فهذا هو الدرس الثامن عشر من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإامام ابن هشام الأنصاري المصري عليه رحمة الله. وكان الحديث من أول الكتاب باختصار بإذن الله تعالى في هذه المراجعة في تعريف الكلمة وبيان أقسامها وبيان انقسامها إلى اسم وفعل وحرف، الكلام عن بعض علامات الاسم وعن تقسيمه إلى معرب ومبني، الكلام عن المعرب إجمالاً وعن المبني تفصيلياً، عن تقسيم هذا المبني إلى مبني على الفتح والكسر والضم والسكون مع التمثيل لكل.
ثم كان الكلام عن تقسيم الفعل إلى ثلاثة أقسام، وكان الكلام عن الماضي وذكر علامته وأحوال بنائه وذكر كلمات مختلف فيها، وكذلك الحال بالنسبة للأمر، الكلام في علامته المركبة المزدوجة وفي أحوال بنائه وذكر كلمات مختلف فيها، ثم كان الكلام عن المضارع وعلامته وعن أحرف المضارعة وبين شكلها كيف تكون مفتوحة أو مضمومة، وعن بناء المضارع وعن إعرابه إجمالاً.
ثم كان الكلام عن الحرف وأنه لا يقبل علامة للعلامات التي للسماء ولا لشيء من الأفعال، وكان الكلام عن ذكر كلمات مختلف فيها كذلك وعن الحروف من جهة البناء وأنها جميعاً مبنية لا حظ لشيء فيها في الإعراب، ثم كان الكلام عن تعريف الكلام وأقل ائتلافه وصور ائتلافه تفصيلاً وإجمالاً.
ثم كان الكلام عن الإعراب وتعريفه وأنواعه وعلاماته الأصلية وعن أبواب الإعراب الفرعي السبعة، وهي الأسماء الستة والمثنى وجمع المذكر السالم وما حمل عليه والحق به، وكذلك المثنى حملت عليه بعض الكلمات وبعد ذلك جاء الكلام عن جمع المؤنث السالم أو جمع بألف وتاء مزيدتين، وجاء الكلام عما لا ينصرف أو عن الممنوع من الصرف، وذكر المصنف بعض علل ما منع الصرف وتكلمت عليه إجمالاً وسيأتي تفصيله بإذن الله تعالى في أواخر الكتاب عند الكلام عن الممنوع من الصرف، وهذا ربما يكون آخر درس أو في آخر درسين في الكتاب بإذن الله تعالى.
ثم كان الكلام عن الأمثلة الخسة وعن الفعل المضارع المعتل الآخر، وهذان بابان في الأفعال مع أبواب خمسة في الأسماء تتم بذلك سبعة أبواب في الإعراب الفرعي، ثم تكلم المصنف عن الإعراب التقديري وأبوابه خمسة: الاسم المقصور، والاسم المنقوص، والاسم المضاف إلى ياء المتكلم، والفعل المضارع المعتل الآخر بالألف، والمضارع المعتل الآخر بالواو والياء.
ثم تكلم عن إعراب المضارع تفصيلاً وأنه يرفع خالياً من ناصب وجازم، وينصب بناصب وهي لن، وكي المصدرية، وإذا بشروطها، وأن، وذكر أن أخص لـ(أن) أنها تنصب ظاهرة ومضمرة جوازاً ومضمرة وجوباً على خلاف في إضمارها جوازاً ووجوباً، فبعضهم يقول: بل هي تنصب بنفسها في كل المواضع المذكورة بعد لام التعليل ولام العاقبة واللام الزائدة ولام الجحود وحتى واو وفاء السببيه وأو المعية.
وكان الكلام في أثناء ذلك عن (أن) المفسرة والزائدة والمخففة من الثقيلة، ثم تكلم المصنف عن جوازم المضارع أنها تنقسم إلى قسمين: ما يجزم فعلاً واحداً وهي لم ولما ولا واللام الطلبيتان والجزم في جواب الطلب، وما يجزم فعلين أولهما فعل الشرط والثاني جواب الشرط وأجزاؤه وهي إحدى عشرة أداة: إن، ومن، وما، ومهما، وإذما، وحيثما، ومتى، وأي، وأين، وأيان، وأنى. وذكر مواضع اقتران الفاء الرابطة بجواب الشرط وجوباً، وخلاصته في قول القائل: اسمية طلبية وبجامد وبما وقد وبلن وبالتنفيس.
ثم تكلم المصنف عن تقسيم الاسم إلى نكرة ومعرفة، فذكر النكرة وتعريفها وأمثلة لها، ثم قسم المعرفة إلى ستة أقسام وهي الضمير، والعلم، واسم الإشارة، والاسم الموصول، والاسم المعرف بأداة التعريف وهو ذو الأداة، والمضاف إلى شيء مما ذكر. ثم تكلم بعد ذلك عن المبتدأ والخبر وذكر بعض المسائل في المبتدأ والخبر.
ثم تكلم عن نواسخ الابتداء أو نواسخ المبتدأ والخبر فتكلم عن كان وأخواتها وعن ما الحجازية وأخواتها، وأهمل الكلام عن كاد وأخواتها، ثم بدأ فصلاً جديداً في الكلام عن إن وأخواتها، بدأ فصل جديد في نواسخ الابتداء، وهذا أول الشروع في درس الليلة بإذن الله تبارك وتعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: الثاني: إن وأن للتوكيد، ولكن للاستدراك، وكأن للتشبيه أو الظن، وليت للتمني، ولعل للترجي أو الإشفاق أو التعليل، فينصبن المبتدأ اسماً لهن، ويرفعن الخبر خبراً لهن. ثم قال رحمه الله تعالى في الشرح: الثاني من نواسخ المبتدأ والخبر ما ينصب الاسم ويرفع الخبر.
إذاً فهناك نواسخ تدخل على المبتدأ والخبر، ترفع المبتدأ ويصير اسماً لها وتنصب الخبر ويصير خبراً لها. أبوابه ثلاثة: كان وأخواتها، وما الحجازية وأخواتها، وهذان البابان ذكرهما المصنف، وكاد وأخواتها أو ما يقال عنه أفعال المقاربة والرجاء والشروع، وهذا لم يذكره المصنف. هذه الأبواب الثلاثة ترفع مبتدأ وتنصب الخبر.
هناك بابان آخر يعملان عكس هذا العمل، الباب الأول منهما هو إن وأخواتها كما قال الناظم: لأن أن ليت لكن كأن عكس كان من عمل. فإن أن ليت لكن لعل كأن عكس مال كان من عمل، فهذه الأدوات تعمل عكس عمل كان، عمل كان رفع المبتدأ ونصب الخبر، فهذه عملها نصب المبتدأ ورفع الخبر، فهذا هو الباب الثاني.
أي الباب الثاني إجمالاً وإلا ففي التفصيل هو الباب الرابع وهو الثالث عند المصنف، فسبق الكلام أن هذه الأدوات تنقسم إلى ثلاثة أقسام إجمالاً وإلى سبعة تفصيلاً، فالإجمال منها: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر، ومنها ما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر، ومنها ما ينصب المبتدأ والخبر جميعاً، هذا هو الإجمال.
التفصيل: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر ثلاثة أنواع: كان وكاد وما وأخواتهن، ما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر يعمل عكس هذا العمل إن وأخواتها ولا النافيه للجنس وهذه ليست لها أخوات، ما ينصب المبتدأ والخبر جميعاً ظن وأخواتها ويلحق بهن أعلم وأرى وأخواتهما وهي سبعة أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل الثاني والثالث منهما هما مبتدأ وخبر في الأصل.
إذاً في هذا الباب إنه وأخواتها يدخل على مبتدأ وخبر، ينصب الخبر ويسمى اسمهن، ينصب المبتدأ ويسمى اسمهن، ويرفع الخبر ويسمى خبرهن. قال: وهو ستة أحرف، إذاً فهناك فرق بين إن وأخواتها وبين كان وأخواتها، كان وأخواتها أفعال، إن وأخواتها أحرف.
وكما الحجازية وأخواتها أحرف، فهذا الباب أحرف أيضاً وهو ستة أحرف: إن وأن للتوكيد (ذكر المصنف في الأصل التأكيد بالهمزة وذكر هنا التوكيد، أيهما أفصح؟ التوكيد أفصح)، لماذا؟ لأنه هو المذكور في كتاب الله تبارك وتعالى، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [النحل: 91].
التوكيد والتاكيد، والافصح التوكيد. تقول: زيد قائم، ثم تدخل إن لتأكيد الخبر أو لتوكيد الخبر وتقريره، فتقول: إن زيدا قائم، إن زيدا قائم. زيد قائم: مبتدأ وخبر، مبتدأ مرفوع وخبر مرفوع، إذا أدخلت إن تقول: إن زيدا قائم. إن: حرف توكيد ونصب مبني على فتح لا محل له من الإعراب.
وقد تجدون في بعض الكتب هذه وقالوا: هذه أحرف مشبهة بالفعل، لم يذكر المصنف، لكن هذا موجود بكثرة وذكره هو في غير ذلك من كتبه. هي أحرف مشبهة بالفعل، لماذا شبهت بالفعل لعدة أوجه؟ منها: أنها مبنية على الفتح كالفعل الماضي كلها مبنية على الفتح: إن، أن، كأن، لكن، ليت، لعل. ومنها: أن أقلها على ثلاثة أحرف، إن هذه همزة ونون مشددة والنون المشددة نونان، الحرف المشدد بحرفين، فمنها ما هو على ثلاثة أحرف ومنها على أربعة أحرف ومنها على خمسة أحرف كلكن هذه خمسة أحرف وإن كانت تكتب على ثلاثة أحرف لكن المنطوق العبرة بالنطق خمسة أحرف، قالوا فهذا فيه شبه بالفعل، أما الحرف فالاصل فيه أن يكون على حرف واحد أو على حرفين، لكن هذه أقل على ثلاثة أحرف كالفعل.
ومنها: أنها ترفع وتنصب كالفعل إلى آخره، هذه أحرف مشبهة بالفعل. ومنها المعنى، إن وأن بمعنى أوكد، كأن بمعنى أشبه، وهكذا، هذه كلها جعلت العلماء يقولون: هي أحرف مشبهة بالفعل.
طيب، زيد قائم: مبتدأ وخبر. إن زيدا قائم: إن حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، زيداً اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، ماذا فعلت فيه إن؟ نسخته، نسخته من الناحيتين: نسخته من ناحية الاسم بعد أن كان يسمى مبتدأ أصبح يسمى اسم إن، ونسخته من ناحية الحكم بعد أن كان مرفوعاً صار منصوباً. قائم: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة، ماذا فعلت فيه إن؟ نسخته، نعم، لكن نسخته من ناحية واحدة وهي ناحية الاسم فجعلته خبر إن بعد أن كان خبراً للمبتدأ، أما الرفع فهو مرفوع كما هو، هل الذي رفعه إن أم هو مرفوع على الأصل؟ هذا في خلاف بين العلماء ولا ينبغي عليه كبير عمل والله أعلم. المهم أنه مرفوع، سواء كان العمل لإن أو هو مرفوع على أصل رفعه قبل دخولها.
وكذلك أن، إلا أنها لابد أن يسبقها كلام، كقولك: بلغني، أو أعجبني، ونحو ذلك، يعني تقول: إن زيداً قائم، إذا أردت أن تقول: ألا تقول: لا لا لا، تقول هذا بالنفي، ويجوز أن تقول: لا تقل إن زيداً قائم، إنما لابد أن يسبق ذلك كلام، مثل: بلغني أن زيداً قائم، فلابد أن يسبقها كلام. من أمثلة ذلك في كتاب الله تعالى (هذا هو الفرق بين إن وأن، وهناك فروق أُخرى): ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173]، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20]. إن اسم الله تعالى اسمها منصوب، غفور خبرها مرفوع، رحيم خبر ثانٍ.
الذي كان يجوز في خبر المبتدأ الأصل أنه يجوز في خبر كان وأخواتها، والأصل كذلك أنه يجوز هنا في خبر إن وأخواتها، فكما كان يأتي المبتدأ، كما كان يأتي الخبر مفرداً وجملة وشبه جملة، فهنا كذلك يأتي الخبر مفرداً وجملة وشبه جملة، وكما كان الخبر يجوز أن يتعدد فكذلك خبر إن يجوز أن يتعدد كهذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ غفور خبر أول ورحيم خبر ثانٍ، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ اسم الله اسم إن، قدير خبره، إن الله على كل شيء قدير، قدير هذا خبر إن، على كل شيء الجر والمجرور متعلق بقوله قدير، يعني هو قدير على كل شيء يقدر على كل شيء سبحان الله.
يوم مبتدأ الكبرى أنكم أنا منتقمون، وقبلها: ﴿كَشَفَ الْعَذَابَ قَلِيلًا ۚ إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَىٰ إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ [الدخان: 15-16]. إنكم عائدون: إن والكاف هذا الضمير الكاف أو الكاف والميم هذا خلاف سائغ يعني هذا الضمير مبني في محل نصب لأنه اسم إن، وعائدون خبره. وكذلك: إنا منتقمون، إن ونا الضمير أصلها إننا ولكن تخفف بحذف نون منها، هذا اسم إن وهو مبني في محل نصب، ومنتقمون خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى آخره، المسلمين اسم إن منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم، طب أين خبره؟ في آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، هذه الجملة الفعلية في محل رفع لأنها خبر إن.
كل هذا الكلام في الابتداء هكذا كما سياتي بإذن الله تعالى في آخر هذا الدرس (يعني لو بإذن الله تعالى لو أسعف الوقت وصلنا إلى آخر الدرس)، سيأتي بعض المواضع التي فيها تكثر همزة إن، من هذا الموضع هو موضع الابتداء.
أما أن فلا بد أن يسبقها كلام، قال تعالى: ﴿وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الأنفال: 40]، فاعلموا أن الله مولاكم. ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ [الجِن: 1]. ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]. ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَعَفَوْنَا﴾ [الأعراف: 96] إلى آخره. إذاً أن المفتوحة لابد أن يسبقها كلام، أما أن المكسورة فلا، لا يلزم، قد يسبقها وقد لا يسبقها.
فاعلموا أن الله مولاكم: أن واسمها ومولاكم خبرها ومرفوع بضمة مقدرة، مولا الألف لا تقبل حركة والكاف هذا ضمير مضاف إليه. ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا، أهل القرى: هذا أهل اسم إن منصوب والقرى مضاف إليه، آمنوا هذه الجمله خبر إن، قد يقول القائل: كيف تقول يا خبر إن والمعنى لم يتم؟ نعم تمت الجملة لكن لم يتم المعنى، لماذا؟ بسبب الشرط، لم يتم المعنى بسبب الشرط، كما سبق الكلام في قوله تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، إلى مسألة ولو أن أهل القرى آمنوا وتقو لفتحنا عليهم بركات، فاللام هذه في جواب لو، اللام هنا واقعة في جواب لو، فتعلقها بجواب لو ليست تعلقها بإن.
قال: ولكن، ومعناها الاستدراك، وهو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه أو نفيه برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، هذا هو معنى الاستدراك. يقال: زيد عالم، فيوهم ذلك أنه صالح، فتقول: لكنه فاسق عياذاً بالله. وتقول: ما زيد شجاع (هكذا قالها بالرفع كأنها على لغة تميم أو على إهمال ما، ويصح أن يقال: ما زيد شجاعاً على ما درستم قبل)، وتكون ما عاملة عمل ليس، فيوهم أنه ليس بكريم فتقول: لكنه كريم، هذا هو معنى الاستدراك: تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، أو برفع ما يوهم ثبوته أو نفيه.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]. لكن حرف استدراك ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
المنافقين اسم لكن منصوب وعلامه نصبه الياء، وجمله لا يعلمون، هذه الجمله المنفيه بلا، في محل رفع لانها خبر لكن.
ومما يدلك على هذا الاستدراك؛ حديث صحيحنا أن أنه قيل للبراء بن عازب رضي الله عنهما: أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين؟ قال: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر، وهذا من أحسن الجواب.
أفررت مع رسول الله يوم حنين؟ فكانه يريد أن أن يرفع توهم متوهم من أن الجميع فروا؛ لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُفُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 25-26]. فحتى عند فرارهم وتوليهم مدبرين النبي صلى الله عليه وسلم لم يفر، فقال: لكن رسول الله لم يفر يعني إياك أن تظن أنت أو غيرك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فر، وأنه داخل في هذا المعنى (ثم وليتم مدبرين)، قال: لكن رسول الله لم يفر. ومعلوم أنه صلى الله عليه وسلم كان يقود بغلته إلى نحر العدو وهو يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب»، كما هو معلوم.
المعاني التي يظهر فيها الاستدراك؛ قال: وكان للتشبيه كقولك: كان زيدًا أسد، فكان للتشبيه. كان زيدًا أسد؛ كان حرف تشبيه ونصب مبني على الفتح، وزيدًا اسم كان منصوب، وأسد خبره مرفوع.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ [النور: 35]. كأنها كوكب؛ كان وهذا الضمير، كأنها، الضمير اسم كان، ضمير مبني على السكون في محل نصب لأنه اسم كان، وكوكب خبر كان مرفوع.
﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 101]. كان والضمير اسم كان، وجمله لا يعلمون، الجمله المنفيه بلا، هي في موضع رفع لانها خبر كان. قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ﴾ [المدثر: 50]؛ كان والضمير اسمها، وحمر خبرها، والأمثلة كثيرة.
قال: وكان زيدًا أسد، هذا التشبيه، أو الظن كقولك: كان زيدًا كاتب، ويمكن أن يكون من معاني الظن والعلم عند الله تبارك وتعالى، هذا وجه معروف في التأويل.
قال الله تبارك وتعالى في قصة قارون: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [قصص: 82]. فهنا تأويلات كثيرة؛ هل هي (وي) ثم (كان) هنا للتشبيه أو للظن؟ (كأنهم حتى بعد هذا يعني ما زالوا مذبذبين) هذا وجه، أو هي (ويك) وبعد ذلك (إن) التي هي أخت (إن)، فهناك وجوه. لكن من الوجه الذي أريده أن (كان) للظن؛ على هذا الوجه: كأنهم يقولون (وي)، كان الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر؛ (وي) هذا التعجب، وكأنها للظن، الأقرب أنها للظن؛ كان الله يبسط الرزق لما يعني كان هذا الذي حصل لقارون ليس لأنه ذو حظ عظيماً كما ظننا قبل ذلك، والله أعلم.
قال: وليت للتمني، وهو طلب ما لا طمع فيه، كقول الشيخ؛ كقول الشاعر يعني الذي كان شيخاً كبيراً، هذا والمراد به أبو العتاهية عليه رحمة الله، وهو من أفاضل الشعراء ربما يعني لا تجد شاعراً مجيداً في أشعار الحكمة والزهد والرقائق وما أشبه ذلك كأبي العتاهية عليه رحمة الله.
قال كقول الشيخ: ليت الشباب يعود يوماً. والبيت بتمامه: ألا ليت الشباب يعود يوماً فأخبره بما فعل المشيب. فاخبره، ويجوز: فأخبره، هذا سائغ؛ لأنك قد تسمع من يقول: فأخبره بما فعل المشيب، فتقول: لا، هذه فاء السببيه بعد ليت بعد التمني فيجب نصب الفعل. فأقول: لو رجعت إلى ما درست لوجدت أن النصب جائز وليس بواجب، وعلى الرفع بعد الفاء في مواضع كثيرة بعد فاء السببيه شواهد كثيرة.
الشاهد؛ ليت الشباب يعود يوماً؛ الشباب اسم ليت منصوب، وجمله يعود، الجمله الفعلية في محل رفع لانها خبر ليت.
وكذلك في الأمثله قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتني كُنتُ تُرَابًا﴾ [النبأ: 40]. يا ليتني؛ ليت، والنون للوقاية، والياء هي ياء المتكلم اسم ليت، ضمير مبني على السكون في محل نصب لأنه اسم ليت، وكنت تراباً؛ كان واسمها وخبرها، والجمله كلها من كان واسمها وخبرها في محل رفع لانها خبر ليت. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 66]؛ يا ليتنا؛ ضمير هو اسم ليت منصوب، وجمله أطعنا الله، الجمله في محل رفع. ونحو ذلك أيضاً قال: ﴿يَا لَيْتَقَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [يس: 26]؛ ليت وقومي اسم ليت، ويعلمون هذه الجمله في موضع رفع لانها خبر ليت.
قال عن التمني: وهو طلب ما لا طمع فيه، كقول الشيخ: ليت الشباب يعود يوماً، هذا لا طمع فيه. أو ما فيه عسر، كقول المعدم الآيس: ليت لي قنطاراً من الذهب.
ما لا طمع فيه؛ هذا هو يعني المتعذر أو المستحيل عادة، ليت الشباب يعود يوماً هو رجل شاخ وأبيضت لحيته وأبيض شعر رأسه، فكيف يعود الشباب؟ هذا مستحيل عادة، هذا هو ما لا طمع فيه. ومنه ما سبق في الآيات: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتني كُنتُ تُرَابًا﴾، ﴿يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾، فهذا لا طمع فيه لأنه في الآخرة ولن يكون.
أما ما فيه عسر كقول المعدم الآيس: ليت لي قنطاراً من الذهب، ونحوه قول الذين يريدون الحياة الدنيا من الذين رأوا قارون وقالوا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]، هذا ليس مستحيلاً عادة، وإنما فيه عسر، يعني أن يؤتى هذا الفقير مثل ما أوتي قارون، هذا قريب والله أعلم. يا ليت لنا؛ مثل هذا اسم ليت مؤخر عن خبرها. وحتى يعني لا أقفز على شيء، سيأتي هذا، سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى في تاخر الخبر، تاخر الاسم عن الخبر، سيأتي لهذا مبحث في درس الليلة إن شاء الله تعالى.
قال: ولعل للترجي، وهو طلب المحبوب المستقرب حصوله، كقولك: لعل الله يرحمني. أو للاشفاق، وهو توقع المكروه، كقولك: لعل زيداً هالك. وللتعليل كقوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]، أي لكي يتذكر، نص على ذلك الأخفش؛ الأخفش معروف، سعيد بن مسعدة.
وورد مراراً؛ فهذه معانٍ للعل. قال: لعل للترجي أو للرجاء، وهذا أشهر معانيها. وأحياناً تحتمل أن تكون للرجاء وأن تكون للتعليل، أحياناً تكون محتملة لأن تكون للرجاء أو للتعليل، كهذه الآية التي ذكرها المصنف: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾؛ الأخفش نص على أنها تكون للتعليل، يعني قول له قولاً ليناً لكي يتذكر. ويجوز أيضاً أن تكون للرجاء (لعله يتذكر) يعني قول له ذلك راجيين منه أن يتذكر أو يخشى، فالرجاء هنا يكون في حق المخلوق؛ لأنه لا يعلم أن هذا إن مثل هذا الرجاء ينسب إلى الله تبارك وتعالى، وإنما ننسب إلى الله تبارك وتعالى ما نسبه لنفسه، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه.
فالرجاء هنا ينسب إلى المخلوقين، فينسبون إلى موسى وهارون عليهما السلام: قل له قولاً راجيين أن يتذكر أو يخشى، أو لكي يتذكر أو يخشى. ونحو ذلك: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132]؛ واطيعوا الله والرسول، يعني راجين بهذه الطاعة أن يرحمكم الله، أو أطيعوا الله والرسول لكي ترحموا. ففي كثير من المواضع يعني يكون محتملاً لهذا وذاك. وقيل للناس: ﴿هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ * لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء: 39-40]؛ يعني هل أنتم مجتمعون لكي نتبع السحرة؟ أو هل أنتم مجتمعون لعله يعني نرجو أن نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين؟ فيؤتى بـ (لعل) لهذا أو ذاك.
المصنف: أحياناً تكون للاشفاق، وهو توقع المكروه، كقولك: لعل زيداً هالك، هذه ليست أبداً للرجاء إلا في عدوه؛ عدوه يقول: لعل زيداً هالك، يعني يرجو ويتم... يرجو ذلك. لكن إذا كان محباً فهذه ليست للرجاء، إنما تكون للاشفاق والرحمة، ولا تكون للتعليل، يعني لا تحتمل أن تكون للتعليل ولا تحتمل أن تكون للرجاء إلا من عدو، فكيف تكون صحيحة من محب أن تكون بمعنى الإشفاق والرحمة؟ وقد يشهد لهذا المعنى... لكن يقال فيها للاشفاق، يقال فيها للرحمة؛ لأن الرحمة من صفات ربنا تبارك وتعالى، أما اللفظ الآخر فلا يحضرني فيه شاهد، فيقال في للاشفاق الذي هو بمعنى الرحمة كقول الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: 3]. لعلك باخع نفسك، أي قاتل نفسك حزناً، كما نص على الحزن في آية الكهف: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6]، فالأسف هو الحزن، أي لعلك تقتل نفسك حزناً بسبب عدم إيمانهم. فهذا فيه رحمة من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم.
فهذه خلاصة الشواهد، مع تأويل قول المصنف وتوضيح كلامه في إن وأخواتها، وهي إن وكأن ولكن وليت ولعل، وفي معانيها، وفي أعمالها؛ العمل الذي هو عكس عمل كان، أي في نصبها للمبتدا ورفعها للخبر.
أحياناً يبطل عملها، لا يكون لها عمل، ذكر ذلك في هذا المبحث قال: إن لم تقترن بهن (ما) الحرفية، نحو: إنما الله إله واحد، إلا ليت فيجوز الإهمال.
ثم قال في الشرح: إنما تنصب هذه الأدوات الأسماء وترفع الأخبار، متى؟ بشرط ألا تقترن بهن (ما) الحرفية، وهي التي تسمى (ما) الكافة، فيقال فيها: (ما) الحرفية الكافة المبطلة لعمل إن وأخواتها، كافَّة يعني تكفها عن العمل. وكثيراً ما تجدون في الكتب، في كتب الإعراب: (إنما) كافَّة ومكفوفَة، وستاتي إشارة إلى هذا إن شاء الله. يبقى إذاً هذه (ما) الحرفية الكافة التي تبطل عمل إن وأخواتها.
أولاً: إن وأخواتها تدخل على جملة اسمية، هذا أول شيء. ثانياً: تعمل فيها هذا العمل، تنصب الاسم وترفع الخبر. إذا دخلت عليها (ما) الحرفية الكافة جاءت فيها من ناحيتين؛ الناحية الأولى: أنها تجعلها غير عاملة في الجملة الاسمية، لا ترفع... لا تنصب الاسم ولا ترفع الخبر. الجهة الثانية، وهي أقوى: أنها أصلاً لا تدخلها على الجملة الاسمية، يعني أحياناً تجعلها صالحة للدخول على الجملة الفعلية، فتدخل على الجملة الفعلية بعد أن كانت لا تدخل عليها، إنما تدخل على الجملة الاسمية. فإذاً (ما) الحرفية الكافة تكفها عن العمل وتجعلها صالحة للدخول على الجملة الفعلية.
قال: إنما تنصب هذه الأدوات الأسماء وترفع الأخبار بشرط ألا تقترن بهن (ما) الحرفية، فإن اقترنت بهن بطل عملهن وصح دخولهن على الجملة الفعلية، هذان شيئان. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنبياء: 108]، ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: 108]. ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، هنا (إنما) و(إنما)، فاستدل باية فيها إن، وفيها إنّ: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾؛ فإن دخلت عليها (ما)، ودخلت بعد ذلك على الجملة الفعلية، وما هنا ليست بمعنى الذي، وليست موصولاً حرفياً، يعني ليست مصدر... مصدرية؛ لأنه سياتي بإذن الله تبارك وتعالى أنها إذا استطعت أن تؤل (ما) بمصدر مع ما بعدها، أو استطعت أن تأولها بالذي، فحينئذٍ ليست كافه، إنما هي اسم إن، إنما هي اسم إنّ. فلا بد أن تنتبه لهذا، لاجل هذا قال: (ما) الحرفية، بخلاف ما الاسمية الموصولة وبخلاف ما المصدرية.
(ما) الحرفية الكافة بخلاف ما الاسمية الموصولة وبخلاف ما الحرفية المصدرية. هنا: ﴿إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، أليس المعنى أن الذي يوحى إلي؟ وليس المعنى أن الوحي إلي؟ وإن كان الأول قد يكون سائغاً، لكن في الثاني لا يسوغ أحدهما: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا يقال: إن الذي إلهكم إله واحد. ولا تسبك (ما) مع هذا الاسم بمصدر، تسبك مع ما بعدها الذي هو فعل.
إذاً فـ (ما) هنا حرفية كافة في الثاني بلا شك، أما في الأول فتحتمل؛ لماذا؟ لأنها تحتمل أن تكون بمعنى الذي، يعني أن قل: إن الذي يوحى إلي ما هو... ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لكن كونها كافه أقرب. الله عنها فيقولون في (إنما) وفي (إنما) في مثل هذا: كافَّة ومكفوفَة، يقولون: هذه كافَّة ومكفوفَة. وإذا نظرت إلى (إنما) وإلى قولهم: كافَّة ومكفوفَة، وجدت يعني تقديماً وتأخيراً، وهذا لا باس به. (إنما) كافَّة ومكفوفَة، ما الكافة؟ الكافة هي (ما)، والمكفوفه هي (إن). لكن لا يقولون: مكفوفه وكافة، إنما يقولون: كافَّة ومكفوفَة، فعلى أن المعنى واضح؛ فـ (ما) كفت (إن) عن العمل، و(إن) مكفوفه، وكذلك (أن).
ومن أمثلته قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ﴾ [الملك: 26]، ﴿إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ﴾ [الرعد: 7]. (إنما أنت نذير)؛ (إنما)، (إن) و(ما)، هذه ليست عاملة هذا العمل لدخول (ما) الحرفية عليها. (أنت نذير) مبتدأ وخبر. ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10]؛ (المؤمنون إخوة) مبتدأ وخبر، طيب (إنما) هذه كافه ومكفوفه؛ (ما) كفت (إن) عن العمل، لأن لا يكون المعنى أبداً أن الذي المؤمنون إخوة، هذا ليس معنى صحيحاً، هذا ليس كلاماً أصلاً. وما تسبك مع ما بعدها بمصدر إذا كان فعلاً، أما المؤمنون فليست فعلاً. ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: 171]؛ (الله إله واحد)؛ الله مبتدأ، إله خبر، واحد نعت. في كل هذا، وكذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [المائدة: 49]؛ (أنما)؛ (ما) يريد الله أن... دخلت عليها (ما) الكافه، ودخل بعد... دخلت بعد ذلك على فعل مضارع، فتدخل على جملة فعلية. ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [إبراهيم: 52]، أيضاً هنا كافه ومكفوفه.
وقال تعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: 6]، ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾ [الأنفال: 6]؛ (كأنما يساقون إلى الموت)، فـ (ما) هنا أيضاً كافَّة.
ومن أمثلة ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِيدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 125]. وقال: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ [يونس: 27]. في كل هذا كانت «ما» مكفوفة بماء، فما كافَّة لها عن العمل؟
وهذه الثلاثة، وهي: إنّ، وأنّ، وكأنّ، شواهدها أو بعض شواهدها ذكرتها لكم من كتاب الله تعالى. في هذه الشواهد أما الثلاثة الأخرى فلا أعلم لها شاهداً في كتاب الله سبحانه، يعني لا أعلم شاهداً لدخول «ما» الحرفية الكافّة، لكن ولا على «ليت» ولا على «لعلّ»، قد يكون هناك شيء، لكن أنا لا أعلم بذلك أو لا يحضرني شيء في ذلك، بحدّ بحثي وعلمي لم أجد شيئاً من ذلك.
لكن العلماء ذكروا كلاماً للعرب في هذا، يعني قال وقال الشاعر: فوالله ما فارقتكم قَالِياً لكم، ولكن ما يقضى فسوف يكون. وإذا تأملت هذا البيت وجدت أنه سهو من المصنف عليه رحمة الله، ولو رجع هو هذا الموضع مرة أخرى لظهر له ذلك.
فَهذا يذكرنا بشيء سبق للمصنف قبل ذلك نعم عند الاستدلال على اسم الإشارة الذي هو «هذين» و«ذين» لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [فصلت: 29]. فأراد «هذين» واستدل بـ«اللَّذَيْنِ»، وهنا أراد «ما» الحرفية الكافَّة واستدل بـ«ما» الموصولة، فكأنه انتقال ذهن من آية لآية هناك وهنا، ومن بيت شعر لبيت آخر.
لماذا؟ لأن المعنى: فوالله ما فارقتكم قَالِياً لكم كارهاً لكم، ودعك ربك وما على ما كرهك وما أبغضك. فيقول لأحبابي: فوالله ما فارقتكم قَالِياً لكم، أنا لم أفارقكم لأني كرهتكم وأبغضتكم، ولكن ما يقضى فسوف يكون، لكن هذا قضاء الله وما قضاه الله تبارك وتعالى فسوف يكون. هذا قضاء الله هو الذي قضى بالفرقة بيننا، ليس كراهية مني لكم ولا بغض.
فما المعنى؟ ولكن ما يقضى فسوف يكون، يعني ولكن الذي يقضى فسوف يكون. فـ«ما» هنا بمعنى «الذي»، فهي اسم، لكن هذا اسم موصول مبني على السكون في محل نصب لأنه اسم «لكن». فما هنا ليست حرفية كافّة. إذاً ما الذي أراده المصنف؟ أراد قول الشاعر: ولكنما أسعى لمجد مؤثل، وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي. وهذا امرؤ القيس يقول كما هو معلوم في بيتيه الشهيرين هذين: ولو أنما أسعى لأدنى معيشة كفاني ولم أطلب قليل من المال، ولكنما أسعى لمجد مؤثل وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي.
فالشاهد فيه: ولكنما أسعى لمجد مؤثل، يعني ولكنما أسعى، يعني كأن يكون يقول: ولكنني أسعى، ولكن أتى بـ«ما» الحرفية الكافّة، وليس المعنى: ولا ولكن الذي أسعى لمجد مؤثل. وإن كان يمكن لقائل أن يقول: «ما» هنا أيضاً ليست حرفية كافّة؛ لأنه يصح أن يقال: ولكن سعيي لمجد مؤثل. لكنهم يقولون: «ما» هنا الأقرب أن تكون حرفية كافّة، ولا تكون موصولاً حرفياً أو حرفاً مصدرياً يوصل مع ما بعدها بمصدر، ولكن هذا سائغ أيضاً، لكن على كلّ هذا هو الذي أراده الشاعر أو أراده المصنف من قول الشاعر.
وقال الآخر، شاعر آخر يرزق، وينسب البيت للفرزدق، وكان هجّاءً كما هو معلوم، هو وجرير والأخطل، كانوا في عصر واحد في عصر بني أمية، وكان بينهم هجاء يصل في بعض الأحيان إلى حد الفحش الغليظ كهذا. فقال: أعد نظراً يا عبد قيس لعلما أضاءت لك النار الحمار المقيدة. الشاهد فيه، بعيداً عن الفحش: لعلما أضاءت، لعلما أضاءت، فـ«ما» حرفية كافّة، دخلت على «لعل» فكفتها عن العمل، وجعلتها صالحة لدخول الجملة الفعلية، فدخلت على الجملة الفعلية التي أولها فعل ماضٍ هنا. فهذه خمسة: إنّ، وأنّ، وكأنّ، شاهدها في كتاب الله، لكنّ ولعلّ، هذان شهدا من شعر العرب.
بقي السادس وهو «ليت»، يقول العلماء: «ليت» إذا دخلت عليها «ما» الحرفية الكافّة، جاز أعمالها وجاز إهمالها دون بقية أخواتها، يعني هذا حكم خاص بها، يجوز أعمالها ويجوز إهمالها. قالوا: يجوز أعمالها لقوتها لقوة ليت، ويجوز إهمالها حملاً على بقية أخواتها طرداً للباب على وتيرة واحدة. قال: ويستثنى منها «ليت» فإنها تكون باقية مع «ما» على اختصاصها بالجمله الاسمية، فهذا الذي يجعلها قوية. قال: فلا يقال: ليتما قام زيد.
فكونها خاصة مختصة بالجملة الاسمية حتى مع دخول «ما» يجعلها قوية، فقالوا: إذاً تعمل، وكون أخواتها جميعاً يهملن مع «ما» قالوا: إذاً يمكن إهمالها طرداً للباب على وتيرة واحدة وقياساً على أخواتها، فلذلك أبقوا عملها وأجازوا فيها الإهمال حملاً على أخواتها. وقد روي بالوجهين قول الشاعر: قالت ألا ليتما إلى حمامتنا أو نصفه فقدي هكذا بالرفع في الحمام وفي النصف، ويروى قالت ألا ليتمامه لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد.
وهذا بيت مشهور من معلقة النابغة، التي تعد في المعلقات العشرة التي أولها: دار مية بالعلياء في السند أقوت وطال عليها سلف الأبد أو الأمدِ رواية، وهي من أحسن الشعر الجاهلي والمعلقات كلها كذلك، وهذه اعتذارية معروفة من اعتذاريات النابغة للنعمان ملك.
نعم، قال برفع الحمام ونصبه، ولهذه الأبيات قصة معروفة تقرأ الشروح في الأمثال. قال برفع الحمام ونصبه: ألا ليتما، ألا ليتمامه؟ لماذا الرفع؟ الرفع لأنه مبتدا، ألا ليتما لأن هذا مبتدا، والحمام بدل من هذا المبتدا. والنصب على أنه بدل من اسم ليت، فليت و«ما» حرفية كافّة، وهذا مبتدا، والحمام بدل من المبتدا، هذا على الإهمال، هذه حرفية كافّة جعلت «ليت» لا تعمل، جعلتها مهملة.
أما على الوجه الثاني: ليت و«ما» حرفية لكنها غير كافّة، لم تكفّ «ليت» عن العمل لقوة «ليت»، والحمام وهذا اسم ليت في محل نصب، والحمامة بدل منه منصوب، هذا جائز وهذا جائز.
قال: وقولي «ما» حرفية احتراز عن «ما» الاسمية؛ فإنها لا تبطل عملها، وذلك كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ [طه: 69]. وأصله: إنّ ما صنعوا كيد سحر، إنّ ما صنعوه كيد سحر، قال فما هنا اسم بمعنى الذي وهو في محل نصب بـ«إنّ»، وصنَعوا صلة، والعائد محذوف، وكيد ساحر الخبر، والمعنى: مع أن الذي صنعوه كيد ساحر.
فهنا لابد أن تنظر إلى المعنى، إذا كانت «ما» التي دخلت على «إن» وأخواتها محتملة لأن تكون اسماً موصولاً بمعنى الذي، أو محتملة لأن تكون موصولاً حرفياً أو حرفاً مصدرياً تسبك مع ما بعدها بمصدر، فحينئذٍ لا تقل هي كافّة، إنما هي اسم «إن»، أو هي وما بعدها المصدر هو اسم «إن»، وهذان سائغان في هذه الآية. إنما صنعوا كيد ساحر، يصح أن يقال: إن الذي صنعوه كيد ساحر كما قال المصنف، ويصح أن يقال: إن صنعهم كيد ساحر، يعني أن عملهم هذا كيد ساحر.
طبعاً قُرئ، لكن هذا في الشاذ، قُرئ في القراءات الشاذة ليس في المتواتر، في معلم ليس في العشرة المتواترة، قُرئ: إنما صنعوا كيد ساحر، هنا يكون كافّاً ومكفوفاً، إنما كافّ ومكفوف بعد ذلك صنعوا كيد ساحر، لكن هذه قراءة شاذة تصح عربيةً، لكن لا تصح قراءةً.
مثل هذا قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾ [الذاريات: 5-6]، وأصله: إن الذي توعدون لصادق، إن الذي توعدون لآت، فما هنا بمعنى الذي ليست كافّة. وكذاك قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ مَارَّةَ فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: 27]، ولو أن ما في الأرض، يعني ولو أن الذي في الأرض من شجرة، فما هنا ليست كافّة. وقال الله تبارك وتعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، يعني أن الذي غنمتموه من شيء فإن لله خمسه إلى آخره، ومثل هذا كثير.
ثم تكلم عن مسألة أخرى متعلقة بالمسألة السابقة، أو هي مبنية على المسلة السابقة، قال: «كأنّ» المكسورة مخففة، مخففة حالياً. ثم قال: معنى هذا أنه كما يجوز الإعمال والإهمال في «ليتما»، كذلك يجوز في «أنّ» المكسورة إذا خففت.
عندنا هذه الأحرف التي تنتهي بالنون، وهي: أنّ، وأنّ، وكأنّ، ولكنّ، هذه أربعة، أما «ليت» و«لعلّ» فلا تدخلان هنا، «إنّ»، و«أنّ»، و«كأنّ»، و«لكنّ»، هذه أربعة أحياناً تخفف نونها، فيقال فيها: إنْ، وأنْ، وكأنْ، ولكنْ.
«إنْ» تكون «إنْ» مخففة من الثقيلة، ليست شرطية ولا زائدة ولا غير لا، هي مخففة من الثقيلة. «إنْ» ليست ناصبة مضارع، ليست مفسرة، ليست زائدة، لا، إنما ما هي «إنْ» مخففة من الثقيلة. لكن تكون مخففة من الثقيلة، «كأنْ» تكون مخففة من الثقيلة، هذه يسمونها «إنْ» المخففة من الثقيلة، ويسمونها «أنْ» المخففة من الثقيلة، ويسمونها «كأنْ» المخففة من الثقيلة، ويسمونها «لكنْ» المخففة من الثقيلة.
فكأنّ ثقيلة مشددة، «كأنْ» مخففة، «أنّ» ثقيلة، «أنْ» مخففة، وهكذا.
قال: معنى هذا أنه كما يجوز الإعمال والإهمال في «ليتما»، كذلك يجوز في «أنّ» المكسورة إذا خففت. يعني «ليتما» أعمالاً وإهمالاً، قالوا: كذلك «أنْ» إذا خففت يجوز أعمالها ويجوز إهمالها كما سبق في «ليتما». أما «أنّ» المشددة فتعمل إلا إذا دخلت عليها «ما».
قال: كقولك: إنْ زيداً لمنطلق، وإنْ زيدٌ لمنطلق. ما الفرق بينهما؟ لو قلت: إنْ زيداً لمنطلق هكذا بالنصب «إنْ زيداً لمنطلق»، فإنْ مخففة من الثقيلة وهي عاملة، وزيداً اسمها، كأنك تقول: إن زيداً لمنطلق، تقول: إن زيداً لمنطلق، فإنْ عاملة في اسمها المنصوب وعاملة في خبرها المرفوع.
يقولون: إذا أردت أن تهملها قلت: إنْ زيدٌ لمنطلق. لماذا جاء باللام هذه؟ هذه اللام تسمى لاماً فارقة، سياتي كلام عليها إن شاء الله، هذه اللام الفارقة «إنْ زيدٌ لمنطلق» حتى لا يظن ظانٌّ أنك تقول «إنْ زيدٌ لمنطلق» وأنك تنفي؛ لأن «إنْ» أحياناً تأتي بمعنى النفي، ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ [يونس: 68]، يعني هذا نفي ومثل كثير، وكثير ما تكون إنْ نافية إذا جاء بعدها إلا، إن هذا إلا قول كما قال القائل فقال: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ [المدثر: 24]، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ [المدثر: 25]، وهكذا.
فهنا يقول: إنْ زيدٌ لمنطلق. «إنْ» مخففة من الثقيلة، عاملة أم مهمله؟ لا، هنا مهملة، زيد مبتدأ ومنطلق خبر، وهذه اللام هي اللام الفارقة، هي اللام الفارقة التي تفرق بين النفي والإثبات. يبقي إذاً «إنْ» و«أنْ»، طب لماذا زيدٌ مرةً وزيداً مرةً؟ قالوا: هذا هو الذي يراد يراد تشبيهه به في «ليتما».
فـ«ليتما» بالإعمال والإهمال، وكذلك «إنْ زيدٌ لمنطلق» و«إنْ زيداً لمنطلق» بالإعمال والإهمال، فتعمل فتنصب، وتهمل فيبقى الاسم مرفوعاً على الابتداء. قال: والارجح الإهمال، عكس ليت؛ يعني «ليتما» أقوى من «ليتما» الإعمال أقوى، هنا الإهمال أقوى، تقول: إنْ زيدٌ لمنطلق، أرجح من إنْ زيداً لمنطلق.
قال: ثم استدل ببعض الآيات، قال تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4]، و«إنْ كلّ لما جميع لدينا محضرون». وكذلك وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلّاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: 111]. وهذا في النسخة التي عندي، وأرجو أن تكون هناك نسخ جاءت بالآيات على الجادة، على ما يريده المصنف؛ المصنف لا يريد شيئاً مما ذكر، لماذا؟ مع أنه يريد الآيات نفسها، لكنه لا يريد شيئاً مما ذكر، لماذا؟
هو يريد: «إنْ كل نفس لما عليها حافظ»، ولا يتم له الاستدلال إلا بذلك، «إن كل نفس لما عليها حافظ» بتخفيف الميم، وهي قراءة الجمهور «إن كل نفس لما عليها حافظ»، وكذلك «إن كل لما جميع لدينا محضرون»، لماذا؟ لأنه قد سبق الكلام في هذا الموضع تحديداً عند كلام المصنف عن «لم» وأحوالها، وأنها تأتي نافية أختاً لـ«لم»، وأنها تأتي رابطة، ثم استدل بالآية: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾ [سبإ: 14]. هذه ربط، ثم جاء في المنتصف بهذه الاستثنائية بمعنى «إلا»، ولم يذكر هذه الآيات، لكن هذه الآية هي التي تشهد «إنْ كل نفس لما عليها حافظ»، يعني ما كل نفس إلا عليها حافظ، فلما بمعنى «إلا».
أما المراد فهو في قراءة الجمهور: «إنْ كل نفس لما عليها حافظ»، يعني معنى أن كل نفس عليها حافظ، يعني أن كل نفس لا عليها حافظ، فاللام للتوكيد و«ما» على قراءة الجمهور زائدة. فالشاهد: «إن كل نفس لما»، حتى يتم الاستدلال، وإذا قيل لما، فهذه «إنْ» ليست «إنْ» المخففة أبداً من الثقيلة، وإنما كما هي «إنْ» نافية.
فعلى قراءة الجمهور: «إن كل نفس لما»، فإنْ مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، طب لماذا لم تعمل؟ قالوا: لأن الإهمال أولى. وكذلك في الآية الأخرى في آية يس: ﴿وَإِنْ كُلٌّ لَمَّا جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: 32]. «إنْ» مخففة من الثقيلة، وكل ليس اسمها، إنما هو مبتدأ.
قال: وقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلّاً لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: 111]، هو لا يريد هذا، وهذا مما يدل عليه قوله بعد ذلك قال وقرأ الحرميان، ويقال فيه الحرميان أيضاً. وقرأ الحرميان وأبو بكر بالتخفيف والإعمال، أما الحرميان فهما إمام الحرم والمراد بهما نافع وابن كثير هما إمام الحرمين، نافع وابن كثير. نافع إمام أهل المدينة في القراءة، وابن كثير إمام أهل مكة في القراءة.
وأما أبو بكر فهو شعبة معروف، شعبة الذي يروي عن عاصم كنيته أبو بكر وهو مشهور بها. ماذا قرأ نافع وابن كثير؟ قرأ: «وإن كلا لما ليوفينهم ربك عملهم»، وشعبة قرأ: «وإن كلا لما». على كلّ، في قراءة هؤلاء: «وإن كلا» «إنْ» مخففة من الثقيلة، عملت أم لم تعمل؟ نعم عملت كما عملت في قراءتنا وفي قراءة الجمهور: «وإن كلا»، إنْ مشددة وهي عملت في اسمها، فكذلك «إنّ كلا»، و«إن كلا» هنا عملت باسمها وهي مخففة من الثقيلة، فكانه يريد أن يقول: يعني وردت بعض المواضع بالإعمال ومواضع ووردت بعض.
المواضع بالإهمال، فجاز فيها الإعمال والإهمال، كما في ليتهم. ثم انتقل إلى الثاني، هي أربعة أحرف: أن، وأن، وكان، ولكن. بدأ بـ أن، لا لأنه شبهها بأقرب شيء وهو ليت، أما الأكثر في البدء فـ أن يبدأ؛ لأنها ليس فيها كلام. قال بعد ذلك: فأما لكن مخففةً فتهمل، هذه أيسرها، هذه أيسر هذه الأربعة. قال: وذلك لزوال اختصاصها بالجملة الاسمية. قال الله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [النحل: 118]، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 162]. قال: فدخلت على الجملتين، فـ لكن سهلة، تدخل على الجملة الاسمية وحينئذ لا تعمل شيئاً، بعدها يكون المبتدأ، وتدخل على الجملة الفعلية فهي أيضاً لا تعمل شيئاً؛ لأنها من الخصائص أن تدخل على الجملة الاسمية، فإذا دخلت على الفعلية فلا تعمل شيئاً. قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ فدخلت على كان، وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم، دخلت على ظلموا على الفعل الماضي. ﴿وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: 44] دخل على فعل مضارع وإن كان قد سبق بـ لا، وهذا النفي لا يضر. وفي الآية الأخرى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هي لكن، وحركت بالكسر تلافياً لالتقاء الساكنين كما سبق مراراً، ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾. وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: 166] ولذلك أمثلة كثيرة.
إذاً فـ لكن هذه ليس فيها إشكال، إذا خففت أهملت، لكن تعمل، ولكن الله سلم كما سبق، إذا خففت لكن لا تعمل، يبقى هي تعمل مشدَّدة مثقَّلة ولا تعمل مخفَّفة. قال: واما أنْ فتعمل، ويجب في غير الضرورة حذف اسمها ضمير الشأن، وكون خبرها جملة مفصولة إن بُدئت بفعل متصرف غير دعاء بقد أو تنفيس أو نفي أو لو، وهذه أطولها.
قال: وأما أنْ المفتوحة فإنها إذا خففت -يعني خففت فصارت إنْ- بقيت على ما كانت عليه من وجوب الإعمال، يبقى إذاً عندنا لكن تهمل لا تعمل وجهاً واحداً، أنْ تعمل وتهمل، تعمل وتهمل والإهمال أكثر وأفصح، إنْ بالعكس، لا يقال فيها تهمل ولا تعمل، تهمل لا تعمل، فيجب إعمالها. قال: طيب يجب إعمالها إذاً سنجد لها اسماً وخبراً، سنجد لها اسماً منصوباً وخبراً مرفوعاً. قال: غالباً يحذف خبر، يحذف اسمها، غالباً يحذف اسمها. قال: لكن يجب في اسمها ثلاثة أمور؛ أن يكون ضميراً لا ظاهراً، وأن يكون بمعنى الشان، وأن يكون محذوفاً. أن يكون ضميراً لا ظاهراً، وأن يكون بمعنى الشان، وأن يكون محذوفاً، فهذا واجب في اسمها: أن يكون ضميراً بمعنى الشان محذوفاً. وأحياناً تتخلف هذه الشروط أو تتخلف بعضها خصوصاً في بعض الأشعار. يبقى إذاً مع أنها تعمل قال: وتعمل وجوباً، لكن لن يظهر هذا العمل؛ لأنك لا تجد اسمها، ستقدر اسمها ضميراً محذوفاً في محل نصب، فهذا الذي يريد، هذا الاسم. أما الخبر قال: ويجب في خبرها أن يكون جملة لا مفرداً. الأصل كان في الأصل يجوز أن يكون مفرداً وأن يكون جملة، ﴿أَعْلَمُوۡا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ﴾ [الأنفال: 40]، اعلموا أن الله شديد العقاب، وأن الله غفور رحيم، فهنا مفرد، ويجوز أن يكون جملة، ﴿أَعْلَمُوۡا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]، أنما يعني أن الذي غنمتم شيء فأن لله خمسة، فيصح إذاً هذا وذاك.
لكن الآن إذا خففت يكون اسمها يكون خبرها جملة لا مفرداً، ثم هذه الجمله إما أن تكون اسمية وإما أن تكون فعلية، وإذا كانت فعلية فلها أوجه، فهذا هو الذي أطال النفس في هذا. قال: فإن كانت الجملة اسمية أو فعلية فعلها جامد أو فعلية فعلها متصرف وهو دعاء -أي بمعنى الدعاء- في هذه الأحيان لم تحتاج إلى فاصل يفصلها من أنْ (يعني ستجد أنْ مخففة وستجد خبرها بعدها، ستجد هذا الخبر جملة اسمية، أو جملة فعلية فعلها جامد، أو جملة فعلية فعلها متصرف ولكنه بمعنى الدعاء)، ستجد أنْ، ستجد بعدها جملة اسمية أو ستجد بعدها فعلاً جامداً أو فعلاً متصرفاً بمعنى الدعاء. مثال الاسمية قوله تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10]. طيب أنِ الحمد لله، أنْ هنا ما نوعها؟ ليست مخففة من الثقيلة، أم مصدرية، أم زائدة، أم مفسرة؟ لا، هذه قالوا مخففة من الثقيلة، وآخِر دعواهم أنه -يعني أن الحمد، القضية والشان والحال والقصة، ما الحال؟ الحمد لله رب العالمين- هذا اسمه ضمير الشان هكذا يفسرون، يقولون إنْ -يعني أنه- وهذه الهاء ليس هناك شيء تعود عليه، إنما هو اسمه ضمير الحال، ضمير الشان.
هذا ضمير الشان كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: 72]، أنه من يشرك بالله، أنه هذه الهاء على أي شيء تعود؟ لا يمكن أن تعود على الله تعالى: أنه من يشرك بالله، لا يمكن أن تعود على الله، وكذلك لا تعود على إنسان مثلاً سابق، أو على شيء سابق على المشرك: أن المشرك من يشرك بالله، فإذاً لا تأويل لهذه الهاء إلا أن تكون بمعنى الشان، يعني أن الشان ما الشان، ما الحال، ما القصة، ما القضية، من يشرك بالله، فكانما خرّ من السماء، أو من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وماواه النار. هذا هو معنى ضمير الشان، فلا تظن أنه يعني من اختراع العلماء، إلا هو موجود حتى في كتاب الله تبارك وتعالى.
فـ آخِر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين، فإن اسمها هنا ضمير بمعنى الشان وهو محذوف، طيب الحمد لله رب العالمين هذه جملة تامة من مبتدأ وخبر كما سبق في أول الفاتحة، الحمد لله رب العالمين سبق في ذكر المبتدأ والخبر والاستدلال بهذه الآية في سورة الفاتحة وفي غير موضع: الحمد لله رب العالمين، الحمد مبتدأ، والجار والمجرور هو الخبر على قول بعض العلماء، أو هو متعلق بالخبر المحذوف وجوباً على قول الجمهور، وسبق بيان هذا بتفصيل. إذاً خبرها جملة اسمية، هل هناك فاصل بين أنْ وبين الجملة الاسمية؟ لا، ليس هناك فاصل. قال تقديره: أنه الحمد لله، أي الأمر والشان، فخففت -يعني الأمر والشان والحال هو الحمد لله رب العالمين، حالهم كذا- فخففت أنْ -يعني صارت أنْ- وحذف اسمها ووليتها الجمله الاسمية بلا فاصل، هذا أصرَح الشواهد في هذا. ومن شواهده قراءة نافع ويعقوب: والخامسة أنْ لعنة الله عليه، أن كان من الكاذبين، هذه فيها قراءات كثيرة، قراءة نافع ويعقوب هكذا: والخامسة أنْ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ونحو قراءة يعقوب في الموضع الثاني: والخامسة أنْ غضب الله عليها إن كان من الصادقين. فإن مخففة من الثقيلة، وبعد ذلك لعنة الله عليه، أنْ كان من الكاذبين هذه جملة اسمية وليت أنْ بلا فاصل.
ومثال الفعليه التي فعلها جامد: ﴿وَأَن عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ [الأعراف: 185]، ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: 39]، وهذا واضح بعد أنْ، بعد أنْ فعل جامد تذكرون عندما ذكر المصنف نعمة وبئس وعسى وليس، هذه أفعال ماضية؛ لأنها تقبل التأنيث: نعمَت وبئسَت وعليست في أول الكتاب، وهذه أفعال جامدة، يعني لا يأتي منها مضارع ولا أمر، إنما هي جامدة على لفظ الماضي، و أن عسى -يعني أنه وانه عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، وأنه ليس للإنسان إلا ما سعى- هذا هو الحال والقضية، ما القضية ما الشان؟ ليس للإنسان إلا ما سعى، أن يكون قد اقترب أجل هؤلاء، التقدير: أنه عسى وانه ليس.
ومثال التي فعلها متصرف وهو دعاء: والخامسة أن غضب الله عليها، في قراءة من خفف أن وكسر الضاد هنا، يعني أحسنوا -يعني أحسن أصحاب النسخة في هذا الموضع فجاؤوا بما يريده المصنف، فلم ياتوا بالرواية المشهورة برواية حفص، إنه لا يريدها، إنما هو يريد هذه القراءة، وهي قراءة نافع وحده- قرا: والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، يعني غضب الله على هذه المرأة الكاذبة؛ لأن إن كان زوجها من الصادقين فيما ادعاه عليها حين الملاعنة أو قبل الملاعنة. طيب ما الشاهد؟ قال: أن غضب الله عليه، غضب فعل وهو متصرف، طيب كيف كيف يكون فعلا متصرفاً وليس بينه وبين أنْ فاصل؟ قالوا: لأنه بمعنى الدعاء، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فهو بمعنى الدعاء، كأنه دعي عليها بأن يغضب الله عليها، كما تقول في الكلام: رحمه الله فلان، رحمه الله، أنت لا قطع له بالرحمة وأن الله رحمه، إنما تدعو له: فلان غفر الله له، غفر الله له، هذا في اصل الكلام في ظاهر الكلام أنك تقول: أن الله غفر لفلان، لكن أنت لا تقصد هذا المعنى أبداً، تقصد: غفر الله له، رضي الله عنه، تقصد يقصد بها الدعاء.
فإن كان الفعل متصرفاً وكان غير دعاء وجب أن يفصل من أنْ بواحد من أربعة وهي قد، نحو: ﴿وَلَنَعْلَمَنَّ أَن قَدْ صَدَقْتَنَا﴾ [المائدة: 113]، فصدق هذا فعل ماضي، هو فعل متصرف وليس بمعنى الدعاء، ففصل من أنْ بـ قد ليعلم أنْ قد أبلغوا أيضاً، هو وحرف التنفيس: ﴿عَلَمَ أَن سَيَكُونُ مِنْكُم مَّرْضَى﴾ [المزمل: 20]، هذا في كتاب الله وفي غير كتاب الله في الشعر: والحرف الثاني، واعلم فعلم المرء ينفعه أن سوف يأتي كل ما قدر، أن سوف يأتي، فالسين وسوف، وكذلك حرف النفي: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَن لَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ [طه: 89]، ولو نحو: ﴿وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقاً﴾ [الجن: 16]، وهذا الموضع سبق فيه كلام، كلام طويل في أن حينما كانت حين الكلام عنها حينما كانت تسبق بعلم أو بظن، هذه، فإذا سبقت بعلم فهي مخففة من الثقيلة لا غير، إذا سبقت بظن فهي مخففة من الثقيلة في أحد الوجهين، وحينئذ لابد من فصلها عما بعدها من الأفعال، سواء كان مضارعا أو غير مضارع، بهذه الفواصل، فهذا الكلام يعتبر معادا في هذا الموضع، فهذه هي الفواصل التي تفصل بين الفعل سواء كان مضارعا أو غير مضارع، فيرجع هذا مضارع أما استقام وكذلك يكون سيكون، أما استقاموا وصدق وأبلغوا فهذه أفعال ماضية، سواء كان الفعل مضارعا أو غير مضارع، فانه يفصل من أنْ بشيء من هذه الفواصل وهي قد والسين وسوف وحرف النفي ولو.
قال: وربما جاء في الشعر بغير فصل كقوله: علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا لأعظم سؤله علموا أن يؤملون، أيضاً البيت لو صحت العربية: علموا أن يؤملوا، الأصل أن يقول: علموا أن يؤملوا، لكن قالوا لا، علم أن إذا سبقت بالعلم فهي مخففة من الثقيلة، طب إذا علموا أن سيؤملون، أن سوف يؤملون، أن قد يؤملون، ونحو، لابد أن يفصل الفعل بفاصل، لماذا؟ لأنه فعل متصرف وليس بمعنى الدعاء، قالوا: هذا في ضرورة الشعر: علموا أن يؤملون، فلا يقال أنْ هنا ناصبة، ولكن الفعل لم ينصب لا لأن هنا ليست ناصبة، أنْ هنا ليست ناصبة، إنما بمعنى أنْ الحال والشان والقضية يؤملون.
وقال: وربما جاء اسم أن في ضرورة الشعر مصرحاً به غير ضمير شانه، فيأتي خبرها حينئذ مفرداً وجمله. يعني كل هذا الذي سبق كان الاسم ضميراً للشان محذوفاً بهذه الشروط: أن يكون ضميراً، وأن يكون بمعنى الشان، وأن يكون محذوفاً. قالوا: ورد أيضاً في بعض ضرورات الشعر أنه يكون موجوداً ليس ضمير، نعم هو ضمير لكنه ليس بمعنى الشان وليس محذوفاً، وإنما هو ضمير موجود، حينئذ يأتي الخبر مفرداً ويأتي جملة، أما في الأول فكان يجب أن يأتي جملة، لكن هنا يأتي مفرداً ويأتي جملة. قال: وقد اجتمع في قوله، واجتماعه في قول هذه الشاعرة يؤذن بأن البيت فعلاً ضرورة، يعني أن يجتمع في هذا البيت هذان الشيئان اللذان لا يعرفان إلا في مثل هذا، فهذا من ضرورة الشعر. قالت قال وفي قوله شاعرة معروفة: جنوب بنت العجلان، وهي تغفي أخاها عمراً ذا الكلب، وسبق شيء من هذا كلام أو من شعر آخر في رثاء أخيها قبل ذلك في الكلام عن العلم وعن اجتماع الاسم مع اللقب، فكانوا يقولون: يجب إذا اجتمع الاسم مع اللقب أن يقدم الاسم وأن يؤخر اللقب، فمن الاستدلالات التي تنقض هذا الكلام استدلاله ببيت آخر لجنوب مع أخيها عمرو أيضاً في رسائه لما قالت: بأن ذا الكلب عمراً خيرهم حسباً ببطن شريان يعوي حوله الذيب فقدمت اللقب على الاسم. فقالوا بهذا الشاهد وبقوله: أنا ابن مزايقية عمر، وبقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171]، وبنحو هذه هذه الشواهد قالوا أ... طبعا أخرت الآية للخلاف فيها وذكرت لكم هذا قبل ذلك. قالوا بهذه الشواهد ونحوها لا يجب هذا الذي أوجبه، فهنا أيضاً تقول في أبيات أخرى في أخيها: لقد علم الضيف والمرملون إذا غبر أفق وهبت شمالا بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا أن علم الناس جميعاً من الأضياف والفقراء أنه إذا جاء مثلاً الشتاء وجاءت الريح الشديدة وحصل الجدب وحصل قحط في وقت معين، فحينئذ أنت تكون غياثاً للناس؛ لأنه رجل جواد، والعرب كانت تمدح بالجود كثيراً. فالشاهد فيه: بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمال، فمرة قالت في مرة: بأنك ربيع، يعني بأنك ربيع، فخففت أنْ إلى أن ومع ذلك لم تحذف اسمها ولم تجعله ضميراً شأناً، أما جعلته ضميراً محذوفاً وليس بمعنى الشان: بأنك، فجعلته ضمير مخاطب تخاطب به أخاها. طب كيف فعلت في الخبر؟ جاءت به مفرداً لا جملة، هنا هذه ضرورة من هذين الوجهين، أنهار ضرورة في الاسم وضرورة في الخبر: بأنك ربيع، انك -يعني انك هنا ضرورة في الاسم- تكون الثمالة، هذه هي جملة الخبر، وهنا ليس هناك ضرورة في هذا فارتكبت ضرورتين في الموضع الأول.
وأما كان فتعمل ويقل ذكر اسمها، ويَفصِل الفعلَ منها بـ«لم» أو «قد»، هذه يعني آخرُ شيءٍ في الأربعة التي تخفَّف؛ وهي: «إنَّ»، و«أنَّ»، و«لكنَّ»، و«كان» تصير: «إنْ»، و«أدْ»، و«لكنْ»، و«كَأْنْ»، فكأنَّ هذه آخرُ واحدةٍ.
لكن بقيت مسائلُ؛ يعني أرجو أن تنتهي حتى ينتهي هذا البابُ كلُّه بإذن الله تعالى. قال: إذا خُفِّفت «كَأَنَّ» فصارت «كَأْنْ»، وَجَبَ إعمالُها كما يَجِب إعمالُ «أَنَّ»، ولكن ذكرُ اسمها أكثرُ من ذكر اسم «أَنَّ»؛ سبق أنَّ الأصل في اسم «أَنَّ» ألا يكون موجوداً أصلاً، أن يكون محذوفاً، إنما يوجد في ضرورة الشعر، لكن هنا اسمُ «كأَنَّ» المخففة يُذكر أحياناً ويُحذف أحياناً؛ فلا يجب ذكره ولا يجب حذفه.
قال: ولا يَلزم أن يكون ضميراً؛ يعني أحياناً يكون محذوفاً وهو ضميرٌ، وأحياناً يكون مذكوراً وهو ضميرٌ، وأحياناً يكون مذكوراً وليس ضميراً، كلُّ هذا سائغٌ.
قال الشاعر: ويوماً توافينا بوجهٍ مقسَّمٍ كَأَنْ ظَبْيَةً -أو: كأْنْ ظبيةً، روايتان، وفيه روايةٌ ثالثةٌ ليس فيها شاهد «كَأْنْ ظبيةً»- تعطو إلى وارقِ السَّلَمْ
يُروى بنصب «الظَّبية» على أنها الاسم، وهذا يعني هذا كثيرٌ عند العرب؛ أنهم يُشبِّهون المرأةَ بالظِّباء التي تكون في الصحراء في الجمال وطول العنق، تُشبَّه المرأةُ بها في هذين الشَّيْئين. فيقول بنصب «الظَّبي» على أنها الاسم، والجملة بعدها صفةٌ، والخبر محذوفٌ؛ أي: كأنَّ ظبيةً عاطيةً هذه المرأةَ، فيكون من عُكس التشبيه؛ يعني كأنك بدلاً من أن تقول: «هو كالقمر»، تقول: «بل مثله القمر»، فبدلاً من أن تُشبِّه فلاناً بالقمر، تُشبِّه القمر به، من عُكس التشبيه أو مبالغةً في وسامة هذا. فكذلك هنا: «كأنَّ ظبيةً عاطيةً هذه المرأة»، فهو على عُكس التشبيه، أو كان مكانَها ظبيةً؛ يعني كان هناك ظبيةٌ على حقيقة التشبيه.
ويُروى برفعها على حذف الاسم؛ أي: كأنَّها ظبيةٌ. نعم، إذا هو يقول: «كَأْنْ ظبيةً»، فهي إن خُفِّفت إلى «كَأْنْ»، وظبيةً اسمها بالنصب، فهنا ذكر اسمها، وبعد ذلك جاءت الجملة التي هي جملة -الجملة التي بعد ذلك هي جملة صفة ليست جملة الخبر- «كَأْنْ ظبيةً عاطيةً»، عاطيةً يعني مادَّةً عنقها، فـ «عطا يعطو» بمعنى مدَّ، مدَّ عنقه ليتناول شيئاً، فوارق السَّلَم شجرٌ معروفٌ؛ يعني شجرٌ يورق، يعني له ورقٌ. فالشاهد أنه يقول: «كَأْنْ ظبيةً»، فظبيةً اسم «كأْن» التي هي مخففةٌ من «كَأَنَّ»، وخبرها محذوفٌ؛ كأنَّه يقول: كأنَّ ظبيةً عاطيةً هذه المرأةَ، فهذا هو الخبر المحذوف.
ورُوِي: «كأنْ ظبيةٌ»؛ إذا قيل: «كأنْ ظبيةٌ»، فـ«كأن» واسمها محذوفٌ، لكنه ليس بمعنى الشَّأن، هو ضميرٌ ليس بمعنى الشَّأن؛ يعني كأنَّها ظبيةٌ، فهذان وجهان. لكن مثل هذا -طبعا- هي على الوجهين عامِلةٌ؛ إما أنها عامِلةٌ في الاسم المذكور «كَأْنْ ظبيةً»، أو في الاسم-اسم المحذوف الذي هو ضميرٌ ليس بمعنى الشَّأن، فهي عامِلةٌ على كلٍّ.
مثل هذا لا أعلم له شاهداً في كتاب الله تعالى، لا أعلم شاهداً تكون فيه «كَأْنْ» هكذا، بل «كَأْنْ» التي هي مخفَّفةً من الثقيلة هي على عدة أوجه، هذان وجهان ذكرهما المصنف، وسيذكر وجهين آخرين، لا أعلم من هذه الأوجه شيئاً وارداً إلا شيئاً واحداً سيأتي بإذن الله بعد قليل، فكلُّ هذه الأوجه التي ذكرها المصنف لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله تعالى إلا في وجهٍ واحدٍ.
قال: وإذا كان الخبر مفرداً أو جملةً اسميةً لم يَحْتاج لفاصلٍ. فالمفرد كقوله فيما سبق: «كَأْنْ ظبيةً»، هذا الخبر، لو قلت: «كَأْنْ ظبيةً» يعني كأنَّها ظبيةً، فحذف الاسم، وهذا هو الخبر في رواية مَن رفع. والجملة الاسمية كقوله: كَأْنَّ ثَدْيَاهُ حُقَّانِ طبعا يُروى هذا، و«وجهٌ مشرق اللون» ويُروى «وصدرٌ مشرق اللون»: كأنَّ ثديَاهُ حقَّانِ هذا معروفٌ؛ يعني شُبِّه الثَّدْيُ بشيءٍ يُسمى «حُقَّ العاجِ»، مستديرٌ هذه الاستدارةُ، فكأنَّه قال: صدرٌ مشرق... «ثديَاه حقَّانِ»، فـ «ثديَاه حقَّانِ» هذا مبتدأٌ وخبرٌ، والجملة كلها خبر «كأنَّ»، وليس هناك فاصلٌ بين «كأنَّ» وبين الجملة.
قال: وإن كان فعلاً، وَجَبَ أن يُفصَل منها إما بـ«لم» أو «قد». الوجه الأول من هذين الوجهين هو الوارد في كتاب الله تعالى: «إن كان فعلاً وَجَبَ أن يُفصَل منها إما بـ«لم»» هذا هو الوارد «أو قد». فالأول كقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ [يونس: 24]، ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ * فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا﴾، ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ يعني المعنى: كأنها لم تغنَ بالأمس، فاسمها ضميرٌ ليس بمعنى الشَّأن، إنما هو عائدٌ على القرية: «كأنَّها لم تغنَ بالأمس».
وكذلك قول الله تبارك وتعالى في غير موضع: ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَ فِيهَا﴾ [هود: 60] يعني كأنهم لم يغنوا فيها، لم يغنوا يعني لم يقيموا ولم يعيشوا ولم يتمتعوا ولم ينعموا فيها، وقوله تعالى: ﴿كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا﴾ [يونس: 12] إلى ضُرٍّ مسَّه، ﴿كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 249]، ﴿لَيَقُولُنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتني كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]، الشاهد: ﴿كَأَن لَّمْ تَكُن﴾ ومثل هذا كثيرٌ في كتاب الله تعالى: «كَأْنْ لَمْ...»، فتأتي «كأنْ» ويحذف اسمها، ويُؤتى بخبرها جملةً فعليةً إذا كانت مثبتةً. يُفصَل بـ«قد» إذا كانت منفيةً، يُفصَل بـ«لم»، والآي في القرآن هو المنفي بـ«لم» كالشواهد المذكورة.
أما- وذكر شاهداً آخرَ من الشعر، وقال: وقول الشاعر يعني كقوله تعالى وكقول الشاعر: كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْحَجُونِ إِلَى الصَّفَا أَنِيسٌ وَلَمْ يَسْمُرْ بِمَكَّةَ سَامِرُ «كأن» مخففةٌ من الثقيلة، وبعدها جملةٌ فعليةٌ «يكن»، فُصِلَت بـ«لم» يعني كأنه لم يكن هذا.
والثاني كقوله: أَزِفَ التَّرَحُّلُ غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا لَمَّا تَزَلْ بِرِحَالِنَا وَكَأَنْ قَدِ «وكان قد» كان يقول: «وكان قد زالت»، فحذف الفعل، وكان قد يعني «وكانها قد»؛ وأقول: «أزف الترحل» يعني اقترب الرحيل، «غير أن ركابنا» هذه الجمال التي سنركبها وفيها حمولتنا، «لما تزل برحالنا» لم تزل لم تمشي برحالنا، «وكان قد» يعني وكانها قد زالت لقرب المسير يعني سنمشي بعد دقائق، «وكانها قد زالت»، فحذف الفعل، وهذا المحذوف كأنه موجودٌ، وإنما اضطره إليه الشعر، فهذه ضرورة الشعر؛ لأنه لو قال: «وكان قد زالت»، لم يعد شعراً، وانكسر عليه الوزن، وحصلت أشياء كثيرةٌ، وفقد القافية، كلُّ ذلك سيحصل. وقال: «وكان قدي» يعني: وكانها قد زالت.
فإذاً في الإثبات يُفصَل بـ«قد»، وفي النفي يُفصَل بـ«لم»، والنفي هو الذي جاء بكتاب الله تعالى.
قال في مسألة أخرى: ولا يتوسط خبرهنَّ. يعني بقيت ثلاث مسائل، لا أدري يعني هذه مسألةٌ قال: ولا يتوسط خبرهنَّ إلا ظرْفاً أو مجروراً، نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [الحجر: 77]، ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا﴾ [المزمل: 12].
قال: لا يجوز في هذا الباب توسطُ الخبر بين العامل واسمه، ولا تقديمُه عليهما كما جاز في باب «كان»؛ تذكرون في باب «كان»: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: 20]، كان واسمها وخبرها، و﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: 47]، كان ثم خبرها ثم اسمها يأتي بعد ذلك، ويمكن أن يتقدم خبر «كان» على اسمها على قول بعض العلماء، والمصنف يذهب هذا المذهب لكن لم يذكروا دليلاً واضحاً، إنما ذكروا دليلاً محتملاً؛ ﴿إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [يس: 41] تقدم فيه معمول الخبر، لم يتقدم الخبر، لما يتقدم معمول الخبر قالوا: استدلوا بقاعدة هي محل نزاع، ففي استدلال محل النزاع قالوا: لا يتقدم المعمول إلا حيث ما يصح أن يتقدم العامل، أو قالوا: تقدم المعمول مؤذِنٌ بجواز تقدم العامل، لكن هذا في نزاع، المهم الكلام هنا في التوسط.
يجوز أن يتوسط خبر «كان» بينها وبين اسمها. هل يجوز أن يتوسط خبر «إنَّ» بينها وبين اسمها؟ قالوا: لا؛ يعني أنت تقول: «زيدٌ قائمٌ» مبتدأ وخبر، تقول: «كان زيدٌ قائماً»، كان واسمها وخبره، تقول: «إنَّ زيداً قائمٌ»، إن واسمها وخبره، هذا ليس فيه إشكالٌ. الصورة التي بعد ذلك: «كان قائماً زيدٌ»، توسط الخبر بين «كان» واسمها، هذا سائغٌ. هل يجوز أن تقول: «إنْ قائمٌ زيداً»؟ «إنَّ زيداً قائمٌ» فتقول: «إنْ قائمٌ زيداً»، فتجعل «إنَّ» حرف توكيد ونصبٍ، و«قائمٌ» خبر «إنَّ» مقدَّمٌ وهو مرفوعٌ، و«زيداً» اسم «إنَّ» مؤخرٌ وهو منصوبٌ، هل هذا سائغٌ؟ قالوا: لا يسوغ هذا عند أحدٍ، لا يسوغ هذا عند أحدٍ.
قال: لا يجوز في هذا الباب توسط الخبر بين العامل واسمه ولا تقديمه عليهما، كما جاز في باب «كان»؛ لا يُقال: «إنْ قائمٌ زيداً»، كما يُقال: «كان قائماً زيدٌ». والفرق بينهما أن الأفعال أمكنُ في العمل من الحروف، فكانت أحملَ لأن يُصرَّف في معمولها؛ يعني ما السبب؟ قالوا: «كان» وأخواتها أفعالٌ، فيُصرَّف في معمولاتها، فالفعل يتقدم فاعله على مفعوله، ويتقدم مفعوله على فاعله، ويتقدم مفعوله عليه وعلى... فيُصرَّف فيها، أما الحرف فهو ضعيفٌ في العمل عن الفعل، فلأجل هذا لا يُصرَّف في... هكذا، وقالت فكانت أحمل... يعني الأفعال أكثر احتمالاً لذلك.
قال: وما أحسن قول ابن عُنَيْنٍ يشكو تأخُّرَه: كَأَنِّي مِنْ أَخْبَارِ إِنَّ ولم يُجِزْ له أحدٌ في النحو أن يتقدم، هذا لا يريد أن يستدل به على شيءٍ، إنما هو استظرافٌ معناه يعني في أنه يشكو أنه رجلٌ متأخرٌ، فهو يعني متوفًى سنة ثلاثين وستمائة -آه نعم، سنة ثلاثين وستمائة- يعني هو في القرن السابع الهجري، آه متأخرٌ جداً، فهو يشكو التأخر فيقول: «كأني من أخبار إن»، وخبر «إن» لابد أن يتاخر، ولم يجِزْ له أحدٌ في النحو أن يتقدم، فلا يمكن أن أتقدم على غيري كما أن خبر «إن» لا يتقدم على اسمها، طبعا إلا إذا كان ظرفاً أو جارَّاً ومجروراً كما سياتي.
وابن عُنَين هذا محمد بن نصر الله الأنصاري الدمشقي، الشيخ محمد ذكر أنه يُكنى أبا العباس، لكن الذي وجدتُّه أنه يُكنى أبا المحاسن، المهم يعني في في اسمه بعض الخلاف بعض الشيء، الذي هو خلافه ما ذكره الشيخ عليه رحمه الله، وذكروا فيه أشياء؛ أنه كان رجلاً هجَّاءً، حتى إنهم قالوا يعني قالوا إنه هجَا صلاحَ الدين الأيوبيَّ عليه رحمه الله اعلم... الشاهد أنه لا يحتاج إلى هذا البيت في شيءٍ من النحو، إنما هو استظرافٌ للمعنى فقط.
قال: ويُستثنى من ذلك ما إذا كان الخبر ظرفاً أو جَرًّا ومجروراً؛ يعني إذا كان الخبر ظرفاً أو جَرًّا ومجروراً يجوز توسطه بين «إنَّ» واسمها. قال: فانه يجوز فيهما أن يتوسط؛ لأنهم قد يتوسَّعون فيهما ما لم يتوسعوا في غيرهما، سبق هذا المعنى: أنهم يتوسعون في الظروف وفي المجرورات ما لم يتوسعوا في غيرهما، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا﴾ [المزمل: 12]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: 26]؛ «أنكالاً» اسمه، طب كيف تأخر وكيف تقدم الخبر مع أنه لا يتقدم؟ قالوا: لا يسوغ أن يتقدم الخبر إلا إذا كان ظرفاً أو جَرًّا مجروراً، ﴿إِنَّ لَدَيْنَا﴾ «لدينا» بمعنى عندنا، و«لدى» و«عند» هذان الظرفان، فيجوز أن يتقدم الخبر إذا كان ظرفاً، وكذلك ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ «عبرةً» اسم «إنَّ» مؤخرٌ، كيف تقدم الخبر؟ تقدم، قُدِّم لأنه جارٌّ ومجرورٌ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾، ومثل هذا كثيرٌ في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾ [الليل: 12]، ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ [اللَّيل: 13]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْهَا النَّشْأَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 47]، ﴿إِنَّ عَلَيْهَا النَّشْأَةَ﴾ «النشأةَ» اسمٌ مؤخرٌ، ﴿وَإِنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ [النجم: 42].
وفي قول- قال: ﴿الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ [القصص: 79] سبقت هذه الآية وقلتُ: ستاتي في موضعها هنا: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ﴾ اسم «ليت» و«لنا» خبرها مقدمٌ، ﴿إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [الليل: 27] كما قال القائل، فقال الذي يقول: والْ رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسن... فقدم الجار والمجرور والظرف معاً. ها اسم «إن»، وأمثلة هذا كثيرٌ.
قال: واستغنيتُ بتنبيهٍ عن امتناع التوسط في غير مسألة الظرف والجار والمجرور عن التنبيه على امتناع التقدم؛ لأن امتناع الأسهل يستلزم امتناع غيره بخلاف العكس. هذا واضحٌ في الكلام؛ يعني هو أنا قلتُ: لا يتوسط الخبر جرًّا إلا إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، فمن باب أولى إذا كان لا يتوسط من باب أولى أنه لا يتقدم، يعني تقول: «زيدٌ قائمٌ»، يجوز أن تقول: «إنَّ زيداً قائمٌ»، لا يجوز أن تقول: «إنْ قائمٌ زيداً»، لا يجوز أبدا أن توسط هذا الخبر بين «إنَّ» واسمها «إنْ قائمٌ زيداً» هذا لا يجوز.
قال: من باب أولى أنني لا يجوز أبدا أن أقول: «قائمٌ إنَّ زيداً قائمٌ» خبر «إنَّ» مقدمٌ عليها وعلى اسمها، و«إنَّ زيداً» إن واسمها. قال: هذا من باب أولى أنه لا يجوز، أنا قلتُ التوسط الذي هو أسهلُ لا يجوز، فكيف بالذي هو أصعبُ وهو التقدم؟ هذا من باب أولى أنه لا يجوز، يعني: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23] هل يسوغ أحدٌ الضربَ مثلاً؟ لا، حتى ابن حزم نفسه عليه رحمه الله لا يسوغ في مثل هذا في مثل هذا الضرب يعني إن كان ينفي القياس وإن كان ياخذه منق... لكن ليس بهذا، هذا معنى معروفٌ: أنه إذا نُهي عن الأدنى فمعلوم أنه نُهي عن الأعلى من باب أولى.
قال: ولا يلزم من ذكر توسيطهم الظرفَ والمجرورَ أن يكونوا يُجيزون تقديمه؛ لأنه لا يلزم من تجويزهم في الأسهل تجويزهم في غيره؛ يعني وإن كانوا جوزوا التوسط في الجار والمجرور: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا﴾ [المزمل: 12]، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [الحجر: 77]، فإنهم لا يجيزون أن يتقدم، لا يُقال في الكلام مثلاً: «إنَّ في الدار زيداً» هذا صحيحٌ، لا يُقال في الكلام: «في الدار إنَّ زيداً»، لا؛ وإن جوزوا التوسط، لكنهم لا يجيزون التقدم، فتجويز الأسهل لا يلزم منه أن يجوز غيره، بخلاف امتناع الأسهل، امتناع الأسهل يوجب امتناع الاصعب، أما تجويز الأسهل فلا.
يوجب ولا يمنع، تجويز الأصعب يبقى الأصعب على ما هو عليه. هذا والله أعلم، وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق