الحمد لله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد فهذا هو الدرس السابع عشر من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله.
وقد سبق الكلام -أذكر إجمالاً بإذن الله تبارك وتعالى ما سبقت دراسته؛ لأنه قد بعت لنا خمس دقائق- سبق الكلام عن الكلمة، وعن تقسيمها إلى اسم وفعل وحرف، وعن علامات لهذه الأشياء، وأن الحرف لا يقبل علامة، وعن تقسيم هذه الأشياء إلى معرب ومبني، ومنها ما يعرب أحياناً ويبنى أحياناً كالإسم والمضارع، ومنها ما يبنى دائماً كبقية المذكورات.
ثم تكلم المصنف عن الإعراب، وقسمه إلى أصلي وفرعي، وذكر العلامات الأصلية، وذكر أنه يخرج عن هذا الإعراب الأصلي سبعة أبواب تعرب إعراباً فرعياً؛ وهي: الأسماء الستة، وجمع المذكر السالم، والمثنى، والمجموع بألف وتاء المزيدتين أو ما يسمى جمع المؤنث السالم، وما لا ينصرف أو ما يسمى الممنوع من الصرف، والأمثلة الخمسة أو ما يسمى الأفعال الخمسة، والفعل المضارع المعتل الآخر.
ثم ذكر الإعراب التقديري، وهو في خمسة أبواب: في الاسم المضاف لياء المتكلم، وفي الاسم المقصور، والاسم المنقوص، وفي الفعل المضارع المعتل الآخر بالالف، وفي الفعل المضارع المعتل الآخر بالواو والياء.
ثم ذكر إعراب المضارع تفصيلاً بعد أن أشار إليه إجمالاً قبل ذلك، فذكر أنه يرفع خالياً من ناصب وجازم، وينصب بناصب من النواصب الأربعة، وهي: لن، وكي، وإذا، وأن. وذكر أن أن تنصب مضمرة جوازاً، ومضمرة وجوباً، وتنصب ظاهرة.
وذكر بعد ذلك جوازم المضارع، وأن منها ما يجزم فعلين، ومنها ما يجزم فعلا واحداً. وأن ما يجزم فعلا واحدا خمسة أشياء، وأن ما يجزم فعلين أحد عشر أداة. ثم ذكر بعد ذلك تقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة، فذكر النكرة وتعريفها ومثل لها، ثم ذكر المعارف وأنها ستة، فتكلم عنها تفصيلاً؛ فتكلم عن الضمير، وعن العلم، وعن اسم الإشارة، وعن الاسم الموصول، وعن المعرف بأداة التعريف أو ذي الأداء والمعرف بال، ثم تكلم عما يضاف إلى شيء من ذلك، هذه ستة أنواع.
ثم بدأ بدءاً جديداً في الكلام عن المبتدأ والخبر، فذكر المبتدأ والخبر أنهما مرفوعان، ثم ذكر بعض المسائل المتعلقة بالمبتدأ والخبر، ثم بعد الانتهاء من المبتدأ والخبر بمسائله تكلم عن مسائل أخرى، وهي مسائل النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر فتنسخ حكم المبتدأ وحكم الخبر أو حكمهما.
فتكلم في ذلك عن كان وأخواتها، وكان هذا آخر شيء في الدرس الماضي؛ فكان الكلام عن كان وأخواتها وأنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، رفع المبتدأ ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها. فذكر المصنف ذلك، وذكر بعض المسائل التي تتعلق بهذا الباب.
فبقيت عدة مسائل؛ فمنها هذه المسألة التي أبدأ بها درس الليلة بإذن الله تبارك وتعالى، هذا أوان شروعي في أول الدرس قال: وغير ليس وفتاه وزال بجواز التمام. وغير ليس أي وتختص غير ليس وفتاه ودام بجواز التمام، لأنه قال قبل ذلك وتختص الخمسه الأول بمرادفه صار، وغير ليس أي وتختص غير ليس وفتاه وزال بجواز التمام.
فهناك عشرة أفعال يجوز أن تكون تامة. ما التمام؟ قال: أي الاستغناء عن الخبر، أو أي الاستغناء عن الخبر، أي معنى أعني، نحو: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك في الآية.
ثم قال في الشرح قال في الشرح: وتختص ما عدا فتاه وزال وليس من أفعال هذا الباب بجواز استعماله تاما، ومعنى التمام أن يستغني بالمرفوع عن المنصوب في معنى التمام، خلاف ما معنى كون أفعال هذا الباب تامة؟ قيل: تمامها ودلالتها على حدث وزمن، دلالة على حدث وزمن، وهذا قول الأكثرين. أما المصنف ومن يذهب مذهبه فيقولون: تمامها استغناؤها بالمرفوع عن المنصوب، وحينئذ يسمى مرفوعها فاعلاً، وهذا هو المشهور. قالوا: أفعال هذا الباب ناقصة، يعني وقد ذكرت قلت لكم هذا في أول الكلام عن كان وأخواتها في الدرس الماضي.
وقالوا: كان فعل ماض ناقص ناسخ، ماض قد يكون ماضياً أو مضارعا أو أمرا بحسب ما سبق من التصاريف، فالسابعة الأولى تتصرف تصرفا تاما، زال وبرح وانفك وفتاه تتصرف تصرفا ناقصا يأتي منها مضارع وأمر، أما ليس ودام فلا يأتي منهما إلا الماضي فهما جامدان.
يقال في فعل ماضي أو مضارع أو أمر إلى آخره ناقص ناسخ، ناسخ ينسخ حكم المبتدأ والخبر، ناقص بمعنى أنه لا يكتفي بمرفوعه وإنما يحتاج إلى منصوب، وهذا المنصوب يكون خبرا له يكون منصوبا به. فقالوا هنا: إذاً فالناقص هو ما يحتاج إلى منصوب، والتام هو الذي لا يحتاج إلى منصوب إنما يرفع فاعلاً بعده.
فهذا اختيار المصنف يقول: ومعنى التمام أن يستغني بالمرفوع عن المنصوب، يعني معنى ذلك أنك تجد كان وتجد بعدها اسماً مرفوعاً وليس هناك اسم منصوب لا في الكلام ولا في التقدير، وكذلك في غير كان، في كان وتسعة من أخواتها، فهي عشرة إذاً يمكن ويجوز أن تاتي تامة؛ كان وأصبح وضحى وظل وأمسى وصار وبات وبرح وانفك ودام، أما ليس وفتاه وزال فهذه تكون ملازمه للنقص تكون ناقصة دائماً لابد أن ياتي لها اسم وخبر.
ثم مثل لذلك وقال كقوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] وإن كان، وهنا كان تكون بمعنى حصل أو ثبت أو وجد أو حدث، كل هذا تكون فيه كان بهذا المعنى فتدل على زمن الماضي هذا في الأصل وعلى معنى من هذه المعاني فعل تدل على حدث وزمن. وإن كان ذو عسرة، إذاً كان هنا فعل ماض تام، وذو اسم كان مرفوع علامة رفعه الواو لأنه من الأسماء الستة، وعسرة مضاف إليه، وهنا تم الكلام.
تم الكلام أي تمت الجملة، لكن هل تم المعنى؟ قد يقول قائل: لا، لم يتم المعنى، إذاً كيف تقول تم الكلام؟ نعم، هو لم يتم المعنى لأجل الشرط، أن كان، أن كان ذو عسرة فنظره إلى ميسرة، هذه الفاء كما سبق ودرستم هذه الفاء هي الفاء الرابطة للشرط بالجواب؛ لماذا؟ لان هذا الجواب لا يصح أن تاتي قبله أداة، لا يصح هو أن يلي هو الأدب، فوجب اقترانه بالفاء، فإذا لم يتم المعنى لأجل الشرط فالشرط لابد له من جواب، أما الجملة تمت. وإن كان ذو عسرة يعني إن حدث حصل أن وجد ذو عسرة ماذا نفعل؟ فنظره إلى ميسرة، نظره انتظار تأخير، يعني هذا المعسر يؤخر إلى أن ييسر الله له هذا حتى يترك الربا، فالآية في سياق الكلام عن الربا.
معذرة، يعني أعذروني وسامحوني، هذا السعال الذي يأتي، سم عندنا الكحة، فهذا يعني من بقية التعب الذي كان عندي، الحمد لله الذي أخذته على أثر يعني إجازة عنكم أسبوعا أو أكثر استطعت أن أتكلم فلم يبق منه إلا هذا السعال، وهو مرتبط بالكلام، يعني أنا غالباً غالباً إذا كنت ساكتاً إنه لا ياتيني إلا نادراً، لكن مع الكلام يحصل هذا الحمد لله، فسامحوني.
والذي يسمعني يعني منذ عدة دروس ربما يعني يستفز ويتألم لأجل هذا، كل شوية كحة كحة هكذا، لكن والله هذا رغماً عني، وهو مرتبط كما قلت لكم بالكلام، ولا أريد أن أعتذر أكثر من ذلك حتى يتم الله تبارك وتعالى علينا جميعاً هذا الكتاب بخير.
ومثل هذا أيضاً قول الله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة: 71] إلى آخر الآية. وحسبوا ألا تكون فتنة، وهكذا قرأ الأئمة كلهم فيما أعلم العشرة كلهم قرءوا فتنة بالرفع، لم يقرأ أحد حسب ولا تكون فتنة يعني ألا تكون هي فتنة، لا، وحسبوا ألا تكون فتنة يعني حسبوا ألا تحدث فتنة، ألا تحصل فتنة، ألا توجد فتنة فتكون هنا تامة لا تحتاج إلى لا تحتاج إلى خبر.
ومثله أيضاً: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 193] ويكون الدين كله لله في الآية، آيتين في البقرة والأنفال، والشاهد فيه حتى لا تكون فتنة.
وكذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17]. والمصنف ذكر هذه الآية في الأصل وفي الشرح. فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون، تمسون الفعل أمسى مضارعه تمسي يمسي نمسي أمسي على بحسب حرف المضارعة الذي يدخل عليه، هنا دخلت عليه واو الجماعة تمسون، أصله تمسيون لكن حذفت الياء لعلة صرفية وضمت السين، تمسون، وحين تصبحون أصبح يصبح، فتمسون وتصبحون هل يقال هنا تمسون مضارع وواو الجماعة اسمه والخبر محذوف؟ لا، إنما يقال تمسون هذا فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، وواو الجماعة فاعل، وتم الكلام حين تمسون، أي حين تدخلون في المساء، حين تدخلون في المساء، فهذا الفعل تام.
