اما بعد، فهذا هو الدرس الرابع من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدا للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله. وقد سبق الكلام في الدروس الثلاثة الماضية في تعريف الكلمة وتقسيمها إلى اسم وفعل وحرف، وتكلم المصنف بعد ذلك عن بعض علامات الأسماء. ثم قسم الاسم إلى معرب ومبني، وتكلم عن الإعراب إجمالاً، ثم فصل شيئاً في البناء وقسمه إلى أربعة أقسام، وكان الكلام في بناء الاسم خاصة ومثل لكل نوع من هذه الأنواع الأربعة؛ فمثل للبناء على الكسر بهؤلاء وحذامي وأمس، وللبناء على الفتح بأحد عشر وأخواته (يعني الجزء الأول من هذا العدد)، ومثل للبناء على الضم بقبل وبعد وما أشبههما في حالة واحدة وهي إذا حذف المضاف إليه وأريد معناه دون لفظه. واستدعى الكلام في قبل وبعد أن يذكر حالاتها الأربع فتكلم عليها. ثم مثل للبناء على السكون بمن وكم، ومن بأنواعها تدخل في هذا، وكم بنوعيها الخبرية والاستفهامية أيضاً تدخل في هذا.
ثم تكلم عن الفعل وقسمه إلى ثلاثة أقسام؛ إلى ماض ومضارع وأمر. وكان مما سبق في أواخر الدرس الماضي أن الفعل الماضي مبني دائماً، وهو مبني دائماً باتفاق؛ فيبنى على الضم إذا اتصلت به واو الجماعة، قالوا سمعنا، ويبنى على السكون إذا اتصل به ضمير رفع متحرك، وضمائر الرفع المتحركة -سيأتي الكلام في الضمائر كلها- وسيأتي أن ضمائر الرفع المتحركة ثلاثة ضمائر، وهي تاء الرفع التي يقال لها تاء الفاعل، ونون النسوة أو نون الإناث، ونا الضمير الذي يقال له أحياناً نا الفاعلين. فإذا اتصل شيء من ذلك بالفعل الماضي فهو مبني على السكون، وفيما عدا هاتين الحالتين فإنه يبنى على فتح، هذا آخر ما كان في الدرس الماضي. ثم بقيت بقية في الكلام عن الفعل الماضي وهي التي أبدأ بها الكلام في هذا الدرس بإذن الله تبارك وتعالى.
قال رحمه الله تعالى: ولما كان من الأفعال الماضية ما اختلف في فعليته نصصت عليه ونبهت على أن الأصح فعليته وهو أربع كلمات: نعم، وبئس، وعسى، وليس. وهناك كلمات اختلف فيها، والمصنف يذهب إلى أنها أفعال ماضية، لماذا يذهب هذا المذهب؟ لأنها تقبل العلامة الفارقة للفعل الماضي وهي تاء التأنيث الساكنة كما سبق. فالعلامة الفارقة للفعل الماضي هي تاء التأنيث الساكنة، فأي كلمة قبلت تاء التأنيث الساكنة فهي فعل ماضي، فهذه الكلمات هي نعم، وبئس، وعسى، وليس. قال بعضهم: نعم وبئس اسمان -وسياتي دليل هذا القول- وقال آخرون: عسى وليس حرفان. والصواب أن الأربعة أفعال ماضية؛ لماذا؟ لأنك تقول ويصح أن تقول نعمت، وبئست، وتجد هذا كلاماً صحيحاً ليس عليه غبار؛ نعمت، وبئست، وعست، وليست. فقبت علامة الماضي الفارقة.
فأما نعم وبئس، فذهب الفراء وجماعة من الكوفيين إلى أنهما اسمان، واستدلوا على ذلك بدخول حرف الجر عليهما في قول بعضهم وقد بشر ببنت: والله ما هي بنعم الولد، وقول آخر وقد سار إلى محبوبته على حمار بطيء السير: نعم السير على بئس العير (العير وليس العير، وهو العير يعني الحمار). فهذا الكلام في أول كلمتين نعم وبئس. فالخلاف بين أهل العلم ههنا أن كثيراً منهم ذهب إلى أن نعم وبئس فعلان ماضيان، كما ستأتي الأدلة إن شاء الله تعالى، وذهب جماعة من العلماء منهم الفراء -وقد سبق التعريف بالفراء وأنه أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء الكوفي متوفى سنة سبع ومئتين عليه رحمة الله، وهو من أئمة الكوفة الكبار- ذهب الفراء وغيره من أئمة الكوفيين إلى أن نعم وبئس اسمان. فإذا قيل لهم: ما دليلكم؟ قالوا: دليلنا أنه سمع في كلام العرب أن بعض الناس كان ينتظر أن تلد امرأته ولداً، فجاءه الساعي يقول له: قد ولدت لك جارية، ولدت لك بنت، فقال: والله ما هي بنعم الولد، على عادة العرب في جاهليتها أنهم كانوا لا يحبون البنات، وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم.
فقال: والله ما هي بنعم الولد. ما دليلكم على ذلك؟ قالوا: قال: بنعم. وكلنا يعلم أن حرف الجر لا يدخل إلا على الأسماء، فالجر من علامات الأسماء ومنه الجر بالحرف، فحرف الجر هذا لابد أن يدخل على اسم، قالوا: هو قال: والله ما هي بنعم، فدخل عليها حرف الجر. قالوا أيضاً: سمع من قول بعضهم وقد كان يذهب إلى أحبته، ولكن يريد الإسراع ومع ذلك لم يكن عنده مثلاً ناقة سريعة أو فرس سريع، إنما كان عنده حمار بطيء، فكان يقول: نعم السير على بئس العير؛ نعم السير هذا السير المحبوب إلي، ولكن لا أجد حماراً سريعاً ولا فرساً سريعاً ولا ناقة سريعة، إنما وجدت حماراً بطيئاً فقال: نعم السير على بئس العير. فدليلهم أنه قال: على بئس، وعلى حرف جر، وحروف الجر كما سبق لا تدخل إلا على الأسماء، فهذا تقرير هذا المذهب. طبعا سياتي الرد عليه بعد ذلك.
أنا يعني أريد أن أمشي مع كتابي شيئاً فشيئاً، وإن كان يعني يحسن أن أذكر هذا المذهب بدليله مع المذهب الآخر بدليله، ولكن سامضي كما مضيت في الدروس السابقة، وإن شاء الله سأمضي على هذا دائماً، لا أتقدم على شيء ولا أذكر شيئاً متقدماً على مكانه، فما يذكره المصنف في مكانه أذكره، إلا أن تكون هناك حاجة ملحة أو ضرورة تستدعي ذلك والله أعلم.
قال: وأما ليس فذهب الفارسي في الحلبيات إلى أنها حرف نفي بمنزلة ما، قال: وتابعه على ذلك أبو بكر بن شقير. هنا بعد ذلك قال: وأما عسى فذهب كوفيون إلى أنها حرف ترج بمنزلة لعل، وتبعهم على ذلك ابن السراج. هنا تكلم عن ليس وعسى بعد أن تكلم عن نعم وبئس في المذهب الذي يراه هو مرجوحاً، سيتكلم أيضاً عن ليس وعسى في المذهب المرجوح عند كثير من العلماء. قال: ليس ذهب بعض العلماء ونسب هذا إلى الفارسي وإلى أبي بكر بن شقير. والفارسي هو أبو علي الفارسي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار، وكان فيه شيء من الاعتزال، لكنه عالم كبير من أئمة العربية، وله جهد مشكور في تخريج القراءات السبع، التي كان قد وضعها أول من تكلم فيها شيخه أبو بكر بن مجاهد، أول من سبع السبع أبو بكر بن مجاهد شيخ أبي علي، أبو بكر بن مجاهد صنع كتاب السبع، ثم جاء أبو علي فصنع احتجاجاً لهذه السبع سماه الحجة في القراءات السبع، فكان له جهد مشكور في هذا، وإن كان يتقى اعتزاله، وهو متوفى سنة سبع وسبعين وثلاث مئة. وهنا جاءني إشكال وياتي، إلا أن يكون الإشكال عندي أنا؛ لأن المصنف قال: وتابعه على ذلك أبو بكر بن شقير، وأبو بكر معروف أنه توفي سنة سبع عشرة وثلاث مئة، فهو متقدم على الفارسي، أبو بكر نعم كان متعاصرين شيئاً ما، لكن أبو بكر مات في شباب الفارسي، فلا يمكن أن يكون الفارسي تبع أبا بكر إلا أن يكون الاشكال عندي أنا في عدم تحديد هذين العالمين جيداً، لكن هذا الذي أعرفه: أبو بكر بن شكير أحمد بن الحسن متوفى سنة سبع عشرة وثلاث مئة، وهو متوفى قبل الفارسي بستين سنة، قبل وفاة الفارسي بستين سنة، فيصعب أن يكون هو الذي أن يكون الفارسي تبعه، عقاب والله أعلم، هذا هو المذكور.
طيب الشاهد؛ ماذا يقولون؟ قالوا: ليس حرف بمنزلة ما، كما أن ما حرف نفي سواء كانت عاملة عمل ليس أو ليست عاملة، كما سياتي إن شاء الله تعالى في الأحرف التي تعمل عمل ليس، فهناك أربعة أحرف تعمل عمل ليس، سيذكر المصنف ثلاثة منها في بابها إن شاء الله تعالى، وهي ما ولا ولات وإن النافيتان، ويسميها بعض العلماء ما الحجازية، وهي حقيقة بهذه التسمية؛ لأنها بذلك لغة أهل الحجاز، فهي تعمل عمل كان ويقولون تعمل عمل ليس؛ لأنها تعمل عملها وهي بمعنى النفي كمثلها، فما هذه ترفع المبتدا وتنصب الخبر، كما ورد ذلك صريحاً في آيتين في كتاب الله تعالى؛ في قول الله تبارك وتعالى: ما هن أمهاتهم، وكذلك ما هذا بشرا فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا، يعني ليس هذا بشراً، عندما رأت النسوة يوسف ورأين جماله أبهرن به فقال قلن: ما هذا بشر، يعني ليس هذا بشر، فما بمعنى ليس وليس بمعنى ما، إذاً ما حرف باتفاق. فليس كذلك عند هؤلاء العلماء أو عند هذين العالمين ومن تبعهما، كما أن ما حرف فكذلك ليس حرف بمعنى النفي.
وعسى أيضاً ذهب بعضهم -وهو نسبة إلى الكوفيين- إلى أنها حرف للترجي، للرجاء يعني بمنزلة لعل، وقد تبعهم على ذلك ابن السراج كما فقال. وابن السراج هو أبو بكر محمد بن السري بن سهل المتوفى سنة ست عشرة وثلاث مئة، وهو نحوي بغدادي يميل إلى نحو الكوفة. فقالوا أيضاً: عسى حرف ترجي بمنزلة لعل. والمصنف نفسه في بعض كتبه ذهب إلى أنها تأتي هكذا أحياناً ليس دائماً، إنما أحياناً تأتي حرفاً، واستشهد لها بقول القائل: ولي نفس تنازعني إذا ما قول لها لعلي أو عساني فالياء اسم لعل والياء الأخرى اسم عسى والخبر محذوف، فجعلها من أخوات إن، جعل إن من أخواتها في بعض الأحيان عسى.
قال بعد ذلك: والصحيح أن الأربعة أفعال. الصحيح؛ فذهب إلى أن المذهب الأول مذهب خطأ مرجوح، والراجح والصحيح غيره. قال: والصحيح أن الأربعة أفعال. طيب ما دليلك؟ هذه دعوة، غيرك يدعي وأنت تدعي، قال: بدليل لابد للدعوة من دليل، قال: بدليل اتصال تاء التأنيث الساكنة بهن؛ فتاء التأنيث الساكنة تتصل بنعم وبئس وعسى وليس، فتقول في كلامك: نعمت، وبئست، وعست، وليست، كما سبق. قال: كقوله عليه الصلاة والسلام: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». والمعنى: من توضأ يوم الجمعة فبالرخصة أخذ، ونعمت الرخصة الوضوء. وتقول: بئست المرأة حمالة الحطب، وليست هند مفلحة، وعست هند أن تزورنا. فمثل بالحديث، والحديث حسنه جماعة من العلماء كالترمذي وغيره، وبعضهم تكلم فيه وقال: كل طرقه ضعيفة، علله بالإرسال أو بالانقطاع بين الحسن والسمر، هذا كلام معروف في الحديث يعني، لكن الحديث فيه الوجهان بين التحسين بطرقه أو التضعيف، فعلى كل هو استشهد به فقال: فبها ونعمت، فقال نعمت، إذاً هذا فعل ماض؛ لأنه قبل تاء التأنيث الساكنة.
وفي البخاري أن عمر رضي الله عنه قال: نعم البدعة هذه، لما جمع الناس على إمام واحد بعد ما صار خليفة للمسلمين. والمقصودة بهذه البدعة كما قال أهل العلم التسمية اللغوية، وإلا فالنبي صلى الله عليه وسلم صلى بعض الليالي بأصحابه جماعة في رمضان في غير الفريضة، وهي التي تسمى بصلاة الليل، أي ما كانت تسمى التراويح أو القيام أو التهجد أي ما كانت، في صلاة الليل، لكنه ترك ذلك صلى الله عليه وسلم خشية أن تفرض على الصحابه الكرام. فبعد ذلك كان الأمر هكذا، يصلي من أراد أن يصلي فرداً وحده، يصلي الناس فرادى بقية حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكذلك كل إمارة أبي بكر وصدراً من إمارة عمر، ثم أراد عمر أن يجمعهم، فلما جمعهم ورأىهم كذلك خرج عليهم في ليلة، فلما رأىهم مصطفين هكذا قال: نعم البدعة هذه، يعني أن هذا أمر لم يكن موجوداً في السنوات الماضية وصار الآن موجوداً، فمراده البدعة اللغوية ليس مراده البدعة الشرعية، فليس هذا دليلاً على أن البدعة تنقسم إلى بدعة حسنة وبدعة سيئة، لا، هذا لا يصح دليلاً في ذلك؛ لأن أصل المساله موجود في الشريعة. شاهده أنه قال: نعم البدعة هذه.
طيب، قد يستشكل مستشكل الاستشكال الماضي مراراً، وهو تقول: تاء التأنيث الساكنة هذه ليست ساكنة، نعم البدعة هذه، هذه متحركة هذه مكسورة! فأقول كما سبق مراراً: هذه الكسرة ليست كسرة إعراب وليست كسرة بناء، وإنما هي كسرة للتخلص من التقاء الساكنين، نعم البدعة، والبدعة أولها ألف همزة وصل لا تنطق، فالذي ينطق بعد التاء نعم اللام واللام ساكنة، فالعرب لا تنطق بالساكنين في مثل هذا الموطن هكذا، فيحركون الأول كما رأيتم نعم البدعة هذه.
وبئست اخت نعم، نعم لإنشاء المدح وبئس لإنشاء الذنب، فإذا جاز أن يقال نعم فيقال أيضاً بئست، وهاتان الكلمتان وردتا في كتاب الله تعالى، لكن بغير التاء: نعم العبد إنه أواب، ولنعم دار المتقين، وكذلك الأخرى: فبئس المصير، فبئس المهاد، فلبئس مثوى المتكبرين، هكذا وردت بغير التاء، ويجوز أن تأتي بالتاء كما رايت. وكذلك ليست، وليست الوحيدة في هذه الكلمات الأربع التي جاءت في كتاب الله تعالى بتاء التأنيث الساكنة؛ جاءت في بعض المواضع، كما في قول الله تبارك وتعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار وليس توبته أيضاً، وليست التوبة -وحركت التاء لالتقاء الساكنين أو تلافياً لالتقاء الساكنين-. وقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، ليست ليست؛ فهذه لا إشكال فيها؛ لأنها وردت في أفصح الكلام وهو كلام الله تبارك وتعالى.
وقال: عست هند أن تزورنا. وهذه أيضاً ورد عسى في كتاب الله كثيراً، لكن ليس موجوداً بالتاء: عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عديتم منهم موده، عسى ربكم أن
يرحمكم، لكن يجوز في غير كتاب الله يقال: عست، كما قال هنا: عست هند، وليس وعسى.
قبل شيئاً آخر مما يدخل على الفعل الماضي، وهو كما سبق سبقت الإشارة إليه في الدرس الماضي، وهو تاء الرفع أو تاء الفاعل التي تسمى تاء الفاعل، هذه أيضاً من العلامات التي لا تدخل إلا على الأفعال الماضية. وقد ورد ذلك في الكتاب القرآن في كتاب الله تبارك وتعالى، فكما قال ربنا سبحانه: ﴿فَهَلْ عَسِيتُمْ إِن تَّوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: 22]، عسيتم هذه التاء هي تاء الرفع اسم عسى، وكذلك: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلَّا أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267] عسيتم ولستم. هذا هو مؤدى الكلام في قبولها تاء التأنيث الساكنة، وكذلك في قبول بعضها تاء الرفع.
طيب، بقي شيء بعد أن استدل لمذهبه الذي رآه صحيحاً ورأى غيره خطأً، فيبقى أن تفند دليل مخالفيك. قال: وأما ما استدل به الكوفيون فمؤول. الكوفيون قالوا: نعم السير على بئس العير، والله ما هي بنعم الولد بنعم وعلى بئس. قال هنا هو مؤول، قال: فمؤول على حذف في الموصوف وصفته وإقامة معمول الصفة مقامها. والتقدير: والله ما هي بولد مقول فيه نعم الولد، ونعم السير على مقول فيه بئس العير. فقال: حرف الجر داخل على كلمة محذوفه، هذه الكلمة المحذوفة اسم، والله ما هي بولد بولد مقول فيه، بولد يعني أنا أقول فيه أو الناس يقولون فيه نعم الولد، هي ليست كذلك. وكذلك نعم السير على على حمار مقول فيه بئس العير، من راه هكذا بطيئاً يقول بئس هذا العير بئس هذا الحمار، تقول: ما هي بولد مقول فيه. قال: على حذف الموصوف وصفته. الموصوف هو ولد، وصفته هي كلمة مقول. يعني بولد يقال فيه هذا الموصوف السير أو عفواً على الموصوف وكذلك صفته مقول يعني على ولد مقول فيه على عير مقول فيه حال كل هذا وأبقى معمول الصفة، ما معمولها؟ مقول فيه الذي يأتي بعد القول اسمه مقول القول: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح: 5]، قال: ما الذي قاله نوح عليه السلام؟ قال هذا الكلام: رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً، هذا اسمه مقول القول هذا معمول للقول الجملة هذه اسمها مفعول به لأنها مقول القول. فهو أبقى معمول الصفة، أبقى مقول القول، فقال: على بئس العير على أو بنعمة الولد هكذا خرج ذلك حتى يفند دليله. قال: فحرف الجر في الحقيقة إنما دخل على اسم محذوف كما بينا.
ثم مثل له بمثال واضح يقطع كل كلام لو كان عربياً، وأنبه على هذا: لو صح أن هذا المثال عربي وصحت نسبته إلى أحد من العرب أو وجد في كتب الأولين فهذا قاطع لكل جدال. قال كما قال الآخر: والله ما ليلي بنام صاحبه ولا مخالط الليان جانبه. أين الشاهد حتى يقاس عليه غيره؟ قال: والله ما الليل بنام صاحبه، نام. قال: كأنه يقول لهم الفعل أو الكلمه التي هي نام هذه فعل ماض عندنا وعندكم، يقولون: نعم هي فعل ماضي عندنا وعندكم، وهي تقبل تاء التأنيث الساكنة: نام نامت، فلا يخالفون في هذا. قال لهم: نعم جاء بها الشاعر هكذا وجعلها مسبوقة بحرف الجر وهو الباء: والله ما ليلي بنام. سيقولون: نعم هذه الباء ليست داخلة على الفعل إنما هي على اسم محذوف. سيقول لهم: نعم وأنا أريد ذلك، كما أن هذه الباء داخلة على اسم محذوف فكذلك في أمثلتكم التي ذكرتموها بنعم الولد على بئس العير، كذلك الباء داخلة على اسم محذوف، يعني والله ما ليلي على نفس الطريقة أو على الطريقة نفسها، والله ما ليلي بليل مقول فيه نام صاحبه، ليلي هذا ليس ليلاً يقال فيه نام صاحبه إنما أنا أسهُر طول الليل، قال: أي بليل مقول فيه نام صاحبه.
قال: ولما فرغت من ذكر علامات الماضي وحكمه وبيان ما اختلف فيه منه، ثنيت بالكلام على فعل الأمر. انتهى عن انتهى من الماضي وعلاماته وحكمه من الإعراب والبناء وأنه مبني دائماً في كل حال، وبناؤه يكون على الضم إذا كان بعده واو الجماعة، أو على السكون إذا كان بعده ضمير رفع متحرك، وعلى الفتح فيما عدا ذلك. قال: وبيان ما اختلف فيه منه بعد أن بينت بعض الكلمات التي اختلف فيها والصحيح أنها أفعال ماضية، ثنيت بعد ذلك بالكلام على فعل الأمر.
قال: ثنيت بالكلام على فعل الأمر، فذكرت أن علامته التي يعرف بها مركبة من مجموع شيئين وهما دلالته على الطلب وقبوله ياء المخاطبة. إذاً فعل الأمر علامته مركبة، علامته مزدوجة، علامته لابد من اجتماع شيئين معاً، لا تنفك إداهما عن الأخرى أو لا ينفك أحدهما عن الآخر، يعني لا ينفك شيء من الشيئين عن الآخر ولا علامة من العلامتين عن الأخرى. العلامة الأولى: دلالته على الطلب، لابد أن يدل بصيغته على الطلب، أنت تفهم من الكلمة التي تقال أن المتكلم يريد من المخاطب أن يفعل ما أمراً وجوباً أو استحبَاباً أيا ما كان، أنه يريد منه طلباً، ولو كان نداءً أو دعاءً: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ [نوح: 28] أيا ما كان يكون طالباً شيئاً ما، سواء كان هذا الطلب من فوق إلى تحت، أو من تحت إلى فوق، أو من مساو إلى آخره، أيا كان هو يريد طلباً، فهذه الصيغة لابد أن تكون في الكلمة حتى تحكم أنها فعل أمر.
ليس هذا وحده، لابد من هذه مع هذا، مع قبوله ياء المخاطبة. لماذا؟ لأنك تجد بعض الكلمات تدل على الطلب لكن لا تقبل ياء المخاطبة، وتجد كلمات أخرى تقبل ياء المخاطبة لكنها لا تدل على الطلب، ليست هذه أفعال أمر وليست هذه أفعال أمر، تسمى شيئاً آخر كما سياتي إن شاء الله تعالى. فعل الأمر لابد من اجتماع هاتين العلامتين فيه، هما دلالته بصيغته على الطلب مع قبوله ياء المخاطبة. وذلك نحو: قُم، فانه دال على طلب القيام نعم، ويقبل ياء المخاطبة تقول إذا أمرت المرأة: قومي. وكذلك: اقعد واقعدي، واذهب واذهبي. قال الله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم: 26]. الكلمة إذا دلت على الطلب وقبلت ياء المخاطبة فهي فعل أمر.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. الكلمة التي هي قل أريد أن أستدل على أنها فعل أمر بهاتين العلامتين معاً. قل تدل على الطلب، هي تدل الآن على الطلب يطلب منه أن يقول هذا القول، قل! يبقى إذاً دلت بصيغتها على الطلب، وكذلك تقبل ياء المخاطبة، فتقول للمرأة: قولي. ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْماً﴾ [مريم: 26]. يقول قائل: نعم قولي فعل أمر يدل على الطلب وفيه ياء المخاطبة.
طيب، الفعل قل، لابد أن أسأل نفسي: هل هو فعل أمر؟ نعم، لأنه يدل على الطلب ويقبل يقبل أكرر: يقبل ياء المخاطبة، لا يلزم أن تكون العلامة موجودة، يعني العلامة الثانية وهي قبول ياء المخاطبة، أما العلامة الأولى التي هي دلالته بالصيغة على الطلب التي لا تنفك عنه أصلاً لابد أن يدل بصيغته على الطلب، لكن قبوله ياء المخاطبة لابد أن يقبلها لكن لا يلزم أن تكون موجودة فيه. ففعل قل هذا فعل لم تكن فيه ياء الخطاب لكنه يقبلها: قولي.
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]. اسجد هذا يدل بالصيغة على الطلب، على طلب السجود. طيب، هل يقبل ياء المخاطبة؟ نعم، ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: 43]. ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ [طه: 69]، يخاطب الله عز وجل موسى عليه السلام فيقول له: وألق ما في يمينك. طب لما خاطب أمه، هذا هنا مخاطبة مؤنثة قال: ﴿فَإِخَافَتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 7]، قال: وألق ما في يمينك بغير ياء. فألقيه هذه الياء هي ياء المؤنثة المخاطبة، فياء المخاطبة هي ياء المؤنثة التي تخاطب. نعم قال الله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً﴾ [مريم: 26]. فهذه الأفعال أو هذه الكلمات الثلاث كلي واشربي وقري أفعال أمر لأنها دلت بالصيغة على الطلب وقبلت ياء المخاطبة. فمريم عليها السلام فهمت من قول القائل لها -سواء كان القائل جبريل أو كان عيسى على القولين المشهورين في ذلك هو الذي ناداها من تحتها أو ناداها من تحتها كما في القراءتين أيا ما كان- ففهمت من قول من قال لها: كلي واشربي وقري عيناً، فهمت أنه يطلب منها ذلك، يريد منها ذلك، يأمرها بذلك: كلي اشربي قري، فدل بصيغته على الطلب وقبل هنا ياء المخاطبة كما ترون كلي اشربي قري، فهذه أفعال أمر.
قال: فلو دلت الكلمة على الطلب ولم تقبل ياء المخاطبة نحو صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى كف؛ أو قابلت ياء المخاطبة ولم تدل على الطلب نحو: أنت يا هند تقومين وتاكلين، لم يكن أو لم تكن فعل أمر. لم يكن أي اللفظ يعني، أو لم تكن أي لم تكن الكلمة فعل أمر. فالذي عنده لم يكن هذا صحيح، ولو كانت لم تكن أيضاً هذا صحيح لأنه قال: فلو دلت الكلمة، يبقى إذن الكلمة إذا قبلت نصف العلامة، أو إذا قبلت علامة من العلامتين وحدها دون الأخرى فهي ليست فعل أمر، إنما ستكون لها اسم آخر، سيكون لها اسم آخر.
فعندك اسم فعل أمر: صه ومه. صه بمعنى اسكت. طيب الكلمة التي اسكت هذه فعل أمر أم لا؟ نعم فعل أمر، تقول للرجل: اسكت، وللمرأة: اسكتي، فدل اسكت واسكتي على طلب على طلب السكوت وقبلت ياء المخاطبة فيقول: اسكتي، هو فعل أمر. طيب صه التي بمعناها لا ليست فعل أمر، هذه اسمها اسم فعل أمر، اسم فعل أمر، وانت لعلك تذكر عندما ذكر المصنف أمثلة الأسماء المنونة قال: صهن نحو صهن وحينئذ في أوائل الكلام فجعل من الأسماء صه وجاء بها بالتنوين بمعنى اسكت وبمعنى اسكتي وبمعنى اسكتا واسكتوا واسكتنا كل كل يخاطب، يعني إذا خاطبت مذكراً تقول له صه، مؤنثة تقول لها صه، إذا خاطبت اثنين تقول صه، إذا خاطبت جماعة من الرجال أو النساء تقول أيضاً صه بلفظ واحد، هذا اسمه اسم فعل أمر.
ومن الدليل على ذلك وكذلك مه بمعنى اكف، وبعضهم يقول بمعنى انكف، اكفف عن هذا الذي تتحدث فيه أو انكف أنت سواء كان لازماً أو متعدياً في هناك خلاف في ذلك يعني، أيضاً تدل على الأمر لكنها ليست فعل أمر، إنما هي اسم فعل أمر. وجاء سؤال أو رايت سؤالاً: هل المحاضره مسجلة؟ والله يعني شيخنا أبو عمر قال يعني أنك إذا بدات أنت البث فالمحاضرات تكون مسجلة عندك. أنا الذي بدات الدرس والبث من عندي فأرجو أن تكون المحاضرة مسجلة إن شاء الله تعالى.
إذاً صه ومه ليس فعلي أمر وإنما كل واحد منهما اسم فعل أمر. من الدليل على ذلك ما في الصحيح من قصة هاجر عليها السلام لما سمعت صوتاً وهي تسعى بين الجبلين بين الصفا والمروة سمعت صوتاً فقالت: صهن، تريد نفسها، قالت: صهن تريد نفسها يعني هي تقول لنفسها صهن، لو قالت لو قالت بفعل الأمر لقالت: اسكتي اسكتي يا هاجر حتى تعلمي ما هذا الصوت وثم قالت لقد اسمعت لو كان عندك غواث فأغث، يعني فشاهد قالت: صهن أي اسكتي عن أي كلام، وهذا التنوين يقولون هو تنوين التنكير، إذا قلت صه فأنت تريده أن يسكت عن هذا الكلام المعين الذي يتكلم فيه، فإذا قلت صهن تريده أن يسكت عموماً، فهذا فيما فرق بعضهم يعني. فالمهم ثم أنها قالت صه لم تقل صهي بالياء، وإن كانت الكلمة تدل على الطلب لكنها لا تقبل ياء المخاطبة وهي تخاطب نفسها وهي أنثى.
وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل على عائشة كما في الصحيح أيضاً فوجد عندها امرأة فقال: من هذه؟ قالت: فُلانه تذكر من صلاتها تذكر أنها تفعل كذا وكذا وكذا وتكثر ربما تشدد على نفسها، فقال: مه عليكم ما تكن، قال لعائشة يعني اكفي أو قولي لها مه، أنه يعني كأنه ينهى عائشة عن كثرة الحديث في هذا لأنها مثلاً تمدحها بشيء ربما انقطعت عنه المرأة أو انقطعت بسببه المرأة عن العبادة، إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى كما في بعض الأحاديث الضعيفة، أو يقول لها يعني للمرأة نفسها: كفي عن مثل هذا وإنما عليكم ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا. الشاهد أنه قال لأحداهما وهذه امرأة وهذه امرأة قال: مه، لم يقل مهي. إذاً فمه تدل على الطلب على طلب الكف عن فعل ما أو عن قول ما، لكن هذا الطلب هي لا تقبل ياء المخاطبة، إنما تقول للواحد مه وللواحدة مه، إذاً فهذا اسمه اسم فعل أمر وليس فعل أمر.
قال: أو قبلت ياء المخاطبة ولم تدل على الطلب. هناك كلمات أخرى تقبل ياء المخاطبة لكنها لا تدل على الطلب. قال: أنت يا هند تقومين وتاكلين، تقومين وتاكلين هنا يظهر أنه لا يطلب منها الأكل والقيام، لم يقل لها: قومي وكلي لا، هي تقومين هو يخبر أنت تاكلين وتقومين، فقبلت ياء المخاطبة ولكنها لا تدل على الطلب فليست فعل أمر، هذا فعل مضارع، وسياتي أنه يقبل علامة المضارع: لم تأكلي، لم تقومي، فيقبل علامة المضارع. ومن الشواهد لهذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 73] اتعجبين ملائكة تخاطب سارة امرأة إبراهيم عليهما السلام فتقول يقولون: اتعجبين، هذه الياء تعجبين هذه ياء المخاطبة ياء المؤنثة المخاطبة، لكن هل هل هذا الفعل يدل على الطلب؟ لا، لا يدل على الطلب لم يقولوا لها: تعجبي من أمر الله.
بل هم يستشكلون هذا أو يستنكرون عليها تعجبها؛ فهذه همزة الاستفهام استنكارية: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: 73]، فالله تبارك وتعالى قادر، وأمره إذا أراد شيئاً فإنما يقول له كن فيكون.
فأن يرزقك الله تبارك وتعالى غلاماً مع كبر سنك، ومع كونك عاقراً، ومع كون ابن زوجك كبيراً، أنا عجوز وهذا بعلي شيخاً، كل هذا يسير على الله تبارك وتعالى.
أتَعجَبينَ؛ هذا فعل مضارع وليس فعل أمر؛ فإذا قبلت الكلمة علامة من العلامتين فليست فعل أمر، بل تُسمى شيئاً آخر: إما تكون اسم فعل، وإما أن تكون فعلاً مضارعاً.
قال: ثم بينت أن حكم فعل الأمر في الأصل البناء على السكون، كاضرب واذهب.
وقد يبنى على حذف آخره، وذلك إذا كان معتلاً، نحو: اغزُ، واخشَ، وارهِ.
وقد يبنى على حذف النون، وذلك إذا كان مسنداً لألف اثنين نحو: قوما، أو واو جمع نحو: قوموا، أو ياء مخاطبة نحو: قومي، يعني وذلك نحو قومي.
فهذه ثلاثة أحوال للامر، أيضاً كما أن للماضي ثلاثة أحوال.
ذكر بعد ذلك حكم فعل الأمر من ناحية الإعراب والبناء؛ ففعل الأمر مبني على الصحيح، يبقى إذاً عند التفرقة: الفعل الماضي مبني باتفاق وأحوال بنائه ثلاثة سبقت، وفعل الأمر مبني على الصحيح، والقول الآخر أنه معرب؛ فهو مأخوذ من الماضي، فهو عندهم مجزوم.
ومن درس منكم بعض الكتب كالآجرومية مثلاً يجد قول ابن آجروم عليه رحمة الله: والامر مجزوم أبداً، مجزوم؛ هذا مفرّع منه على أنه يختار في بعض المسائل اختيارات الكوفيين، فاختار أن الأمر مجزوم، والجزم شيء من الإعراب.
فالصحيح أن الأمر مبني، ليس معرباً، لا مجزوماً ولا غير مجزوم، إنما هو مبني وليس معرباً.
الأصل فيه البناء على السكون: اضرب واذهب.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾ [يس: 13]، وقال تعالى: ﴿اذْهَب إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: 17]، وقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]، و﴿اسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر: 55].
كل هذه أفْعَالُ أمر: اضرب، اذهب، قل، استغفر، وكلها مبنية على السكون؛ الحرف الأخير منها ساكن: اضرب، اذهب، قل؛ فالحرف الأخير منها ساكن.
طيب، لو قال قائل: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المزمل: 20]، الأخير ليس بساكن! ها؟ أظن أنكم تعلمون الجواب؛ استغفر، لهذه الكسرة إنما هي للتخلص من التقاء الساكنين، نعم.
فهذا هو الحكم الأول، أنه يبنى على السكون، وذلك إذا كان صحيح الآخر ولم يتصل به شيء؛ إذا كان فعل الأمر صحيح الآخر، يعني في آخره حرف صحيح، ليس في آخره حرف علة، أخره حرف صحيح، وأغلب الأحرف العربية صحيح، إنما حروف العلة هي الواو والالف والياء، ليس في آخره حرف من هذا، ففي آخره حرف صحيح، وكذلك لم يتصل باخره شيء، لم يتصل به واو جماعة ولا ألف اثنين ولا ياء مؤنثة مخاطبة، إذا جُمِع هذان فهذا مبني على السكون كهذه الأفعال.
وقد يبنى على حذف آخره، يعني على حذف الحرف الأخير، متى يبنى الأمر على حذف آخره؟ إذا كان معتل الآخر، إذا كان صحيح الآخر يبنى على السكون، إذا كان معتل الآخر يبنى على حذف آخره، يحذف حرف العلة، ثم قال: نحو اغزُ، واخشَ، وارهِ.
مثل هنا بثلاثة أمثلة؛ لأن الحرف الأخير إما أن يكون واواً أو ألفاً أو ياءً؛ اغزُ هنا المحذوف واو، واخشَ هذا المحذوف هنا ألف؛ لأنه من خشي يخشى التي تكتب ياءً، ألف تكتب ياءً ولكنها تنطق ألفاً، والعبرة بالنطق، وارهِ لأنها من رمى يرمي، فالمحذوف ياءٌ.
فَمَثَّل بهذه الأمثلة الثلاثة، ومن أمثلتها في كتاب الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]، فادعُ؛ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة الذي هو الواو.
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [لقمان: 17]، وانهَ عن المنكر، أنها منها ينهى، فحذف حرف العلة الذي هو الألف.
وكذلك: ﴿فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ﴾ [طه: 72]، فاقضِ ما قضى يقضي، حذف حرف العلة وهو الياء.
يبقى إذاً فعل الأمر إذا كان في آخره واو أو ألف أو ياء، فإنما يبنى على حذف هذه الأحرف؛ يبنى على حذف الواو، أو على حذف الألف، أو على حذف الياء، أو كما يقال: يبنى على حذف حرف العلة.
إذا كان فعل الأمر في آخره واو جماعة أو ألف اثنين أو ياء مخاطبة، أو كما يقال: إذا اتصلت به واو جماعة أو ألف اثنين أو ياء مخاطبة بأي تعبيرات بأي مكان؛ لأنه يبنى على حذف النون، يبنى على حذف النون.
وذلك مُفرَّع على قولهم في الأول: فعل الأمر يبنى على ما يُجزم به مضارعه، ولكن المصنف لم يذكر هذا، وكذلك لم أذكره؛ لأنه لم يذكر المضارع.
فبعضهم يعني يقول تدرس يدرس المضارع أولاً، ثم بعد ذلك يدرس الأمر، لماذا؟ لأن الأمر يبنى على ما يُجزم به المضارع، وأنا لابد أن أععلم كيف يُجزم المضارع ثم بعد ذلك أحيل عليه، أقول: يبنى على ما يُجزم به المضارع.
هل المضارع يُجزم بالسكون، ويُجزم بحذف النون، ويُجزم بحذف حرف العلة؟ فالأمر كذلك يُبنى على السكون، أو على حذف النون، أو على حذف حرف العلة، لكن لم يذكر ذلك.
فيقولون هنا: إذا اتصلت به واو جماعة أو ألف اثنين أو ياء مخاطبة، فإنه يبنى على حذف النون: قولا، قولوا، قولي.
قولا؛ هذه ألف اثنين: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾ [طه: 44].
قولوا؛ هذه واو جماعة: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّه﴾ [البقرة: 136].
قولي؛ هذه في الآخر ياء مخاطبة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: 26].
فقولا، وقولي، وقولوا؛ هذه الأفعال الثلاثة أفْعَالُ أمر مبنية على حذف النون؛ على حذف النون؛ لأنها اتصلت بها واو جماعة، أو ياء مخاطبة، أو ألف، ولأن مضارعها يُجزم بحذف النون، فكذلك هي تبنى على حذف النون.
هناك حالة أخرى لم يذكرها المصنف، وانه يبنى الأمر على السكون إذا اتصلت به نون النسوة: ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً﴾ [الأحزاب: 32]، و﴿قَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: 33]، و﴿أَطَعْنَ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: 33]، كل هذه يكون الأمر فيها مبنياً على السكون أيضاً، هي حالة من حالات السكون.
وحالة أخرى؛ أنه يبنى على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد، فتقول: قومَنَّ، واقعدَنَّ، وصلِّيَنَّ، واقرأَنَّ كتاب الله بتأنٍ، وتدبرَنَّ القرآن إلى آخره، لكن لا أعلم شاهداً في كتاب الله تعالى لاتصال نون التوكيد بفعل الأمر إلا في موضع واحد على قول ضعيف في خلاف بين العلماء، والقول فيه ضعيف، فلا أعلم شاهداً في ذلك الشاهد.
هاتان حالتان لم يذكرهما المصنف، وإنما ذكرتهما سريعا تتمة للفائدة، لكن يعني ابقوا على ما ذكره فقط؛ من أراد هذا فقد ذكرته سريعا بغير تعليق طويل.
ثم قال بعد ذلك: ولما كان بعض الكلمات أو بعض كلمات الأمر مختلفاً فيه، هل هو فعل هكذا يعني لعل الأدق في ذلك والأسلم أن يقال: أهو فعل أم اسم؟ نبهت عليه، كما فعلت مثل ذلك في الفعل الماضي، وهي ثلاثة: هَلُمَّ، وهاتِ، وتعالى.
كما ذكر بعض الكلمات التي اختلف فيها، والصحيح أنها أفعال ماضية، ذكر أيضاً بعض الكلمات التي اختلف فيها في فعل الأمر.
قال: فأما هَلُمَّ فاختلف فيها العرب على لغتين، إذا ما الذي يُفهم من هذا؟ يُفهم أن هذا فصيح وهذا فصيح، وربما كان أحدهما فصيحاً وكان الآخر أفصح، لكن لن يختار هنا، وأيضاً أنتم لا لن تختاروا هنا، إنما هذه عربية وهذه عربية بخلاف ما لو كان الخلاف بين أهل العلم، كما نبهت على ذلك قبل ذلك؛ إذا كان الخلاف في كلام العرب فهو خلاف سائغ، العرب تكلمت بهذا وتكلمت بهذا.
لكن إذا اختلف العلماء فأحياناً تختروا قولا من أقوالهم، وأحياناً تتوقف، إلى آخره.
قال: فأما هلم فاختلف فيها العرب على لغتين، فاللغتان صحيحتان فصيحتان.
قال أحدهما: أن تلزم طريقة واحدة ولا يختلف لفظها، ولا يختلف لفظها بحسب من هي مُسندة إليه، فتقول: هلم يا زيد، وهلم يا زيدان، وهلم يا زيدون، وهلم يا هند، وهلم يا هندان، وهلم يا هندات، وهي لغة أهل الحجاز.
لماذا كل هذا التمثيل؟ لأنه يقول لك: إما أن تخاطب مذكراً أو مثنى، يعني إما أن تخاطب رجلاً أو رجلين أو رجالاً أو جماعة مذكرة، يعني مفرداً أو مثنى مذكراً، جمعاً مذكراً، أو تخاطب مؤنثة أو مؤنثين أو مؤنثات أياً ما كان مخاطبك فانت تقول: هلم بصيغة واحدة.
وهذه اللغة الأفصح، قال: وهي لغة أهل الحجاز، وبها جاء التنزيل، هكذا جاء كتاب الله تعالى في الموضعين.
قال الله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: 18]، قد يعلم الله المعوقين منكم، والقائلين لإخوانهم هلم إلينا؛ أي ائتوا إلينا هكذا إذا وصلت تقول: ائتوا إلينا، وإذا بدأت تقول: ائتوا إلينا، ائتوا إلينا، إذا بدأت بكلمة ائت تقول: ائت، وإذا وصلت تقول: ائتوا إلينا، نعم، ائتوا إلينا، تعالوا إلينا، أقبلوا إلينا، كل هذا من معاني هلم إلينا.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: 150]؛ أي أحضروا شهداءكم أو هاتوا شهداءكم.
قال: وهي عندهم اسم فعل لا فعل امر، لماذا؟ لأنها دلت بصيغتها على الطلب لكنها لم تقبل ياء المخاطبة.
قال: وهي عندهم اسم فعل لا فعل أمر؛ لأنها وإن كانت دالة على الطلب لكنها لا تقبل ياء المخاطبة.
طيب، ما دليله في ذلك؟ دليله في ذلك أنها لو كانت تقبل ياء المخاطبة فمعنى ذلك أنها تتغير بتغير المخاطب؛ تقول: هَلُمّي للمرأة، فتقول للجماعة هلموا، كما تقول للواحد: قُلْ، وللاثنين: قولا، وللجماعة: قولوا، وللمرأة: قولي، كما سبق.
لكن هنا جاء هكذا: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: 18] لإخوانهم لم يقل هلموا إلينا، فلو قال هلموا لقال للواحده هلمي.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾ [الأنعام: 150] قل لهم هلم شهداءكم، يعني هلموا شهداءكم، لا، قال هلم شهداءكم؛ لو قال هلموا لقال هلمي.
فقال: هي تقال بلفظ واحد، وهكذا جاء كتاب الله تعالى.
تدل بصيغتها على الطلب: هلم إلينا؛ أي ائتوا إلينا وتعالوا وأقبلوا.
هلم شهداءكم؛ يعني أحضروا وهاتوا شهداءكم.
فتدل بالصيغة على الطلب، لكن تقبل ياء المخاطبة؟ لا، على هذه اللغة لا تقبل ياء المخاطبة، إذاً ماذا هي؟ هي اسم فعل أمر.
هل هناك لغة أخرى؟ نعم، هناك لغة أخرى، قال: والثانية أن تلحقها الضمائر البارزة بحسب من هي مُسندة إليه، فتقول: هَلُمَّ، وهَلُمَّا، وهَلُمُّوا، وهلُمَمْنَا بالفك وسكون اللام، يعني سكون اللام التي هي اللام الأولى، هلُمَمْنَا التي هي الحرف الثاني، هَلُمَّا بالفك، أي بفك هذا الإدغام: هَلْمَمْنَا بسكون اللام، وهَلُمِّي.
وهي لغة بني تميم، فتقول للواحدة: هلمّي.
وهي عند هؤلاء فعل أمر لدلالتها على الطلب وقبولها ياء المخاطبة.
ومما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في مرض موته: «هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً»، هلموا، فقال للجماعة هلموا، فهي لغة فصيحة على ذلك، لأنه لما قال للجماعة هلموا بواو الجماعة، لو خاطب مؤنثة لقال هلمي، فهذا إذاً فعل أمر.
طيب، ماذا أختار؟ لا، هذا جائز وهذا جائز، وإن كان الأفصح أن تقول للجميع هلم كذا وكذا، تقول للمخاطبة كما تقول للمخاطب، تقول للجماعة كما تقول للواحد، تقول لاثنين الواحد؛ هذا هذا أفصح، لكن لكن اللغة الأخرى فصيحة أيضاً، وكانت دونها في الفصاحه؛ لأن الأفصح ما جاء في كتاب الله تبارك وتعالى في مثل هذا.
قال: وقد تبين بما استشهدت من الآيتين أنها لمّة تستعمل قاصرة ومتعدية؛ يعني هذا السطر يعني كان أحق به أن يذكره قبل الأسطر الثلاثة السابقة، لأنه متعلق بالمسألة التي قبل ذلك في لغة الحجازيين: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾ [الأنعام: 150]، و﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: 18]، فهلم قال: تستعمل قاصرة ومتعدية، يعني تستعمل لازمة ومتعدية، ويمكن أن يكون أن تكون في مكانها؛ يعني هلم تستعمل لازمة ومتعدية، سواء كانت اسم فعل أمر أو كانت فعل أمر فيكون الكلام في موضعه صحيحاً.
فلماذا قال هذا؟ هلم إلينا؛ أي تعالوا إلينا، أقبلوا إلينا، إلينا هذا فعل لازم لم يتعدَ إلى المفعول به، إنما هو لازم كما سياتي إن شاء الله تعالى في التصريف عندما لو قدر الله تبارك وتعالى الفعل ينقسم من ناحية إلى فعل متصرف وفعل جامد.
أو فعل عفواً، فعل لازم، عفواً هنا في اللازم، في فعل لازم وفعل متعدي، من هذه الناحية إلى فعل لازم وفعل متعدي؛ اللازم يكتفي بمرفوعه لا يحتاج إلى منصوب، المتعدي يتعدى إلى مفعول به أو إلى مفعولين أو إلى ثلاثة مفاعيل، سياتي شيء من هذا في ظن وأخواتها وتتمته تكون في التصريف.
يبقَى تستعمل قاصرة؛ أي لازمة ومتعدية.
﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: 18]، هذا لازم.
﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم﴾ [الأنعام: 150]، هذا متعد، لماذا؟ لأن قوله شهدائكم مفعول به، وهو مفعول به لاسم الفعل، فكذلك لو قلت هلموا شهداءكم في غير القرآن تقول: هلموا شهداءكم، فيجوز أن تعدي الفعل إلى مفعول به فيستعمل لازماً ويستعمل متعدياً.
وأما هاتِ وتعالى، فعدهما جماعة من النحويين من اسماء الأفعال، والصواب أنهما فعلا أمر؛ ها، إذاً ما الفرق بين المسألة بين هذه المسألة والمسألة السابقة؟ لا، المسألة السابقة كان الكلام في خلاف بين العرب، فهذه لغة فصيحة وهذه لغة فصيحة، وإن كانت إحداهما أفصح من الأخرى، لكن الكلام ها هنا في خلاف بين العلماء، فسيختار مذهباً من المذهبين.
سيرجح مذهبا ويكون الآخر عنده مرجوحا وهكذا. قال: وأما هاتي وتعالى، فعدهما جماعة من النحويين من أسماء الأفعال. طب لماذا العد؟ الجماعة قالوا: يعني هما تدلان على الطلب، لكن لا تقبلان ياء المخاطبة.
ما الذي يصحح أنهما فعلا أمر؟ أن تأتي بشاهد أنهما تقبلان ياء المخاطبة. قال: والصواب أنهما فعلا أمر؛ بدليل أنهما تدلان على الطلب، وتلحقهما ياء المخاطبة تلحقهما ياء المخاطبة؛ تقول: هاتي وتعالي. تقول: هاتي وتعالي.
نعم. قال: واعلم أن آخر هات مكسور أبداً إلا إذا كان لجماعة المذكرين فانه يضم، فتقول: هاتي يا زيد، وهاتي يا هند. هاتي بالياء، وهاتيا يا زيدان ويا هندan -يعني ذلك للمذكرين وللمؤنثتين- وهاتين يا هندات؛ كل ذلك بكسر التاء.
وتقول: هاتوا يا قوم بضمها؛ لأنه يصعب أن تقول: هاتيو أو هاتى، لا هذا ولا ذاك؛ تقول: هات. فواو الجماعة التي جاءت تستدعي انضمام ما قبلها، تستدعي أن يكون ما قبلها مضموماً؛ فالتاء التي كانت مكسورة تضم لأجل واو الجماعة.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ [البقرة: 111]. وهذا فيه دليل على أن هاتوا هذا أنه فعل فعل فعل أمر. ما الدليل؟ أنه قبل واو الجماعة، فقبل الضمائر، وواو الجماعة أخت ألف الاثنين وأخت ياء المخاطبة. فالذي يقبل هذا يقبل هذا وذاك، والذي لا يقبل لا يقبل الجميع؛ تقول: هاتوا برهانكم، وتقول المرأة: هاتي. فإذا قبل ياء المخاطبة فهو فعل أمر.
وأما آخر تعالِ، أن هذا معطوف على قوله واعلم أن آخرها -يعني واعلم أيضاً أن آخر مفتوح في جميع أحواله- يعني أن حرف اللام مفتوح في كل حال من غير استثناء. تقول: تعالَ يا زيد، وتعالَ يا هند بفتح اللام، وتعالَ بفتح اللام أيضاً. لا تقول: لا أنا ساكسر اللام لأجل الياء؛ لا، تعالي، تعاليا، تعالوا. لا تقول: أنا ساضم اللام لأجل الواو؛ تعالوا؛ لا، القرآن جاء بغير ذلك: تعالوا، تعالين. كما سئل: تعالوا يا زيدون، وتعالين يا هندات؛ كل ذلك بالفتح.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151]. وقال: ﴿فَتَعَالَينَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28]. هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاتهم ففي مثل هذا -يعني الصحيح أن يذكر الكلام من أوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ﴾ [الأحزاب: 28]- يعني لا يحسن أن يقال هكذا وسيأتي ستاتي أشياء أخرى مثل كثيرة كهذا يقبح فيها جداً أن يققال: قال الله تعالى كذا، كما سياتي وسأبينه إن شاء الله تعالى في حينه.
إنما ينسب القول إلى قائله أو يذكر الكلام من أوله، أو يققال في التنزيل كذا وكذا، أو يقال فيما قاله مثلاً -مثلاً لوط عليه السلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [الحجر: 71]- والشيخ الإمام سيذكر هذا -يعني الإمام ابن هشام سيذكر في بعض الأحيان- قال تعالى ويذكر هذه الكلمة هكذا: هؤلاء بناتي. هذا قبيح جداً! لما قال: قال لوط عليه السلام: هؤلاء بناتي، أو قال في التنزيل مثلاً على لسان لوط عليه السلام: هؤلاء بناتي، هكذا. فكذلك هنا: فتعالين أمتعكن، هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال الله عز وجل له: قل لزوجاتك. أدق هنا أن تذكر الآية جميعاً أو أن ينسب القول إلى قائله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: 28]. الشاهد أنه قال: فتعالين.
قل تعالوا، لم يقل تعالوا وتعالين إنما أخره مفتوح دائماً، حرف اللام مفتوح في كل حال. قال: ومن ثم لحنوا من قال: تعالي أقسمك الهموم تعالي. ومن ثم -من بسبب هذا- لحنوا، يعني حكموا عليه باللحن؛ من قال: تعالي أقسمك الهموم تعالي. والمراد به أبو فراس الحمداني.
وهو شاعر لا يحتج بكلامه. وفرق بين أنه لا يحتج بكلامه، وانه يلحن أو يقول كلاماً خطأً؛ لا، الأصل في هؤلاء الشعراء المتقدمين الذين كانوا مثلاً في الدولة العباسية، أو كانوا في -نعم- في الدولة العباسية بعد سريان اللحن في الناس، الأصل أصلاً أنهم يحاولون أن يتكلموا كما تكلمت العرب، وغالب كلامهم كذلك، وغالب أشعارهم صحيحة معتبرة سارية على كلام العرب، إنما الكلام هاهنا في من انفردوا به بأشياء مخالفة لكلام العرب حتى نفهم الكلام.
كذلك الكلام في الأحاديث؛ الأصل أن متون الأحاديث مخالفة لكلام العرب، متى يكون الكلام؟ يكون الكلام فيما جاءت به الأحاديث في بعض أحوالها مخالفة لسنن كلام العرب، هل يحتج به أم لا؟ وهكذا. فكذلك هنا هو قال: تعالي أقسمك الهموم تعالي. فهل يققال تعالي أم هو أخطأ؟ فالاصل أن يقول تعالي، لكن هو كان مضطراً أن يقول تعالي؛ لأنه قال في الابيات التي امامكم: لو تشعرين بحالي ببالي، فهو يقول: تعالي. فضرورة الشعر ألجأته إلى ذلك.
هل هذا لحن؟ ذهب بعضهم إلى أن هذا لحن، وانه يجب أن يقول: تعالِي. وبعضهم قال: بل هذه لغة قليلة الاستعمال، فهي لغة ضعيفة، لكنها لغة قليلة الاستعمال، لكنها لغة يجوز أن تقول تعالي، وأن تقول وأن تقول تعالي؛ هذا جائز وهذا جائز، على قول من قال ذلك، وابن هشام يذهب إلى أن هذا لحن لا يجوز؛ فهذه مسألة فيها خلاف بين العلماء. قال: ومن ثم لحن من قال: تعالي أقسمك الهموم تعالي بكسر اللام.
قال: ولما فرغت من ذكر علامات الأمر وحكمه وبيان ما اختلف فيه، ثلثت بالمضارع. فإذا ذكر الأمر، ذكر فعل الأمر، وذكر علامته، والعلامة الفارقة له -كما سبق- مزدوجة مركبة من مجموع شيئين، وهي قبوله ياء المخاطبة مع كونه دالاً على الطلب. وحكمه أنه مبني دائماً على الصحيح، وبناؤه يكون على السكون، أو على الفتح، أو على حذف النون، أو على حذف حرف العلة، وإن لم يكن المصنف ذكر الفتح. وكذلك اختلف في بعض الكلمات، منها خلاف بين العرب، فهو سائغ دائر بين الفصيح والأفصح، ومنها خلاف بين العلماء، فيختار المرء منه ما ترجح له.
قال بعد ذلك بالمضارع: لما فرغت من هذا، ثلث بالمضارع أي ذكرت المضارع ثالثاً ليختم به الكلام على الأفعال، ثم سيعود إلى الكلام على الأفعال مرة أخرى، وعلى المضارع مرة أخرى بشيء من التفصيل في الإعراب. قال: فذكرت أن علامته أن يصلح دخول لم عليه، نحو: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]. وذكرت أنه لابد أن يكون في أوله حرف من حروف نايت، وهي: النون والالف والياء والتاء؛ نحو: نقوم، وأقوم، ويقوم، وتقوم، وتسمى هذه الأربعة أحرف المضارعة.
إذاً هذا الفعل الثالث هو الفعل المضارع. الفعل المضارع وفي تسميته المضارعة كلام -يعني- يأتي إن شاء الله تعالى فيما بعد. هذا الفعل المضارع علامته الفارقة التي تدخل عليه ولا تدخل على غيره، وإذا قبلها عرفنا أنه فعل مضارع هي لم التي تجزمه، هي علامة له وتدخل عليه تجزمه. ثم مثل بقول الله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 3-4]. فالأفعال الثلاثة التي بعد لم: يلد، يولد، يكن، هذه كلها أفعال مضارعة، لماذا؟ لأنها قبلت لم.
طيب السؤال: هل يلزم أن تقبل أم يلزم أن تكون العلامة موجودة؟ لا يلزم أن تقبل، لكن حتى وإن لم تكن العلامة موجودة: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النحل: 89]، يكون هذا فعل مضارع. أنني إذا قلت: يكون، هذه ادخلت قبلها لم؛ أقول: لم يكن، كما هنا: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. فاللازم هو قبول العلامة، وليس اللازم وجود العلامة. وإنما ذكر هذا ليعني يخرج من أي شيء؟ يعني ذكر لك الشيء بعلامته، فهذه الأفعال الثلاثة أفعال مضارعة؛ لأنها قبلت علامة المضارع وهي لم.
ثم ذكر أنه لابد أن يكون في أوله حرف من أحرف أربعة التي تسمى أحرف المضارعة، وهي أحرف نايت أو أنيت أو ناتي، أياً ما كان هذه الأحرف الأربعة، وهي: النون، والألف أو الهمزة التي في أوله، والياء والتاء؛ نقوم، لابد أن يبدأ المضارع بحرف من هذه الأحرف الأربعة، لابد أن يبدأ بها وأن وكذلك أن تكون زائدة على أصل الفعل، على أصل الفعل؛ لما عندما ترجعه إلى الماضي لا تكون هذه الأحرف موجودة، لابد أن تكون زائدة، ولابد أن تكون دالة على معنى المضارعة.
فالنون تكون للمتكلم المعظم نفسه أو الذي معه غيره، والهمزة تكون للمتكلم المنفرد، والياء تكون للغائب، والتاء لها وجهان: إما أن تكون للمخاطبة للمخاطبة المؤنثة، وإما أن تكون لغائبة. وأمثلة هذا كثير؛ قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 63]، ﴿إِنَّمَا يَعْلَمُونَ﴾، نعلم؛ والله تبارك وتعالى يتكلم ويعظم نفسه: نعلم نحن، يعلم ربنا تبارك وتعالى. قال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ﴾، ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ﴾ [القصص: 5]، ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: 71]، هذه: نقوم، نعلم، نريد، ندعو، هذه أفعال مضارعة، والنون دالة على العظمة، فهي للمتكلم المعظم نفسه وهي أحرف زائده، النون زائدة في كل الأفعال: نعلم من علم، نريد من أراد، ندعو من دعا؛ فإذا رجعت الفعل إلى ماضيه لم تجد هذه النون.
وكذلك الألف أو الهمزة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ﴾ [الفلق: 1]، قال: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27]، هذه: اريد، وأنكحك، وأعوذ؛ الأصل في ذلك كل أنها زائدة، وأنها دالة على المتكلم وحده: أعوذ أنا، والفعل من عاذ يعوذ.
طيب: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [ونس: 25]، يدعو، ويهدي؛ من دعا وهدى. فهذه الياء: يدعو هو، ويهدي هو.
وكذلك التاء: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ﴾ [ق: 30]، تقول هي جهنم: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: 30]، ﴿نَنْظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهُدُونَ﴾ [النمل: 41]، تهتدي هي، أو تكون. وكذلك: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ [المائدة: 29]، تبوء، تكون؛ تبوء أنت، وتكون أنت. فهذه التاء الوحيدة لها مرجعان: إما أنت، قلت أن يكون فاعلها أنت، وأن يكون فاعلها هي.
قال: وإنما ذكرت هذه الأحرف بساطاً وتمهيداً للحكم الذي بعدها لأعرف بها الفعل المضارع، كما يعني لو أنكم تذكرون في الدرس الماضي وافتتاحه -أم وافتتاحه في قوله عندما قال في الأصل أحياناً قلت: تجدون أحياناً وافتتاحه، أو يقرأها بعضهم وافتتاحه، وبعضهم يقول وافتتاحه- لما قال: ومضارع يعرف بلم. هل هنا انتهى الكلام: ويعرف بلم؟ ثم قال بعد ذلك: هذه واو بعد ذلك، ليست عاطفة على ما سبق، وإنما هي لعطف الجمل أو هي واو استئنافية، فقال: وافتتاحه بحرف، أو هي من أصل التعريف وافتتاحه هنا. قال: وإنما ذكرت هذه الأحرف بساطاً وتمهيداً للحكم الذي بعدها؛ لأنه سيقول: هذه الأحرف إما أن تكون مضمومة وإما أن تكون مفتوحة، فاحتاج أن يذكرها ليبين أنها تاتي مضمومة أحياناً ومفتوحة أحياناً لأعرف فيها بها الفعل المضارع؛ لأن وجدناها تدخل في أول الماضي، نحو: أكرمت زيداً، وتعلمت المسألة، ونرجست الدواء إذا جعلت فيه نرجساً فهو نوع من النبات، ويرنات الشيب إذا خضبته باليرناء وهو الحناء.
وإنما العمده في تعريف المضارع دخول لم عليه؛ فالعمدة في ذلك يعني أن العلامة الفارقة للمضارع هي دخول لم. أما هذه الأحرف وحدها لا تكفي؛ لأنك تجد فعلاً ماضياً أوله همزة، أوله ألف: أكرمت زيد، فيقول: ربي أكرما -أكرما هذا ليس فعلا ليس فعلا مضارعا- فيقول: ربي أهانا، تقول: أكل، هذا ليس مع أن في أولها ألفاً، لكنه ليس فعلاً مضارعاً.
وكذلك: فلما تبين له، تبين في أوله تاء، ولكنه فعل ماضي، ليس مضارعاً: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: 1] هذا فعل ماضي وليس مضارعاً في أوله تاء. قال: ﴿لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ﴾ [القصص: 25]، نجوت: نجى هذا في أوله نون، ومع ذلك ليس مضارعاً. كما: ﴿يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ﴾ [الممتحنة: 13]، يئس أوله ياء، وليس مضارعاً.
إذاً فالاعتماد هو على قبول لم؛ لا يققال أبداً: لم يئس، ولا لم نجوت، ولا لم تبين، ولا لم أكرم، هذا لا يقال. فهذه الأفعال وإن كان في أولها ألف ونون وياء وتاء إلا أنها لا تقبل لم، فليست أفعالاً مضارعة. إنما الأفعال المضارعة لابد أن تقبل لم، ولا بد أن يكون فيها حرف من الأحرف الأربعة؛ لا يمكن أن يبدأ المضارع بحرف خامس، إنما لابد أن يبدأ بحرف من هذه الأحرف، أو لا يمكن أن يبدأ بغيرها.
قال: ولما فرغت من ذكر علامات المضارع شرعت في ذكر حكمه، فذكرت أن له حكمين. عندي في النسخة أن بين معقوفين هكذا، يعني كأنه قال في في نسخة أخرى: فذكرت له حكمين، أو فذكرت أن له حكمين؛ هذا صحيح وهذا صحيح، حكماً باعتبار أوله وحكماً باعتبار آخره. قال: هنا حكماً؛ لأنه أراد البدلية، يعني ذكرت أن له حكمين، أن له حكماً كذا وحكماً كذا، ويصح أن يقوله بالرفع: حكم وحكم، يعني هما حكم كذا وحكم كذا. قال: حكماً باعتبار أوله، وحكماً باعتبار آخره.
فالكلام عن أوله: الحرف الأول الذي ذكره اعتمد -يعني كما قال تمهيداً وبساطاً لغيره- الحرف الأول وهو حرف المضارعة، هل صورته واحدة؟ قال: تتغير صورته. طيب الأخير، الذي في آخره هل صورته واحدة؟ لا، تتغير صورته، كما كان في الماضي؛ آخر الماضي يتغير قالوا، قلت فهكذا يتغير، يغير من الضم إلى السكون إلى الفتح.
وكذلك الأمر: أضرب، اذهب، على السكون أو على الفتح، أو على حذف النون، أو على حذف حرف العلة؛ قل، قولا، قولي، قلنا، وهكذا. فيتغير آخره، كذلك المضارع يتغير آخره، ولكن تغير المضارع مختلف، كما سياتي إن شاء تبارك وتعالى.
قال: فاما حكمه باعتبار اوله فإنه يضم تاره ويفتح اخرى؛ يضم تاره ويفتح اخرى. فالحرف الاول من من هذا الفعل المضارع -وهوه حرف المضارعة: النون، والهمزة أو الألف، والياء، والتاء- يكون مضموماً في الأحوال ويكون مفتوحاً في غيرها. قال: فيضم إن كان الماضي أربعة أحرف
سواء كانت كلها أصولاً، نحو: دحرج يدحرج، أو كان بعضها أصولاً وبعضها زائداً، نحو: أكرم يكرم، فإن الهمزة فيه زائدة لأن أصله كرم. ويفتح إن كان الماضي أقل من الأربعة أو أكثر منها، فالأول نحو: ضرب يضرب، وذهب يذهب، ودخل يدخل. والثاني نحو: انطلق ينطلق، واستخرج يستخرج.
فيتكلم هنا عن الحرف الأول؛ متى يكون مضموماً؟ يكون مضموماً في حالة واحدة: إذا كان هذا الفعل المضارع ماضيه رباعياً، إذا كان ماضيه رباعياً. فإذا كان ماضيه رباعياً، فإنه يضم حرف المضارع، يبقى لابد أن أرجع المضارع إلى الماضي، أن أعيد المضارع إلى ماضيه، فإذا كان ماضيه رباعياً، أصلياً أو زائداً فإنه يضم حرف المضارعة، فقال: دحرج دحرج فعل، فهذه حروف أربعة أصلية.
والأصول والزوائد هذه الأشياء تدرس أيضاً في الصرف أو في التصريف بتوسع إن شاء الله تبارك وتعالى، لكن دحرج هذا فعل ماض رباعي مجرد، رباعي يعني من أربعة أحرف، مجرد يعني ليس فيها حرف مزيد، لا يمكنك أن تحذف حرفاً وأن تبقى الكلمة كما هي، لا، إنما لو حذفت حرفاً تغيرت الكلمة تماماً وصارت كلمة أخرى، فلا تبقى من هذا الباب. فدحرج وزنه فعلل، فهو فعل ماض رباعي مجرد ليس فيه حرف مزيد، فكيف تقول في المضارع؟ لا يمكنك أن تقول يدحرج، إنما تقول: يدحرج، زلزل يزلزل، كبكب يكبكب، زحزح يزحزح، وهكذا، وإنما الذي ورد في ذلك هو الماضي: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ﴾ [الشعراء: 94]، ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ [الزلزلة: 1]، ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ [آل عمران: 185]، ﴿وَاللَّيْلِ إِذا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: 17]. فالرباعي جاء منه الماضي في كتاب الله تعالى فيما أعلم، يعني لم أعثر على فعل مضارع رباعي مجرد، فعل ماض مضارع رباعي مجرد، يعني لم أقف -لعل هذا من قلة بحث أو من عدم التركيز في هذا والله أعلم، من وجد فليتحفني به- أن يكون، لكن لابد أن يكون هكذا، أن يكون فعلاً مضارعاً رباعياً مجرداً.
أما إذا كان بعض أحرفه أصلية وبعضها زائداً، فهذا له أمثله كثيرة، هو مثل: أكرم يكرم، أكرم ما يكرم، والأصل فيه أكرم يؤكرم، ولكن هذه أيضاً علة صرفية جعلته يكرم، لكن أكرم أصله من الكرم، يعني من كرم، ثم زيد الهمزة، فتقول في المضارع يكرم، لا تقول يكرم، إنما تقول: يكرم بضم حرف المضارعة. كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ﴾ [آل عمران: 153]، وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبارَها﴾ [الزلزلة: 4]. تصعدون من أصعد، أصعد أسرع أو صعد في الجبل على القولين، وتحدث من حدث. وأصعد أفعل، وأصله من صاعداً، فهو ثلاثي مزيد بحرف، فالهمزة زائدة التي في الماضي أصعد وأصله من صعد، فهو أفعل، وزنه أفعل، فالهمزة زائدة. يومئذ تحدث، الفعل يحدث أصله في الماضي حدث، فهو فعل ثلاثي مزيد بالتضعيف، بالتضعيف الحرف الذي في الوسط الذي هو عين الكلمة، إن شاء الله هذا يدرس في التصريف، وإذا وأمثلة ذلك كثيرة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: 1]، فليقاتل في سبيل الله، إنه من قاتل، فاعل ثلاثي مزيد بحرف بالألف.
أيا ما كان، سواء كان الماضي رباعياً مجرداً أو كان رباعياً مزيداً، يعني أنه ثلاثي مزيد بحرف، فإن حرف المضارعة يضم.
الثلاثي يفتح، الخماسي يفتح فيه حرف المضارعة، السداسي يفتح فيه حرف المضارعة. الثلاثي: الفعل الثلاثي هو الذي يكون من ثلاثة أحرف كلها أصول، وإذا كان الفعل من ثلاثة أحرف فلابد أن تكون كلها أصولاً، فالفعل لا يمكن أن يقل عن ثلاثة أحرف، لا يمكن أن يقل عن ثلاثة أحرف، فاذا حذف منه حرف فهناك علة تصريفية اقتضت ذلك، لكن لا يقل عن ثلاثة، هو مثل: ذهب يذهب، ودخل يدخل، وضرب يضرب، يعني من الأبواب الثلاثة: فعل يفعل، وفعل يفعل، وفعل يفعل. فإذا كان ثلاثياً، فانه يكون مفتوح حرف المضارعة.
طيب، وإذا كان زائدا عن الرباعي أيضاً، يعني إذا كان أقل من أربعة يفتح، وإذا كان فوق الاربع فإنه يفتح أيضاً، تقول: انطلق ينطلق، واستخرج يستخرج، كما مثل هو: انطلق ينطلق، استخرج يستخرج، فحرف المضارعة: يذهب، يخرج، يدخل، ينطلق، يستخرج، يضرب، أياً كان، طالما أنه ليس رباعياً، فإن حرف المضارعة يكون مفتوحاً.
ولذلك أمثلة كثيرة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَذلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ﴾ [الرعد: 17]، ضرب يضرب ثلاثي، ﴿وَيَغْفِرُ ما دونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ [النساء: 48]، غفر يغفر، ﴿يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ﴾ [البقرة: 20]، يذهب بالابصار، ذهب يذهب ثلاثي، ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: 26]، جمع يجمع، فتح يفتح، هذه كلها أفعل ماضيها ثلاثي فجاء هكذا، جاء هكذا بفتح حرف المضارعة.
إذا كان الماضي خماسياً أو سداسياً -وأعني بالخماسي أن يكون ثلاثياً مزيداً بحرفين، أو رباعياً مزيداً بحرف، لأن الفعل لا يمكن أن يكون خمسة أحرف وأن تكون الأحرف كلها أصولاً، هذا لا يكون، والذي كله أصول هو الثلاثي وبعض الرباعي، أما فوق ذلك لابد إن كان خماسياً فلابد أن يكون ثلاثياً مزيداً بحرفين أو رباعياً مزيداً بحرف، وكذلك إذا كان سداسياً أي من ستة أحرف، فلا يمكن أن تكون حروفه كلها أصلية، إنما يكون ثلاثياً مزيداً بثلاثة أحرف، أو رباعياً مزيداً بحرفين- أياً ما كان فحرف المضارعة أيضاً يكون مفتوحاً. ومن أمثلة ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: 39]، ينتصرون ماضيه انتصر، انتصر أحرف خمسه أحرف، انتصر هذه خمسة أحرف، طيب، ما ما إذا رجعته إلى الأصل؟ ما أصله؟ أصله نصر، فانتصر وزنه افتعل، فهذا ثلاثي مزيد بحرفين، يبقى إذا هو من خمسة أحرف، كيف تنطق حرف المضارعة؟ تنطقه بالفتح: ينتصر، ينتصرون. ﴿وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ﴾ [المطففين: 26]، يتنافس ماضيه تنافس، أيضاً خماسي، هو ثلاثي مزيد بحرفين. وكذلك في السداسي: ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]، يستغفرون يستغفر أصله استغفر هذا السداسي الماضي، طب ما أصل الفعل؟ فعله أصله من غفر، استغفر الله فغفر الله له، هذا ثلاثي مزيد بثلاثة أحرف، كيف أنطقه في المضارعة؟ أقول: يستغفر، ﴿وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18]. ﴿فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنْزَهُما﴾ [الكهف: 82]، المصنف مثل بهذا: استخرج يستخرج، يستخرج بفتح حرف المضارع.
خلاصة هذا أنك ترجع الماضي، تعيد الماضي، الماضي ترجع، يعني ترجع، كما يقال ترجع ولكن ترجع أفصح من ترجع، وإن كان أيضاً هذه صحيحة لكن الأفصح ترجع بمعنى أنك تعيده مرة أخرى، فـ تـ كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ عَلى رَجْعِ لَقادِرٌ﴾ [الطارق: 8]، يعني على إرجاعه، لم يقل على إرجاع، لما قال على رجعه. وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 83]، لم يقل أرجعك. المهم، تعيد المضارع إلى ماضيه، فإذا وجدت ماضيه من أربعة أحرف، إذا وجدت ماضيه من أقل أو أكثر تفتح حرف المضارع، هذه خلاصة هذه الأسطر.
قال بعد ذلك: واما حكمه باعتبار آخره فإنه تارة يبنى على السكون، وتارة يبنى على الفتح، وتارة يعرب، قال: فهذه ثلاث حالات آخره، كما لآخر الماضي ثلاث حالات، ولاخر الأمر ثلاث حالات، وهذا ما أبدا به إن شاء الله تبارك وتعالى في الدرس القادم، وهو أن الفعل المضارع يبنى في بعض حالاته ويعرب في بعض حالاته، وهو الوحيد من الأفعال الذي يعرب، فسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى أن المضارع ينصب إذا سبقه ناصب، ويجزم إذا سبقه جازم، ويرفع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، ويبنى في حالة على السكون إذا اتصلت به نون النسوة، ويبنى في حالة أخرى على الفتح إذا اتصلت به نون التوكيد، فقيلت كل هذا بإذن الله تبارك وتعالى في الدرس القادم. وسيأتي بعد ذلك الكلام على الحرف، وأرجو إن شاء الله أن يتم الكلام في بقية المضارع وفي الكلام على الحرف الدرس القادم بإذن الله تبارك وتعالى.
هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق