تسجيل الدخول

الدرس 21

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا هو الدرس الحادي والعشرون من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله. وسأدخل دون مقدمات في هذا الدرس لطول الكلام فيه، ولأن الكلام فيه سيكون في أربع مسائل كبار أو في أربعة أبواب. آخر ما كان في الدرس الماضي الكلام عن الفاعل، ذكر المصنف الفاعل والرفع وذكر فيه بعض المسائل، ثم بقيت فيه مسألتان.

قال: والأصل أن يلي عامله، وقد يتأخر جوازًا نحو: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾ [القمر: 41]، وكما أتى ربه موسى على قدري، وجوبًا نحو: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ [البقرة: 124]، وضربني زيد. وقد يجب تأخير المفعول كضربت زيدًا، وما أحسن زيدًا، وضرب موسى عيسى بخلاف أرضع الصغرى الكبرى. وقد يتقدم على العامل جوازًا نحو: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ﴾ [الأعراف: 30]، ووجوبًا نحو: ﴿أَيًّا مَّا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: 110].

قال في المسألة الثانية: وإذا كان الفعل نعمة أو بئس، فالفاعل إما معرف بأل الجنسية نحو: نعم العبد، أو مضاف لما هي فيه نحو: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30]، أو ضمير مستتر مفسر بتمييز مطابق للمخصوص نحو: بئس للظالمين بدلًا. ثم قال في الشرح: هو سيشرح هذا الكلام كله كما هو معلوم.

الفعل والفاعل كالكلمة الواحدة فحقهما أن يتصلا، كما قال الناظم ابن مالك عليه رحمة الله: والأصل في الفاعل أن يتصلا، والأصل في المفعول أن ينفصلا. وقد يجيء بخلاف الأصل، وقد يجيء المفعول قبل الفعل، فالأصل والأكثر أنك تجد في الفعل المتعدي أنك تجد الجملة هكذا: تجد فعلاً ثم فاعلاً ثم مفعولاً به. قال الله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]، ورث فعل ماض، سليمان فاعل، داوود مفعول به. هذا النظم هو الأصل، فعل وفاعل ومفعول، ومثله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾ [النحل: 75]، ومثله: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ﴾ [البقرة: 251]، ومثله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة: 1]، فعصى فرعون الرسول، إلى آخر هذا، أمثلة كثيرة جدًا. فهناك فعل ثم فاعل ثم مفعول.

أحيانا يأتي الفعل ثم المفعول ثم الفاعل، هذه صورة صحيحة وعليها أمثلة، وأحيانا يأتي المفعول ثم الفعل ثم الفاعل، هذه صورة ثالثة وهي صحيحة فصيحة أيضًا وعليها بعض الشواهد والأدلة. هذه الصور هي المتاحة: فعل وفاعل ومفعول، فعل ومفعول وفاعل، مفعول وفعل وفاعل. غير هذا من الصور على الصحيح ليس صحيحًا، هناك صور أخرى قد تجوز عقلاً، فالقسمة العقلية تقتضي أكثر من ذلك، تقتضي أن يكون هناك فاعل مثلاً، فاعل وفعل ومفعول، وكذلك فاعل ومفعول وفعل، وكذلك مفعول وفاعل وفعل، هذه ثلاث صور تجوز عقلاً، فمجموع الصور العقلية ست صور عقلية، لكن الواقع ثلاث صور فقط على الصحيح.

لماذا ما سبب عدم جواز الثلاثة الأخرى؟ السبب هو عدم جواز تقديم الفاعل على الفعل، أما الذي يجوز تقديم الفاعل على الفعل فيجوز الصور كلها. فإذاً فعل وفاعل ومفعول هذه الصورة الأولى وهي الأصل والأكثر. فعل ومفعول وفاعل، الفعل يأتي أولاً ثم المفعول يتقدم على فاعله، هذه الصورة. قال: وقد يتأخر الفاعل عن المفعول، وذلك على قسمين: جائز وواجب.

فالجائز كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾، من جاء؟ من عندنا النذر، وعندنا آل فرعون، النذر بما أنها الرسل، والمراد موسى وهارون عليهما السلام، وأقل الجمع اثنان عند بعض العلماء، والمراد بذلك جنس النذر فيدخل فيه واحد واثنان وأكثر. وقيل النذر هي الآيات ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا﴾ [القمر: 42]، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ [الإسراء: 101]، ذلك في تسع آيات إلى فرعون وقوم. فالنذر هي الآيات أو النذر موسى وهارون عليهم السلام، خلاف في ذلك. على كل، من جاء من آل فرعون هم الذين جاؤوا النذر، أم النذر جاءت آل فرعون؟ سواء كانت النذر هذا أو ذاك، معلوم يقينًا أن النذر هي التي جاءت، فجاء موسى وهارون آل فرعون، أو جاءت هذه الآيات آل فرعون، جاءتهم الآيات. إذاً فجاء النذر آل فرعون على أنه فعل وفاعل ومفعول. لكن كيف جاء هنا في القرآن؟ جاء آل فرعون النذر، هذا في سورة القمر وهي سورة مختومة بحرف الراء في كل آياتها، فهذا مما سوغ، مع أنه سائغ في الأصل، لكن هذا مما حسن تقديم المفعول به على الفاعل، تقديم المفعول به على الفعل، ومراعاة الفاصلة القرآنية وارد لا ينكر ولا يجحد.

أحيانا يحصل تقديم وتأخير مراعاة للفاصلة، وأحيانا يأتي مثلاً في عدة مواضع الكلام على وجه معين، ولأجل الفاصلة يتغير هذا الوجه، ومن أصح ذلك قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَىٰ وَهَارُونَ﴾ [الشعراء: 47-48]، بكل موضع رب موسى وهارون، في موضع سورة طه قالوا: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَىٰ﴾ [طه: 70] لمناسبة رؤوس الآيات: ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾، من أولها طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، وهكذا، فإذا كانت الفاصلة رب هارون وموسى، هذا واضح خلاف رب موسى وهارون، وتختتم الآية هكذا والله أعلم. هذا له أمثلة كثيرة. إذاً ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ﴾، أي جاءت النذر آل فرعون، أو جاء النذر آل فرعون، فتقدم المفعول به على الفعل. ومثله أيضًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ [الأنفال: 50]، ﴿إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾، من يتوفى؟ من؟ الملائكة تتوفى الكافرين تقبض أرواحهم، فقال تعالى: ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة، فالملائكة فاعل، يعني يتوفى الملائكة الذين كفروا، هذا فيه تقديم للمفعول به على الفاعل لأن المعنى مفهوم. وقال تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ [هود: 67]، الصيحة أخذت الظالمين، ولا الظالمون أخذوا الصيحة؟ الصيحة أخذت الظالمين، قال: وأخذ الذين ظلموا الصيحة، يعني الصيحة أخذتهم، بدليل الآية الأخرى بالتاء: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾، فالصيحة فاعل، فكل هذا سائغ وجائز فيه أن تقدم وأن تؤخر. فجاء القرآن هكذا، يجوز لك في الكلام أن تأتي بالفاعل قبل المفعول. إذاً فهذا من باب الجواز.

قال وقول الشاعر: جاء الخلافة أو كانت له قدرا، كما أتى ربه موسى على قدر، يقولون هنا أو بمعنى الواو، يعني هو عمر عليه رحمة الله ورضوانه، أو عمر بن عبد العزيز، جاء الخلافة وكانت له قدرها الله له، كان أهلاً لذلك، هو إمام عادل، كما أتى موسى ربه على قدره. الشاهد فيه كما أتى ربه موسى، من أتى من؟ قل: أتى موسى ربه، ولما لما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه، إذا جاء موسى لميقاتنا، فالذي جاء هو موسى عليه السلام، لكن هو قال: أتى ربه موسى، هنا أخر الفاعل عن المفعول به، أو يقال قدم المفعول به على الفاعل، هذا التقديم جائز أم واجب؟ هذا التقديم جائز، تقول أتى ربه موسى وتقول أتى موسى ربه، أتى موسى ربه فعل وفاعل ومفعول، وكما قال جرير: أتى ربه موسى، فعل ومفعول به وفعل، فهذا جائز وهذا جائز، فتقديم المفعول به على الفاعل في هذه الأمثلة جائز. قال: فلو قيل في الكلام جاء النذر آل فرعون، هكذا لو قيل في الكلام، لا مانع لكلمات الله، إنما الكلام إذا أردت أنت أن تتكلم بمثل هذا الكلام على وجه آخر، لا يقال هذا قرآنيًا. قال فلو قيل في الكلام جاء النذر آل فرعون لكان جائزًا، وكذلك لو قيل كما أتى موسى ربه، أيضًا فهو جائز. قال وذلك لأن الضمير حينئذ يكون عائداً على متقدم لفظًا ورتبة، وذلك هو الأصل في عود الضمير، الأصل في عود الضمير أن يكون عائداً على متقدم لفظًا ورتبة، لأن الضمير يعود على شيء متقدم، فيكون متقدماً عليه في اللفظ، هذا لم واضح، ما على أي شيء يعود هذا الضمير؟ يقال على هذا الشيء المتقدم، وكذلك يكون متقدماً عليه في الرتبة، ورتبة الفاعل قبل رتبة المفعول كما سبق، فعل ثم فاعل ثم مفعول، فهذا سائغ وهذا سائغ.

قال والواجب كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 124]. هذا واجب، قد يقول قائل يعني لماذا تقولون في قول جرير: أتى ربه موسى، تقديم المفعول هنا جائز، وفي قول الله تعالى: ابتلى إبراهيم ربه، قول هو تقديم المفعول هنا واجب؟ هنا العلماء يردون على هذا ويجيبون، يقولون بما قال المصنف، قال وذلك لأنه لو قدم الفاعل هنا فقيل ابتلى ربه إبراهيم، هذه قريبة مما جاء في البيت السابق في بيت جرير اتى ربه موسى، هنا ابتلى ربه إبراهيم، الرب متقدم والعبد متأخر هنا، وهنا رب وموسى في الآية، فيما لو قلناه لو قيل به لقيل ابتلى ربه إبراهيم، تقدم اسم رب سبحانه وتعالى وتأخر اسم إبراهيم، لكن التشكيل تغير. في البيت: أتى ربه موسى، وموسى فاعل لكن لم تظهر عليه الضمة لأنه مقصور فهو مرفوع بضمة مقدرة وجوبًا منع من ظهورها التعذر كما درستم قبل ذلك.

طيب لماذا قالوا، لماذا لا يجوز ابتلى ربه إبراهيم؟ انظر إلى هذه الآية أو إلى هذا الكلام ابتلى ربه إبراهيم، إلى هذا الكلام أقول: ابتلى ربه، ربه هذه الهاء هي ضمير، على أي شيء عادت؟ قالوا عادت على إبراهيم. طيب إبراهيم متقدم في اللفظ على الضمير أم متأخر؟ لا متأخر في اللفظ، هذا شيء إبراهيم متقدم في الرتبة على الضمير أم متأخر؟ متقدم في الرتبة على الاسم الذي في الضمير، ليس على الضمير، على الاسم الذي في الضمير متقدم أم متأخر؟ لا متأخر، لماذا؟ ربه فاعل، إبراهيم مفعول به، إذاً فإبراهيم متأخر لفظًا ورتبة، فعاد هذا الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، قال وهذا لا يجوز، وهذا لا يجوز، طبعًا بعضهم جوزه وذكر عليه أدلة كثيرة، لكن الواضح عند العلماء الذي يذكره العلماء في مثل هذا أن هذا هو السبب، وأن الأصل أنه لا يسوغ، وإلا فبعضهم سوغه وذكر عليه عدة شواهد من أشعار.

قال وذلك لأنه لو قدم الفاعل هنا فقيل ابتلى ربه إبراهيم، لزم عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وذلك لا يجوز يجوز على هذا الاختيار. قال وكذلك نحو ضربني زيد، وذلك أنه لو قيل ضرب زيد إياي لزم فصل الضمير مع التمكن من اتصاله، وقد سبق أيضًا أن درستم أنه متى أمكن المجيء بالضمير متصلاً فلا يعدل عنه إلى المنفصل إلا في مسألتين، ليست هذه المسألة منهما. درست ماذا في باب الضمير؟ وفي اختيار لا يجيء المنفصل إذا تأتى أن يجيء المتصل، فإذا استطعت أن تأتي بالضمير متصلاً فلا يجوز لك العدول عنه إلى الضمير المنفصل، تقول ضربني زيد بهذه الياء، ضربني زيد، إذاً الياء، هذه الياء ياء المتكلم، ما موقعها في الإعراب؟ موقعها هي مفعول به مقدم، وزيد فاعل مؤخر، هذا التقديم والتأخير واجب أم جائز؟ هذا واجب، واجب لأنك لو أردت أن تقول ضرب زيد إياي، لفصلت في موضع الاتصال بغير مسوغ حينئذ، قالوا هذا واجب.

ومن أمثلة ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر: 83]، فأخذتهم الصيحة، أخذ فعل وتاء التأنيث، والهاء والميم هذا ضمير هو مفعول به مقدم وجوبًا، والصيحة فاعل مؤخر وجوبًا، لماذا؟ لأنه لا يقال أخذت الصيحة إياهم. ﴿تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ [الأنعام: 61]، توفته توفى فعل، والتاء حرف تأنيث الساكنة، والهاء مفعول به مقدم وجوبًا، ورسلنا فاعل مؤخر وجوبًا، لأن لو قلت توفت رسلنا إياه، لكان هناك فصل في موضع الوصل، وذلك لا يجوز إلا في المسألتين المحفوظتين، قد سبق ذكر هذا الكلام.

نعم، يبقى إذاً في المسألة الأولى عاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، لو جيء بالكلام كفعل وفاعل ومفعول، لو جاء بالكلام هكذا فعل وفاعل ومفعول، لعد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، ولم يجوزوا هذا، وإن كانوا قد وجدوا عليه عدة شواهد عربية كما قلت لكم، لكن ليس له شاهد في كتاب الله تعالى. ومن الشواهد العربية التي ذكروها في هذا قول الشاعر: جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر، وحسن فعل كما يجزى سنمار، جزى بنوه أبا الغيلان، يعني جزى أبا الغيلان بنوه، ومع ذلك قال الشاعر جزى بنوه، بنوه هذه الهاء على أي شيء تعود؟ على قوله أبا الغيلان، طيب أبا الغيلان هذا متأخر في اللفظ؟ نعم، جزى بنوه أبا الغيلان هو متأخر في اللفظ، طيب متأخر في الرتبة؟ نعم، بنوه فاعل وأبا الغيلان مفعول به، فعاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة. ومثله أيضًا: لما رأى طالبوه مصعبًا ذعروا، وذكروا عدة شواهد على هذا، وشواهد هذا الباب كثيرة، كلها في أشعار العرب، لأجل هذا يذهب بعضهم إلى أن عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة في مثل هذا الباب ليس في كل باب سائغ، لا إشكال فيه، لكنه دون الأفصح، فوجب ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ﴾ تقديم المفعول على.

الفعل وجوباً أو جوازاً، لكن هذا هو الأصح لجل كثرة الشواهد التي ذكرت. قال: وقد يجب أيضاً تأخير المفعول في نحو ضرب موسى عيسى.

تكلم عن تقديم المفعول جوازاً، وعن تقديم المفعول وجوباً، وتكلم ضمناً عن تأخير المفعول جوازاً، مثل قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]؛ هنا تأخر المفعول لكن هذا جائز، لو قيل في الكلام ورث داوودَ سليمانُ هكذا بالنصب في داوود والرفع في سليمان لظهر المعنى، لكن سيظهر المعنى لمن يعرف الإعراب، يعرف أنك هنا قد قدمت المفعول به وأخرت الفاعل.

كما تقول في الكلام مثلاً زار زيدٌ عمراً، لو قلت زار عمراً زيدٌ، المعنى واحد، لكن يفهم من يعرف الفرق بين الفاعل والمفعول، وهذا يأتي كثيراً في الأحاديث؛ تجده «أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ من فلان أو كذا»، «أتى النبيَّ رجلٌ»، ليس المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي ذهب إليه، لا، معنى أن الرجل هو الذي أتى، وهنا يجوز تأخير الفاعل وتقديمه، ويجوز تأخير المفعول وتقديمه، ولكن يأتون بها هكذا: «أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم رجلٌ».

فتكلم إذاً عن تقديم المفعول به جوازاً، وعن تقديم المفعول به وجوباً، وتكلم ضمناً عن تأخير المفعول به جوازاً. هذه مسألة أخرى، وهي تأخير المفعول به وجوباً. الأصل أن يأتي فعل وفاعل ومفعول، أحياناً يجوز أن يتزحزح هذا المفعول إلى المنتصف، أن يأتي بين الفعل والفاعل، وسيأتي أنه أحياناً يأتي قبل الفعل والفاعل جميعاً، لكن هنا يتكلم عن المسألة أنه يلزم موضعه وجوباً، لا يجوز له أن يتقدم ولا أن يتوسط.

متى؟ خلاصة هذا أنه إذا لم يظهر المعنى أو لم يظهر الإعراب. في ضرب موسى عيسى، موسى اسم رجل وعيسى اسم رجل، لا يأتين في ذهنك النبيان الكريمين، إياك أن يظن أحد أنه يريد النبيين الكريمين عليهما وعلى نبينا صلوات الله وسلامه، هذا تمثيل، فمثل بهذين الاسمين لأنهما لا يظهر فيهما إعراب، ولو مثل مثلاً بضربت سلوى نجوى كان أبعد عن مثل هذا التهي، على العموم ضرب موسى عيسى.

قد يقول قائل هنا ضرب فعل ماضٍ وموسى فاعل وعيسى مفعول به، فيخالفه آخر فيقول يمكن أن أقول ضرب فعل ماضٍ وموسى مفعول به مقدم وعيسى فاعل مؤخر، قالوا له لا، هذا الثاني مخطئ، لا يصح، وإن كان في الأصل يصح أن تقول ضرب زيدٌ عمراً وضرب عمراً زيدٌ بتقديم المفعول، وهذا صحيح وهذا صحيح، لكن هناك ظهر المعنى، ضرب زيدٌ عمراً ظهر المعنى لأجل الإعراب، وضرب عمراً زيدٌ أيضاً زيد هو الضارب وعمرو هو المضروب لأجل الإعراب.

لكن إذا قلت ضرب موسى عيسى فلا بد أن يكون المقدم فاعلاً وأن يكون المؤخر مفعولاً به، لماذا؟ لعدم اللبس، واللبس أصح من الإلباس؛ لأن الفعل لبس يأتي ثلاثياً، وكذلك هنا سيحصل لبس إذا قلت ضرب موسى عيسى وقدمت المفعول به على الفاعل سيكون في الكلام لبس واضح؛ لأنه لا تظهر الدلالة على فاعلية أحدهما ومفعولية الآخر، ليست هناك دلالة.

قال: فلو وجدت قرينة معنوية؛ هناك قرينة معنوية وقرينة لفظية تجوز هذا. قال: فلو وجدت قرينة معنوية نحو أرضعت الصغرى الكبرى، الأصل في الكلام أن يقال أرضعت الكبرى الصغرى. صورة المسألة أن رجلاً تزوج من امرأة وعاش معها زمناً، ثم بدا له أن يتزوج بامرأة أخرى وهي صغيرة، مثلاً قبل أن تبلغ، فجاءه رجل بعد أن تزوج وقال: يا فلان أتدري، هناك موضوع في زوجتي هاتين أريد أن أحدثك عنه، ما الموضوع؟ قال: أرضعت الكبرى الصغرى، لو قال هكذا أولاً أرضعت الكبرى الصغرى، هذا واضح أن الكبرى من امرأته أرضعت الصغرى، يعني هذه المرأة التي عمرها 40 سنة منذ 20 سنة كانت هذه البنت الصغيرة مولودة فأرضعتها وهو لا يعلم، فهي ابنتك أو كانت مزوجة لغيرك، المهم أياً ما كانت الصورة، هي ابنتك أو ابنة امرأتك، فلا يجوز لك أن تتزوجها.

فإذا قال أرضعت الكبرى الصغرى فعل وفاعل ومفعول، ليس هناك أحد يتخيل غير ذلك، طب إذا قال له يا فلان أرضعت الصغرى الكبرى، هو أيضاً سيعلم أن المعنى حتى بغير نحو، في المعنى هذا عقلي، هو سيعلم أنه يريد أن الكبرى هي التي أرضعت الصغرى، أنه لا يمكن أن تكون المرأة التي هي بنت 20 سنة ترضع امرأة أخرى وهي بنت 40 سنة! كيف هذا؟ فإذا تقدم الفاعل أو تقدم المفعول هاهنا لا يضر، يقول يا جماعة كيف وأنا ليس هناك علامة رفع ولا علامة نصب؟ يقال هنا علامة معنوية يعرفها العاقل.

وقال: وأكل الكمثرى موسى، إذا قلت أكل موسى الكمثرى هذا واضح الفعل، الأول الفاعل والثاني المفعول، وهذه الفاكهة هي مفعول، طب ولو قدمت لا يخطر ببال أحد أن المقدم فاعل، فقال أكل موسى الكمثرى وأكل الكمثرى موسى، هذا لا إشكال فيه، هناك قرينة معنوية كل عاقل يفهم المراد، فضرب موسى عيسى هذا لا يفهم المراد إلا بتقديم الفاعل وتأخير المفعول، أو لفظية، فلو وجدت قرينة معنوية أو قرينة لفظية، كقولك ضربت موسى سلمى، إذا قلت ضربت سلمى موسى فعل وفاعل ومفعول، هذا لا إشكال فيه، طب إذا عكست قلت ضربت موسى سلمى، هل يظن ظان أن موسى فاعل وسلمى مفعول به؟ سيقال كيف هذا؟ والرجل يقول ضربت، وهذه التاء هي تاء التأنيث، لا تدخل إلا على مؤنث سواء تقدم هذا المؤنث أو تأخر، إذاً هذا مسوغ.

قال: وكذلك ضرب موسى العاقل عيسى، عندي في النسخة العاقل وأظن والله أعلم أن هذا خطأ؛ ضرب موسى العاقل عيسى، فإذا قلت ضرب موسى العاقل، العاقل نعت لموسى، فهذه قرينة لفظية تبين أن هذا نعت منصوب لموسى، إذاً فموسى هذا منصوب، فتقدم المفعول به على الفاعل وعيسى فاعل. قال: في كل هذا جاز تقديم المفعول على الفاعل وتأخيره عنه لانتفاء اللبس في ذلك، فالعبرة هاهنا باللبس.

قال: واعلم أنه كما لا يجوز في مثل ضرب موسى عيسى أن يتقدم المفعول على الفاعل وحده، كذلك لا يجوز تقديمه عليه وعلى الفعل، يعني تقول ضرب موسى عيسى فعل وفاعل ومفعول، إذاً هل يجوز لك أن تقول ضرب عيسى موسى وتقصد أن عيسى هو المفعول كما هو لكن أنت قدمته؟ قالوا لا يجوز، طب إذا قال سأقدمه على الفعل؟ أقول عيسى ضرب موسى، طب ماذا تريد بهذا؟ يعني أريد أن أقول ضرب موسى عيسى لكن قدمت عيسى على أنه مفعول به مقدم كما يقال، قال والنحويون يجوزون أن تقول ضرب زيدٌ عمراً وأن تقول ضرب عمراً زيدٌ، وأن تقول عمراً ضرب زيدٌ، عمراً مفعول به مقدم وبعدين ضرب زيد فعل وفاعل، قالوا هذا أيضاً لا يجوز هاهنا؛ لأنك إذا قلت عيسى ضرب موسى وأنت تقصد عيسى أن عيسى مفعول به، كل من يسمعك وهو يعرف في النحو سيقول عيسى مبتدأ وضرب موسى هذا فعل وفاعل والجملة خبر، وسيكون عيسى هو الضارب، قالوا فهذا أيضاً لا يجوز.

قال: لئلا يتوهم أنه مبتدأ وأن الفعل فعل متحمل لضميره وأن موسى مفعول. وقال: ويجوز في مثل ضرب زيدٌ عمراً أن يتقدم المفعول على الفعل كما ذكرت لك، هذا لا إشكال فيه، كقول عمراً ضرب زيدٌ لعدم المانع من ذلك، قال الله تعالى: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ﴾ [الأعراف: 30]، فريقاً هدى، يعني هدى الله فريقاً، ﴿وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [الأعراف: 30]، وقال: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]، فكلمة فريقاً جاءت في كتاب الله كثيراً مقدمة على الفعل، والمفعول على الفعل والفاعل وهي مفعول به.

قال: وقد يكون تقديمه واجباً، هذه مسألة أخرى في هذه المسألة، يتقدم المفعول به وجوباً على أي شيء؟ على الفعل والفاعل جميعاً، يتقدم على الفعل والفاعل جميعاً، لا يتوسط بينهما إنما يتقدم وجوباً. قال كقوله تعالى: ﴿أَيَّامَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ [الإسراء: 110]، وهذه الآية سبق الكلام فيها في جوازم المضارع، فقلت لكم حينها أيّاً، أذكر هذا الكلام، قلت لكم أيّاً منصوبة ما الذي نصبها؟ تدعوا، وتدعوا مجزومة، هذه الكلمة مجزومة، ما الذي جزمها؟ أيّ، إذاً فالمنصوب نصبه المجزوم والمجزوم جزمه المنصوب، فأيّاً مفعول لتدعوا مقدم عليه وجوباً، لماذا قدم وجوباً؟ لأنه شرط، والشرط له صدر الكلام، وتدعوا مجزوم به، فالشرط له صدر الكلام كما سبق، فأيّاً هنا مفعول به مقدم على الفعل والفاعل، أين الفعل وأين الفاعل؟ تدعوا هذا الفعل وواو الجماعة فاعل، قدم المفعول به على الفعل والفاعل وجوباً.

قال: وإذا كان الفعل نعمة أو بئس، هذه آخر مسألة في الفاعل، هناك فعلان من ضمن الأفعال الماضية هذه كلها نعمة وبئس، طبعاً فيهما خلاف، والصحيح أنهما فعلان ماضيان كما سبق، هذان الفعلان يختصان بشيء في فاعلهما، لا بد في فاعلهما أن يكون محلى معرفاً بـ أل، أو مضافاً لما فيه أل كما سيأتي من كلام المصنف، بخلاف الأفعال الأخرى؛ الأفعال الأخرى يأتي فاعلها نكرة، يأتي فاعلها معرفة بأل، يأتي علماً، يأتي اسم إشارة، أياً ما كان، لكن هذان الفعلان يختصان بهذا الشيء.

قال: وإذا كان الفعل نعمة أو بئس وجب في فاعله أن يكون اسماً معرفاً بالألف واللام، نحو نعم العبد، وكذلك وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل، وقال تعالى: ﴿نِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [الأنفال: 40]، كل ما بعد نعمة هنا فاعل وهو بالألف واللام، أو مضافاً لما فيه أل كقوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30]، دار هذا الفاعل ليس بأل لكنه مضاف لما فيه أل المتقين، ﴿فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 72]، مثوى مثوى فاعل لبئس وليس فيه أل لكن هو مضاف لما فيه أل، أو مضمراً مستتراً مفسراً بنكرة بعده منصوبة على التمييز؛ قد يكون ضميراً مستتراً لكن بعده نكرة، هذه النكرة هي تمييز وتفسر هذا الضمير المستتر، كقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50]، أي بئس هو أي البدل بدلاً، أين فاعل بئس هنا؟ ضمير مستتر تقديره هو، طب ما الذي يفسره؟ يفسره هذا التمييز الذي بعد ذلك بدلاً، يعني بئس البدل.

قال: وإذا استوفت نعمة فاعلها الظاهر أو فاعلها المضمر وتمييزه، جيء بالمخصوص بالمدح أو الذم؛ نعمة أو بئس إذا كان الفعل نعمة جاء بالمخصوص بالمدح، وإذا كان الفعل بئس جيء بالمخصوص بالذم، يبقى عندك نعمة وبعد ذلك يأتي فاعلها، وبعد ذلك يأتي فاعلها الذي يأتي مرفوعاً، هذا هو المخصوص بالمدح أو هو المخصوص بالذم، هو الذي يراد مدحه أو ذمه ويعرب مبتدأ، فقيل نعم الرجل زيدٌ ونعم رجلاً زيدٌ، وإعرابه مبتدأ والجملة قبله خبر، والرابط بينهما العموم الذي في الألف واللام، طبعاً الرابط العموم في الألف واللام في قولك نعم الرجل زيدٌ، أما في نعم رجلاً زيدٌ، فالرابط هو الضمير المستتر الذي سبق الكلام عنه قريباً في قوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾، يعني نعمة هو رجلاً.

نعم الرجل زيدٌ له شاهد في السنة كقول النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم الرجل عبد الله» يعني عبد الله بن عمر، قال نعم الرجل عبد الله لما رؤيت له رؤيا، قال نعم الرجل عبد الله لو كان يقوم من الليل، صار لا يفوت ليله إلا قام فيها لله رب العالمين.

قال بعد ذلك: ولا يجوز بالإجماع أن يتقدم المخصوص على الفاعل، فلا يقال نعم زيدٌ الرجل، لا يقال نعم الرجل زيدٌ، نعم الرجل زيدٌ، لا يقال نعم زيدٌ الرجل هذا إجماعاً. قال: ولا على التمييز خلافاً للكوفيين، هذه مسألة خلافية؛ هل يجوز أن يقال نعم زيدٌ رجلاً، أم يقال وجوباً نعم رجلاً زيدٌ؟ فلا يقال نعم زيدٌ رجلاً، الكوفيون يجوزون هذا الذي يجوز الجميع أن يقال نعم رجلاً زيدٌ، فنعم رجلاً زيدٌ جائز بالإجماع، أما نعم زيدٌ رجلاً ففيه خلاف.

قال: ويجوز بالإجماع أن يتقدم على الفعل والفاعل نحو زيدٌ نعم الرجل، هذا جائز إجماعاً، أن تأتي بنعمة وفاعلها على أنها خبر، على أنها جملة فعلية خبر، والمبتدأ قبل ذلك، فيجوز إجماعاً أن تقول نعم الرجل زيدٌ وأن تقول زيدٌ نعم الرجل، هذا جائز وهذا جائز.

ويجوز أن تحذفه إذا دل عليه دليل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]، نعم العبد أي هو، والمراد أيوب عليه السلام، وكذلك سليمان، فجاءت هذه الآية في موضعين في كتاب الله تعالى، يراد بإحداهما سليمان وبالآخر أيوب، قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30] أي سليمان، وقال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]، والمراد هنا أيوب عليه السلام، فهذه صور.

في نعم وبئس وفي فاعلهما وفي المخصوص بالمدح والذم: فتقول: نعم الرجل زيد؛ هذا صحيح إجماعاً. وتقول: نعم الرجل زيد؛ هذا أيضاً صحيح إجماعاً. وتقول: نعم رجلاً زيد؛ هذا صحيح إجماعاً. وإذا قلت: نعم زيد رجلاً، فهذا صحيح عند الكوفيين، خطأ عند غيرهم. وإذا قلت: نعم زيد الرجل، فهذا هو الممنوع إجماعاً. هذه خلاصة هذا الكلام.

قال بعد ذلك باب النائب عن الفاعل، بعد الكلام عن الفاعل انتقل إلى باب النائب عن الفاعل. قال: يحذف الفاعل فينوب عنه في أحكامه كلها مفعول به، فإن لم يوجد فما اختص وتصرف من ظرف أو مجرور أو مصدر، ويضم أول الفعل مطلقاً، ويشابه ثاني نحو تعلم، وثالث نحو انطلق، ويفتح ما قبل الآخر في المضارع ويكسر في الماضي، ولك في نحو قال وباع الكسر مخلصاً ومشماً ضماً والضم مخلصاً.

قال: يجوز حذف الفاعل إما للجهل به أو لغرض لفظي أو معنوي. هناك أغراض كثيرة لحذف الفاعل، أحياناً تذكر الفعل والفاعل والمفعول، وأحياناً تختصر فتحذف الفاعل وتذكر الفعل والمفعول، لكن تجعل المفعول قائماً مقام الفاعل فترفعه كارتفاعه ويأخذ أحكامه كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ومن أغراض حذف الفاعل أغراض كثيرة، بعضهم قال الجهل به غرض، وبعضهم قال ليس غرضاً، هذا خلاف في تسميته غرضاً؛ فيقال يحذف الفعل للجهل به، وقيل كذلك يحذف للعلم به ومعلوم ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37]؛ معلوم أن المعنى خلق الله الإنسان، خلق الإنسان من عجل، أحياناً يعلم فيكون اختصاراً. يحذف محافظه على الوزن أحياناً أو على سجع الكلام أو تعظيماً للفاعل أو للخوف منه أو للخوف عليه، كل هذه أغراض فهي أغراض كثيرة معنوية لحذف الفاعل.

قال: فالأول كقولك: سُرق المتاع، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا لم يعلم السارق والراوي، أحياناً تقول سُرق المتاع لأنك لا تعلم السارق، وأحياناً تقول روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا لأنك لا تعلم الراوي، وإن كان العلماء يذكرون روي هذه وإن كانوا يعلمون الراوي لكن من باب التمريض، وهذا معروف في مصطلح الحديث؛ روي عن رسول الله كذا، يمرضون هذا كأنه بصيغة التمريض إشارة إلى ضعفه.

قال: والثاني كقولهم: من طابت سريرته حُمدت سيرته، هذا غرض لفظي؛ من طابت سريرته حُمدت سيرته، فإنه لو قيل حمد الناس سيرته اختلت السجعة، طابت سريرته حُمدت سيرته، طابت سريرته حمد الناس سيرته؛ تغير السجع، التاء التي كانت مضمومة أصبحت مفتوحة. وإن كان هذا في الشعر سائغاً. ولا يلزم أن يكون هذا الحرف الذي قبل الآخر مضموماً في كل حين، إنما هذا مما يستحسن.

قال: والثالث كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا﴾ [المجادلة: 11]، إذا قيل لكم ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام أو إذا قاله لكم مثلاً بعض كبار الصحابة كأبي بكر وعمر أياً ما كان، إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس تفسحوا، والأول أظهر لأنه إذا أريد به الكلام في عهد الصحابة لكن هذه الآية وإن كانت نازلة للصحابة الكرام فهي نازلة للجميع، فالقرآن لم ينزل للصحابة وحدهم، فهذه الآية تنزل علينا نحن في مجلس وضاق المجلس بنا، فإذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا، إذا قيل لنا تفسحوا في المجالس فافسحوا؛ من القائل؟ أياً كان القائل؛ فكأن القائل هنا لم يتعرض، لم يأت غرض بذكره. أياً ما كان، لو كان في الكلام مثلاً إذا قال لكم رسول الله تفسحوا، ربما قال بعضهم هذه الآية خاصة بالصحابة، لكن إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس إلى الآن تذكر هذه الآية؛ يا جماعة إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا، وإذا قيل انشزوا أي ارتفعوا فانشزوا. وقول الشاعر: وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجلوه. قال: فحذف الفاعل في ذلك كله لأنه لم يتعلق غرض بذكره، إن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم، جلسنا، هذا الشعر يقول نحن نجلس على مائدة معينة والناس يأكلون من هذه المائدة، أنا لا أعجل أو لا أتعجل، أنا لست عاجلاً في هذا، وقال بعضهم بل أعجل هنا على أفعل التفضيل كما هي يعني لا أنا لا أتقدم أعجل من غيري، يعني هناك أحياناً يجلس الناس على مائدة فيسارع بعضهم إلى أن يأخذ مثلاً لحمة أو ما أشبه ذلك، هو قل أنا لست من هذا الصنف، طب إن مُدت الأيدي، أيدي من؟ أي أيدي، لا يقصد أن مُد فلان أو فلان يده، فلم يتعلق غرض بذكر الفاعل.

قال: وحيث حذف الفاعل فإنك تقيم مقامه المفعول به وتعطيه أحكامه المذكورة له في بابه. اذكر الأحكام التي سبقت للفاعل؛ كل هذه الأحكام ستتحول الآن إلى النائب عن الفاعل، يبقى إذا كنت تقول مثلاً ضرب زيد عمراً، الآن ستحذف زيداً الذي هو فاعل ضرب زيد، ستحذف هذه الكلمة وتقول: ضُرِب عَمرو. ضرب زيد عمراً، لا تقول ضرب عمراً، ضرب عمرو، تحذف الفاعل وتقيم المفعول به مقامه، ضُرِبَ الله مثلاً، ضُرِب مثل، وتعطيه أحكامه المذكورة له في بابه؛ فتصيره مرفوعاً بعد أن كان منصوباً، المفعول كان منصوباً، ضرب الله مثلاً هذا منصوب، ضرب مثل أصبح مرفوعاً، وعمدة بعد أن كان فضلة، وهذا سبق الإشارة إليه قبل ذلك؛ هم يقولون ذلك سبق باب صور ائتلاف الكلام، ذكروا صور ائتلاف الكلام الذي يتألف منه العمد عندما تتم الجملة؛ تتم الجملة بفعل وفاعل أو بفعل ونائب عن فاعل أو باسم مبتدأ وخبر أو بكان واسمها وخبرها أو ما أشبه ذلك في الصور المعروفة، كل ما أتى بعد ذلك يسميه النحويون فضلة، فضلة بمعنى أنه جاء بعد تمام الجملة، وليس معناه أنه جاء بعد تمام المعنى، وليس معناه أنه يستغنى عنه، لا، هذا لا يقول به أحد، هذا معنى الفضلة.

فالمفعول به الأصل أنه كان فضلة، صار الآن عمدة؛ يعني في الأول كان يمكن أن يستغنى عنه، لا كانت الجملة تتم بدونه، الآن صارت الجملة لا تتم بدونه أبداً، وعمدة بعد أن كان فضلة، وواجب التأخير عن الفعل بعد أن كان جائز التقديم عليه كما سبق، المفعول به أحياناً يتقدم على الفعل ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: 36]، أصبح الآن يجب أن يتأخر عن الفعل لأنه في مقام الفاعل، والفاعل لابد أن يتأخر عن فعله على الصحيح. ويؤنث له الفعل إن كان مؤنثاً، كما درستم في قبل ذلك، الفعل يؤنث لأجل الفاعل أم لأجل المفعول؟ لا يؤنث لأجل الفاعل، يؤنث لأجل الفاعل سواء كان التأنيث واجباً في المسألتين المعروفتين أو كان جائزاً في المسائل الأخرى، فهو يؤنث لأجل الفاعل أياً ما كان، المفعول أصبح الآن يؤنث لأجل المفعول به، هل لأنه مفعول به؟ لا، وإنما لأنه نائب عن الفاعل. قال: ويؤنث الفعل إن كان مؤنثاً، تقول في ضرب زيد عمراً: ضُرِب عمرو، وفي ضرب زيد هنداً: ضُرِبت هند.

قال: فإن لم يكن في الكلام مفعول به، ناب الظرف أو الجار والمجرور أو المصدر، تقول: سِير فرسخ، وصِيم رمضان، ومُر بزيد، وجُلِس جلوس الأمير. سِير فرسخ، الفرسخ قطعة من الأرض يعني تقال هي ثلاثة أميال، والميل يعني أقل من 2 كيلو، كما نقول 2 ميل أقل من ذلك، يعني الفرسخ حوالي من 5 إلى 6 كيلو والعلم عند الله تعالى، سِير فرسخ، فرسخ هذا ظرف، وصيم رمضان هذا الظرف، هذا الشهر يعني صيم هذا الشهر، وكان صيم شهر شهر رمضان، فالمراد به هنا الشهر بعينه، ومُر بزيد هذا جار ومجرور، وجُلِس جلوس الأمير، والأصل يقال جلس جلوس الأمير، جلس جلوس الأمير، فقال هنا جلوس هو مصدر من جلس، وارتفع هنا على أنه نائب عن الفاعل.

قال: ولا يجوز نيابة الظرف والمصدر إلا بثلاثة شروط؛ أحدها أن يكون مختصاً، فلا يجوز ضُرِب ضرب، ولا صِيم زمن، ولا اعتكف مكان، هذا كلام يعني غير مفيد؛ ضُرب ضرب، صيم زمن، هذا ليس فيه إفادة، اعتكف مكان، هذا غير مفيد، لكن إذا اختص مثلاً بوصف أو إضافة جاز، كما سبق الكلام في الابتداء بالنكرة، الابتداء بالنكرة لا يفيد لكن إذا اختصت بوصف أو إضافة أو اختصت بشيء آخر فإنها تفيد. قال: لعدم اختصاصها، فإن قلت: ضُرِب ضرب شديد، هنا واضح المعنى، صيم زمن طويل أو حار، اعتكف مكان حسن، هذا كله مسوغ، قال: جاز لحصول الاختصاص بالوصف. قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: 13]، نفخة مرفوعة؛ لماذا رفعت فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة؟ رفعت لأنها نائب عن الفاعل، نفخ في الصور نفخة، نائب عن الفاعل، وواحدة نعت له اختصت بالنعت بالوصف، أما بعدها ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾ [الحاقة: 14] بالنصب؛ لماذا؟ لأن النائب عن الفاعل هو ألف الاثنين، فدكتا، الألف ألف الاثنين هنا نائب عن الفاعل، فلأجل هذا جاءت هكذا دكة واحدة لأنه مصدر منصوب على أنه مفعول مطلق.

قال: الثاني أن يكون متصرفاً، لا ملازماً للنصب على الظرفية أو المصدرية، فلا يجوز سبحان الله بالضم، إنما لابد أن يكون بالنصب، سبحان الله ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس: 18]، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات: 180]، إلى آخره، فسبحان لابد أن تكون هكذا منصوبة وهي منصوبة انتصاب المصدر أيضاً، هو مصدر من سبح يسبح تسبيحاً، ولكن لا تبقون تسبيحهم فيسبح يسبح تسبيحاً وسبحاناً، فسبحان مصدر كالغفران والقرآن والفرقان، هذه أفعال، هذه تأتي مصدراً في بعض الأحيان كهذه الكلمات. والمعنى في سبحان الله يعني أُسبح الله تسبيحاً، هذا المعنى، إذا قلت سبحان الله أنت مثلاً في ركوعك أو سجودك قل سبحان ربي العظيم وتقول سبحان ربي الأعلى، ما معنى سبحان ربي؟ أي كأنك تقول أُسبح ربي العظيم، أي أنزه ربي العظيم تنزيهاً يليق بجلاله وكماله عن كل، أنزه عن أي شيء؟ أنزه عن كل ما وصفه به الواصفون مما لا يليق به، هذا معنى التسبيح. فسبحان هكذا مفعول مطلق مصدر مفعول مطلق لفعل محذوف، وهو ملازم للنصب على الظرفية، إذا كان ملازماً للنصب على الظرفية كيف يكون نائباً عن الفاعل؟ لا يكون نائباً عن الفاعل. قال: بالضم هذا لا يجوز، سبحان الله هذا لا يجوز، ومثله أيضاً معاذا الله، قال ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ [يوسف: 79]، معاذ الله أصله أعوذ بالله معاذاً يعني أعوذ بالله عوذاً، فمعاذ معنى العوذ بمعنى الاستعاذة، يعني فهو هنا مصدر، هذا أيضاً لا يمكن أن يكون نائباً عن المفعول، نائباً عن الفاعل.

قال: على أن يكون نائباً مناب الفاعل مناب فاعل فعله المقدر، هذا لا يجوز، قال: فلا يجوز سبحان الله بالضم على أن يكون نائباً مناب فاعل فعله المقدر، على أن تقديره يُسبح سبحان الله، في النسخة عندي يُسبح، لا هذا لابد أن يكون بالفتح هكذا، يُسبح سبحان الله هذا لا يسوغ أو هذا لا يجوز، يعني لا يجوز أن يكون التقدير يُسبح سبحان الله. قال: ولا يجوز إذا جاء زيد على أن إذا نائبة عن الفاعل، لماذا ما السبب؟ قال: لأنهما لا يتصرفان. فالكلمة إذا كانت لا تتصرف فإنها لا تكون نائباً عن الفاعل، بخلاف مثلاً يوم تقول صيم يوم حار، يوم هذه تأتي متصرفة تأتي مبتدأ، تأتي خبراً، تأتي مرفوعة، تأتي منصوبة، تأتي مجرورة، فإذا كانت تتصرف يصح أن تكون نائباً عن الفاعل، أما إذا كانت لا تتصرف فإنه لا يصح.

الثالث: الشرط الثالث، قال: ألا يكون المفعول به موجوداً، هذا الشرط فيه خلاف؛ هل يجوز أن ينوب غير المفعول به مع وجود المفعول به؟ المصنف يقول لا يجوز، وهذا مذهب كثيرين من أهل العلم، وجوز بعضهم ذلك واستدلوا ببعض الأشعار واستدلوا بقراءة صحيحة. قال: الثالث ألا يكون المفعول به موجوداً، فلا تقول ضُرب اليوم زيداً، لا يجوز عنده أن تقول ضُرب اليوم زيداً، اليوم نائب عن الفاعل، وزيداً مفعول به، قال: لا، بل تقول ضُرب اليوم زيد. قال: فلا يسوغ عنده أن تجعل هذا الظرف نائباً عن الفاعل مع وجود المفعول به، قال: خلافاً للأخفش والكوفيين، وهذا الشرط أيضاً جار في الجار والمجرور، والخلاف جار فيه أيضاً، واحتج المجيز بقراءة أبي جعفر، احتج المجيز في هذا قراءة أبي جعفر، هو الإمام يزيد بن القعقاع إمام أهل المدينة وهو شيخ نافع الذي هو أشهر منه يعني، نافع أشهر وقراءته في السبعة، أما أبو جعفر فقراءته في العشرة، قال: ﴿لِيُجْزَىٰ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الجاثية: 14]، قراءته صحيحة لكن المصنف يرى أن قراءته شاذة، وقد أشرت إلى هذا قبل ذلك وقلت إنه سيأتي في باب النائب عن الفاعل أن المصنف يرى هذه القراءة شاذة ونص على ذلك في عدد من المواضع، فالقراءة عنده التي يستدل بها هي قراءة السبعة، لكن حتى إذا تنزلت وقلت لو لم تكن قراءتها بشرط، لو كانت قراءة شاذة فإن.

القراءة الشاذة يستدل بها في النحو والصرف في العربية، وإن لم يجز أن يقرأ بها وأن يتعبد لله تعالى بها، فكيف إذا كانت قراءة صحيحة غير شاذة من القراءات العشر؟ قال: وبقول الشاعر: وإنما يرضي المنيب ربه ما دام معنيا بذكر قلبه. ما الشاهد؟ معنيا قلبه، أصله معنيا هذا اسم مفعول، فكان عليه أن يقول معنيا بذكر قلبه أن يكون نائباً عن الفاعل لاسم المفعول؛ واسم المفعول يعمل عمل الفعل كما سيأتي، فالذي يرفع بعده يكون نائباً عن الفاعل، لكن قال قلبه. حتى لأنه قال في الأول ربه فتناسبه، قال فأقيم بذكر مع وجود قلب قلبه، وأجيب عن البيت بأنه ضرورة، وعن القراءة بأنها شاذة، الصحيح أن القراءة ليست شاذة، وإنما هي قراءة صحيحة قراءة العشر، والبيت له أمثلة، قال القائل: لم يعنَ بالعلياء إلا سيداً، لم يقل إلا سيد، وكان عليه أن يقول ذلك، لكن أيضاً قد يقال هذا ضرورة؛ لأنه قال لم يعنَ بالعلياء إلا سيداً ولا شفي داء العي إلا ذو هدى، فكأنه اضطر إلى أن يقول سيداً لأجل هدى، لأجل التصريع.

قال: ويحتمل أن يكون القائم مقام الفاعل أي في الآية ضميراً مستتراً في الفعل عائداً على الغفران المفهوم من قوله: ﴿قُل لِّلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 14]، أولاً عندي على الغفران، الغفران عندي النون عليها ضمة، هذا غريب في النسخة، يعني هي على الغفران، أما على الغفران بالضم لا هذا خطأ، أي ليجزى الغفران قوماً، وإنما أقيم المفعول به، غاية ما فيه أنه المفعول الثاني وذلك جائز. يعني هو يستدل لقراءة أبي جعفر ويقول هذه القراءة مع أنه يذهب إلى أنها شاذة يقول لها تأويل آخر: أن المعنى قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزى الغفران قوماً بما كانوا يكسبون، فهذا الغفران الذي فهم من فعل يغفروا هو النائب عن الفاعل، فجعل الفعل يجزي جعله ناصباً لمفعولين، فالغفران هو المفعول الأول، فأقيم أحد المفعولين. هذا سائل لكن على الأول لا، المفعول به موجود ومع ذلك أقيم الجار والمجرور مع وجود المفعول به.

قال: وإذا حذف الفاعل وأقيم شيء من هذه الأشياء مقامه، الكلام هنا سيبدأ كلاماً في الفعل الذي يقال له فعل مغير الصيغة، يعني ضرب ضرب الله مثلاً، ضرب هل هو كـ ضرب؟ لا هذا شيء وهذا شيء آخر، قتل داوود جالوت، قتل، قتل الخراصون، قتل الإنسان، هذا قتل، فيقولون هذا فعل مغير الصيغة، تتغير صيغته. قال: وإذا حذف الفاعل وأقيم شيء من هذه الأشياء مقامه وجب تغيير الفعل بضم أوله ماضياً كان أو مضارعاً، ضرب، الحرف الأول يكون مضموماً، وكذلك في المضارع: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: 41]، الياء في أول يعرف هذه مضمومة، وهذه مضمومة لكن الحرف الذي قبل الآخر يختلف.

قال: وبكسر ما قبل آخره في الماضي وبفتحه في المضارع، ضرب، قتل الإنسان، أما في المضارع يعرف المجرمون، فيؤخذ بالنواصي والأقدام، يبقى يعرف، يؤخذ، إذاً الفعل الحرف الأول يضم في الماضي ويضم في المضارع، أما الحرف الذي قبل الآخر يكسر في الماضي ويفتح في المضارع، قال تقول ضرب ويضرب.

وإذا كان الفعل مبتدأ يعني بادئاً، ويجوز أن يكون مبتدأ بتاء زائدة أو همزة وصل، هذا الكلام في الفعل الماضي، شارك في الضم ثانيه أوله في مسألة التاء وثالثه أوله في مسألة الهمزة، يعني هو الأولى كان جعل كل مسألة وحدها حتى لا يشوش الأذهان، لكن على كل هو يقول: إذا كان الفعل الماضي مبدوءاً بتاء زائدة فإنك تضم هذه التاء الزائدة وتضم معها الحرف الثاني الذي بعدها، فتقول في تعلمت المسألة: تُعُلِّمَت المسألة، فضممت الأول وكسرت ما قبل الآخر، قالوا لا تضم الأول وتضم الثاني معه وجوباً، قال تعالى: ﴿فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا﴾ [المائدة: 27]، وفي الحديث المشهور: «تُصُدِّق الليلة على سارق، على زان، على غني»، حديث مشهور تصدق.

وكذلك إذا كان مبدوءاً بهمزة وصل ستضم الأول الذي هو همزة الوصل وستضم الثالث، قال: والثالثة أوله في مسألة الهمزة فتقول تعلَّمت المسألة بضم التاء والعين، وفي انطلقت بزيد أُطْلِق بزيد، فتضم همزة الوصل وتضم الطاء، أُطْلِق بزيد بضم الهمزة والطاء، قال الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ [البقرة: 173]. وإذا ابتدأت بالفعل قيل أُضْطُر، طبعاً ويبتدأ به هاهنا اختباراً، ابتداؤه هاهنا اختباراً؛ لأنه لا اضطرار هاهنا، قد يقف الإنسان اضطراراً لكن لا يبتدئ اضطراراً، كيف تقول أنا مضطر أن أبدأ من هنا؟ فعندنا وقف يكون اختياراً، ووقف يكون اضطراراً، ووقف يكون اختباراً؛ يختبر الشيخ تلميذه كيف يقف هاهنا، كما سبق في حذف النون في كان ولم أك، فهنا ما الجائز هنا؟ الجائز هنا أن تبتدئ اختباراً فقط؛ لأنه لماذا تختار أن تبتدئ هنا؟ طبعاً لا اضطرار، لست مضطراً أن أبدأ من مكان معين، ولماذا تختار أن تقول فمن اضطر غير باغ ولا عاد تقول أُضْطُر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه مثلاً، أُضْطُر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، فمن اضطر لا بد أن تذكر اسم الشرط الذي قبل ذلك، فمن اضطر، إذاً فالبدء هاهنا يكون اختباراً، اختبر الشيخ تلميذه كيف تبدأ بـ اضطر من قوله فمن اضطر، فيقول له أُضْطُر بضم الأول وبضم الثالث.

ومثل أيضاً ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾ [إبراهيم: 26]، لعلك سمعت من يقرأ هكذا ويقف مثلاً يقول ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض، لم يسعفه نفسه أن يكمل الآية، فاحتاج أن يبدأ بـ اجتث، فيقول أُجْتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار، لا، يقال له لا، قل أُجْتُثَّت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ لأن الثالث مضموم، وهذا فعل ليس له فاعل إنما له نائب عن الفاعل، أُجْتُثَّت من فوق الأرض.

ومثل قول الله تعالى: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: 283]، وهذا أيضاً يأتي اختباراً، هذا من المواضع التي يختبر فيها، يعني هذا معروف في لجان التحكيم، يفعلون هذا مثلاً في الاختبار من قول الله تعالى فليؤد الذي ائتمن أمانته، اختبر في التجويد، في العربية كيف تبدأ بـ ائتمن، هنا يقال أُؤْتُمِن بضم الأول والثالث مع قلب الهمزة واواً من جنس الحركة التي قبلها، هذا معروف ولعلكم درستموه الحمد لله قبل ذلك في التجويد.

قال: وقال الهذلي: سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا، ولكل جنب مصرع، هذا معروف من كلام أبي ذؤيب الهذلي لما مات أولاده، قال سبقوا هوي وأعنقوا لهواهم فتخرموا، هو يستشهد للمسألة الأولى تعلمت المسألة، فتخرموا كـ تعلمت وكـ تقبل من أحدهما، تصدق الليلة.

قال في آخر مسألة وهي مسألة داخل المسألة السابقة: وإذا كان الفعل الماضي ثلاثياً معتل الوسط، ما معنى كونه ثلاثياً؟ أن يكون على ثلاثة أحرف، معتل الوسط، الوسط هو الحرف الثاني المعتل، أن يكون واواً أو ألفاً أو ياءً، لكن ستجده في كل حال ألفاً، قال باع، غاض، ساق، لكنه سيكون منقلباً عن واو أو ياء، إذا كان ماضياً ستجده ألفاً في الغالب، قال باع يبيع، وهكذا ستجده منقلباً عن واو أو ياء، ماذا يصنع في هذا؟ قال جاز لك فيه ثلاث لغات، إحداها وهي الفصحى كسر ما قبل الألف، كسر ما قبل الألف، فأنت في الأول قلت ضرب ستضرب ضم الحرف الأول، آه هنا لن تضم الأول، الفصحى أن تكسر الحرف الأول فحينئذ ستنقلب الألف التي قال إذا قلت قي لابد أن تنقلب هذه الألف إلى ياء فتقول قيل، فتقلب الألف ياء، فتقول قيل وسيق وبيع وغيض، وإلى آخر هذه، ورد ذلك في كتاب الله تعالى كثيراً: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 23]، ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ [هود: 44]، ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ [هود: 44]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر: 71]، ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾ [الزمر: 73] إلى آخره، هذه كلها، وهي هذه اللغة الفصحى وبها قرأ الجمهور، هذا اسمه الكسر مخلصاً هو قال في الأول لك الكسر مخلصاً ومشما ضماً والضم مخلصاً، هذا هو، قيل، جيء، بيع، غيض، هكذا، طبعاً بيع ليست في كتاب الله إنما تأتي معها، كل هذا جاء كسراً مخلصاً في قراءة الجمهور.

قال الثانية إشمام الكسر شيئاً من الضم تنبيهاً على الأصل، كأنه قال تنبيهاً على الأصل، أصلك تضم الحرف الأول ضرب، الأصل أنك كنت تضم، فكأنه فيه تنبيه على الأصل الذي هو أن هذا الفعل مبني لما لا يسمى فاعله، فالحرف الأول الأصل أن يكون مضموماً، لكن تكسر فتشمه شيئاً من الضم، وهذا قرئ به في قراءة بعض العلماء كقراءة الإمام الكسائي وغيره، قرأوا قيل، وغيض، وسيقه، بالإشمام وهذا يؤخذ من أهل القراءات، هذا لا يؤخذ إلا سماعاً مشافهة، الإشمام هذا لا يؤخذ في مثل هذا، لا يؤخذ إلا سماعاً مشافهة امامك، تأخذه مشافهة من شيخ إمامك يكون متقناً للقراءات؛ لأنه يصعب النطق به، فهي لغة أيضاً فصيحة، قال وهي لغة فصيحة أيضاً.

والثالثة إخلاص ضم أوله، فيجب قلب الألف ياء، فعندك قال إذا ضممت أوله وقلت قُو، حينئذ لا تستطيع أن تنطق بألف أو ياء، ستنطق قُو بواو تقول قُول، بُوع، وهي لغة قليلة، وهي قليلة، هي لغة قليلة ولم يقرأ بها فيما علم، لم يقرأ بها في المتواتر والله أعلم، قرئ بها في الشواذ أم لا، لكن استدل عليها بقول الشاعر: ليت وأي شيء ينفع ليت، ليت شباباً بُوع فاشتريت، ليت شباباً بُوع فاشتريت، يعني لو كان الشباب يباع لاشتراه، فقال بُوع، أصله، إن شاء الله الكلام في التنازع والاشتغال، ربما استطعت أن أنهي الكلام في الاشتغال على الأقل إن شاء الله.

قال باب الاشتغال: يجوز في زيدا ضربته، أو ضربت أخاه، أو مررت به، رفع زيد بالابتداء فالجملة بعده خبر، ونصبه بإضمار ضربت، وأهملت، وجاوزت، واجبة الحذف عندي في النسخة واجبة، لكن الأقرب أن تكون واجبة على الحال واجبة الحذف، فلا موضع للجملة بعده، ويترجح النصب في نحو زيدا اضربه للطلب، ونحو هنا لا يقال ونحو، هذا كلام مستأنف، ونحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] متأول، وفي نحو: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا﴾ [النحل: 5] إلى آخره للتناسب، ونحو: ﴿أَبَشَرًا مِّنَّا وَاحِدًا نَّتَّبِعُهُ﴾ [القمر: 24]، وما زيدا رأيته، لغلبة الفعل، ويجب في نحو: إن زيداً لقيته فأكرمه، وهلا زيداً أكرمته، لوجوبه أي لوجوب الفعل. ويجب الرفع في نحو خرجت فإذا زيد يضربه عمرو، لامتناعه أي امتناع الفعل، ويستويان في نحو زيد قام أبوه وعمر أكرمته، للتكافؤ، وليس منه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ [القمر: 52]، وأزيداً ذهب به.

هذا الباب يسمى باب الاشتغال، لماذا سمي باب الاشتغال؟ لأنك تجد مفعولاً به في الأول، هذا المفعول نصبه فعل معين، تجد هذا الفعل الذي نصبه أو تجد شبيهاً ومثيلاً لهذا الفعل الذي نصبه بعد ذلك ولا تستطيع أن تقول هذا الفعل هو الذي نصب هذا المفعول، أنت كنت تقول قريباً فريقاً هدى، فريقاً مفعول به للفعل هذا الذي بعده، الآن ستقول فريقاً أو ستقول مثلاً هذا المفعول به منصوب ناصبه فعل معين، طب قل ناصبه الفعل الذي بعده، يقول لك لا لا أستطيع أن أقول هو الفعل الذي بعده، لماذا؟ لأن الفعل الذي بعده نصب ضميراً فاشتغل به، لذا سموه باب الاشتغال، اشتغل بنصب الضمير عن نصب الاسم الذي قبله.

مثال ذلك أن تقول زيداً ضربته، المعنى أنني ضربت زيداً، فزيداً مفعول به مقدم، ولا تستطيع أن تقول هو مفعول به للفعل ضرب؛ لماذا؟ لأن الفعل ضرب في قولك ضربته هو فعل وفاعل ومفعول به، ضربته هذه الهاء مفعول به، فلا يستطيع هذا الفعل أن ينصب الضمير وأن ينصب صاحب الضمير المتقدم، صاحب الضمير المتقدم لا يستطيع ذلك، حينئذ قالوا تقدر فعلاً من جنس هذا الفعل هو الذي نصب زيداً، فزيداً ضربته كأنك قلت ضربت زيداً ضربته، لكن لا يظهر هذا في الكلام، هذا الفعل يحذف وجوباً، تقول زيداً ضربته، وهذا له أمثلة كثيرة في كتاب الله تعالى، هذا الباب يعني له شواهد كثيرة جداً، لكن في بعض مسائله ليس في كل مسألة.

قال ضابط هذا الباب أن يتقدم اسم، وهو زيد، طب هل يجوز في الكلام قبل أن، هل يجوز في أن تقول زيد ضربته؟ نعم هذا سائغ، زيد ضربته، زيد مبتدأ والجملة ضربته فعل وفاعل ومفعول، الجملة كلها زيد ضربته.

وقال ضابط هذا الباب أن يتقدم اسم، زيد هذا الذي سبق، ويتاخر عنه فعل ضارب عامل في ضميره، هذا الفعل عامل في ضمير زيد، زيداً ضربته أو زيد ضربته، ويكون ذلك الفعل بحيث لو فرغ من ذلك المعمول.

وسلط على الاسم الأول لنصبه؛ لو أنك قلت في قولك: زيدا ضربته أو زيد ضربته بالرفع وبالنصب. إذا قلت: سأحذف الهاء وأقول: زيدا ضربت. قالوا: إذا زيدا مفعول به لضربت، فيجوز أن تقول: زيدا ضربت، وأن تقول: ضربت زيدا. يبقى إذا لو حذفت هذا الضمير وسلطت هذا الفعل أو هذا العامل لنصب الاسم المتقدم؛ قال مثال ذلك: زيدا ضربته، ألا ترى أنك لو حذفت الهاء وسلطت ضربت على زيد لقلت: زيدا ضربت، أي ضربت زيدا، ويكون زيدا مفعولا مقدما.

طبعا المفروض الشاهد أن يقال في الكلام ويكون زيد مفعولا مقدما كان واسمها خبره يكون زيدا؛ هذا يا جماعة منصوب على الحكاية، والمنصب والحكاية معروف. قال: وهذا مثال ما اشتغل فيه الفعل بضمير الاسم، ومثاله أيضا: زيدا مررت به، زيدا مررت به، فإن الضمير وإن كان مجرورا بالباء إلا أنه في موضع نصب بالفعل؛ يعني زيدا مررت به كأنك تقول زيدا جاوزته، يعني مررت به أي جاوزته. فهنا لا تقدر مررت؛ لأنك لا تقول في الكلام مررت زيدا، لما تقول جاوزت زيدا.

قال: ومثال ما اشتغل فيه الفعل باسم عامل في الضمير نحو قولك: زيدا ضربت أخاه، ضربت أخاه؛ ضرب هنا ليست مشتغلة بالضمير؛ لأنك لم تضرب زيدا إنما ضربت أخاه، فهي اشتغلت باسم عامل في الضمير؛ فضربت فعل وفاعل، وأخاه، ها الذي يذكر أخاه هذا مفعول به منصوب وعلامة نصبه الألف لأنه من الأسماء الستة، والضمير أخاه هذا الضمير مضاف إليه، والمضاف يعمل في المضاف إليه؛ فهنا اشتغل باسم عامل في الضمير. قال: فإن ضرب عامل في الأخ نصبا على المفعولية، والأخ عامل في الضمير خفضا بالإضافة.

إن تقرر هذا؛ يعني إذا تقرر هذا عندك، وثبتت هذه الصورة في ذهنك؛ عندي اسم مقدم وبعده فعل، طبعا فعل وفاعل، وهذا الفعل يحتاج إلى مفعول به؛ فإذا لم يكن هناك ضمير نصبت هذا المفعول بهذا الفعل: ﴿فَرِيقًا هَدَىٰ وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: 30]، ﴿فَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. لكن هناك ضمير: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا﴾ [النحل: 5]، ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا﴾ [الحجر: 19]، ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48]، ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: 30]، إلى آخر هذه أمثلة كثيرة؛ أن كل شيء خلقناه بقدر، والقمر قدرناه منازل، كل هذا سيأتي إن شاء الله تعالى، لكن كله في باب، فتقدم هذا الاسم وجاء الفعل بعده، لكن جاء بعده ضمير، فنصب هذا الفعل ضميرا، فلا يصح أن ينصب الاسم السابق.

إذا تخيلت هذه الصورة وتأملتها وعرفت بعض شواهدها؛ إن تقرر هذا قال المصنف: إن تقرر هذا فنقول: يجوز في الاسم المتقدم أن يرفع بالابتداء، وتكون الجملة بعده في محل رفع على الخبرية؛ تقول زيد ضربته، زيد ضربته، ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [النحل: 31]، جنات عدن هكذا بالرفع كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقرأ الجميع، وهكذا جنات عدن يدخلونها. قال: وأن ينصب بفعل محذوف وجوبا يفسره الفعل المذكور؛ يعني أنت إذا قلت زيدا ضربته تقول التقدير: ضربت زيدا ضربته، هذا التقدير، لكن لا يجوز في الكلام تقول ضربت زيدا ضربته، لا بد أن تحذف الفعل الأول وجوبا. قال: فلا موضع للجملة حينئذ لأنها مفسرة، الجملة مفسرة للفعل المحذوف ومفعوله الموجود.

قال: وتقدير الفعل في المثال الأول: ضربت زيدا ضربته، هذا هو التقدير، وإلا فلا يسوغ في كلام. وفي الثاني: جاوزت زيدا مررت به، ليه لماذا لا أقول مررت زيدا؟ لأن الفعل مر لا يتعدى بنفسه، إنما يتعدى بالباء ويتعدى بعلى. قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ [المطففين: 30]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ﴾ [الصافات: 137]، فيتعدى بالباء ويتعدى بعلى، لكن لا يتعدى بنفسه، لا يقال تمرونهم، وإن كان الشاعر قد قال ذلك: تمرون الديار ولم تعوزوا، فشاهد أنه قال تمرون الديار، كلامكم وعليه إذا حرم. فشاهد قال تمرون الديار، لكن هذا قيل إنه على حذف الخافض على نزع الخافض؛ يعني تمرون بالديار، فحذف حرف الجر، وهذا سائغ وله شواهد، وقيل هو ضرورة؛ قال لأنه لا يصل إلى الاسم بنفسه، لا يقال مررت زيدا.

قال: وفي الثالث: أهنت زيدا ضربت أخاه، أنت تقول زيدا ضربت أخاه، هل يجوز أن تقول هنا معنى الكلام ضربت زيدا ضربت أخاه؟ لا، التفسير هنا لا يصح، زيد شيء وأخوه شيء آخر، فأنت ضربت أخاه، فإذا ضربت أخاه فكأنك أهنته، فهنا يفسر فعل مناسب، لا بد أن يفسر فعل مناسب للكلام. قال: أهنت زيدا ضربت أخاه، ولا تقدر ضربت لأنك لم تضرب إلا الأخ.

قال: واعلم أن للاسم المتقدم على الفعل المذكور خمس حالات؛ يعني بعد كل هذا وبعد هذه الصورة، بعد أنك تقدر فعلا مناسبا، كل هذا اعلم بعد ذلك أن هذه الصورة وردت كثيرا في كتاب الله تعالى وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام وفي أشعار العرب وفي كلامها، لكن ليست كل حالة كاختلاصه؛ أنه أحيانا يجب النصب وأحيانا يجب الرفع، طبعا وجوب الرفع بعضهم يخرجه من هذا الباب يقول إذا وجب الرفع فلا وجه للنصب، فكيف تجعلونه من باب الاشتغال؟ وضابط باب الاشتغال أن النصب جائز أو واجب؛ فالمهم لكن الصور العقلية التي ذكروها الصور موجودة. قالوا أحيانا يجب الرفع وأحيانا يجب النصب، وأحيانا يترجح الرفع، وأحيانا يترجح النصب، وأحيانا يستوي الوجهان. قالوا هذا كله موجود، وعليه بعض الشواهد والأدلة. قال فتارة يترجح نصبه وتارة يجب وتارة يترجح رفعه وتارة يجب وتارة يستوي الوجهان.

قال: فأما ترجيح النصب ففي مسائل، منها أن يكون الفعل المذكور فعل طلب، وهو الأمر والنهي والدعاء، كقولك: زيدا اضربه، وزيدا لا تهنه، والله عبدك ارحمه. يجوز أن تقول: زيد اضربه، وزيد لا تهنه، والله عبدك ارحمه، لكن قالوا هنا يترجح النصب على الرفع؛ أن تقول زيدا اضربه يعني اضرب زيدا اضربه، زيدا لا تهنه يعني لا تهن زيدا لا تهنه، اللهم عبدك ارحمه يعني اللهم ارحم عبدك ارحمه، هذا التقدير. قال: لماذا يترجح النصب؟ قال: وإنما يترجح النصب في ذلك لأن الرفع يستلزم الإخبار بالجملة الطلبية عن المبتدأ، وهو خلاف القياس لأنها لا تحتمل الصدق والكذب.

قال: إذا قلت زيد اضربه، زيد مبتدأ وجملة اضربه خبرية؛ قالوا هذا سائغ وصحيح وفصيح، لكن هو يؤدي إلى الإخبار بهذه الجملة التي هي جملة الطلب جملة الأمر، يؤدي الإخبار بها عن المبتدأ، والإخبار عن المبتدأ يكون بجملة خبرية هذا أوقع وأصح، لكن هذا سائغ وجائز. قالوا: أشكلوا عليهم بعدة آيات، قال الله تعالى: وعندنا عدة آيات في كتاب الله تعالى فيها ما تقولون فيها طلب ومع ذلك جاءت كلها بالرفع، وجاءت أحيانا تأتي غير ظاهرة، يعني يأتي الاسم مبنيا فيقولون نحن سنقدر الرفع بناء على الآيات المذكورة، أنتم تقدرون النصب؟ قالوا لا، نحن معكم في الرفع، طب لماذا؟ هو سيشرح هذا.

قال: ويشكل على هذا نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38]؛ طيب ما هذه الصورة؟ الصورة السارق بالرفع وعطف عليه بعد ذلك السارق، بعد ذلك اقطعوا أيديهما، اقطعوا هذا فعل أمر؛ فلم يأتِ السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، مع أن الجملة هنا هي جملة طلبية جملة أمر فهي جملة طلبية، لكن هنا وجود الفاء قد يحل هذا الإشكال، فسيذكر المصنف شيئا من ذلك لوجود الفاء ووجود الألف واللام التي قد، فلأجل هذا قال في أول الكلام السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما متأول.

فالعلماء لهم تأويلات، لهم عدة تأويلات في الرفع هاهنا، قال فإنه نظير قولك زيدا وعمرا اضرب أخاهما؛ إذا قلت زيدا وعمرا اضرب أخاهما يجوز أن تقول: زيد وعمرو اضرب أخاهما، ويجوز أن تقول: زيدا وعمرا اضرب أخاهما، وهم يقولون هذا أرجح، الأرجح هنا النصب أن تقول زيدا وعمرا اضرب أخاهما. طب كيف وجاء في القرآن؟ أولا هذا ليس نظيرا، يعني هنا اعتراض على المصنف في أن زيدا وعمر نضرب أخاهما نظير للآية السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، لا أقول من باب البلاغة لا من باب الألفاظ، حتى يكون نظيرا فلا بد أن تقول زيدا وعمرا فاضرب أخاهما، وجود الفاء هنا لا بد من النظر فيه، لأجل هذا أجمع القراء على رفع السارق ورفع السارقة.

قال: وإنما رجح في ذلك النصب لكون الفعل المشغول فعل طلب؛ يعني يرجح في قولك زيدا وعمرا اضرب أخاهما يرجح النصب، ومع ذلك رجح بل قرأ الجميع بالرفع، وكذلك قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2] أيضا هنا بالرفع. قال والقراء السبعة قد أجمعوا على الرفع في الموضعين، بل كل القراء العشرة، ويعني ربما يذكر بعضهم شيئا من ذلك بالنصب في بعض القراءات، يعني تذكر عن قليل جدا ممن قرأ في الشواذ بالنصب، وإلا فالقراء كلهم قرأوا بالرفع في الموضعين، بل وفي موضع ثالث قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [النساء: 16]، وهذا أصرح في أنه قال فآذوهما، لم يقل فاقطعوا أيديهما ولا اجلدوا كل واحد منهما فآذوهما، ومع ذلك جاء واللذان، يقول والذين من كان هذا عندهم سائغا. قال لوجود الفاء، وجاء كثير كهذا، لكن يكون السابق مبنيا فلا يعرف هو منصوب أم مرفوع: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: 33]، ﴿ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ﴾ [الأنفال: 14]، هل المعنى ذوقوا ذلكم أم المعنى ذلكم وبعد ذلك الجملة خبر؟ فالذي يتتبع القرآن في هذا سيقول له أنا سأجعل هذا المبني في محل رفع، الذي يقول المرجح هنا النصب قد يقول سأجعله أيضا في محل نصب.

قال: وقد أجيب عن ذلك بأن التقدير: مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما؛ لأن الآية بدئت بقول الله تبارك وتعالى: ﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النور: 1] بعدها الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة، في الثانية في قوله الزانية والزانية في أول النور فكأنهم يقولون هذه قال الله تعالى سورة أنزلناها وفرضناها، يعني هذه سورة أنزلناها وفرضناها مما فرض فيها حكم الزانية والزاني، يبقى الزانية والزاني هذا كان الكلام: مما فرض عليكم حكم الزانية والزاني. وكذلك في سورة المائدة السارق والسارقة يعني مما فرض عليكم أو مما أنزل عليكم أو مما يتلى عليكم كما قال المصنف حكم السارق والسارقة، حكم الذي هو مبتدأ، مبتدأ مؤخر هذا قالوا حذف هذا وارتفع المضاف إليه ارتفاعه قام مقام مقامه فارتفع ارتفاعه، فالسارق مبتدأ والسارقة معطوف عليه، قال فالسارقة والسارقة مبتدأ ومعطوف عليه، وكذلك القول فيه الزانية والزانية وكذلك القول فيه واللذان يأتيانها منكم والخبر محذوف وهو الجار والمجرور، ما الجار والمجرور؟

يعني مما يتلى عليكم مما فرض عليكم مما أنزل عليكم هذا الحكم، وهو حكم سارق وسارقة وحكم الزانية والزاني. فهذه جملة انتهت من مبتدأ وخبر، قال واقطعوا، اقطعوا أيديهما واقطعوا جملة مستأنفة هذه جملة جديدة مستأنفة يعني جديدة، نستأنف يعني نبتدئ، ليس مع أنه نكمل يزعمون أن الأمر أنف مبتدأ فهذا المعنى يعني؛ قال جملة مستأنفة فلم يلزم الإخبار بالجملة الطلبية عن المبتدأ، يعني هذا الذي كنا نظنه وكان يقول هذا الذي كنا نظنه ليس موجودا هنا، ليس هذا من باب زيدا وعمرا اضرب أخاهما، ليس من باب زيدا اضربه أو زيدا لا تهنه، إنما هذه جملة وهذه جملة أخرى؛ قال فلم يلزم الإخبار بالجملة الطلبية عن المبتدأ، ولم يستقم عمل فعل من جملة في مبتدأ مخبر عنه بغيره من جملة أخرى، يعني هذا لا يستقيم لأن هذه جملة تامة وهذه جملة أخرى تامة فلا يعمل فعل من هذه الجملة في معمول في جملة أخرى.

قال ومثله: زيد فقير فاعطه، وخالد مكسور فلا تهنه، زيد فقير فاعطه، هنا يترجح الرفع، زيد فقير هذه مبتدأ وخبر، بل قد يقال هنا الرفع واجب، زيد فقير مبتدأ وخبر، فاعطه، بسبب ذلك أعطه هذه جملة أخرى، لا يستقيم أن يقال المعنى أعط زيدا فقيرا، فاعطه هنا ينفسخ هذا المعنى ويكون هناك معنى، فكأن الرفع هنا أصبح واجبا؛ قال وهذا قول سيبويه، وقال المبرد، وقول المبرد حسن أيضا ولا يحتاج إلى كثير من التقديرات التي قدرت في القول الأول، قال وقال المبرد: الموصولة بمعنى الذي، وسبق هذا في دراسة الاسم الموصول، وأن الالف واللام تكون موصولة إذا كان بعدها اسم فاعل أو اسم مفعول أو صفة مشبهة، وهذا منه السارق والسارقة، وكذلك الزانية والزاني. ويؤكد هذا أيضا واللذان يأتيانها منكم، فهذا اسم الموصول أصلا إذا فأل موصوله بمعنى الذي، والفاء جيء بها لتدل على السببية، وهذا واضح في الكلام هذه فاء السببية كما في قولك: الذي يأتيني فله درهم؛ يعني الذي يزورني هذا سأعطيه درهما، أقول الذي يأتيني فله درهم. وفاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، كأنه يقول السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما، يقول يا جماعة التأويل هكذا: الذي يسرق والتي تسرق، فبسبب السرقة اقطعوا أيديهما؛ الذي يسرق والتي يسرق فاقطعوا أيديهما؛ التي تزني والذي يزني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة؛ اللذان يأتيانها منكم فآذوهما. وهذا كلام متسق مع هاتين الآيتين متسقتان مع الآية الثالثة من سورة النساء اللذان يأتيانها، وهو متسق في الكلام ليس فيه كبير تقدير، فهذا متسق مع كل قواعد العربية ولا يحتاج إلى تقدير ومتسق مع القرآن نفسه، فقول المبرد هنا عليه نور وفيه قوة، والعلم عند الله.

قال: وفاء السببية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، إذا كان لا يعمل عمل ما بعدها فيما قبلها فكأنك قلت أيضاً حينئذ الرفع ها هنا واجب، ليس، لكن الذي يخفت هذا القول أنه قُرئ في بعض القراءات الشاذة بالنصب، فكأنه على حذف الفاء، وعلى المال.

قال: وقد تقدم أن شرط هذا الباب أن الفعل لو سُلط على الاسم لنصبه. ومنها أن يكون الاسم مقترناً بعاطف مسبوق بجملة فعلية، كقولك: قام زيدٌ وعمراً أكرمته.

وهذه المسألة أبدأ بها الدرس القادم إن شاء الله تبارك وتعالى بإذن الله. هذه مسألة يترجح فيها النصب، وهي أكثر في حد علمي، في حد اطلاعي، هذه أكثر مسألة عليها شواهد في هذا الباب. هذا الباب ورد كثيراً في كتاب الله تعالى، لكن أكثره في هذه المسألة التي في المنتصف، المسألة الثانية من المسائل الثلاث التي ذكرها المصنف في ترجيح النصب، عليها عدة آيات كثيرة، ربما أنا ذكرت عشر آيات لكن هي فيها أكثر من ذلك.

هذه المسألة أبدأ بها الدرس القادم إن شاء الله تبارك وتعالى. هذا وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.