الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد: فهذا هو الدرس السادس من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.
وقد سبق الكلام في هذا الكتاب من أوله في تقسيم الكلمة بعد تعريفها وذكر أقسامها، وهي: الاسم، والفعل، والحرف، وعن بعض علامات الأسماء، وعن تقسيم الاسم إلى معرب ومبني، والكلام عن بعض المبنيات، وانقسامها إلى مبنية على الضم، وعلى الفتح، وعلى الكسر، وعلى السكون، وعن أمثلة لكل نوع.
وكذلك سبق الكلام عن تقسيم الفعل إلى ثلاثة أقسام: إلى ماض، ومضارع، وأمر، وعن العلامة الفارقة للماضي، والعلامة الفارقة للمضارع، والعلامة الفارقة للأمر، وعن بعض الكلمات التي اختلف فيها في الماضي والأمر، وعن أحكام هذه الأفعال من جهة الإعراب والبناء؛ وسبق أن الماضي مبني دائماً باتفاق، وأن الأمر مبني دائماً على الصحيح، وأن المضارع يبنى في حالتين: مع نون النسوة على السكون، ومع نون التوكيد على الفتح، ويعرب فيما سوى ذلك. وسياتي بإذن الله تعالى تفصيل فيما بعد أنه ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، ويرفع إذا تجرد من الناصب والجازم.
ثم سبق الكلام كذلك عن الحرف، وأنه قسيم للاسم والفعل، وأانه لا يقبل شيئاً من علامات هذا ولا من علامات ذاك. وتكلم المصنف عن بعض الكلمات التي اختلف فيها في هذا الباب، ومنها مهما وإذ ما، ورجح أنهما اسمآن. ومنها ما المصدرية ولم الرابطة، ورجح هو أنها أو أنهما حرفان. ثم بين في آخر الدرس الماضي، بين أن جميع الحروف مبنية. وقلت: إن هذه الحروف مع اختلافها على أي صورة كانت فهي مبنية، فيقال: هذا حرف كذا نوعه، يعني كذا، وهو مبني على كذا بحسب آخره، ولكن لا محل له من الإعراب؛ فكل الحروف ليس لها محل من الإعراب، هي مبنية ليس لها محل من الإعراب.
ثم قال: والكلام لفظ مفيد. وسبق بيان ذلك ولماذا عدل عن القول إلى اللفظ. قلت: لا أدري لماذا عدل مع أنه قال في الأول الكلمة قول مفرد، فكان حقيقاً بأن يقول الكلام قول مفرد! فلعل أحداً يعني يخبرني لماذا عدل عن هذا إلى ذلك، فالله أعلم. ثم قال -وهو أول ما أبدأ به درس اليوم بإذن الله تعالى- قال مبيناً صور تركيب الكلام وتأليفه ونظمه حتى تتكون منه جمل كلام عن العرب أو كلام يوافق كلام العرب: وأقل ائتلافه من اسمين كزيد قائم، أو فعل واسم كقام زيد.
فهذا أقل ما يتألف ويتركب ويتشكل منه الكلام. فالكلمة كلمة واحدة قول مفرد، أما الكلام فلا بد أن يكون مركباً، لا بد أن يكون مركباً، وأقل تركيبه من كلمتين، لكن إذا كان من كلمتين فلا بد أن تكون الكلمتان اسمين أو اسما وفعلا. هل يمكن أن يتركب الكلام من حرفين؟ لا. من حرف وفعل؟ لا. من حرف واسم على الصحيح؟ أيضاً لا. وكذلك من فعلين؟ لا. كل هذه صور لا يمكن أن يتركب منها الكلام ولا أن يتألف منها كلام العرب. قال: ذلك أن يكون من كلمتين، وأن تكون الكلمتان اسمين، أو أن تكون الكلمتان اسماً وفعلاً.
أما صور ذلك فهي صور كثيرة. قال: صور تأليف الكلام ست، هي ست صور إجمالاً، ولكن عندما يذكرها سيتضح أنها أحد عشر صورة تفصيلياً؛ هي ست صور إجمالاً وأحد عشر صورة تفصيلياً، وبعضهم زاد صوراً أخرى، وبعضهم أوصلها إلى سبع صور إجمالاً، أو إلى ثمانية -هكذا ذكر بعضهم إلى ثمانية صور إجمالاً- وإلى أربعة عشر صورة تفصيلياً. لكن أكتفي بما ذكره المصنف رحمه الله تعالى فقال: صور تأليف الكلام ست، وذلك لأنه يتألف من اسمين، أو من فعل واسم، أو من جملتين، أو من فعل واسمين، أو من فعل وثلاثة أسماء، أو من فعل وأربعة أسماء (كلمة أسماء في مثل هذا تكون مصروفة كما سبق، أو من فعل وأربعة أسماء لا تمنع من الصرف). فهذه ست صور إجمالاً: أن يتألف، أن يتكون، أن يتركب، أن يتشكل من اسمين، أو من فعل واسم (هذه الصورة الثانية)، أو من جملتين (هذه الصورة الثالثة)، أو من فعل واسمين (هذه الصورة الرابعة)، أو من فعل وثلاثة أسماء (هذه الصورة الخامسة)، أو من فعل وأربعة أسماء (هذه الصورة السادسة). فهذه صور تأليف الكلام إجمالاً.
أما التفصيل، قال: أما ائتلافه من اسمين فله أربع صور. طيب، قبل أن أكلمكم عن هذه الصور تفصيلياً، كل الكلام الذي سيذكره المصنف إنما هو فيما يسمى عندهم الأصول والعمد، فيما يسمى عند العرب أو عند النحويين الذين تتبعوا كلام العرب، فيما يسمى عندهم الأصول والعمد. فلا يعترض على ذلك بما يزيد عليه مما يسمى عندهم فضلة.
يعني مثلاً يقولون هم: محمد رسول الله. هذه جملة تامة، هي عندهم مكونة من اسمين، فالناظر يقول: هذه ثلاثة اسماء! هم يقولون: المضاف إليه فضلة وهو جزء من المضاف، المضاف إليه فضلة وهو جزء من المضاف. الفضلة عندهم هو ما ليس أصلاً، ليس عمدة، ليس أصلاً في تمام الجمله، وإن كان لابد منه في تمام المعنى؛ فتمام الجملة شيء، وتمام المعنى شيء آخر. تمام الجملة شيء وتمام المعنى شيء آخر.
يعني الجملة عندهم تتكون من مبتدأ وخبر، أو من كان واسمها وخبرها، أو من فعل وفاعل، أو من فعل ونائب عن الفاعل. هذه أحياناً تتعلق اشياء أخرى بهذا الكلام، تتعلق أشياء أخرى بهذا الكلام، أقول: العبرة عندنا بهذه الأصول وهذه العمد، بالفعل والفاعل، بالفعل ونائب الفاعل، بكان واسمها وخبرها، بالمبتدأ والخبر. هذه الأشياء الأخرى نعم هي زيادات لابد منها لتمام المعنى، لكن تمت الجملة بدونها؛ حتى لا يعترض على هذا الكلام. والا فلو أدخلت كل ما يسمى عندهم فضلة لن تنحصر صور الكلام، والله أعلم، لن تنحصر صور تأليف الكلام إذا أدخلت كل شيء، فلن تنحصر لك صور تأليف الكلام، فكل شيء يمكن أن يدخل، تدخل الحروف بما يتعلق بها بعد ذلك، يدخل المضاف إليه، ويدخل الحال، ويدخل التمييز، وتدخل المفاعيل كلها -والمفاعيل عندهم كلها فضلات- وكل هذه الأشياء تدخل ويمكن أن تركب مئات الجمل بمئات الصور، إنما كلامهم فيما يكون أصلاً وعمدة تتم الجملة به.
قال: أما ائتلافه من اسمين فله أربع صور: إحداها أن يكونا مبتدأ وخبراً، يعني أن يكون الاسم الأول مبتدأ وأن يكون الاسم الثاني خبراً. قال: نحو زيد قائم. زيد قائم: زيد مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، قائم خبر مرفوع كذلك بالضمة أو علامة رفعه الضمة. فزيد مبتدأ، قائم خبر؛ زيد اسم وقائم اسم، فهنا تركبت الجملة من اسمين.
طيب مثال ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 109]. الله مبتدأ، اسم الله مبتدأ، وقدير خبره. وحرف الواو الذي قبل ذلك لا يحسب في هذه الجملة، إنما الجملة هكذا: الله قدير، هذه جملة تامة.
طيب: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 226] بعدها. والله قدير، والله غفور رحيم: أيضاً الله اسم الله مبتدأ، غفور خبر، رحيم خبر ثاني. فهذا مبتدأ له خبران على أصح القولين، فالخبران بمعنى الخبر الواحد يعني. فعندهم أيضاً هذه متكونة من اسمين، فالأصل عندهم شيء واحد، والخبر مهما تعدد فهو عبارة عن شيء واحد.
عندهم مثلاً لو قلنا: ﴿وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284]. الله اسم الله في هذه الآية مبتدأ، قدير خبر؛ والله على كل شيء قدير، قدير التي في آخر الآية خبر. طيب على كل شيء؟ هذه ثلاث كلمات ليس لها تعلق بأصول الكلمات، إنما هذا اسمه جار ومجرور متعلق بقوله قدير، يعني الله تبارك وتعالى قدير على كل شيء، يقدر على كل شيء؛ فالجار والمجرور وما بعده من الصفة هذا متعلق بالخبر. فهم يا جماعه يتكلمون في اصول الكلمات التي هي عمد وأصول تتم بها الجمل، أما إذا ادخلت الصور الأخرى فهي كثيرة جداً كما سبق.
الصورة الأولى: أن يكون مبتدأ وخبراً، يعني أن يكون الاسمان مبتدأ وخبراً، زيد قائم، الله قدير.
الثانية: أن يكونا مبتدأ وفاعلاً سد مسد الخبر. أن يكونا، يعني أن يكون الاسمان -أتكلم هنا عن الصورة الأولى إجمالاً لها أربع صور تفصيلا، الصورة الثانية في التفصيل-: أن يكون مبتدأ وفاعلاً سد مسد الخبر. هذا سياتي بإذن الله تبارك وتعالى الكلام في مثل هذا بتفصيل في الاسماء التي تعمل عمل الفعل. هناك عشرة اسماء، وسيذكر في هذا الكتاب سبعة، وسيتممها في كتاب آخر، معروفة يعني الأشياء التي تعمل عمل الفعل، ترفع فاعلاً، ترفع نائبا عن الفاعل، ترفع فاعلاً وتنصب مفعولاً، عملها كعمل الفعل منها اسم الفاعل.
هنا اسم الفاعل يكون مبتدأ في بعض الأحيان، ويكون بعده فاعل يسد مسد الخبر، يعني يقوم مقام الخبر ويغني عن الخبر، يغني عن الخبر. قال: نحو أقائم الزيدان؟ أقائم الزيدان؟ هذا سؤال، أقائم الزيدان؟ ما معناه؟ معناه: هل هذان الرجلان قائمان؟ هذا يسمى زيداً، وهذا يسمى زيداً، هل هذان الرجلان قائمان؟ فأقول: أقائمني الزيدان؟ أو أيقوم الزيدان؟ إذا تحركت مثلاً وقمت: أقائم الزيدان معك؟ أيقومان معك؟ فالهمزه للاستفهام.
الذي ينظر هنا يجد همزة الاستفهام، ويجد قوله قائم، ويجد قوله الزيدان، فيقول: هذه ثلاثة اسماء! أو عفواً، هذه ثلاث كلمات. هذه ثلاث كلمات، حرف واسمآن. فكيف يقول المصنف هذه جملة مركبة من اسمين؟ نعم، كما قلت لكم: هذا الحرف ليس له مدخل في الجمله، لا يحسب، لا يحسب عنده، إنما هو صور تأليف الكلام، وهذا مصطلح للنحويين معروف، فلا يعترض عليه بأن هذا الكلام لابد أن تتم، لا، هذه من مصطلحاتهم.
قال: وإنما جاز ذلك لأنه في قوة قولك أيقوم الزيدان؟ وذلك كلام تام. يعني أقائم الزيدان معناها كما قلت: أيقوم الزيدان؟ هذا كلام تام، إذاً فالكلام الذي قبله أيضاً كلام تام، لا حاجة له إلى شيء. قال: فكذلك هذا، هذه الصورة لها بعض شاهد من القرآن الكريم في قول الله تبارك وتعالى: ﴿أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ [مريم: 46]. قال أراغب أنت؟ راغب مبتدأ، وأنت فاعل سد مسد الخبر. راغب مبتدأ، وأنت فاعل سد مسد الخبر. وسياتي أيضاً الكلام في أعمال اسم الفاعل بعد ذلك، اشياء أخرى تتعلق بالكلام. راغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم، كل هذا له تعلق من الكلام لكن الجملة تمت قبل ذلك.
الثالثة: أن يكونا مبتدأ ونائباً عن فاعل سد مسد الخبر. يعني أن يكون الاسم الأول مبتدأ، وأن يكون الاسم الثاني نائباً عن الفاعل، وهذا النائب عن الفاعل سد مسد الخبر، فلا حاجة بالكلام إلى خبر للمبتدأ. نحو: أمضروب الزيدان؟ الهمزة أيضاً للاستفهام، مضروب هذا اسم مفعول، الزيدان لا يقال هنا فاعل إنما هو نائب عن الفاعل، كأنك تقول أضرب الزيدان؟ أو أيضرب الزيدان؟ فهذا نائب عن الفاعل سد مسد الخبر. وهذه الصورة لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله تعالى، لا أعلم شاهداً لهذه الصورة في كتاب الله تعالى أن يكون الكلام مكوناً من اسمين أحدهما أو المبتدأ منهما اسم مفعول، والخبر منهما نائب عن الفاعل سد مسد الخبر، هذه الصورة لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله سبحانه.
الرابعة -يعني الصورة الرابعة من هذه الصور التفصيلية للصورة الإجمالية الأولى-: أن يكون اسم فعل وفاعله. نحو: هيهات العقيق. فهيهات اسم فعل وهو بمعنى بعد، والعقيق فاعل به. العقيق هذا مكان، العقيق مكان معين، فيقول: هيهات، هيهات كما قال الشاعر: فهيهات هيهات العقيق ومن به، وهيهات خِلٌّ بالعقيق نواصله. هيهات العقيق، يعني بعد هذا المكان الذي يسكن فيه هذا الخل الذي لا أستطيع وصاله لبعد مكانه. هيهات العقيق، فهيهات اسم فعل، اسم فعل ماض بمعنى بعد. وسيأتي الكلام أيضاً عن أسماء الأفعال، وأن هناك ما يسمى اسم فعل ماض، واسم فعل مضارع، واسم فعل أمر. هذا اسم فعل ماضي، ومثاله أيضاً: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: 23] ولا تنهرهما، فلا تقل لهما أف، هذه بمعنى أتضجر، هذا اسم فعل مضارع، هذا اسم فعل مضارع وفيه فاعل مستتر وجوباً تقديره أنا، أتضجر أنا. فكلمة أُفٍّ هذه جملة كاملة من اسم فعل وفاعل.
وأيضاً يمكن أن يستدل أيضاً بقول الله تعالى في قول الكفار من قوم صالح أو من قوم هود، على اختلاف المفسرين في ذلك في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَىٰ ۖ كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَّسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ﴾ [المؤمنون: 44]، ثم أرسلنا من بعدهم قوماً آخرين فارسلنا فيهم رسولاً منهم، قيل هو هود كما العادة بذكر هود عليه السلام بعد نوح، وقيل هو صالح لأنه ذكر في آخر الكلام أنه أخذتهم الصيحة، فاخذتهم الصيحة بالحق فجعلهم أثاثاً وقوم صالحينهم أخذوا بالصيحة، ففيها خلاف. المهم أنهم قالوا في وسط الكلام: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ﴾ [المؤمنون: 36]. فهيهات هذه اسم فعل وهي التي ذكرها المصنف، ثم هيهات التي بعد ذلك هي توكيد لها فلا مدخل لها في الكلام، ولما توعدون على قول اللام زائدة، وما توعدون كما سبق، ما هذه مصدرية، يعني تؤول مع ما بعدها بمصدر أو بمعنى الذي، يعني بعد موعودكم الذي توعدون به، أو بعد الذي توعدون به.
فهذه أربع صور تفصيلية للصورة الإجمالية الأولى. قال: واما ائتلافه من فعل واسم فله صورتان. هنا يكون الأول فعلاً، ويكون الثاني، ويكون الثاني اسماً. قال: إحداهما -إحدى هاتين الصورتين التفصيلية-: أن يكون الاسم فاعلاً.
فعل الاسم الذي بعد الفعل يكون فاعلا. الأخرى، هناك فعل والاسم الذي بعده يكون نائباً عن الفاعل. قال أحدهما: أن يكون الاسم فاعلاً نحو: قام زيد؛ «قام زيد» فعل وفاعل. قل صدق الله؛ «صدق الله» قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفاً صدق الله، هذه جملة كاملة؛ صدق فعل، الله فاعل. فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله؛ «فرح المخلفون» فعل وفاعل. بعد ذلك، الجار والمجرور متعلق بفرحه، هذا لا مدخل له في الجمله، فعل وفاعل.
والثانية: أن يكون الاسم نائباً عن الفاعل؛ يعني هناك فعل مغير الصيغة مبني لما لم يسم فاعله، مبني للمفعول كما يقال، أو مبني للمجهول كما يقول بعضهم، وإن كان الأول أولى أن يقال فيه مبني لما لم يسم فاعله. وبعد ذلك يأتي اسم، هذا الاسم يكون نائباً عن الفاعل، قال نحو: ضرب زيد؛ «ضرب زيد» ضرب فعل وتغيرت صيغته من ضرب إلى ضرب، فبعده اسم مرفوع، هذا الاسم المرفوع الذي بعده ليس فاعلاً، إنما هو نائب عن الفاعل أو نائب فاعل. مثاله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَىٰ﴾ [غافر: 24] يعني كذبه قومه، كذب فعل، موسى نائب عن الفاعل. قتل الخراصون؛ قتل فعل مغير الصيغة، الخراصون نائب عن الفعل.
الصورة الثالثة الإجمالية؛ قال: وأما ائتلافه من الجملتين فله صورتان أيضاً: إحداهما جملة الشرط والجزاء. وهناك صورة أخرى وهي جملة القسم والجواب، ففي هنا جملة وجمله، وفي الثانية جملة وجملة. هذه أيضاً من صور تأليف الكلام، وتلك أيضاً من صور تأليف الكلام. قال: إحداهما جملة الشرط والجزاء نحو: إن قام زيد قمت؛ «إن قام زيد قمت» إن قام زيد هذه جملة تسمى جملة الشرط، إن شرطية، قام زيد جملة من فعل وفاعل، والجملة جملة الشرط، قمت التي بعدها هذه جواب الشرط أو جزاء الشرط.
مثاله في كتاب الله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8]، وإن عُدتم هذه جملة هي جملة الشرط، عُدنا هذه جواب الشرط. وكذلك: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ [الأنفال: 19]، تعودوا جملة الشرط، ونعد جواب الشرط. هذا الكلام إن شاء الله سياتي تفصيله فيما يجزم فعلين، فستاتي الكلام عن أدوات الشرط التي غالبها أسماء وبعضها حروف، سياتي أنها تجزم فعلين، الفعل الأول يكون فعل الشرط، والثاني يكون جواب الشرط. وإن لم يوجد شيء في ذلك فيقال هذا في محل جزم مثلاً أنه جواب الشرط، المهم أنها لابد لها من جملتين: في الأولى يكون هناك فعل هو فعل الشرط، وفي الثانية يكون هناك فعل آخر هو جواب الشرط.
فهذا في الجملتين؛ فالجملة الأولى هي جملة عدتم، الجملة الثانية عدنا. الجملة الأولى قام زيد، الجملة الثانية قمت، يبقى هنالك تألف الكلام من جملتين: الأولى جملة الشرط، والثانية جملة جزاء الشرط وجوابه. قال: والثانية جملة القسم وجوابه، نحو: أحلف بالله لزيد قائم؛ هنا جملة قسم وجمله أخرى هي جملة جواب القسم، جملة القسم هي أحلف بالله هذه جملة، أحلف أنا فعل وفاعل، والجار والمجرور متعلق بالفعل أحلف، لزيد قائم، زيد قائم جملة أخرى مبتدأ وخبر. فهاتان الجملتان: الأولى منهما جملة القسم، والثانية جملة جواب القسم. ومنه قول الله تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: 74]، يحلفُونَ بالله جملة القسم، إنهم لمنكم جملة جواب القسم.
إذاً، فسبق الكلام عن ثلاث صور إجمالية، لكن الصورة الأولى تنقسم إلى أربع صور تفصيلية، وكذلك الصورة الثانية تنقسم إلى صورتين تفصيليتين، وكذلك الصورة الثالثة تنقسم إلى صورتين تفصيليتين. فهذه ثلاث صور إجْمَالاً، وثماني صور تفصيلاً. بقي الكلام عن الرابعة والخامسة والسادسة، وهذه لا تنقسم، هي شيء واحد. قال: وأما ائتلافه من فعل واسمين فنحو: كان زيد قائماً، وكذلك القول في كان وأخواتها، كان واسمها وخبرها، وسياتي الكلام عن كان واسمها وخبرها وعن أخوات كان في درس مستقل إن شاء الله تعالى.
كان زيد قائم، مثاله: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20]، ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54]، كان واسمها وخبرها. وكذلك أخوات كان؛ ليسوا سوا، ليس من أخوات كان ليس، وواو الجماعة اسمها، وسواء خبرها. أهو هنا فعل هو كان، واسمان؛ الاسم الأول هو ربك رب، والاسم الثاني هو بصير، والكاف ربك هذه الكاف مضاف إليه، يعني لا تدخل عندهم في أصول الكلمات. والعمدة: ليسوا سواء، ليس هو الفعل، وواو الجماعة هو الاسم الأول وهو اسم ليس، وسواء هو الاسم الثاني وهو خبر ليس.
الصورة الخامسة؛ قال: وأما ائتلافه من فعل وثلاثة أسماء فنحو: علمت زيدا فاضلا، علمت زيداً فاضلاً، من فعل ومن ثلاثة أسماء. بعد ذلك هذا سياتي بإذن الله تعالى التفصيل فيه في ظن وأخواتها؛ ففي ظن وأخواتها تجد ظن، تجد هذا الفعل، وتجد بعده ثلاثة أسماء: تجد بعده فاعلاً له، وتجد بعد ذلك مفعولين؛ فظن وأخواتها تنصب مفعولين، ترفع الفاعل وتنصب بعد ذلك مفعولين. فقالوا: هذا الفعل هو ظن أو علم أو إلى آخر هذه الأفعال التي تأتي ظن، علم، حسب، قال، زعم، إلى آخره. هذه الأفعال يقال هذا فعل، وبعده فاعل، وبعده مفعول به أول، وبعده مفعول به ثان. فالفعل هذا الأول، وبعد ذلك ثلاثة أسماء: فاعل، مفعول أول، ومفعول ثان. قال فنحو: علمت زيداً فاضلاً. علمت؛ علم هو الفعل، التاء علمت هذه التاء تاء الفاعل، تاء الرفع، هذا الاسم الأول وهي فاعل، وزيداً هو الاسم الثاني وهو مفعول به أول، وفاضلاً هو الاسم الثالث وهو مفعول به ثان.
ومنه في كتاب الله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا﴾ [النور: 15]، تحسبونه، تحسبون هذا هو الفعل، الفعل واو الجماعة تحسبونه، الواو هذه واو الجماعة وهي فاعل، فالاسم الأول تحسبونه، تحسبونه هذه الهاء مفعول به أول، وهيناً مفعول به ثان. فعل وفاعل ومفعول به أول ومفعول به ثان، يبقى فعل وثلاثة أسماء. ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، جعل وواو الجماعة، جعلوا القرآن مفعول به أول، عضين مفعول به ثان، فعل وثلاثة أسماء.
الصورة السادسة والأخيرة؛ قال: وأما ائتلافه من فعل وأربعة أسماء فنحو: أعلمت زيداً عمراً فاضلاً. ما معنى هذا الكلام: أعلمت زيداً عمراً، يعني أنا أعلمت الرجل الذي اسمه زيد، أعلمت أن الرجل الذي اسمه عمرو رجل فاضل. أعلمت زيداً عمراً فاضلاً؛ أعلم هذا أعلم فعل، والتاء أعلمت أنا علمت هذه التاء تاء الفعل هذا الاسم الأول، زيداً هذا الاسم الثاني ومفعول به أول، عمراً هذا الاسم الثالث وهو مفعول به ثان، فاضلاً هذا الاسم الرابع وهو مفعول به ثال. وهذا سياتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى بعد ظن وأخواتها، سياتي أن هناك عدة أفعال أوصلها المصنف وغيره إلى سبعة أفعال تعمل هذا العمل، وهي أنها تنصب ثلاثة مفاعيل، تنصب ثلاثة مفاعيل، يعني ترفع الفاعل وتنصب ثلاثة أسماء على المفعولية، على المفعول الأول والمفعول الثاني والمفعول الثالث.
فمنه أعلم وأرى أري، كما في قول الله تعالى على أحد الوجهين: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 167]. كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم، يري هو الفعل هنا، هنا مضارع. يريهم الله، طبعا الهاء والميم يريهم هذه الهاء التي يريهم مفعول به أول تقدم على الفاعل، الله فاعل، أعمالهم مفعول به ثان، حسرات مفعول به ثالث، هذا أحد القولين، والقول الثالث أنه حال، لكن على القول الأول يصح الاستشهاد بالذكر.
﴿فَيُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: 167] يريهم، يري هو الفعل، يريهم هذا الاسم اللي هو المفعول الأول، الله هذا اسم ثاني وهو فاعل، أعمالهم أعمال هذا اسم ثالث ومفعول به ثان، حسرات هذا اسم رابع ومفعول به ثالث. هذه الصورة السادسة في الصور الإجمالية وهي الصورة الحادية عشرة في الصور التفصيلية.
زاد بعضهم أشياء أخرى، فبعضهم قال هناك تركيب من اسم وجمله، وبعضهم قال هناك تركيب من حرف واسم، لكن هذا لم يذكره المصنف، والأول صحيح، أما الثاني من حرف واسم فصحته نزاع. قال: فهذه صور التأليف، وأقل ائتلافه من اسمين أو من فعل واسم، كما ذكرت وما صرحت به من أن ذلك هو أقل ما يتألف منه الكلام هو مراد النحويين. وعبارة بعضهم توهم أنه لا يكون إلا من اسمين أو من فعل واسم، فيقول هذه أقل الصور، ليس معنى ذلك أنه إما أن يتكون من اسمين أو من فعل واسم فقط كما توهم بعض العبارات، لا، هذا أقل ما يتكون منه، ويتكون من غير ذلك ويتألف ويتركب من غير ذلك، كما ذكره بتفصيله.
قال فصل: أنواع الإعراب أربعة: رفع ونصب في اسم وفعل، نحو أو عندكم في النسخه عندي في النسخه نحو قلت لكم أكثر من مرة هذا جائز وهذا جائز، يعني وذلك نحو كذا وكذا، أو أعني نحو كذا وكذا. ليس في كل حال إنما أقول في مثل هذا؛ فأحياناً يجب أن تقول نحو، وأحياناً يجب أن تقول نحو، وأحياناً يجب أن تقول نحو بحسب العوامل، لكن في مثل هذا في كثير من الأحيان يجوز هذا وهذا على تأويل طالما أنه ليس قبلها شيء يوجب الرفع أو النصب أو الجر.
قال نحو: زيد يقوم، وأن زيداً لن يقوما، زيد يقوم، وأن زيداً لن يقوم، قال: وجر في اسم نحو نحو ببزيد، وجزم في فعل نحو لم يقم، فيرفع بضمه، وينصب بفتحه، ويجر بكسره، ويجزم بحذف حركه. هنا دخل مدخلاً جديداً وهو الكلام في الإعراب؛ بعد أن أنهى الكلام في البناء، في بناء الأسماء وفي بعض مبنيات الأسماء -لم يذكر كل مبنيات الأسماء إنما ذكر لكل نوع بعض الأمثله- وبعد أن أنهى الكلام عن المبنيات في الأفعال: فالماضي مبني دائماً باتفاق، والأمر مبني دائماً على الراجح، والمضارع مبني في الحالتين، والحروف كلها مبنية.
بعد كل ذلك تكلم عن قسيم البناء وهو الإعراب؛ البناء أن تلزم الكلمة حالة واحدة، الإعراب أن تتغير صورة هذه الكلمة، فالإعراب فيه تغيير أواخر الكلمات بسبب اختلاف العوامل الداخلة عليها، هذا هو الإعراب، فتجد الكلمه قد تغيرت. وهذا من أنفس ما يتعلم في هذا العلم، والكلام في الإعراب والبناء هو الذي ينبني عليه -يمكن أن يقال أكثر من نصف هذا- فلا بد من اتقان هذا إتقاناً قوياً قدر الاستطاعه إن شاء الله تعالى، لأنه يبنى عليه غيره بعد ذلك.
ستأتي مفاريد فتتقن هذا الأساس الذي تبني عليه بعد ذلك هذه المفاريد، تعرف بعد ذلك أن المفعولات منصوبة، وأن الحال والتمييز منصوبان، وأن المبتدأ والخبر مرفوعان، وأن اسم كان يكون مرفوعاً، وأن خبرها يكون منصوباً، وأن اسم إن يكون منصوباً، وأن خبرها يكون مرفوعاً، كل هذا تعرفه في تضاعيف الكلام بعد ذلك، لكن لابد أن تعرف ما المرفوعات وكيف ترفع وما علامة رفعها، وكذلك الكلام في المنصوبات والمجرورات والمجزومات، وأن أعرف أيضاً البناء، أن هذه الأشياء تكون مبنية ليست معربة.
قال: الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمه. هذا تعريف، ومن التعاريف التي تحفظ، قد سبق بيان بعض التعاريف التي تحفظ كتعريف التنوين وتعريف البناء، وهذا تعريف الإعراب، وأحاول إن شاء الله تعالى أن أبين لكم التعاريف التي تحفظ وتضبط في كل حينها. وقال: الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الكلمه، هذا تعريف. وغيره يعرف الإعراب بتعريفات أخرى من أشهرها أنهم يقولون: الإعراب تغيير أواخر الكلمات بسبب اختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً. أيما كان هذا أو ذاك، وإن كان طبعا هناك خلاف بين هذا التعريف وذاك التعريف وينبني عليه خلاف آخر، لكن هذا الخلاف من باب الخلاف السائغ الذي يجوز فيه ذلك ويجوز فيه هذا، يعني لا ينبغي أن تدار بيننا معارك طاحنة في مثل هذا.
وهذا ينبني عليه بعد ذلك أن أقول مبتدأ مرفوع بالضمه أم مرفوع وعلامه رفعه الضمه؟ هذا مبني على هذا الخلاف في أصل تعريف الإعراب، فيكون الإعراب لفظياً أم معنوياً؟ وكل الكلام في هذا إنما هو كلام مستوحى مأخذ من استقراء العلماء لكلام العرب، لم ينص العربي على شيء من ذلك، لم ينص العربي المتكلم على شيء من ذلك، ولم يأت في كتاب الله تعالى الذي هو بلسان عربي مبين إشارة إلى ذلك، ولم يأت في سنة نبينا صلى الله عليه وسلم الذي هو أفصح العرب قاطبة لم تأتي أية إشارة إلى شيء من هذا، فمثل هذه الأمور تكون أقل حدة مما قد يثيره بعضنا.
فالإعراب أثر ظاهر أو مقدر؛ إذا قلت محمد، كما سبق: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29]، ﴿أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ﴾، ﴿مُّحَمَّدٍ رَّسُولِ اللَّهِ﴾ محمد، محمداً، محمد، هذا الذي في الآخر الأثر الظاهر محمد، محمداً، محمد، هذا الأثر الظاهر بضمتين أو بفتحتين أو بكسرتين، أو بضمة واحدة أو فتحة واحدة أو كسرة واحدة. ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ﴾ [المائدة: 97]، ﴿بِالشَّهْرِ﴾، ﴿بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾، ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: 2] الشهر، الشهر، الشهر، هذا الأثر الظاهر بضمة واحدة أو بضمتين، بفتحة واحدة أو بفتحتين، بكسرة واحدة أو بكسرتين. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] كلمة يلد فيها عليها سكون، كل هذا التغيير الذي يكون في آخر الحرف، في آخر حرف من الكلمة هذا اسمه أثر ظاهر.
وأحياناً يكون مقدراً، أحياناً يكون مقدراً لا يظهر، كما مثلاً في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ [البقرة: 120]، هو الهدى؛ ﴿لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى﴾ [الأنفال: 71]، إلى الهدى؛ آتينا إلى الهدى؛ ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: 12] لم تظهر أي حركة على هذه الألف التي تكتب ياء وتنطق ألفاً، والعبرة بالنطق، الهدى لم يظهر.
عليها شيء، لا ضمة ولا ضمة، لا فتحة ولا فتحتان، لا كسرة ولا كسرتان، لم يظهر عليها شيء، هذا اسمه إعراب مقدر. الهدى هو الهدى، الهدى مرفوعة لأنها خبر المبتدأ على قول، أو خبر إن على قول آخر، على العموم هذا مرفوع وهذا مرفوع فهي مرفوعة، ومع ذلك لم تظهر عليها الضمة. إن علينا للهدى؛ اسمه إن مؤخر لم يظهر عليه الفتحة. يدعون إلى الهدى؛ هذا اسم مجرور بإلى ولم يظهر عليه كسرة. يبقى هنا هذا أثر مقدر؛ يبقى أثر ظاهر أو مقدر.
ما سببه؟ قال: يجلبه العامل في آخر الكلمة، يجلبه العامل في آخر الكلمة. بسبب العامل؛ يعني أنا ليس هكذا من عندي أقول كما أشاء؛ محمد رسول الله، محمدا رسول الله، محمد رسول.. لا لا، ليس هكذا بمزاجك أو برأيك أو بهواك؛ إنما أنت مقيد، أنا مقيد بما ورد عن كلام العرب. فترفع بسبب عامل اقتضى الرفع، تنصب بسبب عامل اقتضى النصب، تجر بسبب عامل اقتضى الجر. ترفع لأنه مبتدأ أو خبر أو اسم كان أو خبر إن أو فاعل أو نائب عن الفاعل إلى آخره. تنصب لأنه اسم إن أو خبر كان أو مفعول به أو مفعول مطلق أو تمييز أو حال أو مستثنى إلى آخره. تجر لأنه مجرور بالحرف، أو مجرور لأنه مضاف إليه، أو لأنه نعت أو بدل أو عطف أو توكيد للمجرور. تجزم لأنه مجزوم أو تابع للمجزوم بهذا الحرف الذي هو للجزم إلى آخره. فانت مقيد، أنا مقيد، كل مقيد بعامل يقتضي الرفع أو النصب أو الجر أو الجزم. فإذا هو أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل، ليس هكذا بمزاجي، برأيي، بهواي أفعل ما أشاء، إنما يجلبه العامل في آخر الكلمة.
في آخر الكلمة؛ يعني الإعراب لا يكون في أول الكلمة ولا في وسطها، وقد أشار إلى ذلك قبل ذلك. لا يكون الإعراب في أول الكلمة ولا في وسطها، إنما يكون في آخرها، وقال هنا: في آخر الكلمة. وقد تبين لكم أن الذي يرفع وينصب ويجر ويجزم، أن الذي يعرب عموماً إما أن يكون اسماً أو فعلاً مضارعاً. ظهر لكم هذا جلياً، لماذا؟ لأن الحرف لا يدخل في هذا لأنه مبني، ولأن الفعل الماضي لا يدخل في هذا لأنه مبني، ولأن فعل الأمر على الصحيح لا يدخل في هذا لأنه مبني.
فإذاً، في آخر الكلمة؛ يعني في آخر الاسم في الأصل إلا أن يكون مبنياً لعلل العلة، وكذلك في آخر الفعل المضارع إلا أن يكون مبنياً لعله من العلتين المعروفتين. فهذا هو تعريف الإعراب. طب على التعريف الثاني: الإعراب هو تغيير أواخر الكلمات لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً. تغيير أواخر الكلمات، آخرها تغير؛ محمد محمدا محمد، كما قال هو: جاء زيد، رايت زيدا، مررت بزيد. هذا التغيير، التغيير الذي في أواخر الكلمات، هذا اسمه الإعراب. طب لماذا يتغير؟ نفس الكلام الذي قيل هنا لاختلاف العوامل الداخلة عليه، هناك سبب بسبب اختلاف العوامل التي دخلت عليه. جاء زيد؛ جاء هذا فعل يحتاج إلى فاعل، جاء زيد. رايت زيدا؛ فعل وفاعل يحتاج إلى مفعول به منصوب، رايت زيدا منصوب. مررت بزيد؛ الباء حرف جر يحتاج إلى مجرور، بزيد. محمد رسول الله؛ محمد مبتدأ، والابتداء هذا عامل معنوي يحتاج إلى أن يكون المبتدأ فيه مرفوعاً. محمد أشهد أن محمداً؛ إن تنصب ما بعدها فتحتاج اسماً منصوباً، وأشهد أن محمداً من.. محمد، من حرف جر يحتاج إلى أن يكون المجرور به مجروراً، كما هنا محمد، وهكذا.
فتغيير أواخر الكلمات لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً. لفظاً كما سبق؛ محمد، زيد، ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ فَمَن اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، غير لفظاً. أو تقديراً كالهدى، وهو مثل بالفتى؛ جاء الفتى، رايت الفتى، مررت بالفتى، لم يظهر شيء في ذلك، هل هي مبنية؟ لا، ليست مبنية، وإنما هي معربة إعراباً تقديرياً. فهناك ضمة مقدرة، وفتحة مقدرة، وكسرة مقدرة.
قال بعد ذلك: والاعراب جنس تحته أربعة أنواع. والاعراب جنس تحته أربعة أنواع؛ الإعراب هذا جنس كبير تحته أنواع، ما أنواعه؟ أنواعه أربعة، قال: الرفع والنصب والجر والجزم. فالرفع نوع من أنواع الإعراب، النصب نوع من أنواع الإعراب، الجر من أنواع الإعراب، الجزم نوع من أنواع الإعراب. هل يقال إذاً الاسم يرفع وينصب ويجر ويجزم، والفعل يرفع وينصب ويجزم لأن هذه التي تعرب (يعني الاسم والفعل المضارع)؟ لا، وإن كان تحته هكذا لكن هناك أشياء تختص بالاسماء، وهناك أشياء تختص بالأفعال، وهناك أشياء تدخل على الأسماء والأفعال. قال: وهذه الأنواع الأربعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ قسم يشترك فيه الأسماء والأفعال وهو الرفع والنصب، تقول: زيد يقوم، وإن زيدا لن يقوم. وقسم يختص به الأسماء وهو الجر، تقول: مررت بزيد. وقسم يختص به الأفعال وهو الجزم، تقول: لم يقم، لم يقم زيد يعني. فهذه هي الأقسام الثلاثة.
إذاً، فالفعال يرفع وينصب ويجزم ولا يجر، والاسم يرفع وينصب ويجر ولا يجزم. فالاسماء والفعال ترفع وتنصب؛ يبقى الرفع يكون في الأسماء وفي الأفعال جميعاً، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [الرعد: 26]، اسم الله هنا مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، ومرفوع الله يبسط فعل مضارع مرفوع. الاسم يرفع والفعل كذلك يرفع. الاسم ينصب والفعل كذلك ينصب، قال الله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]، تنالوا هذا فعل مضارع منصوب، البر هذا مفعول به منصوب، فإذاً الاسم ينصب والفعل كذلك ينصب.
قال: لكن الذي يختص بالاسماء هو الجر، فالاسماء تجر أما الأفعال فلا تجر، نقول: مررت بزيد. قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]، المسجد مجرورة بمن، فالمسجد لابد أن تكون اسماً؛ لأن بعبده عبد مجرور بالباء فلا بد أن يكون اسماً، فالأسماء هي التي تجر، أما الأفعال فلا يمكن أن تجر. نعم، قد تكسر لعله صافية لكن لا تجر، قد تكسر مثلاً لتلافي التقاء الساكنين لكنها أيضاً لا تجر، فالأفعال لا تجر.
قال: أما الجزم فيكون في الفعل، قال: لم يقم، كما في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3]، فيلد يولد هذان فعلان مجزومان بلم. هل الأسماء تجزم؟ لا. يبقى إذاً الخلاصة أن الأسماء ترفع وتنصب وتجر ولا تجزم، وأن الأفعال ترفع وتنصب وتجزم ولا تجر.
قال: ولهذه الأنواع الأربعة علامات تدل عليها، وهي ضربان؛ علامات أصول وعلامات فروع. علامات أصول وعلامات فروع. فعندنا الرفع هذا نوع من أنواع الإعراب له علامات، النصب نوع من أنواع الإعراب له علامات تخصه، الجر نوع من أنواع الإعراب له كذلك علامات، الجزم نوع من أنواع الإعراب له علامات. عندنا الإعراب وعندنا نوع من انواعه وعندنا علامة أو علامات لكل نوع. أذكرها إجمالاً لمن أراد أن يحفظها ولم يذكرها مع بعضها إجمالاً، لكن أنا أريد قبل أن أدخل في هذا أن أذكرها إجمالاً؛ الرفع له أربع علامات: الضمة، الواو، الالف، ثبوت النون، هي ستأتي كلها تفصيلاً إن شاء الله تعالى، أما هذا لمن أراد أن يحفظها معي. الرفع له أربع علامات: الضمة، الواو، الألف، ثبوت النون. النصب له خمس علامات: الفتحة، الكسره، الألف، الياء، حذف النون. الجر له ثلاث علامات: الكسرة، الفتحة، الياء. الجزم له ثلاث علامات: السكون، حذف حرف العلة، حذف النون. هذه هي العلامات التي للرفع والنصب والجر والجزم.
في كل نوع من هذه الأنواع علامة أصلية وبقية العلامات فرعية. فالعلامة التي أذكرها أولاً أو التي ذكرتها أولاً في الكلام هي الأصلية؛ الرفع علامته الأصلية الضمة، النصب علامته الأصلية الفتحة، الجر علامته الأصلية الكسرة، الجزم علامته الأصلية السكون.
قال: ولهذه الأنواع الأربعة علامات تدل عليها، وهي ضربان وهي نوعان؛ علامات أصول وعلامات فروع. فالعلامات الأصول أربعة: الضمة للرفع، والفتحة للنصب، والكسرة للجر، وحذف الحركة للجزم. حذف الحركة هو السكون؛ مجزوم بالسكون، مجزوم بحذف الحركة، حذف الحركة إذا كان هناك شيء يتحرك فأوقفت حركته فقد سكن فحذف الحركة هو السكون، ويعبر عنه بالسكون كثيراً يعني تعبره بحذف الحركة قليل، قال: وحذف الحركة والمراد بها السكون.
قال: وقد مثلت كلها مثلها كلها في الأصل في الكلام السابق. العلامة الأصلية للرفع هي الضمة، وللنصب هي الفتحة، وللجر هي الكسرة، وللجزم هي السكون. في الآية مثلاً في آخر آية من سورة الفتح: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ [الفتح: 29]؛ محمد هذا مبتدأ مرفوع علامته هي الأصلية مرفوع بالضمة، رسول أيضاً خبر مرفوع علامة رفعه إيه؟ الضمة. طيب في الآية نفسها إذا مشيت تقول: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ [الفتح: 29]؛ ركعاً سجداً، ركعاً هذا حال منصوب وعلامة نصبه الفتحة فهي العلامة الأصلية للنصب هي الفتحة. إذا مشيت أيضاً: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: 29]؛ في وجوههم، وجوه هذا مجرور بالكسرة فهي علامته الأصلية، أصلية في قول الله تبارك وتعالى مثلاً: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]؛ ألم يعلم، يعلم مجزوم فعل مضارع مجزوم بلم، فعلامته الأصلية، علامته هنا أصلية. وكما أمثل مراراً: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]، هنا كل ذلك مجزوم بالعلامة الأصلية وهي السكون أو حذف الحركة.
قال: والعلامات الفروع منحصمة في سبعة أبواب، خمسة في الأسماء واثنان في الأفعال، وستمر بك هذه الأبواب مفصلة باباً باباً إن شاء الله. فكل الذي سبق في العلامات الأصول، هناك علامات فروع، علامات فرعية. وهذه العلامات الفرعية تدرس في أبوابها، فابوابها سبعة؛ قال: خمسة في الأسماء واثنان في الأفعال. هذه الخمسة التي في الأسماء هي: الأسماء الستة هو باب أول، المثنى والباب الثاني، جمع المذكر السالم هو الباب الثالث، جمع المؤنث السالم هو الباب الرابع، الممنوع من الصرف هو الباب الخامس، أيضاً لمن أراد أن يذكرها هنا وأن يحفظها. هذه خمسة أبواب في الأسماء، وبابان في الأفعال؛ الفعل المضارع المعتل الآخر، والأفعال الخسة أو الأمثلة الخمسة، فهذان بابان في الأفعال. هذه كلها اسمها أبواب الإعراب الفرعي، هذه اسمها أبواب الإعراب الفرعي. أحياناً تعرب هذه الأبواب مثلاً إعراباً فرعياً في كل حالاتها، وأحياناً في حالة واحدة، ليس هناك وسط، أما أن تكون في كل حالاتها أو في حالة واحدة، هذا سيمر بنا إن شاء الله تبارك وتعالى تفصيلاً شيئاً فشيئاً.
صاد قال: إلا الأسماء الستة. لماذا جاء هكذا ها هنا الأسماء؟ لأنه مستثنى منصوب، فالذي يكون مستثنى في مثل هذا يكون منصوباً بالفتحة كما ترون. وقال: إلا الأسماء الستة. واحفظوا هذا: إلا الأسماء الستة؛ لأنه سياتي بعده بعطف، بعطف الأشياء القادمة عليه، فتجدون في النسخ أو في بعض النسخ -لا لم اطلع على كل النسخ إنما تجدون في بعض النسخ- تجدون مرفوعاً نقول: وجمع المذكر السالم، لا الأصل يقول: وجمع المذكر السالم وهكذا، كل الذي سيأتي لابد أن يكون منصوباً. قال: إلا الأسماء الستة، فهذه الأسماء الستة أول باب من أبواب الإعراب الفرعي. يبقى إذاً الأسماء الستة سياتي الكلام فيها: كيف تعرب؟ كيف ترفع؟ وكيف تنصب؟ وكيف تجر؟ هل تجزم؟ لا، هي اسماء لا تجزم. كيف ترفع؟ كيف تنصب؟ كيف تجر؟ ولماذا دخلت أبواب الإعراب الفرعي؟ أكيد لأنها لم ترفع بالضمة، أو لم تنصب بالفتحة، أو لم تجر بالكسرة، أو جمعت كل ذلك، وهي جمعت كل ذلك فرفعت بغير الضمة، نصبت بغير الفتحة، جرت بغير الكسرة.
قال: إلا الأسماء الستة، وهي: أبوه، وأخوه، وحموها، وهنوه، وفوه، وذو مال. هذه عدتها ستة، فترفع بالواو، وتنصب بالألف، وتجر بالياء. قال: هذا هو الباب الأول مما خرج عن الأصل، وهو باب الأسماء الستة المعتلة المضافة. وباب الأسماء الستة المعتلة المضافة هنا زاد شيء، قال: إيه؟ الأسماء الستة المعتلة المضافة. في الأول قال: إلى الأسماء الستة، فهنا زاد أولاً أذكرها شيئاً فشيئاً، وقال: وهو باب الأسماء الستة المعتلة المضافة. لماذا الأسماء؟ لأنها لأنها جميعاً أسماء، ليس فيها فعل ولا حرف، فهي أسماء ليس في هذا إشكال. السته لماذا؟ لأن عددها ستة، ليس هناك كلمة سابعة تعرب هذا الإعراب، اللغة العربية كلها على اتساع كلامها وعلى كلماتها التي لا يحصيها قطعا إلا الله تبارك وتعالى، ليس فيها ما يعرب هذا الإعراب كاملاً إلا هذه الأسماء الستة دون ملايين الكلمات التي لا يعلم عددها ولا يحصرها إلا ربنا سبحانه، هذه أسماء ستة بالعدد ليس لها سابق. بل بعضهم نزع وقال: هي خمسة كما سياتي إليه قريبا إن شاء الله تعالى. المعتلة؛ المعتلة في آخرها حرف من حروف العلة، هي أصلها: أب، أخ، حم، والاسم لا يكون على حرفين أبداً، إنما أقل اسم لابد أن يكون على ثلاثة أحرف، إذا كان على حرفين فلا بد من حرف محذوف. تقول أصلها: أبو، أخو، حمو، وهكذا، فهي معتلة في آخرها حرف عله محذوف، وطبعاً يحذف هذا الحرف وستاتي حروف العلة إعراباً لها كأنه كالتعويض يعني، فترفع بالواو وتنصب بالألف وتجر بالياء، فتكون هذه الأحرف التي أحرف العلة علامة رفع ونصب وجر لها. المضافة؛ لأنها لا تكون كذلك إلا إذا أضيفت، لا تعرب هذا الإعراب إلا إذا أضيفت، وكذلك إذا أضيفت لغير ياء المتكلم كما سياتي في شروطها. فهذا قال هو باب الأسماء الستة المعتلة المضافة، وهي أبوه وأخوه وحموها، هكذا سيبين لماذا عدل هنا، قال: حموها وهنوه وفوه وذو مال.
وأيضاً لماذا قال هنا ذو مال؟ نعم. قال: فإنها ترفع بالواو نيابه عن الضمة، وتنصب بالألف نيابة عن الفتحة، وتجر بالياء نيابة عن الكسرة.
تقول: جاءني أبوه، ورأيت أباه، ومررت بأبيه. وكذلك القول في الباقي.
طيب، أذكر لكم آية واحدة من كتاب الله تعالى فيها الرفع والنصب والجر، ثم بعد ذلك أدخل في هذا التفصيل؛ لأن هذا التفصيل الذي سيذكره سيأخذ معنا إن شاء الله تعالى إلى آخر الدرس، يعني ربما لا أستطيع أن أتكلم في شيء آخر، يعني أريد أن أكمل الأسماء الستة في هذا الدرس إن شاء الله تعالى.
قال الله تبارك وتعالى عن إخوة يوسف: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8]. احفظوا هذه الآية، فهي التي يعني تحل لكم هذا الإشكال، وإذا أردتم أن تستشهدوا لهذا الباب فهذه الآية كافية؛ ففيها الرفع بالواو، والنصب بالألف، والجر بالياء.
إذ قالوا ليوسف وأخوه؛ يوسف مبتدأ، وأخوه معطوف، وأخوه الواو حرف عطف، وأخوه هذا معطوف على المبتدأ، والمعطوف على المبتدأ المرفوع يكون مرفوعا، والمعطوف على المرفوع يكون مرفوعا، وأخوه، يبقى أخوه معطوف مرفوع وعلامه رفعه الواو.
وأخوه أحب إلى أبينا؛ إلى أبينا، إلى حرف جر يحتاج إلى اسم مجرور، أبينا اسم مجرور بإلى وعلامه جره الياء، إلى أبينا.
ونحن عصبة، إن أبانا لفي ضلال؛ إن أبانا، فإن حرف توكيد ونصب ينصب الاسم الذي بعده، أبانا اسم إن منصوب وعلامه نصبه الألف. يبقى جاء المرفوع مرفوعا بالواو، والمنصوب منصوبا بالألف، والمجرور مجرورا بالياء.
سأذكر لكم بإذن الله تعالى أمثلة كثيرة، شواهد كثيرة لهذه الأسماء، لكن بعد الكلام عن إعرابها، وبعد إخراج ما يخرج منها، عفوا، بعد الكلام عن شروطها، وبعد إخراج ما سيخرج بسبب هذه الشروط؛ فليس الكلام في هذه الألفاظ كلها، كيف جاءت أب وأخ وحم؟ كيف جاءت؟ لا، لا، إنما لابد من شروط تتوفر فيها حتى تعرب هذا الإعراب.
قال: وشروط إعراب هذه الأسماء بالحروف المذكورة ثلاثة أمور. وهو يذكر أنها ثلاثة، بعضهم يقول أربعة، بعضهم يقول بل هي ستة، الخلاف في هذا قريب، يعني شيء منه خلاف لفظي، وشيء منه لأجل النظرة إلى بعضها دون الجميع.
قال أحدها: أن تكون مفردة. الشرط الأول أن تكون هذه الكلمات مفردة، أب واحد، خلاف لو قال: أبوان، أباء، هذا ليس مفردا؛ فالشرط الأول أن تكون هذه الكلمة مفردا، أب وأخ وحم، هكذا كما نطق بها.
طيب، إن لم تكن مفردا؟ قال: فلو كانت مثناة أعربت بالألف رفعا، وبالياء جرا ونصبا، كما تعرب كل تثنية، تقول: جاءني أبوان، ورأيت أبوین، ومررت بابوين.
هناك أنه دلف إلى شيء آخر جديد، وقد كما تعرب كل تثنية، إن شاء الله سياتي قريبا بإذن الله تعالى في أول الدرس القادم أن المثنى يرفع بالالف، وينصب ويجر بالياء؛ فإذا كانت الكلمة من هذه الكلمات الستة على صيغة المثنى، إذا فليست من الأسماء الستة، إنما تعرب إعراب المثنى، تعرب إعراب المثنى، ترفع بالألف، وتنصب وتجر بالياء.
قال الله تعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ [النساء: 11]. وأبواه أبواه؛ يعني بذلك أباه وأمه، أبواه المراد الأب والأم، فهذا مثنى، هل يعرب هذا إعراب الأسماء الستة؟ لا، الأسماء الستة لابد أن يكون المراد بها واحدا، أن يكون مفردا، الأب فقط.
أبوان، أباء، وهذا لا يدخل هنا؛ فأبواه هذا مرفوع وعلامه رفعه الألف، وورثه أبواه هذا فاعل مرفوع وعلامه رفعه الألف، هل يقال علامة رفع الألف لأنه من الأسماء الستة؟ لا، خطأ، إنما هو علامة رفع الألف لأنه من المثنى، كما سياتي.
ولأبويه لكل واحد أيضا، ولأبويه؛ يعني لأبيه وأمه، ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11]. لأبويه هذا مجرور باللام، ورفع أبويه على العرش، هذا مفعول به منصوب، رفع أبويه مفعول به منصوب وعلامه نصبه الياء، ولي لأبويه مجرور باللام وعلامه جره الياء؛ فهذا لا يدخل هاهنا.
كما قال هو: جاءني أبوان، رايت ابوين، مررت بابوين. جاءني أبوان، أبوان فاعل مرفوع بالالف، رايت ابوين مفعول به منصوب بالياء، مررت بابوين مجرور بالباء وعلامه جره الياء؛ فهذا لا يدخل؛ فالشرط الأول لم يكن موجودا.
قال: وإن كانت مجموعَة جمع تكسير، أعربت بالحركات على الأصل، كقولك: جاءني آباؤك، ورأيت آباءك، ومررت بآبائك.
إذا كانت مجموعة جمع تكسير، مجموعة؛ يعني ليست مفردة أيضا، انما هي جمع، أكثر من واحد ومن اثنين ومجموعة جمع تكسير، يعني ليس جمعا سالما؛ فالجمع عبارة عن جمع سالم عن جمع مذكر سالم، أو جمع مؤنث سالم، أو جمع تكسير.
نعم، هناك من يزيد على ذلك، لكن هذا هو الأصل المشهور، لا، هذا ليس جمعا سالما، يعني عندك مسلم، مسلمون، هذا جمع سالم، جمع مذكر سالم، مسلم كما هو جاءت واو ونون، مسلمون، مسلمين، سلم المفرد.
أما رجل ورجال، لم يسلم المفرد، تغير المفرد تماما، الراء مفتوحة صارت في رجال مكسورة، رجل الجيم كانت مضمومة رجال صارت مفتوحة، تكسر المفرد، هذا الفرق بين الجمع السالم وجمع التكسير.
قال: إذا كانت هذه الكلمة أو أيها من هذه الكلمات الستة، إذا كانت مجموعة جمع تكسير، لم تعرب هذا الإعراب، أعربت بالحركات؛ قال: جاءني آباؤك، آباؤك فاعل مرفوع، علامة رفعه، هل نقول علامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الستة؟ خطأ؛ لأنها جمع، لابد أن تكون مفردة، علامة رفعه الضمة.
أقول: لا، في أخ فيها ألف فيها واو، اهي آباؤك، الضمة؛ يعني هنا واو فوقها همزة، علامة رفعه الواو؟ لا، هذه الواو ليس ليست، إنما الهمزة هاهنا رسمت على واو، طبعا لطريقة الرسم المعروفة؛ فآباؤك فاعل مرفوع وعلامه رفعه الضمة، ورأيت آباءك، آباءك مفعول به منصوب وعلامه نصبه الفتحة، ومررت بآبائك، مجرور بالباء وعلامه جره الكسرة.
هل لذلك أمثلة في كتاب الله؟ نعم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ [التوبة: 24] إلى آخر الآية. آباؤكم اسم كان مرفوع علامة رفعه الضمة، كما أنك تعرب ما بعدها، وأبناؤكم وإخوانكم، كل ذلك مرفوع بالضمة؛ فكذلك هذا آباؤكم مرفوع بالضمة، فليس هو من الأسماء الستة في شيء لأنه مجموع.
وكذلك في قوله تعالى مثلا: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ﴾ [الأعراف: 202]. إخوانهم جمع أخ، لا يمكن أبدا أن تكون من الأسماء الستة، إخوانهم يمدونهم في الغيب هذا مبتدا مرفوع بالضمة. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] إخوة، إخوة جمع أخ، يبقى إذا من الأسماء الستة؟ لا، ليس من الأسماء الستة، إنما المؤمنون إخوة خبر مرفوع بالضمة. يبقى لا يدخلها هنا لأنه فقد هذا الشرط أيضا.
قال: وإن كانت مجموعة جمع تصحيح، أعربت بالواو رفعا، وبالياء جرا ونصبا، تقول: جاءني أبون، ورأيت أبين، جاءني أبون، ورأيت أبين، ومررت بابين. جاءني أبون أب، بفتحه فقط ليس بألف؛ لأن المعنى سيتغير، ورأيت أبين، ومررت بابين.
قال: ولم يجمع منها هذا الجمع إلا الابن والأخو والحمو فقط. أولا، هذا الجمع لم يأت في كتاب الله تعالى أن يؤتى بهذه الأسماء، أو ببعض هذه الأسماء على هذه الصيغة، على صيغة جمع التصحيح، هذا لم يرد، ليس له مثال في كتاب الله سبحانه، إنما أمثلته في كلام العرب، كما قال القائل: فلما تبنا أصواتنا بكيت وفديننا بالأبيين.
الأبيين هذا لو جاء هكذا، يقال كما قال المصنف: إني أبون، رايت أبين، مررت بابين؛ فهذا مرفوع بالواو ليس لانه من الأسماء الستة، وإنما لأنه جمع مذكر سالم، سياتي ان شاء الله تبارك وتعالى في الدرس القادم في جمع المذكر السالم أنه يرفع بالواو، وينصب ويجر بالياء؛ فأبون هذا مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، ورأيت أبين هذا منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، مررت بابين مجرور بالياء لأنه جمع مذكر مذكر سالم، ليس شيء من هذا داخلا في هذا الباب.
إذا فالشرط الأول: أن تكون هذه الكلمات الستة، وأن تكون هذه الكلمات الست مفرده هكذا بهذا اللفظ، أب بعد ذلك أخ حم فم هكذا، لكن ستاتي شروط أخرى.
قال الثاني، الشرط الثاني: أن تكون مكبرة، فلو صغرت أعربت بالحركات، نحو: جاءني أبيك، ورأيت أبيك، ومررت بابك.
يعني أن تكون هذه الكلمة مكبرة بهذه الصيغة، أب، أخ، حم، كما نطق بها، أبوه، أخوه، حموها، إلى آخره. أما إذا صغرت، أبيك، أخيك، حميك، إلى آخره، هذا لا يدخل في هذا الباب، وأيضا ليس لهذا شاهد في كتاب الله تعالى، ليس لتصغير هذه الكلمات شاهد في القرآن الكريم.
لكن لو وطبعا تصغيرها نادر قليل جدا له، لكن لو صغرت فلا تعرب بهذا، طب جاءني أبيك، هذا فاعل مرفوع بالضمة، رايت أبيك مفعول به منصوب بالفتحة، مردك هذا مجرور بالكسرة؛ لماذا لم يعرب هذا الإعراب؟ لأنه مصغر، والشرط الثاني أن تكون مكبرة لا مصغرة.
الثالث: أن تكون مضافة. أن تكون مضافة؛ يعني أن تكون هذه الكلمة مضافة وبعدها، وأن يكون بعدها مضاف اليه.
قال: فلو كانت مفردة غير مضافة، أعربت أيضا بالحركات، إذا كانت مفردة هكذا ليس بعدها مضاف إليه، أعربت بالحركات، قل: هذا أب، رايت أبا، مررت باب، ولهذا شاهد في كتاب الله تعالى، قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا﴾ [يوسف: 78].
إن له أبا شيخا كبيرا، إن له أبا، أبا أبا هذا اسم إن، قال نعم، إن له أبا هذا مفرد ومكبر، إذا يعرب هذا الإعراب؟ اسم إن منصوب وعلامه نصبه الألف؟ لا، إنما هو اسم إن منصوب وعلامه نصبه الفتحة، إن له أبا، هذا التنوين تنوين بالفتحة، علامة نصبه الفتحة؛ لماذا؟ لأنه اسم مفرد عادي، يعرب الإعراب العادي.
نعم، فلماذا لم يعرب هذا الإعراب؟ لأنه غير مضاف، ليس هناك مضاف إليه. بخلاف ما ذكرت لكم في الآية الأولى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ هنا مضاف إليه، ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا﴾ هذا مضاف إليه، ﴿إِنَّ أَبَانَا﴾ فاضيف، كما سياتي في أمثله كثيرة ان شاء الله تعالى قبل انتهاء الدرس.
قال: ولهذا الشرط الأخير، شرط، لأجل هذا قلت لك بعضهم يقول أربعة شروط، فيجعل هذا الذي سيذكره الآن يجعله شرطا وحده، قال: وهو أن يكون المضاف إليه غير ياء المتكلم.
أن يكون المضاف إليه غير ياء المتكلم؛ يعني أن تكون هذه الكلمات مفردة، مكبرة، مضافة لغير ياء المتكلم. طب إذا اضيفت لغير ياء؟ إذا اضيفت لياء المتكلم؛ يعني جمعت كل الشروط، كانت مكبرة مفردة مضافة لكن لياء المتكلم.
قال: فان كان، فان كان ياء المتكلم؛ يعني كان المضاف اليه ياء المتكلم، أعربت أيضا بالحركات، لكنها تكون مقدرة، كما يقولون، تقول: هذا أبي، ورأيت أبي، ومررت بابي؛ فيكون آخرها مكسورا في الأحوال الثلاثة، والحركات مقدرة فيه، كما تقدر في جميع الأسماء المضافة إلى الياء، نحو: أبي، واخي، وحمي، وغلامي.
أبي، واخي، وحمي، هذه من الأسماء الستة التي ذكرها، لكنها لا تعرب هكذا؛ لأنها مضافة إلى الياء، ومثلها في غير هذه الأسماء غلام، كلمة غلامي، تقول: هذا غلامي، رايت غلامي، مررت بغلامي؛ تكون مرفوعة بضمة مقدرة، عفوا، تكون مرفوعة بضمة مقدرة، تكون مرفوعة بضمة مقدرة، ومنصوبة بفتحة مقدرة، ومجرورة بكسرة مقدرة للمناسبه.
ومثله عبادي، أي كلمة تضاف إلى ياء المتكلم، فإنها ترفع بالضمة المقدرة، وتنصب بالفتحة المقدرة، وتجر بالكسرة المقدرة. ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186] عبادي هنا فاعل مرفوع بالضمة المقدرة، ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: 42] اسم إن منصوب وعلامه نصبه الفتحة المقدرة أيضا للمناسبه؛ فياء المتكلم تستدعي أن يكون ما قبلها مكسورا، ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: 53] مجرور بكسرة مقدرة للمناسبه.
فكذلك هذه، قال: هذا أبي، رايت أبي، مررت بابي؛ هذا أبي، أبي خبر مرفوع علامة رفعه الضمة المقدرة. رايت أبي، مفعول به منصوب وعلامه نصبه الفتحة المقدرة. مررت بابي، أبي اسم مجرور بالباء وعلامه جره الكسرة المقدرة.
هل لهذا شواهد في كتاب الله تعالى؟ نعم، منه قال: ﴿قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي﴾ [يوسف: 90]. أنا يوسف وهذا أخي، هذا مبتدأ، أخي خبر. قال نعم، أخي هذا من الأسماء الستة؛ لأنه مفرد ومكبر ومضاف، أقول لك: لا، نسيت شيئا، وهو أنه مضاف لياء المتكلم، يلزم أن يكون مضافا لغير ياء المتكلم، طب كيف يعرب؟ وقال هذا مبتدأ، أخي خبر مرفوع وعلامه رفعه الضمة المقدرة.
﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص: 25]. إن أبي، إن أبي اسم إن منصوب وعلامه نصبه الفتحة المقدرة. أن أبي يدعو.
قال: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي﴾ [الأعراف: 151]. ولاخي، حرف جر، أخي اسم مجرور باللام وعلامه جره الكسرة المقدرة. بعضهم ينازع يقول طالما أن الكسرة موجودة، قل بالكسره، خلاص، بالكسرة الموجودة، لا، هذه الكسرة هي كسرة المناسبة التي جيء بها لأجل الياء، أخي؛ فالياء التي هي ياء المتكلم تستدعي انكسار ما قبلها كما سبق.
طيب، قال واستغنيت عن اشتراط هذه الشروط لكوني لفظت بها مفردا مكبرا مضافا الى غير ياء المتكلم؛ يعني سيقول له قائل: طالما أن الموضوع هكذا، وفيها هذه الشروط، لماذا ذكرتها أنت في سطرين في الأصل، قلت: إلا الأسماء الستة، وهي أبوه وأخوه وحموها وهنوه وفوه وذو مال، فترفع بالواو، وتنصب بالالف، وتجر بالياء؛ لماذا لم تذكر إلا لابد أن تكون كذا وكذا وكذا؟
قال: أنا ذكرتها هكذا، أنا قلت أبوه، لفظت بها هكذا أبوه، هذا هذه مفردة ومكبرة ومضافة للهاء، يعني مضافة لغير ياء المتكلم؛ فلم احتج إلى هذه الشروط، وإنما الشروط تعرف في الشرح.
طيب، هل بقيت شروط أخرى؟ نعم، قالوا: كلمة ذو، كلمة ذو لابد أن تكون بمعنى صاحب، وأن تضاف إلى اسم جنس ظاهر. لابد أن تكون بمعنى صاحب؛ لماذا؟ لأنها في بعض الأحيان في بعض اللغات -كلغة طيء- تكون بمعنى الذي، لكن هذا له شواهد في لغتهم وهو قليل، لكن الغالب أنها تكون بمعنى صاحب، فلا.
بد أن تكون بهذا المعنى، فإن كانت بمعنى الذي فلا تدخل في هذا الباب. وكذلك أن تضاف إلى اسم جنس ظاهر، لأجل هذا قال: هو ذو مال. قلت لكم ثواني لماذا قال: أبوه، أخوه، حموها، هنوه، فوه، ذو مال، ما قالش ذوه؟ لأنها لا تضاف إلى الضمير إلا في نادر من الكلام لا يقاس عليه.
وكذلك لا تضاف مثلاً إلى علم، ليقال هذا ذو محمد، يعني صاحب محمد، صاحب محمد أيضاً، إلا في قليل من الكلام. فلابد أن تكون بمعنى صاحب، وأن تضاف إلى اسم جنس ظاهر كالمال والعلم والفضل والخير إلى آخره. هذا شرط في هذه الكلمة وحدها ولم يذكره. وكذلك قول فوه هي أصلها كلمة فم، كما قال الإامم ابن مالك: والفم حيث الميم منه. فكلمة فم لابد أن تحذف منها الميم حتى تصير كما ذكرها هنا فوه، هذا أيضاً شرط.
ما الشواهد وما الأمثله على هذه الأشياء في كتاب الله تبارك وتعالى حتى يختم بها الدرس إن شاء الله تعالى؟ فهذه الأمثله في كتاب الله تعالى كثيرة، ولكن قبل أن أذكر هذه الأمثله لابد أن تعرف أنه لم يرد في كتاب الله تعالى من هذه الأسماء الستة إلا أربعة فقط. لم يرد منها في كتاب الله تعالى إلا أربعة فقط وهي: أب، وأخ، وذو، وفم -فو-. هذه أربعة وردت في كتاب الله تبارك وتعالى.
أما كلمة هن فليست فليس لها ذكر في القرآن. وكذلك كلمة حم، وكلمة هن هذا ورد في بعض الأحاديث، وإن كان ورودها في الأحاديث يعني في كثير منها لم يأتِ على هذه اللغة، إنما جاء على لغة أخرى، ففيها لغة أخرى فجاء على اللغات الأخرى، إنما هذه الأربعة التي وردت في كتاب الله تبارك وتعالى. وكلمة هل سياتي كلام فيها، هو أن بعض النحويين لم يعرف فيها هذه اللغة، فلاجل هذا تجد في بعض الكتب الأسماء الخمسه تجدهم يقولون: هذا باب الأسماء الخمسة، لماذا؟ لأنهم قالوا هي خمسة. فهي أب، وأخ، وحم، وفم، وذو. لكن يقولون: المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، ومن علم حجة على من لم يعلم.
أذكر بعض الأمثله لهذه الكلمات وهي أب، وأخ، وذو، وفم أو فو. ذكرت لكم الآية التي تجمع الإعراب قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [يوسف: 8]. وأعربت لكم هذه الكلمات في حال رفعها وفي حال نصبها وفي حال جرها منه.
كذلك قال: ﴿مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [القصص: 23]. وأبونا شيخ كبير. أبونا هنا مبتدأ، هذه جملة جديدة، وأبونا الواو عاطفة، أبونا مبتدأ، شيخ خبره، كبير نعت. طيب، كيف أعرب هذا المبتدأ؟ أقول: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الستة، والضمير نا هذا ضمير مبني على السكون في محل جر لأنه مضاف إليه. طيب، كيف تبين لي أنه جمع الشروط؟ قل: أبونا هي الآن هذه المرأة تتكلم عن أبيها وحدها، لا يتكلم عن مجموعة من الآباء مثلاً من العائلة أو من القبيلة، لا، وأبونا لا تتكلم عن أبيها وأمها أبوانا لا، لما تتكلم عن أبيها وحدها فمفرده مكبرة، يعني ليس مصغرة، ليس أبينة مثلاً هذا ليس موجود، أبونا فمفرد ومكبر ومضاف. أبونا، نا هذه مضاف إليه كما أعربتها لكم، فهنا مضاف. طب هل هو مضاف لياء المتكلم؟ لا، ليس مضافا لياء المتكلم، إنما مضاف لضمير نا، فاذا كان مضافا لأي شيء غير ياء المتكلم فهو فيه هذا الإعراب. لما جاءت في الآية الأخرى: ﴿قَالَت إنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [القصص: 25] لم تدخل في هذا كما سبق، لكن هنا وأبونا جمع الشروط كلها. هو مفرد مكبر مضاف والاضافة لغير ياء المتكلم هو مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو.
ومثله: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَن تُفَنِّدُونِ﴾ [يوسف: 94]. قال أبوهم، قال فعل، أبوهم فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لانه من الأسماء الستة، فهو مفرد مكبر مضاف للضمير هم، ليس يياء المتكلم، فجمع الشروط كلها.
في هذه الكلمة وكذلك: ﴿ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ﴾ [يوسف: 81]. ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا، الأول مجرور والثاني منصوب. ارجعوا إلى أبيكم، إلى حرف جر، أبيكم اسم مجرور بإلى وعلامة جره الياء. فقولوا يا أبانا، يا حرف نداء، أبانا منادى منصوب وعلامة نصبه الالف. يبقى أبيكم وأبانا كل منهما مفرد مكبر مضاف لغير ياء المتكلم، أبيكم مضاف إلى الكاف، أبانا مضاف إلى نا، ليس شيء منهما مضافا إلى ياء المتكلم، فقد جمع الشروط جميعاً.
والكلمة الثانية كلمة أخ أيضاً وردت في كتاب الله تعالى في الآية التي ذكرتها لكم أولاً: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ [يوسف: 8]. وأخوه معطوف مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الستة.
وكذلك قال: ﴿هَلْ عَلِمْتُم مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ﴾ [يوسف: 89]. بيوسف جار ومجرور، والواو عاطفة، أخيهم معطوف على المجرور. هذا معطوف على المجرور، والمعطوف على المجرور مجرور أيضاً، وعلامة جره الياء لأنه من الأسماء الستة.
ولما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا. أرسل معنا أخانا، أرسل فعل وفيه فاعل مستتر وجوباً تقديره أنت، أخانا مفعول به. إن شاء الله سياتي الكلام عن الإعراب شيئاً فشيئاً، يعني قد أكون أنا مثلاً أعرب بعض الأشياء التي لم تأتي، إن شاء الله سياتي فيما بعد، أما أعرب لأجل أن أعرب الكلمة التي هي محل الشاهد. أخانا مفعول به منصوب وعلامة نصبه الألف، لماذا؟ لأنه من الأسماء الستة. أين شروطه؟ أرسلنا أخانا هم يريدون أخاً واحداً وهو الذي يقال له بنيامين، فهو واحد مفرد مكبر. أخانا لم يقولوا معنى أخين لا أخانا، أخانا يبقى هذا مكبر، كذلك مضاف، أخانا هذا مضاف ومضاف لغير ياء المتكلم، أخانا مضاف إلى نا ليس مضافا إلى ياء المتكلم، فجمع الشروط كلها، سمعنا أخانا فهو منصوب بالالف.
الكلمة الثالثة هي ذو: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 243]. ذو خبر إن. إن الله، إن حرف توكيد ونصب، اسم الله اسمه منصوب على نصبه الفتحة. اللام اللام المزحلقه سياتي الكلام فيها إن شاء الله تعالى. ذو هذا خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو، لماذا؟ لأنه من الأسماء الستة، مفرد مكبر مضاف لغير المتكلم، بل هو مضاف لاسم جنس ظاهر، لذو فضل.
ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام. ويبقى وجه ربك ذو، وجه فاعل، ذو نعت وصف صفة، وأيضاً مرفوع وعلامة رفعه الواو.
قال الله تعالى: ﴿إِن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ [القلم: 14]. كان واسمها ضمير تقديره هو، ذا خبر كان، وخبر كان يكون منصوباً، وهو منصوب وعلامة نصبه الألف لأنه من الأسماء الستة.
ومثله أيضاً: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ [الكهف: 83]. فآت ذا القربى حقه، آت ذا، لم يقل ذو أو ذي. أيضاً هذا مفعول به. ويا ذا القرنين، هذا منادى، وكل منهما منصوب وعلامة نصبه الألف لأنه مثنى.
ومن يعني هناك ذي مجرورة، كما في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. ويسألونك عن ذي القرنين. وفوق كل ذي، كل مضاف وذي مضاف إليه، مضاف إليه مجرور وعلامة الياء لأنه من الأسماء الستة. ويسألونك عن ذي القرنين، عن حرف جر وذي اسم مجرور بعن وعلامة جره الياء لأنه من الأسماء الستة.
أما كلمة فم أو فو أو ف، هذه أنا لا أعرف لها إلا موضعاً واحداً في كتاب الله تعالى. قد يكون هذا من قلة البحث أو من قلة العلم، لكن هذا هو الموضع الوحيد الذي أعرفه أنها أتت على هذه اللغة. قال الله تبارك وتعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ [الرعد: 14]. ليبلغ فاه، ليبلغ هو أي الماء ليبلغ هو فاه، يعني ليبلغ الماء فاه. فهو يدعو الماء ويريد من هذا الماء أن يصعد إلى فمه ليشرب، فكذلك الذي يدعو غير الله تبارك وتعالى لا يستجيب له هذا المدعو من دون الله، إلا إذا استجاب هذا الماء مثلاً الذي في النهر العذب لصاحبه الذي يدعوه ليصعد إلى فمه ليشرب، هذا لا يكون، لابد أن يذهب هو ليتناول من هذا النهر من هذا من الصنبور من أي شيء لابد أن يتناول هو الماء بأي شيء بيده أو بكوب أو بما أشبه حتى يشرب. أما إذا جلس يناديه صباح مساء فانه لا يصعد إلى فمه ليشرب، فكذلك الذي يدعو غير الله تبارك وتعالى لو جلس يدعوه ليل نهار فإنه لا يستجيب له، فإنه لا يستجيب له.
إذا قال: ﴿لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ [الرعد: 14] يبلغ الماء فاه أي فمه. فاه مفعول به منصوب وعلامة نصبه الألف لأنه من الأسماء الستة، وهو مفرد مكبر مضاف ومضاف لغير ياء المتكلم مضاف للهاء فهو مضاف لغير ياء المتكلم. وكذلك حذفت منه الميم بخلاف ليبلغ فمه لا ليبلغ فاه، والمصنف لم يذكر هذه أو هذا الشرط لأنه لم يأت به أصلاً.
قد يكون هناك شاهد آخر لا يحضرني إلا هذا الشاهد ولا أعلم إلا هذا الشاهد في هذه الكلمة، أما الكلمات الأخرى فلها شواهد أخرى بخلاف الذي الشواهد التي ذكرتها. هذه خلاصه الكلام في هذه الأسماء الستة، وأنها أول باب يخرج من أبواب الإعراب الأصلي إلى باب الإعراب الفرعي، وتخرج في كل حالاتها يعني في حالة الرفع وفي حالة النصب وفي حالة الجر. في حالة الرفع لا ترفع بالضمة، في حالة النصب لا تنصب بالفتحة، وفي حالة الجر لا تجر بالكسرة، مع أن الضمة والفتحة والكسرة هي العلامات الأصلية، إنما ترفع بغير ذلك والواو تنصب بغير الفتحة وهو الألف تجر بغير الكسره وهو الياء.
فهذه الأسماء هي الأسماء الستة: أبوه، أخوه، حموها، هنوه، فوه، ذو مال. والذي ورد منها في كتاب الله تبارك وتعالى الأربعة التي سمعتم: أب، وأخ، وحم، وفوه، بشواهدها التي كانت لكم. ولابد من معرفة شروطها: لابد أن تكون مفرده مكبرة مضافه، وأن تكون الإضافة لغير ياء المتكلم، وأن تكون كلمة فم بغير الميم، وأن تكون كلمة ذو بمعنى صاحب، وأن تحذف منها نعم أن تكون بمعنى صاحب وأن تضاف إلى اسم جنس ظاهر. وبقي في هذا الباب كلام يسير إن شاء الله تبارك وتعالى أبدأ به الدرس القادم.
هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق