أما بعد: فهذا هو الدرس الخامس من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.
بعد أن تكلم المصنف رحمه الله تبارك وتعالى عن الكلمة وتقسيمها إلى اسم وفعل وحرف، وعن بعض علامات الأسماء، وعن تقسيم الاسم إلى معرب ومبني، وبعد كلامه كذلك عن أنواع البناء، وتكلم بشيء يسير عن الإعراب لأنه سيأتي بعد ذلك عليه بتمامه إن شاء الله تبارك وتعالى: أصلية وفرعية، وظاهرة ومقدرة، وبعد نتكلم بعد ذلك على أنواع الأفعال وتقسيم الأفعال إلى ماض ومضارع وأمر، تكلم عن بناء الماضي، وعن بناء الأمر، وتكلم بعد ذلك عن المضارع وعن أوله وآخره، عن أحرف المضارعة التي في أوله وعن بنائه أو إعرابه في آخره. وكان آخر الكلام في الدرس الماضي عن أول المضارع، وأن أحرف المضارعة الأربعة تضم إن كان ماضي هذا الفعل المضارع رباعياً، وتفتح فيما عدا ذلك، تفتح أحرف المضارعة الأربعة إذا كان الماضي أقل من أربعة أحرف أو أكثر من أربعة أحرف، فالأقل هو الثلاثي ليس هناك غير ذلك، والأكثر هو الرباعي والخماسي والسداسي، والخماسي لابد أن يكون مزيداً، والسداسي كذلك لابد أن يكون مزيداً.
أما آخر المضارع وإعرابه وبناؤه، فهذا ما يبدأ به درس اليوم بإذن الله تبارك وتعالى، هذا الدرس يبدأ من حكم المضارع في آخره. قال رحمه الله تبارك وتعالى: وأما حكمه باعتبار آخره فإنه تارة يبنى على السكون، وتارة يبنى على الفتح، وتارة يعرب. فهذه ثلاث حالات لآخره، كما أن لآخر الماضي ثلاث حالات، ولآخر الأمر ثلاث حالات. فالفعل المضارع ليس كالافعال التي سبقت، ليس كالأفعال الماضية ولا كأفعال الأمر؛ الفعل الماضي مبني باتفاق في كل حالاته، وفعل الأمر مبني على أصح القولين في كل حالاته، أما الفعل المضارع فأحياناً يعرب وأحياناً يبنى، والأصل فيه الإعراب.
فالفعل المضارع ينصب إذا سبقه ناصب -سيأتي الكلام على نواصب المضارع إن شاء الله تبارك وتعالى-، ويجزم إذا سبقه جازم -وسياتي الكلام عن جوازم المضارع بإذن الله تعالى-، ويرفع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، هذا في الإعراب. ويبنى في حالتين: مع نون النسوة على السكون، ومع نون التوكيد الخفيفة أو الثقيلة على الفتح. نعم، قال: فإنه تارة يبنى على السكون، وتارة يبنى على الفتح؛ يبنى على السكون مع نون النسوة، وتارة يبنى على الفتح وذلك إذا اتصلت به نون التوكيد المباشرة؛ المباشرة لفظاً وتقديراً كما سبق. وتارة يعرب، فالإعراب كما سمعتم: ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، ويرفع إذا تجرد من الناصب والجازم، ثم إنه سيتكلم عن ذلك بتفصيل، سيتكلم عن المضارع حالة حالة.
قال: فأما بناؤه على السكون فمشروط بأن يتصل به نون الإناث، نحو: النسوة يَقُنَّ، والوالدات يرضعن، كما قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: 233]، والمطلقات يتربصن، المطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، فيقمن يرضعن يتربصن إلى هنا أبين إن شاء الله تعالى، هذه كلها أفعال مضارعة، وهي مبنية على السكون كما رأيتم لاتصال نون النسوة بها. النسوة يَقُنَّ، هذه النون هي نون النسوة أو نون الإناث، والوالدات يرضعن، هذه النون هي نون الإناث أو نون النسوة وهي عائدة على الوالدات، وكذلك المطلقات يتربصن.
وكذلك في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ﴾ [الممتحنة: 12]، كل ما تسمعون من أفعال: يبايعنك، على ألا يشركن، يسرقن، يزنين، يقتلن، يأتين، كل هذه الأفعال أفعال مضارعة، هل هي معربة؟ لا، ليست معربة، مبنية، نعم، هي مبنية على السكون. لماذا بنيت على السكون؟ لاتصالها بنون النسوة.
فلعلكم لاحظتم الآن من هذا الدرس ومما سبقه أن نون النسوة إذا دخلت على أي فعل سكنته؛ فالفعل الماضي يبنى على السكون إذا اتصلت به نون النسوة، والفعل المضارع هنا يبنى على السكون إذا اتصلت به نون النسوة، وفعل الأمر يبنى على السكون إذا اتصلت به نون النسوة. فنون النسوة أو نون الإناث إذا دخلت على أي فعل من الأفعال الثلاثة بنته على السكون وسكنته.
قال: ومنه: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237]، هذه الواو هنا واو الجماعة، فهذا الكلام عن الرجال أم يعفون على النساء؟ لابد أن نعرف الآية حتى يظهر لنا؛ إلا أن يعفون يعني: إلا أن يعفوا، هؤلاء رجال أم نساء؟ قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]. إلا أن يعفون يعني: إلا أن تعفو هذه المرأة المطلقة قبل المسيس، أو إلا أن تعفو النساء المطلقات قبل المسيس، أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، قيل هو الولي ولي المرأة، وقيل هو الزوج، ولعل هذا أقرب والله تبارك وتعالى أعلم، هذا أقرب وأصح فهو الذي بيده عقدة النكاح الذي يستطيع أن يطلق ويستطيع أن يمسك النكاح، قال: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾، إذن هذا الفعل اتصلت به نون النسوة.
طيب، كيف جاء هكذا يعفون وأنا أقول الرجال يعفون، فكيف جاء بهذه الصورة؟ هنا يقولون: لا، هناك خلاف بين هذا الفعل وبين الفعل الذي للرجال، وهذا الخلاف يظهر جداً في التصريف وفي الصياغة، فهذه مسألة صرفية دخلت هكذا هنا، وإن كان الأصل أن العلمين يدرسان معاً، فالاصل في كتب النحو أنها تدرس النحو والصرف، لكن كثير من المتأخرين يجعلون هذا وحده وهذا وحده، وهذا أليق خصوصاً في العصور المتأخرة حتى يدرس الطالب هذا وحده وهذا وحده، وحتى لا تتداخل عليه الأمور في مثل هذا والله أعلم.
قال: ومنه: إلا أن يعفون، يعني يعفون، إذن فعل مضارع مبني على السكون، على سكون هذه الواو، إلا أن يعفون، هذه الواو الساكنة على سكون هذه الواو لاتصاله بنون النسوة أو لاتصال نون النسوة به، فالنون ها هنا نون النسوة، فيعفون كأنها على وزن: يخرجن، يقتلن، يعفونا، يفعلن، هذا هو وزنها يفعلن، يبقى يعفون يفعلن، يخرجن، يقتلن، كل هذا وزنه أنه يفعلن.
قال: لأن الواو أصلية، لأن الفعل: عفا يعفو، فالواو من أصل الكلام ليست واو الجماعة، قال: لأن الواو أصلية وهي واو عفا يعفو، والفعل مبني على السكون لاتصاله بنون، هو فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة، والنون فاعل مضمر، هذه النون التي اتصلت به في محل رفع لأنها فاعل، فاعل يعفو عائد على المطلقات، فهو عائد على إناث على نساء، قال: ووزنه يفعلن كما سبق، وليس هذا كيعفون في قولك: الرجال يعفون.
الرجال يعفون أصل الفعل: عفا يعفو، كان من باب نصر ينصر، عفا يعفو هذا أصلهم، هذا تصريف، من كان صعباً عليه فلا يبتئس، فإن شاء الله ما بعده سيكون سهلاً. فيعفون الأصل أنه يعفون، هذا هو الأصل فيه، قال: إن تلك الواو ضمير لجماعة المذكرين كالواو في قوله: يقومون، وواو الفعل حذفت، والضمة والنون علامة الرفع. يبقى إذن يعفون أصله يعفوُون، يعفو بواو أولى مضمومة وواو ثانية ساكنة، استثقلت هذه الضمة على الواو الأولى يعفو، الضمة ثقيلة على الواو فسكنت الواو، فالتقى ساكنان: الواو الأولى ساكنة والواو التي كانت قبل ذلك ساكنة، فحذفت أداهما. فما التي حذفت؟ قالوا: التي حذفت هي واو الفعل، وهذه الموجودة هي ضمير لجماعة المذكرين التي تسمى واو الجماعة.
قال: وواو الفعل حذفت والنون علامة الرفع، فهذا فعل مضارع مرفوع بثبوت النون يعفونا، هذا فعل مضارع مرفوع بثبوته، ووزنه يَفْعُون، والذي عنده في النسخة: ووزنه يعفون خطأ، لا، هو الفعل يعفون وزنه يفعون. يبقى من عنده ووزنه يعفون كما عندي في النسخة لا، هذا خطأ بل وزنه يفعون، يفعون، أما الأول فوزنه يفعلن. وهذا يقال فيه: إلا أن يعفوا، فتحذف النون بحذف نونه، كما تقول: إلا أن يقوموا. قال: وسياتي شرح ذلك كله، سياتي ذلك إن شاء الله تبارك وتعالى، وسيتكلم عن رفع المضارع ونصبه وجزمه.
قال: وأما بناؤه على الفتح فمشروط بأن تباشره نون التوكيد لفظاً وتقديراً. هذه الحالة الثانية، الحالة الأولى أن تتصل به نون الإناث أو نون النسوة فيبنى على السكون، وأمثلته عديدة كما ذكرت لكم في آية الممتحنة وفيما ذكر المصنف، وإنما جاء بيعفون هذه ليبين الفرق بينها وبين يعفون إذا كان المراد بها رجالاً، فمن لم -من كانت هذه المساله صعبة عليه يعفون ويعفون للرجال وللنساء- فليجعلها جانباً، وربما تتضح فيما بعد إن شاء الله تبارك وتعالى عند دراسة التصريف بإذن الله.
قال: وأما بناؤه على الفتح فمشروط بأن تباشره نون التوكيد لفظاً وتقديراً. إذا اتصلت به نون التوكيد ثقيلة كانت أو خفيفة، فانه يبنى على الفتح، الفعل المضارع يبنى على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة، نحو: ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ﴾ [الهمزة: 4]، لينبذن ذ، الفعل: نبذ ينبذ، طرح يطرح، فنبذوه وراء ظورم طرحوه والقوه، فهكذا كما طرحوا كتاب الله ظورين يطرحون وينبذون ويلقون في نار جهنم التي تحطمهم، ﴿كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ [الهمزة: 4]، لينبذن، طب لماذا ينبذ، لماذا فتح آخره؟ لأنه اتصلت به نون التوكيد الثقيلة، ينبذنه. النون مباشرة، نعم، مباشرة مباشرة لفظاً وتقديراً، ليس هناك شيء بين الذال وبين النون، هذا الفعل آخره ذال: نبذ ينبذ، فالفعل في آخره ذال، جاءت بعده نون التوكيد فباشرته وليس هناك شيء مقدر -ليس هناك شيء موجود بين الذال والنون بين آخر الفعل ونون التوكيد، وليس هناك شيء مقدر بين آخر الفعل ونون التوكيد- فيقولون هي مباشرة لفظاً وتقديراً.
ومثل هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمْ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه: 16]، يصدنك، أيضاً هذا فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32]، ليسجنن اتصلت به نون التوكيد الثقيلة، وليكوناً اتصلت به نون التوكيد الخفيفة. ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: 15]، اتصلت به نون التوكيد الخفيفة ولنسفعاً، ﴿وَلَا يَكُونَنَّ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [يوسف: 32] فيها نون التوكيد الخفيفة وليس تنوينين كما سبقت الإشارة إليه قبل ذلك، وإن رسم بصورة التنوين لكنه ليس تنويناً، لأن التنوين من خصائص الأسماء وهذان فعلان. ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ [الأعراف: 7] فلنقصن، ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 6] فلنسالن، كل هذه أفعال مضارعة مبنية على الفتح لأن نون التوكيد اتصلت بها وهي مباشرة لفظاً وتقديراً.
طب لماذا قال المباشرة لفظاً وتقديراً؟ قال: واحتفظت بذكر المباشرة من نحو قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعَانَّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89]، ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 186]، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26]، قال: فإن الألف في الأول، والواو في الثاني، والياء في الثالث فاصل بين الفعل والنون، فهو معرب لا مبني. قوله: لتبل في الأول، ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون، أولاً هذه الآية في موسى، يخاطب الله عز وجل بها موسى وهارون عليهما السلام، قال الله تبارك وتعالى لهما: ﴿فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانَّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: 89]، لما دعا موسى عليه السلام: ربنا إنك آتيت فرعون وملاها زينة وأموالاً في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم، قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89]، موسى دعا وهارون أمن، يقول العلماء: لاجل هذا قال دعوتكما، فاستقيما ولا تتبعان سبيل الذين لا يعلمون.
هنا تتبعان، هذا الفعل أصله: اتبع يتبع، فتتبع، آخر هذا الفعل عين، طب أين نون التوكيد؟ جاءت بعد ذلك، هل بين العين وبين نون التوكيد شيء؟ نعم، بينهما شيء، ما الذي بينهما؟ ألف الاثنين، ولا تتبعا اني، فصل بين نون التوكيد وبين آخر المضارع، إذن هذه النون ليست مباشرة، انما فصل بينهما بشيء، إذن فهذا فعل معرب، فهو هنا مجزوم، وهنا مجزوم بحذف النون. قد يقول قائل: هذه النون موجودة؟ لا، هذه النون هي نون التوكيد، وإنما كسرت لأجل أية التثنيه، إن شاء الله هذا سياتي بإذن الله تعالى، وأن نون المثنى في الفعل وفي الاسم تكون مكسورة، ولا تتبعان، فصل بين الفعل بين آخر الفعل ونون التوكيد بألف الاثنان، فإذاً هذا الفعل لم يبنى على الفتح إنما هو معرب وقبله لا الناهية، فهو مجزوم، إن شاء الله سياتي الكلام عن جواز المضارع ومنه الناهية.
ثم قال بعد ذلك: لتبلون، قال: الواو فاصلة في الثاني، هذا كأنه قوله: والثاني أقرب والله أعلم أن هذه الواو هي واو الفعل لأنه من بلا يبلو، وواو الجماعة حذفت. أياً ما كان هذه الواو، لو كانت واو الجماعة كما اختاره المصنف فهي فاصلة بين الفعل ونون التوكيد، فالفعل ليس مبني ليس مبنياً على الفتح، ولو كانت واو الفعل كما هو الأقرب والعلم عند الله تعالى لو كانت واو الفعل فواو الجماعة مقدرة فهي أيضاً فاصلة بين الفعل وبين نون التوكيد، على كل هذا الفعل لم تباشره نون التوكيد.
لم تباشره نون التوكيد حتى وإن باشرته لفظاً، على القول الذي أقول: الأقرب فإنها لم تباشره تقديراً. فهناك تقدير، هناك واو؛ واو هي واو الجماعة مقدرة. هذا الفعل لم يُبنَ على الفتح لأنه لم تباشره نون التوكيد.
وكذلك الفعل الثالث: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ [مريم: 26]. تَرَيِنَّ قال: والياء في الثالث. فالياء، أو الياء في الثالث: فإن الألف في الأول، والواو في الثاني، والياء في الثالث. الياء، ويجوز الياء الواو ويجوز الواو، وعليه شواهد. يعني هذه الياء في ترائنّ، هذه الياء فاصلة بين الفعل وبين نون التوكيد، هذا قول المصنف. والقول الآخر ولعله الأقرب -والله تبارك وتعالى أعلم- أن هذه الياء من الفعل؛ من الفعل رأى يرى، فهو طبعاً له أصل في الأول: ترائنن، هذا كلام طويل.
فالمهم، هذه الياء من الفعل. طيب، أين الياء التي هي ياء المؤنثة المخاطبة؟ محذوفة على القولين. هذه النون، نون التوكيد، لم تباشر الفعل، تباشر الفعل المضارع. فهذا الفعل معرب أم مبني؟ لا، هو معرب، ليس مبنياً؛ لأنه يُبنى على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد المباشرة لفظاً وتقديراً. هذه لم تباشره لفظاً على قول، ولم تباشره تقديراً على قول آخر، إذاً فهو معرب.
قال: وكذلك لو كان الفاصل بينهما مقدراً، كان الفعل أيضاً معرباً. لو كان الفاصل مقدراً على القول الثاني الذي ذكرته، كما في لتَبْلُنَّ، و﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ -هو سيذكر شيئاً أوضح-. قال: وذلك كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمْ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ﴾ [القصص: 87]، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: 186]. ولا يَصُدَّنَّ، ولتَسْمَعُنَّ.
هنا، لماذا ولا يَصُدَّنَّ مع أن هذه الدال بعدها النون لم تأتِ ولا يَصُدَّنك، كما في آية طه: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ [طه: 16]؟ هناك النون مباشرة، هنا النون غير مباشرة؛ لماذا؟ لأن المراد هنا هؤلاء الجماعة؛ هؤلاء الجماعة من المشركين، إياك أن يصدوك عن آيات الله، فواو الجماعة هنا مقدرة بين الدال والنون، بين آخر الفعل وبين نون التوكيد. وكذلك ولتسمعُنَّ، أصله ولتسمعونَنَّ، أيضاً واو الجماعة مقدرة. فهذان فعلان معربان وليسا مبنيين.
قال: ولتسمعن مثله؛ أي مثل ولا يصدن، بكونهما معرب. غير أن نون الرفع حذفت تخفيفاً لتوالي الأمثال، ثم التقى ساكنان. أصله قبل دخول الجازم: يصدونَنَّ. فلما دخل الجازم وهو لنا هي حذفت النون، فالتقى ساكنان: الواو والنون. فحذفت الواو لاعتلالها ووجود دليل يدل عليها وهو الضمه. وقدر الفعل معرباً، وإن كانت النون مباشرة آخره لفظاً، لكونها منفصله عنه تقديراً.
وقد أشرت إلى ذلك كله ممثلة، طبعاً هذا كلام طويل وصعب، أنا أعلم أنه صعب، لكن أصله أنه في التصريف، والتصريف بالنسبة لنا سيكون أصح من النحو، أو الصرف سيكون أصعب من النحو. لأجل هذا، إذا تدخل في النحو شيء من الصرف ستجدون الفرق بينهما. لكن إن شاء الله -بإذن الله- يعني لو درست تصريف وحد، والصرف وحد، سيكون هناك تخفيف.
المهم أن يعني أحاول أن أفصل هذه الأسطر الأربعة سريعا إن شاء الله تعالى. قال لتسمعن ولا يصدنك، ثم تكلم عن ولا يصدنك. قال: نون الرفع حذفت تخفيفاً لتوالي الأمثال. لماذا؟ قالوا أصله يصدونَنَّ، كما ذكر: يصدونَنَّ، هذا الفعل الذي أمامكم يصدون ثم نون أخرى مشددة. والنون المشددة عبارة عن نونين، أنتم تعلمون أن الحرف المشدد عبارة عن حرفين: عن حرف ساكن وحرف متحرك. طيب، هناك نون يصدون، ثم نون مشددة، فهذه ثلاث نونات.
فهذه ثلاث نونات، قالوا حذفت لعدم توالي الأمثال حتى لا تتوالى هذه الأمثال. طيب، قال فلما دخل الجازم وهو لا الناهية: ولا يصدونَنَّ، هنا ما الذي يحذف؟ حذفت النون، فالتقى ساكنان: الواو يصد، والنون صدون، هذه النون ساكنة، فحذفت الواو، أصبحت ولا يصدن، ولا يصدنك. لماذا حذفت الواو دون النون؟ حذفت الواو لأنها معتلة. إذا كان عندك حرف صحيح وحرف معتل، تحذف المعتل.
وكذلك هناك دليل، شيء آخر يسبب حذفها، قال: ووجود دليل يدل عليها، وهو الضمة، الضمة التي على الواو: ولا يصدنك، هذه الضمة دليل على أن هناك واواً محذوفة. يعني قال: لأجل هذين حذفت الواو دون النون؛ حذفت الواو لأنها معتلة، ولوجود دليل يدل عليها وهو الضمة. وقدر الفعل معرباً، فهذا فعل معرب. هذا فعل معرب من أي أنواع الإعراب؟ سيأتي أنه معرب بالجزم، فهذا مجزوم بلا الناهية، وعلامة جزمه حذف النون.
فقال: وإن كانت النون مباشرة آخره لفظاً: ولا يصدنك، وكذلك ولا تسمعن؛ تسمعن، العين آخر الفعل والنون مباشرة. ولا يصدنك؛ يصد، الدال آخر الفعل والنون مباشرة. فهي مباشرة لفظاً، لكنها منفصله عنه تقديراً. فقال: لكونها، أي وقدر الفعل معرباً لكونها منفصله عنه تقديراً.
وأما إعرابه ففيما عدا هذين الموضعين: إذاً، فالفعـل المضارع يعرب إذا لم تتصل به نون التوكيد ولم تتصل به نون النسوة. إذا خلا من هاتين النونين -أو من هذين النونين يعني من هذين الحرفين- فهو معرب. وإعرابه: رفعاً ونصباً وجزماً. يكون رفعاً ونصباً وجزماً؛ ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، ويرفع إذا تجرد من الناصب والجازم.
نحو: يقوم زيد، ولن يقوم زيد، ولم يقم زيد. يقوم زيد هذا فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمه. مثله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ [محمد: 20]، ويقول، يقول هذا فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، أو مرفوع بالضمة، سياتي أن هذا صحيح وهذا صحيح إن شاء الله تعالى. لن يقوم زيد، مثل: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: 172]. لن يستنكف، فلن نواصب المضارع ستاتي في نواصب المضارع، فالمضارع الذي هو يستنكف، فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة. وهو قال: لن يقوم، أيضاً يقوم فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة.
ولم يقم زيد، ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [العلق: 14]، يعلم فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون. لم يقم، يقم فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون.
ثم قال بعد ذلك: وأما الحرف فيعرف بأن يقبل شيئاً من علامات الاسم والفعل نحو: هل وبل، وليس منه: مهما وأذ ما، بل ما المصدرية ولما الرابطة في الأصح. خلاصة هذين السطرين -وإن شاء الله سأفصل في الشرح- أنه يقول: الحرف لا يقبل شيئاً من العلامات، إذا أدخلت عليه شيئاً من علامات الأسماء لم يقبلها، وإذا أدخلت عليه شيئاً من علامات الأفعال لم يقبلها. ثم مثل له بهل وبل؛ هل حرف، وبل حرف آخر. وبعضهم يمثل بهل وفي ولم، كما قال الإام ابن مالك -عليه رحمة الله-: سواهما الحرف كهل وفي ولم. وهذا تمثيل أدق، وهو مثل به في كتب أخرى بهل وفي ولم، حتى يشمل أنواع الحروف الثلاثة المعروفة، وإلا فالحرف له أنواع كثيرة، لكن حتى يشمل الحرف المختص بالاسم، والحرف المختص بالفعل، والحرف غير المختص. لكن هو قال هنا هكذا: هل وبل، فهذان حرفان.
ثم قال: وليس منه مهما وأذ ما. يعني أن مهما وأذ اختلف فيهما، وهو يذهب إلى أنهما ليسا من الحروف، وسيفصل ذلك إن شاء الله تعالى. قال: بل ما المصدرية ولما الرابطة في الأصح. يعني بل منه من الحرف، ما المصدرية ولما الرابطة؛ فعنده ما المصدرية ولم الرابطة حرفان، وإن كانت المسألة فيها خلاف، وسيذكر هذا الخلاف في هذه الأربعة.
قال: لما فرغت من القول في الاسم والفعل، شرعت في ذكر الحرف، فذكرت أنه يعرف بأن يقبل شيئاً من علامات الاسم ولا علامات الفعل نحو هل وبل. يعني ذلك نحو هل وبل، فإنهما لا يقبلان شيئاً من علامات الأسماء ولا شيئاً من علامات الأفعال، فانتفى أن يكونا اسمين وأن يكونا فعلين، وتعيّن أن يكونا حرفين؛ إذ ليس لنا إلا ثلاثة أقسام وقد انتفى اثنان فتعين الثالث.
وهو يقول: هاتان الكلمتان: هل وبل، أنا أريد أن أعرف: أهما اسمان أم فعلان أم حرفان؟ إذا أدخلت عليهما شيئاً من علامات الأسماء لم يقبلاها؛ الجر، الجر والتنوين والنداء والألف واللام، لا تقول في هل أو في بل: لا تدخل، لا يدخل عليها حرف من حروف الجر، ولا تقبل الجر بأنواعه، لا تقبل التنوين: لا تقول هل أو بل، هذا لا تقبل الألف واللام: الهل، البل. لا يقبل، لا تقبل الإسناد، لا يمكنك أن تقول هل فعل كذا وكذا، يعني هذا الحرف فعل كذا، وهكذا.
فلا تقبل شيئاً من علامات الأسماء، وكذلك لا تقبل شيئاً من علامات الفعل الماضي. وعلامة الفعل الماضي الأصلية التي يقبلها وغيره لا يقبلها هي تاء التانيث الساكنة؛ هل يقال هلت وبلت؟ لا. هل تقبل علامة المضارع؟ تقول: لم هل ولم بل؟ لا. هل تقول علامة الأمر؟ هل هما تدلان على الطلب أصلاً؟ هل وبل لا تدلان على الطلب. هل تقبلان ياء المخاطبة؟ لا. إذاً، لم يقبلا علامات الأسماء، أو شيئاً من علامات الأسماء، ولم يقبلا شيئاً من علامات الفعل الماضي، ولا الفعل المضارع، ولا فعل الأمر. إذاً، فتعين أن يكونا حرفين. طب لماذا تعين أن يكونا حرفين؟ لماذا لا يكونان شيئاً رابعاً؟ قال: إذ ليس لنا إلا ثلاثة أقسام؛ الكلمة إما أن تكون اسماً أو فعلاً أو حرفاً، هل ليست اسماً ولا فعلاً إذاً فهي حرف، بل ليست اسماً ولا فعلاً فهي حرف، فتعين الثالث.
قال: ولما كان من الحروف ما اختلف فيه؛ هل هو حرف أو اسم؟ نصت عليه، كما فعلت في الفعل الماضي وفعل الأمر. وذكر في الفعل الماضي بعض الكلمات اختلف فيها كنعمة وبئس وعسى وليس، واختار أنها أفعال ماضية بدلالة العلامة: تقول نعمَت وبئسَت وعسَت وليست، فتقبل العلامة الفارقة للفعل الماضي. وذكر في فعل الأمر: هات وتعالى، أما هلم ففيها لغتان عند العرب، إنما هات وتعالى قيل هما اسم فعل وقيل هما فعلان للأمر، فعلا أمر. واختار هو أنهما فعلا أمر؛ لماذا؟ لأنهما يدلان بصيغتهما على الطلب، ويقبلان ياء المخاطبة: هاتي وتعالي في اللغة القويمة، وتعالي في لغة قليلة وقد لحنها المصنف، وهي قليلة ليست لحناً والله أعلم.
قال: كما فعلت ذلك في الماضي والامر، ما الكلمات التي اختلف فيها في اسميتها وحرفيتها وسيتكلم عنها المصنف؟ قال: وهو أربعة: أذ ما، ومهما، وما المصدرية، ولما الرابطة. هذه الكلمات الأربعة فيها خلاف، وهو سيبين -لن يقول كما سبق كلها من باب واحد- هو عندما كان يذكر كل ذلك: نعم وبئس وعسى وليس كلها عنده أفعال ماضية، هات وتعالى مع هلم كلها أفعال أمر. لكن هنا سيقول: بعضها كذا وبعضها كذا، فسيأخذها شيئاً فشيئاً بإذن الله تعالى.
قال: طب أنا قبل أن أيفصل في هذا الكلام، الخلاصة الخلاصة: أن تعرفوا قبل أن أبدأ، وسأذكر هذه الخلاصة مرة أخرى إن شاء الله تعالى بعد ختم الكلام لأن الكلام سيطول إن شاء الله تعالى. الخلاصة باختصار أن تعرف أن أذ ما فيها خلاف بين العلماء؛ بعضهم قال هي اسم، وبعضهم قال هي حرف. مهما: بعضهم قال هي اسم، وبعضهم قال هي حرف، فالمصنف اختار أنهما اسمان، فهذه خلاصة هاتين الكلمتين. ما المصدرية: بعضهم قال هي اسم، وبعضهم قال هي حرف. لما الرابطة: بعضهم قال هي اسم، وبعضهم قال هي حرف، المصنف اختار أنهما حرفان.
حتى إذا عجزت عن الكلام الذي سياتي، وعن الخلاف بين العلماء، وعن دليل كل وهذا؛ لأن عجزت عن هذا فاعلم هذا الخلاف، واعلم المختار عند صاحب الكتاب الذي تدرسه: أذ ما ومهما قيل اسمان وقيل حرفان، هو اختار أنهما اسمان. ما المصدرية ولما الرابطة، قيل اسمان وقيل حرفان، هو اختار أنهما حرفان.
أما التفصيل فقال: فأما أذ ما فاختلف فيها سيبويه وغيره، فقال سيبويه إنها حرف بمنزلة إن الشرطية؛ فإذا قلت: أذ ما تقم أقم، فمعناه إن تقم أقم. طبعا أذ ما يعني لن تجد لها وجوداً في كتاب الله تعالى، أذ ما مع بعضها، أما موجودة وأذ موجودة، لكن مع بعضها يعني لن تجدها في كتاب الله تعالى، فالكلام فيها إن شاء الله سيكون يسيراً، إنما تجدها في بعض الأشعار: وإنك أذ ما تأتي ما أنت آمنه تلفني إياه تامر آتياً. هذا البيت إن صحت عربيته يعني، على كل حال العلماء ذكروا أذما، لكن شواهدها من الوحي قليلة أو تكاد تكون منعدمة.
فقال: فإذا قلت أذ ما تقم أقم، فمعناه إن تقم قم أقم. شرط يعني، إن قمت قمت: إن تقم أقم، شرط. لكن شرط، هي اسم شرط أم حرف شرط؟ وقال هنا سيبويه يذهب إلى أنها حرف شرط، فهي بمنزلة إن، وإن حرف شرط باتفاق -أو حرف باتفاق، إن حرف باتفاق وتاتي شرطية وتاتي غير ذلك-. هنا المراد الشرطية، وإن الشرطية حرف باتفاق، إذاً أذ حرف أيضاً.
وقال المبرد وابن السراج والفارسي إنها ظرف زمان. المبرد هو أبو العباس محمد بن يزيد متوفى سنة 285، وابن السراج والفارسي سبق التعريف بهما قبل ذلك. قال هؤلاء: إنها ظرف زمان، وأن المعنى في المثال: متى تقم أقم. أيضاً المعنى شرط أيضاً، المعنى للشرط، فإن شرطية ومتى شرطية، لكن هي حرف ليس لها محل من الإعراب، أم هي اسم ونوعها ظرف زمان؟ هذا الخلاف. واحتجوا بأنها قبل دخول ما كانت اسماً، والأصل عدم التغيير. هذه حجتهم؛ لماذا تقولون أذ ما اسم؟ قالوا: أذ قبل دخول ما اسم عندنا وعندكم: ﴿وَإِنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 84]، أذ.
تقبل التنوين، فإذّ اسم عندنا وعندكم. قالوا: فدخلت عليها (ما)، فلماذا تتغير إذ ما كإذ، وزيد عليها ما، فهي بحالها كما كانت؟ الأصل بقاء ما كان على ما كان، فالاصل عدم التغيير.
وأجيب -يعني أجيب عن هذا الاستدلال- بأن التغيير قد تحقق قطعاً، بدليل أنها كانت للماضي فصارت للمستقبل. وأنتم حينئذ تنظرون، ﴿حِينَ إِذْ بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ﴾ [الواقعة: 83-84]، فلولا إذ بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون، إذ بلغت الحلقوم -يعني إذا بلغت الروح الحلقوم- الحلق، وأنتم حينئذ تنظرون، وأنتم حينئذ -يعني حينئذ بلغت الروح الحلقوم-. فحينئذ هذا منون هنا فهو، فهو اسم، طيب؛ حينئذ بلغت الروح الحلقوم هذا كلام ماضي، هذا كلام ماضي. قالوا: فكانت للماضي، لكن إذا قلت: إذ ما تقم أقم -يعني فيما بعد، لو أنت قمت أنا هقوم- إذا قمت فيما هو آتٍ فانا قمت، قالوا: بدليل انها كانت للماضي فصارت للمستقبل، فتغير معناها. إذاً، لما تغير معناها تغير، أو لما تغير زمانها تغير نوعها. قالوا: فدل على أنها نزع منها ذلك المعنى البتة.
قال: وفي هذا الجواب نظر لا يحتمله هذا المختصر. يعني هو لم يرضَ هذا، لم يرضَ هذا الجواب. ما خلاصة هذا الجواب الذي قال لا يحتمله هذا المختصر؟ خلاصة أن تغير الزمان لا يقتضي تغير النوع. تغير الزمان لا يقتضي تغير النوع. كيف؟ قالوا: المضارع المسبوق بلم؛ المضارع معناه الحال أو الاستقبال، إذا سبق بلم، يقولون: لم حرف نفي وجزم وقلب، كما سياتي إن شاء الله تعالى في جواز المضارع. حرف نفي وجزم وقلب: نفي بمعنى النفي، تنفي ما بعدها؛ جزم، تجزم المضارع الذي يأتي بعدها بعد أن كان مثلا مرفوعاً يصير مجزوماً؛ قلب، تقلب زمانه إلى الماضي. في قول زكريا مثلا، مثلاً عليه يقول: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4]. لم أكن، أكن هذا مضارع، طيب؛ لم أكن فيما هو آتٍ شقيا؟ لا، لم أكن فيما قبل -يعني يا ربي أنا جربت الدعاء كثيراً وجربت إجابتك، أنا أدو وأنت تستجيب كثيراً، فكذلك استجب لي في هذا، وإن كنت رجلاً كبيراً شيخاً كبيراً وكانت امرأتي عاقراً، فأنت قادر على أن تستجيب دعائي وأن تهبني ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب-. فأنا عادتي هكذا مع الدعاء، أدعو وتستجيب لي. فقال: ﴿وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ﴾، فأدخل على الماضي، فصار معناها... أدخل لم على المضارع فصار معناها الماضي.
طيب، لما صار معناها الماضي، تغير هذا المضارع من فعل إلى اسم أو إلى حرف؟ لا، فتغير الزمان لا يدل على تغير نوع الكلمة. تغير الزمان لا يدل على تغير نوع الكلمة. كذلك الماضي الذي سبق بـ(إن)؛ فعل الماضي إذا سبق بـ(إن) صار معناه الاستقبال؛ ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8]. وإن عُدتم عُدنا، عُدتم أصل الفعل عاد قبل ذلك، طب وإن عُدتم عُدنا -يعني إن عُدتم بعد ذلك، إن عُدتم للإفساد في الأرض عُدنا بتسليط عباد لنا عليكم وإهلاككم-. وإن عُدتم عُدنا، لما دخلت (إن) على الماضي صار بمعنى الاستقبال. طيب، هل يقال هذا، هذا الماضي لما دخلت عليه (إن) وصار بمعنى الاستقبال تغير زمانه، فيتغير مثلاً من فعل ماضي إلى اسم أو إلى حرف؟ فتغير الزمان لا يدل على تغير النوع. فكأنما يقول: فهي اسم على ذلك، لأنها قبل (إذ) كانت اسماً، قبل (ما) (إذ) قبل (ما) كانت اسماً، فأيضاً بعد ما تصير كما هي أو تبقى كما هي، تبقى اسماً. فهذا اختيارهم.
انتهى من (إذ ما) وبدا الكلام في (مهما). قال: واما (مهما)، فزعم الجمهور أنها اسم. بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 132]. أيضاً هذا مما ينبه عليه، تقول: قوله تعالى مهما تأتنا به من آية تسحرنا، لا اقرأ قبلها بكلمة واحدة: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾. قال: فالهاء من (به)، (مهما تأتنا به)، عائده عليها، والضمير لا يعود إلا على الاسماء. نعم. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن تُكْفَرُوهُ﴾ [آل عمران: 115]، فلن يكفروه أي لن يكفر... لن يكفروا هذا الذي فعلوه لن يكفروه، هذه الهاء التي في يكفروه عائدة على ما، ما هذه شرطية، كذلك هنا مهما شرطية: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ التي حر... فما نحن لك من... هذا جواب الشرط، فعاد عليها الضمير والضمير لا يعود إلا على الأسماء، فهي اسم على ذلك.
ثم سيذكر القول الثاني، قال: وزعم السهيلي وابن يسعون أنها حرف. السهيلي: أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الأندلسي المتوفى سنة خمس مئة وثمانين. وابن يسعون: أبو الحجاج يوسف بن يسعون توفي سنة اثنتين وخمس مئة وقيل بعدها. هذان العالمان قالا: أنها حرف. (مهما) حرف، طيب؛ ما دليله؟ قال: واستدل على ذلك بقول زهير: ومَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وإنْ خالها تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ. وزهير، وزهير معروف بزهير بن أبي سلمى؛ هكذا بضم السين. زهير بن أبي سلمى هو شاعر من شعراء الجاهلية، من أصحاب المعلقات المشهورة. فهذه... هذا البيت من معلقته المعروفة. استدلوا بقوله: ومَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ وإنْ خالها تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ. طب، ما دليلكم على انها حرف بهذا البيت؟ انها ليست اسما. قال يقرر كلامهما، قال: وتقرير الدليل انهما أعرابا (خليقة)، خليقة اسماً لتكن، ومهما تكن عند امرئ من خليقة، تكن خليقة -ومن زائدة، ومن زائدة- قال: فتعين خلو الفعل من الضمير، الفعل الذي هو (تكن)، وكون (مهما) لا موضع لها من الإعراب.
قالوا: فمهما ليس لها موضع من الإعراب، لماذا؟ لأنه إذا لم يكن هناك ضمير في (تكن) فليس هناك ضمير يعود على (مهما)، فهي لابد أن تكون مبتدأ. وسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى: إذا كان خبر المبتدأ جملة فلابد من رابط يربطه بالمبتدأ، فالرابط هنا المفروض أن يكون ضميراً، فالضمير ليس موجوداً، قالوا: إذاً ليست مبتدأ فليس لها محل من الإعراب، فهي حرف؛ قالوا: إذ لا يليق بها هاهنا لو كان لها محل إلا أن تكون مبتدأ، والابتداء هنا متعذر. لماذا تعذر؟ هذا على قولهما يعني، قال: لعدم رابط يربط الجملة الواقعة خبراً له، يعني خبراً لهذا المبتدأ الذي هو (مهما)، قال: وإذا ثبت أنه لا موضع لها من الإعراب تعين كونها حرفاً، ليس لها موضع من الإعراب فهي حرف. ثم يذكر بعد ذلك دليله على أنها اسم، فهو يختار أن (إذ ما) اسم وأن (مهما) اسم، انتهى كلام في (إذ ما).
يبين هنا في (مهما) قال: والتحقيق أن اسم (تكن) مستتر، (مهما تكن هي)، ومن خليقة تفسير لمهما، كما أن من آية تفسير لـ(ما) في قوله تعالى: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: 106]، (ما ننسخ من آية) فـ(من آية) تفسير لما الذي ننسخه من الآية، آيات، ومهما مبتدأ يبقى، كما قال: ما ننسخ من آية، فكذلك: ومهما تكن من خليقة، مهما كانت هذه الخليقة. طب ما دليلك أيضاً على أن مهما اسم؟ قال: ومهما مبتدأ والجملة خبر، مهما مبتدأ وهذه الجملة خبر، طيب أين الرابط؟ الرابط هو الضمير المستتر الذي قال: والتحقيق أن اسم تكن مستتر، هذا الضمير هو الذي يربط المبتدأ بجملة الخبر، أو جملة الخبر بالمبتدأ، فهي إذاً اسم لأنها مبتدأ، وجوز بعضهم أن تكون خبر تكن مقدماً عليها، فإذا كانت مبتدأ أو كانت خبراً فالمبتدأ والخبر لا يكونان في مثل هذا إلا اسمين، نعم، الخبر يأتي أحياناً مفرداً وجملة وشبه جملة، لكن في مثل هذا سيكون اسماً على كل، هي اسم والمسألة خلافية.
وأما (ما) المصدرية فهي التي تسبك مع ما بعدها بمصدر. (ما) المصدرية هي التي تسبك مع ما بعدها بمصدر؛ كيف ذلك؟ أولاً، قبل الكلام فيها هي اسم أم حرف وما الراجح؟ وسبق أن الراجح فيها وفيما يأتي بعدها، وهو أنهما حرفان، وفيما سبق أنهما اسمان، وهو أن (ما) و(لما) حرفان عند المصنف، و(مهما) و(إذ ما) اسم عند المصنف. لكن ما معنى هذا الكلام؟ هي التي تسبك مع ما بعدها بمصدر، معنى ذلك أنك تجد (ما) وتجد بعدها فعلاً، تجد بعدها فعلاً ماضياً أو مضارعا، فيقولون: (ما) والفعل الذي بعدها مع بعضهما هكذا يعطيك مصدرا، هذا المصدر اسم المصدر، مصدر من أنواع الأسماء. فمثلاً يقولون: الأسماء التي تعمل عمل الفعل هي كذا وكذا، منها المصدر، فالمصدر اسم، فـ(ما) تأتي مع ما بعدها يسبكان، يخلطان، يكونان معاً، يكونان لك اسماً هو مصدر، فهذه (ما) المصدرية؛ لأن هناك (ما) نافيه، وهناك (ما) زائدة، وهناك (ما) موصوله، وهناك (ما) استفهامية، والكلام هنا ليس عن كل هذا، إنما عن (ما) المصدرية التي تسبك مع ما بعدها بمصدر. مثال ذلك حتى يتضح المقال: نحو قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ [آل عمران: 118]، ودوا ما عنتم -يعني ايه ودوا ما عنتم؟ يعني أحب الذين كفروا والذين أشركوا وتمنوا، وكذلك المنافقون تمنوا أن تقعوا في العنت والمشقة- فقال: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ يعني ودوا عنتكم، أحبوا وتمنوا وقوعكم في العنت والمشقة.
(ودوا ما عنتم) طب (ما عنتم)، (عنتم) هذا فعل ماضي وثم التاء تاء الرفع التي هي فاعل، سبك كل هذا (ما) و(عنتم)، سبك وأخرج لنا مصدرا: (ودوا عنتكم). وأيضاً مثله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128]، يعز عليه ويصعب عليه عنتكم، بعكس الكفار والمنافقين الذين يحبون عنتكم، هذا نبينا صلى الله عليه وسلم لا يحب ذلك العنت وتلك الشقة لنا صلى الله عليه وسلم، (عزيز عليه ما عنتم) يعني عزيز عليه عنتكم. ومثاله أيضاً ذلك: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا﴾ [الأنعام: 146] يعني بكفرهم، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ﴾ في آية أخرى، ذلك جزيناهم ببغيهم، ببغيهم البغي مصدر، فكذلك هنا لما قال: جزيناهم بما كفروا يعني بكفرهم، كفرهم ببغيهم، فهذه اسمها (ما) المصدرية. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26] يعني إيه بما نسوا؟ يعني بنسيانهم، هذه في كل المواضع وفي غيرها اسمها (ما) المصدرية، تأخذها وتأخذ ما بعدها وتسبك منهما، تخرج منهما مصدراً.
هذه (ما) المصدرية، طب هذه حرف أم اسم؟ قال كمثل قول... يعني (ودوا ما عنتم) أي ودوا عنكم، وقول الشاهد... الشاعر: يَسُرُّ المَرْءَ مَا ذَهَبَ اللَيَالِي وكَانَ ذَهَابُهُنَّ لَهُ ذَهَابَا. يعني يسر المرء ذهاب الليالي، يسر المرء ما ذهب الليالي، ما ذهب يعني ذهاب، ذهاب الليالي، يسره ذهاب الليالي. وهذا واضح في الناس؛ وكان ذهابهن له ذهابا -يعني هو يفرح بمرور الأيام ومرور الشهور ومرور السنوات، وربما يصنع لكل يوم احتفالاً يوم كذا وكذا، وأنه مرت عليه سنة ثم سنة ثم سنة، فصار ذا ثلاثين سنة أو ذا أربعين أو ذا خمسين وهكذا، مع أن ذهاب هذه الأيام هي ذهاب له أصلاً، كلما مر سنة وفرحت بها فهي ذهاب لسنة كاملة من عمرك وتقريب إلى يوم القيامة وإلى الوقوف بين يدي الله تعالى-. وكان ذهابهن له ذهابا، فكانه يفرح بطيران شيء منه، بزوال شيء منه، هل رأيتم أحداً يفرح بزوال شيء من جسده، يفرح بزوال شيء من عمره؟ -يعني لا يحزن المرء إذا كان عمره في طاعة الله تبارك وتعالى، علماً وعملاً ودعوة مخلصاً لله متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أما في غير ذلك فكيف يفرح بذهاب العمر؟- قال: يسر المرء ما ذهب الليالي وكان ذهابهن له ذهابا، يعني يسر المرء ذهاب الليالي يفرحه ذهابها.
قال: أي يسر المرء ذهاب الليالي. وقد اختلف فيها أيضاً، اختلف في (ما) المصدرية، قال: فذهب سيبويه إلى أنها حرف بمنزلة (أن) المصدرية، و(أن) المصدرية حرف باتفاق. قال أيضاً: هذه كـ... فكما أننا نتفق على أن (أن) المصدرية حرف، فكذلك (ما) المصدرية حرف. وذهب الأخفش وابن السراج إلى أنها اسم بمنزلة (الذي)، هذا العالم الذي يمر ولا يتكلم فيه، فيكون سبق... فسبويه والأخفش وابن السراج إلى ما سبق، كلهم سبق التعريف بهم قبل. وذهب الأخفش وابن السراج إلى أنها اسم بمنزلة (الذي) واقع على ما لا يعقل، وهو الحدث. والمعنى: (ودوا الذي عندتموه) أي العنت الذي عندتموه، و(يسر المرء الذي ذهبه الليالي) أي الذهاب الذي ذهبه الليالي. فهذا قول لهذين العالمين ولمن تبعهما، أن (ما) المصدرية اسم بمعنى (الذي). بمعنى (الذي)، يعني مثلاً: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ [طه: 69]، يعني إن صنعهم كيد ساحر، ولا إن الذي صنعوه كيد ساحر؟ إن الذي صنعوه كيد ساحر. وعلى القول الآخر: إن صنعهم كيد ساحر، فأحياناً تكون (ما) محتمله لأن تكون مصدرية وأن تكون موصوله بمعنى (الذي): إن الذي صنعوه كيد ساحر، إنما صنعوه كيد ساحر. فهو اختر أن (ما) المصدرية هذه هي اسم بمعنى (الذي)، يعني (ودوا ما عنتم) يعني (ودوا عنتموه) يعني ودوا العنت الذي عندتموه، (يسر المرء ما ذهب الليالي) يعني يسر المرء الذهاب الذي ذهبه الليالي. هذا فيه شيء من التكلف، فهو لم يختر هذا المذهب. قال: ويرد على هذا القول أنه لم يسمع: أعجبني ما قمت وما قعدت، ولو صح ما ذكر لجاز ذلك. قالوا: يعني، يعني معنى أنه بمعنى أنه يقول: إنما يسمع عن العرب نحو: أعجبني ما قمت وما قعدت، هذا مسموع أو مثله مسموع عن العرب، أعجبني ما قمت وما قعدت، يعني أعجبني قيامك وقعودك فـ(ما) مصدرية. قال: لكن لو كانت بمعنى الذي جاز لهم أن يقولوا لقالوا مرة في نحو هذا: أعجبني ما...
قمته وما قعدته، يعني أعجبني القيام الذي قمته والقعود الذي قعدته. قال: إنما يقولون: ما قمت وما قعدت، فكأنهم يجعلونها مصدرية لا موصولة، فاستدل عليهم بعدم السماع. قال: لأن الأصل أن العائد يكون مذكوراً لا محذوفاً، يعني هم لماذا يقولون أعجبني ما قمت وما قعدت في كل مرة يقولون هذا؟ لا يقولون ما قمته وما قعدته، مع أن الأصل أن يذكر العامل لا أن يحذف. فكذلك هنا: ﴿وَدُّوا مَا كَفَرْتُمْ﴾ [الممتحنة: 1] الأصل أنه ليس هناك عامل محذوف، ليس الذي كفرتموه، هذه الهاء ليست محذوفة، لماذا نقدرها؟ لماذا نقدرها في الآية: ﴿وَدُّوا مَا كَفَرْتُمْ﴾، ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة: 128]، هذا لماذا نقدر عنيتموه؟ لا، لا نقدر. وكذلك: ما ذهب الليالي، لماذا نقدر ما ذهبته؟ فهو يختار أنها حرف.
الحرف الرابع والأخير في الأحرف، أو نعم الكلمة الرابعة، هذا أصح، الكلمة الرابعة، لأنه اختر أن الأولين اسمان، وأن الأخيرين حرفان، فالكلمة الرابعة هي: لما. ولما تكلم عن أنواعها ولا لن يدخل في لم الرابطة مرة واحدة، فتكلم عنه، وهذا يذكرنا لما عندما تكلم عن قبل وبعد، لما تكلم عن كأنهما يبنان على الضم إذا حذف المضاف إليه ونوي أو اريد معناه دون لفظه.
تكلم في أنواعها الأربعة؛ لأنها تأتي على أربعة أنحاء، وتكلم فيها، فكذلك هنا لما نتكلم عن لما الرابط، جاء بالنوعين الآخرين لما، قال: وأما لما فإنها في العربية على ثلاثة أقسام: نافية بمنزلة لم. نافية، أي هي نافية، هناك تقدير: هي نافية بمنزلة لم. فلما أخت لم، وسياتي بإذن الله تبارك وتعالى شيء من أوجه الشبه بينهما، وشيء من أوجه الافتراق بينهما. لم ولما من جواز المضارع وهما أول ما يذكر في جوازم المضارع لفعل واحد، نفيه بمنزله لم، نحو: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: 8] يعني كقول الله تبارك وتعالى: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23] أي لم يقض ما أمره، يعني لم يقض الإنسان كل ما أمر الله تعالى به، فلا بد من تقصير في حق الله تبارك وتعالى، فلا يدعي أحد الكمال وأنه يعني وصل إلى ما يستحق ربنا تبارك وتعالى، نبينا صلى الله عليه وسلم قال: «لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسي». نعم، قال: ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي لم يقض أمره. فلما بمعنى لم، ﴿لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ أي لم يقض أمره. ومثله أيضاً: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص: 8] أي لم يذوقوه وسيذوقونه فيما بعد. ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم، قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان، يعني لم يدخل الإيمان في قلوبكم حتى تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا كما هو معروف في تفسير الكلام. يعني هذه لم هذه حرف باتفاق والكلام ليس عنها.
قال: وإيجابية بمعنى إلا، أي أنها استثنائية بمعنى الاستثناء، نحو قولهم: عزمت عليك لما فعلت كذا، أي إلا فعلت كذا، أي ما أطلب منك إلا فعل كذا، وال لما الاستثنائية التي بمعنى إلا جاءت في بعض المواضع في كتاب الله تعالى كما في قوله سبحانه: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4]، ﴿وَإِنَّ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32]. ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ، ﴿وَإِنَّ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ يعني ما كل إلا جميع لدينا محضرون، فإن نافية بمعنى ما، ولما استثنائية بمعنى إلا. قال: وهي في هذين القسمين حرف باتفاق.
والثالث، النوع الثالث: أن تكون رابطة لوجود شيء بوجود غيره. هو الكلام في هذه لما الرابطة إذا كانت لربط شيء بوجود غيره، قال نحو: لما جاءني أكرمته. لما جاءني أكرمته، فانها ربطت وجود الإكرام بوجود المجيء: لما جاءني أكرمته. متى أكرمته؟ لما جاءك. فكانه قال له متى أكرمت هذا الإنسان؟ فيقول: لما جاءني، فلما جاءني أكرمته ربطت وجود الإكرام بوجود المجيء. ويقال في هذا: لما حرف وجود لوجود، ولو حرف امتناع لامتناع، ولولا حرف امتناع لوجود، فهذا لمن أراد الثلاثة معاني. فلما هذه حرف وجود، ربط وجود شيء بوجود غيره. وسيأتي لها أمثلة في كتاب الله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ [سبأ: 14] وهكذا، فالأمثلة آتية.
قال: واختلف في هذه (لم يختلف في لما النافية ولا في لما الاستثنائية)، إنما اختلف فيه المرد، فقال سيبويه: إنها حرف وجود لوجود. وقال الفارسي وجماعة: إنها ظرف بمعنى حين. ورد! ظرف، إذا كانت ظرفاً كما ذهب إليه هؤلاء الجماعة فهي اسم، فالظرف من أنواع الأسماء، هذا خلاف قول سيبويه. قال: ورد بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ [سبأ: 14] علموا أنه مات، لكن قبل ذلك كانوا يعملون بأمر سليمان عليه السلام وسخرهم في العمل وهو جالس أمامهم.
قال: وذلك أنها لو كانت ظرفاً احتجت إلى عامل يعمل فيها النصب، سيأتي بإذن الله تعالى أن الظرف يكون منصوباً، فهو نوع من أنواع المفاعيل الخمسة، وأضاف ونقسم إلى نوعين: إلى ظرف زمان وظرف مكان، أيما مكان الظرف إما أن يكون منصوباً وإما أن يكون مبنياً في محل نصب، كما سبق الكلام في قبل وبعد، فهما ظرفان، فإما أن يكونان منصوبين وإما أن يكونان مبنيين في محل نصب. إذاً فلابد من نصب في الظاهر، في الباطن، في اللفظ أو في التقدير. طيب، هذا النصب ليس هكذا، لابد من عامل يعمل النصب، ما الذي عمل فيها النصب هنا؟ هذا تقرير لكلام المصنف. قال: وذلك العامل إما قضينا أو دلهم، لماذا؟ إذ ليس معنا سواهما. ما الآية؟ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾، إما أن يكون العامل فيها قضينا (قضينا لما) وإما أن يكون العامل دلهم (ما دلهم لما). فهذا الذي، متى دلهم؟ دلهم لما مات، قضين، قضين. فهذا يقول هذا الذي يكون عاملاً فيها نصب، إذ ليس معنا سواهما.
قال: وكون العامل قضينا مردود بأن القائلين بأنها اسم يزعمون أنها مضافة إلى ما يليها. الذين يقولون هي اسم يقولون هي ظرف وتكون مضافة والذي بعدها مضاف إليه. طيب، فلما قضينا، إذا كانت الجملة جملة قضينا مضافاً إليه، قال: المضاف إليه لا يعمل في المضاف، فالمضاف إليه لا يعمل في، فلا يمكن أن تكون منصوبة بقضينا. إذا بقي معنا عامل آخر وهو دلهم. قال: وكون العامل دلهم مردود بأن ما النافية لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. هذه قاعدة، وإن كانت القاعدة قد تنخرم وقد يقال بل هذه الآية مثلاً دالة على أن ما منفيّ يعمل بعدها فيما قبلها، ويعني يستدل عليهم بذلك وهو استدلال بمحل النزاع، هذا أو ذاك. يعني الشاهد يعني أنه قال: المعروف يعني من القواعد أن منفيّ لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. فهنا: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ﴾ لا يصح أن يقال: ما دلهم متى؟ لم يدلهم لما قضينا عليهم. فلما قضينا على الموت ما د... الموتى ما دلهم. فقول: ما لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. إذاً ليس هناك شيء عمل فيها النصب، فهي إذاً لا محل لها من، فهي حرف.
وإذا بطل أن يكون لها عامل تعين أن لا موضع لها من الإعراب وذلك يقتضي الحرفية. طالما أنها ليس لها شيء يعمل فيها ولا يمكن أن تكون مبتدأ لأنها ظرفية حينية، أو لأنها رابطة ففيها معنى الظرف لو كانت اسماً ليس فيها معنى الابتداء، فهي إذاً عنده حرف. ولكن بعضهم يذهب إلى أنها إلى أنها اسم كما سمعتم. ولعل هذا أقرب، والذي يتتبع لما في كثير من آيات كتاب الله تعالى يجدها ظرفية حينية بمعنى الوقت والحين، ويجد شيئاً عمل فيها ياتي بعدها. حتى في الآية نفسها بعدها: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14] فلما خر تبينت الجن، متى تبينت؟ تبينت لما خرت، لما سقط سليمان عليه السلام بعد أن وقعت عصاه بعد أن أكلتها الدابة. فهنا: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ متى تبينت؟ تبينت لما خر، لما وقع وسقط. ففي الآية نفسها في الموضع الثاني فيها دليل على أنها ظرفية حينية فهي اسم، فلكن هذا اختيار المصنف وأنها حرف. يعني لأجل هذا تجدون في في بعض الكتب في بعض كتب الإعراب: لما رابطه أو حينيه أو رابطه أو ظرفية حينيه، الذي يعني ظرفية حينية بمعنى أنها ظرف فهي اسم، رابطة بمعنى أنها حرف، فكأن القائل بهذا يقول هي هكذا أو هكذا، لكن تختار أو هو لم يتأكد يعني من شيء من ذلك أو عنده المسألة فيها خلاف سائل.
ثم قال بعد ذلك: وجميع الحروف مبنية. صاد، كما قلت لكم صاد هذا هو الأصل، أصل الكتاب، والشين هو الشرح الذي معنى في هذا المجلد. صاد: وجميع الحروف مبنية. قال في الشرح: لما فرغت من ذكر علامات الحرف وبيان ما اختلف فيه منه ذكرت حكمه وانه مبني، لا حظ لشيء من كلماته في الإعراب.
بعد أن تكلم عن الحرف وعن علاماته وعن بعض الكلمات المختلف فيها ورجح أن هذه الكلمات الأربع منها الثاني ومنها حرفان، قال: ذكرت حكمه، ما حكم الحرف من جهة الإعراب والبناء لا من جهة أخرى؟ فالحروف تنقسم إلى عدة أقسام بعدة اعتبارات، منها حروف عاملة وحروف غير عاملة. والأحرف العاملة منها ما يعمل الرفع ومنها ما يعمل النصب ومنها ما يعمل الجر ومنها ما يعمل الجزم. وهناك حروف غير عاملة أصلاً، وهناك حروف مختصة بالاسماء وحروف مختصة بالافعال، وحروف تدخل على الاسماء وتدخل على الافعال ليست مختصة بشيء والحروف. حروف، لا تظن أنه عندما يقول جميع الحروف مبنية أنه يقصد حروف الجر فقط، لا يقصد جميع الحروف، سواء كانت للجر كحرف الجر المعروفة، أو كانت للنصب تنصب المبتدا وترفع الخبر (كان وأخواتها)، أو كانت للرفع ترفع المبتدا وتنصب الخبر (كما الحجازية وأخواتها)، أو كانت للجزم (كلام ولم وإن إلى آخره)، أو كانت غير عاملة كهل وبل وقد والسين وسوف فيما ذكر، ولم يذكر كل هذه الحروف وغيرها، كلها مبنية.
قال: يقال في إعرابها هذا حرف كذا مبني على كذا لا محل له من الإعراب، هذا الذي يقال في كل حين عندما تعرب الحرف، تقول هذا حرف كذا مكان كذا، تكتب هذا حرف نفي، هذا حرف توكيد، هذا حرف تشبيه، هذا حرف أي مكان ترجي تمني، أي مكان، هذا حرف كذا مبني على كذا، مبني على الفتح، مبني على الضم، مبني على الكسر، مبني على السكون، أيا ما كان، لا محل له من الإعراب هكذا تعرب كل حرف. قال: وانه مبني لا حظ لشيء من كلماته في الإعراب.
إذا رجعت مرة أخرى إلى أنواع الكلمات تجدها اسماً وفعلاً وحرفاً. الأسماء منها معرب ومنها مبني، والاصل فيها الإعراب. وإذا اردت أن تقول ما الأسماء المعربة لم تستطع أن تحصرها، لكن إذا قلت ما الأسماء المبنيه استطعت أن تحصرها وأن بصعوبة، لكن تستطيع أن تحصرها، أن تقول: هناك ستة أبواب كاملة، الضمائر، وأسماء الإشارة إلا هذين وهاتين ففيهما خلاف، والأسماء الموصولة إلا اللذين واللتين ففيهما خلاف، وأسماء الشرط، وأسماء الاستفهام، وأسماء الأفعال، هذه ستة أبواب كاملة، وبعض الظروف وبعض الأحوال وبعض الكلمات الأخرى والعدد المركب، هذه تستطيع أن تحصرها، وإن كان حصرها يعني يحتاج إلى شيء من الصعوبة وشيء من التطويل، لكن تستطيع أن تحصر الأسماء المبنية. أما الأسماء المعربة فهي كثيرة لا تدخل تحت حصرنا كبشر، كما يعلمها الله تبارك وتعالى ويحصيها سبحانه.
يبقى هذه الأسماء منها معرب ومبني، وهذا الكلام فيها. بعد ذلك الافعال، الفعل الماضي مبني دائماً باتفاق عند الجميع، مبني في كل حالته باتفاق لم يختلف في ذلك، لم يقل أحد إن الفعل الماضي معرب، لا أعرف والله أعلم، وإنما وحكي الاتفاق على ذلك، وفعل الأمر مبني دائماً في كل حال على الراجح وعلى أصح القولين، وقيل هو معرب كما سبق في حينه. الفعل المضارع يعرب أحياناً ويبنى أحياناً، الأصل في الإعراب ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، وسياتي كلامه عن ذلك إن شاء الله تعالى بتفصيله. ويرفع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، ويبنى في الحالتين الأخريين في حالتيه المعروفتين اللتين سبقتا في أول هذا الدرس: يبنى على السكون مع نون النسوة ويبنى على الفتح مع نون التوكيد.
الحرف مبني أيا ما كان نوعه، فكل الحروف مبنية. فهذه خلاصة الكلام في الاسم والفعل والحرف من جهة البناء ومن جهة العلامات. تكلم أيضاً عن علامات الأسماء وعلامات فعل الماضي وعلامات الفعل المضارع وعلامات فعل الأمر، وأن الحرف ليس له علامة ولا يقبل شيئاً من هذه العلامات.
ثم بدأ بكلام جديد، قال بعد ذلك: والكلام لفظ مفيد. صاد قال: والكلام لفظ مفيد. وانا والله لا أدرى لماذا عدل ها هنا عن القول إلى اللفظ مع أنه تكلم عن ذلك، يعني لعل بعضكم يذكر الذي يذاكر سيذكر أنه في أول الكلام قال: الكلمة قول مفرد، ثم فرع كلاماً طويلاً في أنه لماذا اختار أن يقول هو هي قول ولم يقل هي لفظ، وبين أن ذلك أصح وأن القول جنس قريب وأن اللفظ لفظ جنس بعيد، وأن هذه الأجناس البعيدة معيب استخدامها عند أهل النظر وهكذا. لكن لا أدرى لماذا لما جاء الكلام عن الكلام قال: الكلام لفظ مفيد.
لماذا عدل عن القول إلى اللفظ لا أدري، وهو في كتب أخرى من كتبه يقول: الكلام قول مركب مفيد، وهذا أدق، هذا أدق تعريف وأخسر تعريف للكلام: قول مركب مفيد.
قال بعد ذلك: لما أنهيت القول في الكلمة وأقسامها الثلاثة شرعت في تفسير الكلام. يبقى عندنا كلمة وعندنا كلام، لابد أن نفرق بين الكلمة وبين الكلام؛ الكلمة هي كلمة واحدة قول مفرد، زيد كلمة، قائم كلمة. طب زيد قائم مع بعضهما؟ هذا كلام. وهذه اسم الجلالة لله تتبارك وتعالى، اسم الله كلمة، قدير كلمة، طب والله قدير؟ هذا كلام، هذه جملة اسمه كلام. محمد كلمة، رسول كلمة، اسم الله كلمة، محمد رسول الله؟ هذا كلام.
قال: لما أنهيت القول في الكلمة وأقسامها الثلاثة شرعت في تفسير الكلام. فذكرت أنه عبارة عن اللفظ المفيد. قال: ونعني باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف، كما سبق، اللفظ حرف وصوت؛ أنت الآن تسمعني، تسمع صوتي وتسمعه مشتملا على أحرف عربية، هذا اسمه لفظ. إذا كان هذا مفهوما فهو قول لأنه مفيد، إذا كنت أنا أتكلم بكلام غير مفهوم في العربية هذا عندهم اسمه لفظ مهمل كما سبق في أول الكلام ليس له معنى.
ويعني باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف، أو ما هو في قوة ذلك، في قوة اللفظ. فالأول نحو قولك: رجل وفرس، أو قولك عندما تقول: رجل وفرس، مثل هذا يجوز فيه هذا وذاك بتأويل معروف. والثاني كالضمير المستتر في نحو: اضرب واذهب، المقدر بقولك: أنت. ويا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، أحيانا يأتي هذا الضمير يكون توكيدا للموجود، لكن: اذهب إلى فرعون إنه طغى، اذهب يعني اذهب أنت، فهنا أنت مقدر، فيقولون اذهب جملة، كيف يا جماعة جملة وهي كلمة واحدة؟ لا، معناها اذهب أنت، كما يقول ابن مالك عليه رحمة الله: كلامنا لفظ مفيد كاستقم، كاستقم هذا كلام.
يقال له: كيف استقم كلام وهو كلمة واحدة؟ نعم، معناه استقم أنت، كما قال الله تبارك وتعالى: فاستقم كما أمرت، استقم هذه جملة كاملة، بعد ذلك الجر والمجرور: كما أمرت، كما أمرك، هذا شيء كما يقول العلماء ليس من العمدة؛ يعني العلماء يتكلمون هناك عمدة في الكلام وهناك فضلة، شيء يأتي بعد ذلك. في أول الدرس القادم سياتي الفرق بين هذا وهذا عند كلامه: وأقل ائتلافه من اسمين، ستاتي صور تأليف الكلام عند العرب، كيف يرتبون كلامهم، كيف يصوغون كلامهم، كيف يؤلفون كلامهم.
هذا الذي جاء القرآن بنحو كلام في العربية، ولكنه جاء معجزا لهم؛ عجزوا أن يأتوا بمثله، أو بمثل عشر سور منه، أو بمثل سورة منه، مع أنه كلام عربي وأحرفه كأحرفهم، وكلماته ككلماتهم، وجمله كجملهم، وهكذا، وانما عجزوا جميعا ولم يستطيعوا أن يأتوا مثله. فهذه الكلمات يقولون هنا: اذهب، يعني اذهب أنت.
قال: ونعني بالمفيد ما يصح الاكتفاء به؛ يعني هو مفيد، إذا قلت: إن جاء زيد، هل هذا كلام؟ لا، ليس كلاما، لأنني ما زلت أحتاج كلاما، إن جاء زيد ماذا تصنع؟ إن جاء زيد مثلا أكلنا، هنا فهمت الكلام، يبقى لابد أن يكون مفيدا فائدة يحسن السكوت عليها، لا أحتاج إلى شيء بعدها.
قال: ونعني بالمفيد ما يصح الاكتفاء به، فنحو: قام زيد، كلام؛ لأنه لفظ يصح الاكتفاء به، لفظ حرف وصوت، وطبعا هو قول لأنه له معنى يصح الاكتفاء به لا يحتاج إلى شيء. وإذا كتبت: زيد قائم مثلا، فليس بكلام إذا كتبته، يعني أنت لم تتكلم، هو نعم كلام، أنا استطيع أن أعربه إذا قلت لك يعني اختبرتك في اختبار لا أتكلم إنما كتبت لك في ورقة: أعرب ما تحته خط، أنا كتبت هذا فقلت: زيد قائم، وضعت لك خطا تحت قائم، ستكتب: زيد مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، قائم خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة، فلن تقول: لا، ليس هذا كلاما حتى أعربه، حتى أعربه! لا، إنما مراد هذا: ليس كلاما تكلم به وتلفظ به المتلفظ.
قال: لأنه إن صح الاكتفاء به لكنه ليس بلفظ. وكذلك إذا أشرت إلى أحد بالقيام أو القعود فليس بكلام لأنه ليس بلفظ، إنما يريد: هذا ليس كلاما عند النحويين، ولكل قوم خصائصهم واصطلاحاتهم الخاصة بهم كما سبق في أول الكلام، يعني أن هذا ليس بكلام عند النحويين، ليس بكلام عند النحويين. فلابد عندهم أن يكون الكلام ملفوظا به، أن يكون الكلام ملفوظا به.
ثم بعد ذلك قال: وأقل ائتلافه من اسمين كزيد قائم، أو من فعل واسم كقام زيد. ثم تكلم عن صور تأليف الكلام، صور تركيب الكلام وتأليفه ونظمه كما هو معلوم، وهذا مبحث طويل إن شاء الله تبارك وتعالى أبدأ به الدرس القادم، وبعده يأتي الكلام في الإعراب، وإن شاء الله بإذن الله تعالى يسهل الكلام والكتاب شيئا فشيئا بإذن الله تبارك وتعالى، هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق