نفي، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى في درس قريب، لكن ستأتي إليه فيه إشارة فقط لأن المصنف لم يتكلم عليه، يعني ستأتي إشارة فيما يعمل عمل الفعل فمنه الجار والمجرور إذا اعتمد على نفي أو استفهام، لكن لم يذكره المصنف أصلاً.

قال: ولا يجوز أن يقرأ بالخفض على الإبدال منه باعتبار اللفظ، يبقى إذا بالرفع على أنه بدل من العلم باعتبار الموضع فموضعه الابتداء، ولا يجوز أن يقرأ بالخفض على الإبدال منه باعتبار اللفظ، لماذا؟ قال: لأن الخافض، يعني الجار، له من الزائدة، واتباع الظن معرفة موجبة، ومن التي تسمونها زائدة، من زائدة لا تعمل إلا في النكرات المنفية أو المستفهم عنها، وقد اجتمع في قوله تعالى: ﴿مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾، يعني ما ترى في خلق الرحمن تفاوتاً، ترجع البصر هل ترى فطوراً، من هذه تعمل في النكرة، واتباع نكرة أضيف إلى الظن محلى بأل، فهو معرفة، فمن هذه إنما تعمل، طيب من تعمل في النكرة المنفية أو المستفهم عنها، هل من فطور؟ طب اتباع الظن معرفة موجبة، فحينئذ من هذين الوجهين معاً بل أحدهما كاف، يعني يكفي باجتماع مانعان من إعمال من في اتباع، لا يقال ما به من علم إلا اتباع، أما إن يقال اتباع الظن، وهذا هو الواجب.

قال: وإذا تقدم المستثنى على المستثنى منه وجب نصبه مطلقاً، لأنه عندما تأخر كانوا يعربونه بدلاً، والبدل لا يتقدم على المبدل منه، بعضهم كانوا يعربونه عطف نسق، والمعطوف لا يتقدم على حرف العطف، وهكذا، حينئذ قالوا ننصبه على الاستثناء، أي سواء كان الاستثناء منقطعاً نحو: ما فيها إلا حماراً أحد، أو متصلاً: ما قام إلا زيداً القوم. يعني ما فيها إلا، وما بعدها، ما فيها إلا حماراً بالنصب، ما قام إلا زيداً القوم، تقدم إلا وتقدم المستثنى على المستثنى منه. قال الكميت: الكميت بن زيد الأسدي، شاعر معروف كان يمدح آل البيت كثيراً رضي الله عنه، قال: وما لي إلا آل أحمد شيعة، وما لي إلا مذهب الحق مذهب، لم يقل ما لي شيعة إلا آل أحمد، إنما قال ما لي إلا آل أحمد شيعة، وما لي إلا مذهب الحق مذهب، لم يقل ما لي مذهب إلا مذهب الحق، لما قال ما لي إلا مذهب الحق مذهب، فقدم، قدم المستثنى على المستثنى منه.

قال: وإنما امتنع الاتباع في ذلك لأن التابع لا يتقدم على المتبوع. وإن كان الكلام السابق على إلا غير تام، كان غير تام ونعني به ألا يكون المستثنى منه مذكوراً، يعني إذا كان المستثنى منه غير مذكور في الكلام، فإن الاسم المذكور الواقع بعد إلا يعطى ما يستحقه لو لم توجد إلا، يعني كأنك ستحذف إلا من الكلام، وستعرب، فيقال ما قام إلا زيد، بالرفع، كأنك تقول قام زيد، أو كما قال المصنف، كما يقال ما قام زيد، ما رأيت إلا زيداً، بالنصب، كما يقال ما رأيت زيداً، والأصح أن يقال كما يقال رأيت زيداً، فتحذف ما مع إلا، وما مررت إلا بزيد، بالجر، كما يقال ما مررت بزيد، أصح أن يقال مررت بزيد. في المعنى يقال مررت بزيد، أصح من أن يقال ما مررت بزيد، لأنه ما مررت إلا بزيد، معنى ذلك أنك مررت بزيد وحده. ويصح يظهر هذا في قول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، هنا لا بد أن تقول محمد رسول في التأويل، فالمعنى يأبى أن تأتي بحرف النفي، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾، هذه الآية ذكرها في المتن، يعني أمرنا واحدة، ﴿وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ﴾، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ يعني يضل هو سبحانه وتعالى الفاسقين، ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾، يعني نرسل بالآيات تخويفاً، لأجل التخويف أو مخوفين، على الحال، والأول أظهر.

قال: يسمى استثناءً مفرغاً، هذا اسمه استثناء مفرغ، لأن ما قبل إلا قد تفرغ لطلب ما بعدها، ولم يشتغل عنه بالعمل فيما يقتضيه. لماذا سمي استثناءً مفرغاً؟ لأن الفعل الذي، أو الشيء الذي قبل إلا، العامل الذي قبل إلا، تفرغ للعمل فيما بعدها، وما محمد إلا رسول، الذي قبل إلا هو محمد، هذا مبتدأ تفرغ في العمل بالخبر، فقال محمد رسول. وما يكفر بها إلا الفاسقون، يكفر هذا قبل إلا، هو الذي رفع الفاسقين فقيل وما يكفر بها إلا الفاسقون، فتفرغ ما قبل إلا لعمل ما بعدها، ثم استثناءً مفرغاً.

قال: والاستثناء في ذلك كله من اسم عام محذوف، فتقدير ما قام إلا زيد، ما قام أحد إلا زيد، وكذا الباقي، هذا مر قريباً ومر قبل ذلك في الفاعل، والأقرب والله أعلم أن الكلام ما قام إلا زيد، هذا قام زيد، قام فعل وزيد فاعل، وسبق كلامه في هذا في الفاعل، وأن أقرب وأقوى ما يدل عليه قراءة أبي جعفر عليه رحمه الله، قرأت من العشرة، إن كانت إلا صيحة واحدة، في موضعين في سورة ياسين، كانت إلا صيحة، يعني ما حدثت إلا صيحة واحدة، فهذا فاعل وهو المرفوع، مرفوع على أنه فاعل بعد ما كان.

قال: يستثنى بغير وسوى وخافضين معربين بإعراب اسم الذي بعد إلا، وبخلا وعدا وحاشا نواصب أو خوافض، وبما خلا وبما عدا، وليس ولا يكون، نواصب. هذه بقية الأدوات التي يستثنى بها، يقال هنا الأدوات، لأن بعضها أسماء وبعضها أفعال وبعضها حروف، هذه أدوات. قال: الأدوات التي يستثنى بها غير إلا ثلاثة أقسام، ما يخفض دائماً، غير وسوى، هذان، هاتان الأداتان أو هذان الاسمان يجران دائماً، وما ينصب دائماً، ليس ولا يكون، وكذلك ما خلا وما عدا، بعضهم ينصب وجوباً، بعضهم يقول يجوز أيضاً، تكون حرف جر، وما يخفض تارة وينصب تارة، خلا وعدا وحاشا، هذه هي القسمة الثلاث.

قال: فأما الذي يخفض دائماً فغير وسوى، أو غير وسوى، تقول: قام القوم غير زيد. ما الذي يحصل هنا؟ تأتي بكلمة غير وتعربها إعراب الاسم الذي بعد إلا، هي لا يقال هي المستثنى، إنما هي تعرب إعراب المستثنى، لكن في الحكم المستثنى هو الذي بعدها، نقول قام القوم غير زيد، وجوباً، كما كنت تقول قام القوم إلا زيداً، طبعاً إلا على لغة الشذوذ التي ذكرها بعضهم. قام القوم سوى زيد، سوى لن يظهر فيها شيء، لكن في الإعراب تقول هذا مستثنى أو يأخذ حكم المستثنى، هو منصوب أم في موضع الاتباع مرفوع، يعني لا، هو منصوب وجوباً بخفض زيد فيهما، هذا هو المستثنى منه يكون مجروراً، يبقى إذاً الذي بعد غير والذي بعد سوى يكون مضافاً إليه، أما غير وسوى فيعربان إعراب الاسم الذي بعد إلا، إعراب الاسم الذي بعد إلا.

وتعرب غير نفسها بما يستحق الاسم الواقع بعد إلا في ذلك الكلام، فتقول قام القوم غير زيد بنصب غير كما تقول قام القوم إلا زيداً، بنصب زيد، وتقول ما قام القوم غير زيد وغير زيد، بالنصب والرفع كما تقول ما قام القوم إلا زيداً وإلا زيد، وتقول ما قام القوم غير.

هذا في الاستثناء المنقطع بالنصب عند الحجازيين، وبالنصب والرفع «غيرُ» و«غيرَ» عند التميميين، وعلى ذلك فقس. معنى ذلك أنك تقول: ما قام غيرُ زيدٍ في الاستثناء المفرغ، ما قام غيرُ زيدٍ، ما رأيت غيرَ زيدٍ، ما مررت بغيرِ زيدٍ، وهكذا. فكذلك في الاستثناء المفرغ تأخذ هي حكماً، فيعمل فيها ما قبلها. ما قام غيرُ زيدٍ فاعل، ما رأيت غيرَ زيدٍ مفعول، ما مررت بغيرِ زيدٍ هذا معمول للحرف. فإذا ضُبط هذا الباب يكون بضبط المستثنى بـ «إلا» أو الاستثناء في حالات «إلا»؛ بعد ذلك ستعرف الكلام في «غير» و«سوى».

قال: وهكذا حكم «سوى» خلافاً لسيبويه؛ فإنه زعم أنها واجبة النصب على الظرفية دائماً، يقول سيبويه: «سوى» هي ظرف دائماً. لكن الصحيح أنها تعرب هذا الإعراب، وعلى كل حال هي لن يظهر فيها شيء، لن نعرف هي منصوبة أم في محل نصب أم في محل رفع؛ لأنها تكون في المحل دائماً.

قال: الثاني ما يُنصب فقط، وهو أربعة: «ليس»، و«لا يكون»، و«ما خلا»، و«ما عدا». هذا الذي بعدها يكون منصوباً. أقول: قام القوم ليس زيداً، نقول: قاموا ليس زيداً، ولا يكون زيداً، وما خلا زيداً، وما عدا زيداً. قاموا ليس زيداً؛ يعني ليس كأنك قلت: ليس القائمُ زيداً، لا يكون القائمُ زيداً، ما خلا القيام أو القائمُ زيداً؛ هنا خلاف بين العلماء، ما عدا هو أي القيام أو القائمُ زيداً، هذا هو المعروف.

طيب، «ليس زيداً»، «زيداً» ما إعرابها؟ هذا أسلوب استثناء، لكن في الإعراب «زيداً» لا تعرب مستثنى، بل تعرب خبراً لـ «ليس» على أصل الباب كما سبق في باب «كان» وأخواتها. ولا يكون زيداً أيضاً؛ «زيداً» خبر لـ «يكون» على ما سبق في «كان» وأخواتها. «خلا زيداً»، «زيداً» مفعول به، «ما عدا زيداً» أيضاً «زيداً» مفعول به، لكن المعنى هو الاستثناء.

قال: وفي الحديث، طبعاً جاءها ليس في الحديث المذكور، وفي الحديث: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه، فقل: ليس السن والظفر»؛ أي ليس ذلك المذكور السن والظفر، يعني كل ما ذبحت به ذبيحةً فإنه دمها بعد ذكرك اسم الله تبارك وتعالى عليه فكلوه، لكن يشترط أو يستثنى من الآلة التي تذبح بها أن تكون سناً أو ظفراً. يعني لو كان هناك سن غليظ شيء كبير لأي حيوان مثلاً، ودببه وحدده وصنع كأنه سكين مثلاً ذبح به رأس أي شيء، هذا لا يصح. كذلك الظفر؛ لهذا قد يحصل بعضهم يصطاد حمامة وهي فيها الروح، فيفعل هكذا بظفره فيقطع رأسها أو ما أشبه ذلك، هذا منهي عنه.

قال: وقال لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطله»، هذا أسلوب استثناء، واسم الجلالة هنا منصوب، يقول: منصوب على التعظيم، يعني على المفعولية، يعني ذا مفعول. هذا أسلوب استثناء؛ كل شيء باطل إلا الله. قال: «وكل نعيم لا محالة زائل». النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر هذا البيت قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطله». وهنا انتهى الحديث، لم يذكر الشطر الثاني لأن الشطر الثاني عليه اعتراض؛ لأن نعيم الجنة لا يفنى. ولو قيل: إنما قصد نعيم الدنيا، لكن نقول الحديث لا نزيد على الحديث، ذكر في الشطر الأول.

قال: وانتصابه بعد «ليس» و«لا يكون» على أنه خبرهما، واسمهما مستتر فيهما أي وجوباً. وانتصابه بعد «ما خلا» و«ما عدا» على أنه مفعولهما، والفاعل مستتر فيهما، ويستر هنا أيضاً، يقولون استتر هنا وجوباً معنى تقديره هو.

الثالث هذا آخر شيء في الاستثناء، قال: ما يخفض تارة وينصب أخرى، وهو ثلاثة: «خلا»، و«عدا»، و«حاشا». وذلك لأنها تكون حروف جر وأفعالاً ماضية؛ فإن قدرتها حروفاً خفضت بها المستثنى، وإن قدرتها أفعالاً نصبته بها على المفعولية، وقدرت الفاعل مضمراً فيها. فتقول: جاء القوم خلا زيدٍ وخلا زيداً. «خلا زيدٍ»؛ خلا حرف جر وزيد مجرور به. «خلا زيداً»؛ خلا فعل ماضي والفاعل مستتر وجوباً تقديره هو، وزيداً مفعول به. وكذا تقول: عدا زيدٍ وعدا زيداً، وحاشا زيدٍ وحاشا زيداً.

بعد ذلك قال: تكلم عن المخفوضات عن المجرورات. قال: باب يخفض الاسم إما بحرف مشترك وهو: من، وإلى، وعن، وعلى، وفي، واللام، والباء للقسم وغيره. أو مختص بالظاهر وهو: رب، ومذ، ومنذ، والكاف، وحتى، وواو القسم، وتاء القسم.

بعد انتهاء الكلام عن المرفوعات؛ الفاعل ونائبه، والمبتدأ وخبره، واسم «كان» وأخواتها، واسم «كاد» وأخواتها، واسم «الحجازية» وأخواتها، وخبر «إن» وأخواتها، وخبر «لا» النافية للجنس، والمضارع الذي لم يسبقه ناصب ولا جازم، والتابع المرفوع، بعد أن تكلم عن المرفوعات، تكلم في المنصوبات التي ذكرتها قبل قليل، بعد ذلك سيتكلم عن المجرورات المخفوضات، بعد ذلك سيذكر التوابع وما يعمل عمل الفعل. المجرورات عموماً في العربية أربعة أقسام: هناك مجرور بالحرف من حروف الجر الذي تتكلم عليه الآن، هناك مجرور بالإضافة، وهناك مجرور بالتبعية، وهناك مجرور بالمجاورة. أما الجر بالمجاورة فهذا لم يتكلم عليه أصلاً؛ إما لأنه شاذ أو لأنه نادر، شاذ يعني لا يقاس عليه، أو نادر قليل أيضاً لا يقاس عليه. الجر بالتبعية سيأتي في التوابع: العطف، والنعت، والتوكيد، والبدل؛ إذا كان المتبوع مجروراً كان التابع مجروراً. فبقي الكلام عن الجر بالحرف وعن الجر بالإضافة، أتكلم عن الجر بالحرف.

ذكر أحرف الجر، لكن لم يذكرها جميعاً؛ الإمام ابن مالك عليه رحمة الله قال: «حروف الجر وهي: من، إلى، حتى، خلا، حاشا، عدا، في، عن، على، مذ، رب، اللام، كي، واو، وتاء، والكاف، والباء، ولعل، ومتى». هذه أحرف الجر عدها عشرين حرفاً. هنا المصنف ذكر ثلاثة عشر حرفاً. قال: لما قضى الكلام على ذكر المرفوعات والمنصوبات، شرعت في ذكر المجرورات، وقسمت المجرورات إلى قسمين: مجرور بالحرف ومجرور بالإضافة، وبدأت بالمجرور بالحرف لأنه الأصل.

هذا الكلام عن المجرور بالحرف. قال: والحروف الجارة عشرون حرفاً التي سبقت في البيتين السابقين، أسقطت منها سبعة؛ لماذا لم يذكر السبعة في المقدمة؟ قال: وهي «خلا»، و«عدا»، و«حاشا»، و«لعل»، و«متى»، و«كي»، و«لولا». وإنما أسقطت منها الثلاثة الأول وهي «خلا» و«عدا» و«حاشا»؛ لأني ذكرتها في الاستثناء فاستغنيت بذلك عن إعادتها، سبقت قبل قليل من دقائق ومن صفحتين عند المصنف؛ سبقت في الاستثناء «خلا» و«عدا» و«حاشا»، تعرب أفعالاً ماضية فيأتي ما بعدها مفعولاً به منصوباً، وتعرب حروف جر فيأتي ما بعدها مجروراً بها. هذه لم يذكرها.

إذاً بقي عليها أربعة؛ قال: وإنما أسقطت الأربعة الباقية لشذوذها. وذلك لأن «لعل» لا يجر بها إلا عقيل؛ هذه قبيلة عربية تجر بـ «لعل». طيب، الأصل في «لعل» تكون ناصبة: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]، فالاسم لـ «لعل» يكون منصوباً لأنها من أخوات «إن»، «إن»، «أن»، «كان»، «لكن»، «ليت»، «لعل»؛ فيأتي بعدها الاسم. لكن شاعر عقيل ماذا قال؟ قال شاعرهم: «لعل الله فضلكم علينا»، وهنا ليس ضرورة، لو قال: «لعل الله فضلكم علينا»، لم ينكسر وزن ولم تنخرم قافية، فهذا على صاحب ضرورة هذا ليس ضرورة؛ قال: «لعل الله فضلكم علينا بشيء إن أمكم شُريمة». طبعاً هذا ذم بما يشبه المدح سبق له نظائر. فقال: «لعل الله»، لعل حرف جر واسم الله مجرور بهذا الحرف، وهذه لغة قليلة جداً.

قال: و«متى» لا يجر بها إلا هذيل، هذه أيضاً قبيلة عربية، جاء من لغتهم أن «متى» تجر، لكن الشواهد كلها تأتي لا تجر. قال الله تعالى: ﴿يَقُولُ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 214]. «متى نصر الله»؟ نصرُ الله؛ نصر مبتدأ، ولفظ الجلالة مضاف إليه، و«متى» أصلاً ظرف للزمان، فهي في موقع الخبر متعلقة بالخبر كما سبق ذلك قبل، فهي ظرف لا تجر ما بعدها. هذيل يجرون بها، قال شاعرهم يصف السحاب: «شربنا بماء البحر، شرب السحاب بماء البحر»، هذا لا إشكال فيه، «بماء البحر»؛ باء حرف الجر لا إشكال فيه، «ثم ترفعت متى لُجَج»، «متى لجج» يعني من لجج، ترفعت من لجج، من معظم الماء ووسط البحر، «متى لجج خضر لهن نيج صوت»، فقال: «متى لجج» يعني من لجج، هذا قليل.

قال: و«كي»؛ لا يجر بها إلا «ما» الاستفهامية، وذلك في قولهم في السؤال عن العلة الشيء: «كيمَه» بمعنى لِمَ، وهذا أيضاً قليل؛ لأنه هو في نفسه قليل. والأكثر أن يقال: «لِمَه»؛ ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2]. فأصل «كيمَه» كي، ثم الاستفهامية، ثم هاء السكت، و«ما» الاستفهامية إذا دخلت على حرف من هذه الأحرف تحذف منها الألف، فينظر الإنسان: ﴿مِمَّ خُلِقَ﴾، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾، ﴿بِمَا يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾، كل هذه حروف دخلت على «ما» فحذفت منها الألف، فإذا «كيما»، «لِمَا» حذفت الألف جيء بها هاء السكت، فقيل: «كيمَه» بمعنى لِمَ، تقول: أنا فعلت هذا، قال لك: لِمَه؟ هذا أيضاً قليل جداً ونادر.

قال: و«لولا»؛ هذا هو الرابع، لماذا حذفوه؟ قال: و«لولا» لا يجر بها إلا الضمير في قولهم: «لولاك»، «لولاك»، و«لولاك»، وهو نادر أيضاً. إذاً كله من الندرة بمكان، والمعروف أن يقال: لولا أنا، لولا أنت، لولا هو؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: «ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار»؛ يعني أبا طالب، «أو لولا الله ما اهتدينا»، لا يقول: لولا إلى الله؛ فلولا لا تجر ما بعدها، يكون مبتدأ؛ سبق في مباحث المبتدأ والخبر. طيب، إذاً «لولاك» و«لولاك» بعض العلماء يقول: الضمير هنا في محل رفع، كيف يأتي بضمير نصب وجر في محل رفع؟ قال: من باب النيابة، نب ضمير الرفع والنصب ضمير النصب والجر عن ضمير الرفع، هذا قول. القول الثاني: أن هذا الأسلوب ليس مستعملاً أصلاً «لولاك»، إنما قال: «لولا أنا»، «لولا أنتم لكنا مؤمنين»، هكذا. الثالث: هو الذي يذهب إليه المصنف، أن هذا أسلوب عربي موجود ولكنه نادر، «لولا» حرف جر، وهذا الضمير الذي هو الياء والهاء والكاف، الذي لا يأتي إلا في محل نصب أو جر كما سبق في الضمائر، هو هنا في محل جر بهذا الحرف، لكن هذا نادر. قال الشاعر: «أُوتيتِ بعينيها من الهودجِ لولاكِ في ذا العام لم أُحْدَجْكِ»، «لولاك» يعني لولا أنتِ، لم، فقال لولاكِ، وتقصد لولا أنتِ، لكن بهذا الضمير على أنه مجرور.

قال: وأنكر المبرد استعماله هذا، قال: وهذا البيت ونحوه حجة لسيبويه عليه، أنهم يقولون يجوز أن يقال «لولاك»، لكن هو نادر؛ إذاً فبعضهم يقول «لولاك»، «لولا» حرف جر والضمير مجرور. بعضهم يقول: لا، هذا الضمير المجرور جيء به نيابة عن الضمير المرفوع؛ فالياء ياء المتكلم، وكاف الخطاب، وهاء الغيبة في محل رفع؛ هذا غريب. والقول الثالث: أن هذا الاستعمال غير موجود، لكن قالوا: من حَفِظَ حجة على من لم يَحفَظ. قال: والأكثر في العربية «لولا أنا»، و«لولا أنت»، و«لولا هو»، ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، ﴿قُلْنَا اسْتَضْعَفُوا الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾.

قال: وتنقسم الحروف المذكورة إلى ما وُضع على حرف واحد؛ هذه الأحرف تنقسم عدة تقسيمات من ناحية ما وُضع على حرف، أو حرفين، أو ثلاث، أو أربعة، هذا الذي يذكره الآن. قال: ما وُضع على حرف واحد وهو خمسة: الباء، واللام، والكاف، والواو، والتاء. وما وُضع على حرفين وهو أربعة: من، وعن، وفي، ومذ. وما وُضع على ثلاثة أحرف وهو ثلاثة: إلى، وعلى، ومنذ. وما وُضع على أربعة وهو «حتى» خاصة. يقول قائل: حتى ثلاثة أحرف؟ لا، الحرف المشدد عبارة عن حرفين.

وتنقسم من جهة أخرى، سيذكر جهة أخرى لانقسام هذه الأحرف؛ فمنها ما يجر الزمان وحده «منذ» و«منذ»، منها ما يجر النكرات فقط «رُبَّ»، منها ما يجر اسم الله تعالى أو الرحمن أو رب الكعبة أو ياء المتكلم عند بعضهم وهو «التاء»، منها ما يجر كل ظاهر وهو «الواو»، و«حتى»، و«الكاف»، ومنها ما يجر الظاهر والمضمر وهو الباقي، وهو باقي ما ذكره المصنف؛ هذا إجمالي.

قال: وتنقسم أيضاً إلى ما يجر الظاهر دون المضمر، هذا يعني التقسيم أو تقسيم إجمالي يعني يسهل الموضوع؛ ما يجر الظاهر دون المضمر وهو سبعة: الواو، والتاء، ومذ، ومنذ، وحتى، والكاف، ورُبَّ. هذه تجر الظواهر، الاسم الظاهر لا تجر الضمير، يعني يقال مثلاً «والله»، لا يقال: «وه»، لا يقال هذا، ولا يقال: «وهو»؛ وتقول: «هو» مقسم به فهو في محل جر، لا تقول: «وهو الغفور الودود»، هذا شيء آخر، واو عاطفة هو من عطف الجمل، هو مبتدأ، هذا شيء آخر؛ وكذلك التاء «كاللّه»، «ولا تَهوى»، ومذ «مذ يومين»، «منذ يومين»، لا يؤتى هنا بضمير. وما يجر الظاهر والمضمر وهو الباقي، فالبقية تجر الظاهر والمضمر، يعني الظاهر والضمير، منه، ومن الله ﴿ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [المعارج: 3]، منه كما مثلاً في حديث القرآن: «منه بدأ وإليه يعود»، ومنهم الذين يؤذون النبي، ومنهم الذين.

وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23]. وعلى الله فتوكلوا عليه توكلت وإليه أنيب.

وهكذا قال، ثم الذي لا يجر إلا الظاهر. هذا الذي يجر الظاهر وحده، هل يجر كل ظاهر؟ قال ينقسم إلى ما لا يجر إلا الزمان، وهو مذ ومنذ؛ تقول: ما رأيته مذ يومين، أو منذ يوم الجمعة، مذ يومين أو منذ يوم الجمعة، مذ ومنذ في هذا وذاك؛ هذا لا يجر إلا الزمان. وما لا يجر إلا النكرات، وهو رب؛ تقول: رب رجل صالح لقيته، هذا ليس في النسخة رب رجل صالح لقيته، في النسخة لقيته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «بكاسية في الدنيا عارية يوم القيامة».

وقال الله تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: 2]. فهذه فيها خلاف، أو فيها قراءتان: ربما وربما، واختلف بعد ذلك في هل بعدها الاسم المجرور أم ما كفتها عن العمل، وهناك خلاف في هذا. وما لا يجر إلا لفظ الجلالة، وقد يجر لفظ الرب مضافاً إلى الكعبة، وقد يجر لفظ الرحمن، وهو حرف التاء للقسم، قال الله تعالى: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: 57]. قالوا: ت الله لقد آثرك الله علينا، ت الله والله، نقولها في مواطن العجب، وهو كثير. وقال: تربي الكعبة لأفعلن كذا، وهو قليل، وقالوا: ت الرحمن لأفعلن كذا، وهو أقل، وبعضهم يقول أيضاً تربي، يعني وربي، كل هذا أقل، الذي جاء في كتاب الله هو ت الله.

وما يجر كل ظاهر وهو الباقي، فالباقي يجر كل ظاهر، أو بإضافة اسم على معنى اللام، كغلام زيد، أو من، كخاتم حديد، أو في، كمكر الليل. وتسمى معنوية، تسمى الإضافة معنوية لأنها للتعريف أو التخصيص، ففيها شيء زائد في المعنى، ليست مجرد لفظ. أو بإضافة الوصف إلى معموله، كبالغ الكعبة ومعمور الدار، أو بالغ الكعبة، أنا قلت بالغ الكعبة على ما جاء في كتاب الله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، ومعمور الدار وحسن الوجه، وتسمى لفظية لأنها لمجرد التخفيف.

هذا هو النوع الثاني من أنواع المجرور، فمجرور بالحرف انتهى، المجرور بالإضافة قال: لما فرغت من ذكر المجرور بالحرف شرعت في ذكر المجرور بالإضافة وقسمته إلى قسمين. أحدهما -هذا هو القسم الأول-: ألا يكون المضاف صفة والمضاف إليه معمولاً لها، هو لو عكس الأمر لكان أسهل، يعني أن يقال: أن يكون المضاف صفة والمضاف إليه معمولاً لتلك الصفة. بهذين القيدين، أن يكون المضاف صفة وأن يكون المضاف إليه معمولاً لهذه الصفة، يخرج منه هذا الذي ذكره المصنف، لكن هو ذكرها بالطريقة الأخرى.

قال: ألا يكون المضاف صفة، الصفة المراد بها الشيء المشتق كاسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة، هذا الذي يريده بالصفة، والمضاف إليه معمولاً لهذه الصفة، فالصفة تكون معموله للموصوف، اسم فاعل عمل فيما بعده، اسم مفعول عمل فيما بعده، كما سيأتي أعمال هذه الأشياء فيما يعمل عمل الفعل أولها إن شاء الله، بعد الكلام عن المجرورات سيبدأ في الكلام عن اسم الفعل واسم الفاعل والمصدر وهكذا.

قال: ويخرج من ذلك ثلاث صور: إحداها أن ينتفي الأمران معاً، كغلام زيد، أو كقولك غلام زيد؛ هذا غلام زيد، كلمة غلام هل هي صفة؟ لا، ليست اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا صفة مشبهة ولا صيغة مبالغة، لا هذه، طيب زيد هل هو معمول لهذه الكلمة؟ لا، هو نعم معمول لغلام على أنه مضاف إليه لكن ليس معمولاً للصفة لأنه ليس صفة أصلاً، ليس صفة أصلاً.

يعني نقول مثلاً هذا ضارب زيد، قلنا هذا ضارب زيد وهذا نعم، هذا ضارب زيد؛ ضارب صفة، طيب زيد معمول به مفعول به أو مضاف إليه؟ نعم، ويجوز أن يكون مفعولاً به للصفة؛ تقول هذا ضارب زيدٍ على الإضافة، وتقول هذا ضاربٌ زيداً على الإعمال على أنه مفعول به لهذه الصفة. فلو جيء بهذا أولاً حتى تفهم الصفة ويفهم معمول الصفة لكان أوضح، الإمام عليه رحمة الله عكس الأمر. فإذا قيل هذا ضارب زيد، يعني هذا ضارب زيداً، هذا الذي ضرب زيداً، فضارب صفة والذي بعدها معمول لهذه الصفة؛ غلام زيد ليس كذلك لأن الغلام ليس صفة، وإن كان زيد معمولاً لهذا لكنه ليس صفة.

الثانية: أن يكون المضاف صفة -اسم فاعل مثلاً- لكن ولا يكون المضاف إليه معمولاً لتلك الصفة؛ يبقى أن يكون المضاف صفة ولا يكون المضاف إليه معمولاً لتلك الصفة، المضاف نعم صفة لكن المضاف إليه ليس معمولاً لها، نحو كاتب القاضي وكاسب عياله؛ كاتب اسم فاعل، لكن لا، القاضي هل هو معمول لكاتب؟ يعني هل الرجل يكتب القاضي؟ لا، هذا كاتب القاضي يعني يكتب بأمر القاضي، القاضي يملي عليه وهو يكتب، كاسب عياله هل هذا الرجل يكسب عياله؟ يقال كاسب عياله فهو يكسب عياله؟ لا، يكسب لعياله ويكسب المال لعياله.

الثالثة: أن يكون المضاف إليه معمولاً للمضاف، ولكن ليس المضاف صفة، نحو ضرب اللص؛ اللص معمول للضرب نعم، يعني ضرب فلان اللص، فهذا المضاف إليه معمول للمضاف، لكن هل الضرب صفة؟ لا، الضرب مصدر ليس اسم فاعل ولا اسم مفعول ولا صفة مشبهة ولا صيغة مبالغة. قال: وهذه الأنواع كلها تسمى الإضافة فيها إضافة معنوية؛ وذلك لأنها تفيد أمراً معنوياً، وهو التعريف إن كان المضاف إليه معرفة نحو غلام زيد، والتخصيص إن كان المضاف إليه نكرة كغلام امرأته، أو كقولك غلام امرأته بإذن؛ أما أن تضيف تعريفاً أو أن تأتي هذه الإضافة بالتخصيص.

التعريف إذا كان المضاف مضافاً إلى معرفة كما سبق في المعارف، فالنكرة إذا أضيفت إلى معرفة صارت معرفة، طيب هذه النكرة إذا أضيفت إلى نكرة مثلها صارت مخصصة، خصصت بشيء، لأجل هذا يجوز أن تكون مبتدأ؛ ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: 263]، قول معروف بدئ بالقول وكان معناه نكرة لأنه خصص.

قال: ثم إن هذه الإضافة على ثلاثة أقسام، أحدها أن تكون على معنى في، الإضافة الحقيقية أو المعنوية تكون على ثلاثة أقسام، أن تكون على معنى في؛ بعض يقول تأتي على معنى في وعلى معنى من وعلى معنى اللام، هذا الذي يذكره المصنف، بعضهم يقول: لا، الإضافة إما أنها على معنى من أو على معنى اللام فقط، بعضهم يحجر هذا كله ويقول الإضافة كلها على معنى اللام، لكن الله أعلم الذي يصح الأول أو الثاني.

أحدهما أن تكون على معنى في، يعني أن يكون المضاف مضافاً إلى المضاف إليه على معنى في، وذلك إذا كان المضاف إليه ظرفاً للمضاف، نحو: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33]، ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَن نَّكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ [سبأ: 33]، مكر الليل والنهار، مكر مضاف والليل مضاف إليه، طيب ما معنى مكر الليل والنهار؟ يقول معناه مكر في الليل يعني مكركم في الليل والنهار، بعضهم يقول: لا، الإضافة هنا على معنى اللام مكر لليل، فمن كثرة ما مكروا في الليل صار الليل نفسه كأنه ماكر؛ كفلان هذا ليله نائم، ليله نائم بمعنى أنه ينام الليل فكأنه كان الليل نفسه نام من كثرة نومه فيه، أو قال مثلاً فلان على العكس ليله قائم ونهاره صائم، وهكذا من كثرة ما صام في النهار ومن كثرة ما قام في الليل.

والثاني طبعاً مثل هذا أيضاً عند بعضهم: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ﴾ [يوسف: 39]، بعضهم يقول: يا صاحبي السجن أنت صاحبان في السجن، والأقرب أن الإضافة هنا على معنى اللام، يعني يا صاحبي السجن، ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [البقرة: 39]، ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [البقرة: 82]، هم أصحاب للنار، للجنه، للسجن. بعضهم يقول منه أيضاً قول الله تبارك وتعالى: ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش: 2]، الرحلة في الشتاء وفي الصيف، ومنه ما هو مشهور عن عثمان رضي الله عنه أنه شهيد الدار، شهيد الدار يعني هو شهيد في الدار، يعني كان شهيداً في داره، وهكذا.

الثاني أن تكون على معنى من، وذلك إذا كان المضاف إليه كلا للمضاف، يعني إذا كان المضاف جزءاً من المضاف إليه، أو كان المضاف إليه كلا للمضاف، هذا أو يصح الإخبار به عنه، كخاتم حديد وباب ساج، قال هذا خاتم حديد؛ التمس ولو خاتماً من حديد، لو قيل في الكلام يعني التمس خاتم حديد، يعني خاتم، لو كان هكذا بالأحرف التمس ولو خاتماً من حديد، فالخاتم جزء من الحديد، وأيضاً الحديث المشهور أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فروج حرير، فروج حرير يعني فروج من حرير، فهذا نوع معين من الثياب، هذه الإضافة على معنى من، ويصح أن تقول الخاتم حديد، الباب ساج، الباب خشب، فيصح الإخبار به.

قال بخلاف نحو يد زيد، فإنه لا يصح أن يخبر عن اليد بأنها زيد، وإن كانت جزءاً منه، وهذه تكون فيه الإضافة على معنى اللام، يد لزيد. الصوت واضح يا جماعة؟ يعني جاءت رسالة بأن الصوت غير واضح، الصوت غير واضح عند الجميع أم عند السائل فقط؟ يعني يجيبني أحدكم. تفضل يا شيخ مزن. واضح الحمد لله. طيب الحمد لله، يبقى إذاً الصوت عند من بعث بالرسالة، يعني الصوت عندك غير واضح لشيء عندك، وإن شاء الله بإذن الله يتحسن، الأخوة يقولون الصوت واضح الحمد لله.

قال الثالث: أن تكون على معنى اللام، هذا هو الأصل فيها وهو الأكثر، وبعضهم حجره عليه، وذلك فيما بقي نحو غلام زيد ويد زيد، هذه يد لزيد وهذا غلام لزيد. قال تعالى: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: 34]، طعام المسكين يعني طعام للمسكين، ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: 1]، هم أصحاب للفيل، محمد رسول الله، هو رسول.

القسم الثاني، هذا القسم الثاني، أين ذكر القسم الأول؟ قال في الأول وقسمته إلى قسمين وهو المجرور بالإضافة، قال أحدهما ألا يكون المضاف إلى آخره، هذا أحدهما ثم فرع على ذلك صوراً. قال القسم الثاني: أن يكون المضاف صفة والمضاف إليه معمولاً لتلك الصفة، أن يكون المضاف صفة وأن يكون المضاف إليه معمولاً لتلك الصفة، هذا الذي قلت لو بدأ به لكان أحسن، لأن يجلي المسألة بعد ذلك، يوضح ما يخرج، لكن قدر الله ما شاء. أنا حاولت أن أذكر فيها شيئاً في الأول يبين، قال ولهذا أيضاً ثلاث صور: إضافة اسم الفاعل كضارب زيد الآن أو غداً؛ هذا ضارب زيد الآن أو غداً، إذا قلت هذا ضارب زيد يكفي، يعني قال يقول قال هذا يكفي، لماذا قال الآن أو غداً؟ لا، سيأتيك إن شاء الله تعالى في باب إعمال اسم الفاعل أنه إذا كان معرفاً بـ "أل" فإنه يعمل مطلقاً، وإذا كان غير معرف بـ "أل" كما هنا ضارب، فإنه لا يعمل إلا إذا كان بمعنى الحال أو الاستقبال، لأجل هذا قال هذا ضارب زيد الآن أو غداً، هذا ضارب زيد هذه إضافة، لكن ما الذي فيها؟ المضاف صفة اسم فاعل، والمضاف إليه معمول لهذه الصفة يعني هذا ضارب زيد، فقول هذا ضارب زيد، وهذا ضارب زيداً، هل هذه الإضافة تسمى إضافة معنوية؟ لا، ما اسمها؟ اسمها إضافة لفظية، هل هذه الإضافة تفيد المضاف إليه تعريفاً أو تخصيصاً؟ لا تفيده. فضارب زيد ما زال نكرة، نعم ما زال نكرة، هكذا يقولون، لأن الإضافة إضافة لفظية لا تفيده التعريف.

قال وإضافة اسم المفعول، كهذا معمور الدار الآن أو غداً، معمور الدار يعني من عمرت داره، وإضافة الصفة المشبهة باسم الفاعل، كهذا رجل حسن الوجه، حسن الوجه هذه صفة مشبهة بالفاعل؛ لأنها تعامل معاملة اسم الفاعل الذي يكون معداً بواحد، فسميت صفة مشبهة باسم الفاعل، وهي أيضاً مما يعمل عمل الفعل، وسيتكلم المصنف عنها في الأشياء السبعة التي تعمل عمل الفعل. قال وتسمى إضافة لفظية لأنها تفيد أمراً لفظياً وهو التخفيف، ألا ترى أن قولك ضارب زيد أخف من قولك ضارب زيداً؟ بلى، نعم ضارب هذا ضارب زيداً، هذا ضارب زيد، الثاني أخف، يبقى الإضافة أخف، تسمى إضافة لفظية أفادت التخفيف، ليست معنوية، ولا تفيد تعريفاً ولا تخصيصاً. ولهذا صح وصف هديٍ بـ بالغ مع إضافته إلى المعرفة في قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، بالغ الكعبة، بالغ هذا ما إعرابه؟ هدياً بالغ الكعبة، هدياً منصوب، بالغ أيضاً منصوب، منصوب على أنه نعت، وصف للهدي. وصف للهدي، طيب كيف يكون وصفاً أو نعتاً ولا بد أن يكون النعت مطابقاً للمنعوت في تعريفه وتنكيره؟ طبعاً هذا لم يسبق، هذا سيأتي في النعت، يقول نعم، حتى وإن كان مضافاً إلى الكعبة والكعبة معرفة، فإنه لم يستفد التعريف وإنما المعنى هدياً بالغا الكعبة، أي هدياً يبلغ الكعبة، فبالغ بمعنى بالغ الكعبة، بمعنى بالغة الكعبة فكأنه قال هدياً بالغاً، لأجل هذا لم تستفد تعريفاً، فصح أن يكون النعت بهذه الصورة وإن كان المنعوت نكرة؛ لأن النعت نكرة، وصح مجيء ثانياً حالاً مع إضافته إلى المعرفة في قوله تعالى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9]، ثاني عطفه، عطفه هذا معرفة؛ لأن كلمة عطف نكرة وأضيفت إلى الضمير فصارت معرفة، فهذه المعرفة أضيف إليها ثاني، ثاني عطفه وجاءت حالاً، والحال لا تكون إلا نكرة كما سبق، لكن من خالف وقال الحال معرفة، قال حتى وإن كانت معرفة فلا إشكال، لكن هو على ما يبني هذا على ما بناه قبل ذلك أو يفرع هذا.

على ما بينه قبل ذلك. قال بعد ذلك في مسألة أخيرة في الإضافة قبل الكلام عما يعمل عمل الفعل: «ولا تجامع الإضافة تنويناً ولا نوناً تالية للإعراب مطلقاً، ولا أل إلا في نحو: الضارب زيد، والضارب زيد، والضارب الرجل، والضارب رأس الجاني، والرجل الضارب غلامه».

قال بعد ذلك: اعلم أن الإضافة لا تجتمع مع التنوين، كما قال بعضهم: كأني تنوين وأنت إضافة ... فأين تراني لا تحل جواري

فالتنوين لا يجتمع مع الإضافة، ولا مع النون التالية للإعراب. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]. المؤمنون: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم، وهذه النون تالية للإعراب جاءت بعد علامة الإعراب التي هي الواو. أحياناً تأتي النون متلوة بالإعراب، هذا سيأتي في كلام المصنف حتى لا أستبق الكلام.

قال: «ولا مع الألف واللام». فالإضافة لا تجتمع مع التنوين مطلقاً، ولا مع نون المثنى ونون جمع المذكر السالم؛ فهذه النون تالية للإعراب لا تجتمع الإضافة معها مطلقاً. قال: «ولا مع الألف واللام»؛ طبعاً إلا في مسائل، فالألف واللام سيستثني منها بعد ذلك. لكن يقال مع التنوين مطلقاً، ومع نون المثنى مطلقاً، ومع نون جمع المذكر السالم مطلقاً، أما الألف واللام فسيستثني المسائل المذكورة.

قال: تقول: «جاءني غلام» يا هذا، فتنوين؛ وإذا أضفت تقول: «جاءني غلام زيد». هل يصح أن تقول: جاءني غلامُ زيدٍ؟ لا، غلام منون. طب عند الإضافة لا يجتمع التنوين مع الإضافة، فتقول: غلام زيد. قال الله تبارك وتعالى في آية جمعت يعني ذكرت كم آية فيها الاثنان، فيها هذا وذاك؛ قال: ﴿هَٰذِهِ نَاقَةٌ لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155]، لها شربٌ: هذا منون لأنه اسم تام لا يحتاج إلى شيء، ليس مضافاً. ولكم شربُ يومٍ معلومٍ: لأنه مضاف.

كذلك ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ﴾ [الحج: 47]، ﴿وَإِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ [النبأ: 17]. فإذا كان الاسم تاماً جيء بالتنوين -طبعاً إلا أن يمنع من التنوين مانع كأن يكون ممنوعاً من الصرف- وإذا كان مضافاً حذف منه التنوين. وذلك لأنه يدل على كمال الاسم، والإضافة تدل على نقصانه، فالجمع بينهما في تناقض، ولا يكون الشيء كاملاً ناقصاً. وتقول: جاءني مسلمان ومسلمون، بهذه النون وهي النون التي تلي الإعراب، فإذا أضفت قلت: مسلماك ومسلموك، فتحذف النون.

قال الله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج: 35]، وفي سورة النساء: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: 162]، يقول قائل: هنا جاء بالنون، لا، قال: والمقيمين الصلاة، الصلاة مفعول به وليس مضافاً إليه، لكن عند الإضافة: مقيمُ الصلاةِ لابد أن تحذف النون. ﴿إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ﴾ [الصافات: 38]، ذائقو: حذفت منها النون لأجل الإضافة، لكن ذائق لو لم تكن مضافة لجيء بها ذائقون، ﴿حَقٌّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات: 31].

في قول المجرمين في القيامة قالوا: ﴿أَإِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ الْيَمِينِ * قَالُوا بَل لَّمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ ۖ بَل كُنتُمْ قَوْمًا طَاغِينَ * فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ﴾ [الصافات: 28-31]. لذائقون جاءت النون، لذائق العذاب لأجل الإضافة حذفت النون. ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَّهُمْ﴾ [القمر: 27]، مرسل الناقة، في آية أخرى ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ [الحجر: 61]، فجاءت مرسلين لكن هنا بالنون، ولكن هنا مرسل الناقة حذفت النون لأجل الإضافة.

قال: والأصل المقيمين وذائقون ومرسلون، والعلة في حذف النون هي العلة في حذف التنوين، لا يجتمع هذا مع ذاك. التنوين يدل على كمال الاسم، النون التي تلي الإعراب تدل على كمال الاسم، الإضافة تدل على نقصان وأنه يحتاج لما بعده، ولا يمكن أن يكون الاسم تاماً ناقصاً. قال: لكونها قائمة مقام التنوين، وهم يقولون كثيراً: النون في المثنى وجمع المذكر السالم عوض عن التنوين في الاسم المفرد، وإن كان هذا محل نزاع.

قال: وإنما قيدت النون بكونها تالية للإعراب احترازاً من نوني المفرد وجمع التكسير، وذلك كنوني حين وشياطين. طب حين، النون فيها تالية للإعراب؟ لا، ليست تالية للإعراب، إنما يقولون هي متلوة بالإعراب. قال: فإنهما متلوان بالإعراب لا تاليان له. كيف ذلك؟ يقول: هذا حينُ يا فتى، حين حاء وياء ونون، فهذه النون من أصل الكلام وجيء بعد ذلك بالاعراب حينُ، فهذا التنوين -هذا الضم- جاء بعد النون أو جاء على النون، بخلاف ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ﴾، الياء التي هي علامة الإعراب جاءت بعدها النون، أما في حين جاء الإعراب بعد النون أو على النون. تقول: هذا حينٌ يا فتى، وهؤلاء شياطينُ يا فتى، بإثبات النون، فتجد إعرابهما بضمة واقعة بعد النون، فإذا أضفت هل تحذف؟ لا تحذف، فإذا أضفت قلت: آتيك حينَ طلوعِ الشمسِ، وهؤلاء شياطينُ الإنسِ، بإثبات النون فيهما؛ لأنهما متلوة بإعراب لا تالية له.

قال الله تعالى: ﴿فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ حَتَّىٰ حِينٍ﴾ [الصافات: 174]، حتى حينٍ، هكذا بإثبات النون بغير إضافة. طب في الإضافة؟ قال تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177]، وحين البأس، فذكرت النون، يبقى إذاً النون تثبت في الإضافة وفي غير الإضافة. وكذلك بالشياطين، ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: 97]، ثبتت في غير إضافة، وفي الإضافة: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام: 112]، فتثبت في الإضافة وفي غير الإضافة.

قال: وأما الألف واللام، فإنك تقول: جاء الغلامُ، فإذا أضفت قلت: جاء غلامُ زيدٍ، لا يجوز لك أن تقول: جاء الغلامُ زيدٌ؛ جاء الغلام زيد هذا لا يجوز. إذا قلت: جاء الغلام زيد، هذا باب آخر، لكن في الإضافة لا، جاء الغلام زيد لا يجوز. وذلك لأن الألف واللام للتعريف والإضافة للتعريف، فلو قلت: الغلام زيد، جمعت على الاسم تعريفين، وذلك لا يجوز، باب تحصيل الحاصل، يعني شيء حاصل هو خلاص عرف بأحدهما، لماذا يعرف بالآخر؟

مثل هذا قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ﴾ [الفرقان: 30]، هكذا بالألف واللام الرسول، طب في الآية الأخرى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29]، لما أضيف إلى اسم الله تعالى حذفت منه الألف واللام، حذفت منه الألف واللام. وكلمة الغلام التي ذكرها، وفي حديث ابن عباس في مقتل عمر هذا قال: غلامُ المغيرةِ، هل يصح أن يقول: الغلام المغيرة؟ لا، غلام المغيرة، يعني الذي قتلك هو غلام المغيرة.

قال: واستثنى من مسألة الألف واللام أن يكون المضاف صفة، والمضاف إليه معمولاً لتلك الصفة. فإذا كان المضاف صفة، وكان المضاف إليه -الثاني الذي بعد ذلك- معمولاً لتلك الصفة، حينئذ يجوز في بعض الأحوال -ليس في كل الأحوال- يجوز في بعض الأحوال، في بعض الصور، أن يكون المضاف بالألف واللام، يعني يكون المضاف بالألف واللام في بعض الأحوال. تجد المضاف بالألف واللام، وفي بعضها تجد المضاف والمضاف إليه جميعاً بالألف واللام. فالكلام هنا في المضاف، متى يكون المضاف محلى بـ ال، أو معرفاً بـ ال، أو فيه ألف ولام.

قال: وفي المسألة واحد من خمسة أمور تذكر، فحينئذ يجوز أن يجمع بين الألف واللام والإضافة. أحدها: أن يكون المضاف مثنى، نحو الضارب زيد، تقول: جاء الضاربا زيدٍ، والضاربي زيدٍ، كما قال عنترة: الشاتمي عرضي ولم أشتمهما، والناذرين إذا لم ألقهما -أو إذا لقيتهما- دمي. الشاتمي عرضي، فذكر الألف واللام في المضاف. كذلك هنا الضاربا زيد، وإن كان بعضهم قد يقول: الشاتمي عرضي، عرضي مفعول به لأنها لا يظهر عليها شيء، يصح هذا ويصح هذا، لكن على الإضافة يكون شاهداً.

والثاني: أن يكون المضاف جمع مذكر سالماً، يقول: الضاربو زيدٍ، الضاربو زيد.

والثالث: أن يكون المضاف إليه بالألف واللام، يعني إذا كان المضاف إليه نفسه بالألف واللام، جاز أن يكون المضاف بالألف واللام، لكن بالشرط الأول: أن يكون المضاف صفة، وأن يكون المضاف إليه معمولاً لهذه الصفة، نحو: الضاربُ الرجلِ، الضارب الرجل. ونحو هذا قول الله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ [الحج: 35]، هذا جائز، مقيم الصلاة، لكن لو جاءت نون لكان هنا منصوباً، لكن الكلام هنا على كالمقيمين الصلاة في سورة النساء، الكلام هنا على الإضافة، المضاف بالألف واللام والمضاف إليه بالألف واللام، وهذا ياتي على اللسان كثيراً، أنت تقول مثلاً: هذا الكلام الآن على الفعل المضارع المعتل الآخر، يجوز أن تقول: هذا معتلُّ الآخر، وهذا المضارع المعتلُّ الآخر، فتأتي بالألف واللام في المضاف وبالألف واللام في المضاف إليه.

الرابع: أن يكون المضاف إليه مضافاً إلى ما فيه الألف واللام، يعني هو ليس فيه الألف واللام، هو مضاف إلى ما أضيف إليه الألف واللام، نحو الضاربُ رأسِ الرجل، كما قال ابن مالك كزيد الضاربُ رأسِ الجاني، الضارب رأس الجاني، فكلمة رأس ليس فيها ألف ولام، لكن هي أضيفت إلى ما فيه ألف ولام فجازت المسألة.

الخامس: أن يكون المضاف إليه مضافاً إلى ضمير عائد على ما فيه الألف واللام، نحو: مررت بالرجل الضاربُ غلامِه، مررت بالرجل الضارب غلامه، فالرجل بالألف واللام، والضارب بالألف واللام كذلك، لأن هذا الضارب أضيف إلى اسم فيه ضمير يعود على الرجل.

هذه هي الصور المذكورة. قال بعد ذلك في باب ما يعمل عمل الفعل: يعمل عمل فعله سبعة، اسم الفعل كهيهات وصه ووي، بمعنى بعد واسكت واعجب، ولا يحذف ولا يتأخر عن معموله، وكتاب الله عليكم متأول، ولا يبرز ضميره هذا وذاك، ويجزم المضارع في جواب الطلب منه، نحو: مكانك تحمدي أو تستريحي، ولا ينصب.

قال في الشرح: هذا الباب معقود للأسماء التي تعمل عمل أفعالها. هناك فعل، يقول: إن هذا فعل لازم يرفع فاعلاً، هناك فعل يرفع النائب عن الفاعل، هناك فعل يرفع فاعلاً وينصب مفعولاً، هناك فعل يرفع فاعلاً وينصب مفعولين، هناك فعل يرفع فاعلاً وينصب ثلاثة مفاعيل. هناك أسماء تعمل بعض هذه الأعمال، فإذا ناب عن فعل لازم يكون لازماً؛ فأيضاً يقال: هذا الاسم رفع الفاعل؛ لأنه يعمل عمل الفعل اللازم، إذا ناب عن فعل مبني للمجهول -أو لما لم يسمَّ فاعله- يرفع نائباً عن الفاعل، وهكذا في الباقي.

فالأصل في العمل في مثل هذا أن يكون الأفعال، هناك أسماء تعمل عمل الأفعال. قال: هذا الباب معقود للأسماء التي تعمل عمل أفعالها، وهي سبعة. هذه السبعة هي: اسم الفعل، واسم الفاعل، واسم المفعول، وكذلك المصدر، واسم التفضيل، والصفة المشبهة، وصيغ المبالغة، هذه سبعة. المصنف في بعض الكتب وغيره من العلماء يذكرون أنها عشرة، يقولون يزيد عليها اسم المصدر كالمصدر، ويزيدون عليها الظرف والجر والمجرور إذا اعتمدتا على نفي أو استفهام، فهي عشرة؛ ذكر منها سبعة.

قال أحدها: اسم الفعل، هذا هو الأول، أحدها اسم الفعل، وهو على ثلاثة أقسام، اسم الفعل نفسه ينقسم إلى ثلاثة أقسام، فكذلك هذه القسمة هي في اسم الفعل، فكما أن الفعل ينقسم إلى ماض ومضارع وأمر، فهناك اسم فعل ماض، واسم فعل مضارع، واسم فعل أمر.

قال بعد ذلك وهو على ثلاثة أقسام، ما سمي به الماضي كهيهات، هيهات بمعنى بعد. قال الشاعر: فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خل بالعقيق نواصله

هيهات هيهات العقيق، هيهات الأولى اسم فعل ماض مبني على الفتح بمعنى بعد، وهيهات الأخرى توكيد له، العقيق لماذا رفعت؟ رفعت لأنها فاعل لاسم الفعل، كأنه قال: بعد العقيق، بعد العقيق. إذا قالت: بعد هذا الشيء أو بعد هذا المكان، ما بعده فاعل هنا، اسم الفعل الذي هو هيهات عمل معنى عمل عمل فعله، الذي هو بعد، فرفع الفاعل.

ومن هذا على قول قول الله تبارك وتعالى في قصة المعروفة التي ذكرتها لكم قبل ذلك في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مِن بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ * ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّمَا جَاءَ أُمَّةً رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ ۚ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُم بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ ۚ فَبُعْدًا لِّقَوْمٍ لَّا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: 42-44]، الشاهد أن هؤلاء القوم فيما قالوه من إنكار البعث قالوا: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: 36]. فمن الأقوال التي قيلت -طبعاً هناك أقوال كثيرة لكن من الأقوال التي قيلت في هذا- قيل هيهات هذا اسم فعل ماض يعمل عمل فعله، وما هي الفاعل بمعنى الذي، واللام زائدة، يعني هيهات الذي توعدونه.

بعد هذا الإخراج وهذا البعث الذي يوعدكم به هود أو صالح، فهذا قول. وما سُمّي به الأمر كـ «صه»، بمعنى اسكت. وفي الحديث: «إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب صه فقد لغوت»، كذا جاء في بعض الطرق؛ فالمعروف في الطرق: أنصت. لو قلت له أنصت، لكن لو قيل حتى بغير هذا عندنا؛ فهذه جاءت أيضاً في غير هذا الحديث في قول هاجر عليها السلام وهي تسعى بين الجبلين، حديث ابن عباس، فقالت: صهن؛ تريد نفسها، كأنها تقول لنفسها: اسكتي. صهن، هذا اسم فعل أمر بمعنى اسكت، وهو يُستعمل بلفظ واحد للجميع، وفيه فاعل مستتر وجوباً تقديره أنت؛ يعني اسكتي أنت يا هاجر حتى تسمعي، فهي تخاطب نفسها.

وكذلك «مه»، هذا أيضاً اسم فعل أمر بمعنى اكفف أو انكفف. قال عليه الصلاة والسلام لما دخل على عائشة رضي الله عنها وجد عندها امرأة فقالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها، فلانة الصوام القوّام، تفعل وتفعل وتفعل، كأنها كانت تزيد على المشروع، أما مجرد الزيادة في الصلاة وفي النوافل عموماً فهذا لا بأس به، والحديث يُفهم على وجهه، كأنها تزيد على المشروع تشق على نفسها. قال: «مه بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا». الشاهد قوله: مه؛ أي كُفّي عن هذا عن مدحك لها بهذا الذي ليس مدحاً، إنما يوشك أن تفتر هذه المرأة، أو كُفّي أيتها المرأة عن هذا العمل الذي تفعلينه ويوشك أن تنقطعي عن هذا العمل. النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين سأل عنه، فقال: هذا حبل لزينب تصلي، فإذا فترت تعلقت. أيضاً نهى عن هذا، قال: «ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد».

الشاهد أن هذا «مه» بمعنى اكففي أو بعضهم يقول: انكفف. هذا اسم فعل أمر، الفعل فيه أيضاً مستتر وجوباً تقديره أنت. وكذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُم أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]. أي الزموا أنفسكم، وهذا لا بد أن يُجمع مع الآيات والأحاديث الأخرى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَت لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. ولا تتم هداية الإنسان إلا بهذا، إلا بأن يكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر، فلا تفهموا هذه الآية «عليكم أنفسكم» يعني الزموا أنفسكم لا تأمروا بالمعروف ولا تنهوا عن المنكر. وقد صعد أبو بكر رضي الله عنه المنبر في يوم وجلَّى هذا المعنى للصحابة في وفق، قال: إنكم تقرؤون هذه الآية وتوقعونها على غير موقعها، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك الله أن يعمهم بعقاب من عنده». هذا حديث يُروى مرفوعاً وموقوفاً على أبي بكر رضي الله عنه، وقد صحح بعضهم الوجهين جميعاً. الشاهد أن تُفهم الآيات والأحاديث على وجهها، لا يُفهم الحديث هكذا كما اتفق الأمر، ولا تُفهم الآيات هكذا منزوعة من سياقها أو مما يحوم حولها من الآيات الأخرى ومن الأحاديث؛ لا، هو وحي يُؤخذ هكذا.

وما سُمّي به المضارع؛ هذا الثالث. الذي سُمّي به الأمر هذا أكثر الأفعال، يعني أكثر ما جاء من ذلك هو ما سُمّي به الأمر؛ لماذا؟ لأن فيه باباً قياسياً، وما كان على وزن فعالي، تقول في من نزل: نزالي، هذا اسم فعل أمر، من أدرك: دراك بمعنى تدارك هذا الأمر أو أدرك. وكذلك تقول كتابي وقرائي، يعني بمعنى اقرأ واكتب، فهذا باب مقيس. الثالث ما سُمّي به المضارع، كـ «وي» بمعنى أعجب. قال الله تعالى في قصة قارون لما قال الذين يريدون الحياة الدنيا بعد أن خسف الله بقارون: ﴿وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: 82]. أي أعجب لعدم فلاح الكافرين، هذا هكذا فسرها المصنف، يعني جعل «وي» بمعنى أعجب وجعل الكاف التي فيه جعلها للتعليل. وقد قال بعضهم إن الكاف تأتي للتعليل أحياناً، ومثل بآيات: ﴿وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 77]؛ يعني لإحسان الله إليك. وذكروا بعض هذا؛ فكان المصنف يذهب إلى هذا المذهب. وبعضهم يقول: «ويكأن الله» أصلها: ويلك اعلم أن الله، فـ «ويك» قالوا مقتطعة من ويلك، كما قال عنترة: ولقد شفا نفسي وأبرأ سقمها قيل الفوارس ويك عنترة أقدم؛ أي ويلك يا عنترة أقدمي. وبعضهم يقول: «ويك» هي بمعنى أعجب، وبعضهم يقول: «وي» فقط هي التي بمعنى أعجب، وفيها قراءات كثيرة، على العموم هذا اسم فعل مضارع بمعنى أعجب، سواء «وي» أو «ويك».

وكذلك «أف»، هذه أيضاً اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، والذي قال لوالديه أف لكما. قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]. وفي قول إبراهيم عليه السلام: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الأنبياء: 67]. فـ «أف» بمعنى أتضجر، وفيها لغات ورد منها في القرآن العظيم ثلاث لغات: أفِّ لكم، وأفَّ لكم، وأفُّ لكم، هذه ثلاثة. هذا اسم فعل مضارع، «أفِّ» هذا اسم فعل مضارع مبني على الكسر في القراءة، وفي قراءتنا «أفَّ» لكم مبني على الفتح، وفي القراءة الثالثة «أفُّ» لكم، وفيه فاعل مستتر وجوباً تقديره أنا، يعني أتضجر أنا وأتأفف مما تفعلون.

قال بعد ذلك: ويقال فيه «واه»، أي «وي» و«وا» و«واها» كلها بمعنى أعجب. وقالوا فيه «وا»؛ قال الشاعر: وبأبي أنت وفوك الأشنب، كأنما ذُرَّ عليه الزرنب. وبأبي أنت وفوك الأشنب. طبعاً الفم الأشنب في بعض أشعار العرب أيضاً، وفي أنيابها شنب، هذا أيضاً يُفهم خطأ؛ يعني كيف يكون في أنياب المرأة شنب؟ شنب ليس معنى الشارب؛ إنما الشنب هو رقة الأسنان وبياضها مع العذوبة وطيب الرائحة، كل هذه الأشياء مجموعة أو بعضها يُسمى شنباً، فكأننا عندما أطلقنا على الشارب شنباً ظلمنا الشنب الأصلية. قال: واهاً لسلمى ثم واهاً واهاً، يا ليت عيناها لنا وفَاها. واهاً لسلمى؛ يعني أعجب لسلمى، ويا ليت عيناها لنا وفَاها؛ هذا جاء على لغة من يلزم المثنى الألف: يا ليت عيناها لنا وفَاها. قال: يا ليت عيناها لنا وفَاها، هذه لغة معروفة في إلزام المثنى الألف، وخرجت عليها آية في كتاب الله تعالى في سورة طه، سبق الكلام عنها في قراءة الجمهور: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: 63]. فذكر اسم فعل ماض واسم فعل مضارع واسم فعل أمر، ثم ذكر بعض الأحكام.

قال: ومن أحكام اسم الفعل أنه لا يتأخر عن معموله. فلا يجوز في «عليك زيداً» بمعنى الزم زيداً أن يُقال زيداً عليك. هل يُقال في الكلام الزم زيداً وزيداً الزم؟ يُقال هذا وذاك؛ الزم زيداً إذا فعل أمر والفعل مستتر تقديره أنت وزيداً مفعول به. طب إذا قلت زيداً الزم؟ زيداً مفعول به مقدم والزم فعل وفاعل، هذا جائز وهذا جائز. اسم الفعل مُفرّع على الفعل فليست كل الأحكام تجوز أحياناً، فالأصلي ليس كالنائب، كثير ما يكون الأصلي ليس كالنائب، فهنا وإن كان يعمل عمله إلا أن بعض أحكامه لا تجوز له. فقال لا يجوز أن تقول زيداً عليك وأنت تقصد عليك زيداً. الإمام الكسائي أجاز ذلك، واستدل بآية من كتاب الله، قال خلافاً للكسائي فإنه أجازه محتجاً عليه بقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24]. قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية، قال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي حُرّمت عليكم المحصنات من النساء، فالمحصنة هنا بمعنى المتزوجة، إلا ما ملكت أيمانكم هذا معروف بأن تؤسر في حرب وأن تُستبرأ بحيضة كما هو معلوم في أمور الجهاد التي غابت عنا. المهم قال: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم، كتاب الله عليكم. فالإمام يقول المعنى: كل هذا حُرّمت عليكم كذا وكذا، وحُرّمت عليكم المحصنات إلا هذا النوع، الزموا كتاب الله، يعني «عليكم كتاب الله» بمعنى الزموا كتاب الله، وقال: كتاب الله عليكم؛ فقدم المفعول به على عامله، وعامله هنا اسم فعل، وقال هذا دليلي.

قالوا وعند البصريين أن «كتاب الله» مصدر محذوف العامل، وعليكم جار ومجرور متعلق به أو بالعامل المقدر، والتقدير: كتب الله ذلك كتاباً عليكم، ودل على ذلك المقدر قوله: حرمت عليكم، لأن التحريم يستلزم الكتابة؛ يعني ردوا عليه بهذا المعنى، قالوا كتاب الله عليكم ليس بهذا المعنى، ليس معنى الزموا كتاب الله، وإنما قال: حرمت عليكم أمهاتكم وكذا وكذا وحرمت عليكم المحصنات، كتب الله ذلك عليكم كتاباً؛ لأنه حَرّمه فكتبه مُحرّماً، فهو حَرّمه حين كتابته، والتحريم يستلزم هذه الكتابة، فالتحريم المذكور: حرمت عليكم كذا وكذا، يستلزم الكتابة التي قدرناها، هكذا قالوا، تستلزم الكتابة التي قدرناها، كتاب الله عليكم؛ يعني كتب الله ذلك عليكم كتاباً، كما قالوا مثلاً في ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، وذكر هذا في عدة مواضع، فهذه المسألة تبقى خلافية، ويبقى قول الكسائي قوياً لكن خالفه أكثر العلماء.

قال: ومن أحكامه، أي ومن أحكام اسم الفعل، أنه إذا كان دالاً على الطلب جاز جزم المضارع في جوابه. وهذه المسألة سبقت في أوائل الكتاب في جوازم المضارع، الجازم للمضارع الذي يجزم فعلاً واحداً قال: خمسة أمور، منها أربعة أحرف: لم ولا الطلبية، واللام الطلبية أو لام الأمر والدعاء، ولا في النهي والدعاء، الجزم الخامس والجزم في جواب الطلب سواء كان الطلب بفعل أو باسم فعل، ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]؛ هذا جزم في جواب الفعل الذي هو تعالوا، ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: 12]. قال: تقول نزالِ نحدثك بالجزم، كما تقول انزل نحدثك؛ فكما أنك تقول تجزم في جواب الفعل، فتجزم في جواب اسم الفعل. وقال الشاعر وقولي كلما جشأت وجاشت: مكانك تحمدي أو تستريحي. مكانك تحمدي، كما قال القائل الآخر فيما سبق: ناقِ سيري عنقاً فسيحاً إلى سليمان، لكنك كان في النصر هنا مكانك تحمدي؛ مكانك أي الزمي مكانك، هذا هو معناه، كما قال عليه الصلاة والسلام: يا بني سلمة دياركم تُكتب آثاركم، وهذا أيضاً مما يُستدل به لهذا، دياركم تُكتب آثاركم؛ لما أرادوا أن ينتقلوا قرب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحينئذ سيبقون حدود المدينة عرضة لليهود الذين ممكن يأتوا أو أي عدو يأتوا، فقال: دياركم تُكتب آثاركم، فمن الناحيتين الزموا دياركم تُكتب آثاركم، وكذلك حتى تكونوا ردءاً وحمى للمدينة من هذا الجن، وقال دياركم يعني الزموا دياركم، مكانك تحمدي؛ الزم مكانك تحمدي، وقال هناك تكتب آثاركم بالجزم في جواب الطلب الذي هو باسم الفعل، وهنا تحمدي بالجزم لأنه لم يقل تحمدين، قال تحمدي بالجزم لأنه في جواب الطلب الذي هو باسم الفعل. قال فمكانك في الأصل ظرف مكان، ثم نُقل عن ذلك المعنى وجُعل اسماً للفعل ومعناه اثبتي، وقوله تحمدي مضارع مجزوم في جوابه وعلامة جزمه حذف النون.

ومن أحكامه أنه لا ينصب الفعل بعد الفاء في جوابه؛ يبقى إذاً الفعل يُجزم في جوابه، هل يُنصب إذا جاءت الفاء؟ قال لا، تقول مكانك فتحمدي وصه فنحدثك، أيضاً خلافاً للكسائي؛ فالإمام الكسائي خالف في المسألة الأولى وفي المسألة الثالثة. قال: وقد قدمت هذا الحكم في صدر المقدمة فلم أحتج إلى إعادته، تكلم عن هذا قبل ذلك في نواصب المضارع، تكلم عن نواصب المضارع؛ قال في مواضع النصب حينها عندما نتكلم عن النصب بـ «أن» مضمرة وجوباً، فذكر مواضع منها بعد فاء السببية وواو المعية، قال: مسبوقتين بنفي محض أو طلب بالفعل، حتى يخرج الطلب باسم الفعل، فهو نص على هذا قبل ذلك، وذكر أيضاً أنه لا بد أن يكون الطلب بالفعل خلافاً للكسائي في إجازته باسم الفعل، فهو ذكر هذه المسألة قبل ذلك فلم يعدها.

قال بعد ذلك: والمصدر، هذا هو الثاني مما يعمل عمل الفعل، والمصدر كـ «ضرب» و«إكرام» إن حل محله فعل مع «أن» أو مع «ما»، ولم يكن مصغراً ولا مضمراً ولا محدوداً ولا منعوتاً قبل العمل ولا محذوفاً ولا مفصولاً من المعمول ولا مؤخراً عنه؛ هذه ثمانية شروط. وإعماله مضافاً أكثر، نحو: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة: 251]، وقول الشاعر: ألا إن ظلم نفسه المرء بَيِّنُ، ومنوناً أقيس، نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا﴾ [البلد: 14-15]، وبالـ نحو: وكيف التوقّي ظهر ما أنت راكبه؟ هذا موضع آخر ذكر فيه المصنف بيتاً في المتن ولم يذكره في الشرح، وكيف التوقي ظهر ما أنت راكبه؛ سبق معنا موضع قبل ذلك. قال النوع الثاني من الأسماء العاملة عمل الفعل: المصدر. بعضهم يأتي هنا يقول المصدر واسم المصدر، يبقى هذا وذاك، فحتى يزيد الثامن، وبعد ذلك التاسع والعاشر هما الجر والمجرور والظرف بشرطهما المعروف. طيب المصدر قال هو الاسم الدال على الحدث الجاري على الفعل، كالضرب والإكرام. المصدر اسم دال على الحدث، قال ابن مالك عليه رحمه الله: اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كـ «أمن» من أمن. الفعل يدل على حدث وزمان، المصدر يدل على هذين، على أحد...

هذان المدلولان ما سوى الزمان هو الحدث. فعندنا أكل، أكل يدل على حدث وهو الأكل في زمن معين في زمن ماضي، يأكل حدث في زمن حاضر، وهكذا. الأمر يدل على طلب، طلب حدث، كما سبق دل على طلب حدث في زمن المستقبل. هذا الفعل. عندما أقول الأكل، الأكل نفسه الأكل هنا لا يدل على الزمن، الأكل يدل على الحدث. هذا هو الأكل، المعين الزمن أو المكان لابد أن يكون هذا الأكل حصل في زمان معين أو في مكان معين، هذا بالالتزام، أما بالمطابقة الحدث فقط. فالمصدر حدث. المصدر حدث جاري على الفعل، يعني يجري على الفعل، فتأتي في المصدر الحروف التي كانت في الفعل، فإذا نقصت أما أن تعوض فهو أيضاً مصدر، وأما ألا تعوض فهذا اسمه اسم مصدر. فإذا قلت: سلمت عليه تسليماً، ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. تسليم هذا مصدر. طيب، سلمت عليه سلاماً، سلمت عليه سلاماً قالوا: لا، هذا ليس مصدراً، هذا اسمه اسم مصدر، لأن سَلَّم، سَلَّم هذا رباعي، فالمصدر منه تسليم، فَعَّل تَفْعِيلاً، لكن أقول: سَلَّمَ سَلاماً، هذا اسمه اسم مصدر. فرق بين المصدر واسم المصدر، وإن كان عملهما في الغالب يكون واحداً. الكلام هنا عن المصدر، قال: كالضرب والإكرام. الضرب من ضرب يضرب ضرباً فهذا الثلاثي، والإكرام أكرم يكرم إكراماً هذا غير الثلاثي، ويقصد به هنا الرباعي، والمقصود غير الثلاثي عموماً.

هذا المصدر قال: وإنما يعمل بثمانية شروط؛ شرط واحد وجودي وسبعة شروط عدمية. معنى هذا أنه يعمل بشرط لابد أن يكون موجوداً، ولا بد أن تنتفي سبعة أشياء حتى يعمل. مثل ما يقولون في تعريف الحديث الصحيح: ولا يكون شاذاً ولا معللاً على الصحيح؛ يعني لابد أن ينتفي عنه الشذوذ، وأن تنتفي عنه العلة القادحة، مع عدالة الرواة وتمام ضبطهم واتصال السند. فالشروط الأولى الثلاثة المذكورة، العدالة والضبط والاتصال، هذه شروط وجودية؛ لابد أن يكون الحديث الصحيح أن يكون رواته عدولاً، وأن يكونوا ضابطين، وأن يكون متصل الإسناد بحيث يكون كل راو سمعه ممن فوقه. طيب ما الشروط الأخرى العدمية؟ قالوا: لا بد ألا يكون شاذاً وألا يكون معللاً، هذه اسمها شروط عدمية، لابد أن تنعدم حتى يصح الحديث. فهنا أيضاً العلوم تتشابك في مثل هذا. شرط وجودي لابد أن يكون هذا المصدر يحل محله (أن) مع الفعل أو (ما) مع الفعل، هذا شرط وجودي. إذا كان المصدر يحل محله الفعل فقط لا، قالوا لا، لا ينصب، لا يعمل هذا العمل. طيب هناك أشياء أخرى، مصادر مثلاً محدودة أو منعوتة قبل العمل أو محذوفة أو مفصوله؛ قالوا كل هذا لابد أن تنتفي هذه الأشياء. إن شاء الله أمر عليها سريعاً هذه الأشياء العدمية.

قال فالأول كقولك: أعجبني ضربك زيداً ويعجبني ضربك عمراً، فإنه يصح أن تقول مكان الأول أعجبني أن ضربت زيداً؛ أعجبني ضربك زيداً، يعني أعجبني أن ضربت زيداً أمس. ومكان الثاني يعجبني أن تضرب عمراً، يعني يعجبني ضربك عمراً، يعجبني أن تضرب عمراً فيما هو آتٍ، هذا أعجبني وهذا يعجبني. فضربك زيداً؛ زيداً مفعول به لأي شيء؟ للمصدر الذي هو الضرب، وعمراً مفعول به للمصدر الذي هو الضرب. طيب أين الفاعل؟ ضربك، الكاف هذا ضمير مبني على الفتح في محل جر لأنه مضاف إليه، هو مضاف إليه لفظاً وهو فاعل معنى، يعني يعجبني أن تضرب زيداً وأن تضرب عمراً كما قدرت. والثاني هذا في الأول (أن) مع الفعل، قال مع ما، نحل محله (ما) مع الفعل، مع أن سبق مع ما قال: والثاني نحو يعجبني ضربك زيداً الآن. فهذا لا يمكن أن يحل محله أن ضربت لأنه للماضي، ولا أن تضرب لأنه للمستقبل، إنما الآن هو كأنه نتكلم عن الحاضر، لكن يجوز أن تقول مكانه أن تضرب، وتريد بـ (ما) المصدرية، يعني يعجبني ما تضرب زيداً، يعني يعجبني ضربك زيداً الآن.

وتريد بـ (ما) المصدرية مثلها في قوله تعالى: ﴿بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 25]، وكذلك وضاقت عليكم الأرض بما رحبت وردت في سورة التوبة، الأولى نقول عليكم في غزوة حنين، وفي قصة الثلاثة الذين خلفوا بما رحبت أي برحبها بسعتها. وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118] يعني ودوا عنتكم، وسبق الكلام عن ما المصدرية بتفصيل، أي برحبها وعنتكم يعني ودوا عنتكم. ولا يجوز في قولك ضرباً زيداً أن تعتقد أن زيداً معمول لضرباً، خلافاً لقوم من النحويين. هذا مسألة خلافية؛ ضرباً زيداً، زيداً مفعول به عند الجميع، مفعول به لكن لأي شيء؟ قيل لقوله ضرباً هذه، فهذا المصدر ضرباً هو الذي نصب زيداً. وقيل: لا، إنما العمل لاضرب التي حذفت؛ يعني اضرب زيداً ضرباً، فضرباً منصوب لأنه مصدر مفعول مطلق لاضرب المحذوفة، وزيداً مفعول به لاضرب المحذوفة، فحذفت هذه الكلمة وعملت. أو حُذف هذا الفعل وعمل الآخرون يقولون: لا، ضرباً زيداً، زيداً مفعول به لضرباً التي قامت مقام اضرب، هذان قولان. هو خالف في هذا قال: لأن المصدر هنا إنما يحل محله الفعل وحده بدون (أن)، يعني ضرباً زيداً معناه اضرب زيداً، ليس معناه أن تضرب أو أن ضربت أو ما تضرب أو ما ضربت، لا، إنما معناه اضرب، فحل محل المصدر الفعل، لم يحل محله (أن) مع الفعل ولا (ما) مع الفعل. بعضهم يقول هذا غالب، قل هذا غالب، الغالب أن يحل محل المصدر (أن) مع الفعل و(ما) مع الفعل، لكن أحياناً وإن حل محله الفعل فقط فإنه يعمل على قلة ويمثل بهذا.

تقول اضرب زيداً، نعم، لأن المصدر هنا إنما يحل محله الفعل وحده بدون (أن) و(ما)، بدون (أن) و(ما) تقول اضرب زيداً، وإنما زيداً منصوب بالفعل المحذوف الناصب للمصدر. ولا يجوز في نحو مررت بزيد فإذا له صوت صوت حمار، لا يصح أن تنصب صوت الثاني بصوت صوت الأول، يعني لا يصح أن تقول فإذا له صوتَ صوتِ حمار على هذا المعنى، لأنه لا يحل محل الأول فعل لا مع حرف مصدري ولا بدونه؛ لأن المعنى يأبى ذلك، لأن المراد أنك مررت به وهو في حالة تصويته لأنه أحدث التصويت عند مرورك، يعني خلاصة المانع معنوي؛ فإذا له صوت صوت حمار، يعني هو كان وأنت خارج هو له صوت عالٍ أنت شبهته بصوت الحمار. فحتى إذا نصبت حتى إذا قلت له صوتَ صوتِ حمار، يقول ليس هذا النصب بصوت، لأن كلمة صوت وإن كانت مصدراً، وإن كانت مصدراً، إلا أنها لا يمكن هنا أن يحل محلها أي فعل أصلاً لا مع (أن) ولا مع غيره، لأنك لم ترد أنه فإذا هو الآن يصوت أحدث تصويتاً كأنه صوت حمار؛ فيقول هنا المانع معنوي. هذا كله في الشرط الأول الوجودي.

الشروط الأخرى شروط عدمية، قال الشرط الثاني: ألا يكون مصغراً. أعجبني ضربك زيداً، إذا قلت أعجبني ضريبك زيداً، هل المصدر المصغر يعمل؟ يقولون لا يعمل، أو الأكثر يقولون لا يعمل. طيب ما المانع؟ ما المانع؟ يعني أولاً قالوا قال بعضهم: لأن التصغير من خصائص الأسماء، فالمصدر إذا صغر بطل شبهه من الفعل وهو أصلاً يعمل لأنه شبيه بالفعل، فإذا صغر صار بعيداً عن الشبه بالفعل فلم يعمل. وبعضهم يقول: لأن الفعل الذي اشتق من المصدر يشتق من المصدر الأصلي ليس من المصدر المصغر، فالفعل ضرب عند من قال أن المصدر هو أصل المشتقات، الفعل ضرب مشتق من أي شيء؟ من الضرب، هل هو اشتق من الضريب؟ لا، هذا أيضاً مما يبعد شبهه بالفعل. قال ولا يختلف النحويون في ذلك، وقاس على ذلك بعضهم المصدر المجموع، هذا محل خلاف، المصدر المجموع هل المصادر تجمع؟ نعم تجمع أحياناً ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾ [الأحزاب: 10]، هذا موجود لكن الأصل في المصدر ألا يجمع، لكن يجمع في بعض الأحيان. هل المصدر المجموع يعمل؟ قال: فمنع إعماله حملاً له على المصغر، لأن كلاً منهما مباين للفعل، وأجاز كثير منهم إعماله واستدلوا بنحو قوله: وعدت وكان الخلف منك سجيةً مواعيد عرقوبٍ أخاه بِيَثْرِبِ. عرقوب هذا رجل يضرب به المثل في خلاف الوعد، وعدت وكان الخلف منك سجيةً مواعيد عرقوب، يعني مواعيدك هي كمواعيد هذا الرجل، كما قال كعب بن زهير في لاميته المعروفة: كانت مواعيد عرقوب لها مثلاً وما مواعيده إلا الأباطيل. فقال مواعيد عرقوبٍ أخاه، عرقوب هو الفاعل، هو هنا مضاف إليه في اللفظ وهو فاعل في المعنى، فهو الذي وعد أخاه؛ أخاه مفعول به لأي شيء؟ لمواعيد، ومواعيد جمع وعد. فبعضهم يقول: إذاً المصدر المجموع لا يعمل لأنه شبيه بالمصدر المصغر، والأكثرون يعملونه ويستدلون بهذا البيت.

الشرط الثالث: ألا يكون مضمراً. فلا تقول ضربي زيداً حسن، وهو عمراً قبيح. طيب إذا قلت ضربي زيداً حسن، وضربي عمراً قبيح جاز. هنا المصدر عمل في زيد النصب على المفعولية وعمل في عمر النصب على المفعولية، لكن إذا قلت ضربي زيداً حسن وهو أي ضربي عمراً قبيح، كثيرون لا يعملونه. لماذا؟ قالوا لأن هذا المصدر ناب عنه ضميره، وهذا الضمير لا يعمل، فالمصدر إذا كان مضمراً فإنه لا يعمل إذا كان ضميراً، لأنه ليس فيه لفظ الفعل، وجاز ذلك الكوفيون واستدلوا بقوله: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم، وما هو عنها بالحديث المرجم. وما هو عنها بالحديث المرجم، هذا قول زهير في معلقته المشهورة: وما الحرب إلا ما علمتم، وما هو، لا يصح أن تكون هو عائدة على الحرب لأن الحرب مؤنثة، قال الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ [محمد: 4]. يعني وما هو عنها، يعني وما الحديث عنها يعني الحرب، أو وما العلم عنها بالحديث المرجم، بالظنون، يعني ليس العلم عن الحرب ظناً، أو ليس الحديث عن الحرب بالحديث المرجم المظنون. طيب الحديث أو العلم مصدران، لكن المصدر هنا لم يأت بالعلم ولم يأت بالحديث، إنما جاء بالمصدر مضمراً. قال: وما هو عنها يعني ما الحديث عنها، فعنها هذا جار ومجرور متعلق بالضمير الذي هو هذا الضمير الذي هو في موضع في موضع الظرف. لكن هل هذا يعمل؟ بعضهم يعمل يقول: نعم كما أنه علق به الجر والمجرور هنا فإنه يعمل، وقد يُجاب عن الكوفيين بأنهم توسعوا في الجر والمجرور ما لم يتوسعوا في غير الجر والمجرور هو الظرف. قال أي: وما الحديث عنها بالحديث المرجم مظنون، قالوا فعنها متعلق بالضمير وهذا البيت نادر، قابل للتأويل فلا تبنى عليه قاعدة. بيت نادر، الكوفيون يطيرون بالبيت والبيتين النادرين، لا إشكال، البصريون وكثير من النحاة يقولون: لا، البيت النادر لا يقاس عليه ويمكن أن نؤولَه فلا تبنى عليه القاعدة.

الرابع: ألا يكون محدوداً، ألا يكون المصدر محدوداً، محدود بعدد، يعني أعجبني ضربك زيداً، طيب عجبتني ضربتُك زيداً، لا هنا قالوا لا، هذا المحدود لا يعمل أيضاً لبعده عن شبه الفعل أو لأن الفعل لم يؤخذ من هذا المحدود إنما أخذ من المصدر الأصيل. وشذ قوله؛ استدل بعضهم ببيت قالوا لا هذا شاذ، يحايي بها الجلد الذي هو حازم بضربة كفيه الملا نفس راكبة. يحايي بمعنى يحيي، الجلد رجل قوي، به وقيل بها بالماء أو بها بالصحراء يعني الجلد الذي هو حازم بضربة كفيه الماء، يعني بأن تضرب كفاه التراب ضربةً، هذا مصدر محدود واحد، ضربة واحدة، كفيه هذا هو الفاعل، مضاف إليه في اللفظ فاعل في المعنى، يعني بأن تضرب كفاه الأرض، يضرب بكفيه الأرض ويتيمم ويعطي الماء الذي معه لهذا الراكب ليشرب حتى يحيي نفسه. قال فأعمل الضربة في الملا، وأما نفس الراكب فمعمول ليحايي، ومعناه أنه عدل عن الوضوء إلى التيمم، وسقى الراكب الماء الذي كان معه فأحيا نفسه، وقيل هو شرب هو الماء، لم يسق راكباً، ما كان هو الراكب سقى نفسه هذا الماء شربه وتيمم. وهذا معنى صحيح يعني حتى في الشرع، إذا كان عندك أنت في صحراء في مفازة في مكان ليس عندك إلا ماء يكفيك للشرب دونه تهلك وأنت تحتاجه للوضوء، لا تشربه، تبقي نفسك وتتيمم.

الخامس: ألا يكون موصوفاً قبل العمل. المصدر هذا قد يكون منعوتاً، قد يكون له نعت، أما أن ينعت بعد العمل وأما أن ينعت قبل العمل. إذا نعت بعد العمل لا إشكال لأنه عمل خلاص وانتهى، ينعت أو ينعت لا إشكال، لكن إذا نعت قبل العمل هذا بعضهم يقول لا، لا يجب ألا يكون منعوتاً قبل العمل، فلا يقال أعجبني ضربك الشديد زيداً. أعجبني ضربك الشديد زيداً، بعضهم يجوزه فلا إشكال في ذلك، لكن المصنف يقول: لا، هنا إشكال، لو قلت أعجبني ضربك زيداً الشديد، والشديد نعت للضرب لا لزيد، جاز. قال: فإن أخرت الشديد جاز. قال الشاعر: إن وجدي بك الشديد أراني عازراً فيك من عهدت عذولاً. طبعاً هذا البيت له معنيان، يعني معنى الذي.

هذا هو الشرط السادس: ألا يكون محذوفًا. وبهذا رُدَّ على من قال في قولهم: «مالك وزيدًا» إن التقدير: «وملابستك زيدًا»؛ إذ الإشكال فيه أنه أُعمِل المصدر وهو محذوف، وملابسة مصدر لابسه يلبس ملابسة. وعلى من قال في «بسم الله»: إن التقدير «ابتدائي بسم الله» ثابت فحذف المبتدأ والخبر وأبقى معمول المبتدأ، فهذا فيه إشكال أنهم حذفوا المبتدأ ثم حذفوا الخبر ثم أعملوا المصدر محذوفًا. أسهل من ذلك أن يقال كما قال الكوفيون: «بسم الله أبتدئ»، ولماذا تقرأ وتقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»؟ كأنك تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم أقرأ»، وتؤخره. بعضهم يقدمه، لا إشكال، أي اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، لكن التأخير أحسن للاختصاص، «بسم الله أقرأ». وعندما تأكل تقول: «بسم الله» أي آكل، فتقدر فعلًا مناسبًا.

أما «مالك وزيدًا» فقيل: هو مفعول به لفعل محذوف، وقيل: هو مفعول معه، وإن لم يتقدم ما فيه فعل أو ما فيه معناه، وحروفه ومعناه كما سبق في أصل الباب، وسبق الخلاف في هذه المسألة. وقالوا بجعل قوله: «هل تذكرون إلى الديرين هجرتكم، ومسحكم صلبكم رُحمانَ قُربانا» ضرورة؛ لأنه بتقدير: وقولكم يا رُحمان قُربانا. هل تذكرون هجرتكم؟ الهجرة مصدر، ومسحكم، هل تذكرون الهجرة والمسح؟ المسح معناه مسح الصلبان، يعني مسحكم صلبكم، يخاطب به الأخطل النصراني، رُحمان أي وقولكم، يعني هجرتكم ومسحكم وقولكم يا رُحمان، فعمل عمل المصدر وهو محذوف. فهذا فيه وجهان للتخريج: إما أن يقال هذا شاذ، وإما أن يقال: إعمال القول محذوفًا كثير جدًا في لسان العرب، سواء كان هذا القول فعلًا أو مصدرًا.

الشرط السابع: ألا يكون مفصولًا عن معموله، ولهذا رَدُّوا على من قال في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ إنه معمول لـ «رجعه»، أنه على ﴿رَّجْعِهِ لَقَادِرٌ * يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾. طبعًا «يوم» هذا ظرف زمان، ما الذي عمل فيه؟ هناك خلاف بين العلماء؛ بعضهم يقول: «قادر»، وهذا إشكال كبير؛ «قادر» يوم وقادر في كل وقت، لكن هذا قول. بعضهم يقول: إنه على ﴿رَّجْعِهِ﴾ لقادر، يعني يرجعه يوم، كما نقول لك الأصح: «يُرجعه»، وهذا الأفصح، والذي جاء في كتاب الله: ﴿فَإِن رَّجَعَكَ اللَّهُ إِلَىٰ طَائِفَةٍ مِّنْهُمْ﴾، يعني يرجعه يوم، فيجعل هناك فعلًا محذوفًا. القول الثالث هو الذي ينفيه المصنف: أنه على ﴿رَّجْعِهِ﴾ لقادر متى؟ يرجعه يوم تبلى السرائر، يعني أنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر، فجعل «يوم» معمولًا للرجع الذي هو مصدر، قالوا: هذا مفصول، قال: لا إشكال في المفصول، فهذه مسألة أيضًا خلافية؛ لأنه قد فُصل بينهما بالخبر.

الثامن: هذا هو الشرط الثامن والأخير من الشروط الثمانية التي للمصدر، ألا يكون مؤخرًا عن معموله، فلا يجوز: «أعجبني زيدًا ضربك»، تقول: «أعجبني ضربك زيدًا». طيب هذا سيرجع بنا إلى باب اسم الفعل الذي سبق قبل ذلك، «الزم زيدًا زيدًا» الزم، هذا جائز وهذا جائز لأن الفعل؛ طيب «عليك زيدًا» جائز؟ طيب «زيدًا عليك»؟ الكسائي فقط هو الذي يجيزه. السهيلي هنا يجيز هذا، وأجاز السهيلي تقديم الجار والمجرور، لكن إذا كان جارًا ومجرورًا؛ لأنهم توسعوا في الجر والمجرور وفي الظرف ما لم يتوسعوا في غيرهما، واستدل بقوله تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾، حِوَلًا بمعنى تحولًا، هذا مصدر، لا يبغون تحولًا عنها، يعني لا يبغون حِوَلًا عنها، فقدم المعمول لأنه جار ومجرور. وقولهم، استدلوا بقولهم: اللهم اجعل لنا من أمرنا فرجًا ومخرجًا، يعني فرجًا ومخرجًا من أمرنا، مخرجًا من أمرنا، فمخرجًا من أمرنا؛ لأنه جار ومجرور.

ينقسم المصدر العامل إلى ثلاثة أقسام، بعد كل هذا، بعد أن تتأكد أن المصدر جمع شروطه الثمانية، الشرط الوجودي وهو أن يحل محله فعل مع «أن» أو فعل مع «ما»، وجمع الشروط السبعة العدمية وهي: ألا يكون هذا المصدر مصغرًا، ولا مضمرًا، ولا محدودًا، ولا محذوفًا، ولا منعوتًا قبل العمل، ولا مفصولًا عن معموله، ولا مؤخرًا عنه؛ حاول أن تحفظها، إذا جمع هذه الشروط فإنه يعمل مضافًا أو منونًا أو مُعرَّفًا بأل.

قال: وينقسم المصدر العامل إلى ثلاثة أقسام، أحدها: المضاف، وإعماله أكثر من إعمال القسمين الآخرين، فهو أكثر، مع أنه في الأصل الأصل أن يكون خارج العمل لو أننا على القواعد العربية وعلى القسم الأشياء العقلية على ما ذكروه، لماذا؟ لأنهم لم يعملوا أشياء كثيرة، والسبب عندهم مخالفتها للفعل أو بعدها عن شبه الفعل، أو اختصاص هذا بالاسم، طيب الإضافة مختصة بالاسم، الإضافة بعيدة، لكن سبحان الله جاءت أكثر آيات القرآن في هذا الباب من إعمال هذا المضاف، فإذا هذا يؤكد أن القرآن وأن الوحي هو مشكاة لهذه المسائل التي يقولها العلماء، ولهذه الأحكام؛ لا تُبنى الآيات والأحاديث على الأحكام، إنما تُبنى الأحكام منها وتُؤخذ منها، ويُستقرأ القرآن حتى نقول هذا صحيح وهذا غير صحيح، هذا جائز وهذا غير جائز، هذا سائغ وهذا غير سائغ.

قال: وهو ضربان، نوعان، مضاف للفاعل، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾، أظن هنا فهمت، يعني لولا أن دفع الله الناس أو أن يدفع الله الناس، فاسم الله هنا مضاف إليه في اللفظ وهو فاعل في المعنى، دفع الله الناس، وهكذا في كل موضع لو جعلت مكان المصدر «أن» مع الفعل أو «ما» مع الفعل وضح لك المعنى. فدفع الله الناس، مفعول به، فأضيف المصدر لفاعل ونصب المفعول، ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا﴾، أخذهم أخذوا الربا، ﴿وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾، أكلوا أموال الناس، ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، رحم الله عبده، ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾، نقضوا ميثاقهم، وهذا مثل كثير. ومضاف للمفعول، كقوله: ﴿أَلَا إِنَّ ظُلْمَ نَفْسِهِ الْمَرْءُ بَيِّنٌ﴾، ظلم نفسه المرء، يعني ظلم المرء نفسه، هو قال: ظلم نفسه المرء، فالنفس مفعول به والمرء هو الفاعل، فظلم المرء نفسه، والمرء تطلق على الرجل والمرأة، ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾، الرجل والمرأة.

ألا إن ظلم نفسه المرء بين، فأضيف إلى المفعول ونصب الفاعل، وقوله عليه الصلاة والسلام: «وحج البيت من استطاع إليه سبيلا»، قلنا: «الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله»، تشهد هذه الشهادة، فهنا الشهادة مضافة إلى المفعول، «وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة»، أيضًا المصدر المضاف إلى المفعول، «وإيتاء الزكاة»، المصدر المضاف إلى المفعول، «وصوم رمضان»، مصدر مضاف إلى المفعول، «وحج البيت»، يعني أن يحج البيت من استطاع إليه سبيلا، في هنا جاء بالفاعل، لكن في كل الذي فات أضاف المصدر إلى المفعول ولم يذكر الفاعل، هنا ذكر أضاف المصدر إلى المفعول وذكر الفاعل: «وحج البيت من استطاع إليه سبيله»، «شهادتِي وإقامِي وإيتائِي وصيامِي وحجِِّي». ويجوز أن تقول: «شهادةَ أن لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، وإقامَ الصلاة، وإيتاءَ الزكاة، وصومَ رمضان، وحجَّ البيت من استطاع إليه سبيله»، والنصب أيضًا له وجه إذا: «وحجَّ البيت»، يعني أن يحج البيت من استطاع. وهذا المعنى لماذا استدل بالحديث؟ لم يستدل بالآية، هذا كلام طويل، الاستدلال بالآية في هذا الموضع خطأ؛ لأن الآية قبلها كلام يجعل الاستدلال بها على هذا المعنى خطأ، لأن الصحيح أن «مَن» ليس فاعلاً، وبيت الكتاب أي كتاب سيبويه، وهو قول الشاعر: «تنفي يداها الحصى في كل هاجرةٍ ... نفيَ الدراهمِ تَنقادُ الصياريفُ»، نفي الدراهم تَنقاد الصياريف، التَنقاد الذي هو النقد، نقد الصيرفي ينفي، يرمي ك الدرهم المغشوش مضروب الزائف يعني، فنفي الدراهم، الدرهم هذا منفي والنافي هو النقد، نقد الصيرفي، الصيرفي ينقد، فسمي صيرفيًا، أو سمي هذا التَنقاد من النقد لأنه ينقد الدرهم، يعلم الصحيح من الفاسد، فالشاهد أن نفي الدراهم مفعول به، هو مضاف إليه في اللفظ ومفعول به في المعنى، وتَنقاده هو الفاعل.

الثاني: المنوَّن، وإعماله أقيس من إعمال المضاف؛ في النسخة التي معي وإعماله من إعمال المضاف، لا هنا أفعل تفضيل وقعت أو سقطت وسقوطها مضر، فمن عنده نسخة: «وإعماله من إعمال المضاف»، فليجعل مكانها «أقيس من إعمال المضاف»، يعني عليه أن يكتب كلمة «أقيس». المنون إعماله أقيس من إعمال المضاف؛ لماذا أقيس؟ معنى التنوين من خصائص الأسماء، قول إنه بالتنوين يصير نكرة، فيكون قريبًا من الفعل، قال: لأنه يشبه الفعل بالتنكير، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا﴾. إذا سألت نفسك ما الذي نصب اليتيم؟ «يتيمًا» زي ما الذي نصبه؟ نصبه الإطعام، أطعم هو يتيمًا، كما في الآية في القراءة الأخرى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، أو أطعم في يوم ذي مسغبة يتيمًا، هذه قراءة متواترة وهذه القراءة الأخرى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا. أين الفاعل؟ طيب إطعام هذا هو المصدر هو الذي يعمل عمل الفعل، ويتيمًا مفعول به، أين الفاعل؟ الذي يذكر الفاعل هنا محذوف، وهو حذفه هنا قياسي، فرق بين المحذوف وبين المستتر، الفعل هنا محذوف ليس مستتر، تقديره: أو أن تُطعِم يتيمًا في يوم ذي مسغبة.

الثالث: وهذا آخر شيء بحمد الله تعالى، الثالث: المُعرَّف بأل، وإعماله شاذ قياسًا واستعمالًا، ولا أعلم له فيه شاهدًا في كتاب الله تعالى، هو شاذ في القياس والاستعمال، الاستعمال شذ في الاستعمال يعني لم يرد فيه كبير أدلة، وشذ في القياس؛ لأن تعريفه بـ «أل» يشبهه بالأسماء لا بالأفعال، فكيف يعمل عمل الفعل؟ كقوله: «عجبتُ من الرزقِ أو الرزقِ المسيءَ إلهُه، ومن تركِ بعضِ الصالحينَ فقيرًا»، بعضهم يقول: «ومن الرزقِ المسيءَ إلهُه»، فهذا أو ذاك، فالمسيء إما أنه مضاف إليه وإما أنه مفعول به، لكن الذي عندي في نسخة بالجر بالإضافة، وهذا صحيح، يعني كأنه يقول: عجبتُ من أن رُزق المسيءَ إلهُه، هذا غريب منه، يعني غريب من صاحب البيت، لا مجرد العجب، يعني يمكن أن يحتمل، أما أن يقال كما في البيت الذي في شواهد تحت، في عند الشيخ محمد محيي: «كم عالمٍ أعيت مذاهبهُ، وجاهلٍ تلقاهُ مرزوقًا»، هذا الذي ترك الأوهام حائرة، وصير العالم النحرير، إذا وصل إلى هذا المعنى فهي زندقة عياذًا بالله تعالى، لكن إذا كان مجرد عجب يعني قد يحتمل وقد لا يحتمل، الله تبارك وتعالى يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، وليس بسط الرزق دليلاً على محبة الله للذي بُسط له الرزق، وليس تضييقه وتقديره دليلاً على كراهة الله تعالى له، وقد أبطل الله تعالى هذا المعنى الذي يظنه بعضهم في سورة الفجر وفي غير ذلك من السور، ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ إلى آخره، هذا معنى معروف، الشاهد فيه: «من الرزقِ أو الرزقِ المسيءَ إلهُه»، يعني من الرزق المسيء إلهه، فإلهه فاعل، والمصدر الذي هو الرزق أو الرزق أضيف إلى المفعول به، أي عجبتُ من أن رُزق المسيءَ إلهُه، ومن أن ترك بعض الصالحين فقيرًا. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.