ما معنى كونه تاما؟ اكتفى بمرفوعه. وعلى الوجه الثاني، ما معنى كونه تاما؟ أنه دل على حدث وزمن؛ الحدث هو الدخول في المساء، الزمن هو المضارع المضارع، أو الزمن هو الحاضر، حين تمسون فعل مضارع الزمن هو الحضور، وكذلك نعني الاستقبال، يعني حين تدخلون في سبحوا الله في هذه الأوقات حين تمسون وحين تصبحون.
وقال الله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [هود: 107]، ما دامت السماوات والأرض، ما مصدرية ظرفية كما سبق، دام فعل ماض هنا تام، والتاء ما هذه التاء؟ تاء التأنيث، هذه تاء التأنيث الساكنة وإنما كسرت لتقف التقاء الساكنين كما سبق مراراً، فهنا ليست ضمير، التانيث الساكنة حرف، السماوات ماذا يقال فيه؟ يقال اسم داما أم يقال فاعل؟ يقال فاعل، دام هنا فاعل يعني مدة دوام السماوات والأرض، فتم الكلام بهذا فهذا فاعل لا يحتاج إلى خبر، خلاف ما دمت دمت حياً ما دمت واسمها، حياً هذا خبرها، فهذه بعض الشواهد على ذلك.
وقال الله تبارك وتعالى وهذا المذكور المصنف: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾ [الشورى: 53] تصير الأمور، صار يصير هنا تصير الأمور، الأمور فاعل ولا يحتاج الكلام إلى خبر.
ومنه على أحد الوجهين هذه الآية التي سأذكرها الآن فيها وجهان للعلماء، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60] لا أبرح، لا أبرح حتى هنا غائية يعني إلى أن يحصل كذا وكذا، فقال لا أبرح ولم يذكر خبراً، فبعض العلماء قال: الخبر مقدر، يعني لا أبرح أسير وأمشى، والآخرون قالوا: بل أبرح هنا تامة فهي من هذا الباب على هذا الوزن.
قال المصنف وقال الشاعر: تطاول ليلك بالأثمد، وبات الخلي ولم ترقدي، وبات وباتت له ليلة كليلة ذي العائر الأغمد، وذلك من نبأ أن جاءني وخبرته عن بني الأسود، ويروى عن أبي الأسود.
الشاهد فيه في ثلاثة مواضع: وبات الخلي، الخلي فعل وفاعل، بات هنا بمعنى رقد نام، بات الخلي فعل وفعل لا يحتاج الكلام إلى خبر. وبات وباتت له ليلة، بات هو أيضاً فعل وفاعل استتد جوازا، وباتت له ليلة، باتت وليلة فاعل له ولا يحتاج الكلام إلى خبر في أي من هذه الثلاثة الثلاث.
ثم قال المصنف: وما فسرنا به التمام هو الصحيح في نسخ التي معي ولعل هذا في بعض النسخ عندكم، وما فسرناه به التمام، لا، هذه الهاء خطأ لا وجودها خطأ يعني أحذفها وما فسرنا به التمام هو الصحيح، وما قال: وما فسرنا به التمام هو الصحيح.
وعن أكثر البصريين أن معنى تمامها دلالتها على الحدث والزمان، وهذا سبق أن قلت لكم ما قول التمام ودلالته على حدث وزمان. والمصنف يقول: ده التمام استغناؤها بالمرفوع، النقصان يقولون دلالته على زمن دون حدث، هو يقول النقصان عدم استغنائها بالمرفوع إنما تحتاج إلى خبر. قال: وكذلك الخلاف في تسمية ما ينصب الخبر ناقصا، لما سمي ناقصاً؟ فعلى ما اخترناه سمي ناقصا لكونه لم يكتفي بالمرفوع، وعلى قول الأكثرين لأنه سلب الدلالة على الحدث وتجرد للدلالة على الزمان، والصحيح الأول.
قال الأصل: وكان بجواز زيادتها متوسطة نحو: ما كان أحسن زيداً.
وكان، أي وتختص كان كما سبق، وتختص الخمسه الأول بمرادفه صار هذه مسألة، واختص غير ليس وفات أوزال بجواز التمام هذه مسألة. مسألة بعد ذلك قال: وكان أي وتختص كان بجواز زيادتها متوسطة، نحو: ما كان أحسن زيداً.
هذه المسائل القادمة، هذه المسألة والمسألة التي بعدها والمسألة والمسألتان الأخريان في آخر مسائل هذه أربع مسائل خاصة بكان يعني لا يدخل فيها غيرها، كل ما سبق كان يقال كان وأخواتها، أو على الأقل كان وبعض أخواتها كما قال وتختص الخمسة الأول بمرادفه صار، كلام في كان وبعض أخواتها كان وأصبح وضحى وأمسى وظل، أما الكلام في المسائل الأربع القادمة فهو في كان وحدها في هذا اللفظ كان، أو أحيانا يكون مضارعا لكن المهم في كان، يعني كان يكون إلى آخره كمسائل إن شاء الله، فالكلام في كان لا يدخل يدخل فيها شيء آخر.
قال وكان أي وتختص كان بجواز زيادتها متوسطة، قال في الشرح: ترد كان في العربية على ثلاثة أقسام: ناقصة، أي ترد ناقصة فتحتاج إلى مرفوع ومنصوب، نحو: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ [الفرقان: 54] هذا سبق، وتامة فتحتاج إلى مرفوع دون منصوب نحو: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، وسبق الكلام في هذين الموضوعين.
طيب ما الثالث؟ قال: وزائدة، أي ترد زائدة فلا تحتاج إلى مرفوع ولا إلى منصوب لا.
تحتاج إلى مرفوع ولا إلى منصوب؟ قد سبق الكلام مراراً في مثل هذه الزيادات. هل يصح أن يقال إن في كلام العرب شيئاً زائداً؟ وبناءً على ذلك، هل يقال في القرآن شيء زائد؟
فالقرآن بلسان عربي مبين، فما صح في العربية الأصل أن يصح في القرآن. نعم، لم يأت القرآن بكل أساليب العرب، أو بكل ألفاظ العرب، أو بكل جمل العرب، كما هو معلوم، هذا لا يماري فيه أحد، كما أنه لم يأت بكل الألفاظ لم يأت بكل أساليب التراتيب. لكن الأصل أنه بلسان عربي مبين، فما جاز في العربية يجوز فيه، وإن كان لم يأت بكل ذلك، فقيل: نعم، يجوز أن يكون في العربية شيء زائد، وبناءً على ذلك يجوز أن يكون في القرآن شيء زائد. وبعضهم يجوز في العربية دون القرآن، كما تكلم بعضهم في مسألة المجاز مثلاً، فمنعوه في القرآن وأجازوه في العربية مثل هذه الأشياء. لكن الأصل إن جاز هنا جاز هنا، وما منع هنا منع هنا، والله أعلم.
الشاهد هنا: هل يجوز ذلك؟ قيل بعدم الجواز، أنه لا زيادة. وقيل: بل هذا جائز. ولكن يا جماعة، انتبهوا لمعنى الزيادة، وهذا تكلمت فيه قبل ذلك، وهذه إشارة إليه؛ لأن هذا الموضوع يحتاج. ليس معنى الزياده أنه لا معنى له، بل كل كلمة، كل حرف، كل ما قيل فيه إنه زائد، فلا بد من معنى يقتضيه هذا السياق. وأقل المعاني أن يكون للتوكيد. يعني إن لم تجد معنى معيناً يفصل بين وجود هذه الكلمة وغيرها، فالمعنى الأول المتبادر هو توكيد الكلام وتقويته، وكأن الكلام بهذه الزيادة لم يحتاج إلى تكرار، وهذا معروف.
قال: وشرط زيادتها أمران. يعني ليس في كل موضع يجوز أن تزيد كان، إنما لابد من شرطين، لابد من شرطين مجتمعين حتى يحكم عليها بالزياده. أحدهما: أن تكون بلفظ الماضي، ماضي كان. هل يصح أن تكون بلفظ المضارع وبلفظ الأمر؟ أما بلفظ الأمر فلا أعلم له شيئاً. وأما بلفظ المضارع فقد ورد في ذلك بعض الأبيات، لكن يقولون: هي من الضرورات. لكن على كل، غالب ما ذكروه إنما هو أبيات عربية، فليس يعني كبير شاهد في كتاب الله تبارك وتعالى، وإن كان بعضهم استشهد على ذلك ببعض الآيات. لكن هل يتم له الاستشهاد؟ هذا موضع بحث. فقال: الشرط الأول أن تكون بلفظ الماضي، وإن كان ورد في بعض الأشعار بلفظ المضارع. والثاني: أن تكون بين شيئين متلازمين.
ليس جاراً ومجروراً، تكون بين شيئين متلازمين. متلازمان يعني أحدهما لا ينفك عن الآخر؛ مثلاً: كالمبتدأ والخبر، كالصفة والموصوف، كالجار والمجرور -لكن هو قال: ليس جراً ومجروراً، وإن كان قد جاءت بين جار ومجرور في بعض الأشعار، كما تعجب، كتعجبية وفعلها-. هذا كله من المواضع التي وردت فيها زيادة كان. قال: كقولك ما كان احسن زيدا، أصل الكلام: ما أحسن زيداً. ما أحسن زيداً، قتل الإنسان ما أكفره. ما تعجبية، أكفر هذا فعل ماضي، وسياتي الكلام عن التعجب، ما أكفر فيها وجهان العلماء. ما أكفر يعني ما استفهامية بمعنى ما الذي جعله يكفر، أو ما أكفره يعني ما أشد كفره، فيا تعجب من كفره مع نعم الله تبارك وتعالى عليه من أول خلقه إلى. فما كان أحسن زيداً، أصل الكلام ما أحسن زيداً تعجب. فما كما أصبرهم على النار، وأسلوب التعجب له أسلوبان معروفان سياتي الكلام عنهما تفصيلا بإذن الله تبارك وتعالى، فهما أسلوبان قياسيان، أما ما عدا ذلك فسماعي. هذا أحدهما، يقال في ما أحسن زيداً، أحياناً يقولون: ما كان أحسن زيداً. في الإعراب: ما التعجبية هي فيها خلاف بين العلماء، بعضهم يجعلها مبتدأ مبنياً على السكون في محل رفع، وكان هنا يقال فيها زائدة، لم يؤتى بها للإسناد، يعني ليس لها فاعل ولا تحتاج إلى اسم وخبر، وأحسن هذا فعل ماض على الصحيح في الإعراب. وفي إعراب أخر: أحسن فعل ماض، وزيد مفعول به، والفاعل ضمير مستتر وجوباً هنا تقديره هو، وهذه الجملة في محل رفع لأنها خبر لما التعجبية. طيب لماذا يقولون: ما كان أحسن زيداً؟ كأنهم يقولون: ما أحسن زيداً ما أحسن زيداً، فكأنها توكيد لحسنه. أصله: ما أحسن زيداً، فزيدت كان بين ما وفعل التعجب.
قال: ولا نعني بزيادتها أنها لم تدل على معنى البتة، يعني أبداً لم تدل على معنى قطعا أو ثبت معناها قطعاً، بل إنها، يعني بل نعني أنها لم يؤتى بها للإسناد. لم يؤتى بها للإسناد، يعني لم يؤتى بها فهي تحتاج إلى فاعل، ولم يؤتى بها لأنها تحتاج إلى اسم وخبر. هذا معنى كونها لم يؤتى بها للإسناد.
هل ذلك من شواهد؟ نعم، وردت عدة شواهد في أشعار العرب، من الشواهد بين ما التعجبية واسمها: قول القائل: لله در أنوشروان من رجل ما كان أعرفه بالدون والسفن. وقال في الأول: لله در. فهذا والله أعلم ذم بما يشبه المدح، فلله در فلان هذه تقال في المدح، لكن عندما يقول: ما كان أعرفه بالدون والسفل، هذا ذم، هذا ذم بما يشبه المدح. كما قال القائل: فان قومي وإن كانوا ذوي عدد ليسوا من الشر في شيء، وانه كان ربك لم يخلق لخشيته سواهم من جموع الناس إنسانا أو ما أشبه ذلك، كان ربك لم يخلق لخشيته سواهم. فكان هذا كأنه يمدحهم بخشية الله تعالى، لا، هو يذمهم بالضعف والجبن. قبيلة لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل. لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل، هذا مدح عالي، لكن يقولون: هذا أراد به الذم، أنهم لا يغدرون بذمة ولا يظلمون الناس حبة خردل لأنهم لا يستطيعون ذلك. وهناك أيضاً ذم بما، هذا ذم بما يشبه المدح. هناك مدح بما يشبه الذم: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب.
هذا أيضاً، هذا فيه مدح بما يشبه الذم، ولا عيب فيه كانه سيذكر عيباً، ومع ذلك: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب. سيوفهم فيها شيء من الكسر بسبب قراعهم للمحاربين في الغزوات، هذا مدح عالي، ولكن في أوله كأنه يشبه الذم. الشاهد أنه يقول هنا: ما كان أعرفه بالدنيا والسفل، ففيه ذم، لكن في أوله أنه يشبه المدح، فالأصل أنه يقول: ما أعرفه بالدون والسفل، يعني ما أشد معرفته بالأشياء السافلة والتافئة وهكذا، لكن قال: ما كان أعرفه فزاد كان. ونسج نحوه أبو الطيب المتنبي فقال: ما كان أخلقنا منكم بتكرمة لو أن أمركم من أمرنا أمم. هذا في عتابه لسيف الدولة في القصيدة المشهورة المعروفة التي طارت كل مطار. وهذا، كما قلت لكم، هذا مثال ليس شاهداً، فالشواهد لابد أن تكون عربية المدينة، لابد أن تكون عربية في زمن الاحتجاج. أما أبو الطيب فقد توفي سنة أربع وخمسين وثلاثمائة، فهو لا يحتج به، وإن كان هو ينسج على منوال العرب كما هو معلوم، هو شاعر عربي فحل كبير، لكن جاء بعد عصر الاحتجاج.
كأن ما كان أخلقنا أصله ما أخلقنا. وذكروا شيئاً غير ذلك، قالوا: أحياناً تأتي بين الجر والمجرور، على عكس ما قال المصنف. قال بعض الشعراء: سراة بني أبي بكر تسامى على كان المسومة العراب. على كان المسومة العراب يعني على المسومة العراب، يعني على الخيل المسومة العراب. المسومة المعلمة، كما في القرآن: ﴿خَيْلٍ مُّسَوَّمَةٍ﴾ [آل عمران: 14]، والعراب. الحظ ثلاثة آلاف من الملائكة مسومين، ومسومين قراءتان، فالمسومة المعلمة، والعراب بالعربية، فيقول: على كان المسومة العراب، يعني على الخيل المسومة العراب المعلمة العربية. فلماذا قال على كان؟ حتى يضبط وزن البيت، لأنه لو قال على المسومة العراب لانكسر عليه البيت، فقال: على كان المسومة العراب، فجاء بكان زائدة بين جار ومجرور. لكن قالوا: هذا بيت نادر، لا يقاس عليه فيجل هذا. قال المصنف: ليس جاراً ومجروراً.
وقال آخر وذكر كان بين الصفة والموصوف، قال: فكيف إذا مرضت بدار قوم وجيران لنا كانوا كرامي. كان يمكن أن يقول: وجيران لنا كانوا كراماً، لكن كان القافية بالميم المكسورة كرامي، فلو قال كانوا كراماً لحصل أقواء، والاقواء أن يختلف شكل القافيه، تكون مثلاً ميماً مرفوعة مضمومة، فياتي بها مفتوحة أو مكسورة، هنا لو كانت القافية ميماً مكسورة وقال وجيران لنا كانوا كراماً لحصل هذا الاقواء، وهو من عيوب الشعر. فقال: وجيران لنا كانوا كرامي، فجاء بها زائدة بين وصف وموصوف.
وبعضهم يقول أيضاً: تأتي أحياناً بين العاطف والمعطوف، أو بين المعطوف والمعطوف عليه، بين المعطوف والمعطوف عليه، كما قال القائل: في لجة غمرت أباك بحورها في الجاهلية كان والإسلام. في الجاهلية كان والإسلام أي في الجاهلية والإسلام.
قال: وحذف نون مضارعها المجزوم وصلاً إن لم يلقاها ساكن ولا ضمير نصب متصل. هذه مسألة ثانية من المسائل الأربعة التي تختص، من المسائل الأربعة التي تختص بكان وحدها. وحذف، لماذا قال وحذف؟ لم يقل وحذف، يعني وتختص كان بجواز... من أول الكلام قال: وتختص الخمسه الأول بمرادفة صار وغير كذا وكذا بكذا تختص كذا. قال: وكان، أيوه، تختص كان بجواز زيادتها وحذف، أي وتختص كان بجواز حذف مضارع نون، نون مضارعه. قال في الشرح: تختص كان بأمور، منها: مجيئها زائدة، هذا الذي تقدم في المسألة الأولى. ومنها: جواز حذف آخرها، ما آخرها؟ آخرها النون، قال: وذلك بخمسه شروط، لابد من شروط مجتمعة -طبعاً في بعضها خلاف- لابد من شروط أن تجتمع لأجل أن تحذف هذه النون التي في الآخر. قال: بخمسة شروط، وهي: أن تكون بلفظ المضارع دون الماضي والأمر، يعني لا يقال في الكلام كا وتقصد كان، أو كو وت وتقصد كن، لابد أن تكون بلفظ المضارع. وأن تكون مجزوماً، يعني لا يعني ألا تكون مرفوعة ولا مجزومة ولا منصوبة، لابد أن تكون مجزومة، فلابد أن تسبق بأداة جزم. ولا تكون موقوفاً عليها، يعني أن يكون بعدها كلام، ألا يوقف عليها، وهذا الشرط فيه خلاف. ولا متصله بضمير نصب، ألا يأتي بعدها ضمير نصب، وضمائر النصب كما سبق المراد بها ضمائر النصب المتصله بها، ضمير النصب، والمتابع المذاكر بإذن الله تعالى سيعلم الضمائر الثلاثة التي تكون في محل نصب وتكون كذلك في محل جر، وهي: ياء المتكلم، وكاف الخطاب، وهاء الغيبة. وسبق الكلام فيها في باب الضمير. وبساكن، ولا متصله بضمير نصب وبساكن. الأدق هنا أن يقال: ولا بساكن، ولا متصله بضمير نصب ولا بساكن، أو يقال: أو بساكن، هذا الأليق والله أعلم الكلام. وهذا أيضاً فيه خلاف، يعني إذا كان بعدها حرف ساكن، هل تحذف النون؟ هذا فيه خلاف. فهذه هي الشروط الخمسة إجمالاً، سيمثل وسأبين في الكلام إن شاء الله تعالى.
قال كقوله تعالى وهكذا يقول وسبق هذا مراراً: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20]. الشاهد فيه: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾. أصله: ولم أكن، كما في السورة نفسها: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾ [مريم: 4] في قول زكريا عليه السلام في أوائل السورة، ولم أكن هكذا بالنون. فيجوز ثبوت النون ويجوز حذفها. فهذا يعني نسيت أن أنبه عليه أن هذا الحذف جائز بعد اكتمال هذه الشروط، يعني بعد اكتمال الشروط الخمسة، إذا كانت كان بلفظ المضارع، وكانت مجزومة، ولم تكن موقوفاً عليها، ولا متصلة بضمير نصب، ولا بساكن، حتى لو اجتمعت هذه الشروط -وإن كان في بعضها خلاف- حتى وإن اجتمعت، فإن الحذف يبقى جائزاً ولا يكون واجباً. يبقى هذا الحذف جائزاً ولا يكون واجباً. ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا﴾، ولم أك بغياً، هذا سائغ وهذا سائغ.
طيب ولم أك بغياً، أين الشروط هنا؟ أولاً: أك هنا بلفظ المضارع. ما الذي دل على أنه بلفظ المضارع؟ سبقته لم، ولم هذه لا تدخل إلا على الفعل المضارع. وهو مجزوم، ما الدليل على أنه مجزوم؟ سبقته لم، ولم هذه هي من جوازم المضارع. لم جازم من جوازم المضارع، وأول ما يذكر في جوازم المضارع، وقد ذكر المصنف بعد الجزم في جواب الطلب كما سبق. وقال: تكون موقوفاً عليها. هذا شرط، وذكرت لكم أن فيه خلافا؛ لأنه يمكن هنا أن يوقف عليها على الأقل اضطراراً واختباراً. اضطراراً واختباراً، يعني وإن كان الوقف عليها اختياراً معيباً، إن كان الوقف عليها اختياراً معيباً أن يقول القائل: قالت ربي أنا يكون غلام ولم يمسسني بشر ولم أك، ويقف. لا، مثل هذا يقف اضطراراً كقطاع النفس أو ما أشبه ذلك، أو اختباراً كما شيخ يعلم مثلاً طالباً عنده التجويد والوقف والابتداء وكيف يقف وهكذا فيقول له: قف هنا، فيقول: ولم أك، ويقف عليها بالكاف. إذاً فجاز الوقوف عليها حتى في القرآن ولو في باب من الأبواب، إذاً فهذا الشرط فيه خلاف، والأصح عدم اشتراطه. قال: ولا متصلة بضمير نصب، هنا ليس بعدها ضمير، هذا شرط، الشرط موجود. ولا بساكن، ليس بعدها ساكن، ولم أك، ولم أكو باغية، فالباء مفتوحة، فهنا اجتمعت فيها الشروط.
طيب، ما أصل ولم أك؟ قال: واصله أكون. كان المضارع: يكون وتكون ونكون وأكون، أكون هذه المفرد الذي يتكلم عن نفسه.
والمتكلم مريم عليها السلام: أكون، هذا فعل كان. أكون؟ طب كيف وصل إلى أك هكذا؟ قال فحذفت الضمة للجازم. أصله أكون أكون، فدخلت اللام لم، دخلت لم فأصبحت لم أكون السكون، لان هذا فعل مضارع مجزوم بلام، وعلامة جزمه السكون. طب أكون ما الذي فيها؟ فيها واو ساكنة بعدها نون ساكنة، واو ساكنة بعدها نون، بعدها نون ساكنة، فاجتمع ساكنان: أولهما حرف علة والثاني حرف صحيح، فحذف حرف العلة وأصبحت بعد أكون أصبحت أكن.
بعد أكون أصبحت أكن، قال: فحذفت الضمة للجازم والواو للساكنين أي تلافياً لالتقاء الساكنين، وأصبحت أكن. طب لماذا حذفت الكاف؟ قال والنون للتخفيف. ولم أك بغي أكن بغية، هذا تخفيف فقط، وهذا التخفيف ورد في العربية، فورد نحوه في كتاب الله تعالى. قال: والنون للتخفيف، وهذا الحذف جائز، يعني أن هذا الحذف الذي هو للنون جائز كما ذكرت، والحذفان الأولان واجبان. ماذا يريد بالحذفين الأولين؟ حذف الضمة وحذف الواو. قال: أصله أكون، حذفت الضمة للجازم، هذا الحذف واجب، فـالجازم لابد أن يكون مجزوماً هنا بالسكون لأنه فعل صحيح، فتحذف الضمة وجوباً، والواو للساكنين أي تلافياً لالتقاء الساكنين تحذف الواو هنا وجوباً تلافياً لالتقاء الساكنين. أما حذف النون فهو جائز ليس واجباً.
قال: ولا يجوز الحذف في نحو طب قبل أن أذكر بقية المسألة هل لذلك من أمثله أخرى؟ نعم، هناك أمثلة كثيرة على ذلك، يعني أذكر لكم مثالاً في كل حرف، هو ذكر مثالاً للحرف الذي هو الهمزة. من أمثلة النون قول الله تبارك وتعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43] و﴿وَلَمْ نَكُنْ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: 44] أصله لم نكن. ومن أمثلة الياء قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غؤاف: 85] أصله لم يكن. ومن أمثلة التاء قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ [مريم: 9] يبقى أك، تك، يكو، هذه أربعة جاءت هكذا، وجاءت جميعاً في كتاب الله تبارك وتعالى، فجاء حذف النون في كتاب الله تبارك وتعالى الفعل المضارع المجزوم بأحرفه الأربعة.
قال: ولا يجوز الحذف في نحو ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البينة: 1] لماذا لا يجوز الحذف؟ قال: لاجل اتصال الساكن بها. لم يكن الذين كفروا، يكن، هذه النون التي يسأل فيها هذا السؤال: هل يجوز حذف هذه النون حتى في غير القرآن؟ يعني هل يجوز حذفها؟ الجواب هنا على اختيار المصنف ومن ذهب مذهبه يقولون لا يجوز، لماذا؟ لان بعدها حرفاً ساكناً، لم يكن الذين كفروا، الألف التي في الذين لا تنطق، واللام التي ترونها مشددة عبارة عن حرفين: الحرف الأول ساكن والثاني متحرك، يضغمان ويلتقان هكذا حرفاً واحداً مشدداً، إذا فهناك التقاء ساكنين، فلا تحذف هذه النون لأنها ليست ساكنة فهي مكسورة، لأجل هذا سيقولون متعاصية على الحذف. قال: فهي مكسورة لأجله، أي لأجل السكن لالتقاء الساكنين، لأجل الساكن الذي بعدها. قال: فهي متعاصية على الحذف لقوتها، فالذي يحذف هو الحرف الساكن، أما هذه قوية فلا تحذف.
ولكن هناك بعض الشواهد التي ترد هذا القول، هذا مختلف فيه، لكن هناك شواهد ترد هذا القول وتجعل هذا الشرط غير مشترط عند العرب. قال الشاعر: إذا لم تكن الحاجات من همة الفتى فليس بمغن عنك عقد الرتائم إذا لم تك حاجات. وقال الآخر: إذا لم تكن المرأة أبدت وسامة فقد أبدت المرأة جبهة ضيغم إذا لم تكن المرأة معروفة مراية يعني أبدت وسامة ونظر في المرآة، فوجد نفسه هو يتكلم عن نفسه يعني وجد نفسه دميما وكل خلق الله حسن، لكن تفوت وجد نفسه دميما، فأراد أن يعني يعزي نفسه فقال: إذا لم تكن المرأة أبدت وسامة يعني أنا إن لم أكن وسيماً فقد أبدت المرأة جبهة ضيغم. لكن هذه المرأة عندما نظرت فيها وجدت أسداً، والأسد يعني لا يشترط أن يكون جميلا وفروسيته شجاعته تخويف الناس هذا كله يكفيه عن الوسامه. هذا يؤذي نفسك، يعني عمدا شرحت ألفاظ هذا البيت لأن فيه طرفة. إن شاء الله يفهمها بعضهم أنا ساشير إليه إشارة، الحر تكفيه الإشارة، ولولا أن صاحبها حكاها لي بنفسي لما استجزت عن حكاية يقول إنه هو أعني صاحبي هذا قرأ هذا البيت: إذا لم تكن المرأة، إذا لم تكن المرأة، فانقلب عليه المعنى تماماً وضرب أخماساً في أسياد ليفهم المعنى، قرأ: إذا لم تكن المرأة، قرأها المراءة، فانقلب عليه.
قال: ولا في نحو ﴿إِنْ يَكُنْهُ فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ﴾ [النساء: 91] هذا كما ذكرت لكم في موضع آخر عند كلام المصنف في الضمير، عندما يتصل الضمير أو ينفصل، الأصل أنك إذا استطعت أن تأتي بالضمير المتصل فلا يجوز لك العدول عنه إلى المنفصل إلا في مسألتين: هذه أحدهما أن يكون الضمير خبراً لكان، فحينئذ ذكرت لكم هذا الحديث ﴿إن يكنه فلن تسلط عليه﴾، ويجوز في غير هذا الحديث أن يقال إن يكن إياه يعني إن يكن هذا الرجل اللي هو ابن صياد الدجال فلن تسلط عليه، كما هو معلوم لأن الذي يسلط عليه هو المسيح عيسى بن مريم عليه صلوات الله وسلامه.
الشاهد هنا أن يكن فلن تسلط عليه قالوا: هل يجوز هنا أن تحذف النون؟ قالوا: لا يجوز. قال: لماذا؟ قال: لاتصال الضمير المنصوب بها، والضمائر ترد الأشياء إلى أصولها، الضمير هنا أعاد الشيء إلى أصله فحينئذ لا يسوغ حذف النون. ﴿إن يكنه﴾ ولا يجوز حذف النون.
قال: ولا في الموقوف عليها، هذه فيها خلاف، لأجل ذلك ذكره عن بعض العلماء قال: نص على ذلك ابن خروف وهو حسن؛ لأن الفعل الموقوف عليه إذا دخله الحذف حتى بقي على حرف واحد أو حرفين وجب الوقف عليه بهاء السكت. ويقولون: الكلمة إذا بقيت على حرف واحد فلابد من هاء السكت حتى نستطيع أن ننطق بها، وهذا صح، وهذا صحيح. لكن إذا بقيت على حرفين هل يجب فيها ذلك؟ لا يجب فيها ذلك. طب أيما كان هذا الفعل الذي تحذف منه النون كيف سيصير حاله؟ سيصير على حرفين ولم أك، هكذا أك تك أو يك أو هكذا، فمثل هذا سيصير على حرفين، فحينئذ لا يجب المجيء بالنون ولا المجيء بهاء السكت، فالذي على حرفين ينطق على حرفين كما هو، فهذه المسألة فيها خلاف، والصواب خلاف ما ذكر إليه ما ذهب إليه المصنف عليه رحمة الله تعالى، والمصنف نفسه إذ عاب هذا القول في موضع آخر من كتبه.
أما إذا كان على حرف واحد فلا يمكن أن تنطق بالحرف الواحد أصلاً إلا إذا جئت بهاء السكت، تقول مثلاً: فلان وعى المساله، وفلان يعي هذه المساله، وعى وقا يقي. طب إذا اردت أن تقول، يعني تريد أن تأمره من الوعي؟ تريد أن تأمره من الوعي؟ وعى يعي، تريد أن تأمره ماذا تقول له؟ فعل الأمر الذي من وعى يعي هو عي فقط، فعل الأمر هو حرف العين مكسورة، ومع ذلك لا يسوغ لأحد أن تقول عِ فقط، إنما لابد أن تقول عِ بهاء السكت بعد العين، وهذه الهاء ليست مفعولاً به لا، إنما هي هاء السكت.
قال: كقولك عِ ولم يعي، قال: ولم يعه، لا، المخطئ تقول عِ ولم يعي فقط بغير الهاء. قال: فلم يك بمنزله لم يعي، هذا على حرفين وهذا على حرفين، فالوقف عليه باعادة الحرف الذي كان فيه أولى من اجتلاب حرف لم يكن. يعني هو يقول لك: أنت بين أمرين إما أن تقول لم يكن إذا وقفت أو لم يكه بهاء السكت. قال: لماذا إذا تاتي بهاء السكت وعندك حرف حذفه جائز؟ فات به وقل لم يكن. لماذا يقول كل هذا؟ لأنه يريد أن يقول: إذا كنت واقفا عليها فلا يجوز لك أن تحذف النون. وثبت أن هذا غير صحيح والعلم عند الله تعالى، بل يجوز أن تحذف لأن هذا بقي على حرفين لا على حرف واحد فاجتلابهاء السكت هنا ليس واجباً.
قال: ولا يقع ولا يقال مثله في لم يعي، يعني هو كأن يستشكل على نفسه يقول له قائل: إذا لم يعي لماذا تأتون بهاء السكت في وعي وتقول لم يعه؟ فات بالحرف المحذوف إذا لم يعي أصله وعا يعي، فهو سيجيب بأن لا، بأن هذا القياس قياس فاسد. قال: لأن إعادة الياء تؤدي إلى إلغاء الجازم، إذا قلت لم يعي فجئت بالياء التي حذفت لأجل الجازم فكأنك ألغيت الجازم، بخلاف لم يكن فإن الجازم اقتضى حذف الضمة إلى حذف النون كما بينا، خلاصة أن هذا قياس فسد.
بعد ذلك ذكر مسألة أخرى وهي مسألة طويلة ولا تكاد تجد لها شاهداً، لا أعلم شاهداً في كتاب الله تبارك وتعالى، إنما فيها شاهد في أثر هكذا إن صح الاستشهاد به، وإن كان إن كان هذا موضع استشهاد يعني على معنى، وفيها استشهاد ببيت شعر، ومع ذلك مسألة طويلة كما هي، وإن شاء الله تعالى. قال: وحذفها وحدها معوضاً عنها ما في مثل: أما أنت ذا نفر، ومع اسمها في مثل: التمس ولو خاتماً من حديد. هاتان مسألتان التي تكلمت عنها وأشرت إليها إشارة هي المسألة الأولى، أما الثانية هي مسألة سهلة وعليها شواهد، الأولى مسألة طويلة ولا تكاد تجد لها شواهد كثيرة، لا تكاد تجد لها شواهد، لا أقول كثيرة حتى لا ينتقد الكلام.
قال: من خصائص كان جواز حذفها ولها في ذلك حالتان، فتارة تحذف وحدها -هذا الكلام في كان وحدها دون أخواتها- تحذف وحدها ويبقى الاسم والخبر، يعني تجد اسمها موجوداً وتجد خبرها موجوداً، أما هي فليست موجودة، يعني كأنها عملت مستترة مختفية محذوفة، ويبقى الاسم والخبر ويعوض عنها ما، هذه الحالة الأولى. وتارة هذه الحالة الثانية وتارة تحذف مع اسمها ويبقى الخبر ولا يعوض عنها شيء، تحذف كان ويحذف اسمها ويبقى خبرها.
طب الكلام في الأول عندما تحذف هي ويبقى اسمها وخبرها قال: فالاول بعد أن المصدرية في كل موضع أريد فيه تعليل فعل بفعل كقولهم: أما أنت منطلقا انطلقت. أما أنت منطلقا انطلقت، ما معنى قولهم: أما أنت منطلقا انطلقت؟ معناه أنني انطلقت لأجل أنك كنت منطلقا، هذا أنا ذهبت لأجل أنك كنت ذاهبا، فأصله: انطلقت لأن كنت منطلقا، أصله: انطلقت لأن كنت منطلقا، فقدمت اللام وما بعدها على الفعل للاهتمام به أو لقصد الاختصاص. قدمت اللام وما بعدها، يبقى إذا أنظر هذه خمس مراحل أو ست مراحل مرت بها هذه الكلمه، الأولى أنها كانت كذا: انطلقت لأن كنت منطلقا، هذه الأولى، ماذا حصل؟ قدمت اللام وما بعدها. الثانية، فصارت على الصورة الثانية، ما الصورة الثانية؟ لأن كنت منطلقا انطلقت، لأجل الاهتمام بالفعل أو لقصد الاختصاص يعني لأجل هذا فقط، لأجل هذا فقط كإياك نعبد يعني نعبدك وحدك لا نشرك بك شيئاً، فتقديم المعمول، تقديم الجر والمجرور، تقديم المفعول، تقديم الظرف مثل هذه الأشياء أحياناً تفيد هذا الاختصاص، فالصورة الثانية: لأن كنت منطلقا انطلقت، أو المرحلة الثانية التي مرت بها هذه الجملة فصار: لأن كنت منطلقا، ثم حذف الجار اختصاراً، حذف الجار اختصاراً فصار الكلام: إن كنت منطلقا انطلقت بعد لأن صرت إن كنت منطلقا انطلقت.
طب كيف يحذف هذا الجار؟ هل الجار يحذف هكذا؟ قال: كما يحذف قياساً من أن كقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158] وهذا معروف يحذف حرف الجر قياساً قبل أن وأن. وقال الله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] فيه وجهان كلاهما على حذف حرف الجر، ترغبون أن تنكحوهن يعني في أن تنكحوهن أو عن أن تنكحوهن ترغبون في نكاحهن لحسنهن أو لمالهن أو ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن أو لفقرهن، فهذا نعم يحذف قياساً. قال: إذن يحذف هذا -عفواً- هذا يحذف نعم قياساً، فهذا يحذف قياساً عليه كذلك اختصاراً.
قال: ثم حذفت كان، إذاً فالصورة الثالثة صارت: إن كنت منطلقا انطلقت. قال: ثم حذفت كان اختصاراً أيضاً فانفصل الضمير. طب الصورة الرابعة إذا حذفت كان: إن كنت منطلقا انطلقت أصبح انت، تاء، هذه التاء هذا ضمير متصل لا يمكن أن ينفصل وحده، فلما انفصلت التاء التي هي للمخاطب جيء بالضمير المنفصل الذي يمثلها وهو أنت، فصار الكلام في في الصورة الرابعة أو في المرحلة الرابعة: إن أنت منطلقا انطلقت، إن أنت منطلقا انطلقت. طب يريدون أن يعوضوا كان هذه، قالوا: ثم زيد ما عوضاً عن كان المحذوف فصار الكلام: إن ما، بدل كان: إن ما أنت منطلقا انطلقت. قالوا: ثم أدغمت النون في الميم: إنما صرت أما، هذه المرحلة الثالثة التي صارت بها الكلمة وبها الخلاصة آخر الكلام: أما أنت منطلقا انطلقت، هذه هي الصورة الأولى التي كانت عليها الكلمة، فمرت بهذه المراحل حتى تصل إلى هذا. طبعا كل هذا قد يكون معكرا عليه وبعضهم يقول: إنما العرب نطقت بمثل هذا ولا حاجة لكل هذا، لكن هذا هذه خلاصة كلام المصنف وهذا تأويل كلامه، قال: فصار أما أنت، يعني أما أنت منطلقا انقض. قال على ذلك قول العباس بن مرداس، والعباس بن مرداس.
صحابي رضي الله عنه وهو من مسلمة الفتح، وله أبيات مشهورة لما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم دون الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن. أعطى الأقرع بن حابس النبي صلى الله عليه وسلم، أعطى الأقرع بن حابس مئة من النعم وأعطى عيينة بن حصن مئة، وأعطى العباس بن مرداس هذا أقل من ذلك وهو شاعر، فاستخدم شعره فقال: أتجعل نهبي ونهب العبيد دون عيينة والأقرع، وما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع.
أتجعل نهبي ونهب العبيد؛ يعني أجعل غنيمتي التي تعطينها والنفل الذي تعطنيه ونفل فرس الذي معي، العبيد هذا فرس، دون عيينة والأقرع؛ يعني أقل مما تجعله لعيينة بن بدر أو ابن حصن -عن ابن بدر وينسب إلى حصن- ودون ما أعطيت للأقرع بن حابس. وما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع؛ بدر أبو عيينة وحابس أبو الأقرع، يقول: ما كانا يفوقان مرداس في الأجمع في المجمع، لم يكونا أفضل من أبي سواء في اجتماع الناس في حرب أو غيرها.
فكيف تعطيني أقل منهما وأبو أبو أبوهما، أبو واحد منهما ليس خيراً من أبي، وما كنت دون امرئ منهما. هذا دليل ثاني يعني له يستدل به أو هو شيء يعني يتقرب به إلى النبي عليه الصلاة والسلام حتى يجزل له العطاء، قال: وما كنت دون امرئ منهما؛ يعني أبو هذا ليس خيراً من أبي، وأبو هذا ليس خيراً من أبي، وأنا لست دون امرئ منهما؛ يعني ليس عيينة ولا بدر خيراً مني، هذا شيء.
ثم قال له الفاصلة وهذه أحسن ما قال: ومن تخفض اليوم لا يرفعي. ومن تخفض اليوم لا يرفعي؛ يعني ومن تخفضه اليوم لا يرفع. فعندما تعطيني أقل من هذين فسيطير هذا في الناس، وسيقولون أعطى فلانا كذا، فلانا كذا، وأعطى العباس بن مرداس دون ذلك. فكمل له النبي صلى الله عليه وسلم هذه المئة. والحديث في الصحيح.
قال ومن ذلك قول العباس بن مرداس: أبا خراشة أما أنت ذا نفر، فإن قومي لم تأكلهم الضبع. أبا خراشة؛ هذا خاطب رجلاً. أما أنت ذا نفر، فإن قومي لم تأكلهم الضبع. أصله؛ لأن كنت ذا نفر، على تأويل كلام المصنف يعني أصله مر بهذه المراحل: إن كنت ذا نفر، بعد ذلك صار إن كنت ذا نفر بحذف اللام، بعد ذلك صار إن أنت ذا نفر بعد حذف كان والمجيء بانت بدل التاء، بعد ذلك صار أما أنت ذا نفر بعد المجيء بما بدل كان، آخر شيء صار أما بعد ادغام النون في الميم فصار أما أنت ذا نفري، وهذا هو الموجود. فصار بهذه المراحل كان هذه.
دراسة لمراحل بما أن وإذا. في أثر معروف في الصحيح، حديث ابن عمر في قصته الشهيرة لما طلق امرأته وهي حائض واستفتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال: مرْه فليراجعها، إلى آخر الحديث في ذلك. أن في بعض الآثار أن ابن عمر رضي الله عنهما لما كان يستفتى بعد ذلك بعد وفاة النبي عليه الصلاه والسلام، بعد صار هو عالماً يفتي الناس، كان يستفتى في ذلك فيقول: أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا.
فأما أنت طلقت فكذا؛ يعني معناه: لأن كنت طلقت امرأتك، فإن رسول الله أمر بكذا، فانه يعني يجب عليك أن تمسكها إن كنت طلقتها حائضاً، إن كانت هذه المره الأولى أو المرة الثانية. أما أنت طلقت؛ يعني لأن كنت طلقت، ويدل عليه في الأثر نفسه: وإن كنت طلقتها ثلاثاً فقد حرمت عليك، وهو عطف وإن كنت على أما أنت، فهذا يؤكد أن المعنى لأن كنت أو لأن كنت، والعلم عند الله تبارك وتعالى. قال: أصله لأن كنت فعمل فيه ما ذكرنا.
والثاني، هذه المسألة الأخيرة من المسائل الخاصة لكان والمسألة الرابعة، وهي عندما تحذف كان مع اسمها ويبقى خبرها. قال بعد أن ولو الشرطيتين. مثال ذلك بعد أن قولهم: المرء مقتول بما قتل به، إن سيفاً فسيف، وإن خنجراً فخنجر. ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179]. كما قال الله تبارك وتعالى.
النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ترد رأس اليهودي الذي قتل امرأة بين حجرين، كما رد هو رأسها بين حجرين؛ يعني كأنه وضع رأسها على حجر وجاء بحجر آخر فضربها به فكسر رأسها بين حجرين. لكن سبحان الله لم تمت من هذا، بقي فيها نفس وبقيت فيها بقية رمق لكنها لا تستطيع الكلام. فقيل لها: فلان قتلك؟ فلان قتلك؟ فلم تشر، حتى ذكر لها جماعة من المحيطين بها، حتى ذكر هذا اليهودي فأشارت برأسها أن نعم. فأخذ، فسئل فاعترف. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتص منه بمثل ما قتل.
﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾ هذا من محاسن ديننا العظيم؛ ولكم في القصاص حياة لمن عرف أنه سيفعل به ما فعل بغيره فانه ينكف، فحينئذ يحيي نفسه بانكفاف هذا باذن الله تعالى، ويحيي غيره. ويحيي هذه ليس فيها اشكال، الله عز وجل قال: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. يحيي بمعنى أنه ادخر هذه الحياة لا يقتل إنساناً ولا يقتل نفسه، فإن قتل غيره كأنه قتله وقتل نفسه، وإن ترك فكأنه أحياه وأحيا نفسه وكأنما أحيا الناس جميعاً، هذا من محاسن الدين العظيم.
فالشاهد أنه يقول: إن سيفاً فسيف؛ يعني أن كان الذي يقتل به سيفاً فالذي يقتل به سيفاً، سيفاً يعني أن كان الذي يقتل به سيفاً فحذفت كان وحذف اسمها. وإن خنجراً؛ أي وإن كان خنجراً، وإن كان السلاح خنجراً، كان الذي يقتل به خنجراً. قال: والناس مجزيون بأعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراًَ فشر؛ يعني أن كان عملهم خيراً فجزاؤهم خير، وإن كان عملهم شراًَ فجزاؤهم شر. وهذا من أصح ما قيل في هذا، وهذه الكلمه تروی على أشياء كثيرة ولا تخريجات كثيرة. لكن على هذه الرواية: إن خيراً فخير، هذا من أصح التخريجات التي قيلت فيها، إن خيراً فخير يعني إن كان عملهم خيراً فجزاؤهم خير.
وله شاهد في حديث النبي عليه الصلاه والسلام، يعني لا أعلم له شاهداً في كتاب الله تعالى إنما في ذلك شاهد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». هذا المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه، كل هذا الدين كله محاسن في كل جوانبه فيحرم على الإنسان أن يظلم غيره ولو في شيء يسير بهذا التحذير والتخويف العظيم.
«من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه»، قال: والله كذا وكذا، حتى يأخذ حق غيره، «حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار». هذا طبعا باب التخويف فليس هذا كفراًَ كما هو معلوم، إنما يكفر مثل هذا إذا استحل أو ما شابه ذلك، وهذا تخريجات معروفة عند العلماء. الشاهد قالوا: وإن كان شيئاً يسيراً يا رسول الله؟ قال: «وإن قضيباً من أراك». هذا هو الشاهد في النحو، يعني وإن قضيباً من أراك، يعني وإن كان المقتطع قضيباً من أراك. وإن كان المقتطع قضيباً من أراك، كان، حذفت المقتطع الذي هو اسمها وحذف، وقضيباً خبره. قضيباً من أراك؛ يعني عوداً من سواك، يعني لو أنه اخذ سواك غيره بيمينه يقتطع حقه فحينئذ هو متوعد بهذا الوعيد الشديد، يعني وإن كان شيئاً، وإن كان سواكاً، سواك بس، سبحان الله.
قال وقال الشاعر: لا تقربن الدهر آل مطرف إن ظالما أبدا وإن مظلوما؛ يعني إن كنت ظالماً وإن كنت مظلوماً. قال: إن كـ، أي إن كان ما قتل به سيفاً فالذي يقتل به سيف، وإن كان عملهم خيراً فجزاؤهم خير، وإن كنت ظالماً وإن كنت مظلوماً. إن ظالماً أبدا وإن مظلوما؛ يعني إن كنت ظالماً وإن كنت مظلوماً. ومثاله في الحديث معروف القران قضيباً من أراك.
قال ومثاله بعد لو قوله عليه الصلاة والسلام: «التمس ولو خاتماً من حديد». التمس ولو خاتماً من حديد؛ أي التمس ولو كان الملتمس خاتماً من حديد، أو لو كان ما تلتمسه خاتماً من حديد، فحذفت كان وحذف اسمه. ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: «بلغوا عني ولو آية». ولو آية؛ يعني بلغوا عني ولو كان المبلغ آية.
قال وقول الشاعر: لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكاً جنوده ضاق عنها السهل والجبل. بل ولو ملكاً؛ يعني ولو كان الباغي ملكاً. قال: ولو كان ما تلتمس خاتماً من حديد، هذا تفسير الحديث. ولو كان الباغي ملكاً، ملكاً عفواً، ولو كان الباغي ملكاً، ملكاً من الملائكة هذا خطأ، أنا أخطأت في ملكاً بكسر اللام من الملوك، ولو كان الباغي ملكاً، هذا تأويل للبيت.
قال بعد ذلك: ومال الحجازية النافية كليس، أن تقدم الاسم ولم يسبق بأن ولا بمعمول الخبر إلا ظرفاً أو جاراً ومجروراً، ولا اقترن الخبر بإلا، نحو: ما هذا بشراً. هذه مسألة أو هذا باب جديد في نواسخ الابتداء.
فكل الكلام الذي سبق كان في كان وأخواتها، عندنا كان وأخواتها ترفع المبتدا وتنصب الخبر سبق الكلام فيه. كاد وأخواتها وهي أفعال المقاربة والرجاء والشروع، ترفع المبتدا وتنصب الخبر، لكن لها شرط وهو أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع، وهذا الباب لا أدري لماذا لم يتكلم عنه المصنف، يعني هو يتكلم عنه في غير ذلك من كتبه وهو موجود، يعني الذي يذكر كان وما يذكر كاد، لكن لا أدري لماذا أغفله المصنف في هذا كان، على كل أن هذا ناسخ ثاني لم يتكلم عنه المصنف.
الناسخ الثالث وهو الثاني هنا: وما الحجازية وأخواتها، هذه أيضا ترفع المبتدا وتنصب الخبر. طيب، كان ترفع المبتدا وتنصب الخبر، كاد ترفع المبتدا وتنصب الخبر، ما وأخواتها ترفع المبتدا وتنصب الخبر. السؤال: لماذا جعلوا هذا وحده، وهذا وحده، وهذا وحده؟ ولماذا هذه تشقيق؟ ولماذا لم يجمعوها شيئاً واحداً؟ لماذا التفريق؟
ويقال هنا العلماء إذا جمعوا فلهم في ذلك علة، وإذا تفرقوا فلهم في ذلك علة، ولا نبادر بالتثريب عليهم واللوم والتعيير، إنما جعلوا كل باب على حدة لأن لكل باب شروطاً تخصه. كاد وأخواتها هذه الشرط الذي ذكرتم لكم: أن يكون خبرها جملة فعلية فعلها مضارع، هذا شرط يخصها دون غيرها، فلأجل ذلك لابد أن تجعل وحدها. وما وأخواتها لكل واحدة شروط تخصها، فلأجل هذا جعلوها وحدها وإن كان عمل الجميع واحداً وهو رفع المبتدا ونصب الخبر.
قال: اعلم أنهم أجروا ثلاثة حروف أو ثلاثة أحرف من حروف النفي مجرى ليس في رفع الاسم ونصب الخبر، وهي ما ولات، ولكل منها كلام يخصها. طبعا هي أربعة أحرف: ما، ولات، وإن النافية التي هي أخت ما ولات. ما نافية، لا نافية، لاة نافية، إن نافية. وأيضا المصنف هنا أغفله لم يذكرها وإن كان ذكرها في غير ذلك من كتبه لكن لم يذكرها هنا.
قال: والكلام الآن في ما وأعمالها عمل ليس، هو يقول هنا عفواً قال: والكلام هو الآن في ما وأعمالها عمل ليس، يعني في أعمالها عمل ليس. الكلام الآن في ما وأعمالها عمل ليس، يعني في ما وفي أعمالها عمل ليس وهي لغة الحجازيين. طيب لماذا يقولون تعمل عمل ليس؟ يقولون: تعمل عمل كان، عندنا كان وأخواتها، هم يقولون ليس وأخواتها؟ لا، يقولون كان وأخواتها. طيب لماذا جاؤوا هنا وقالوا: تعمل عمل ليس؟ لماذا لم يقولوا: تعمل عمل كان وأخواتها؟
هذا صحيح، يعني نعمل نعم تعمل عمل كان، لكن هم اختاروا ليس أيضاً من فقههم، اختاروا ليس لأن ليس للنفي، وما ولات وكذلك إن التي لم يذكر المصنف كلها للنفي، فاختاروا الحرف الذي الفعل الذي يدل على النفي، اختاروا الفعل الذي يدل على النفي وقالوا: هذه الأحرف تعمل عمل هذا الفعل. وأيضا مما يققال أنهم فرقوا بين هذه الأبواب أن هذه الكلمات أحرف أما كان وأخواتها فأفعال، هذا مما يقال أيضاً، لكن المعول على الأول.
قال: وهي لغة الحجازيين. إذاً فهذه هي اللغة الفصحى التي جاءت في كتاب الله تعالى، وهناك لغة أخرى بعدم إعمالها شيئاً، هذه لغة فصيحة لكنها دون اللغة الفصحى.
فتقول أنت في الكلام قبل أن يذكر الشواهد، تقول أنت في الكلام: زيد قائم. إذا أدخلت ليس ماذا تقول؟ تقول: ليس زيد قائماً، ليس زيد قائماً. هذا عند الحجازيين والتميميين كلنا يقول هكذا. طيب، إذا أدخلت ما، تقول: ما زيد قائماً؛ يعني ليس زيد قائماً. ما زيد قائم؟ ماذا يقول التميميون هنا؟ يقولون: ما زيد قائم؛ ما وزيد مبتدأ وقائم خبر، لا يعملونها شيئاً.
قال: وهي لغة الحجازيين، وهي اللغة القويمة وبها جاء التنزيل. قال الله تعالى، أيضاً تذكر الآيات هكذا: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا﴾ [يوسف: 31]. أو يقال: وقلنا حاش لله ما هذا بشراً. لماذا أيضا -يعني أنا مضطر في كل مرة أن أذكر شيئاً- لو قلت قال الله تعالى ما هذا بشر، هذا هو يوسف؟ الله عز وجل لم يقل عن يوسف ليس هذا بشراً، إنما وهذا كلام النسوة نعم، وقلنا حاش لله ما هذا بشرا، ما هذا بشر. طب لماذا نصبت بشراً؟ ما نافية، كأنهن قلن ليس هذا بشراً، فما هنا نافية.
حرف نفي مبني على السكون لا محل له من الإعراب، حرف، هذا اسم ما الحجازية النافية التي تعمل عمل ليس، مبني على السكون في محل رفع، أو يقال: ها كما سبق مراراً، ها حرف تنبيه، وذا اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع؛ لأنه اسم ما الحجازية التي تعمل عمل ليس، بشر خبر ما الحجازية منصوب؛ فالاسم مرفوع والخبر منصوب.
وفي الآية الأخرى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: 2]. هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ، هُنَّ اسم ما -طبعاً هو ضَمير- ضَمير مبني على الفتح في محل رفع؛ لأنه اسم ما، وأمهاتهم، أمهاتي هنا انتهت الكلمة، هذا خبر ما منصوب وعلامة نصبه الكسرة؛ كما سبق فيما جُمِع بألف وتاء المزیدتين، الذي يُسَمَّى جمع المؤنث السالم، أمهاتهم هذا الضمير مضاف إليه، ضمير مبني في محل جر؛ لأنه مضاف إليه. هاتان الآيتان هما الآيتان الصريحتان الوحيدتان -فيما أعلم- في كتاب الله تعالى في هذا في أعمال ما عمل. أما غير ذلك فهو على أوجه.
هناك آية ألحقها بعض العلماء بهذا، قالوا من هذا: ﴿فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: 47]، يعني: فما منكم أحد، فقالوا: مِنْ أَحَدٍ هذا اسم ما، ولكن سبقته مِنْ الزائدة، فمنكم أحد، وحاجزين قالوا: هذا خبر خبر ما الحجازية، وبعضهم قال: لا ليست ليست من هذا الباب، وحاجزين إنما هي حال وليست خبراً لما؛ فهذه الآية مما قيل في بعض الاقوال أنها كذلك. وأما ما عدا هذا فيؤتى بالباء في الخبر، وما الله بغافل عما تعملون، وما ربك بظلام للعبيد، ونحو ذلك كثير في كتاب الله تعالى، لكن هاتان الآيتان: ما هذا بشراً، ما هن أُمّهاتِهِمْ، أصح ما ذكر في ذلك، والعلم عند الله تعالى.
طيب، هل هي تعمل هكذا في كل موضع؟ لا، شروط، قال: ولاعمالها عندهم ثلاثة شروط؛ أن يتقدم اسمها على خبرها، وألا تقترن بإن الزائدة، ولا خبرها بإلا، يعني: أن يتقدم اسمها على خبرها، وهو الترتيب، أن يأتي الاسم ثم الخبر. إذا حصل العكس، إذا تقدم الخبر على الاسم، لا تعمل؛ قال: فلهذا أُهْمِلَت في قولهم في المثل: ما مسيء من أعتب. أصل الكلام: من أعتب ليس مسيئاً؛ يعني ممكن أن يقال: ليس مسيئاً من أعتب، لو جاءت ليس مكانها لقال العرب: ليس مسيئاً من أعتب. مسيئاً خبر ليس تقدم عليها كما سبق، فليس سواءً عالم وجهول، وفي القرآن: ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: 177]. لكن هنا قال: ما مسيء من أعتب، هكذا قالوا: ما مسيء من أعتب، حتى حتى إن الحجازيين قالوا ذلك: ما مسيء، لم ينصبوا لماذا؟ لتقدم الخبر: من أعتب، من هذا مبتدأ مؤخر، ومسيء خبر، والجملة جملة أعتب جملة صلة الموصول كما درستم قبل ذلك. يبقى هنانا أُهْمِلَت لعدم الترتيب؛ لأجل تقدم الخبر على المبتدأ.
وقال في قول الشاعر، يعني أُهْمِلَت في قول الشاعر: بني غدانة ما إن أنتم ذهب ولا صريف ولكن أنتم الخزف، يعني: أنتم لستم ذهباً ولا فضة، وإنما أنتم الفخار هذا الذي تصنع تصنع به عندنا القلل والزيار وهذه الأشياء، يعني هذا يذمهم، يعني أنهم ليسوا من أعالي الناس، إنما هم من أسافلهم، معروف يعني إما من من الجاهلية أو من رواسب الجاهلية، كما هو معلوم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم في أقل من ذلك قال لأبي ذر ما قال له: يا ابن السوداء، وبالنسبة للون هذا صحيح لم يعشئ ليس فيه، لكن ما معناه ما وراء ذلك؟ قال له عليه الصلاة والسلام: «إنك امرؤ فيك جاهلية». فهذه الأشياء التي فيها هجاء وهذه الأشياء إنما تدرس وتحفظ وهكذا لأجل حفظ لسان العرب ومعرفة كلامهم وأسلوبهم ونحو هذه الأشياء، أما في غير ذلك فهي تعامل من الناحية الشرعية هذه المعاملة أنها من الجاهلية إذا كانت جاهلية، وأما من رواسب الجاهلية كما قال عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية. فاستعمالها في الشرع شيء واستعمالها في معرفة اللسان شيء آخر، وقد يؤتى بكلام قبيح جداً، لكنه عربي حتى يفهم هذا الكلام، لماذا رفع ولماذا نصب؟ وكيف يأتي هذا؟ وهل هذا أسلوب عربي بليغ صحيح فصيح؟ وهل هذه الكلمة يؤتى بها هكذا؟ هل هذا تصريفها أم حُذِفَ منها شيء في التصريف؟ وإن كان في ذلك شيء من الفحش سواء كان في الهجاء أو ما ما في الغزل أو فيما هو أعنف أعلى من ذلك في هذه الأمور، وهذه أمور معروفة وتكلم عنها العلماء تفصيلا.
قال لوجود إن المذكورة: ما إن أنتم ذهب، لم يقل: ما إن أنتم ذهباً، وإن كانت هذه رواية، لكن على هذه الرواية: ما إن أنتم ذهب؛ لأجل أن لو قال: ما أنتم، لقال: ذهباً على لغة الحجازيين: ما إن أنتم ذَهَبْ. وفي قوله، يعني وأُهْمِلَت في قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: 144]، ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ﴾ [القمر: 50] لاقتران خبرها بإلا، وما محمد إلا رسول، أصل محمد رسول، محمد مبتدأ ورسول خبر، فجيء قبل الخبر بإلا، قالوا: إذا جيء قبل الخبر بإلا فإنها لا تعمل، فيصح أن تقول: ما محمد إلا رسولاً، ما هو محمد إلا رسول، وما أمرنا إلا واحدة.
وقال: وبنو تميم، وبنو تميم لا يعملون ما شيئاً ولو استوفت الشروط الثلاثة، يقولون: ما زيد قائم، ويقراون: ما هذا بشر، يقرأون هم كأنهم يقرأون هكذا إذا صحت هذه القراءة في الشواذ، لكن هي أصلاً لا تصح، لكن إذا صح أنه قُري بها في الشواذ فحينئذ تكون لغة، وأقول مثلاً بنو تميم على هذه اللغة، وإلا فهم لا يقرأون القرآن على لغتهم، إنما القرآن حاكم عليهم وعلى لغتهم، فهم يقرأون: ما هذا بشراً، لكن كأنهم يقولون: ما هذا بشر، فكأنهم يقولون مثلاً رؤية هذه الرواية فقول هنا يقرأون: ما هذا بشر، هذا يعني يحتاج إلى نظر؛ لأنه لا يمكن أن يقرأوا: ما هذا بشر إلا إذا كانت نزلت هكذا، أو يقال: هي يشهد لهم هذه الرواية أو القراءة الشاذة التي قرأ بها مثلاً في الشواذ كذا وكذا، فتشهد بمذهبه، لا يقرأ بمثل هذه، وهذا أنا لا أعلمه في القراءات المتواترة: ما هذا بشر، لا أعلمه في القراءات المتواترة، إنما الذي يعلمه كله بالنصب.
وكذا لا النافية في الشعر بشرط تنكير معموليها، نحو: فتعزّ فلا شيء على الأرض باقية ولا وزر مما قضى الله واقيا. الحرف الثاني مما يعمل عمل ليس: لا، كقوله: تعزّ فلا شيء على الأرض باقية ولا وزر مما قضى الله واقيا. كيف تعمل؟ ترفع المبتدأ وتنصب الخبر: لا شيء باقياً، لا شيء باقية، شيء اسم لا، وباقيا خبره، وعلى الأرض هذا اسم جر ومجرور يتعلق بباقيا، يعني: باقياً على الأرض، فشيء اسم لا، وباقيا خبره، شيء اسم لا مرفوع، وباقيا خبره منصوب.
ولا عملها أربعة شروط، يعني هي لا تعمل هذا العمل إلا بشروط: أن يتقدم اسمها كما سبق، وألا يقترن خبرها بإلا كما سبق، هذان الشرطان في الأول وفي الثاني، قال: وأن يكون اسمها وخبرهما نكرتين. هذا الشرط لم يكن مذكوراً في ما: ما هذا بشر، ما هن، بل هي تعمل في المعارف: هذا اسم إشارة وهو معرفة، وهن ضمير وهو معرفة، لكن هذا يقولون: الشرط الثالث أن يكون اسمها وخبرها نكرتين، وهذا الشرط فيه خلاف، والصحيح أنه لا يشترط، وتاتي الأمثله على ذلك والأدلة.
قال: وأن يكون ذلك في الشعر لا في النثر، يعني بعد كل هذا هذا الكلام لا يكون إلا في الشعر يعني لا يكون في النثر، وهذا الشرط أيضاً فيه فيه كلام، وهو محل نظر أيضاً، يصح أن أن يكون في الكلام العادي الذي هو نُثْرٌ ليس بنظم أن تعمل عمل ليس، والعلم عند الله تعالى.
قال: فلا يجوز إعمالها في نحو: لا أفضل منك أحد، لماذا؟ لماذا الأفضل؟ لعدم الترتيب، لماذا؟ لعدم الترتيب، هذا هو الأول، وقد يقال على مذهب المصنف ومن مذهبه؛ لأنه ليس شعراً، هنا أولاً؛ لأنه ليس شعراً، ثانياً؛ لأنه تقدم فيه الخبر على المبتدأ، تقدم فيه الخبر على المبتدأ، قال: ولا في نحو: لا أحد الأفضل منك، هنا أيضاً يقال له لشيئين؛ لأنه ليس بشعر هذا شيء، والثاني لاقتران الخبر بإلا: أحد إلا أفضل منك، حينئذ لا تعمل، ولا في نحو: لا زيد قائم ولا عمر، زيد وعمر زيد معرفة، وهي لا تعمل في المعارف، وايضاً يقال له على هذا المذهب؛ لأنه ليس بشعر.
ولهذا غلّط المتنبي في قوله: إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً. ما وجه تخطئة المتنبي؟ أنه قال: فلا الحمد مكسوباً، فجاء بلا التي تعمل عمل ليس وجعل اسمها معرفة: فلا الحمد مكسوباً ولا المال باقياً، وهذا من محاسن الكلام. إذا الجود لم يرزق خلاصاً من الأذى، قول معروف: ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى، أما إذا كان الرجل جيداً يجود على الناس ثم يؤذيهم بعد ذلك فلا الحمد مكسوباً لا يحمده الله ولا يحمده الناس، لا يثيبه الله على ما أعطاه على ما أعطاه للناس بسبب منه، وإذا يحمده لا إذا أعطيتني وامننت عليّ فعدم أعطيتك أولى، فأنا الحمد مكسوباً لا من الله ولا من الناس ولا المال باقياً، خلاص الناس ذموني ولم يعني آخذ من الله تبارك وتعالى أجراً، طيب حفظت مالي؟ لا ولا المال باقياً، نعوذ بالله من مثل هذا من محاسن الكلام.
لكن هل هذا الاعتراض قائم على المصنف؟ اعترضوا عليه بأنه قال: فلا الحمد مكسوباً، فجاء باسم معرفة، جاء بسم لا معرفة، فقالوا: هذا خطأ منك يا أبا الطيب، إنما يجب أن يكون اسمها نكرة، لكن دافعوا عن أبي الطيب، هو كما قلت لكم لا يستدل بشعري، لكنه ينسج على منوال العرب غالباً، لا يخطئ في شيء غالباً إلا كان الصواب معه، فقيل: لم يخطئ أبو الطيب وإنما جاء به على بعض كلام سنن كلام العرب، كما قال النابغة الجعدي: وحللت سواد القلب لا أنا باغياً سواها ولا عن حبها متراقياً، لا أنا باغياً، لا أنا باغياً يعني طالباً سواها، فقال: لا أنا باغياً، فجاء بلا وجاء باسمها أنا، وهو ضَمير من أعرف المعارف. وقال الآخر: أنكرتها بعد أعوان أعوام مضين لها، لا الدار داراً ولا الجيران جيراناً. لا الدار داراً، هي لا الحمد مكسوباً ولا الجيران جيراناً ولا المال باقياً، فجاء بالاسم معرفة وبالخبر نكرة في الموضعين، كما جاء به أبو الطيب. قال: فإذاً لم يخطئ، إذاً فالشرطان الأخيران محل نظر.
قال: وقد صرحت بالشرطين الأخيرين، ووَكَلْت معرفة الأولين إلى القياس على ما على إلى القياس على ما؛ لأن ما أقوى من لا، ولهذا تعمل في النثر، وقد اشترطت في ما ألا يتقدم خبرها ولا يقترن بإلا، يعني أن هذين الشرطين اشترطهما في ما، فما اشتراط ألا يقترن الاسم بإن فلا حاجة له هنا، يعني هذا الشرط الثالث مما ذكره في ما هذا لا حاجة له هاهنا، أما الشرطان اللذان ذكرهما في ما فذكرهما، فلا يحتاج إلى ذكرهما هنا في لا؛ لأن هذا يظهر من القياس، يعني إذا كانت ما القوية لا تعمل إذا تقدم خبرها على اسمها، فمن باب أولى ألا تعمل لا الضعيفة، وإذا كانت ما التي هي قوية لا تعمل إذا اقترن خبرها بإلا، فكذلك الضعيفة لا تعمل إذا اقترن خبرها بإلا، مراد المفاد كلامه، قال: فلا حاجة له هنا؛ لأن اسم لا يقترن بإن، يعني لا حاجة إلى هذا القول إن قال الشرط ألا يقترن اسمها بإن، قالوا: أصلاً ما لا هذه لا يقترن اسمها بإن، فهذا شرط وعدمه سواء.
آخر شيء إن شاء الله في دقيقتين: ولات، لكن في الحين، ولا يجمع بين جزئيها، والغالب حذف مرفوع نحو: ولا حين مناص. الثالث مما يعمل عمل ليس: لات، وهي لا النافية زيدت عليها التاء لتأنيث اللفظ أو للمبالغة، الأصل في لا تاء، لا زيدت عليها التاء التي بعد ذلك للمبالغة في النفي أو لتأنيث لفظها فقط، لا ت، وقالوا لات، وقالوا ثمت، وقالوا ربت، هذه ثلاثة أحرف زادوا عليها التاء أيضاً للمبالغة أو لتأنيث اللفظ.
فلات، ما شروط عملها؟ أو ماذا تعمل؟ ترفع الاسم وتنصب الخبر كما سبق، تعمل عمل لست الذي هو عمل كان. شرط عملها: أن يكون اسمها وخبرها لفظ الحين، هذا الشرط الأول. والثاني: أن يحذف أحد الجزئين. هذان شرطان: أن يكون اسمها وخبرها لفظ الحين، وقيل: أن يكون لفظ لفظ الحين أو معنى الحين، الذي هو كلمة حين فقط، معنى الحين: حين، وقت، ساعه، زمن، أي ما كان بهذا المعنى. والثاني: أن يحذف أحد الجزئين، ولا يحتاج إلى شروط أخرى، لا يقال: الترتيب بين الاسم والخبر، أصلاً كيف يكون هناك ترتيب وأحدهما محذوف؟ يعني أحدهما أصلاً ليس موجوداً. وهكذا، وكذلك لا يقترن الخبر بإلا، كل هذه الشروط التي كانت موجودة قبل ذلك لا يؤتى بها هنا، إنما هما شرطان.
قال: والغالب أن يكون المحذوف اسمها، يعني الغالب أن يحذف اسمها وأن يبقى خبرها، كقوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: 3]، لات أي ليس، والحين معروف، الزمن، الوقت، مناص أي فرار، يعني ليس الوقت وقت فرار، ليس الوقت فرار. قال: والتقدير والله أعلم: فنادى بعضهم بعضاً: أن ليس الحين حين فرار. وقد يحذف خبرها ويبقى اسمها، كقراءة بعضهم.
ولا تحين بالرفع هنا، فنادى بعضهم بعضاً أن ليس الحين حين فرار، كان هذا من قولهم، لكن هو العلم عند الله تبارك وتعالى هذا من قول الله تعالى فنادوا ولا حينما نص هذا أو الشاهد أن المعنى ليس الحين حين فرار.
طيب أين الحين الذي هو اسم ليس؟ اسم لات محذوف، فقالوا يحذف اسمها أو خبرها، هذا شرط لا يجتمعان يعني يقال في الكلام ليس الحين حين فرار، لا يقال في الكلام لا في القرآن ولا في غيره ولا تحين حين مناص لا في القرآن ولا في غيره، يعني حتى في القرآن حتى في غير القرآن تفسر لا تقول ولا تحين حين مناص أو حين فرار إنما تقول ليس الحين حين فرار، أما لا فلا يجتمع اسمها وخبرها.
إنما يحذف اسمها أو يحذف خبرها الغالب حذف اسمها والموجود هذا ليتحان قرئت، لكن هذه قراءة شاذة، لا ولا تحين مناص أنا لا أعلم أن هذه متواترة، إنما القراءة المتواترة ولا تحين مناص، أما ولا تحين مناص فهذه قراءة شاذة، لكن يستدل لها بها في النحو في العربية، فيقال لات حرف مبني يعمل عمل ليس، وحين اسمها وخبرها محذوف.
ما تقديره هنا؟ دب خلاف بين العلماء، بعضهم يقول لابد أن يكون اسمها وخبرها لفظ الحين، يعني يقول لا تحين مناص حينا لهم، لا تحين مناص حينا له، حتى يجعل الاسم والخبر لفظ الحين، فبعضهم تجوز في هذا فقال ولا تحين مناص موجوداً، لكن الأول هو الأقوى، والعلم عند الله تبارك وتعالى، هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق