تسجيل الدخول

الدرس 19

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

قال المصنف رحمه الله تعالى: وتكسر إن في الابتداء؛ نحو: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وبعد القسم؛ نحو: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: 1-3]، والقول قولي؛ نحو: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]، وقبل اللام؛ نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: 1].

ثم ذكر رحمه الله تعالى شرح ذلك، وهو يسير باذن الله تعالى. فهذه مسألة يسيرة هي مسألة طويلة جداً في غير ذلك من الكتب، لكن المصنف هنا اختار أن تكون يسيرة بأن يبين بعض المواضع التي تككسر فيها همزة إن. أما في مواضع أخرى فقد ذكر هو نفسه مواضع أكثر من هذا لكسر همزة إن، ثم عقبها بمواضع لفتح الهمزه، ثم عقبها بمواضع لجواز الوجهين. وهذا هو الذي يدرس في كتب كثيره. متى تكسر همزة إن؟ يقال في هذه المواضع، فيذكرون قرابه عشرة مواضع، وإن كان بعضها يرجع إلى بعض. ومتى تفتح الهمزه؟ فيذكرون أيضاً قرابه عشرة مواضع، وإن كان يجمعها جميعاً شيء واحد، لكن في التفصيل تأتي هكذا. ثم يذكرون بعض المواضع الأخرى التي يجوز فيها الفتح ويجوز الكسر، يجوز الفتح ويجوز الكسر، لكن المصنف كأنه أرجأ هذا إلى كتاب آخر وصنعه في شذور الذهب وغيره، لكنه هنا أراد التيسير في هذا الموضوع.

قال: تكسر إن في مواضع، أحدها أن تقع في ابتداء الجمله، كقوله تعالى: إن أنزلناه، وإن أنزلناه في عدة مواضع: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، انا أنزلناه في ليلة مباركة، انا أنزلناه قرآناً عربياً، المهم أنه في ابتداء الجملة، و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]، وقال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ [يونس: 62]، ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هؤلاء الأولياء بينهما الله تبارك وتعالى في الآية التي بعدها فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63]، فبحسب إيمان العبد وتقواه تكون ولايته لله سبحانه وتعالى.

هذه المواضع فيها إن في الابتداء، قد يقول قائل: كيف ذلك وفي آية يونس ألا إن أولياء الله فسبقت بألا؟ ويقال: السبق بألا لا يضر؛ لأن ألا هذه استفتاحية، فالجملة التي بعدها جملة ابتدائية، كما قال الله تبارك وتعالى أيضاً في غير موضع: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ [البقرة: 12] ولكن لا يشعرون، ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: 13] ولكن لا يعلمون. فالذي يأتي بعد ألا داخل في هذا، وهو أنه يكسر في الابتداء. وبعضهم يقول: الابتداء حقيقي كما سبق: أنا أنزلناه، أنا أعطيناك، انا جعلناه قرآناً عربياً، أنا جعلنا في أعناقهم أغلالاً، انا كذلك نجزي المحسنين. كل هذا بدء حقيقي عند من يقول بهذا. أقول: هناك بدء حكمي، ابتداء حكمي بعد ألا ونحوها.

وهم يذكرون مثلاً في أول جملة الصلة أيضاً تكثر همزة إن: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: 76]، ما إن، ما بمعنى الذي، إن مفاتحه هذه اسمها جملة الصلة، جملة صلة الموصول كما درستم قبل ذلك. فهنا أيضاً هي في أول جملة صلة الموصول، فأيما كانت في أول جملة فإنها تكسر.

الثاني، يعني هذا هو الموضع الثاني الذي تكسر فيه همزة إن، بعد القسم؛ كقوله تعالى: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ﴾ [الدخان: 1-3]، وتتمة الآية: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ [الدخان: 3]. كما هو مع أنا أنزلناه وهنا أنا أنزلناه جاءت بعد القسم حم والكتاب المبين، فإذا كان الكلام في بعد القسم، فانه أو في جواب القسم، فانه إنه تكسر همزته، تكسر همزة إن فيه. ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 1-3]، قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 1-2]، وثم شواهد أخرى.

وإن كانت هذه المسألة فيها شيء من تفصيل، فيها شيء من تفصيل، لكن المصنف لم يفصل في أصل المسألة وهي مواضع الكسر والفتح، ومواضع جواز الوجهين، ومن باب أولى لم يفصل في هذه المسألة الفرعية.

قال: الثالث، أن تقع محكية بالقول؛ كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]. نعم، هذا حسن. هنا كلام حسن: كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾، أما عند حذف القول يكون الكلام ممجوجاً كما سبق مراراً. قال: إني عبد الله؛ يعني قال عيسى عليه السلام، قال هو ففاعل قال ضمير مستتر جوازاً تقديره هو يعود إلى عيسى عليه السلام، فأشارت إليه، مريم أشارت إليه، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 29-30]. فقال هذا الغلام الذي هو عيسى ابن مريم عليه وعلى نبينا صلوات الله وسلامه وعلى الأنبياء والمرسلين جميعاً: ﴿إِنَّا عَبْدُ اللَّهِ﴾. فهذه جملة تسمى مقول القول، تسمى جملة جملة مقول القول، أو هي الجملة المحكية بالقول كما ذكر، نص موقعها الإعرابي، يقال: الجملة كلها في محل نصب؛ لأنها مفعول به؛ يعني قال هذا القول، قال كذا وكذا.

فتقع محكية بالقول، كما أنه إذا وقع مكانها مفرد يقع منصوباً، فهذه الجملة أيضاً في موضع نصب. وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم؟ ﴿قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: 30]، وخيراً مفعول به قالوا على وجه من الوجهين الشهيرين. إذاً: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وهذا يعني قد نقع فيه كثيراً، وقد قلت إنه حصل كذا وكذا، ويقولون إنهم جاءوا، مثل هذا يقع منا كثيراً، نعم هو له وجه، لكن الأفصح والذي جاء في كتاب الله تعالى في كل المواضع فيما أعلم هو كسر همزة إن بعد القول. مثل مثال ذلك أيضاً، أما لم يذكره المصنف: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ﴾ [المائدة: 12]، ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [القلم: 51]، ويقولون إنه لمجنون، سواء كان الفعل ماضياً أو مضارعاً، ويقولون إنه لمجنون، أو أمرا: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ [الجن: 21]. فإذا كانت محكية بقول فإنها تكسر همزتها؛ يعني همزة إن.

الرابع، هذا هو الموضع الرابع والأخير فيما ذكره المصنف الذي تكسر فيه همزة إن وجوبا، كما هو معلوم، وهذا الأصل أنه أنها تكسر وجوباً، أن تقع اللام بعدها؛ يعني أن تقع اللام في بعدها، يعني أن تقع اللام بعدها، وإن كان ما قبلها يقتضي الفتح. هذا هو الذي يراد، حتى إذا كان ما قبلها يقتضي أنها تفتح، لكن إذا وقعت اللام بعدها، فإن هذه اللام تجعلها تنكسر.

قال كقوله تعالى: واللام، وهذه اللام تسمى اللام المزحلقه التي في الأصل لام الابتداء، وسياتي الكلام عليها في المسألة الأخيرة، المسألة القادمة إن شاء الله تعالى. قال كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾ [المنافقون: 1]، و﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1]، قال فكسرت بعد يعلم ويشهد وإن كانت فتحت بعد علم وشهد؛ علم يعلم شهد يشهد، فمعلوم أن الذي يأتي بعد ذلك شيء واحد، يعني الذي يأتي بعد علم كالذي يأتي بعد يعلم؛ إذا كانت الهمزه هنا مفتوحه فهنا مفتوحه، إذا كانت مكسورة فهنا مكسورة.

قال تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 187]، ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]، وأيضاً في غير ذلك من المواضع، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [الحجر: 97]، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ [الأنعام: 150]. وتسمعون المؤذن دائماً يقول: أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد، فإذا بعد شهد وأشهد، بعد علم ويعلم، تفتح همزة إن فيقال: أن. طيب، إذاً لماذا كسرت في الآية في آية سورة المنافقين أو المنافقون؟ هذا سائغ وهذا سائغ، سورة المنافقين على الإعراب هذا مضاف إليه، سورة المنافقون على الحكاية فيما جاءت فيه كما جاءت في السورة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون: 1].

لماذا كسرت بعد يعلم ويشهد؟ لوجود اللام، لوجود اللام في خبرها، لوجود اللام في خبرها: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، فوجدت اللام في الخبر، أو وجدت اللام بعدها، سواء كان في الخبر أو غيره، هنا وجدت وجدت اللام في الخبر، فكسرت همزة إن وجوباً، وهو المعروف في كتاب الله.

يعني أنت إذا أردت أن تقول هذا المعنى في غير القرآن الكريم، تقول مثلاً: الله يعلم انك رسوله، في غير القرآن نقول هكذا: الله يعلم انك رسوله. طيب، إذا جئت بغير لام، لكن إذا جئت باللام تقول: الله يعلم انك لرسول، فهذا واضح. يعني أنت مثلاً في كلامنا إذا أردت أن يعني تطبق هذا في كلامك؛ لأنك تريد مثلاً أن تحاكي الفصحى وأن تحاكي العرب في كلامهم، إذا قيل لك مثلاً: أتشهد أن هذا حق؟ استشهدت على شيء معين فيقال لك: أتشهد أن هذا حق؟ يجوز لك أن تقول: أشهد أن هذا حق. طيب، متى تكسر اللام؟ عندما تقول مثلاً: أشهد أن هذا لحق. يبقى إذاً: أشهد أن هذا حق، أو أشهد أن هذا لحق، نعم.

ثم انتقل إلى المسألة الأخيرة، قال: ويجوز دخول اللام على ما تاخر من خبر إن المكسورة، أو اسمها، أو ما توسط من معمول الخبر، أو الفصل، ويجب مع المخففه إن أهملت ولم يظهر المعنى. هذه مسألة أخيرة متعلقة بالفرع السابق في المسألة السابقة، والذي ذكره في الرابع: أن تقع اللام بعدها. هذه اللام: والله يعلم انك لرسولك، والله يشهد ان المنافقين لكاذبون، هذه اللام لا تقع إلا بعد إن وحدها دون غيرها من أخواتها. فهذه اللام لا تجدوها بعد أن المفتوحه، بل لو وجدت بعد أن في حال فتحها لكسرتها، لا تجدها بعد لكن ولا بعد كأن ولا بعد ليت ولا بعد لعل، هذه اللام خاصة بإن، وإن كان بعضهم جوز أن تاتي في غير ذلك واستدل على بيت قيل إنه موضوع مصنوع. فالمعلوم أنها تدخل مع إن.

طيب، ما هذه اللام أولاً؟ هذه اسمها لام الابتداء. طب ماذا تسمى في هذا الباب مع إن؟ تسمى اللام المزحلقة، المدحرجة، المزحلقه. أشهر، طب لماذا سميت هكذا؟ سميت هكذا؛ لأنها كما سبق لام الابتداء، لأنها لام الابتداء. طب أين موضع لام الابتداء من اسمها؟ مع يعرف هذا فهي اسمها لام الابتداء فتكون في الأول في المبتدا كقول الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنِّي مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ﴾ [البقرة: 221]، وكقول الله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]، لعبد لمسجد ولا أمة مؤمنة خير مشرك، وهكذا؛ فتدخل كل ما دخلت عليه مبتدأ هنا فهو مبتدأ، وهي من مسوغات الابتداء بالنكره كما سبق كلام الابتداء، إذا دخلت على نكره جاز الابتداء.

طيب، إذاً فهذه لام الابتداء. طب لماذا سميت مزحلقه مدحرجه؟ قالوا: لأنها في هذا الباب مع إن وهي تدخل عليها وحدها في هذا الباب، تأبى أن تدخل على شيء في الأول، يعني الأصل أنها تدخل على شيء مقدم، قالوا: في هذا الباب تأبى أن تدخل على شيء مقدم، إنما إنما تدخل على شيء متوسط أو متاخر، فكأنها تدحرجت من مكانها، تزحلقت من مكانها، تاخرت عن مكانها، فلهذا فلهذا سميت مزحلقة أو مدحرجة، هذا من باب تقريب، وإلا فهي لا تقبل ولا تقبل، إنما هذا من تقريب كلام العرب.

قال: يجوز دخول لام الابتداء بعد إن المكسورة على واحد من، هنا قال: يجوز، اثنين متاخرين واثنين متوسطين. فأما المتاخران، فالخبر؛ نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ [فصلت: 43]، قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: 6]، وإن رب، إن واسمها ربك اسمها، والكاف مضاف، طب أين خبرها؟ ذو، خبرها ذو. طيب ما الذي حصل؟ دخلت عليه لام الابتداء التي سميت الآن لاما مزحلقه مدحرجه. طب لماذا دخلت عليه؟ لأنه تأخر؛ أي جاء متاخراً عن الاسم، جاء متاخراً عن عن الاسم. ومثال ذلك أيضاً: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 243]، إنك لمن المرسلين، إن الإنسان لفي خسر، فهذه أمثال وأمثلتها كثيرة في هذا. فاذا هي تدخل على الخبر.

الموضع الثاني قال: والاسم، فالمتاخران الخبر والاسم. قال نحو: ﴿وَإِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: 67]، إن في ذلك لعبرة في الإعراب.

إنّ حرف توكيد ونصب، كما سبق مراراً، الجر والمجرور في ذلك هذا هو الخبر أو هو متعلق بالخبر كما عند الجمهور، الذي قدم هاهنا، وهنا مقدم ووجوباً كما هو معلوم لأن المبتدأ نكرة.

عبرةٌ؛ عبرةٌ هذا اسم إن منصوب، لعبرةٌ وما كان أكثر لآية لعبرةٌ، فهذا اسم إن منصوب وهو مؤخر، فلما تأخر الخبر دخلت عليه اللام. عفواً عفواً، لما تأخر الاسم هذا اسم إن منصوب، لما تأخر الاسم دخلت عليه اللام، انظر إلى هذين الموضعين: في الموضع الأول تأخر الخبر فدخلت عليه اللام، وفي الموضع الثاني تأخر الاسم فدخلت عليه اللام، معنى ذلك أنه لا يجوز في الموضع الأول أن تدخل على الاسم لأنه متقدم، ولا يجوز في الموضع الثاني أن تدخل على الخبر لأنه متقدم.

عرفنا لماذا سميت مزحلقة أو مدحرجة؟ يعني هي كأنها تقول: المتقدم لا أدخل عليه، إذا تأخر الاسم يمكن أن أدخل عليه، إذا تأخر الخبر يمكن أن أدخل عليه، أو هكذا فعلت العرب والقرآن بلسان عربي مبين. مثالك مثال ذلك كذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّأُولِي النُّهَىٰ﴾ [طه: 54]، وكذلك إن لنا إن علينا للهدى وإن لنا لآخرة والأولى، وإن لك لأجرا غير ممنون، والشواهد كثيرة.

قال: وأما المتوسطان فمعمول الخبر، هذا الأول من المتوسطين وهو الثالث، يعني تدخل على أربعة أشياء، قال نحو: إن زيدا لطعامك آكل. في الإعراب: إن حرف توكيد ونصب، زيداً هذا اسم إن منصوب، أين خبره؟ آكل؛ إن زيداً آكل، فأكل خبره، خبر إن. طيب، موضع قوله: لطعامك، هذا ما موضعه الإعرابي؟ طعامك هذا مفعول به لأكل؛ آكل طعامك، آكل اسم فاعل، واسم الفاعل يعمل عمل الفعل في مثل هذا، وسياتي باب طويل في الأشياء التي تعمل عمل الفعل، وهي عشرة أشياء تعمل عمل الفعل، ذكر المصنف منها في هذا الكتاب سبعة، سياتي الكلام فيها إن شاء الله تبارك وتعالى في درسين تامين، وربما كان في ثلاثة دروس حسب ما يسر الله.

نعم، فأكل اسم فاعل، اسم فاعل ينصب المفعول به، فطعامك مفعول به أي آكل طعامك، آكل هو طعامك، كأنك قلت: ياكل هو طعامك، فطعامك مفعول به لأكل، فهذا مفعول به للخبر، فهو يسمى معمول الخبر، فيسمى معمول الخبر، ولا أعلم لدخوله على معمول الخبر شاهداً في كتاب الله تعالى.

قال: والضمير المسمى عند البصريين فصلا وعند الكوفيين عمادا. هذا هو الموضع الرابع تدخل على ضمير الفصل، على ضمير الفصل، ماذا سمي فصلا أو ضمير فصل؟ هذا هو الأشهر في تسميته والغالب أن المعمول به بالتسميات وفي التعريف وفي الاصطلاحات هو المصطلح البصري، هو متقدم على مصطلح الكوفة كما هو معلوم. فهذا الضمير سمي ضمير فصل في الأصل، لأنه يفصل بين الخبر وبين الوصف، بين الخبر وبين الوصف. عندما تقول مثلاً: زيد المجتهد، زيد المجتهد، المجتهد يمكن أن تكون خبراً وبذلك تتم الجملة إذا قلت: زيد المجتهد، ويمكن أن تكون نعتاً لزيد، وحينئذ تحتاج إلى كلام آخر؛ زيد المجتهد ماذا فعل؟ لكن إذا قلت: زيد هو المجتهد، هنا خلاص، أصبح الكلام تاما والمجتهد خبر، هذا يسمى ضمير فصل يفصل بين النعت والخبر أو الصفة والخبر.

هذا في أصله يعني، هذا الضمير تدخل عليه، تدخل عليه لام الابتداء جوازاً. قال نحو: ﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62]، وإن لنا لنحن الصافون، وإن لنا لنحن المسبحون. إن هذا، إن واسمها، القصص هذا خبر إن، يبقي إن واسمها وخبرها، هو هذا اسمه ضمير فصل، ضمير فصل. وفي إعرابه خلاف بين العلماء، لكن الأقرب أنه ضمير فصل ليس له محل من الإعراب. وكذلك: إن لنا لنحن الصافون، وإن لنا لنحن المسبحون؛ نحن مبتدأ والصافون خبر والجملة كلها خبر إن كما هو معلوم، وإن هذه اسم إن، وله أمثله كثيرة كقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهَيَ الْحَيَوَانِ﴾ [العنكبوت: 64]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ﴾ [الصافات: 171-172].

وأيضاً أيضاً قالوا: يا شعيب أصلا تكم تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نفعل في أمورنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد. ثم تكلم عن مسألة داخل هذه المسألة يقول: وقد يكون دخول اللام واجبا. كل الذي سبق دخول اللام فيه جائز، متى يكون واجباً؟ قال: وقد يكون دخول اللام واجباً وذلك إذا خففت إن واهملت ولم يظهر قصد الإثبات. إذاً، هذه ثلاثة شروط لابد، هذه ثلاثة شروط لابد من توفرها لأجل دخول اللام وجوباً أو لأجل وجوب دخول اللام.

إذا خففت إن فصارت إن، واهملت لم تعمل، ولعلكم تذكرون ما كان في الدرس الماضي من أن إن إذا خففت وصارت إن فإنها تعمل أحياناً وتهمل أحياناً، والإهمال أكثر، وورد في كتاب الله تبارك وتعالى شواهد، بعض الشواهد للإعمال وبعض الشواهد للإهمال، لكن كلها فيما أعلم على غير قراءتنا المشهورة، على غير رواية حفص عن عاصم، أما في قراءة أخرى أنها إذا خففت فصارت إن، واهملت لم تعمل، ولم يظهر قصد الإثبات، يعني أنها إذا خففت واهملت لكن ظهر أن مراد المتكلم أن يثبت شيئاً، فحينئذ أيضاً لا تجب اللام، لماذا؟ لأنه يخشى أنها إذا خففت واهملت أنها لا تكون مخففة مهمله، إنما يخشى أن تكون نافية، هذا هو الذي يخشى.

فلاجل هذا قالوا: إذا قصد، إذا قصد المعنى وظهر أنه يقصد الإثبات، فحينئذ كيف يظهر أنه يقصد الإثبات ويقال الكلام للنفي؟ هذا تناقض. فقالوا: إذا اجتمعت هذه الشروط وجب دخول اللام، وإذا اختل شرط منها كان الدخول جائزاً لا واجب. كقولك: إن زيد لمنطلق، إن زيد لمنطلق. وإنما وجبت هاهنا فرقاً بينها وبين إن النافية، كالتية في قوله تعالى: ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا﴾ [يونس: 69]، أن تكون نافية أحياناً كهذه الآية: إن عندكم من سلطان بهذا، يعني ما عندكم من سلطان بهذا.

وكذلك: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه، يعني فيما لم نمكنكم فيه على أصح الاقوال، إن هنا فيها ثلاثة أقوال، أصحها أنها نافية، وتاتي إن نافية كثيرة إذا كان قبلها إلا؛ ﴿إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 23]، ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: 188]. فالشاهد أن إن تأتي نافية، فيخشون من أن إذا كانت مخففة من الثقيلة يخشون أن تشتبه بالنافية، فحينئذ إذا لم يظهر المعنى ولم يظهر هذه مخففة من الثقيلة أو نافية، قالوا تاتي اللام فارقة بين النفي والإثبات، لماذا لا؟ لأن إن نافية ولأن إن الأخرى مخففه من الثقيلة فهي مؤكدة للإثبات، فهذه تنفي وهذه تثبت وتؤكد، فالمعنى متناقض.

فما الذي يفصل بين قائل يقول: إن زيد منطلق، وهو يقصد تثبيت ذلك، وبين قائل آخر يقول: إن زيد منطلق، وهو يقصد نفي ذلك؟ هذا يقول: إن زيد منطلق، وهذا يقول: إن زيد منطلق، هذا يريد الإثبات وهذا يريد النفي، ما الذي؟ قالوا حينئذ إذا كان الكلام هكذا فإنه لابد من اللام فرقاً بين النفي والإثبات، فرقاً بين النفي والإثبات. قال: كقولك إن زيد لمنطلق، وإنما وجبت هاهنا فرقاً بينها وبين إن النافية التي في قوله كالتي في قوله: ﴿إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا﴾. قال: ولهذا تسمى اللام الفارقة، لأنها فرقت بين النفي والإثبات بهذه الشروط تجب.

قال: فإن اختل شرط من الثلاثة كان دخولها جائزا، خلاص، أنت عندك الأشياء التي تجتمع فيها شروط أو يجب فيها اجتماع شروط معينة، هل تخرج من هذا باختلال الشروط كلها؟ لا، إذا اختل شرط واحد فإنها لا يمكن أن تكون. قال: فإن اختل شرط من الثلاثة كان دخولها جائزاً لا واجباً لعدم الالتباس. وذلك إذا شددت نحو: إن زيداً قائم، إن زيداً قائم، يعني يجوز أن تقول: إن زيداً قائم، وإن زيداً لقائم. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: 59] بغير، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [الحج: 59]. إن يبقى في الآية الأولى إن الله عليم، وفي الثانية وإن الله لعليم، فهذا يؤكد الجواز.

فإذا خففت إن، طيب، لماذا هنا لم يجب؟ لم يجب دخول اللام لأن هذه اللام لا حاجة إليها وجوباً، يعني لأن إن لا يمكن أن تلتبس بإن النافية، فهي فارقة بين النفي والإثبات، أما إن النافية لا يمكن أن تلبس بإن المشددة. قال: أو خففت وأعملت نحو: إن زيداً قائم، إن زيداً قائم، فإذا خففت وأعملت حينئذ لا يلزم ولا يجب أن يؤتى باللام، لماذا؟ لأن إن التي هي نافية لا تعمل، لا حول ولا قوة إلا أنا، لا أدري هذه الاتصالات التي تاتيني كثيراً يعني تشوش عليكم أم لا، أم هي الصوت لا يصلكم؟ لا أدري، يعني سبحان الله هذا اليوم صلوات كثيرة في هذا الوقت، فأنا مشوش جداً بسبب هذا، إن شاء الله تنتهي بإذن.

قال: وأعملت، إذا خففت وأعملت نحو: إن زيداً قائم. إن زيداً، لماذا هنا لا تجب اللام؟ لأن إن التي هي نافية لا تعمل النصب، إنما ياتي بعدها مبتدأ، فإذا قيل: إن زيداً، علم يقيناً أن هذه مخففة من الثقيلة، فهذه هي التي تنصب، فحينئذ لا يجب اللام، لأن اللام تجب فرقاً بين النفي والإثبات، لكن إن قلت: إن زيداً قائم، حينئذ لا يجب، وإن كانت لم تدخل كما دخلت في الآيات التي سبقت كما سبق بيانه قبل ذلك، لكن ليس على قراءته في آية سورة هود: وإن كلا، وهكذا، وإن كلا وقر بعد ذلك لما، ولما قراءتان مشهورتان كما هو معلوم، وإن كلا فلما، إن هناك اسم إن، وبعد ذلك ومع ذلك جاءت اللام: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [هود: 111] أو لما ليوفينهم ربك أعمالهم على القراءتين، فجاءت اللام، لكن هذه، هذه اللام ليست وجودها واجباً.

قال: أو خففت وأهملت وظهر المعنى، يعني أنها إذا خففت فصارت من إن صارت إن وأهملت، يعني أن زيد أيضاً، يبقى إذا حصل التباس هنا بينها وبين النافية وبين المخففة من الثقيلة، لكن ذهب هذا الالتباس بأي شيء؟ بظهور المعنى، يعني إذا قلت: إن زيد قائم، إن زيد قائم، أنت لا تدري ماذا تريد بالأول وماذا تريد بالثاني، أو هذا قال: إن زيد قائم، وهذا قال: إن زيد قائم، أنت لا تدري أيريد هذا النفي ويريد هذا الإثبات أم العكس أم كلاهما يريد شيئاً واحداً؟ لا تدري، لكن أحياناً يظهر المعنى، كقول الشاعر: أنا ابن أباة الضيم من آل مالك، وإن مالك كانت كرام المعادن. أنا ابن أباة الضيم من آل مالك، وإن مالك كانت كرام المعادن قال: وإن بالتخفيف، وقال مالك بالإهمال لم يقل مالكاً، وقالت كرام المعدن لم يأت باللام، لم يقل وإن مالك لكانت كرام المعدن. لماذا؟ قد يقول له قائل: لا يجب أن تأتي باللام حتى يظهر المعنى، يقول: لا، الموضع المعنى واضح، هو يقول: أنا ابن الضيم من آل مالك، أنا ابن الأناس الذين يرفضون الظلم، أما أنهم يرفضون أن يظلموا أو أن يظلم أحد مثلاً وهم موجودون من آل، والعرب كانت تمدح بهذا ابن الضيم من آل مالك، فهو يمدح في الشطر الأول هؤلاء الناس، لا يمكن أن يخطر بالبال أحد أنه يذمهم في الشطر الثاني وأنه يقول: وإن مالك كانت كرام المعدن، لا، لا يتخيل أحد أنه يقول: ليست مالك كرام المعادن، لا، لا يتخيل هذا أحد، كيف يمدحهم هذا المدح العظيم في الشطر الأول ويذمهم هذا الذم العظيم في الشطر الثاني؟ لا يمكن، إنما ثم إنهم قومه، فماذا يذم قومه إذاً؟ فالمعنى من كل اتجاه يؤكد أنه يثبت وأن مالك كانت كرام المعادن، يثبت أن مالكاً أن هذه القبيلة كانت كرام المعادن، كانوا كرام الأصل يعني، وضحك.

قال بعد ذلك: ومثل إن لا النافية للجنس، لكن عملها خاص بالنكرات المتصلة بها، نحو: لا صاحب علم ممقوت، ولا عشرين درهماً عندي، وإن كان اسمها غير مضاف ولا شبيه بني على الفتح في نحو: لا رجل ولا رجال، وعليه، أو على الكسر في نحو: لا مسلمات ولا مسلمات، وعلى الياء في نحو: لا رجلين ولا مسلمين.

هذا الباب الرابع عند المصنف، وفي الأصل هو الخامس، لكنه أغفل باباً كما سبق، هذا هو الباب الرابع من أبواب النواسخ للابتداء، أو من أبواب نواسخ المبتدأ والخبر، وهو لا التي لنفي الجنس، أو هو لا النافيه للجنس، هذا أو ذا، فهي تدخل فتنفي جنس ما بعدها جميعاً، لا يمكن أن يثبت منه شيء، فإذا قلت: لا رجل في الدار، لا يمكن أن يكون هناك مثلاً عدة رجال وأنت تقصد أنا لا، أنا قلت: لا رجل في الدار، لم أصد لا رجال في الدار، يكون هذا كلاماً خطأ، إنما يجوز أن تقول في مثل هذا: لا رجل في الدار بل رجلان أو بل رجال، يعني لا رجل واحد، إنما هناك رجال.

لكن إذا قلت: لا رجل في الدار، لا أحد هاهنا، فالمراد به نفي كل ما يدخل تحت جنس هذه الكلمة. طيب، ما عمل هذا الباب؟ عمله كالباب السابق؛ ينصب المبتدأ ويرفع الخبر. السؤال المطروح الذي طرح قبل ذلك، لماذا إذا جعل وحده أيضاً؟ لأن للباب السابق شروطاً، ولان هذا لهذا الباب شروطاً أخرى، الباب السابق له أشياء تخصه، وهذا الباب له أشياء تخصه، فلأجل هذا فرقوا بينهما، كما فرقوا بين كان وأخواتها وكذا وأخواتها وملح الجازية وأخواتها، وإن كان العمل الجميع واحداً، فكذلك فرقوا بين إن ولا، وإن كان العمل واحداً. قال: يجري مجرى إن في نصب في نصب الاسم ورفع الخبر لا بثلاثة شروط. إذاً، فلا التي لنا في الجنس تعمل هذا العمل بشروط ثلاثة.

قال أحدها: أن تكون نافية للجنس؛ لأن لا تأتي على أنحاء كثيرة.

والثاني: أن يكون معمولاها نكرتين، يعني أن يكون اسمها نكرة وأن يكون خبرها نكرة، وهنا يمكن أن نزيد: أن يكون معمولاها نكرتين أو في قوة النكرتين، أو في قوة النكرتين يكون اسمها أو خبرها أحياناً جملة أو شبه جملة؛ فهو في قوة النكرة.

قال: والثالث: أن يكون الاسم متقدما والخبر متأخرا، أو قال: أن يكون الاسم مقدما والخبر مؤخرا، فهذا هو الشرط الثالث: أن يكون اسمها متقدما على خبرها، وهو الذي يسمى بالترتيب.

إذاً، فخلاصة الشروط: أن تكون نافية للجنس، وأن يكون هناك ترتيب بين اسمها وخبرها، وأن يكون اسمها وخبرها نكرتين، ويزيد بعضهم بعض الشروط الأخرى، كأن تكون نصاً في نفي الجنس، سوى أن تأتي، ألا يأتي قبلها حرف جر، كما يقول قائل مثلاً: غنيت بلا مال عن الناس كلهم، بلا مال. فمال هنا مجرور بالباء، ولا تكون هنا لا نافية للجنس، وإن كان هذا المعنى صحيحاً، لكن لا تعمل هذا العمل، وجئت بلا زاد. فهذه من الشروط التي لم يذكرها المصنف.

قال: فإن انخرم الشرط الأول -يعني: لم يكن الشرط الأول موجودا- ما الشرط الأول؟ أن تكون نافية للجنس، يعني إذا كانت لا بغير هذا المعنى بأن كانت ناهية، اختصت بالفعل وجزمته. وهذا سبق قبل ذلك في جواز المضارع: لا الناهية، لا الطلبية التي تكون للنهي وللدعاء الطلب، نحو: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40]، لا تشرك بالله، وكذلك في الطلب: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ [البقرة: 286]. كل هذه لا تدخلها هنا؛ لأنها ليست نافية للجنس، وإنما هي طلبية أو ناهية، لا تدخل على الفعل المضارع وتجزمه، لا تدخل على الاسم وتنصبه أو تجعله مبنياً في محل نصب كمثالت لا.

قال: أو زائدة، يعني إن كانت لا زائدة لم تعمل شيئاً. قال: نحو: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: 12]. ما الدليل على أن لا هنا زائدة؟ الدليل بوضوح قول الله تبارك وتعالى في آية أخرى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]. ما منعك أن تسجد؟ هنا قال له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. يعني ابليس سجد أم لم يسجد؟ لم يسجد. يبقى إذاً: ما منعك أن تسجد؛ يعني: ما منعك من السجود. فلا يظنن ظان أنه في سورة الأعراف أن المعنى في سورة الأعراف ما منعك من عدم السجود؟ لا، ما منعك من السجود أيضاً كبقية الآيات. لا، إبليس أبى أن يكون مع الساجدين، أبى واستكبر. لا، إبليس أبى، لا، إبليس استكبر وكان من الكافرين في كل الآيات امتناعه. فهنا: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ لا يكون المعنى ما منعك من عدم السجود؟ لا، ما منعك من السجود. طب إذاً كيف يققال: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾؟ يقال: لا هنا زائدة لتقويه الكلام. وهذا واضح بآيات كثيرة أخرى، أصرحها: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: 75]. وهذا من أصرح المواضع التي يستدل بها على أن القرآن نزل بسنن لسان العرب في مثل هذا، وأنهم أحياناً يزيدون بعض الحروف لتقوية الكلام أو لمعاني أخرى، فأتى القرآن بمثل هذا، ولا يستطيع غالباً -غالباً أقول غالباً- لا يستطيع أحد أن ينفك عن مثل هذا، وإن كان ينازع في أصل المسألة. لكن هذه المسألة من المسائل التي تكاد تكون لازمة لمن تكلم فيها، وإن أراد غير ذلك فإنه يعني قد يلوي كثيراً من أعناق النصوص كما يقال.

يعني كيف يؤول مثل هذا: منعك أن تسجد، وفي موضع آخر: ما منعك ألا تسجد؟ طبعا الإمام الإمام الطبري عليه رحمه الله له كلام في هذا معروف وغيره كذلك، وإن كان هذا ليس مرتضى. ومثل هذا أيضاً في قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَىٰ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: 95]. حرام أنهم يرجعون ولا حرام أنهم لا يرجعون؟ الحرام بمعنى الممنوع هنا. الممنوع هو رجوعهم أم عدم رجوعهم؟ الممنوع رجوعهم؛ أنهم إذا ماتوا لم يرجعوا إلى مرة أخرى، فلم يقل: وحرام على قرية أهلكناها أنهم يرجعون، إنما قال: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾. هذا أيضاً مما يؤكد أن لا تزيد أحياناً. وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29]؛ يعني: ليعلم أهل الكتاب. وغير ذلك كثير. ومن أصرح أيضاً لا التي تاتي قبل القسم، كثيراً ما تأتي هكذا: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1]، لا أقسم، ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: 2]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1]. كل هذا المعنى الصحيح فيه الذي لا غبار عليه هو أنها قسم وليست نفياً للقسم، لكن هذا له موضع موضع آخر حتى لا أخرج عن أصل المسألة.

قال: أو نافية للوحدة عملت عمل ليس. أحياناً تكون لا نافية أيضاً، لكنها ليست نصاً في في نفي الجنس، فحينئذ يجوز أن تعمل عمل ليس، كما سبق قبل ذلك فيما ذكره المصنف مما يعمل عمل ليس، ما ذكر: ما الحجازية، وذكر: لا، وذكر: لات. فلا تعمل عمل ليس، طبعا إن ولم يذكرها، إن أحياناً تعمل هذا العمل لكنه لم يذكرها. فلا تعمل عمل ليس أحياناً فيقولون: أنها تكون نافية للوحدة، لكن ليس في كل موضع تكون نافية للوحدة إنما تعمل عملها ليس، حتى وإن كانت لنفي الجنس أصلاً أيضاً لكنها ليست نصاً في ذلك، إنما يفهم من الكلام. قال نحو: لا رجل في الدار بل رجلان. لا رجل في الدار بل رجلان هنا لا نافية ولكنها ليست لنفي الجنس؛ لأنه أثبت بعد ذلك أكثر من رجل، فهي لنفي الوحده.

قال: وإن انخرم الشرطُ الأخيرَان لم تعمل ووجب تكرارها. يبقى إذاً إذا لم يكن الشرط الأول موجوداً لم تعمل شيئاً. وإذا لم يكن الشرط الثاني أو الثالث موجوداً كذلك لم تعمل شيئاً. تكلم عن الأول، قال: وإنخرم أحد الشرطين الأخيرين لم تعمل ووجب تكرارها. ما الشرطان الأخيران؟ هما أن يكون معمولاها نكرتين، وأن يكون الاسم مقدما والخبر مؤخرا، يعني إن كان أحد معموليها معرفة لم تعمل، وإن كان الخبر مقدما عن الاسم هنا وليس هناك ترتيب لم تعمل. قال مثال الأول: لا زيد في الدار ولا عمر. لا زيد في الدار ولا عمر؛ فهنا زيد مبتدا، وفي الدار هذا خبره، وليست لا هنا عاملة عمل إن، يعني ليس هذا لنفي الجنس لعدة أشياء؛ منها أو من أهمها: أن اسمها معرفة، أن اسمها هنا معرفة، فكيف يكون معرفة وهي لنفي الجنس؟ أصل نفي الجنس أن يكون لشيء منكر. ثم إنها تكررت بعد ذلك، وإن كانت هذه الأولى أيضاً تنكر، لكن الأصل أنها دخلت وإن كانت دخلت قب أيضاً في بعض في بعض كلام العرب دخلت على معرفة، لكن المصنف لم يذكر لم يذكر هذا، فلا أحب التشويش به، لكن على كل من ذكر أنها تدخل على معرفة وقد ورد ذلك في بعض كلام العرب وهو صحيح فصيح، قالوا: تؤول بنكرة، ويمكن أن يستدل لمثل هذا -يعني أن تكون هذه الآية التي أذكرها مثل هذه السورة: لا زيد في الدار ولا عمر- يمكن أن تكون هذه الآية من سورة يس كهذه الصورة، والعلم عند الله تعالى. قال تعالى: ﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ [يس: 40]. فلا هنا نافية وتكررت، وليست نافية للجنس؛ لأنها دخلت على معرفة.

قال ومثال الثاني: ﴿لَا فِيهَا غُولٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ [الصافات: 47]. لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون؛ يعني هذه الخمر: لا تغتال عقولهم، هذه خمر الآخرة، وكما قال تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: 19]. فلا تغتل عقولهم ولا يحصل لهم صداع بسببها، ولا يحصل لهم أي شيء مما يحصل من خمر الدنيا عياذا بالله. الشاهد فيها: ﴿لَا فِيهَا غُولٌ﴾. غول، لم يقل: لا غول فيها، قال: لا فيها غول، فتقدم الخبر على الاسم، تقدم الخبر على الاسم أو على المبتدا، فحينئذ لم تعمل هذا العمل، فالشرط أن يتقدم اسمها وأن يتاخر خبرها.

