تسجيل الدخول

الدرس 20

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

هذا هو الدرس العشرون من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله. وقد كان الكلام فيما مضى نذكر القول في ذلك إجمالاً لطول درس الليلة إن شاء الله تعالى حتى أنتهي من النواسخ. كان الكلام في الكلمة وأقسامها: تقسيمها إلى اسم وفعل وحرف، والكلام على كل نوع من جهة الإعراب والبناء، كان بعضه إجمالياً وكان بعضه تفصيلياً. ثم كان الكلام عن الإعراب الأصلي والفرعي، وعن الأبواب السبعة التي تعرب إعراباً فرعياً. ثم كان الكلام عن الإعراب الظاهر والمقدر، وعن الأبواب الخمسة التي تعرب إعراباً تقديرياً. ثم كان الكلام بعد ذلك عن إعراب الفعل المضارع تفصيلاً، عن رفعه ونصبه وجزمه، وعن نواصبه وجوازمه. ثم انتقل الحديث بعد ذلك إلى النكرة والمعرفة، فذكرت النكرة وتعريفها، وذكرت المعارف الست وهي: الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، وذو الأداة، والمضاف إلى شيء مما سبق.

ثم انتقل المصنف إلى أبواب أخرى بعد ذلك بعد هذه المقدمات المهمة التي ينبني عليها أكثر من نصف العلم؛ فذكر المبتدأ والخبر ومسائل فيهما. ثم انتقل بعد ذلك إلى نواسخ المبتدأ والخبر أو نواسخ الابتداء، فتكلم عن كان وأخواتها وذكر فيها بعض المسائل. ثم ذكر ما الحجازية وأخواتها، وإن كان قد ذكر أختين دون الثالثة. ثم تكلم عن إن وأخواتها وذكر في هذا الباب أيضاً بعض المسائل. ثم تكلم عن لا التي لنفي الجنس، وذكر عملها وبعض المسائل فيها. ثم تكلم بعد ذلك عن ظن وأخواتها، وكان هذا آخر شيء في الدرس الماضي. فكان الكلام في ظن وأخواتها، وقد ذكر المصنف أعمال هذه الأفعال وأنها تعمل عملاً جديداً ليس كعمل كان وكاد وما وليس كعمل إن ولا؛ فهذه تدخل على المبتدأ والخبر فتنصب المبتدأ على أنه مفعول أول، وتنصب الخبر على أنه مفعول ثانٍ. فتدخل هذه الأفعال ومعها فاعل، فيكون في الكلام فعل من هذه الأفعال، ويكون لهذا الفعل فاعل، وبعد ذلك يأتي المبتدأ والخبر منصوبين على أنهما مفعول به أول ومفعول به ثانٍ.

وسبقت الأمثلة على ذلك، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]. أظنك: أظن فعل وفاعل مستتر وجوباً تقديره أنا، والكاف مفعول به أول، ومثبوراً مفعول به ثانٍ، أصل الكلام: أنت مثبور، أنت يا فرعون هالك، هذا أصل الكلام؛ أظن دخلت على أنت، فجاء بضمير مناسب للمفرد المخاطب المذكر فجيء بالكاف التي هي للمفرد المخاطب المذكر، ثم جاء الخبر منصوباً لأنه مفعول به ثانٍ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ [المعارج: 6]. كان المشركون يقولون هو بعيد، كأنهم يقولون البعث بعيد أو يوم القيامة بعيد، دخل الفعل يرى ومعه فاعل، فصارت الهاء المفعول به الأول التي كانت مبتدأ في الأصل، وبعيداً مفعول به الثاني وهو كان خبراً في الأصل.

بقيت مسألتان في هذا الباب لم يسعف الوقت الكلام فيهما، فأبدأ الكلام فيهما إن شاء الله تبارك وتعالى لينتهي الكلام عن النواسخ، والمقدر في الذهن بإذن الله تبارك وتعالى أن ينتهي الكلام من النواسخ وأن يدرس الفاعل ونائب الفاعل في هذه الليلة، حتى يكون درس الليلة القادمة بإذن الله تبارك وتعالى في الاشتغال والتنازع؛ هذان البابان يحتاجان إلى درس مفرد، وإن كان المصنف لم يطل فيهما، فعدد الصفحات فيهما قليل مما يدرس منذ عدة أيام، لكن لكون هذا الباب غريباً ولتدخل بعض الأشياء فيه، أحببت أن يكون لهما درس وحدهما. فأرجو أن ينتهي الكلام بإذن الله تبارك وتعالى من هاتين المسألتين في ظن وأخواتها ومن الفاعل ونائبه في هذا الدرس.

فأقول وبالله تعالى التوفيق، هذا أول سطر في درس الليلة: قال المصنف رحمه الله تعالى: ومن أحكام هذه الأفعال أنه يجوز فيها الإلغاء والتعليق. فبعد أن ذكر هذه الأفعال وذكر أعمالها وشواهد لذلك، ذكر مسألتين تتعلقان بهذا الباب: الأولى الإلغاء، والثانية التعليق. قال: فأما الإلغاء فهو عبارة عن إبطال عملها في اللفظ والمحل لتوسطها بين المفعولين أو تأخرها عنهما. الإلغاء واضح الكلام أنها تلغى ويبطل عملها، يعني معنى ذلك أنك تجدها غير عاملة، لا تجد لها مفعولاً به أولاً ولا مفعولاً به ثانياً. إذاً كيف يكون المفعول الأول وكيف يكون المفعول الثاني؟ سيرتفعان على ما كانا عليه، سيرتفعان على أنهما مبتدأ وخبر؛ هي في الأصل تدخل على المبتدأ والخبر، فإذا بطل عملها عاد المبتدأ مبتدأ والخبر خبراً وعاد هذا مرفوعاً وعاد هذا مرفوعاً أيضاً.

طب ما سبب الإلغاء؟ سبب الإبطال أنها تتأخر أو تتوسط. تقول: ظننت زيداً عالماً، إنهم يرونه بعيداً، وتحسبونه هيناً؛ في كل هذا تقدم الفعل، ثم تبعه الفاعل، ثم جاء المفعول الأول، ثم جاء المفعول الثاني، وهنا يتقدم الثاني على الأول؛ هذا لا بأس به، لكن في مثل هذه الأمثلة التي يكون فيها الإلغاء ويكون فيها الإهمال ويكون فيها الإبطال لا تجدها متقدمة، إنما تجدها متوسطة أو متأخرة. ولا يحضرني شاهد قرآني في هذا في باب الإلغاء لا لتوسطها ولا لتأخرها، أكتفي على الشواهد التي ذكرها المصنف. قال مثال توسطها بينهما قولك: زيداً ظننت عالماً، بالعمل، ويجوز: زيدٌ ظننت عالمٌ، بالإهمال. ما الذي في هذا؟ توسط ظن مع فاعلها بين المفعول الأول والمفعول الثاني: زيداً ظننت عالماً. أصل الكلام: ظننت زيداً عالماً، ظننت فعل وفاعل، زيداً مفعول به أول، عالماً مفعول به ثاني، وهنا يجب إعمالها وسيشير المصنف إلى هذا، يجب إعمالها على الصحيح، وإن كان بعض العلماء يجيزون الإهمال وذكروا لذلك أمثلة.

طيب إذا توسطت، بدلاً من ظننت زيداً عالماً تقول: زيداً ظننت عالماً، وإذا تأخرت تقول: زيدٌ عالمٌ ظننت. كيف تعرب على الأول وكيف تعرب على الثاني؟ في الأولى: زيداً مفعول به أول تقدم على فعله وفاعله، ظننت فعل وفاعل، عالماً مفعول به ثانٍ، وهي هنا عاملة. طيب كيف يعرب الثاني: زيدٌ ظننت عالمٌ؟ زيد مبتدأ، ظننت فعل وفاعل وليس لها مفعول، عالمٌ خبر لهذا المبتدأ السابق: زيدٌ عالمٌ، هذا بالإهمال. قال الشاعر: أفي الأراجيزِ يا ابن اللؤمِ توعدني ... وفي الأراجيزِ خِلْتُ اللؤمَ والخوَرَا. خلت: أي ظننت. كأنه يقول: خلت اللؤم والخوَر في الأراجيز، لو قدم خلت مع الفاعل لقال: خلت اللؤم والخوَر في الأراجيز. لكن هنا توسط خلت مع فاعلها بين المفعولين: في الأراجيز هذا هو المفعول الثاني تقدم، ثم تأخر المفعول الأول وهو اللؤم والخوَر. فماذا صنع الشاعر؟ لم يجعلها من باب الإعمال، إنما جعلها من باب الإهمال، ولو قال اللؤم والخوَر بالنصب لجاز، ولكن إذا قال ذلك ستنكسر عليه قافيته، لأن القافية بضم الراء، ولو قاله بفتح الراء لانكسرت قافيته أو لحصل إقواء، وسبق تعريف الإقواء أنه تغيير حركة الحرف.

إذاً فهذا اسمه إهمال، ما سببه؟ سببه توسط هذا الفعل مع فاعله بين المفعولين. فاللؤم مبتدأ مؤخر، وفي الأراجيز في موضع رفع لأنه خبر مقدم، وألغيت خلت لتوسطها بينهما. وهل الوجهان سواء أو الإعمال أرجح؟ فيه مذهبان، هنا لم يرجح وقد ذكر في المتن الخيار الأول، قال: وبمساواة إن توسط، فكأنه يقول إذا توسط فعل من هذه الأفعال بين المفعولين جاز الإعمال والإهمال وكان الإهمال سواء، لكن كأنه عند الشرح لم يبت بهذا، إنما قال فيه مذهبان وترك هذا، أما أنه تركه لما هو معلوم مما قدره قبل ذلك أو لعدم قناعته حينئذ بأحد الرأيين، والعالم قد يتغير رأيه وهذا معروف، قد يجزم بمذهب وبعد حين يقف أو يتوقف أو يجزم بعكسه، فهذا معلوم طرائق العلماء ولا يُثرب على العلماء بمثل هذا، يعني عالماً مثلاً صحح حديثاً في مكان وضعفه في مكان آخر، بعض الناس يطير بهذا ويثرب ويعير العلماء، مثل هذا ليس فيه إشكال، إنما هو من باب تغير الاجتهاد يقع فيه الفقهاء، يقع فيه المحدثون، يقع فيه النحويون، يقع فيه المفسرون. المفسر قد تجده يميل إلى رأي في الآية يبت به قطعاً ويرى غيره باطلاً، ثم بعد ذلك يتبين له صحة هذا الذي رآه باطلاً وضعف مذهب الذي كان أولاً، بل ربما تبين له بطلانه، وهكذا؛ فمثل هذا إنما هو من تغير اجتهاد أهل العلم.

قال ومثال تأخرها عنهما قولك: زيدٌ عالمٌ ظننت، بالإهمال. قال وهو الأرجح بالاتفاق، لماذا؟ لضعفها بسبب التأخر؛ هي عملت متقدمة لا إشكال، عملت متوسطة اختلفوا هل عملها كإهمالها أم إهمالها أولى؟ لكن إذا تأخرت قالوا لا، إهمالها أولى بالإهمال، قال وهو الأرجح بالاتفاق، ويجوز: زيداً عالماً ظننت بالإعمال، لكن الإهمال أرجح اتفاقاً. قال الشاعر: القومُ في أثري ظننتُ ... فإن يكن ما قد ظننتُ فقد ظفرتُ وخابوا. يريد من هذا أن يقول: ظننت القوم في أثري، ظننت القوم ورائي، أنا أظن أنهم ورائي وأنني سبقتهم، فإن كان ذلك كذلك فقد ظفرت فزت لهروبي منهم ونجاتي منهم، أما هم فخابوا ولم يعثروا علي. كان يقول: ظننت القوم في أثري، لكن لم يفعل ذلك ولم يقل: القوم ظننت في أثري، لا، إنما أخر ظن، لم يأتِ بها متقدمة ولم يأتِ بها متوسطة، إنما جاء بها متأخرة، فقال: القومُ على أنه مبتدأ، وفي أثري هذا الجار والمجرور كما درستم مراراً هذا هو الخبر عند بعض العلماء أو هو متعلق بالخبر الذي حذف وجوباً، القوم مستقرون في أثري، كائنون، واقع، حاصلون؛ كل ذلك. القوم في أثري مبتدأ وخبر، ظننت فعل وفاعل، وليس لها عمل، لم تنصب مفعولاً ولم تنصب مفعولين، لم تنصب شيئاً. قال فالقوم مبتدأ، في أثري على أنه خبر، وأهملت ظن لتأخرها عنهما، لتأخرها عن المفعولين أو عن المبتدأ والخبر اللذين كانا يمكن لهما أن يكونا مفعولين.

ومتى تقدم الفعل على المبتدأ والخبر معاً لم يجز الإهمال، لا تقول: ظننت زيدٌ قائمٌ، بالرفع، خلافاً للكوفيين؛ فالكوفيون يجيزون هذا، يقولون: ظننت زيدٌ قائمٌ، ويقولون ظننت فعل وفاعل وهو مهمل، وزيد مبتدأ وقائم خبر، ولهم عدة أدلة من شعر العربية، ليس لهذا شاهد قرآني والله أعلم، إنما إذا تقدمت وهي تقدمت كثيراً في كتاب الله تعالى، وفي كل موضع تعمل أو تُعلّق كما سيأتي أو يأتي شيء يسد مسد المفعولين، أما الإهمال مع التقدم فلا أعلم له شاهداً قرآنياً. فالكوفيون يقولون: ظننت زيدٌ قائمٌ، هذا جائز، ومن الشعر المعروف الذي يستدلون به قول كعب بن زهير في بردته الشهيرة: وما أُخالُ لدينا منك تنويلُ ... أرجو وأُمّل أن تدنو مودتها. وما أُخالُ لدينا منك تنويلُ، لم يقل تنويلاً، وهنا مع أنه قدم الفعل الذي هو أخال، وهذا الفعل يؤتى به بكسر الهمزة في اللغة الفصحى، والوجه في ذلك الفتح أخال، قال: فأنا أخال أظن، المهم أنه قال: وما أخال لدينا منك تنويل، ولم يقل تنويلاً، والمعروف في هذه البردة أن اللام التي فيها مضمومة، فَرَويُها لام مضمومة أو قافيتها لام مضمومة: بانت سعاد فقلبي اليوم متبولُ ... متيم إثرها لم يُفدَ مكبولُ. فلم يقل تنويلاً إنما قال تنويل، ولهم بعض الأدلة الأخرى لكن لم يذكر شيئاً من ذلك المصنف.

قال وأما التعليق: هذه المسألة الثانية، قال وأما التعليق فهو عبارة عن إبطال عملها لفظاً لا محلاً، لما له صدر الكلام بينها وبين معموليها. هنا التعريف مختلف، أولاً الاسم مختلف، التعريف مختلف، السبب مختلف؛ الأول اسمه الإهمال أو الإلغاء، وهذا اسمه التعليق. الاسم مختلف، التعريف كذلك مختلف، الإهمال أو الإلغاء هو إبطال العمل في اللفظ وفي المحل جميعاً، أما التعليق فهو إبطال العمل في اللفظ دون المحل، هي عاملة في المحل ليست عاملة في اللفظ. السبب أيضاً مختلف، السبب في الإلغاء التوسط أو التأخر؛ توسط الأفعال في هذا الباب بين المبتدأ والخبر أو بين المفعولين أو تأخرها عنهما؛ هذا هو السبب، أما السبب في التعليق فهو اعتراض ما له صدر الكلام بينها وبين معموليها، يعني هي تتقدم ويكون المفعول بعدها.

ومع ذلك تجدها غير عاملة في المفعولين. قالوا: ما السبب في أنها غير عاملة مع أنها تقدمت؟ قالوا: السبب أنها عُلِّقت بشيء معين، دخل شيء بينها وبين معموليها فعلقها عن العمل فيهما.

قال: والمراد بما له صدر الكلام من نفيه، والمراد بما له صدر الكلام وذكر من ذلك ما النافية، ولا النافية، وأن النافية، وذكر لام الابتداء، ولام القسم، والاستفهام، وبعضهم يزيد أشياء أخرى كـ «لعل» وغيرها. قال: والمراد بما له صدر الكلام ما النافية، كقولك: علمت ما زيد قائم. لو قلت: علمت زيداً قائماً، لقلت: علمت فعل وفاعل، وزيداً مفعول به أول، وقائماً مفعول به ثانٍ، لكن هنا تقول: علمت ما زيد قائم وجوباً هكذا. ولا تقول: علمت ما زيداً قائماً، أو لا تقل هذا، هذا وذاك سواء؛ لكن أنا على ما يختاره المصنف، تكون نافية، علمت ما زيداً قائماً، تقول: علمت وزيداً مفعول أول، وقائماً مفعول ثانٍ. قالوا لك: لا، كيف تقول ذلك وبين بينهما «ما»؟ و«ما» هنا لها صدر الكلام، والذي له صدر الكلام لا يعمل ما قبله فيما بعده. نقول: هذا هو السبب، أن الذي له صدر الكلام تصدر في الكلام، فحال بين الذي قبله وبين الذي بعده، لا يعمل ما قبله فيما بعده، فعلمت فعل وفاعل، و«ما» نافية حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، وزيد مبتدأ، وقائم خبر.

قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 65]. فهذا أيضاً كما سبق بيانه مراراً، هذا من قول قوم إبراهيم له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾. نعم، ثم والآية ثم نكسوا على رؤوسهم، ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ ثم نكسوا على رؤوسهم. فقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾ الشاهد فيه: لقد علمت، ثم جيء بـ «ما» النافية، ﴿مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ﴾. «هؤلاء» طبعاً مررنا مراراً قبل ذلك أنها اسم إشارة مبني على الكسر في كل حال. طيب، هنا يقال فيها: هي مبنية على الكسر في محل نصب لأنها مفعول به أول، أم يقال: هي مبنية على الكسر في محل رفع لأنها مبتدأ؟ لا يقال الثاني؛ «ها» حرف تنبيه مبني على السكون لا محل له من الإعراب، «أولاء» اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع لأنه مبتدأ، وينطقون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، وواو الجماعة فاعل، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع لأنها خبر المبتدأ الذي هو «هؤلاء». فجملة المبتدأ والخبر هاهنا لا يعمل فيها في لفظها الفعل «علم». قال: فهؤلاء مبتدأ، وينطقون خبره، وليس مفعولاً أول وثانياً.

قال: و«لا» النافية بعد ذكر «ما» قال: «لا» النافية كقولك: علمت لا زيد قائم ولا عمرو. لا زيد قائم ولا عمرو، لا تقول أيضاً: لا زيداً قائماً، إنما يقول: لا زيد قائم ولا عمرو، لأجل النافية. قال: و«أن» النافية كقوله تعالى: ﴿وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 52]، ﴿إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وإن كانت هنا لم تدخل على شيء، يعني لم تدخل على شيء يمكن أن يُنصب، لكن هي يقولون هذا مثال لدخول «أن» النافية بعد الفعل بعد هذا الفعل «ظن يظن»، وإلا فهي إذا سلطت على ما بعدها لم تنصب أصلاً، هي دخلت على فعل ماضٍ لكن يستدلون بهذا، وإن كان بعض العلماء نازع في مثل هذا الاستدلال؛ نازع فيه لأنه قال: «إن» لو سلطت على ما بعدها لما حصل نصب، ولم تحل «أن» هنا بينها وبين الجملة الاسمية التي هي من مبتدأ وخبر، وكانا سينصبان على أنهما مفعول أول ومفعول ثانٍ، لكن العلماء يستدلون بهذه الآية وإن كان فيها ذلك. قال: أي ما لبثتم إلا قليلاً.

قال: نعم، قال: ولام الابتداء بعد ذكر «ما» و«لا» و«أن» قال: ذكر أيضاً لام الابتداء، قال: ولام الابتداء نحو قولك: علمت لزيد قائم. علمت لزيد قائم. سبق قبل ذلك هذه اللام تسمى لام الابتداء، فالذي تدخل عليه مبتدأ، ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ﴾ [البقرة: 221]، ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، ﴿لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: 108]، هذه لام الابتداء، أيضاً لام الابتداء تدخل على المبتدأ فلها الصدارة. قالوا أيضاً لا يعمل ما قبلها فيما بعدها، علمت لزيد قائم، علمت فعل وفاعل، وهذه لام الابتداء حرف مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، وزيد مبتدأ وقائم خبر. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [البقرة: 102]. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ من اشترى السحر وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق، يعني ليس له في الآخرة نصيب، فـ «من» هنا يقال فيها مبتدأ، أم يقال فيها هي مفعول به للفعل «علم»؟ على كلٍّ هي اسم الموصول، «من» اشترى، «من» هذا اسم الموصول مبني على السكون، ولكن حرك بالكسر تخلصاً لالتقاء الساكنين، لأن الشين التي بعده ساكنة، أما همزة الوصل فلا تنتقل، هو اسم الموصول مبني على السكون. ماذا يقال فيه؟ يقال فيه: في محل نصب لأنه مفعول به أول لعلم، أم يقال فيه: مبني على السكون في محل رفع لأنه مبتدأ؟ الثاني قالوا: في الثاني مبني على السكون في محل رفع لأنه مبتدأ، والجملة التي بعده هي الخبر، لا، يعني «اشتراه» هذه كما درستم قبل ذلك، هذه جملة صلة الموصول، ما بعد ذلك هو الخبر، ﴿مَّا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ جملة منفية بعد ذلك بـ «ما» في محل رفع لأنها خبر، وهذه جملة اسمية قد تأخر فيها المبتدأ عن الخبر، فكلمة «خلاق» يعني ليس من باب الإعراب يعني استطراد، المجلس ليس مجلس إعراب، وإلا فـ «خلاق» مبتدأ مؤخر وسبق بـ «من» الزائدة.

قال: ولام القسم كقول الشاعر: ولقد علمت لتأتين منيتي، إن المنايا لا تطيش سهامها. ولقد علمت لتأتين منيتي، فأيضاً علم هنا كما في آية الإسراء ﴿تَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾، علم هنا لو لم تأتِ حتى لام القسم فإنها تدخل على شيء لا تنصب على أنه مفعول أول وأنه مفعول ثانٍ، لكن هذا يفيدهم لأنهم يقولون: محل هذه الجملة محلها النصب، فإذا أردت أن تعطف عليها ستعطف بالنصب، كما سيأتي في بيت كثير.

قال: والاستفهام، الاستفهام كما سبق، الاستفهام له الصدارة في الكلام، الاستفهام كقولك: علمت أزيد قائم؟ علمت أزيد قائم؟ أزيد مبتدأ وقائم خبر، ولم يعمل الفعل «علمت» اعتراض الاستفهام بهذا الحرف الذي هو الهمزة. قال: وكذلك إذا كان في الجملة اسم استفهام سواء كان أحد جزئي الجملة أو كان فضلة، فالأول نحو قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ [طه: 71]. هذا من تمام قول فرعون للسحرة بعدما آمنوا ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ﴾ [طه: 71]، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ الشاهد فيه: ولتعلمن أينا أشد عذاباً وأبقى، لم يقل ولتعلمن أينا، أي مفعول أول وأشد مفعول ثانٍ، لا، ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ﴾ لماذا أينا؟ أشد مبتدأ وخبر، و«أي» اسم استفهام، وهو أحد جزئي الجملة، نعم أحد جزئي الجملة لأنه مبتدأ، والذي بعده خبره. ومثله أيضاً قول الله تبارك وتعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: 11] مثلها لا تدرون مع ذلك أيهم أقرب مبتدأ وخبر.

قال: والثاني كقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]. هذه الآية تلفت الانتباه، لماذا؟ لأنه قال: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، فيقول قائل: لا، هنا استفهام ومع ذلك عملت فيه «يعلم»، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ﴾ لم يقل أَيُّ؟ فالمصنف سينبه لهذا أن قوله «أيَّ» ليس منصوباً بـ «يعلم»؛ لأنه اسم استفهام لا يعمل فيه ما قبله. إذا كان هو يمنع أن يعمل ما قبله فيما بعده فقالوا: من باب أولى أن يمنع أن يعمل فيه غيره وما قبله أن يعمل فيه ما قبله. قالوا: هي ليست مفعولاً به لـ «يعلم»، إنما هو منصوب بـ «ينقلبون»، قال: فـ «أيَّ منقلبٍ» منصوب بـ «ينقلبون» على المصدرية، ظرف يعني مصدر، عفواً مصدر على أنه مفعول مطلق، مصدر لأنه مفعول مطلق، قال: و«يعلم» معلقة عن الجملة بأسره، عن الجملة بأسره، ما الجملة التي بعدها؟ جملة فعلية ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ ماذا يعلمون؟ ينقلبون أي منقلب، يعني ينقلبون أي منقلب ويرجعون إلى الله تبارك وتعالى أي مرجع، أنه مرجع صعب عسير وخيم عليهم، كما قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر: 10]. والأصل في مثل هذا إذا وضع الظلم في مثل هذا الأصل في أن ينسحب على الكفار وإن كان كل ظلم يكون بحسبه.

قال: ويعلم معلقة عن جملة بأسره لما فيه من اسم الاستفهام، وهو «أي»، وربما توهم بعض الطلبة انتصاب «أي» بـ «يعلم»، وهو خطأ؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام فلا يعمل فيه ما قبله، إذاً يجوز أن يعمل فيه ما بعده، لكن لا يعمل فيه ما قبله، إذاً: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ يعني ينقلبون أي منقلب، والمنقلب مصدر ميمي، مصدر في أوله ميم، ومعلوم أن المصدر الميمي وأنَّه يأتي من غير الثلاثي على وزن اسم المفعول، يقولون: اسم الزمان واسم المكان والمصدر الميمي واسم المفعول من غير الثلاثي كل ذلك يأتي على وزن واحد، وزن اسم المفعول، يتضح المراد بالسياق.

قال: وإنما سُمي هذا الإهمال تعليقاً، لماذا سُمي هذا الذي يظهر أنه إهمال -هي ليست عاملة ويظهر أنه إهمال كالإلغاء السابق- لا، قالوا: وإنما سُمي هذا الإهمال تعليقاً؛ لأن العامل في نحو قولك: علمت ما زيد قائم، عامل في المحل وليس عاملاً في اللفظ، فهو عامل لا عامل، يعني هو عامل من وجه وغير عامل من وجه آخر، قال: فشبه بالمرأة المعلقة التي هي لا مزوجة ولا مطلقة. وقد قال بعض العلماء إن النحويين أبدعوا في هذا الموضع حينما اختاروا هذا الاسم لهذا العمل، يعني هذا حكم ورد عن العرب، لكن كيف نسميه؟ ماذا نسميه؟ ماذا يسمى؟ فنظر إلى هذا المعنى الجميل الوارد في كتاب الله تبارك وتعالى في قوله سبحانه: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: 129]، ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا﴾، ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ مع أنه في أول السورة أباح أن يتزوج الرجل مثنى وثلاث ورباع، قال: ﴿لَن تَسْتَطِيعُوا﴾، بعد ذلك، وهو قال قبل ذلك: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [النساء: 3]، إذاً فيمكن أن يعدل إن خاف ألا يعدل فواحدة، فكيف ينفي هنا استطاعة العدل: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾؟ فيقال: العدل هنا بخلاف العدل الذي هنالك؛ العدل الذي يؤمر الإنسان به هو العدل في النفقة والمبيت والقسم وما أشبه ذلك مما يستطيع الإنسان، أما العدل الذي لا يستطيع الإنسان ولو حرص على ذلك، العدل في الحب والميل والفراش وما أشبه ذلك، هناك أشياء يقدر عليها الإنسان، وهناك أشياء أخرى لا يستطيع أن يقدر عليها، إذا كان متزوجاً بامرأتين إحداهما يعني مسرورة، منبسطة، مرحة في وجهه، تسمع وتطيع إذا أمر ونهى، وتهش وتبش له، والأخرى متجهمة أو متسلطة أو خرجة ولجة، لا تكاد تجلس البيت، مثل هذا لابد أن يميل إلى الأولى دون الثانية ميلاً قلبياً، ميلاً قلبي.

والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أكثر من غيرها، كما هو معلوم، حتى إنه في مرض موته كان يقول: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ انتظاراً ليومها، حتى أذن له أزواجه رضوان الله عليهن أن يمرض في بيتها. وقال تعالى: ﴿وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾، يعني إن كنت تحب واحدة دون الأخرى أو دون الأخريات، فلا تمل إليها كل الميل حتى لا تجعل الأخرى كالمعلقة التي لا هي مزوجة ولا هي مطلقة، لا أنت متزوج بها وتعاشرها معاشرة حسنة، وتحاول أن يعني تأتي على نفسك كما يقال، ولا أنت تتركها حتى تنكح زوجاً غيرك فتذرها كالمعلقة؛ فهي متزوجة؟ نعم متزوجة، لكن لا يرغب فيها زوجها، طيب هي مطلقة؟ لا، ليست مطلقة حتى تتزوج غيره. فقالوا: هنا هذا الفعل عامل، نعم هو عامل في المحل، طيب لا يظهر العمل، نعم، لأنه غير عامل في اللفظ؛ فلاجل هذه المناسبة سموه التعليق. قال المصنف: شُبه بالمرأة المعلقة التي هي لا مزوجة ولا مطلقة، والمرأة المعلقة هي التي أساء زوجها عشرتها، نعم أساء زوجها عشرتها، إلى أن وصل إلى هذا المعنى مال كل الميل إلى غيرها فتركها كالمعلقة، وإلا فمجرد إساءة العشرة لا يلزم أن يكون تعليقاً. لا، أصلت إساءة العشرة إلى ما ذكره الله تبارك وتعالى في الكتاب العزيز: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ والفاء هنا سببية، يعني هذا الميل الكامل يسبب هذا التعليق.

قال: والدليل على أن الفعل عامل في المحل أنه يجوز العطف على محل الجملة بالنصب، كقول كثير، هذا كثير بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة، قال: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت. وما كنت أدري قبل عزة ما البكا، فقال: ما البكا، ما اسم استفهام، والبكا أصله البكاء، ما مبتدأ والبكاء أو البكا خبر. طيب هل أدري، وما كنت أدري، دري يدري، هل أدري تعمل في «ما البكا» فيقال «ما» مفعول به أول؟

البكى مفعول به، والبكى خبر. طب كيف قال: «ولا مجعاتي»؟ لماذا كسر المجعات؟ لأنها منصوب عطفاً على محل الجملة التي هي: ما البكا. إذاً، ففعل أدري هذا الفعل عامل في هذه الجملة، ما البكا، فهذه جملة من مبتدأ وخبر، ولكنها في محل نصب؛ لأنها سدت مسد المفعولين. لأجل هذا عطف عليها ولا مجعات القلب حتى تولت. قال: فعطف موجعات بالنصب على محل قوله ما البكا الذي علق عن العمل فيه قوله أدري.

ثم انتقل بعد ذلك انتقالاً آخر إلى الفاعل، قال: باب الفاعل مرفوع كقام زيد ومات عمر، ولا يتأخر عامله عنه، ولا تلحقه علامة تثنية ولا جمع؛ بل يقال: قام رجلان ورجال ونساء كما يقال قام رجل، وشذ: ﴿يَتَعَاقَبُونَ فِيكُم مَّلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ﴾، وتلحقه علامة تأنيث إن كان مؤنثاً، كقامت هند وطلعت الشمس. قامت هند أو هند، يعني الذي عنده ضمة واحدة هذا صحيح، والذي عنده ضمتان هذا صحيح، لغتان فصيحتان. العلم المؤنث الثلاثي ساكن الوسط يجوز صرفه ويجوز عدم صرفه، وسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى فيما لا ينصرف.

وطلعت الشمس، قال: ويجوز الوجهان في مجازي التأنيث الظاهر، نحو: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، ﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ﴾. والخلل سيظهر مرة أخرى بإذن الله تبارك وتعالى، الأقرب والله أعلم أنه يريد إحداهما بالتأنيث والأخرى بغير التأنيث، ولكن جاء بها هنا وفي الشرح جاء بالآيتين هكذا بالتأنيث، فالأقرب والله أعلم أنه يريد نحو: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ﴾ فقد جاءكم بينة، ويريد أن يبين الجواز، وسيأتي شرح لهذا إن شاء الله.

قال: وفي الحقيقي المنفصل نحو حضرت القاضي امرأة، والمتصل في باب نعم وبئس نحو نعم المرأة هند، وفي الجمع نحو: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ﴾، إلا جمعي التصحيح، فكمفرديهما نحو قام الزيدون وقامت الهندات. وإنما امتنع في النثر نحو ما قامت إلا هند، لأن الفاعل مذكر محذوف، كحذفه في نحو: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا﴾، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾، ﴿وَأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾، ويمتنع في غيرهن.

قال في الشرح: لما انقضى الكلام في ذكر المبتدأ والخبر وما يتعلق بهما من أبواب النواسخ، شرعت في ذكر باب الفاعل وما يتعلق به من باب النائب وباب التنازع وما يتعلق به من باب الاشتغال. أنا بعد أن أنهى الكلام على المبتدأ والخبر، وعما يدخل على هذا المبتدأ والخبر من النواسخ، بقي الكلام في الفاعل ونائب الفاعل والكلام عن التنازع والاشتغال، وهو تبع لذلك حتى ينتهي الكلام، ثم بعد ذلك ينتقل إلى المنصوبات، فبهذا إذا تم هذا إن شاء الله تبارك وتعالى سيكون قد انتهى من المرفوعات جميعاً. فالمرفوعات: المبتدأ والخبر، واسم كان وأخواتها، واسم كاد وأخواتها، واسم ما الحجازية وأخواتها، وخبر إن وأخواتها، وخبر لا نافية الجنس، والفاعل، ونائب الفاعل، هذه مرفوعات الأسماء، ومعها مرفوع الأفعال كما سبق الفعل المضارع المجرد من الناصب والجازم، ويأتي بعد ذلك التابع للمرفوع، والتابع ليس مرفوعاً بنفسه، وإنما يكون تابعاً لغيره بحسب ما قبله، هذه هي المرفوعات من أراد تعدادها، وسيأتي الكلام في المنصوبات عن تعداد المنصوبات، وكذلك في المجرورات والمجزومات، المجزومات سبق كذلك المجرورات بإذن الله.

قال: اعلم أن الفاعل، هذا تعريف مهم للفاعل، قال: اعلم أن الفاعل عبارة عن اسم صريح أو مؤول به، أسند إليه فعل أو مؤول به مقدم عليه بالأصالة واقعاً منه أو قائماً به. هذا تعريف لمن يحفظ التعريفات من أول الكتاب، فهذا من التعريفات التي تحفظ وتعريف مهم، فتعريف الفاعل له تعريفات أخرى، هذا التي يختار المصنف. تعريف الفاعل قال: عبارة عن اسم صريح أو مؤول به، أسند إليه فعل أو مؤول به، مقدم عليه بالأصالة، واقعاً منه أو قائماً به. قال: مثال ذلك زيد، سيشرح التعريف، يعني مثال ذلك زيد من قولك ضرب زيد عمراً، وعلم زيد. فالأول اسم أسند إليه فعل واقع منه؛ فإن الضرب واقع من زيد، ضرب زيد عمراً، هذا الضرب وقع من زيد على عمرو، فكيف: ﴿إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾؟ يضربون واو الجماعة التي تعود إلى الملائكة، فوقع الضرب من الملائكة لهؤلاء المجرمين عياذ بالله ولا جعلنا الله منهم، يبقى هذا الفعل واقع من الفاعل.

قال: والثاني اسم أسند إليه فعل قائم به؛ فإن العلم قائم بزيد، علم زيد، لا يقال العلم واقع من زيد، هذا شيء معنوي، إنما يقولون العلم قائم بزيد، العلم قام به ولم يقع منه، هذا معروف، يعني وقوع الضرب من الإنسان بخلاف وقوع العلم، فالعلم يقال قائم به كما في الآية التي سبقت: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، هذا العلم سيقوم بهم، سيعرفونه.

قال: وقولي أولاً أو مؤول به، قال عبارة عن اسم صريح أو مؤول به، فزيد اسم صريح، ضرب زيد هذا اسم صريح، كذلك سيعلم الذين هذا أيضاً اسم صريح، أحياناً هو يريد بالاسم الصريح أياً ما كان أهم شيء ألا يكون مؤولاً، فيدخل فيه الضمير، يضربون هذا أيضاً اسم صريح بمعنى أنه ليس مصدراً مؤولاً. قال: أو مؤول به، يدخل فيه أن تخشع في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾، فالفعل الماضي أنى ياني، وأن يئين، لكن هذا من الفعل الأول، ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم، يعني ألم يأن لهم الخشوع، ألم يحن لهم الخشوع، فالخشوع هذا هو الفاعل؛ فإنه فاعل مع أنه ليس باسم، ولكنه في تأويل الاسم وهو الخشوع، وهذا سبق كثيراً ويأتي إن شاء الله كثيراً، لا بد أن تنظر في هذه الأحرف التي تسمى الأحرف المصدرية وهي أن وأن وما ولو وكي، فتسبك وتؤول مع ما بعدها بمصدر، هذا المصدر يقع موقعه سواء كان فاعلاً أو نائباً عن الفاعل أو مجروراً أو منصوباً أياً ما كان، فهنا هو مرفوع لأنه فاعل، ومثل: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني أولم يكفهم إنزالنا الكتاب. وكذلك: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، حتى يتبين هذا فعل، لهم أنه الحق، وأنه وما بعدها في تأويل مصدر، هذا المصدر هو فاعل، يعني حتى تبين لهم أحقيته أو حقيقته، ومثل هذا كثير، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ، يعني فلما تبين له عداوته لله.

فإما أن يكون اسماً صريحاً وإما أن يكون مؤولاً من أن وما بعدها أو أن وما بعدها أو ما أشبه ذلك. قال: وقولي ثانياً أو مؤول به، هو اسم صريح أو مؤول به أسند إليه فعل، أسند إليه فعل، فعل سبق ضرب وعلم وتخشع وغير ذلك من الأفعال التي سبق الكلام فيها، لكن هل هناك شيء مؤول بالأفعال؟ نعم هو ما يعمل عمل الفعل، والذي قلت لكم مراراً وأقول الآن أيضاً سياتي فيه درسان طويلان وربما كان أكثر فيما يعمل عمل الفعل، فهناك عشرة أشياء تعمل عمل الفعل، ذكر المصنف منها في هذا الكتاب سبعة أشياء، فسيأتي الكلام فيها بإذن الله تبارك وتعالى.

قال: يدخل فيه مختلف في قوله تعالى: ﴿مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، لأنه قال تختلف ألوانه. قال: فالألوانه فاعل، ولم يسند إليه فعل، ولكن أسند إليه مؤول بالفعل وهو مختلف، فإنه في تأويل يختلف، يختلف أو تختلف كان يختلف ألوانه لكن يختلف لأنه قال مختلفه، قال يختلف ألوانه، وله أمثلة كثيرة، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ يعني يأثم قلبه. قال: أراغب أنت عن آلهة إبراهيم، سبق في هذا يعني أترغب أنت، وهكذا، ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وهذا سيأتي له أمثلة كثيرة في أعمال اسم الفاعل وغيره عمل الفعل.

قال: وخرج بقوله مقدم عليه نحو زيد من قولك زيد قام، إذا قلت زيد قام قد يقول قائل زيد فاعل مقدم وقام فعل، وهذا نعم هو قول لبعض العلماء الذي يقول بهذا ومتابع لبعض العلماء، لكن الأكثرون لا يعتبرونه صحيحاً، يقولون زيد مبتدأ، قام فعل ماضي وفيه فاعل مستتر جوازاً تقديره هو يعود على زيد والجملة خبر، هذا من باب المبتدأ والخبر ليس من باب الفعل والفاعل. قال: فليس بفاعل لأن الفعل المسند إليه ليس مقدماً عليه بل مؤخر عنه، عندي في النسخة بل مؤخراً عنه وهذا النصب غير سديد والله أعلم، يعني إنما هو بل مؤخر عنه بالرفع، لأن النصب مهم بالنفي كأنك قلت ليس مقدماً عليه بل ليس مؤخراً عنه لماذا ينصب؟ فيقال هنا ليس مقدماً عليه بل مؤخر عنه بالرفع يعني بل هو مؤخر عنه فيضبط هذا النصب إلى رفع، كان بعضهم أجاز هذا لكن والله من الرفع الرفع هنا غير مهم أما النصب فمهم. قال: وإنما هو مبتدأ والفعل خبر كما سبق، هذا من باب المبتدأ والخبر ليس من باب الفعل والفاعل.

قال: وخرج بقولي بالأصالة نحو زيد من قولك قائم زيد، قائم زيد هكذا بغير استفهام، إذا قلت أقائم زيد أو ما قائم زيد، دخل في هذا الباب لأن اسم الفاعل هنا اعتمد على نفي أو استفهام، فإذا اعتمد على نفي أو استفهام جاز أن يعمل، فحينئذ أقائم زيد زيد فاعل، ما قائم زيد زيد أيضاً فاعل، لكن إذا حذفت النفي والاستفهام فقلت قائم زيد، هذا أيضاً مبتدأ وخبر لكن على التقديم والتأخير، يعني كأنك قلت زيد قائم ولكن قدمت الخبر وأخرت المبتدأ وبعض العلماء يقول هو على كل فاعل زيد فاعل، فاسم الفاعل هنا لا يحتاج إلى نفي أو استفهام أو غير ذلك لكي يعمل، لكن المشهور أول قال: فإنه إن أسند إليه شيء مؤول بالفعل وهو مقدم عليه، لكن تقديمه عليه ليس بالأصالة لأنه خبر، فهو في نية التأخير، إذاً فهو مبتدأ، هو نعم مبتدأ مؤخر وليس بفاعل. من كان الثاني جائزاً أيضاً.

قال: وخرج بقوله واقعاً منه قال واقعاً منه أو قائماً، نحو زيد من قولك ضرب زيد، ضرب زيد، زيد هنا قبله الفعل الذي هو ضرب هل هذا الفعل وقع منه؟ لا. هل هذا الفعل قام به؟ لا. هذا فعل وقع عليه، ضرب زيد، ضربه غيره، فهذا فعل وقع عليه. قال: فإن الفعل المسند إليه الفعل المسند إليه واقع عليه وليس واقعاً منه ولا قائماً به، إذاً فزيد هنا فاعل، لا، زيد هنا نائب عن الفاعل، هو نائب عن الفاعل، وأصل النائب عن الفاعل أنه مفعول به، ضرب زيد، يعني ضرب رجل ما زيداً، الأصل في النائب عن الفاعل أنه مفعول به فلا يعرب فاعلاً، وإن كان يأخذ أحكام الفاعل كما سيأتي أن النائب عن الفاعل يأخذ أحكام الفاعل لكن لا يقال عنه فاعل، هو نائب عن الفاعل.

قال: وإنما مثلت الفاعل بقام زيد ومات عمر، ليعلم أنه ليس معنى كون الاسم فاعلاً أن مسماه أحدث شيئاً، بل كونه مسنداً إليه على الوجه المذكور، أسند إليه فعل بالصفة المذكورة، هو اسم صريح أو مؤول به، أسند إليه فعل أو مؤول به، هذا الفعل وقع منه أو قام به، ولا بد أن يكون قدم عليه بالأصالة. ألا ترى أن عمراً لم يحدث الموت ومع ذلك يسمى فاعلاً، نعم، ولم يحدث الموت ومع ذلك هو يسمى فاعلاً عند النحويين، قال يا جماعة كيف يكون فاعلاً؟ هو فعل الموت بنفسه؟ لا، لم يفعل الموت بنفسه إنما هو عند النحويين فاعل، نعم أنت لو تسميه فاعلاً في شيء آخر، لكن عند النحويين هم يقولون هو فاعل. قال الله تعالى: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ فيها تحيون واو الجماعة فاعل، وفيها تموتون واو الجماعة أيضاً فاعل معهم، هم لم يحدثوا الموت لأنفسهم إنما أماتهم الله، ومع ذلك هذا يسمى فاعلاً بالمعنى النحوي المعروف، حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعد الرسول، هلك فعل فاعله مستتر تقديره هو يعود على يوسف، كما في الآية: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ﴾، حتى إذا هلك هو، حتى إذا هلك هنا فعل مستتر جوازاً تقديره هو فهو فاعل.

طب هل هو أحدث الإهلاك النفسي؟ الإهلاك هنا الهلاك هنا بمعنى الموت وهذا معنى صحيح، يقال في بعض الأحيان هكذا دون أي إشارة إلى شيء سلبي، حتى إذا هلك حتى إذا مات، وأحياناً يقال كدعاء بموت أو غيره، فهذا جائز وكثيراً ما يقال ولا يراد به الدعاء ولا شيء في المواريث، هذا واضح جداً، يقال هلك هالك عن مثلاً زوجة وابنتين وأم، فكيف تورث؟ هلك هالك هكذا، هلك عن كذا هذا موجود كثيره وهو مأخوذ من قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، فأخذ الفرضيون.

أصحاب المواريث كثيرا ما يعبرون بقولهم: هلك هالك عن كذا وكذا. فهذا المعنى قد لا يستسيغه أحد؛ إذ يقول: كيف تقول عن يوسف هلك؟ أولا: هذه ليست من قول الله تعالى، الذي قال ﴿حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ﴾ [غافر: 34] هذا يقوله مؤمن آل فرعون لقومه؛ فالكلام في سياق ما ذكره مؤمن آل فرعون لقومه: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: 34]. لكن حتى إذا كان من قول الله تبارك وتعالى ذكره وأقره الآن، فليس فيه إشكال؛ هلك بمعنى مات. أما مثلاً فيكون دعاء حتى بغير الموت، في مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: «هلك المتنطعون»؛ فهذا لأنهم خالفوا أمره عليه الصلاة والسلام. ويكون موتاً هذا لا إشكال فيه.

قال: وإذا عرفت الفاعل فاعلم أن له أحكاماً. إذا عرفت تعريف الفاعل وما يدخل في ذلك وما يخرج بهذا التطويل الذي ذكره، فاعلم أن له أحكاماً؛ فالفاعل له أحكام سيذكر بعضها. قال: أحدها ألا يتأخر عامله عنه، أو لا يتأخر عامله عنه، وسبق شيء من ذلك؛ يعني تقول كما قال هو قبل: قام زيد، فعل وفاعل. إذا قلت زيد قام، لا، زيد قام، ستقول زيد مبتدأ وقام الجملة الفعلية خبر. قال: فلا يجوز في نحو قام أخواك -طبعا قام فعل وأخواك فاعل- لا يجوز في هذه الجملة أن تقول أخواك قام. طب لو قال قائل: أخواك قام، كيف يقال له؟ كيف تعرب؟ تقول أخواك فاعل وقام فعل؟ لا، هنا يجب أن تقول أخواك قاما أو قام أخواك. قام أخواك فعل وفاعل، أخواك قاما مبتدأ والجملة بعده خبر. قال: وقد تضمن ذلك الحد الذي ذكرناه؛ الحد الذي ذكره قد تضمن هذا الحكم لأنه قال اعلم أن له أحكاماً فذكر حكماً سبق في التعريف مقدماً عليه بالأصالة. قال: وإنما يقال أخواك قام، فيكون أخواك مبتدأ وما بعده فعل وفاعل، الجملة خبر.

قال: والثاني أنه لا يلحق عامله علامة تثنية ولا جمع، فلا يقال قاما أخواك، ولا قاموا إخوتك، ولا قمن نسوتك، بل يقال في الجميع قام بالإفراد. كما يقال قام أخوك، يقال قام أخواك، قام إخوتك، قام النسوة؛ هكذا بالفعل الذي ليس فيه علامة تثنية ولا علامة جمع للذكور ولا للإناث. قال: هذا هو الأكثر. قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ﴾ [الفتح: 11]، ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 142]، فعل واحد مع أن هذا جمع، سواء جمع مذكر سالم أو جمع لم يكن جمع مذكر سالماً، فمثل هذا الفعل يكون على وتيرة واحدة. قال: رجلان من الذين يخافون أنعم الله، قال رجلان.

قال: هذا هو الأكثر، ومن العرب من يلحق هذه العلامات بالعامل، فعلاً كان كقوله عليه الصلاة والسلام: «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار». طبعاً هذا هو اللفظ الذي يشتهر عندنا كثيراً، وإن كانوا يقولون هذا لفظ تفرد به مالك، والأكثر في هذا الحديث يتعاقب فيكم. بعضهم يقول هو منتزع من سياق، لكن على كلٍ لو ثبت أن هذا لفظ النبي عليه الصلاة والسلام «يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» يقال هذه لغة فصيحة تكلم النبي عليه الصلاة والسلام بها أحياناً. وإلا فإن لم يثبت وكان من بعض الرواة كما يقول هو من كلام مالك بن أنس وخلط الرواة فرووه على الجادة، فحينئذ لا يكون في ذلك، لكن على كل هي لغة فصيحة على أية حال.

قال: أو اسماً كقوله عليه الصلاة والسلام أو مخرجيّ هم. قال ذلك لما قال له ورقة بن نوفل: وددت أن أكون معك إذ يخرجك قومك، وطبعاً قال له ليتني فيها جذعاً إذ يخرجك قومك. قال أو مخرجيّ هم؟ يعني كيف يخرجونني من وسطهم وأنا عشت فيهم أربعين سنة يسمونني الصادق الأمين ويعاملونني أحسن معاملة، لماذا يخرجون؟ لأني قلت لهم اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً. قال: الأصل أو مخرجون هم، مخرجون، وبعد ذلك جاءت ياء المتكلم فحذفت النون لأجل الياء أو مخرجو ياءهم، فقلبت الواو ياء مخرجو ياء لأجل الياء، قلبت الواو ياء حتى لأن الياء هي أخت الياء بخلاف الواو، الخروج من الواو إلى الياء صعب. أو مخرجو ياء، جاءت الواو هذه قلبت ياء لتناسب الياء التي بعدها، فالجيم التي كانت مضمومة أو مخرجو ياء لأجل الياء كسرت فصارت أو مخرجيّ بعد الإدغام أو مخرجيّ هم.

قال: والأكثر أن يقال يتعاقب فيكم ملائكة أو مخرجيّ هم، فمخرج هذا اسم فاعل وسيأتي الكلام فيه، بتخفيف الياء. بعض العلماء يسمي هذه اللغة لغة أكلوني البراغيث، وكان هذا قيل إن هذا من باب استصغار اللغة، فجاءوا إلى هذه الكلمة وسموها بها، يقولون هذه الكلمة وردت عن بعض العرب أنه بدل من أن يقول أكلني البراغيث قال أكلوني البراغيث، فجاء بالواو أكلوني التي يصح أن تكون فاعلاً، وجاء بالفاعل بعد ذلك، هذه هي الإشكالية التي يثيرونها على هذه اللغة: يتعاقبون فيكم ملائكة، يتعاقبون واو الجماعة فاعل وملائكة يصح أن تكون فاعلاً، فما العمل إذاً؟ فلاجل هذا ضعف هذه اللغة بعضهم، وإن كانت لغة صحيحة فصيحة، بل حمل بعضهم العكس تماماً، حمل بعضهم بعض آيات الكتاب العزيز عليها، والذي يعرف في ذلك آيتان حملهما بعض أهل العلم على هذه اللغة. ويقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: 3]، لم يقل وأسر النجوى الذين ظلموا، فأسروا فيها واو جماعة يصلح أن تكون فاعلاً والذين يصلح أن تكون فاعلاً، واختلف العلماء في ذلك اختلافاً طويلاً.

الآية الثانية في سورة المائدة قال تعالى: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِّنْهُمْ﴾ [المائدة: 71]. لما يقول، طبعاً لو سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى في باب التنازع، فهذه الآية من باب التنازع؛ لو كانت من باب التنازع على سنن باب التنازع لقيل فيها ثم عمي وصموا كثير منهم أو ثم عموا وصم كثير منهم، يعني لا بد أن يحذف الضمير من أحدهما بحسب إعمال الأول أو إعمال الثاني كما سيأتي إن شاء الله تعالى، لكنه قال ثم عموا وصموا كثير منهم، واو الجماعة يصلح أن تكون فاعلاً وكثير يصلح أن تكون فاعلاً، فما العمل في مثل هذا؟ طبعاً هذا الكلام في هذه المسألة وحدها يحتاج إلى درس طويل، لكن على كل هذه لغة فصيحة. ووردت في بعض الآثار يقولون يؤتى بكن نساء المؤمنات وكن خالاتي يفعلن كذا وكذا، بدل كان.

قال: والثالث أنه إذا كان مؤنثاً لحق عامله تاء التأنيث؛ هذا هو الحكم الثالث، لحق عامله تاء التأنيث الساكنة إن كان فعلاً ماضياً أو المتحركة إن كان وصفاً، فتقول قامت هند وزيد قائمة أمه. هذا هو تأنيث العامل لأجل الفاعل إذا كان الفاعل مؤنثاً. هل يؤنث له الفعل؟ قد يقول قائل لا قياساً على المسألة السابقة؛ لا كنتم تقولون -للنحويين- كنتم تقولون إذا كان الفاعل مجموعاً فلا يجمع له الفعل، يعني لا توضع فيه علامة إذا كان مثنى لا يثنى له الفعل أو لا يثنى له العامل، لا تضع فيه علامة تثنية، فكذلك إذا كان مؤنثاً لا توضع فيه علامة التأنيث؟ قالوا لا، إنما نحن لا نتكلم من عند أنفسنا، هكذا يقولون، يقولون نحن لا نتكلم، إنما نحن سبرنا كلام العرب وأخذنا كلام العرب واستقرأناه فوجدنا كذا وكذا، كأنها محاورة بين النحويين وبين معترض عليهم.

فهنا يقولون تلحق علامة التأنيث، لكن هذا الإلحاق واجب أحياناً وجائز أحياناً، أحياناً يجب إلحاق هذه التاء وأحياناً يجوز فقط. طبعاً هو الغريب أنه بدأ بالجائز، والأولى في هذا أن يبدأ بالواجب، لأن الواجب في مسألتين فيقال يجب في هذه المسألة ويجب في هذه المسألة، وما عدا ذلك فهو جائز، لكن المصنف على خلاف العادة ذكر العكس. قال: فالجائز في أربع مسائل، إحداها أن يكون المؤنث اسماً ظاهراً مجازي التأنيث، ونعني به ما لا فرج له، يعني إذا كان هذا المؤنث اسماً ظاهراً ليس ضميراً، يعني مجازي التأنيث، تأنيثه مجازي، يعني ليس مؤنثاً حقيقياً؛ هم يختارون هذا يقولون عندنا مؤنث مجازي ومؤنث حقيقي، هذا بخلاف المؤنث اللفظي والمعنوي، هذا باب آخر مؤنث لفظي ومؤنث معنوي، هنا يقول لا مؤنث مجازي ومؤنث حقيقي، ماذا تريدون يا جماعة بالمؤنث الحقيقي؟ قالوا الحقيقي ما له فرج، المجازي ليس له فرج، وبعضهم يقول ما يلد أو يبيض هذا حقيقي، وما لا يلد ولا يبيض هذا مجازي. فمثلاً نقول الأرض والسماء وهذه الأشياء التي تؤنث والبلدة، هذه الأشياء التي تؤنث تأنيثها كلها تأنيثها مجازية. قال تقول طلعت الشمس وطلع الشمس، طلعت الشمس وطلع الشمس، هذا سائغ وهذا سائغ، هذا جائز وهذا جائز، فالشمس مؤنث مجازي، فحينئذ يجوز أن تذكر الفعل بالتاء ويجوز أن تذكره بغير التاء.

طبعاً جاء مثل هذا في الشمس لكن باسم نائب الفاعل، جاءت الشمس نائباً عن الفاعل في قول الله تعالى: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [القيامة: 9]، لم يقل وجمعت الشمس والقمر، قال وجمع الشمس والقمر، هذا يؤكد الجواز. طب كيف تستدل بنائب الفاعل وهذا الكلام هنا في الفاعل؟ أقول سيأتي إن شاء الله تعالى في باب نائب الفاعل أنه يأخذ كل أحكام الفاعل التي يأخذها من هذا الحكم، إذاً فالذي يكون في باب نائب الفاعل في هذا الباب يصلح أن يكون شاهداً للفاعل والنائب. قال والأول أرجح، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ﴾ [يونس: 57] وفي آية أخرى قد جاءتكم بينة، وهنا هذا هو الذي قلته قبل ذلك في المتن، هنا وضح أن المصنف لا يريد هاتين الآيتين، إنما يريد أن يبين الجواز فيقول ورد في آية جاءكم وفي آية أخرى جاءتكم والكلمة واحدة وهي بينة، فهو يريد والله أعلم ﴿قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأنعام: 157] يريد آية الأنعام، وفي آية أخرى قد جاءتكم بينة في سورة الأعراف، ففي موضعين يذكر هذا ويذكر هذا، فكان والله أعلم التصحيح هنا يكون في الآية الأولى قد جاءتكم موعظة تصحح إلى فقد جاءكم بينة، فجاءكم بينة وجاءتكم موعظة.

طيب لماذا جاءكم وجاءتكم؟ لأن البينة في هذه الآية، جاءكم بينة، جاءتكم بينة، البينة مجازية التأنيث، هي نعم هو مؤنث ولكنه مجازي التأنيث، وهناك شيء آخر يجعل هذا التأنيث جائزاً لا يجعله واجباً، وهو الفصل، جاءتكم بينة، جاءكم بينة، بينة فاعل وجاء هو الفعل، طب هذه الكاف ما إعرابها؟ مفعول به مقدم، إذاً فهناك وجهان لكون إلحاق التاء هاهنا جائزاً لا واجباً: الفصل بين الفعل والفاعل، وكون الفاعل مؤنثاً مجازياً. لأجل هذا يحسن جداً، يعني لو لم يكن الإنسان متقيداً بشرح معين، يحسن جداً أن يبدي الوجوب عندما يظهر الوجوب في المسألتين المعروفتين، يقال حينئذ أخرج أنت السبب الذي جعل التأنيث هاهنا غير واجب أو جعل التأنيث هاهنا جائزاً غير واجب، قل في المسألة الأولى كذا، لا بد أن يكون حقيقي التأنيث وأن يكون غير مفصول، فإذا كان مجازياً فهذا سبب، إذا كان مفصولاً فهذا سبب آخر، وإذا اجتمع كان سببين.

قال والثانية، هذه المسألة الثانية من المسائل الأربع: أن يكون المؤنث اسماً ظاهراً حقيقي التأنيث، وهو منفصل من العامل بغير إلا، أن يكون المؤنث اسماً ظاهراً ومع ذلك هو حقيقي التأنيث، وكذلك هو منفصل بغير إلا، فإذا انفصل بغير جاز هذا وذاك. قال وذلك كقولك حضرت القاضي امرأة ويجوز حضر القاضي امرأة، امرأة فاعل لحضر في الموضعين، طب لماذا حضر مرة وحضرت مرة؟ لماذا كان جائزاً مع أن المرأة حقيقية التأنيث؟ لأن هذا الفاعل حال بينه وبين الفعل المفعول به وهو القاضي، فلاجل هذه الحيلولة بين الفعل والفاعل جاز هذا وجاز هذا. قال والأول أفصح، تقول حضرت كما أتى القاضية بنت الواقف، كما قال ابن مالك: أتى وأتت.

قال الثالثة: أن يكون العامل نعم أو بئس، نحو نعمة المرأة هند أو نعم المرأة هند، يجوز نعمة المرأة ويجوز نعم المرأة. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل: 30] والدار مؤنثه، والدار مؤنثه، قال كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ [العنكبوت: 64] فالدار مؤنثة ومع ذلك جاء به هكذا نعمة، لم يقل نعمت، وهنا سببان، السبب الأول أن الفعل نعمة فهذا سبب للجواز لا للوجوب، السبب الثاني أن الدار وإن كانت مؤنثة فهي مجازية التأنيث، هذا كله جائز.

قال الرابعة: أن يكون الفاعل جمعاً، نحو جاء الزيود وجاءت الزيود، جمع زيد يعني، وجاءت الهنود وجاء الهنود جمع هند، يجوز هكذا ويجوز هكذا. قال فمن أنث فعلى معنى الجماعة، ومن ذكر فعلى معنى الجمع، كأنك قلت جاء الزيود أي جاء جمع الزيود، جاءت الزيود أي جاءت جماعة الزيود، هؤلاء جمع وهؤلاء جماعة. وكذلك جاءت الهنود يعني جاءت جماعة الهنود، أو جاء الهنود أي جاء جمع الهنود، الهنود هنا ليس الهند، يعني من الهنود الحمراء أو الذين يعيشون في الهند، لا، أكثر من امرأة كل واحدة اسمها هند، هذا معنى الهنود.

فمن أنث فعلى معنى الجماعة، ومن ذكر فعلى معنى الجمع، ويستثنى من ذلك جمع التصحيح؛ أي يستثنى من ذلك جمع المذكر السالم وجمع المؤنث السالم عند المصنف ومن تبعه أو من ذهب مذهبه، فإنه يحكم لهما بحكم مفرديهما. عند جمع المذكر السالم لا بد أن تقول: جاء المحمدون، وعند جمع المؤنث السالم لا بد أن تقول: جاءت الهندات. هذا مذهب المصنف وهو مذهب جماعة، قال: فتقول جاءت الهندات بالتاء، كما تفعل في جاءت هند، وتقول قام الزيدون بترك التاء، كما تفعل في قام زيد. وهذه المسألة فيها خلاف طويل بين العلماء، فهذه أيضاً من المسائل التي اختار المصنف فيها قولاً، والآخرون يستدلون بعدة أدلة، وإن كانت جميعها مردوداً عليها، فتبقى المسألة خلافية.

قال: والواجب فيما عدا ذلك. ما الواجب؟ هذا هو الذي يضبط؛ اضبط الواجب الذي يجب أن تجعل الفعل مؤنثاً معه أو أن تعطي للفعل علامة تأنيث، اضبط هذا الواجب؛ بعد ذلك يجوز لك هذا ويجوز هذا. والواجب فيما عدا ذلك وهما مسألتان، وهذا صحيح أيضاً. قال: إحداهما المؤنث الحقيقي التأنيث الذي ليس مفصولاً ولا واقعاً بعد نِعْمَ أو بِئْسَ؛ فهو مؤنث حقيقي التأنيث، ليس مفصولاً؛ يعني ستجده بعد الفعل، ليس بينه وبين الفعل فاصل، بشرط ألا يكون الفعل نِعْمَ أو بِئْسَ؛ لأنه سبق أن الفعل إذا كان نِعْمَ أو بِئْسَ، حتى وإن لم يكن هناك فاصل، وطبعاً لا يكون فاصل، فحينئذ يجوز في نِعْمَ وبِئْسَ، إذاً لا بد أن يكون الفعل غير نِعْمَ وبِئْسَ.

فبهذه الشروط؛ أن يكون مؤنثاً حقيقي التأنيث، وأن يكون متصلاً بالفعل، وألا يكون الفعل نِعْمَ أو بِئْسَ، باجتماع هذه الشروط يجب أن تضع علامة تأنيث في الفعل. قال: نحو ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: 35]؛ امرأت عمران هذا حقيقي تأنيث، وقالت امرأت عمران ليس بينهما شيء، والفعل قال ليس نِعْمَ وبئس. ونحو ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ [يوسف: 51]، وقال: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ﴾ [القصص: 9]. جاءت فاطمة رضي الله عنها لا تخطئ مشيتها مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم كما قالت عائشة رضي الله عنها، ومثل هذا كثير.

قال: الثانية: أن يكون ضميراً متصلاً؛ كقولك الشمس طلعت. يريد بالضمير هنا الضمير المستتر الذي يقال فيه ضمير مستتر تقديره هي، فإذا قلت في الكلام هذا ضمير مستتر تقديره هي وكان تقدير الضمير هي فلا بد أن تأتي بعلامة تأنيث، الشمس طلعت، لا يجوز أن تقول الشمس طلع، تقول الشمس طلع هي، لا، تقول الشمس طلعت، مع أنك كنت تقول طلع الشمس؛ هذا جائز وجمع الشمس والقمر، لكن هنا يقولون الشمس طلعت وجوباً؛ طبعاً هذه أيضاً فيها بعض الخلاف، وبعضهم يستدل بآية في كتاب الله تعالى على عدم الوجوب في هذه المسألة، وإن كان أغلب ما جاء في ذلك يقتضي الوجوب، فاستدلاله بآية في كتاب الله تعالى محل نظر؛ لأن بعضهم قال: لا، ليس هذا مؤنثاً. أنا لا أحب أن أثير مسائل لم يثرها المصنف حتى لا يتشعب الكلام، المهم مثال قوله الشمس طلعت، هل لهذا شاهد؟ نعم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: 1]، انشقت هي، وقال: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ﴾ [التكوير: 2]، انكدرت هي، وإن كانت النجوم جمعاً، الأول هو الشاهد إذا السماء انشقت، وكذلك ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ [الانشقاق: 3]، مدت هي، وهي نائب عن الفاعل، والنائب عن الفاعل كالفاعل في هذا الحكم.

قال: وكان الظاهر أن يجوز في نحو ما قام إلا هند الوجهان. ما قام إلا هند، يعني الظاهر أنك تقول ما قام إلا هند وما قامت إلا هند. ما قام وما قامت لماذا؟ الفعل قام، الفاعل اسم ظاهر حقيقي التأنيث لكنه مفصول، فالمفصول يجوز فيه أن تؤنث الفعل وأن تذكره. لماذا أوجبوا؟ لماذا أوجبوا أن تقول ما قام إلا هند؟ هذا الذي يريد أن يذكره المصنف، وإن كانت المسألة ليست على وجه واحد، لكن هو يريد أن يصحح مذهبه. تقول: وكان الظاهر أن يجوز في نحو ما قام إلا هند الوجهان، ويتوجه التأنيث كما في قولك حضر القاضي امرأة، ولكنهم أوجبوا، طبعاً في هذا الإيجاب نظر، ولكنهم أوجبوا ترك التاء في النثر؛ لأن ما بعد إلا ليس الفاعل في الحقيقة، وإنما هو بدل من فاعل مقدر قبل إلا، وذلك المقدر هو المستثنى منه، وهو مذكر، فلذلك ذكر العامل، وتقدير ما قام أحد إلا هند، يقولون هنا قلنا وجوباً ما قام إلا هند؛ لأن أصل الكلام ما قام أحد إلا هند، وأحد مذكر، لا يصح أن أقول ما قامت أحد إلا هند، فلأجل هذا وجب وجوباً عند هؤلاء أن تقول ما قام إلا هند.

وهذا الوجوب فيه نظر، بل الصواب أنه يجوز ما قام إلا هند ويجوز ما قامت إلا هند، هذا هو المذهب الصواب الذي لا مرية فيه، والله تبارك وتعالى أعلم، ويدل على ذلك قراءة الإمام أبي جعفر، وإمام أئمة أهل المدينة، وهو من القراء العشرة، قرأ في موضعين في سورة يس: ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾ [يس: 53]، الشاهد ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، وصيحة هنا ليست اسم كان، إنما هي فاعل، ولو كانت اسم كان، على كل هي ليست اسم كان لكن هي فاعل، على أن ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ فصيحة هنا فاعل لكان، مع أنها مفصول بـ إلا، ومع ذلك جاء كانت بالتاء، كما قرأ الجمهور بالتاء ﴿كَانَتْ﴾، لكن الجمهور يقرؤون ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ على أنها خبر لكان واسمها محذوف أو مستتر تقديره هي، فهو قرأ ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾، فهذه القراءة عمدة لهذا الباب، وأن تقعيد النحويين للوجوب في هذا منخرم، ليس الوجوب صحيحاً، إنما هذا من باب الجواز، واستدل عليه بعدة أبيات شعر، ما برئت من ربه وذم في حربنا إلا بنات العم، برئت إلا بنات العم، ما بقيت إلا الضلوع الجراشع. وقالوا ففي مثل هذا كله يجوز أن يكون الفعل بالتأنيث وبالتذكير، وإن كان التذكير أكثر، لأن الجمهور قرأوا ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً﴾ لم يجعله من هذا الباب أصلاً.

قال: وهذا أحد المواطن الأربعة التي يطرد فيها حذف الفاعل. هذا موطن يطرد فيه حذف الفاعل، أين الفاعل هنا على اختيار المصنف؟ ما قام أحد إلا هند، لكن على الأقرب والله أعلم ما قام إلا هند، هند الفاعل، ليس هذا من باب حذف الفاعل، لكن على اختياره وعلى المذهب الذي هو أحد المذهبين في هذا، فاعل الفعل قبل إلا في الاستثناء المفرغ؛ الاستثناء سيأتي له صور، منه الاستثناء المفرغ الذي ليس فيه ذكر للمستثنى منه، ليس هناك ذكر للمستثنى منه، لكنهم يقولون المستثنى منه وإن لم يكن مذكوراً لكنه محذوف. طيب لماذا يحذف؟ أو عندما يحذف سيعترضون بشيء يقولون لا الفاعل لا يحذف، فهم خرجوا من هذا قالوا لا، الفاعل يحذف في بعض المواضع منها هذا الموضع، فهم عندهم الفاعل يحذف في موضع في هذا الباب، وهو إذا كان قبل إلا في الاستثناء المفرغ، ويحذف في مواطن أخرى.

قال: الثاني من المواطن التي يحذف فيها الفاعل ويطرد ذلك، فاعل المصدر كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 14-15]. إذا سألت نفسك ما الذي نصب يتيماً ذا مقربة؟ أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيماً، يتيماً مفعول به لإطعام، طيب إطعام هذا ليس فعلاً إنما هو مصدر، إطعام يتيماً، إطعام مصدر يعمل عمل الفعل، ويتيم مفعول به، طيب أين الفاعل؟ قالوا الفاعل محذوف، إطعام هو، هذا المطعِم يطعم يتيماً، ويدل على ذلك قراءة الإمام الكسائي وأبي عمرو بعض العامة قرأوا: ﴿أَوْ أَطْعِمْ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾، لأنهم قرأوا التي قبلها ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾، قالوا فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة، فك رقبة، هذا فعل وفاعل مستتر ومفعول به، هذه قراءة متواترة قرا بها جماعة من الأئمة، قرا بها الإمام أبو عمرو البصري وابن كثير المكي والكسائي والكوفة، ﴿أَوْ أَطْعِمْ﴾ وقالوا فك رقبة، أو أطعم في يوم مسغبة يتيماً، فيتيماً مفعول به لأنه أو منصوب لأنه مفعول به لأطعم، كما أن رقبة منصوبة لأنها مفعول به لفك، لكن في قراءتنا فك رقبة، فك رقبة مضاف ومضاف إليه، وفك مصدر، إطعام أيضاً مصدر، لكن لم يذكر المضاف إليه الذي هو الفاعل، فقالوا هذا المضاف إليه الذي هو الفاعل في الأصل أو إطعامه يتيماً، قالوا هنا هو محذوف، وهذا موطن يطرد فيه حذف الفاعل.

قال: والثالث في باب النيابة عن الفاعل، فاعل نائب عن الفاعل، قال نحو قُضِيَ، ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [هود: 44]. قال أصله والله أعلم وقضى الله الأمر، كما قال تعالى: ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾، مَثَلٌ نائب عن الفاعل، أصله ضرب الله مثلاً كما في آية أخرى، قال الله تعالى في موضع ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ وفي موضع آخر ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا﴾. ضرب الله مثلاً فعل وفاعل ومفعول، ضرب فعل مغير الصيغة، ومثل نائب عن الفاعل. طيب أين الفاعل؟ قالوا الفاعل محذوف، وهذا من الأماكن التي يطرد فيها حذف الفاعل أو من المواضع والمواطن التي يطرد فيها حذف الفاعل.

قال: والرابع فاعل أفعل في التعجب إذا دل عليه مقدم مثله، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: 38]. ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾، يعني ما أسمعهم وما أبصرهم، هذا تعجيب للناس من شدة سماعهم ومن شدة أبصارهم في هذا اليوم، لكن في الدنيا ماذا كانوا؟ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾. لكن هؤلاء الذين هم في ضلال مبين عموا وصموا، ثم عموا وصموا، كثير منهم، هؤلاء يعني الصم البكم العمي الذين في ضلال مبين، لا جعلنا الله عز وجل منهم، ولا يكونون من أكثر الناس سماعاً ومن أكثر الناس أبصاراً يوم القيامة، فيقولون ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحاً إنا موقنون. فلأجل هذا حينما يعتذرون لا يقبل منهم عذر، ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ [فاطر: 37]، فلأجل هذا يصطرخون ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: 37] فلا يجابون، إنهم يصطرخون ويستغيثون أرحم الراحمين، وهذا من أصعب الأشياء التي تكون، كما قال إبراهيم عليه السلام لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ﴾ [مريم: 45]، يعني عذاب من الرحمن، انظر إلى الرحمن الرحيم سبحانه وتعالى يعذبك، فأنت إذاً حقيق بالعذاب، إذا عذب الرحمن الرحيم الكريم عبداً، فهذا العبد حقيق بالعذاب، ولا يرضى له أحد، فلا ينكر أحد هذا. فالشاهد ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ تعجيب من شدة سماعهم وأبصارهم في هذا اليوم، ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي أصر بهم، طيب أين الفاعل هنا؟ أين الفاعل هنا؟

هذا إن شاء الله بإذن الله تبارك وتعالى سيأتي له موضع، وموضعه في آخر درس في الكتاب إذا أتم الله عز وجل علينا بإذن الله تعالى كتابه بخير، وربما يتم على هذا التأخير في كل مرة، ربما يتم في 33 مجلساً، قد يتم في 33، لا في 30 فقط، لا، في كل مرة يكون في ذهني شيء ولا أستطيع أن أتمه، فعلى كل سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى الكلام في إعراب أسلوبي التعجب، فالتعجب له أسلوبان مضطردان قياسيان، وما سوى ذلك فهو سماعي. الأسلوب الأول ما أسمعه، ما أسمعه، ما أبصره وهكذا، فما أصبرهم على النار، قتل الإنسان ما أكفره، على أحد القولين، كل هذا ما أفعل. الثاني أفعل به، فأفعل به الجمهور يقولون به الجر والمجرور هنا في موضع الفاعل، في موضع رفع على أنه فاعل، وتغيرت الصيغة، ويأتي الكلام فيه باستطراد في موضع إن شاء الله تبارك وتعالى، فأسْمِعْ بهم وأبصر يقولون بهم الجر والمجرور في موضع الرفع، في موضع رفع؛ لأنه فاعل. طيب وأبصر أين الفاعل في الثانية؟ قالوا الفاعل محذوف، هذا هو الموضع الرابع الذي يطرد فيه حذف الفاعل. طيب هل أقول أسمع وأقصد أسمع بهم؟ لا، قال لا، لا بد أن يكون قد سبقه ما يدل عليه، ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ أي بهم، وفي الآية الأخرى ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أي به، يحذف الثاني إذا دل عليه الأول، قال أي وأبصر بهم، فحذف بهم من الثاني لدلالة الأول عليه، وهو في موضع رفع على الفاعلية عند الجمهور.

فبقي أيضاً بقيت مسألة أو مسألتان، يعني تتعلق نعم هما مسألتان، بقيت مسألتان في باب الفاعل، وبقي الكلام في النائب عن الفاعل، ثم بعد ذلك الاشتغال والتنازع، يعني أنا حصل لي تنازعاً في هذا، يعني أنا لا بد أن آتي بهذا كله في الليلة القادمة بإذن الله تبارك وتعالى، أحاول إن شاء الله تعالى ألا أخذ بابي التنازع والاشتغال في درسين لا بد أن يكونا معاً، وما بقي في الفاعل ونائبه لا يستحق درساً كاملاً، فأحاول إن شاء الله إن شاء الله تبارك وتعالى أن ينتهي الكلام في ذلك غداً الليلة القادمة بإذن الله تعالى. هذا وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد والحمد لله رب العالمين. والسلام عليكم ورحمة الله.