تسجيل الدخول

الدرس 9

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

وقد سبق الكلام في الكلمة وتعريفها وبيان أقسامها وانقسامها إلى اسم وفعل وحرف، وذكر بعض علامات الأسماء وبعض علامات الأفعال بعد تقسيم الأفعال إلى ماض ومضارع وأمر، وذكر أن الحرف ليست له علامة. وكذلك سبق بيان انقسام الاسم إلى معرب ومبني، وانقسام المضارع كذلك إلى معرب ومبني، وأن الأمر مبني دائماً على الصحيح، وأن الماضي والحرف مبنيان دائماً.

ثم كان الكلام بعد ذلك عن الإعراب وتعريفه، وعلاماته الأصلية والفرعية، وبيان أبواب الإعراب الفرعية السبعة، وهي: الأسماء الستة، والمثنى، وجمع المذكر السالم، وما جمع بألف وتاء زائادتين أو ما يسمى بجمع المؤنث السالم، وما لا ينصرف؛ فهذه خمسة أبواب في الأسماء، وبابان في الأفعال هما الأمثلة الأربعة والفعل المضارع المعتل الآخر؛ فهذه أبواب الإعراب الفرعي السبعة. ثم كان الكلام بعد ذلك في أبواب الإعراب التقديري الخسة، وهي ثلاثة أبواب في الأسماء وبابان في الأفعال؛ فهذه الأربعة الأبواب هي: الاسم المقصور، والاسم المنقوص، والاسم المضاف إلى ياء المتكلم، وهذان البابان هما الفعل المضارع المعتل الآخر بالالف هذا باب، والثاني الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء.

ثم بدأ المصنف بعد ذلك كلاماً جديداً فصلاً جديداً في إعراب الفعل المضارع بعد أن أنهى الكلام عن حالتي بنائه، فقد سبق أن الفعل المضارع يبنى في حالتين اثنتين: فيبنى على السكون مع نون النسوة، ويبنى على الفتح مع نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة. ثم تكلم المصنف إجمالاً أنه ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، وأنه يرفع إذا تجرد من الناصب والجازم، ثم إنه الآن يفصل هذا الإجمال.

قال رحمه الله تعالى: فصل يرفع المضارع خالياً من ناصب وجازم نحو يقوم زيد. هذا الذي ذكره في الأصل في متن الكتاب، ثم قال هنا في الشرح: قال اجمع النحويون على أن الفعل المضارع إذا تجرد من الناصب والجازم كان مرفوعاً، هذا إجماع من النحويين. واضبط لسانك عندما تقول: اجمع النحويون أو قال النحويون أو هذا رأي النحويين، بأن تسكن الحاء؛ فقد تسمعها كثيراً النحويين بفتح الحاء، وإنما الجادة أن يقال النحويون، هذا هو الأصل أنه نسبة إلى النحو، والأصل في النسبة أن الكلمة لا تتغير نعم قد تتغير أحياناً ولكنه يقصر على السماع، والأصل أن يقال في النحو بالنسبة إلى النحو هذا نحوي، في الصرف هذا صرفي، في الفقه هذا فقهي، وهكذا تذكر متى ما كانت، فاحذر من قولك النحويين.

فيقول: اجمع النحويون هنا على أن الفعل المضارع إذا تجرد من الناصب والجازم كان مرفوعاً، هذا إجماع منهم أنه إذا لم يكن قبله ناصب ولا جازم فانه مرفوع، بمعنى أنه إذا لم يكن قبله شيء أصلاً فإنه يكون مرفوعاً، أو إذا كان قبله شيء ولكن ليس من المنصوبات وليس من النواصب وليس من الجوازم فإنه أيضاً يكون مرفوعاً. هذا عندهم يعني أنه يكون مرفوعاً إذا لم يسبقه شيء أصلاً، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ﴾ [ق: 30]، نقول هذا لم يسبقه لم تسبقه أداة لا للنصب ولا للجزم ولا لغير ذلك من الأدوات التي تعمل كما سبقته، سبقه اسم هذا لا يعمل يوم.

وكذلك إذا سبق بشيء ليس من النواصب ولا الجوازم، كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الْسُفَهَاءُ﴾ [البقرة: 142]، فيقول هنا سبقت بالسين، والسين ليس من النواصب ولا الجوازم، فيقولون هنا هذا الفعل مرفوع، فهو عندهم مرفوع باتفاق. لكن اختلفوا في شيء: ما سبب رفعه؟ هناك من العلماء دائماً يبحث في مثل هذا، وهناك من لا يحب البحث في مثل هذا، ما أقول هذا ورد عن العرب فنكتفي بما جاء عن العرب، تكلم المصنف عن ذلك: ما سبب رفع هذا المضارع؟ قال كقولك يقوم زيد ويقعد عمرو، وإنما اختلفوا في تحقيق الرافع له ما هو؟ ما الذي سبب رفعه؟ ما الذي جعله مرفوعاً؟

وقال الفراء وأصحابه: رافعه نفس تجرده من الناصب والجازم. وقال الكسائي: حروف المضارعة. وقال ثعلب: مضارعته للاسم. وقال البصريون: حلوله محل الاسم. قالوا: ولهذا إذا دخل عليه نحو إن ولن ولم ولما لم يرفعه، لأن الاسم لا يقع بعدها فليس حينئذ حالاً محل الاسم. فذكر أربعة أقوال في سبب رفع هذا المضارع أو في سبب رفع المضارع إذا لم يسبقه نصب ولا جازم؛ فالقول الأول هو المشهور ونسبه إلى الفراء وأصحابه من الكوفيين، قال رافعه نفس تجرده من الناصب والجازم، وهذا هو الذي يجري على ألسنة المعربين كما سياتي في كلام المصنف عليه رحمة الله، يقولون هذا فعل مضارع مرفوع لماذا؟ لتجرده من جازم وناصب، هم أسسوا أنه إذا سبقه ناصب نصب وأنه إذا سبقه جازم جزم وإذا تجرد منهما رفع، هذا هو السهل الميسور الموافق لكلام العرب، ولم يأتينا عن العرب تعليل لمثل هذا، هو سهل يسير موافق لكلام المعربين موافق لكلام العرب لا يحتاج إلى تعليل، لأجل هذا تجده مشهوراً.

وقال الكسائي: والإمام الكسائي عليه رحمة الله هو أبو الحسن علي بن حمزة الأسدي الكوفي مولاه، وهو إمام في القراءة والنحو، إمام له قراءة قراءة معروفة فهو أحد القراء السبعة، هو أحد قراء الكوفة الثلاثة وأحد القراء العشرة وأحد قراء الكوفة الأربعة، فإذا عد السبعة فهو واحد من السبعة وواحد من الثلاثة الكوفيين، وإذا عد العشرة هو واحد من العشرة وهو واحد من الأربعة الكوفيين، وإمام في القراءة له قراءة مشهورة متواترة، وكذلك هو إمام في النحو واللغة وقد توفي سنة تسع وثمانين ومائة، هو من الأئمة الكبار يقولون إنه يعني رأس أئمة الكوفة، فقال الكسائي: حروف المضارعة، فحروف المضارعة عند الكسائي عليه رحمة الله هي سبب رفع المضارع، حروف المضارعة هي حروف أيت أو أنيت أو ناتي، هذه الحروف التي تأتي في أوله هي سبب رفعه، وسيعترض المصنف على هذا.

وقال ثعلب: مضارعته للاسم. وثعلب إمام كوفي أيضاً هو أبو العباس أحمد بن يحيى البغدادي إمام الكوفة عليه رحمة الله، توفى سنة إحدى وتسعين ومائتين. هذا قول ثالث، قال سبب رفعه مضارعته للاسم، قال بعض العلماء: فالفعل لمضارعته الاسم فاز بالإعراب، قد يقول قائل: الفعل بسبب مضارعته الفعل المضارع بسبب مضارعته للاسم هذا سبباً في إعرابه لكن لا يقال هو سبب في رفعه، ويعترض المصنف على هذا أيضاً.

وقال البصريون: حلوله محل الاسم. لأنه يحل في بعض المواضع محل الاسم، فيقع خبراً وحالاً وصفة إلى آخره، فيحل محل الاسم، قال لأجل هذا رفع، استدلوا على قولهم قالوا: ولهذا إذا دخل عليه نحو أن ولن ولم ولما امتنع رفعه، امتنع رفعه لماذا؟ لأن الاسم لا يقع بعد أن ولا بعد لن ولا بعد لم ولا بعد لما، فهو إذاً ليس حالاً محل الاسم. هذه تعليلات لأهل العلم.

قال رحمه الله عليه: وأصح الاقوال الأول وهو الذي يجري على ألسنة المعربين: مرفوع لتجرده من الناصب والجازم. فصحح قول الفراء بأن تجرده من الناصب والجازم هو سبب رفعه مرفوع لتجرده من الناصب والجازم دون تعليل آخر. ثم أفسد الأقوال الأخرى قال: ويفسد قول الكسائي إن جزء الشيء لا يعمل، يقول: رافعه أحرف المضارعة، فأحرف المضارعة هذه جزء منه، جزء الشيء لا يعمل فيه، إنما يعمل فيه شيء خارج عنه. وقول ثعلب أي يفسد قول ثعلب يجعله فاسداً أن المضارعة إنما اقتضت إعرابه من حيث الجمله، يعني أن مضارعته للاسم اقتضت إعرابه من حيث الجملة فالاسم معرب، والمضارع يضارع الاسم فيعرب الاسم، لكن لا يلزم أنه يرفع، لا الرافع النصب والجزم إلى شيء آخر، ثم يحتاج كل نوع من أنواع الإعراب إلى عامل يقتضيه. قال: ثم يلزم على المذهبين أن يكون المضارع مرفوعاً دائماً ولا قائل به، لأن أحرف المضارعة لا تنفك عن المضارع، وكذلك مضارعته للاسم لا تنفك عنه، فإذا كان مرفوعاً بسبب شيء من هذا فهو مرفوع دائماً لأنه في كل حين مضارع للاسم وفي كل حين فيه أحرف مضارعة، ولا يقول أحد إن المضارع مرفوع دائماً إذاً لابد من شيء آخر، سبب الرفع الشيء الآخر هو تجرده من النصب والجزم.

ويرد قول البصريين ارتفاعه في نحو هلا يقوم لأن الاسم لا يقع بعد حروف التحضيض، قالوا: حلوله محل الاسم، فرد عليهم بأن الفعل المضارع فعلاً والاسم لا يأتي بعد هل، فلماذا ارتفع؟ أنتم تقولون هو لم يرتفع بعد أن لأنه لا يقع الاسم بعد أن، لم يرتفع بعد لم لأنه لا يقع الاسم بعد لم، فيقال أيضاً ارتفع معنى الاسم لا ياتي بعد ارتفع بعد السين وسوف: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: 142] وسوف يعلمون حين يرون العذاب، معنى الاسم تقع بعد السين وسوف، إذاً فهذا أيضاً مفسد لقوله.

بقي أن أذكر أمثلة أخرى على الفعل المضارع كي يكون مرفوعاً لتجرده من الناصب والجازم قبل أن يدخل المضارع، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوُا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 227]. هنا في هذه الآية فعلان مضارعان مرفوعان، وكما ستقول لابد أن تؤسس على ما بنيت فهذا مرفوع فسترجع لعلامات الرفع، ما علامات الرفع التي يمكن أنها هنا؟ علامات الرفع أولاً أربعة: الضمة والواو والألف وثبوت النون، ما الذي يكونها هنا؟ الضمة وثبوت النون، أما الواو والألف فلا مدخل لهما في الفعل المضارع، فستجد الفعل المضارع مرفوعاً بضمة ظاهرة أو بضمة مقدرة كما درست في الإعراب التقديري، أو بثبوت النون كما في الأمثلة الخمسة.

إذاً في هذه الآية: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوُا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ فيها فعلان مضارعان، الأول هو يعلم وهذا فعل مضارع مرفوع، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وسيعلم لماذا رفع؟ لتجرده من الناصب والجازم، ليس قبله ناصب ولا جازم قبله السين، والسين ليست من النواصب ولا الجوازم، والفعل ينقلبون أي فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون ينقلبون، النون التي في آخره هي علامة رفعه، والواو التي قبل الآخر هي الفاعل وسياتي إعراب الضمير بالتفصيل إن شاء الله تعالى.

قال تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَىٰ﴾ [الضحى: 5]، ولسوف يعطيك، يعطيك هذا فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، قبله سوف ليست من الناصب ولا الجوازم، يعطيك فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة، علامة رفعه الضمة المقدرة على الياء الفعل هو، الكاف مفعول به مقدم، ربك فاعل فالفعل هو يعطي فعل مضارع مرفوع، طب أين علامة رفعه؟ علامة رفعه مقدرة لماذا؟ كما درستم سابقاً للثقل، فالضمة ثقيلة على الياء يصح في غير كتاب الله تعالى أن تقول يعطي، لكنها أصح وأثقل من، إذاً فهذا فعل مضارع مرفوع لتجرده الناصب والجازم وعلامة رفعه الضمة المقدرة للثقل. ولسوف يعطيك ربك فترضى، ترضى هذا أيضاً فعل مضارع مرفوع بتجرده من الناصب والجازم وعلامة رفعه الضمة المقدرة للتعذر، للتعذر لماذا؟ للتعذر للاستحاله لأنه لا يمكنك أن تنطق بضمة على هذه الألف الآخرة التي تكتب ياء وتنطق ألفاً.

مثال ذلك أيضاً قول الله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 18]. وفي الآية أيضاً مضارع: قد يعلم، يعلم فعل مضارع مرفوع قبله قد، وقد هذه ليست من النواصب ولا الجوازم، كيف أعرف النواصب والجوازم؟ قل سياتي بإذن الله تعالى ذكر النواصب كلها وذكر الجوازم، ذكر النواصب كلها وذكر الجوازم كلها سياتي شيء من في هذا الدرس وفيما تلاه من دروس إن شاء الله تعالى، فستعرف النواصب وستعرف الجوازم، ستعرف النواصب التي تنصب المضارع والجوازم التي تجزم المضارع، بعد ذلك أن تعرف أن المضارع متجرد من النصب والجازم.

قد يعلم، يعلم فعل مضارع مرفوع لتجرده من الواصل والجازم وعلامة رفعه الضمة الظاهرة يعلم. ولا يأتون البأس إلا قليلاً، يأتوا هذا فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم ولا التي قبله لا يأتون البأس هذه لا النافية، ولا النافية ليست من النواصب ولا الجوازم، سياتي أن لا الناهية هي من الجوازم أما لا النافية فليست من النواصب ولا الجوازم، فهذا فعل مرفوع لتجرده من الناصب والجازم وعلامة رفعه ثبوت. ولا يأتون، فالواو واو الفاعل، نون علامة رفع فعل مضارع مرفوع بثبوت النون.

وفي الحديث: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين». يرفع ويضع هذان فعلان مضارعان مرفوعان بالضمة الظاهرة.

وأمثال ذلك كثير جداً، قال رحمه الله تعالى: صاد ما سبق، الأصل اصل كتاب هو كتاب قطر الندى وبل الصدا، هذه مقدمة وهو متن يسير في علم النحو، ثم شرحه في هذا المجلد، وصاد إلى الأصل المتن وشين شين إلى الشرح الذي بين أيديكم، قال: وينصب بلن نحو لن نبرح، سبق أن قلت في مثل هذا أن تقول نحو ونحو، وينصب بلن أي ينصب المضارع بلن ذلك نحو لن نبرح، ينصب المضارع أعني نحو لن نبرح أو حاله نحو لن نبرح، فالنصب عن.

وينصب بلن نحو لن نبرح، طبعا لن نبرح هنا يشير إلى الآية سياتي الكلام إن شاء الله. قال في الشرح: لما انقضى الكلام على الحالة التي يرفع فيها المضارع ثنينا بالكلام على الحالة التي ينصب فيها، وقوله ثنينا يريد به نفسه يعني يجوز أن يقول ثنيت بكذا أو ثنى بكذا ويخبر عن نفسه بضمير الغائب لا باس به، وأمثلته كثيره جداً، قال الله تعالى عن نفسه في كثير من المواضع به هو يحيي ويميت واليه ترجعون، هو الله الذي لا اله الا هو عالم الغيب والشهادة، قال لموسى إنني أنا الله لا اله الا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري، تكلم عن نفسي بالخطاب وكلم عن نفسي بالغيبة، فهذا جائز سائغ في العربية، فسويق يقول لما انقضى الكلام عن كذا ثنيت بالكلام عن كذا أو ثنى ويقصد نفسه ثنى بالكلام على الحالة التي ينصب فيها، فالفعل المضارع إما أن يكون مرفوعاً أو منصوباً أو مجزوماً، فانتهى الكلام عن الرفع.

تكلم عن النصب؛ قال: وذلك إذا دخل عليه حرف من حروف أربعة، وهي لن وكي وإذا وأن.

الأحرف الأربعة التي ذكرها تعمل بنفسها عند الجميع، وسيأتي الكلام في كي، واختلف في غيرها. يعني هو ذكر أربعة أحرف، والذي درس قبلُ يقول: بل نواصب المضارع أكثر من هذا؛ فيقال: نعم، هي أكثر من هذا عند غير البصريين، والمصنف تَبِعَ البصريين فرأى أن هذه الأربعة هي التي تنصب بنفسها، واما إذا نصب المضارع بعد غيرها فهو ليس منصوباً بهذا الذي ذكر، إنما هو منصوب بأن مضمرة جوازاً أو وجوباً.

إنك تجد المضارع منصوباً بعد حتى، وبعد لام التعليل، واللام الزائدة، ولام العاقبة، ولام الجحود، وبعد فاء السببية في بعض الأحيان، وبعد واو المعية في بعض الأحيان، وبعد أو التي بمعنى إلى أو إلا، فهذا هو مجموع ما ينصب المضارع بعده، وكذلك بعض عاطف مسبوق باسم خالص من التقدير بالفعل. هذه هي مجموع ما ينصب المضارع بعده.

ولكن العلماء اختلفوا؛ فقيل: هذا الذي ذكر كله هو نصب للمضارع، فالمضارع نصب بلام التعليل، وبلام العاقبة، وباللام الزائدة، وبواو المعية، وبفاء السببية، وبأو، فمجموع هذا مذهب الكوفيين. البصريون قالوا: لا، هذه الأدوات الأربعة وحدها هي التي ينصب المضارع بعدها نصب مضارع، أما ما ذكر فينصب بأن مضمرة جوازاً بعدها أحياناً ووجوباً بعدها أحياناً كما سياتي تفصيل هذا قريبا إن شاء الله تعالى.

هو ذكر هذه الأربعة وهي لن وكي وإذا وأن لأنها تنصب بنفسها عند الجميع. قال وبدأ —يعني نفسه أيضاً— وبدأ بالكلام على لن أنها ملازمة للنصب بخلاف البواقي، وختم بالكلام على أن لطول الكلام عليها. فبدا بالكلام بلن لأنها ملازمة للنصب، جاء مضارع بعد لن فلن تجده إلا منصوباً، ويكون منصوباً بلن.

لكن يأتي مضارع بعد كي نعم منصوباً، لكن أحياناً يكون بها أو بأن مضمره بعدها على ما سيتكلم عنه المصنف. وأحياناً يأتي المضارع بعد إذا منصوباً وأحياناً يأتي بعدها مرفوعاً لأنها لا تعمل إلا بشروط. وكذلك المضارع يأتي بعد أن منصوباً وأحياناً لا تكون نصبه للمضارع فيأتي بعدها مرفوعاً إذا كانت مفسرة. وكذلك طول الكلام على أن آخرها؛ فمن أجل هذا قال: بدأ بالكلام على لن لأنها ملازمة للنصب؛ فلا بد أن يكون المضارع بعدها منصوباً وأن يكون منصوباً بها بخلاف البواقي، فلكل سبب للتاخير.

وسبب تاخير الكلام على أن طول الكلام عليها؛ فهي تعمل ظاهرة، ومضمرة جوازاً، ومضمرة وجوباً، هذا الكلام الطويل سبب تأخيره. ثم قال عن سيتكلم عنها شيئاً شيئاً وعنها حرفاً حرفاً: قال ولن حرف يفيد النفي والاستقبال بالاتفاق، ولا يقتضي تأبيداً خلافا للزمخشري في نموذجه، ولا تأكيداً خلافا له في كشافه.

يعني أن لن تفيد النفي؛ تفيد نفي الذي بعدها، المضارع الذي بعده يكون منفياً: ﴿قَالَ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَن أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الجن: 22]. نفي لما بعده وللاستقبال، يعني لن لا تكون للماضي وتكون للاستقبال هذا باتفاق. ثم هل تقتضي شيئاً زائداً؟ هل تقتضي شيئاً زائداً؟ قال ولا يقتضي —يعني لا يقتضي هذا الحرف، ويصح أن يقال ولا تقتضي، لو وجدت هذا فلا باس— يعني لا تقتضي هذه الكلمة ولا يقتضي تأبيداً خلافا للزمخشري في أنموذجه ولا تأكيداً خلافا له في كشافه.

ذكر قولي للزمخشري رحمه الله عليه وهو إمام من أئمة التفسير، العَلم، توفي سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، ومعروف باعتزاله، فيؤخذ منه كثير من العلم في أبواب النحو واللغة، ويتقى ما عنده من اعتزال. وله تفسير مشهور الكشاف، وإمام مشهور معروف كان يعتزل باعتزاله، وكان يضعه في تفسير يقولون حتى يستخرج بالمِنقاش، يصعب على كثير من الناس أن يستخرج ما أراد من الاعتزال فيُدَسّ اعتزال دساً، كيف يتقى ما هنالك؟

اختار في مرة أنها تقتضي التأبيد، ومرة أنها تقتضي التأكيد، وكانه أراد بذلك ما ذكر أهل العلم عنه، غيره الاستدلال على أن الله تبارك وتعالى لا يُرى أبداً، لماذا؟ لأن الله تبارك وتعالى لما طلب منه موسى عليه السلام أن يراه قال: ﴿رَأَنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]، قال لن تراني. هو يريد أن يستدل بهذا المعنى اللغوي إلى أن الله لا يرى أبداً، فأسس لمعتقدية عنده؛ هو لا يستدل كغيره، لا يستدلون بالقران إنما هناك معان أولية سبقت عندهم وثبتت في أذهانهم وعقولهم سموها قطعيات، ثم جاؤوا إلى القرآن ليستدلوا به فيما راوا أنه يستدل به لهم، وليدفَعوا عنه أو ليدفعوا المعارضة في القرآن عما ذهبوا إليه من أصولهم، القرآن عندهم كأنه تابع ليس هادياً يهدي وإنما هو يأتي بعد ما استقر في هذه المسائل العقدية، خلاصة أن لن ليس معناها التأبيد، بل معنى أنها لا تراني، ثم إن الله تبارك وتعالى علق رؤيته على شيء ممكن انقلب: ﴿وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143].

ثم إن الله تبارك وتعالى بين رؤيته في مواضع أخرى فقال الله تبارك وتعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22-23]، وهذا هو القول الصحيح، إلى ربها تنظر إلى وجه ربها تبارك وتعالى، وناظرة من النظر ليس من الانتظار، وإلى حرف جر وليس مفعولاً به كما ذهب إليه بعضهم وحرف الآية تحريفاً عظيماً، إنما وجوه ناظرة إلى ربها ناظرة، وكذلك القول في قول الله تعالى: ﴿لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26] الزيادة نظر إلى وجه الله الكريم كما جاء في قول السلف. وبعضهم أيضاً يفسرون ولدينا مزيد بهذا، وقد قال الله تبارك وتعالى عن الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: 15]، فلو كان المؤمنون يحجبون عن ربهم تبارك وتعالى فما فضل المشركين الجاحدين في ذلك؟ إذا قيل إن الكفار محجوبون عن ربهم فيقول هذا المعتزلي إن المؤمنين أيضاً محجوبون عن ربهم، لماذا إذاً يذكر هذا في ذم المشركين؟ إذاً هذه من الآيات أيضاً التي يستدل بمفهومها على رؤية المؤمنين، هؤلاء المشركون محجوبون فالمؤمنون يرون ربهم، ثم إنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة بما لا يدع مجالاً للشك أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة، كما ثبت في حديث أبي سعيد وأبي هريرة وحديث أبي موسى إلى آخر تلك الأحاديث: «أنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر»، «أترون الشمس ليس دونها سحاب»، حديث أبي موسى كذلك: جنتان ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى وجه ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه. وكذلك حديث لما يسال الله تبارك وتعالى المؤمنين ماذا يريدون؟ قال فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى وجهه، استطراد يعني إليه كلام الزمخشري عليه رحمه الله غفر الله لنا.

قال: بل قولك لن أقوم محتمل أن تريد بذلك أنك لا تقوم أبداً، وأنك لا تقوم في بعض الأزمنة المستقبلة، في بعض أزمنة المستقبل، وهو موافق لقولك لا أقوم في عدم إفادة التأكيد؛ فمعنى ذلك أنه قد تفيد لنا التأبيد، نعم، قد تفيده من دليل خارج، ليس أنها في كل موضع تفيد التأكيد ولا التأبيد، إنما قد تفيد التأكيد أو التأبيد بدليل آخر. قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: 24] الكذبين فان لم تفعلوا —يعني تاتوا بكتاب مثل هذا، لأن في أول الآيات وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهدائكم من دون الله إن كنتم صادقين— فان لم تفعلوا سورة من مثل هذا القرآن، وقيل أي مثل محمد صلى الله عليه وسلم مثله، والأول أشهر، فان لم تستطيعوا ذلك فان لم تفعلوا ولن تفعلوا، هنا لن تفعلوا هذا للتأبيد، لكن ليس لأجل لن، لو قال لا تفعلون لكان أيضاً للتأبيد، الاستدلال هنا على التأبيد من دليل خارج أن هذا خارج عن طاعة البشر، قل فأتوا بسورة مثله، قل فأتوا بعشر سور مثله مفترض، قل إن اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله، فهم لا يستطيعون أن يأتوا بمثله ولا بمثله عشر سور ولا بمثله سورة، التأبيد لمعنى آخر.

قال الله تبارك وتعالى أيضاً: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوْ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: 73]، هنا تأبيد ولكن ليس لأجل لن، إنما لأجل أنهم لا يستطيعون ذلك، وهذا معروف، الله تبارك وتعالى هو الخالق وما سواه مخلوق، فلا يستطيع أحد ولا يستطيع البشر كلهم أن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له. التأبيد لشيء خالد دليل أن الله تبارك وتعالى قال بغير لن: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [النحل: 20] لا يخلقون، فهذا أيضاً للتأبيد أنهم لا يخلقون ولا يستطيعون أن يخلقوا، فهي لا تفيد.

ثم قال بعد ذلك: ولا تقع لن للدعاء خلافا لابن السراج، وسبق ترجمة للسراج توفي سنة ثلاثمائة وعشر، ولا حجة له فيما استدل به من قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: 17] مدعياً أن معناه فجعلني لا أكون، لإمكان حملها على النفي المحض ويكون ذلك معاهدة منه لله سبحانه وتعالى ظاهراً مبرمجاً جزاء لتلك النعمة التي أنعم بها إليه، انتهى الكلام الذي يريده.

وهنا يذهب إلى شيء آخر ليخطئه كما خطأ الزمخشري؛ قال بعض العلماء يقول: لن تكون أحياناً للدعاء، أحياناً تكون للدعاء، ما دليل ذلك؟ قال: يقول ابن السراج قال الله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾، هذا قاله موسى عليه السلام لما قتل الرجل من آل فرعون، فكان يقول: رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمسلمين، أي فلا تجعلني أكون ظهيراً للمسلمين، فقال لن إذا تفيد الدعاء. استدلوا أيضاً ببعض أبيات الشعر قول القائل: لن تزالوا كذلك ثم لا زلت لكم خالداً خلود الباب لن تزالوا كذلك ما فيه دعاء. الإمام هنا يرى أن ليس كذلك، إنما المعنى: رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين بسبب أنعامك علي، فانا لن تكون مني مظاهرة للمجرمين بعد ذلك، أن تكون مني معاونة للظالمين فيما بعد، أخطأ ثعلب في هذا: لن أستخدم أنعامك علي في مبارزين، فهي معاهدة ليس فيها دعاء، هذه خلاصة الكلام.

ثم قال بعد ذلك: ولا هي مركبة من لا فأحرفت الهمزة تخفيفاً والالف لالتقاء الساكنين خلافا للخليل. والخليل هو الخليل أحمد الفراهيدي إمام البصري الكبير، واحد من أذكياء العالم، متوفى سنة سبعين ومائة، وكان يضرب به المثل في إفزازة عقله عليه رحمه الله مع زهد وورع وديانة، وتوفي سنة سبعين ومائة.

فمما ذهب إليه الخليل وخطأه المصنف في هذا أن لن قال أصلها لا أن، طب كيف يعني بقيت لن؟ قال: هي لا أن، فلما كثر استعمالها حذفت الهمزة، لا أن هذه الهمزة التي يعني هي لا لام ألف همزة نون حذفت الهمزة فصارا هكذا، ثم فهناك نون ساكنة قبلها ألف ساكنة حذفت الألف الساكنة فصارت لن، وهذا تكلف لا داعي له، لكن ليس معنى تخطئة الخليل في هذا الانتقاص من حقه، إنما هذه مسألة يسيرة أخطأ فيها ونحو كثير ممن جاء بعد الخليل كانوا عيالا عليه في علوم شتى، حتى انه نسب إليه تأليف علم العروض وحده، كان هو قام بهذه الصنعة وحده مستقرئاً شعر العرب قديماً وحديثاً.

قال: ولا أصلها لا، فأبدلت الالف نوناً خلافا للفراء، هذا كما سبق أن صحح أقوال للفراء، هنا يخطئ الفراء، هذا معروف بين أهل العلم لا إشكال فيه، فالفراء يذهب إلى أن لا هي أصل لن ثم قلبت نوناً من لا إلى لن، هذا أيضاً لا دليل عليه.

بقي شيء قبل أن ننتقل إلى النصب، المصنف تكلم هذا الكلام الكثير وذكر مثالاً واحداً للنصب بلن في معرض كلامه في آية القصص: ﴿لَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: 17] لن حرف نفي واستقبال، أكون فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، فما سبق ستعرب الحرف الذي ينصب وستعرب الفعل المنصوب بعد ذلك، الفعل المنصوب الذي يكون بعد ذلك على ما سبق بنيانه قبل ذلك كيف يكون منصوباً؟ سترجع إلى علامات النصب التي دروقتها قبل ذلك، فعلامات النصب خمسة، الفتحة والكسرة والالف والياء وحذف النون.

ما الذي يدخل هنا؟ تدخل هنا في الفعل الفتحة وحذف النون فقط، أما الألف والكسرة والياء فلا مدخل لها، فالفعل إما أن تجده منصوباً بأن منصوباً بفتحة ظاهرة أو بفتحة مقدرة أو بحذف النون، لن تجد شيئاً ثالثاً، أما أن يكون منصوباً بفتحة ظاهرة أو بفتحة مقدرة أو بحذف النون.

وقد ذكر المصنف إشارة إلى آية أخرى في الأصل عندما قال: وينصب بلن نحو لن نبرح، أشير إلى قول الله تعالى: ﴿قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91] هنا يصح أن نقول إلى قول الله تعالى قالوا لن نبرح لأن لاني ذكرته قالوا، لكن لو قلنا لن نبرح عليه عاكفين كقول قوم موسى لهارون عليه السلام لن نبرح عليه حتى يرجع إلينا، هذا فصل ما بينهما، قال نبرح عليه عاكفين لن نبرح، لن حرف نفي واستقبال مبني على السكون لا محل له من الإعراب، هكذا يعرب دائماً وهكذا يقال فيه إذا اردت إعراب إعراب حرف، الحرف نفي واستقبال مبني على السكون لا محل له من الإعراب، نبرح فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه.

الفتحة ظاهرة. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: 26]. أكلم: فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة أيضاً.

قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [البقرة: 120]. فترضى: فعل مضارع منصوب بلن، وعلامة نصبه فتحة مقدرة. لماذا؟ للتعذر، علامة النصب الفتحة المقدرة للتعذر؛ لان هذه الألف التي تكتب ياء وتنطق ألفاً يتعذر نطق الحركة عليها، لا نستطيع أن ننطق بالحركة عليها. فترضى: فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة المقدرة للتعذر.

وكذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143]. تراني: فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة المقدرة للتعذر.

قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: 95]. أي: لن يتمنى اليهود الموت أبداً بسبب ما عملوه، ولأنهم يعلمون يقيناً أنهم خالدون في نار جهنم، وإن قالوا غير ذلك، إن قالوا: ﴿نَمْكُثُ فِيهَا أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ بقدر عبادة أسلاف العجل، وتخلفوننا فيها، وقد قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكذبهم عليه الصلاة والسلام وقال: كذبتم والله لا نخلفكم فيها أبداً. الشاهد هنا: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾. يتمنوه: يتمنوا، هذا فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه حذف النون، وعلامة نصبه حذف النون.

لما جيء بغير لن في الآية الأخرى سورة الجمعة؟ قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: 95]، ولا يتمنونه، هذا فعل مضارع مرفوع لم يسبقه ناصب ولا جازم، الذي سبقته لا، ولا تعمل شيئاً في الفعل، فهو مرفوع بثبوت النون: يتمنونه. هنا ولن يتمنوه في سورة البقرة، مما أدعوكم دائماً إلى التأمل فيه، لماذا جاءت هكذا مرة، وهكذا مرة: يتمنوه، يتمنونه؟ لماذا أنت كدارس للنحو... هنا ثبتت النون لأنه لا ناصب، وهنا حذفت النون لسبقها بالناصب. ولن يتمنوه: يتمنه فعل مضارع منصوب وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأمثلة الأربعة، وهو فعل مضارع وفيه واو الجماعة. ﴿إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ [الكهف: 20]، ولن تفلحوا، تفلحوا: فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة. هذه بعض الأمثلة على فينصب بفتحة ظاهرة، أو فتحة مقدرة، أو بحذف النون.

ثم قال بعد ذلك: وبكي المصدرية، نحو: لكي لا تنسوا. أي ينصب المضارع بلن وبكي، وبكي: أي وينصب المضارع بكي المصدرية، نحو كي لا تذوب، كي المصدرية التي تسبك مع ما بعدها بمصدر. قد ذكرت لكم قبل ذلك أن هناك بعض أحرف تكون مصدرية، تسبك مع ما بعدها بمصدر، يأتي حرف من الأحرف المصدرية ثم يأتي بعد ذلك فعل، هذا الحرف مع هذا الفعل يكونان مصدرا. كما سبق بيانه في ما المصدرية عندما تكلم المصنف عن كونها اسما أو حرفا، ورجح أنها حرف لمن يذكر، عندما ذكر قول الله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]، وذكر قول الشاعر: يسر المرأة ما ذهب الليالي، يعني ودوا عنكم ويسر المرأة ذهاب الليالي، فما مصدرية.

وكذلك كيف تكون مصدرية، وكذلك أن يكون مصدرية وسياتي الكلام عليه بتفصيل إن شاء الله تعالى، وكذلك لو يكون مصدرية، كذلك أن المشددة المفتوحة أن، هذه أحرف هي الأحرف المصدرية المشهورة. هناك أحرف أخرى تكون مصدرية في بعض الأحيان كهمزة التسوية، وبعضهم يزيد على ذلك الذي في بعض الأحيان جعلها أحيانا تكون حرفا مصدريا، وإن كان ذلك خلاف الراجح. فكي المصدرية تأول ما بعدها بمصدر، قال نحو: لكي لا تأسوا.

الناصب الثاني كي، وإنما تكون ناصبة إذا كانت مصدرية بمنزلة أن، وإنما تكون كذلك إذا دخلت عليها اللام لفظاً كقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا﴾ [الحديد: 23]، أو تقديراً، لفظا أو تقديرا نحو جئتك كي تكرمني، إذا قدرت الأصل لكي، وأنك حذفت اللام استغناء عنها بنيتها. ففي الأول: كي لا تأسوا، لكي لا يكون على المؤمنين حرج، اللام موجودة. هو قال في الثاني: إذا قدرت اللام موجودة فحرف جر وكي مصدرية، اللام حرف جر وكي مصدرية، والمعنى جئتك للاكرام، فكي تكرمني: كي حرف وتكرم هذا فعل يسبكان بمصدر، والمصدر من أكرم إكراماً، أصل أكرم يكرم أكرم إكراماً، فالمصدر إكرام أي جئتك للإكرام.

فإذاً اللام حرف وكي مصدرية، فهذا الحرف مقدر، فكي هنا مصدرية فهي العاملة، هذا يعني تأويل كلام لام المصنف. قال: إذا قدرت أن الأصل لكي وأنك حذفت اللام استغناء عنها بنيتها فكانك قلت جئتك لكي تكرم، لكن حذفتها ونويتها، فإن لم تقدر اللام كانت كي حرف جر بمنزلة اللام في الدلالة على التعليل، وكانت أن مضمره بعدها إضمارا لازما.

يعني في هذا المثال جئتك كي تكرمني، ما خلاصه ما يريد أن يقول المصنف؟ يريد أن يقول انك يجوز لك أن تقول كي هي الناصبة للمضارع، ويجوز لك أن تقول أن المضمرة وجوبا هي الناصبة للمضارع، لكن هذا ليس في كل حين؛ إذا قدرت أن المعنى لكي فاللام الجارة محذوفه، فكي إذا هي التي نصبت المضارع لأنها مصدرية. لكن إذا قلت جئتك كي تكرمن، لم تذكر اللام ولم تقدرها، فكيها هو حرف الجر. طيب أين الحرف الذي يسبك مع تكرمني هذه بمصدر؟ قالوا هو أن المحذوفه. هذه خلاصة الكلام، طبعا مثل هذا لم يرد عن العرب، إنما ورد عن العرب ذكر الفعل منصوب بعد كي سواء سبقت باللام أو لم تسبق، فهذا التخريج قد يرتضيه بعضهم وقد لا يرتضيه، إنما هذا الذي ذكرته هو تأويل لكلام المصنف المكتوب أمامك، فقد لا يرتضيه بعضهم. وفي القرآن الكريم جيء بالفعل منصوبا بعد كي بلام وبدون لام، فإذا لم تكن اللام موجودة يصح لك أن تقول كي هي الناصبة للمضارع، والذي يدقق مثل التدقيق ويختار هذا المذهب سيقول لا، إذاً قد كانت اللام مقدرة طبعا، ونحن لا نعلم مقدرة، لا يعني فرضناه: ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقْرَ عَيْنُهَا﴾ [طه: 40]. الظاهر لتقر فيه: فعل مضارع منصوب بكي وعلامة نصب الفتحة الظاهرة. على مذهب المصنف إذا قلت هذا فلابد انك تقدر اللام، يعني لكي، ولكن اللام ولكن مقدرة، إذا لم تقدر اللام فكي حرف جر، وتقر فعل مضارع منصوب بأن مضمره وجوبا، كي هذه هي خلاصة ما يريد أن يذكره.

وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا أَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 23]. لكي لا تأسوا هنا اللام مذكورة ثم كي ثم لا، الفعل تأسوا فعل مضارع منصوب، لكن هو منصوب بأي شيء؟ سبقته ثلاثة أشياء: سبقه اللام، وسبقه كي، وسبقه لا، ما الناصب له؟ الناصب هو كي، أما اللام فهي حرف جر، وأما لا فهي نافية ليس لها عمل في الفعل المضارع. لكي لا تأسوا: الناصب هو كي، وتأسوا فعل مضارع منصوب بكي وعلامة نصبه حذف النون لأنه من الأمثلة الخمسة.

وكذلك: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ [الأحزاب: 37]، لكي لا يكون أيضاً، يكون فعل مضارع منصوب بكي وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.

وكذلك: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْ لَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ [آل عمران: 153]، لكي لا تحزنوا.

كذلك: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70]. في كل هذا لا اشكال، الإشكال في مثل كي تقر عينها وفي مثل كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيراً. ليس إشكالاً في القرآن إشكال في كيفية الإعراب، لك أن تعرب هكذا ولك أن تعرب هكذا: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: 29-34]. نسبح: فعل مضارع منصوب بكي وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، على مذهب المصنف ومن ذهب مذهبه، هنا لابد أن تقول المعنى هو يريد لكي نسبحك لكن حذف اللام. إذا لم يكن ذلك، فعندهم نسبح فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد كي. هذه خلاصة الكلام.

ثم قال بعد ذلك: وبإذن مصدرة، وهو مستقبل متصل أو منفصل بقسم، نحو: إذا أكرمك، وإذا والله نرميهم بحرب. وبإذن: أي وينصب المضارع بإذن مصدرة، يعني حال كونها مصدرة، لا تكون في صدر وهي أي والمضارع مستقبل متصل، مستقبل ليس حالا ليس بمعنى الحال، انما بمعنى الاستقبال، متصل: أي متصل بإذن ليس بينه وبينها شيء، أو منفصل بقسم: فصل عنها بقسم. فالمتصل: إذا أكرمك، والمنفصل بقسم: إذا والله نرميهم بحرب.

ثم قال في الشرح: الناصب الثالث إذا، وهي حرف جواب وجزاء عند سيبويه. وقال الشلوبين: هي كذلك في كل موضع. قال الفارسي: في الأكثر وقد تتمحض للجواب بدليل أنه يقال: أحبك، فتقول: إذا أظنك صادقاً. إذ لا مجازاة بها هنا.

هو يقول: إذا حرف جزاء وجواب. جواب لأنها لا تكون في بداية الكلام، لا أتي أنا في أول الكلام فأقول إذا سافعل كذا وكذا، أو أفعل كذا وكذا، أو إذا أفعل كذا وكذا، بأي سبيل أول الكلام لا يكون هذا برفع المضارع بعدها ولا بنصب المضارع، إذا هذه تقتضي كلاماً قبلها، حرف جواب وجزاء، لابد أن تكون جزاء لكلام سابق، قال كلاماً فانت تجازيه عليه بشيء في المستقبل، فهذا معنى كونها جوابا وجزاء في كل موضع، وقيل بل في الأكثر وقد تتمحض للجواب يعني تكون جوابا فقط دون جزاء في المستقبل.

ثم استدل بأنه يقال أحبك، فيقول القائل لمن قال له أحبك: أقول له إذا أظنك بالرفع، إذا أظنك صادقاً، أي إذا أظنك صادقاً، أي أظنك صادقاً في قولك أحبك، أنا لا أكذبك في هذا، أظنك أظنك الآن، هي ليست للاستقبال إنما هي للحال، ليست للجزاء إنما هي مجرد الجواب، مجرد الجواب عليه، لو قال له مثلا أحبك، قال إذا أكرمك، نعم هنا يجيبه ويجازيه، يجازيه على الحب بالاكرام، أما مجرد التصديق فليس فيه جزاء، إنما هو جواب فقط، قال: إذ لا مجازاة بها.

ما شروطها حتى تنصب؟ قال: وانما تكون ناصبة بثلاثة شروط. وإنما تكون ناصبة بثلاثة شروط، انها ليست في كل موضع تنصب، انما أحيانا تجد بعدها مضارعا مرفوعا، طبعا أحيانا لا يأتي بعدها مضارع، الكلام فيما إذا جاء المضارع بعدها، فإنها لا تنصبه إلا بشروط ثلاثة.

قال: وإنما تكون ناصبة بثلاثة شروط: الأول: أن تكون واقعة في صدر الكلام، فلابد أن تكون في صدر الكلام أي في أوله، ليس قبلها شيء، فلو قلت زيد إذا أقول أكرمه بالرفع. زيد، يعني قال لك قال لك قائل: سيزورك زيد غداً. تقول: زيد إذا أكرمه بالرفع. طيب لو قلت: إذا أكرمه ستكون بالنصب لأنها مصدرة على ما سياتي. كذلك من الشروط الأخرى، لما قلت: زيد إذا أكرمه بالرفع؟ لماذا رفعت ولم تنصب المضارع بإذن؟ لأن إذا ليست مصدرة، إنما سبقت بشيء، فلابد أن تكون مصدرة هذا هو الجواب، الشرط الأول.

الشرط الثاني: أن يكون الفعل بعده مستقبلا، فلو حدثك شخص بحديث فقلت: إذا تصدق، رفعت؛ لأن المراد به الحال، وسبق شبه ذلك في قوله: أحبك إذا أظنك صادقاً. إذا أظنك صادقاً، عندما تقول ذلك لمحدثك الذي قال لك أحبك، لا تقول له إن أظنك صادقاً مثلا بعد ساعة أو غداً، لا، أظنك الآن بقولك هذا الذي سبق منك، أظنك صادقاً فيه، فهذا ليس للاستقبال إنما هو للحال، الفعل المضارع بعدها: إذا تصدق، إذاًك صادق لأن المراد به الحال، فترفع لأن المراد به الحال.

الثالث: ألا يفصل بينهما بفاصل غير القسم، ويجوز غير القسم بفاصل غير القسم، غير نعت وصف لفاصل، طبعا لا يقال هنا غير القسم النعت، كيف يكون النعت معرفة والمنعوت نكرة؟ لا، فيقال كلمة غير وإن أضيفت إلى كلمة القسم فإنها لا تتعرف، فهي من الكلمات المثلى في التنكير فيجوز الوصف بها. قال تعالى: ﴿مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 32]، القراءة الأخرى: ﴿مَالَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِهِ﴾ [الأعراف: 59] فضيفت إلى الضمير ومع ذلك هي نعت على الوجهين، نعت على اللفظ أو على الموضع في القراءتين ونعت لنكرة إله. فيقول بفاصل غير القسم، أو غير القسم على الاستثناء، يعني بفاصل إلا القسم نحو: إذا أكرمك، وإذا والله أكرمك.

طبعا لابد أن يكون هذا مسبوقاً بكلام: سازورك غداً فتقول: إذا أكرمك أو إذا والله أكرمك، وهذا فيكون المضارع منصوباً بأن، عفوا منصوباً بإذن.

ثم قال: وقال الشاعر: إذا والله نرميهم بحرب تشيب الطفل من قبل المشيب الشاهد في أنه قال: إذا والله نرميهم، نقول يقول نقول نرميهم، إنما قال نرميهم. طب ما الذي نصب هذا الفعل نرميهم؟ نصب بإذن، أين شروطها المذكورة؟ هي مصدرة أول كلام إذا، وهي في صدر كلام، لابد من كلام سابق لهذا الكلام (إذا فعلوا كذا وكذا ودخلوا معنا الحرب، إذا والله نرميهم بحرب تشيب الطفل من قبل شيب) إذا جروا على الحرب فإننا نفعل بهم كذا وكذا، يعني لا نشجب ولا نستنكر، إنما نفعل هذه الحرب التي تشيب الطفل من قبل مشيب: إذا والله نرميهم بحرب، هي في أول الكلام، وقعت في صدر الكلام، والفعل المضارع بعدها مستقبل نرميهم بحرب إذا أرادوا أو إذا فعلوا كذا وكذا، فالفعل بعدها مستقبل، وليس مفصولا، لا، هو مفصول، ولكنه مفصول منها بالقسم، لم يقل إذا نرميهم، لما قال إذا والله نرميهم، والفصل بالقسم لا يضر، الفصل بالقسم لا يضر فيبقى النصب مع الفصل بالقسم. قال: إذا والله نرميهم، هذا هو الشيء.

قال: ولو قلت: إذا يا زيد.

قلت أكرمُك بالرفع. لماذا؟ لأن الفصل ها هنا بالنداء، وكذا إذا قلت: إذا في الدار تقول: أكرمك، وإذا يوم الجمعة أكرمك، وإذا في الدار أكرمك. الرفع لأن الفصل بالجار والمجرور، وإذا يوم الجمعة أكرمك بالرفع لأن الفصل بالظرف؛ كل ذلك بالرفع، كل ذلك بالرفع، طبعا على خلاف فيه جميعا؛ فهم يقولون بل الفصل بالظرف وبالجر والمجرور وبالنداء لا يضر، كل هذا على ما اختاره المصنف، فتقول وجوبا عنده: إذا يا زيد أكرمُك، إذا في الدار أكرمُك، إذا يوم الجمعة أكرمُك.

وتقول جوازا عند غيره: أكرمك وأكرمُك، إذا يا زيد أكرمَك وأكرمُك، إذا في الدار أكرمَك وأكرمُك، إذا يوم الجمعة أكرمَك وأكرمُك، رفعا ونصبا عند بعضهما.

طيب، بعد كل هذا الكلام الذي ليس فيه إلا شاهد من الشعر، هل ورد مثل هذا في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم حتى يكون هناك كلام يعني يستحق أكثر من ذلك؟ أقول وبالله تعالى التوفيق: هذه الكلمة وهي إذا، وردت في عدة مواضع في كتاب الله تعالى، لا أعني المواضع التي لم يأت بعدها مضارع، لا، أعني المواضع التي بعدها مضارع مثلا، وإذا أخذوك خليلا، إنما أريد المواضع التي جاء الفعل المضارع بعدها، جاء بعدها الفعل المضارع في عدة مواضع، ولكنه جاء مرفوعا.

فكل المواضع التي عرفها جاء فيها المضارع مرفوعا، وإنما نصب بعض القراءات الشاذة، إنما اتفق أئمة القراءات المتواترة على الرفع. الذي يحضر في ذلك ثلاثة مواضع من كتاب الله تعالى: قول الله سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]، وقبل أن أدلف إلى بقية الشواهد، الفصل بالنفي لا فصل، الفصل بالنفي كأنه لا فصل، إذا قلت مثلا: إذا أكرمك تقول بالنصب: إذا لا أضرك، لا أهينك، تقوله أيضا بالنصب، ففصل بالنفي كأنه لا فصل، فالفصل بالنفي لا يضر.

وقال الله تبارك وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]. وقال تعالى: ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوك منها وَإِذًا لَّا يَلْبثُونَ خِلَافَهُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76]. وقال تعالى: ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فررْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16]. هذه ثلاثة مواضع لعلها كل ما في الباب، ولعل هناك شيئا فاتني. هذه المواضع التي جاء المضارع بعد إذا وجاء مرفوعا كما ترون في كل موضع، هو مرفوع بثبوت النون: لا يؤتون، كما يقول: لا يؤتوا، لا يلبثون، يقول: لا يلبثوا، لا تمتعون كما يقول: لا تمتعوا، هذه هي القراءة التي اتفق عليها أئمة العشرة يقرؤون بالرفع في كل المواضع، وإن قرأت بعض المواضع بالنصب بحذف النون هذا في الشاذ، نعم الشاذ يستدل به يعني يستدل أنه عربي لكن يقرا كما سبق.

طيب، كيف يخرج مثل هذا كل ما جاء في القرآن هكذا؟ فخرج ذلك على عدة أوجه، قيل: لم تعمل في هذه الآيات لاختلال بعض الشروط، من أهمها هنا قالوا: التصدر، التصدر فإذا لا يلبثون خلافه إلا قليلا، وإذا لا، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، وإذا لا تمتعون إلا قليلا، قالوا: هذه الواو، هذه الفاء عاطفة لشيء قبل ذلك على إذا، كأنها لم تصدر في الكلام، كأنها لم تصدر في الكلام ففقدت شرطا.

وجواب آخر: أن الإعمال مع الشروط جائز لا واجب، فحتى إن استجمعت إذا شروطها فإن النصب بها جائز وليس بواجب، فجاء القرآن بالرفع، وقرئ في الشاذ بالنصب لبناء الجواز، هذا الجواز رئي به في الشاذ، فهذا جواب آخر.

وخرج بعضهم من هذا كله وقال: هذه يا جماعه ليست إذا التي ينصب المضارع بعدها أصلا، هذه ليست إذا التي ينصب المضارع بعدها، ما هذه؟ قالوا: هذه إذا والتنوين الذي فيها، ليس هو النون التي هي نون إذا ترسم تنوينا على رسم المصحف الخاص به، لا، هو تنوين حقيقي، فهي إذن أصلها إذن، فهي اسم، وهذه التنوين أنها اسم، وهي إذا الشرطية.

وإذا درست المعنى وفهمت المعنى وضح لك ذلك. كيف ذلك؟ فيقولون: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53] يعني: فإذا كان لهم نصيب من الملك لا يؤتون الناس نقيرا. ﴿وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوك منها وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَهُمْ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 76] يعني: وإذا أخرجوك منها لا يلبثون خلافك إلا قليل. ﴿قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِن فررْتُم مِّنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16] يعني: وإذا فررتم لا تمتعون إلا قليلا. فالتنوين هنا هو التنوين المعروف بتنوين العوض، هو تنوين عوض عن جملة محذوفه كما يلحق إذ يلحق إذا.

وقالوا: يعني كلنا يعلم أن في قوله تبارك وتعالى: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 84] أن هناك جملة محذوفة، هذا التنوين عوض عنها. الكلام: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 83-84] يعني: ولولا إذ بلغت الروح الحلقوم وأنت حين إذ بلغت الروح الحلقوم تنظرون. قال: ﴿وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 84] يعني: وأنت حينئذ بلغت الروح الحلقوم، فحذفت هذه الجمله وجيء بالتنوين عوضا عنها، حينئذ هذا اسمه تنوين العوض، فحذفت الجملة وجيء بالتنوين عوضا عنها، فهذه إذا أخت إذ، هي اسم، ليست حرفا. هذه خلاصه ما قيل في مثل هذا تخريج آيات القرآن التي جيء فيها بالمضارع مرفوعا بعد إذا.

طيب، هل من ذلك شيء في السنة؟ نعم، ورد في بعض الأحاديث والآثار كثير من هذا وفيه النصب، من أشهره قول في حديث ابن عباس في قول هاجر عليها السلام لما قالت لإبراهيم عليه السلام لما تركها ومنها إسماعيل عليه السلام، قالت: آلله أمرك بهذا؟ فاشار براسه أنعم، فقالت: «إذا لا يضيعنا». «إذا لا يضيعنا» على هذه الرواية: «إذا لا يضيعنا»، فهي هنا إذا مصدرية في الكلام وهي في صدر جملة الجزاء والجواب كأنه قال: نعم الله أمرني بهذا، فتجيب تقول: «إذا لا يضيعنا»، والمضارع بعدها مستقبل: «إذا لا يضيعنا الله تبارك وتعالى»، في مواطن وليس هناك فصل بين ليس هناك فصل بين إذا والمضارع إلا بحرف النفي، والفصل بالنفي كلافصل.

وقالت: «إذا لا يضيعنا»، وهناك رواية: «إذا لن يضيعنا» لنفصل، فلن هو الناصب للمضارع، فإذا جاء كانت الرواية: «إذا لن يضيعنا»، فالعامل هو لن تعمل لا إذا، إذا كانت: «لا يضيعنا» هو إذا، ولا عمل لا لأنها نافيه ليس لها عمل.

وكذلك في الصحيحين الحديث المشهور: أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ كما قال لمعاذ لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العبادة على الله؟ وفيه أن حق العبادة على الله أنه لا يعذبهم، أي: لا يعذب من لا يشرك به شيئا. وفي رواية في هذا الحديث قال معاذ: أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا يتكلوا». لم يقل: إذا يتكلون، قال: «إذا يتكلوا»، فيتكل فعل مضارع منصوب بإذن وعلامة نصبه حذف النون، علامة نصبه حذف النون. إذا أخذ شروطا، فهي واقعه واقعه في صدر الكلام في صدر جملة الجزاء والجواب، أفلا أخبر بالناس؟ قال: «إذا تتكلوا»، والفعل المضارع مستقبل إذا يتكلوا في موطن إذا علموا ذلك ولم يفهموه على وجهه يتكلوا على رحمه الله تعالى، وليس هناك فصل أصلا بين فعل وأذ.

وكذلك في الأثر المشهور في أثر حذيفة مع رضوان الله عليهما ثم قال: بينك وبينها -يعني الفتنه- بابا مغلقا، قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: بل يكسر، فقال عمر رضي الله عنه: إذا لا يغلق أبدا. أيضا هذا فعل مضارع منصوب بإذن وعلامه نصبه الفتحه الظاهره، علامه نص الفتح.

ونحو أيضا في حديث عياض المجاشعي في صحيح مسلم: «وإن ربي أمرني -أو عن النبي صلى الله عليه وسلم- وإن ربي أمرني أن أحرق قريشا فقلت: أي ربي إذا يثلغوا رأسي»، وهو حديث طويل مشهور معروف. الشاهد فيه: «إذا يثلغوا رأسي»، يثلغوا: أي يشْدخوا ويكسروا، يعني قال: يعني إذا يقتلوني، ولكن الله تبارك وتعالى أمره أن يفعل وقال: «أمرت بمن اطاعك من عصاك وابعث جيش أبعث خمسة مثله» إلى آخره. الشاهد فيه: «إذا يثلغ رأسي»، فيثلغ فعل مضارع منصوب بإذن وعلامه نصبه حذف النون لأنه من الأمثال الخمسة.

قال رحمه الله تعالى: ص: «فَهَذَا فِي الْأَصْلِ». وبأن المصدرية ظاهرة نحو: أن يغفر لي ما لم تسبق بعلم نحو: علم أن منكم مرضى، وإن سبقت بظن فوجهان، نحو: عندي نحوي، لكن في مثل هذا يقال: نحو أو نحو كما سبق، نحو: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71]. ومضمرة جوازا بعد عطف مسبوق باسم خالص نحو: ولبس عباءة وتقر عين، وبعد اللام نحو: لتبين للناس، إلا في نحو: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: 29] و﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 150] فتظهر لا غير. ونحو: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ [الأنفال: 33] فتضمر لا غير. كإضمارها بعد حتى إذا كان مستقبلا نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: 91]، وبعد أو التي بمعنى إلى نحو: لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى، أو التي بمعنى إلا نحو: وكنت إذا غمزت قناة قوم كسرت كعوبها أو تستقيم. وبعد فاء السببية أو واو المعية مسبوقتين بنفي محض أو طلب بالفعل نحو: لا يقضى عليه فيموت ويعلم الصابرين، ولا تطغوا فيه فيحل، ولا تأكل السمك وتشرب اللبن.

قال بعد ذلك: الناصب الرابع هذا هو الذي ذكره الأصل والمعهود. الكلام في الشرح وشرح ما تحته تكلم عن أن وتكلم عنها وأخر لطولها كما سبق وكما سبق. قال: الناصب الرابع أن وهي أم الباب، وأنما أخرت في الذكر لما قدمناه، يعني لطول الكلام عليها كما سبق، ولاصالتها في النصب عملت ظاهرة ومضمرة، ولاصالتها في النصب عملت -عندي في النسخة عملت، هذا خطأ- عملت ظاهرة ومضمرة.

فتعمل ظاهرة وتعمل مضمرة، كما سيأتي مواضع إضمارها جوازا ووجوبا بإذن الله تعالى في بقية النواصب، فلا تعمل إلا ظاهرا. قال مثلا: هذا فعل مضارع منصوب بكي المضمرة أو بإذن المضمرة أو بلان المضمرة، إنما لا يقال هذا إلا في أن عند بعض العلماء، كما الإشارة إليهم يقول: ليس هناك مضمرات إنما الظاهر هو الذي ينصب، انتهى الكلام.

مثال أعمالها ظاهرة: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشسراء: 82]. أيضا في مثل هذا يقال: قول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾، أو قول الله تبارك وتعالى عن إبراهيم أو ما في التنزيل عن إبراهيم، ما أشبه ذلك. لا يحسن في اللفظ أن يقال: قال تعالى: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي﴾ اه رب العالمين، هو الذي يطمع فيه أن يغفر أن يغفر الخطايا، والذي قال هذا هو إبراهيم عليه السلام في سياق آيات سورة الشعراء.

قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ [النساء: 28]. هنا شاهد آخر: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِي﴾ يغفر فعل مضارع منصوب بأن الظاهرة وعلامه نصبه الفتحه الظاهرة. ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ﴾ أن يخفف يخفف فعل مضارع منصوب بأن الظاهرة التي أمامك هي ليست مجرورة إنما هي ظاهرة، هنا أيضا إما أن يكون منصوبا بفتحة ظاهرة أو بفتحة مقدرة أو بحذف النون. ومثله أيضا: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: 29]. إنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ تبوء فعل مضارع منصوب بأن وعلامه النصب الفتحة الظاهرة.

أتبسم ضاحكا من قولها، وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي انعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا. الله أن أشكر أن أعمل فعلان مضارعان وعلامه نصبه الفتحة الظاهرة. قال ربنا: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى﴾ [طه: 45]. أن يفرط، أن يطغى، أن يفرط يفرط فعل مضارع منصوب بأن وعلامه نصبه الفتحة الظاهرة، أو أن يطغى يطغى فعل مضارع منصوب بأن الظاهرة وعلامه نصبه الفتحة المقدرة يطغى، فهذه الألف التي تكتب ياء وتنطق ألفا والعبرة بالنطق كما سبق مرارا هذه الألف لا تظهر عليها حركة كما سبق في الإعراب التقديري تقدر عليها الضمة كما هنا تقدر عليها الضمة تقدر عليها الفتحة كما أو أن يطغى، يطغى فعل مضارع منصوب بأن وعلامه نصبه الفتحة المقدرة.

﴿اللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ﴾ [التوبة: 62] تخشاه تخشى هذا فعل مضارع منصوب بأن وعلامه نصبه الفتحة المقدرة. الله حق أن يرضوه أن كانوا يرضوه، فعل مضارع منصوب بأنه وعلامة نصب حذف النون، حذف النون لأنه مضارع وفيه واو الجماعة. ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184] تصوموا فعل مضارع منصوب بأن وعلامه نصبه حذف النون أيضا. فهذه أمثلة النصب بالمضارع أمثلة نصب المضارع بأن الظاهرة، والنصب كما سبق بفتحة ظاهرة أو فتحة مقدرة أو بحذف.

قال بعد ذلك: وقيدت أن بالمصدرية احترازا من المفسرة والزائدة أنهما لا ينصبان المضارع. يعني أن أن المفسرة وأن الزائدة إذا جاء بعدهما مضارع فانهما لا ينصبان، فالشرط لنصب المضارع أن يسبق بأن المصدرية يقال أن المصدرية الناصبه للمضارع، أما المفسرة فليست ناصبة للمضارع، الزائدة ليست مفسرة ناصبة المضارع، المخففه من الثقيلة ليست ناصبة من المضارع، فهذه أشهر أنواع أن.

فأن تاتي هكذا، تأتي مفسرة وزائدة ومصدرية ومخففة من الثقيلة. المفسرة والزائدة والمخففة هي المخففة هي أن صارت أن هكذا، يقول المخففة من الثقيلة أن، همزة مفتوحة ونون مشددة أن، إذا خففت هذه النون المشدده فصارت أن هذه تسمى مخففة من الثقيلة هي عبارة عن أن خففت. المفسرة والزائدة والمخففة من الثقيلة لا ينصبن المضارع إنما تنصبه المصدرية يحتاج أن يخرج الأشياء حتى تتمحض له المصدرية.

قال: وقيدت أن المصدرية احترازا من المفسرة والزائدة فإنهما لا ينصبان المضارع.

فالمفسرة هي المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، نحو: كتبت إليه أن يفعلوا كذا، إذا أردت معنى أي، فإن المفسرة هي أن المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، هناك جملة فيها معنى القول لكن ليس فيها حروف القول، ويأتي بعدها أن.

نعم جاء مثل هذا في القرآن، لكن الذي يعرفون لم يأت فيه مضارع تمام، وناديناه أن يا إراهيم قد صدقت الرؤيا يا إراهيم، فجاءت لم يأت بعدها فعل أصلاً لا مضارع ولا ماض، جاء حرف نداء. وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه جاء بعدها فعل، يمكن المضارع جاءها هنا، فيقول: لو جاء المضارع في مثل هذا فيكون مرفوعاً، فالجملة فيها معنى القول، أوحينا الوحي فيه معنى القول وليست حروف القول، قلنا قال لا ليس فيه حروف القول، وناديناه النداء فيه معنى القول لكن ليس فيه حروف القول، فيقول: كتبت إليه الكتابة فيها معنى القول، تكتب إلى فلان بكذا فيفهم أنك تقول له كذا وكذا، كتبت إليه أن يفعلوا كذا يعني بمعنى أي، كأني قلت له أي افعل كذا وكذا وكذا، يقول هنا أن ليست ناصبة للمضارع، وأن المضارع التي بعدها مرفوعاً لأنها مفسرة، أي لو جاء المضارع فانه في مفعول.

قال: والزائدة هي الواقعة بين القسم، نحو: أقسم بالله أن لو يأتيني زيد لأؤمنه. وأيضاً مثل هذا لم يأت في كتاب الله تعالى وجاء في شعر أيضاً، لكن أيضاً لم يأت المضارع، شاهدوا فيه الشعر المعروف: فأقسم أن لو التقينا وأنتم، لكان لكم يوم الشر مظلم. فشد نقول أقسم لو التقينا، يعني أقسم لو التقينا لحصل كذا وكذا، فيقولون أن هنا زائدة لم يؤتى بها لمعنى من معانيها المعروفة، يقولون هي زائدة، وإن كان بعضهم ينازع في مثل هذا في العربية عموماً: قل ليس هناك في العرب حرف يسمى بالزائد خصوصاً إذا كان ذلك في القرآن، المسألة مسألة طويلة والبحث فيها ليس هذا موضعه.

فبعضهم يقول أيضاً من الزائدة ما وقعنا لما بعد، عفواً بعد لما وقتية الحين تمثل له بقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَن جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَىٰ وَجْهِهِ﴾ [يوسف: 96]، و﴿وَلَمَّا أَن جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: 58]. ومثل هذا أيضاً لم يأت بعده مضارع، فأيضاً البحث فيه ليس ذا أهمية هنا؛ لأن الكلمة في المضارع إذا جاء يرفع أم ينصب، إنما لو قيل أن زائدة كما هو معروف لم يأت بعدها مضارع أصلاً حتى تبحث هذه المسألة، فبحثها في مواضع في موضع آخر شيء أنه قال: أقسم بالله لو ياتيني زيد لا يقال أن لو ياتيني، قال: يأتي فعل مضارع منصوب بأن، يقول: لا، لأن ليست هي الناصبة للمضارع أصلاً، المضارع بعدها مرفوع لأنها زائدة.

ثم قال بعد ذلك: واشترطت ألا تسبق المصدرية بعلم مطلقاً ولا بظن في أحد الوجهين احترازا من المخففة من الثقيلة، وهذا شروع في مسائل أخرى، يأتي الحديث على الدرس القادم، هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.