قال: وإذا استوفت الشروط فلا يخلو اسمها إما أن يكون مضافا أو شبيها به أو مفردا. يعني إذا إذا كانت لا نافية للجنس وهي نص في ذلك ولم تسبق بحرف جر، وكان معمولاها نكرتين، وكان اسمها مقدما وخبرها مؤخرا، إذا اجتمعت كل الشروط التي لم يذك التي ذكرها المصنف والتي لم يذكرها، يبقى النظر في اسمها وخبرها. أما اسمها فإما أن يكون مضافاً، أو شبيهاً به، أو مفرداً. إذاً فاسمها إما أن يكون مفردا أو مضافا أو شبيها بالمضاف. وهنا هنا أنبه مرة أخرى، هو تنبيه متكرر: إذا وجدت المفرد، إذا وجدتم يقولون مفرد، فلا بد أن تنظر إلى قسيمه أو إلى قسيميه، ما المراد بالمفرد؟ لأنه أحياناً يقولون هذا مفرد بمعنى أنه ليس مثنى ولا مجموعاً، وأحياناً يقولون هذا مفرد بمعنى أنه ليس جملة ولا شبه جملة، وأحياناً يقولون هذا مفرد بمعنى أنه ليس مركباً، وأحياناً يقولون هذا مفرد بمعنى أنه ليس مضافاً ولا شبهاً بالمضاف. هذا هو المراد هنا في الاسم؛ لأنك ستجد في هذا الباب المفرد بنوعيه أو بنوعين من هذه الأنواع الأربعة. أما اسمها فإما أن يكون مفردا أو مضافا أو شبيها بالمضاف، وأما خبرها فيمكن أن يكون مفردا أو جملة أو شبه جملة. فلابد من ضبط كلمة المفرد وما الذي يراد بغير المفرد في كل موضع.

طبعا في مثلاً أذكرك سريعا -يعني في باب أنواع الاسم ستجد أنهم يقولون مفرد ومثنى وجمع. في باب الخبر في خبر كان وفي خبر المبتدا، وفي خبر كان وأخواتها وفي خبر إن وأخواتها وفي خبر لا، هذه يقولون هذا مفرد؛ يعني أنه ليس جملة ولا شبه جملة. في باب العلم كما سبق يقولون هذا مفرد؛ بمعنى أنه ليس مركباً. في باب اسم إن وفي باب النداء يقولون هذا مفرد بمعنى أنه ليس مضافاً ولا شبهاً بالمضاف. هذه هي الخلاصة سريعة.

إذاً قال: فإن كان مضافا أو شبيها به ظهر النصب فيه. فالمضاف كقولك: لا صاحب علم ممقوت، ولا صاحب جود مذموم. ويعني أنا لا يحضرني شاهد، أو لا أعلم شاهداً لكون اسم لا النافية للجنس مضافاً أو شبيهاً بالمضاف في كتاب الله تعالى، بل هذا الباب يعني الذي فيه يعني صورتان أعرف فيما شواهد في كتاب الله تعالى مع كثرة البحث في هذا، ربما كان البحث قاصراً يعني. أما بقية الصور التي سيذكرها المصنف فغالباً أكتفي بالأمثلة التي ذكرها، لو لم أكن أعلم شاهداً قرانياً في هذا. قال: صاحب علم ممقوت. في الإعراب: لا نافية للجنس مبنية على حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب. صاحب: اسم لا التي لنا في الجنس منصوب. علم: مضاف إليه، مضاف، وهذا مضاف إليه. صاحب مضاف وعلم مضاف إليه. صاحب علم ممقوت: خبر لا التي لنفي الجنس وهو مرفوع. إذاً اسمها منصوب وخبرها مرفوع، وجاء اسمها وجاء بعد ذلك خبرها، واسمها نكرة وخبرها نكرة فاجتمعت كل الشروط. وكذلك: لا صاحب جود مذموم. إعرابه كما سبق.

قال: والشبيه بالمضاف ما اتصل به شيء من تمام معناه، أما مرفوع به. يبقى إذاً الشبيه بالمضاف هو الذي يتصل به ياتي بعده شيء يتم به معناه، يتم به معناه. قد يكون مرفوعاً به، أو منصوباً به، أو مجروراً بجر يتعلق به، لكن لا بد أن يتم به معناه. ولماذا سمي شبيهاً بالمضاف؟ لأنه ليس مفردا وليس مضافا، هو يشبه المضاف لكن لأجل التنوين الذي فيه لم يسمى مضافا، ولاجل أنه اتصل به شيء بعده لم يسمى مفردا، سمي شبيها بالمضاف؛ لأن الإضافة لا تجتمع مع التنوين. وهذا أيضاً لا أعرف له شاهداً في القرآن. قال نحو: لا قبيحاً فعله ممدوح. ما معنى هذا الكلام أصلاً -يعني قبل أن لا قبيحاً فعله؟ قبيحاً فعله هذا اسمه شبيه بالمضاف. يعني ليس هناك أحد يقبح فعله يكون ممدوحاً؛ لأنه قد قد يظن الظان أن المعنى لا قبيحاً بعد كذلك فعله ممدوح. مبتدا وخبر يعني لا لا قبيحاً فعله. فعله متعلق بقبيحا؛ يعني ليس هناك أحد من الناس يقبح فعله، يكون فعله قبيحاً ويكون ممدوحاً بين الناس. فقبيحاً اسم لا النافية للجنس، وفعله فاعل فاعل لقبيحاً.

فهو فاعل لقبيحا؛ لأن تعمل عمل الفعل، وممدوح خبر لآلة لنفية الجنس أو منصوب؛ يعني تعلق به شيء من تمام معناه ومنصوب به. نحو: لا طالعاً جبلا حاضر. يعني لا طالعاً جبلا؛ يعني ليس هناك انسان يطلع الجبل حاضر، ليس هناك انسان حاضر يمكن أن يطلع هذا الجبل، فالأصل: لا طالعاً جبلا حاضر. لو كان الكلام: لا طالع جبل -طالع جبل مضاف مضاف إليه- كان هذا من قبيل المضاف، إنما لا طالعاً جبلا هذا ليس مفردًا وليس مضافًا، فسموه شبيها بالمضاف. لا طالعاً جبلا حاضر. طالعاً اسم لآلة لنفس الجنس وهو منصوب، وجبلا مفعول به لاسم الفاعل هنا، وحاضر خبر لا التي لنا في الجنس. قال: أو مخفوض بخافض يتعلق به؛ يعني أما أن يكون مجروراً، أما أن يكون مرفوعاً، واما أن يكون منصوباً، واما أن يكون مجروراً بجر يتعلق به. قول: مخفوض بخفض؛ يعني أنه مجرور بجار يتعلق به. نحو: لا خيراً من زيد عندنا. لا خيراً من زيد عندنا، فخيراً اسم لا، ومن زيد جار ومجرور متعلق بخيراً، خيراً منه عندنا. الظرف هنا هو الخبر أو هو متعلق بالخبر.

قال: وإن كان مفردا. ما معنى المفرد؟ قال: أي غير مضاف ولا شبيه به. هذا المفرد هنا ليس مضافاً ولا شبهاً بالمضاف. قال: فانه يبنى على ما ينصب به لو كان معربا. وبعضهم يقول: بل هو منصوب؛ لماذا نقول: هو مبني على ما ينصب به؟ قيل: هو منصوب.

لكن المشهور أنه يكون مبنياً على ما ينصب به. قال: فإن كان مفرداً أو جمع تكسير بني على الفتح، نحو: لا رجل ولا رجال. وإن كان مثنى أو جمع مذكر سالماً، فإنه يبنى على الياء كما ينصب بالياء، تقول: لا رجلين ولا مسلمين عندي. لا رجلين؛ رجلين: اسم لا نافية للجنس مبني على الياء في محل نصب، هذا هو الذي يريده المصنف. الآخرون يقولون: لماذا نقول هكذا؟ رجلين: اسم لا نافية للجنس معرب منصوب وعلامة نصبه الياء، لماذا نقول مبني على الياء، ويمكن أن نقول منصوب على الياء؟ فهذان وجهان، والمصنف اختار أنه مبني على الياء في محل نصب. لا مسلمين عندي؛ مسلمين: اسم لا مبني على الياء في محل نصب لأنه جمع مذكر سالم.

وهنا خبر اسم مفرد، كيف يكون مفرداً؟ المفرد هنا معناه هنا جمع، ومع أن لا رجلين مثنى، كيف يقال: هو جمع وهو مفرد وهو مثنى وهو مفرد؟ أليس هذا تناقضاً؟ يقال: لا، أليس هذا تناقضاً؟ مثنى وجمع بمعنى أنهما ليس مفردين، طب كيف يقال عن هذا المثنى وعن هذا الجمع، كيف قالوا عنهما مفردان؟ قالوا عنهما مفردان لأنهما ليسا مضافين ولا شبيهين بالمضاف. فالمفرد هنا له ضد، والمفرد هنا له ضد آخر أو هنا له قسيم وهنا له قسيم آخر. من شواهد ذلك في العربية: لا رجلين ولا مسلمين، لا رجلين. قال قائل:

تعز فلا ألفين بالعيش متعاً ولكن المنون تتابع

تعز فلا ألفين؛ ألفين: اسم لا النافية للجنس، وهو مبني على الياء، وقيل هو منصوب بالياء، وبعد ذلك بالعيش متعاً، هذه الجملة هي في محل رفع لأنها خبر لنفية الجنس، فخبرها يأتي مفرداً وجملة وشبه جملة كما سبق. ومثله جمع المذكر السالم وجمع التكسير، قول القائل:

يحشر الناس لا بنيين ولا آباء إلا وقد عنتهم شؤون

وهذان البيتان أيضاً فيهما ما فيهما، لو صحت لو صح كبيتين عربيين. يحشر الناس لا بنين؛ بنين: اسم لا نافية للجنس وهو مبني على الياء وقيل منصوب. ولا آباء؛ آباء: اسم لا نافية للجنس وهو مبني على الفتح. الأول بنين هذا جمع مذكر سالم، والثاني آباء هذا جمع تكسير، وألفين هذا مثنى.

قال: وإن كان جمع مؤنث سالماً بني على الكسر، وقد يبنى على الفتح، نحو: لا مسلماتٍ في الدار، ولا مسلماتِ في الدار. يعني يجوز هذا ويجوز هذا، وقد روي بالوجهين قول الشاعر:

لا سابغات ولا جاوٍ باسلةً تقي المنون لدى استيفاء أجالي

لا سابغات، سابغات الدرع: السابغات إنما عمل سابغات وقدر في السر الدرع الذي يصنع في الحرب ليقي ما يضرب به المرء من سيف أو سهم أو ما أشبه. لا سابغة ولا باسلة، يعني ولا جيوش يعني أهلها شجعان، يعني تقي المنون المنية الموت لدى استيفاء أجل عند حضور الموت، يعني كل هذا لا يغني عن الإنسان شيئاً إذا حضر أجلهم، إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون. الشاهد فيه: لا سابغاتٍ، وروي لا سابغاتِ. على الأول: لا سابغاتٍ، سابغاتِ: اسم لا نافية للجنس مبني على الكسر. وعلى الثاني: لا سابغاتِ، سابغاتِ: اسم لا نافية للجنس مبني على الفتح.

إذاً ما الذي ورد في هذا الباب في كتاب الله تعالى؟ في حد علمي وحد بحثي عن شواهد لهذا الباب، الشواهد القرآنية في هذا الباب الاسم فيها مفرد مبني على الفتح. مفرد مبني على الفتح، والخبر إما أنه محذوف وهذا قليل ليس موجوداً أصلاً، أو هو أو هو شبه جملة، ظرف أو جار ومجرور. هذا هو الذي جاء فيما علم هذا هو الذي جاءه، العلم عند الله تبارك وتعالى. من أمثلة ذلك قال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفُرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92]، لا تثريب عليكم. لا تثريب؛ تثريب: اسم لا نافية الجنس يبقى لا نافية للجنس حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب، تثريب: اسم لا نافية الجنس مبني على الفتح في محل نصب وقيل هو منصوب، لكن اعترض على هذا: إذا كان منصوباً لماذا لم يظهر فيه النصب؟ لماذا لم يقل لا تثريباً؟ لأجل هذا قيل هو مبني في محل نصب، والجار والمجرور هو الخبر أو هو متعلق بالخبر على ما درستم مراراً. لا تثريب عليكم؛ عليكم: هذا جار ومجرور هو الخبر، وقيل هو متعلق بالخبر المحذوف وجوباً، أي لا تثريب كائن حاصل مستقر واقع عليكم، كل هذا يسوغ يسوغ تقدير.

قال: لا تثريب عليكم. ومثل ذلك: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ﴾ [البقرة: 2] لا ريب فيه. وقال تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]. قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. قال أ كذلك؟ قالوا: لا ضير. نعم قالوا: لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون. هنا حذف الخبر يعني في كل ما سبق الخبر شبه جملة، فإنا قلت لك الخبر إما أن يكون شبه جملة فيما أعلم من الشواهد، واما أن يكون محذوفاً والمحذوف قليل. قالوا: ﴿لَا ضَيْرَ ۖ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: 50] لا ضير، لا ضرر، ما معنى ذلك؟ يعني لا ضير علينا لا ضرر علينا. فقالوا لا ضير فحذف الخبر، وإذا قدر قدر أيضاً هنا بالجار والمجرور المتعلق بالمحذوف، كأنهم قالوا: لا ضرر مستقر وحاصل أو واقع علينا.

وفي بعض الأحاديث جاء: «لا بأس»، أي لا بأس عليك. لا بأس، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا بأس طهور إن شاء الله»، فقال: لا بأس، لا وبأس اسمها، أين خبرها؟ محذوف. كل هذا إذا كان الخبر كونا عاما كما هو معلوم، أما إذا كان الخبر كونا خاصا فلا بد من ذكره، فلا بد من ذكره، كما قال عليه الصلاة والسلام: «لا أحد أغير من الله». فلا أحد أغير من الله، فأحد اسم لا وأغير هذا خبرها، لأن الكون هنا كون خاص يتكلم عن شيء خاص وهو الغيرة، لا يتكلم عن الكون العام الذي حدث ووجد نحو هذه الأذهان لا، وكذلك لا أحد أحب إليه العذر من الله، إلى آخر هذه الشواهد. إذاً فهذا الذي جاء فيما أعلمه، العلم عند الله تبارك وتعالى.

ثم ذكر مسألة أخرى، وهي آخر مسألة في هذا الباب. قال: ولك في نحو لا حول ولا قوة، يعني في قولك: لا حول ولا قوة إلا بالله، وفيما أشبهها فيما أشبهها تقول مثلاً: لا رجال ولا نساء. ها هنا مثلاً في في مثل هذا تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله. فتح الأول، ما الأول؟ حول، كيف يفتح لا حول هكذا بفتحة واحدة دون تنوين، وفي الثاني الفتح والنصب والرفع، يعني إذا فتحت الأول جاز لك في الثاني الفتح والنصب والرفع كالصفة في نحو لا رجل ظريف، كان يجوز أن تقول: لا رجل ظريفٌ ظريفا ظريفَ، ورفعه، يعني يجوز لك أن ترفع الأول لا حول فيمتنع النصب، يعني تقول لا حول ولا قوة، لا حول ولا قوة فيمتنع النصب. وإن لم تتكرر لا أو فصلت الصفة أو كانت غير مفردة مفردة امتنع الفتح. يقول في الشرح: إذا تكررت لا مع النكرة جاز في النكرة الأولى الفتح والرفع، طبعا احنا نقول في الكلام: لا حول ولا قوة إلا بالله، وهذا هو المعروف لا حول ولا قوة إلا بالله، لكن هو يسوغ لك أنك يجوز لك أن تقول بعض الأشياء الأخرى، يجوز أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله، هذه خمسة أوجه كلها صحيحة، فصحها وأصحها الأولى: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإن كان بعض ذلك بعض هذه الوجوه جاء في كتاب الله تعالى.

قال الله تبارك وتعالى في الأول الذي هو مشهور: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] وقرئ بغير ذلك، فهذه القراءة التي نقرا بها فلا رفثاً ولا فسوقاً ولا جدالاً هكذا، لكن قري أيضاً برفع الثلاثة: فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ، رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالٌ. وقرئ برفع الأولين: فلا رفثٌ ولا فسوقٌ ولا جدالاً في الحج. فإذا قالوا: هذه من الأوجه السائغة، من الأوجه السائغة، والجمهور يقرءون كما نقرا: فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج، لأجل هذا الأفصح في هذا والعلم عند الله تعالى أن يقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، لكن هذه أوجه أخرى جائزة فأذكرها سريعم إن شاء الله تبارك وتعالى. أنا ذكرتها إجمالاً يعني لكن أذكر شرح كلام المصنف سريعاً: إذا تكررت لا مع النكرة جاز في النكرة الأولى الفتح والرفع، الأولى لا حول تقول الفتح لا حول، الرفع لا حول، يبقى لا حول بفتحة واحدة هذا فتح، الرفع بضمتين لا حول، لا يقال الضم إنما قال هنا الرفع. قال: فإن فتحت فلك في الثانية ثلاثة أوجه. إن فتحت فقلت لا حولَ، لك في الثانية ثلاثة أوجه: الفتح والنصب والرفع، تقول: لا حول ولا قوةَ، هذا فتح، لا حول ولا قوةً، هذا نصب، لا حول ولا قوةٌ، هذا رفع. يجوز هذا ويجوز هذا ويجوز هذا. طب خلاصة يعني ما الإعراب في مثل هذا؟ لماذا جاز هذا وجاز هذا وجاز هذا؟ خلاص لا حول على كل الاقوال أنت لا حول ستفتح في المواضع الثلاثة، لا وهذا اسمها اسمه اسم لا نافية الجنس مبني على الفتح، طب إذا فتحت في الثاني فالإعراب هو: لا نافية للجنس واسمها لا حول ولا قوةَ. طبعا الخبر محذوف يعني ك كما في لا إله إلا الله وغير ذلك معروف يعني.

طيب لماذا تنصب لا حول ولا قوةً؟ يقولون: قوةً معطوف على موضع اسم لا، لو كنت تذكر لا حول؛ حول اسم لا نافية الجنس مبني على الفتح في محل نصب، هو مبني على الفتح في محل نصب إذن محله النصب، يجوز أن أعطف عليه بالنصب فيبقى لا حول ولا قوةً، ولا زائدة ولا لا حول لا واسمها وهي نافية للجنس واسمها مبني ولا قوةً الواو عاطفة ولا زائدة لتاكيد النفي وقوة معطوف على محل اسم لا. طب لا حول ولا قوةٌ؟ لماذا الرفع؟ هذا فيه أوجه كثيرة، أما أن يقال: قوةٌ اسم لا التي تعمل عمل ليس كما سبق. ومن يقال: قوةٌ مبتدأ. طب لماذا جاز أن يبتدأ بها وهي نكرة؟ لأنها منفية. وهناك قول ثالث: أن قوة هذه قوةٌ بالرفع معطوف على محل لا مع اسمها ومحلها الابتداء، لماذا؟ لأن هذه النواسخ جميعاً تدخل على المبتدا والخبر، فقبل دخولها يكون الاسم مرفوعاً. قال: وإن رفعت فلك في الثانية وجهان: الرفع والفتح. إن رفعت الأول فقلت لا حولُ، فلك في الثانية وجهان الرفع: تقول لا حول ولا قوةٌ، والفتح: لا حول ولا قوةَ، ويمتنع النصب. لماذا؟ لأنك ستنصب على المحل في الأول، كنت تنصب على المحل إذا قلت لا حول، فلا محل هنا للنصب. قال: فحصَّل أنه يجوز فتح الاسمين، هذه خمسة أوجه تجوز: يجوز فتح الاسمين، هذا الأول: لا حول ولا قوةَ إلا بالله. ورفعهما، هذا الثاني: لا حولُ ولا قوةٌ إلا بالله. وفتح الأول ورفع الثاني، هذا الثالث: لا حولَ ولا قوةٌ إلا بالله. وعكسه، عكسه فتح رفع الأول وفتح الثاني، وهذا الرابع: قل لا حولُ ولا قوةَ إلا بالله. وفتح الأول ونصب الثاني، هذا هو الخامس تقول: لا حولَ ولا قوةً إلا بالله. فهذه خمسة أوجه في مجموع التركيب.

قال: فإن لم تتكرر لا، إذا قلت لا حولَ وقوةً، أو لا حولَ وقوةٍ، نعم، إذا قلت تقول لا حول وقوةً أم تقول لا حول وقوةٍ أم تقول لا حول وقوةْ؟ هذا هو هو الذي يريده، فتقول لا حول وقوةً أو لا حول وقوةٍ. قال: فإن لم تتكرر لا مع النكرة الثانية لم يجوز في الأولى الرفع ولا في الثانية الفتح، ولا في الثانية الفتح، بل تقول لا حول وقوةً أو وقوةً بفتح حول لا غير ونصب قوة أو رفعها. هنا في النسخة عندي لا حول وقوة، إنما هي لا حول وقوةً، لا حول وقوةً بالنصب لا بالفتح، الذي عنده فتحة واحدة يجعلها فتحتين: لا حول وقوةً أو وقوةٍ. فان لم تتكرر لا تقول لا حول وقوة مع النكرة الثانية لم يجوز في الأولى الرفع، يعني لا تقول لا حولُ، إنما هي لا حولَ فقط. ولا في الثانية الفتح فتقول: لا حول وقوةً بالنصب أو قوةٍ بالرفع، فيمتنع الفتح. قال: بفتح حول لا غير ونصب قوة أو نصب قوة ورفعها، فهذا سائغ وهذا سائغ تقول ونصب قوة وقوة على حكاية الكلام وقوة على الإعراب مضاف إليه. قال الشاعر:

فلا أب وابناً مثل مروان وابنه

قال: ويجوز فلا أبى وابن فلا أبى، لم يقل ولا ابن جاء بالواو دون لا لم يكرر لا، إذاً فيسغ شغله أن يقول فلا أبى فقط فقال فلا أبى، ويسغله أن يقول وابناً وابن فقال وابناً. ويسوغ في غيره أن يقال: فلا أبى وابن مثل مروان وابنه.

وقال: وإن كان اسم لا مفرداً ونعت بمفرد ولم يفصل بينهما فاصل مثل لا رجلَ ظريفٌ في الدار، جاز في الصفة الرفع على موضع لا مع اسمها. لا رجلَ ظريفٌ في الدار، ظريفٌ لماذا مع أن هذا نعت، كيف تقول لا رجلَ ظريفٌ وتقول ظريفٌ بالرفع نعت لرجل لا بالفتح؟ يقال: هذا نعت على موضع لا مع اسمها فإنهما في موضع الابتداء، وهذا قول بعض العلماء، وموضع الابتداء الرفع. والنصب على موضع اسملا، يعني لا رجلَ ظريفاَ في الدار، لماذا

نصب على محل اسم لا، فإن موضعه نصب بلا العاملة عمل إن. والفتح، يعني جاز لك في هذه الصفة الفتح أيضًا، على تقدير أنك ركبت الصفة مع الموصوف كتركيب خمسة عشر، ثم أدخلت لا عليهما، فتقول: لا رجل ظريفا، في الدر هذا تركيب كأنك قلت رجل ظريفة خمسة عشر، هكذا يقولون، وأدخلت لا فقلت: لا رجل ظريف.

كل هذا إذا كانت الصفة بعد الموصوف. قال: فإن فصل بينهما فاصل أو كانت الصفة غير مفردة، ليست مفردة يعني بأن كانت مضافة أو شبيهة بالمضاف، جاز الرفع والنصب وامتنع الفتح. لماذا يمتنع الفتح؟ هو الذي يمتنع هو الفتح، لماذا؟ لامتناع التركيب فقط. لامتناع التركيب بسبب الفصل أو بسبب الإضافَة، فلا تركب هذه الأشياء. قال: فالأول نحو لا رجل في الدار ظريف وظريفا، يمتنع الفتح هاه. والثاني نحو لا رجل طالعا جبلا وطالعا جبلا هذا وهذا.

كل هذه المسائل هي صور لمسائل لا تتكرر كثيرا، لا تتكرر كثيرا ولا تكاد تجد لها شواهد، إنما شواهد فقط في لا حول ولا قوة إلا بالله، ونحو ذلك مما ورد في كتاب الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197]، لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، ويجوز لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة، هذه قراءة.

وكانك تلحظ أنها جاءت في قراءتنا فيما نقرا به في مشهور قراءتنا، وأظن أن الجميع يقرؤون رواية حفص، جاءت هكذا وجاءت هكذا، يعني فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وفي الآية الأخرى لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة بالرفع.

فهذا يعني المتأمل للقراءات يعني الروايات التي يقرأ بها، يجد حفصا يعني يصنع هذا كثيرا، هو طبعا لا يقرأ من عنده وإنما هو إمام وكان له شيوخ كثيرون، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في أكثر من مرة هكذا أنزلت وهكذا أنزلت، فكانه قرأ على أئمة كثيرين، والعالم له اختيار مما أنزل الله تبارك وتعالى. هذا يعني يتضح أحيانا، يأتي ببعض الأشياء التي لم يأت بها إلا في موضع واحد.

فهذا يعني يحتاج إلى تأمل كبير، تأملته في بعض المواضع، وضح عندي شيء من ذلك من هذا أنه مثلا أتي بالإمالة مرة مجريها ومرساها، أتى بضم الهاء بإشباع الهاء مرة في سورة الفرقان: ﴿وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 69] بضم الهاء مرة، ومن أوفى بما عاهد عليه الله، أو مرتين: ﴿وَمَا أَنسَانِيهِ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [الكهف: 63]، جاء متم ومتم جاء بالكسر مرة وبالضم مرة: ﴿فَإِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [آل عمران: 158]، ﴿فَإِذَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ [مريم: 67] فضم مرة وفي غير ذلك بالكسر.

كذلك هنا جاء بالرفع مرة وبالفتح مرة، وكل هذا كما قال عليه الصلاه والسلام هكذا أنزلت وهكذا أنزلت، فالقرآن محفوظ بحفظ الله تبارك وتعالى، والعلماء كما هو معلوم في قراءتهم الذي يقرأ على عدة أشياخ يختار من قراءتهم، ويقولون أحيانا مثلا يقولون: كان هذا آخر القراءتين لفلان اختار قراءة فلان، كيف يختار؟ هو لا يختار من عند نفسه، إنما قرأها بهذه على شيوخه وقرا بهذه على شيوخه. تجدون هذا في موضع في سورة الأعراف المعروف في قراءة شعبه: بعذاب بئيس لهم، كلام في هذا معروف.

قال المصنف رحمه الله تعالى: الثالث ظن ورای وحسب ودری وخال وزعم ووجد وعلم القلبيات. النسخة عندي ولعله في بعض النسخ عندكم: والقلبيات لا. القلبيات القلبيات هذا نعت لهذه الأفعال، يعني الثالث هذه الأفعال القلبيات. القلبيات نعت لهذه الأفعال أما والقلبيات الواو هذه لا موضع لها، الأولى من هذا أن تحذف هذه الكلمه أصلا، يعني تحذف كلمة القلبيات، إنما يقال ظن وأخواتها، والعلم عند الله تبارك وتعالى، يعني لبعض العلل لكن لا أطيل بها.

قال: فتنصبهما مفعولين، نحو: «رايت الله أكبر كل شيء»، رايت الله أكبر كل شيء. قال: ويلغين برجحان إن تأخرنا، نحو: القوم في أثر ظننت، وبمساواه إن توسطنا، نحو: وفي الأراجيز خلت اللؤم والخور، وإن وليهن في النسخة عندي وإنن لا هذا خطا وإنن، إن شرطية، وإن النافية، أو لام الابتداء، أو القسم، أو الاستفهام، بطل عملهن في اللفظ وجوبا، وسمي ذلك تعليقا، نحو: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ [الكهف: 12].

قال الباب الثالث من النواسخ: ما ينصب المبتدا والخبر معا، هذا آخر باب عند المصنف، لأنه قال في الأول نواسخ ثلاثة أبواب، قال كان وأخواتها وإن وأخواتها وظن وأخواتها. كان وأخواتها يلحق بها ملحق جرير وأخواتها، إن وأخواتها يلحق لا النافية للجنس، وكل هذا سبق. هذا هو الباب الثالث ظن وأخواتها، هناك شيء يلحق بهذا، وسبعة أفعال تنصب ثلاثة مفاعيل لم يأت بها هنا المصنف ولم يتكلم عنها في هذا الكتاب. فبهذا الباب عندما ينتهي إن شاء الله تبارك وتعالى، يكون المصنف قد انتهى من النواسخ.

قال: ما ينصب المبتدا والخبر جميعا أو معنى. يبقى إذا كان وأخواتها وما وأخواتها هذه ترفع المبتدا وتنصب الخبر، إن وكذلك لا تنصب المبتدا وتررفع الخبر، هذه الأفعال تنصب المبتدا وتنصب الخبر. طب في الأول ك نقول اسم كان وخبر كان، اسم إن وخبر إن، وهكذا الباقي هنا يا إخوان لا مفعول به أول، مفعول به ثاني.

قال: وهو أفعال القلوب، والأصح أن يقال هو ظن وأخواتها. يعني لأن بعضها يعني قد يقال له ليس من أفعال القلوب ولبعض العلل الأخرى. قال: وهو ظن، نحو: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: 102]. أظنك، أظن هذا فعل مضارع مرفوع بالضمة، والكاف مفعول به أول، طب أين الفاعل؟ أظنك أنا، وإني لأظنك يعني هذا قول موسى عليه السلام، فالفاعل ضمير مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به أول، ومثبورا يعني هالكا، هذا مفعول به ثاني.

مفعول به ثاني، يبقى إذا تنصب مفعولا به أو تنصب المفعولين، الأول منهما مفعول أول والثاني مفعول ثاني. وأحيانا قد يتقدم الثاني على الأول، لكن هي تنصب مفعولين، فالمبتدا يكون مفعولا أول، والخبر يكون مفعولا ثانيا.

وكذلك فقال الملأ الذين كفروا من قومه: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا من فَضْلٍ بَل نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: 27]. بل نظنكم كاذبين، نظن نحن والكاف مفعول به أول، وكاذبين مفعول به ثاني. وأحيانا تاتي إن أو أن تسد مسد المفعولين، هذا يأتي كثيرا: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾ [المطففين: 4-5]. وقال هنا إن واسمها وخبرها سدت مسد المفعولين، لا يحتاج الكلام إلى مفعولين. وظن ما ظننتم أن يخرجوا، وقالوا هذا المصدر أن وما بعده، يعني ما ظننتم خروجهم كائنا سد مسد المفعولين، وقيل بل هذا المصدر مفعول أول، والثاني محذوف، يعني ما ظننتم خروجهم حاصلا أو واقعا.

هنا يظهر عندما يظهر النصب، يظهر هذا الكلام، طب عندما لا يظهر في مثل هذا: يظن أولئك أنهم مبوثون، يقال هذا سد مسد مفعولي أو قام مقام مفعولي ظن.

قال وراى قال وراى نحو: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]، وقول الشاعر يعني نحو قول الشاعر: رايت الله أكبر كل شيء. رأى هذه أحيانا تاتي بصرية بمعنى رؤية النظر، فإذا كانت هكذا فإنها تنصب مفعولا واحدا. طب ما الذي يريد هنا؟ لا يريد رأى التي تسمى رأى العلمية، أو كما يقولون رأى القلبية، والعلمية أدق، فرأى العلمية التي بمعنى علم أو بمعنى ظن أحيانا، هذه تنصب مفعولين.

وهنا: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا﴾ يرونه بعيدا، اما أنهم يعتقدونه بعيدا أو يظنونه بعيدا، وقد كان كل ذلك واقعا منه، فبعضهم كان يظن أن ظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين، بعضهم كان يجزم بعدم وجود البعث وعدم مجيء يوم القيامة. أنهم يرونه بعيدا، أين المفعول الأول؟ الهاء، وأين الثاني؟ بعيدا. وكذلك: ﴿وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ الهاء وقريبا، وأين الفاعل فيهما؟ يرونه واو الجماعة فاعل، ونراه الفاعل هنا نحن. فإذا لابد أن تنظر إلى فعل وإلى فاعل وإلى مفعول به أول وإلى مفعول به ثاني.

وكذلك قول الشاعر: رايت الله أكبر كل شيء، هذا ليست رؤية بصرية، إنما هي علمية، يعني علمت الله أكبر كل شيء، علمت أن الله سبحانه وتعالى أكبر كل شيء. قال: رايت الله أكبر كل شيء محاولة وأكثرهم جنودا، وكانه يريد أكبر كل شيء محاولة، يريد قوة يعني سبحانه وتعالى.

رايت الله أكبر كل شيء، رايت فعل وفاعل، التاء هنا فاعل، الله اسم الله منصوب على مفعول به أول، وأكبر منصوب على أنه مفعول به ثاني.

قال: وحسب، نحو: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم﴾ [النور: 11]، يقال فيه حسب يحسب وحسب يحسب، وقرئ بالوجهين في كتاب الله تعالى: لا تحسبوه ولا تحسبوه. لا تحسبوه، أين الفعل؟ تحسب. وأين الفاعل؟ واو الجماعة. وأين المفعول الأول؟ تحسبوه هو، هذه الهاء هي المفعول الأول. أين المفعول الثاني؟ شرا. ومثله: وتحسبونه، هي، ومثله: يحسبه الضمان ماء، وهنا تقدم المفعول الأول على الفاعل، يحسبه الهاء مفعول أول، والضمان فاعل، وماء مفعول به ثاني.

ودرى، كقوله: دريت الوفي العهد يا عروة فاغتبط فإن اغتباطا بالوفاء حميد. درى هذه يعني لا يحضرني فيها شاهد في كتاب الله تعالى ينصب المفعولين هكذا، يعني تدري وبعد ذلك مفعول به أول ومفعول به ثاني لا يحضرني هذا، إنما الذي يحضرني أنها معلقة، والتعليق سياتي كلام فيه إن شاء الله تعالى، لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، إن كانوا قد اختلفوا هل هناك تعليق بلعل ما يذكره المصنف؟ وما يدريك لعله يتزكى. نعم، أما مثلا درى كذا كذا فيها فاعل وبعد ذلك مفعول به أول وذلك مفعول به ثاني، لا أعلم له شيئا في كتاب الله تعالى.

قال: دريت الوفي العهد الشاهد فيه دريت الوفي، دريت التاء هذه نائب عن الفاعل، ونائب الفاعل في الأصل مفعول به كما سياتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى في باب النائب عن الفاعل، ربما ياتي في الدرس القادم أو في الذي بعده إن شاء الله تعالى. الوفي هذا مفعول به ثاني.

وخال، خال بمعنى زعم وحسب أو ظن أو ما أشبه ذلك تاتي معك، ولا أعلم لها شاهدا في كتاب الله سبحانه. قال: كقوله أي كقول الشاعر: يخال به راعي الحموله طائرا، يخال يعني يظن، يظن به في هذا المكان راعي الحمولة طائرا، الراعي يسمى طائرا لأنه في مكان عالي، لأن اصل الكلام وحلت بيوتي في يفاع ممنع، يقال به راعي الحموله طائرا، يعني هذا البيت أو هذه البيوت التي له ولقبيلته أو لأهله في مكان عال مرتفع من الأرض، فيقال به راعي الحموله طراعي الذي يرعى الإبل، الذي يراه من تحت يظنه طائرا لعلوه، يعني هذا مدح في نفسه وعلوه وعلو قومه.

الشاهد فيه: يخال به راعي الحموله طائرا، يخال به راعي، راعي هذا مفعول به أول لأنه أو هو في الأصل نائب عن الفاعل والنائب عن الفاعل مفعول، وهذا مفعول به أول، وطائرا مفعول به ثاني.

وزعم، كقولي: زعمتني شيخا ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيبا. زعمتني شيخا، يعني كان يظن نفسه فتى، فقالت له مثلا يا عمي أو يا شيخ أو شبه ذلك، فحزن وهذا معلوم، فقال: زعمتني شيخا ولست بشيخ إنما الشيخ من يدب دبيب، أما أنا فشاب وكم يدعي الشيخ الشباب، قال: زعمتني شيخا، زعم هذا فعل والتاء والفاعل هي تاء الرفع التي تسمى تاء الفاعل، والنون للوقاية والياء هذا هذه ياء المتكلم وهي مفعول به أول، وشيخا مفعول به ثاني.

طب قل زعم جاءت في كتاب الله تعالى؟ نعم، لكن الذي يحضر من الشواهد أنه يأتي بعدها أن: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7]، ﴿الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 22]، ومن نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء، فزعم أن وزعم أن على ما سبق بيانه، أن وما بعدها سدت مسد المفعولين، أو هو مفعول به أول والثاني محذوف، فهذا وذلك.

قال: ووجد، كقوله تعالى: ﴿تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: 20]. تجدوه عند الله هو خيَرا وعظما، تجدوه تجدون هذا فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، أصله تجدونه، اصبحت تجدوه. وأين فاعله؟ واو الجماعة. وأين مفعول الأول؟ الهاء تجدوه، طب أين مفعول الثاني؟ خيرا، تجده عند الله، الجر الظرف هنا متعلق بتجده، وهو هذا ضمير فصل، وخيرا هو المفعول الثاني. ومثله أيضا: ووجد الله عنده فهو فوق حسابه، ومثله: «إنا وجدناه صابرا»، وجدناه نا فاعل والهاء مفعول به أول وصابرا مفعول به ثاني.

قال: وعلم، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: 10]. علمتموهن هذه كلمة كبيرة، فيها كم كلمة إذا يعني حاولنا أن نفككها بما درسناه قبل ذلك؟ الكلمة اسم وفعل وحرف، علم إلى هنا فقط هذا هو الفعل علم، طبعا سكن وعلم فعل ماض مبني على الفتح في الأصل هنا سكن لاتصاله بضمير الرفع المتحرك كما درستم قبل ذلك.

الفعل الماضي يبنى على الضم إذا اتصل بواو الجماعة، ويبنى على السكون إذا اتصل بضمير الرفع المتحرك كتاء الفاعل ونون الرفع ونا، ويبنى على الفتح فيما عدا ذلك، هذا علم، التاء علمتموهن، هذه التاء هي تاء الرفع، وفيها ميم هذه علامة جمع، علامة للجمع علمتم. وبعدها واو هذا حرف اسمه حرف إشباع، اصل الكلام علمتموهن علمتموهن اصعب علمتموهن، هذا الإشباع سهل نطق الكلمة، وبعد ذلك هن هذا مفعول به أول مفعول به أول، ومؤمنات.

منصوب بالكسرة، فهو مفعول به ثانٍ.

ومثل هذا قول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، ورضي الله عن هؤلاء الكرام عمر وعن ابن عمر والزبير وعن ابن الزبير وعن الصحابة أجمعين. قال له لما رآه مصلوبًا بعد أن صلبه الحجاج: «لقد علمتك صوامًا قوامًا وصولًا للرحم»، علمتك الكاف مفعول به أول، صوامًا مفعول به ثانٍ.

فهذه خلاصة الكلام في هذه الأفعال التي ذكرها المصنف، وهناك أفعال أخرى لم يذكرها. بقي شيئان يتعلقان بهذا الباب، وهما الإلغاء والتعليق، وسيكون الكلام فيهما بإذن الله تعالى في أول الدرس القادم. سبحان الله، قُدِّر في كل مرة أن يُترك شيء لدرس قادم بإذن الله تبارك وتعالى.

أبدأ الدرس القادم من خلاصة من آخر هذا الباب والكلام على الإلغاء والتعليق، وهاتان مسألتان تتعلقان بظن وأخواتها، وبعد ذلك إن شاء الله يكون البدء في الفاعل ونائب الفاعل في بدء آخر هذا.

وصل اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.