الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم انك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل بيته وذريته كما باركت على آل إبراهيم انك حميد مجيد.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يا ايها الناس قد جاءتكم موعظه من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمه للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا وهو خير مما يجمعون﴾ [يونس: 57-58]. عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من الانبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة».
فالقرآن العظيم آية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الهدى والنور وهو التبيان والفرقان، وهو بصائر الله تبارك وتعالى الذي يهدي به من يشاء ممن هداهم إليه، فهو يهدينا إلى كتابه ويهدينا بكتابه. والعلم بكتاب الله هو أعلى العلم وأصل العلم وأنفعه وأحسنه. وفي ذلك بين الشافعي رحمه الله في مقدمة كتابه الذي أسس فيه للعلم بالقرآن العظيم والعلم بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل في مقدمة كتابه هذه الدرة التي أحب كثيراً أن أذكر بها كل مسلم عموماً وكل طالب علم خصوصاً.
قال رحمه الله: فكل ما أنزل الله في كتابه جل ثناؤه رحمة وحجة، علمه من علمه وجهله من جهله، لا يعلم من جهله ولا يجهل من علمه. يعني أن من علم كتاب الله لا يضره ما جهله بعد، ومن جهل كتاب الله فأي علم ينفعه وقد جهل هدى الله الذي يبين له كيف يعيش مهتدياً في حياته الدنيا، وكيف يعمل بنور الله تبارك وتعالى. ثم قال: والناس في العلم طبقات، موقعهم من العلم بقدر درجاتهم في العلم به؛ يعني بالقرآن. فحق على طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من علمه، والصبر على كل عارض دون طلبه، وإخلاص النية لله في استدراك علمه نصاً واستنباطاً، والرغبة إلى الله في العون عليه، فانه لا يدرك خير إلا بعونه.
فإن من ادرك علم أحكام الله في كتابه نصاً واستدلالاً، ووفقه الله للقول والعمل بما علم منه، فاز بالفضيلة في دينه ودنياه وانتفت عنه الريب ونوضت في قلبه الحكمة واستوجب في الدين موضع الإمامة. والشافعي رحمه الله إذ يبين هذا الأصل، فإنه في أول مسألة اعتنى بها في كتابه، بين أن مفتاح العلم بكتاب الله في أمرین: في العلم باللسان الذي نزل به، وبالعلم بهدي النبي الذي بين هذا العلم صلى الله عليه وسلم، وجعل أول مسألة فصل فيها بياناً أن القرآن جميعه نزل بلسان عربي مبين.
ثم ذكر ما جاء في القرآن من الألفاظ التي يتكلم بها بعض ألسنة العجم، ثم انتهى إلى أن جميع ما في كتاب الله تبارك وتعالى بلسان عربي مبين، كما ذكر الله تبارك وتعالى ذلك في كتابه في مثل قوله: ﴿انا انزلناه قرانا عربيا لعلكم تعقلون﴾ [يوسف: 2]، وفي قوله: ﴿وكذلك انزلناه قرانا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا﴾ [طه: 113]، وفي قوله: ﴿قرانا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾ [الزمر: 28]، وفي قول الله تبارك وتعالى: ﴿كتاب فصلت اياته قرانا عربيا لقوم يعلمون﴾ [فصلت: 3].
وكذلك في نفي الله تبارك وتعالى أن يكون بلسان العجم، فقال: ﴿ولقد نعلم انهم يقولون انما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون اليه اعجمي وهذا لسان عربي مبين﴾ [النحل: 103]، وقال: ﴿ولو جعلناه قرانا اعجميا لقالوا لولا فصلت اياته أاعجمي وعربي قل هو للذين امنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في اذانهم وقر وهو عليهم عمى﴾ [فصلت: 44]. فلما بين رحمه الله -وهذا هو الذي أريد أن تنتبه له قبل الدخول في دروس عن علم العربية، أن تعلم منزلة العلم حتى تصبر عليه- قال رحمه الله: فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بلغه جهده، ثم فصل في ذلك.
ثم قال: وما ازداد من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيراً له، كما عليه يتعلم الصلاة والذكر فيها، ويأتي البيت، وما أمر بإتيانه، ويتموجه لما وجه له، ويكون تبعا إلى آخره. ثم قال -وهذا مهم جداً-: وانما بدات بما وصفت من أن القرآن نزل بلسان العرب دون غيره، لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحد جهل سعة لسان العرب وكثره وجوهه وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانها، فكان تنبيه العامة على أن القرآن نزل بلسان العرب خاصة نصيحة للمسلمين، والنصيحة لهم فرض لا ينبغي تركه، وإدراك نافلة خير لا يدعها إلا من سفه نفسه وترك موضع حظه، وكان يجمع مع النصيحة لهم قياماً بإيضاح الحق، وكان القيام بالحق ونصيحة المسلمين من طاعة الله، وطاعة الله جامعة لكل خير.
ثم أسند حديث: «الدين النصيحة»، وكذلك حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه حيث يقول: «بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم». في الواقع هذه المقدمة مقدمة جليلة؛ لأنها تبين أن أعلى ما يعيش له الإنسان طالباً علمه هو علم كتاب الله تبارك وتعالى، وعلم كتاب الله تبارك وتعالى مفتاحه العلم بلسان العرب الذي نزل به القرآن والذي تكلم به النبي صلى الله عليه وسلم، فرسول الله عربي الدار واللسان. فنحن الآن سنفتتح بهذه الآيات، ثم بعد ذلك يكون لي كلمة موجزة جداً عن كتاب قطر الندى وعن شرحه، ثم يدخل الشيخ عبد التواب محمد حفظه الله وبارك الله فيه، وهو من أحب من تدارست معهم العلم، وهو معي تقريبا قبل 18 عاماً، وتدارسنا كتباً في العربية وكنت أفيد منه كثيراً جداً فيها. فندعو الله تبارك وتعالى أن يجعلها فاتحة خير في العلم بكتابه، والعلم بما لا يتم العلم بكتابه إلا به، فنستمع إن شاء الله إلى الآن من آيات بينات ثم نبدا. تفضل يا ر.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وانه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الامين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين * وانه لفي زبر الاولين * اولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني اسرائيل * ولو نزلناه على بعض الاعجمين * فقراه عليهم ما كانوا به مؤمنين * كذلك سلكناه في قلوب المجرمين * لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم * فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون * فيقولون هل نحن منظرون * أفبعذابنا يستعجلون * أفرايت ان متعناهم سنين * ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون * وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون * ذكرى وما كنا ظالمين * وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعون * إنهم عن السمع لمعزولون * فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين * وانذر عشيرتك الاقربين * واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين * فإن عصوك فقل إنني بريء مما تعملون * وتوكل على العزيز الرحيم * الذي يراك حين تقوم * وتقلبك في الساجدين * انه هو السميع العليم﴾ [الششعراء: 192-220].
بارك الله فيك يا عمر، ما شاء الله. نحمد الله سبحانه وتعالى الذي معنا دائماً على كتابه وعلى هدى رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى العلم بما لا يتم العلم بهداه إلا به، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقعد قوم يذكرون الله إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». فندعو الله تبارك وتعالى أن ينشر لنا من رحمته وأن يفتح علينا من بركاته.
ولا أريد أن أطيل بالمقدمة قبل أن يبدأ الشيخ عبد التواب حفظه الله، ولكني اردت أن أنبه طلبة العلم الذين أحبهم كثيراً وأنصحهم بما أرى أنه واجباً؛ واجب علي أن أنصحهم. طالب العلم العاقل الموفق هو الذي يتعلم ما يحتاجه، ليس الذي يتعلم ما يشتهيه، كثير من الشباب الذين أحبوا طلب العلم والفقه في الدين، كثير منهم يكسل عن تعلم علوم هي أساسية يحتاجها لمجرد أنه لا يشتهيها أو يجدها صعبة، لكن العاقل هو الذي إذا طلب أمراً طلب ما لا يتم إلا به. وأي إنسان يتوهم أنه يمكن أن يتعلم كتاب الله أو حديث رسوله صلى الله عليه وسلم أو ما كان عليه الصحابة الكرام دون أن يتعلم اللسان الذي تكلموا به فهو واهم، بل كلما ازداد علماً باللسان ازداد علماً بهذه الثلاثة، وكلما قل علمه كلما ظهر نقصه.
فأرجو من الله تبارك وتعالى أن يلتزم الطلبة والطالبات بهذه الدروس، والتي ستكون فاتحة خير إن شاء الله ننفذ منها إلى أثر العربية على العلم بكتاب الله وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكون لنا إن شاء الله تبارك وتعالى مدارسة مع كتاب مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. ولا يصح أبداً أن يلتحق بنا طالب وهو لم يتعلم الحد الأدنى من النحو؛ يتعلم الكلمة وأقسامها، ومما يتألف الكلام، ويتعلم أنواع الإعراب، والنكرة والمعرفة، والمبتدأ والخبر، والنواسخ وكان وأخواتها وإن وأخواتها وظن وأخواتها، الفاعل، نائب الفاعل، الاشتغال، التنازع، المفعول به، التمييز، العدد، والتوابع كالنعت والتوكيد؛ يعني هذه أبجديات عربية. فكيف يمكن أن نتكلم عن إعراب آيات القرآن العظيم والطالب الذي يلتحق بنا ربما لا يعرف هذه المبادئ؟
فالشيخ عبد التواب حفظه الله وبارك الله فيه -وقد كنت التقيت به في مكان مبارك، ويعني اقترحت عليه أن أتدارس مع إخوانه من طلبة العلم هذا الكتاب الذي أحبه كثيراً وقد تدرسناه سوياً قبل سنوات طويلة، لا أدري كم، يمكن قبل عشر سنوات أظن- انتفعت منه كثيراً جداً جداً في مدارسة هذا الكتاب بحمد الله وما أزال انتفع منه في هذا العلم وفي غيره، فأحببت أن أتدارس مع إخواني هذا الكتاب، ويكون الدروس يومية، كل يوم تقريبا ساعة ونصف إن شاء الله. وإن شاء الله ربما بعض الإخوة ينشط لعمل أسئلة وأجوبة وتدريبات حتى نثري هذا الكتاب، وحتى نحاول أن نتقن هذا الكتاب.
ويكون في نيتك أن تشرح هذا الكتاب لمن حولك ونحاول أن نعمم هذا الخير، فإنما الأعمال بالنيات، ويعظم العمل بقدر سعة النية. فمن جلس لهذا الكتاب وهو ينوي أن يعلمه يوماً ما سحرص على تقييد فائدة، وعلى حل كل تدريب، وعلى الاكثار من الأمثله. كنت أريد أن أتكلم عن كتاب ابن هشام وعن كتابه حتى أحفز الطلبة على تراث هذا العالم الكبير، ولكن لا أريد أن نطيل في البدايات، وربما يكون لنا ذلك إن شاء الله في كتاب مغني اللبيب.
فاترك الكلمه لأخي وحبيبي الشيخ عبد التواب حفظه الله، وأدعو الله تبارك وتعالى أن يفتح عليه بركات من فضله، أن ينشر له من رحمته، وأن يجعل جمعنا هذا تواصل صدق بالحق والصبر. والحمد لله رب العالمين، تفضل يا شيخ عبد التواب.
بسم الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إن الحمد لله تعالى نحمده ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله تعالى فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد، فإني شاكر غاية الشكر لله تبارك وتعالى أولاً، ثم لشيخي وحبيبي عمر شيخ حسين حفظه الله تبارك وتعالى وبارك فيه ونفع به الإسلام والمسلمين وجعله مباركاً أينما كان.
ثم إني شاكر لكم إخواني جميعاً، وأسأل الله تبارك وتعالى أن ينفعني وإياكم بهذا الكتاب الذي نحاول أن ندرسه معاً، وقبل ذلك أن ينفعنا بكتاب الله تبارك وتعالى وبسنة رسوله صلى الله عليه واله وسلم؛ فإنما نتدارس هذا الكتاب وغيره من الكتب إمعاناً في مدارسة كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلى الله عليه واله وسلم، فهذا شيء من تعلم كتاب الله وسنة رسوله هذا قسم منه. ولاسيما لا ينقسم العلم إلى علم في العربية مثلاً، علم للشريعة؛ علم العربية جزء من علوم الشريعة. ولا أريد أن أقدم مقدمات طويلة فقد كفاني ذلك الشيخ حسين حفظه الله تعالى وبارك فيه وزاد على ما كنت أبغي وارجو وأطلب جزاه الله خيراً.
فهذا الكتاب الذي بين أيديكم هو كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري رحمه الله تعالى عليه، وهو أحد كتبه التي خصصها في هذا الفن، وله كتب أخرى هي أقل منه، وكتب أخرى هي أعلى منه، ويمكن للمتدرج في هذا العلم أن يتدرج على كتبه وهي تكفيه كفاية كبيرة جداً إن كان كما تعلمون لا يغني كتاب عن كتاب. وأترك هذه التفصيلات لشيخنا عندما يشرع بإذن الله تبارك وتعالى في شرح مغني اللبيب أو في غيره.
وأدخل دون مقدمات فتكفي مقدمات شيخنا إلى الكتاب بإذن الله تبارك وتعالى، مستعيناً به متوكلاً عليه، وأوصي نفسي وإخواني جميعاً بالإخلاص لله تبارك وتعالى: ﴿وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5]، وبمتابعة رسولنا صلى الله عليه واله وسلم: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾ [آل عمران: 31]، ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعباده ربه أحدا﴾ [الكهف: 110]. فنحن نرجو لقاء ربنا تبارك وتعالى، ونرجو أن يدخلنا ربنا جنات النعيم، فنحاول جاهدين الإخلاص لله رب العالمين ومتابعة نبينا صلى الله عليه واله وسلم حتى.
نحشر معه صلى الله عليه واله عليه وسلم، وأوصيكم ونفسي كذلك بتقوى الله تبارك وتعالى، فهي مفتاح كل خير: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3]، كذلك: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً﴾ [الطلاق: 4]، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً﴾ [الطلاق: 5]، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: 29].
هي وصية الله تبارك وتعالى لنا ولاهل الكتاب من قبلنا، ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله. وكذلك وهو ما أوصي به قبل البدء في الكتاب، والوصايا كانت كثيرة ولكن لا أريد الإطالة، أوصي نفسي وإياكم بالدعاء لله تبارك وتعالى كثيرا لكثرة الدعاء وتحقق الإجابة، فالدعاء سهم عظيم يصيب هدفه لا محالة. وتعلمون أن ورد في بعض الأحاديث التي صححها جماعة من العلماء أن الذي يدعو بخير لا يدعو بإثم ولا قطيعة رحم فإن الله تبارك وتعالى يعطيه إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته ويستجيبها له في الدنيا، وإما أن يدخرها له عنده يوم القيامة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.
فسهم الدعاء سهم صائب لا يخيب أبدا، ومما أدعو وتدعون به إن شاء الله تبارك وتعالى أن ييسر علي وعليكم هذا العلم وعلوم العربية التي تخدم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم من النحو والصرف والبلاغة وعلوم متن اللغة بالمترادفات وما أشبه ذلك إلى آخر هذه السير. وكذلك ندعو الله تبارك وتعالى أن ييسر لنا سائر علوم الشريعة لنفوز بخشية الله تبارك وتعالى، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. فالعلماء هم أشد الناس خشية لله تبارك وتعالى، وأهل الخشية هم خير البرية.
كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ﴾ [البينة: 7-8]. فخير البرية من يخشى الله تبارك وتعالى، وأكثر الناس خشية لله تبارك وتعالى هم العلماء.
قال الشيخ الإمام العالم العلامة جمال المتصدرين وتاج القراء تذكرة أبي عمر وسيبويه والفراء، أبو محمد عبد الله بن يوسف بن عبد الله بن هشام الأنصاري فسح الله في قبره. هذه المقدمة أو المقدمة بكسر الدال وفتحها هذه هي ليست من كلام الشيخ قطعا إن شاء الله تعالى، إنما هي من كلام الناسخ الذي كان ينسخ هذا الكتاب في حياة الشيخ أو بعده، وهذا معروف يعني حتى لا يقول قائل كيف يقول الشيخ عن نفسه هذا الكلام وكيف يثني على نفسه هذا الثناء، هذا من النساخ فيما بعد. وقال جمال المتصدرين لا لعل والله أعلم أراد بذلك لأن لقب الشيخ جمال الدين ففيه براعة استهلال.
وقال تذكرة أبي عمر يعني كان هذا الإمام ابن هشام كما سترون إن شاء الله تبارك وتعالى وكما يعلم ذلك من قرأ كتبه، وسنتشرف جميعا وأنا أولكم بدراسة كتاب مغني اللبيب على شيخنا أبي عمر بإذن الله تبارك وتعالى، وسنعرف ما لهذا الإمام من الباع الطويل ومن العلم بأغوار هذا العلم وغيره من علوم العربية. قال تذكرة أبي عمر يذكر بهؤلاء النجباء الكرام من الأئمة السالفين من أهل العربية، وأبو عمر المراد به الإمام أبو عمرو البصري، اختلف في اسمه أشهر ما قيل في أن اسمه زبان العلاء، وقد توفي سنة 154 وهو إمام كبير علم من أئمة القراء والنحويين، وهو إمام صاحب قراءة مشهورة فهو إمام أهل البصره. وأما الإمام المازني صرحهم أبو عمرو البصري فوالده العلاء هذا قول الإمام الشاطبي في لاميته المعروفة، فهذا هو أبو عمرو.
قال تذكره أبي عمر وسيبويه والفراء، أما سيبويه فشيخ النحاة كما هو معلوم وهو صاحب الكتاب، وإذا قيل الكتاب في النحو فهو كتاب سيبويه، هذا اسمه الكتاب وسيبويه هو أبو بشر عمرو بن عثمان وقد توفي سنة 180، والفراء الإمام الفراء هو أبو زكريا يحيى بن زياد الفراء توفي سنة 207. وأبو عمرو وسيبويه من أئمة البصرة والفراء من أئمة الكوفة، فقول الناسخ تذكرة أبي عمر وسيبويه والفراء أنه جمع له أنه يذكر بائمه هذا الفن وهذا العلم من المدرستين الكبيرتين، فهنا للنحو مدرستان كبيرتان ترعرع فيهما هذا العلم هما مدرسة البصرة أولا ثم مدرسة الكوفة بعد ذلك، فمدرسة البصرة مقدمة وائمتها أجل.
أما إامنا صاحب الكتاب فهو عبد الله بن يوسف هذا اسمه، أبو محمد هذه كنيته، جمال الدين هذا لقبه، المصري أو الأنصاري المصري هذه نسبته، فكان بلاد مصر. قال: الحمد لله رافع الدرجة لمن انخفض لجلاله من تواضع لله رفعه، وفاتح البركات لمن انتصب لشكر أفضاله لئن شكرتم لأزيدنكم، فكلما شكرت الله تبارك وتعالى زادك وفتح لك من البركات، والصلاة والسلام على من مدت عليه الفصاحه رواقها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو أفصح الناس قاطبة، وشدت عليه البلاغة نطاقها المبعوث بالآيات الباهرة والحجج، المنزل عليه قرآن عربي غير ذي عوج، وعلى آله الهادين وأصحابه الذين شادوا الدين وشرفوكرم.
قد يقول قائل لماذا قال المنزل عليه قرآن عربي غير ذي عوج مع أن القراءة في الآية سورة الزمر: قرآنًا عربيًا غير ذي عوج بالنصب، قرآنا عربيا غير هنا لأنه يتكلم في كلام معرب أمامك فهو لا يريد نص الآية إنما يقتبس منها المنزل عليه قرآنا عربيا، فقرآن هذا سياتي بإذن الله تعالى معناه أنه نائب عن الفاعل لاسم المفعول الذي يعمل عمل فعله المنزل عليه كأنه قال الذي نزل عليه قرآن، وبعد ذلك وصف والوصف يتبع الموصوف فهذا مرفوع وما بعده يكون مرفوعا كذلك. ويؤخذ من هذا أنني إذا ذكرت الآية أذكرها على وجهها، لكن إذا اقتبست منها وضمنتها في كلامي أحاول أن أعرب قدر الامكان، مثال ذلك قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: 234]. فهذا منصوب أربعة أشهر وعشرا منصوب على الظرفية تتربص طيلة هذه المدة. لكن إذا سئلت ما عده المرأة المتوفى عنها زوجها إن لم تكن حاملا فقول أربعة أشهر وعشر هكذا أربعة أشهر وعشر، وإن كان يجوز لك النصب على تأويل، لكن هذا جرني إليه هذا الكلام حتى لا ينتقد المنزل عليه قرآن عربي غير ذي عواج.
قال: وبعد هذه نكت حركتها على مقدمة المسمى بقطر الندى وبل الصد، هذه كلمات يسيره وفوائد نكت في الحديث نكتت فيه نكته بيضاء نكتت فيه نكته سوداء، نكتة الشيء اليسير. وهذه المقدمة أو المقدمة اسمها قطر الندى وبل الصد، فهذه وريقات يسيرة إذا جمعت ستكون في متن صغير جدا هذه اسمها قطر الندى وبل الصد. طب فما بال هذا المجلد الذي بين أيدينا، لا هذا شرح قطر الندى وبل الصد، فانت عندك شيئان عندك قطر الندى وبل الصد هذه مقدمة ورقات قليلة الحجم لكنها كثيرة النفع عظيمه البركة، شرحت وشرحها المصنف نفسه في هذا الكتاب، فهناك متن قطر الندى وبل الصد وهناك شرح لهذا المتن، المتن والشرح كلاهما للإمام ابن هشام كما سبق.
قطر الندى الندى قطرات يسيرة من الماء تنزل خصوصا في وقت الصباح يراها من يذهب إلى الحدائق والمزارع وما أشبه ذلك يرى شيئا من الماء القليل، هذا هو الندى قطر، فهذه قطرات من الندى فكانه يعني يستقل عمله هذا بأن هذا الكتاب يفتح لك أبوابا من العربية كأن قطرات من الندى نزلت، ثم يأتي بعد ذلك ويتبعها مطر غزير، فانت إذا قرأت هذا الكتاب وتشوفت إليه وأتقنته فتح لك بابا عظيما وحبب إليك هذا العلم فقرات بعده كتبا فصارت كالوابل بعد هذا الندى، قطر الندى وبل الصد الصد المراد به هنا العطش، فمراد بالصد هنا العطش، فهذا الكتاب يبل عطش العطشان الرجل عندما يكون عطشان يحتاج إلى أن يشرب أحيانا يجد قطرات يبلغه فهذا الكتاب يبل هذا العطش ويزيل شيئا منه ويحتاج المرء إلى أن يتوسع فيما بعد وقد فعل الإمام نفسه ذلك في كتب أخرى كما هو معلوم.
قال: رافعة لحجابها كاشفة لنقابها، هذه هذا الشرح الذي أمامك يبين بعض الأشياء الغامضة التي في المتن، وصاحب الدار أدرى بما فيها وأهل مكة أدرى بشعابها كما يقال، فهو الذي متن المتن وهو الذي شرح هذا المتن فهو أعرف بشرحه والمراد منه من غيره، مكملة لشواهدها متممة لشواهدها، فهذه المقدمة فيها فوائد تتم هذه الفوائد بهذا الشرح، وكذلك هناك بعض الشواهد ذكرت يتممها هذا الشرح وهناك أشياء ذكرت بلا شواهد فيذكر شواهدها والادله عليها. ها هنا في هذا الشرح كافيه لمن اقتصر عليها وافية ببغيه من جنح من طلاب علم العربية إليها، كافيه لمن اقتصر عليها نعم في مرحلة من المراحل نعم يكتفي المرء بمه هذا الكتاب إذا لم يرد مثلا زيادة أو تخصصا في شيء ما أو شيئا من الطول والباع في هذا الباب وإلا فلا يغني كتاب عن كتاب كما هو معلوم، وهذا الكتاب إنما هو وسط يعني ليس للمبتدئ تماما وليس لمنته تماما، إنما هو وسط بينه وافية ببغيه من جامع أي مال من طلاب العربية إليها.
قال: واللـه المسؤول أن ينفع بها كما نفع باصلها، كأنه جعل المتن ونشره في الناس فانتفع به أقوام وحفظه طلبة وأرادوا أن يشرح، فبعد أنفع الله عز وجل بهذا المتن وحفظه بعض الطلبة ها هو يأتي بشرحه، فسأل الله تعالى أن ينفع بها كما نفع بأصلها كأنه رأى شيئا من النفع بهذا المتن فقال سيكون بإذن الله تعالى النفع بالشرح أولى وأكبر، وأن يذللنا لنا طرق الخيرات وسبلها الطرق والسبل يعني أسمان لشيء واحد أو بعضهما قريب من بعض، وهذا سائغ في بعض الأوقات أن يعطف شيء من المترادفات، وإن كان ليس هناك في اللغة وفي العربية وفي القرآن من باب أولى ما هو مترادف من كل وجه إنما هي معان قريب بعضها من بعض ليس من باب الترادف التام. والذي يذلل كل الطرق وكل السبل هو الله تبارك وتعالى، فسأل الله تعالى أن يذلل لها له وللجميع ونسال الله تعالى لنا ذلك أن يذلل لنا وأن ييسر لنا كل طريق، فربنا تبارك وتعالى يجعل الحزن سهلا إذا شاء ولا سهل إلا ما جعله سهلا كما جاء في الحديث الذي حسنه جماعه من العلماء: اللهم لا سهل إلا ما جعلتة سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا، الصعب ضد السهل، أنه جواد كريم رؤوف رحيم، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
قال بعد ذلك ص: إذا وجدت هذا الحرف يعني حرف الصاد المراد به الأصل، هذا هو الأصل والمراد به المتن الذي هو متن قطر الندى هو مطبوع في يعني غلاف صغير الحجم قليل الورقات، الصاد هو الأصل كان متنا يحفظ دون شرح، والشين التي بعدها هذا المراد المراد به الشرح، هذه الشين يراد بها الشرح، فالصاد الأصل والشين الشرح.
قال: الكلمة قول مفرد، ثم قال في الشرح: تطلق الكلمة في اللغة على الجمل المفيدة أو على الجملة المفيدة سواء كان على الجمل أو على الجمله النسختان يعني ك كلتاهما صحيح، هذا هو الأصل وهو المعروف في كتاب الله تبارك وتعالى وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل لا يعرف غيره لا يعرف أن الكلمة قول مفرد إنما هذا اصطلاح للنحاة، ولا مشاحة في مثل هذه فاهل الحديث مثلا لهم مصطلحات معروفة في مصطلح الحديث، أهل الفقه وأصول الفقه لهم مصطلحات معروفة في الفقه وأصول الفقه، كذلك الأمر عند النحويين والصرفيين وغيرهم كل له مصطلحات تخص هذا الفن إنما أقول الحديث عندنا هو كذا، الموضوع عندنا هو كذا، كذلك الكلمة عندنا هي كذا ليس معناه أنها كذلك في الوحي، لاجل هذا احتراز المصنف وهذا الاحتراز الحسن ف الكلمة تطلق في عند العربي في لسان العربي في كتاب الله تبارك وتعالى في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في أشعار العرب وكلامها نظمه ونثره تطلق على الجملة المفيدة أو على الجمل المفيدة طالت أو قصرت وقلت أو كثرت.
قال الله كقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ [المؤمنون: 100] إشارة، ويجوز كذلك إشارة إشارة يعني هذه إشارة أو إشارة هذه حال يعني إشارة على قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون: 99-100]. فهذا الذي يكابد الموت ولم يقدم عملا صالحا يتمنى حينئذ أن يعمل عملا صالحا فيقول: رب ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت، فيجاب: كلا ليس الأمر كذلك. وهذه كلمة ردع وزجر، بل عمورك الله تبارك وتعالى ما يتذكر فيه من ذكر أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من ذكر وجاءكم النذير لماذا تريد الآن أن ترجع؟ قال: كلا إنها كلمة هو قائلها، ما الكلمة التي هو قائلها ما الكلمة هي ربي فقط هذه الكلمة لأن الكلمة قول مفرد، لا هذه الجملة كلها بل هذه الجمل كلها هي الكلمة ربي ارجعوني لعلي أعمل صالحا فيما تركت، وهذه في داخلها عدة جمل ومع ذلك كلها اسمها كلمة.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾
﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَامِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 5-6]. هاتان الآيتان بطولهما سماهما الله عز وجل كلمةً، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَىٰ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [الأعراف: 137]. وتمت كلمة ربك الحسنى، فكلمة الله الحسنى هي هذا الذي سمعتموه من الآيتين: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون، هذه كلها كلمة.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل». هكذا هنا انتهى الحديث، وقد تجدونه في بعض الكتب مكملاً، ولكن تكملته ليست صواباً؛ في الحديث أنه قال بعد ذلك: «وكل نعيم لا محالة زائل»، وهذا إنما هو فيما يراه ويعرفه من نعيم الدنيا، أما نعيم الآخرة فليس بزائل أبداً، بل هذا فيه خلود لا موت فيه، يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت. إنما الشاهد أنه قال: «أصدق كلمة قالها الشاعر: ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، فهذه اسمها كلمة.
النبي صلى الله عليه وسلم يقول لجويرية بنت الحارث زوجته أمنا أم المؤمنين رضي الله عنها: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات، لو وزنت بما قلت لوزنتهن - أو بما قلتهن لوزنتهن - قلت بعدك أربع كلمات». ما الأربع؟ ما الكلمات الأربع؟ سبحان الله. طبعا هذا الحديث في روايتان معروفتان: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، والرواية الأشهر عندنا: «سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته». على كل حال هذه في العدد، في عدد، لا، ليست أربع كلمات، هذه جمل عددها أكثر من أربعة، فالمراد أن كل جملة كلمة، والشواهد على ذلك كثيرة جداً.
هذا في العرف، عند النحويين: الكلمة قول مفرد. هذا هو المراد عندهم، وهو اصطلاح خاص بهم، ونريد أن نتعلم اصطلاحاتهم حتى نفهم كلامهم، وبعد ذلك يؤخذ منه ما يؤخذ، وينتقد ما ينتقد، ويرد ما يرد، وهكذا الأمور تكون سائغة بعد ذلك. قال: والمراد بالقول اللفظ الدال على معنى، كرجل وفرس. فالقول عبارة عن لفظ له معنى؛ لأن اللفظ قد يكون له معنى وقد يكون لا معنى له، هناك الفاظ يتكلم بها الناس لا يفهم منها معنى، وليس لها معان في الكلام، إنما هي كلمة هكذا تقال ليس لها معنى، هذا اسمه لفظ. فإذا بدأنا من أول شيء عندنا: اللفظ، يعني اريد أن نتنبه لهذا ليظهر الفرق بين هذه الأشياء التي قد تتداخل.
أولاً: عندنا اللفظ، اللفظ حرف وصوت، أنت تسمع الآن صوتي وتسمع فيه بعض الأحرف، هذا اسمه لفظ، أنا لفظت بألفاظ من حروف عربية كما تسمع، وتسمع الصوت بها، فهذا اسمه لفظ، بخلاف إذا كتبت هذا لا يسمى لفظاً، إذا أشرت لا يسمى لفظاً، فاللفظ عبارة عن حرف بصوت، هذا هو اللفظ، قد يكون مفهوماً، قد يكون له معنى، وقد لا يكون له معنى، فهم يقولون: الذي ليس له معنى هذا مهمل، هذا مهمل ليس مستعمل عادتاً، أما الذي له معنى فسيصير الآن قولاًَ؛ لأنه لفظ بحرف وصوت وله معنى. قال: كرجل وفرس. كلمة الرجل ذكر من بني آدم، وفرس كذلك تدل على الحيوان المعروف كانت تطلق على الذكر، فهذه اسمها كلمة، وهذه اسمها كلمة، فهي كلمة واحدة قول مفرد ليس مركباً، وهي حرف وصوت وله معنى فصارت كلمة.
قال: والمراد باللفظ الصوت المشتمل على بعض الحروف، سواء دل على معنى كزيد، أو لم يدل كديزي، مقلوب زيد. هو في النسخه عندي بالنصب وهذا صحيح فديزي مقلوب زيد هذا منصوب على حال أو على تقدير: أعني مقلوب زيد. ما معنى هذا الكلام؟ نقول: ديزي كلمة، زيد اسم علم على رجل، وهو اسم للصحابي الكريم الذي ورد ذكره في كتاب الله تبارك وتعالى، وزيد بن حارثة هو الصحابي الوحيد الذي ذكر باسمه في كتاب الله: ﴿فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا﴾ [الأحزاب: 37]. فكلمة زيد، هذا الاسم زيد، إذا قلبت حروفه فجعلت أولها آخرها وآخرها أولها، كيف أنطق به؟ أقول: ديزي، جعلت الدال التي هي في الآخر في الأول، والزاي التي هي في الأول جعلتها في الآخر، فقلت: ديزي.
طيب، هل ديزي هذا له معنى؟ قال: لا، ليس له معنى، أفتقول إنه ليس بلفظ؟ لا، أقول لا، هو لفظ، لفظ لماذا هو لفظها لمن ينتبه معي، لماذا هو لفظ؟ لأنه عبارة عن حروف خرجت بصوت، الحروف الدال والياء والزاي خرجت بصوت تسمعون: ديزي، هذه حروف وأصوات، طيب لها معنى؟ لا، ليس لها معنى، إذاً هو لفظ نعم، هل هو قول؟ لا، ليس قولاًَ، هل هو كلمة لها معنى يعني عند العرب؟ لا، إذاً فرق ما بين اللفظ والقول. قال: وقد تبين أن كل قول لفظ ولا ينعكس. كل قول لفظ، نعم؛ لأن القول لابد أن يكون له معنى، أما اللفظ فهو أوسع من ذلك، اللفظ أوسع من ذلك، له معنى أو ليس له معنى، فليس كل لفظ قولاًَ، كلمة ديزي هذه لفظ، هل هي قول؟ لا، ليست قولاًَ، لكن أي قول لابد أن يكون لفظاً؛ لأن القول لابد أن يكون له معنى، فالقول جزء يسير من الألفاظ، أنت يمكن أن تأتي بأي بأي أحرف في أي مكان وتتكلم ولا تفهم. قال: ولا ينعكس، يعني ليس كل لفظ قولاًَ، نعم.
في أول الكلام قال: الكلمة قول مفرد. أتكلم عن القول، قال: والمراد بالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. المراد بالمفرد لماذا؟ لأن المفرد يأتي بعده معاني، وياتي له أكثر من قسيم في أكثر في أكثر من باب، تجدهم أحياناً يقولون: هذا مفرد وهذا مركب، وفي أحيان أخرى يقولون: هذا مفرد وهذه جملة وهذه شبه جملة، وفي أحيان أخرى يقولون: هذا مفرد وهذا مثنى وهذا جمع، وفي أحيان أخرى يقولون: هذا مفرد وهذا مضاف وهذا شبيه بالمضاف، وستمر معنا هذه الأشياء تباعاً إن شاء الله تعالى.
هو يقول: لابد أن تفهم ما مرادي بالمفرد في هذا الموضع، في هذا الموضع المفرد هو ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. أنا قبل أن أُكمل قد تجدون شيئاً من الصعوبة في أول درسين، وسبحان الله هذا الكتاب جاء هكذا، فتكلم المصنف على بعض الأشياء المبنية بتوسع في أول الكتاب، فقد تجدون شيئاً من الصعوبة في أول درسين بإذن الله تعالى؛ للكلام في هذه المبنيات، وكذلك لبعض هذه الأشياء التي قد يظهر أنها أخذت من الفلسفة أو ما أشبه ذلك، لكن لا يحجمنكم ذلك عن إكمال الكتاب، ففيه فوائد كثيرة، وسيسهل شيئاً فشيئاً، وستكون الصعوبة جزئية في بعض الجزئيات، وإن شاء الله تعالى أُحاول أن أَمُرَّ عليها مروراً يزيل صعوبتها بإذن الله تعالى، أما غالب الكتاب فسهل ميسور وفيه بركة كبيرة سيعرف قدرها من أكمل الكتاب لآخره بإذن الله، سواء معي أو مع غيري، المهم أن من يُكمل الكتاب لآخره سيعرف بركة هذا الكتاب، وسيعرف نفعه وفضله وإن كان كما قلت لا يُغني عن غيره أو لا يُغني عما هو فوقه.
قال: المراد بالمفرد ما لا يدل جزؤه على جزء معناه. ما معنى هذا الكلام؟ عندنا مثلاً هو ذكر قال: وذلك نحو زيد، أولاً أقول: هناك شيء يدل جزؤه على جزء معناه، عندك رجل اسمه زيد، وعندك غلام له، صاحب له، فتقول: هذا غلام زيد، هذا صاحب زيد، صاحب زيد هاتان الآن كلمتان. امرأة العزيز، خلينا حتى يكون الاستشهاد بالقرآن، وإن شاء الله بإذن الله تبارك وتعالى عندما تاتي الشواهد سأحاول أن يكون الاستشهاد من كتاب لله تعالى قدر الإمكان، إلا ألا يكون في الباب شيء من كتاب الله تعالى فبعد ذلك يكون انتقال إلى غير ذلك، مثلاً إلى السنة والاستشهاد بها في مسائل النحو والصرف، وطبعاً مسألة خلافية يتكلمون في دخول الأعاجم وفي الرواية بالمعنى أشياء كثيرة، ليس هذا موضع بحثها، لكن الأقرب والله تبارك وتعالى أعلم أنه يصح الاستشهاد بها في أحوال كثيرة.
فأقول: امرأة العزيز، قالت امرأة العزيز، الآن حساس الحق، امرأة العزيز هذه امرأة تدل على يعني يدل على شيء واحد على امرأة، وليس اسما لها، لكن هو يدل عليها، امرأة العزيز هذه امرأة معروفة التي راودت يوسف عن نفسه، طيب امرأة العزيز هذه الجمله، هذه الكلمة أو هاتان الكلمتان اللتان أمامك: امرأة العزيز، إذا جعلت هذه الكلمة وحدها وهذه الكلمة وحدها، أليست كل كلمة تدل على معنى وحدها؟ بل امرأة تدل على المرأة، عزيز هذا زوجها الذي كان عزيز مصر الوزير أو غيره. قالت امرأة العزيز، يبقى إذاً دل جزؤه على جزء معناه أم لا؟ دل جزؤه على جزء معناه. ما الجزء؟ الجزء امرأة، والجزء الآخر عزيز، هذا اسمه مركب، ركبت هذه الكلمه مع الكلمة الأخرى فصار كأنهما علم أو شيء على يطلق على امرأة معينة وإن لم يكن علماًَ.
إذاً امرأة العزيز هاتان الكلمتان تطلقان على هذه المرأة وإن كانت كل كلمة إذا فصلت عن الأخرى تدل على معنى معين، يبقى إذاً هذا يدل جزؤه على جزء معناه، أرجو أن تكون هذه قد فُهمت. طيب، كلمة امرأة وحدها وحدها هل كل حرف منها جزء من المرأة؟ لا أبداً، هي الكلمة على بعضها هكذا هي تدل على المرأة، ليس الألف يدل على شيء والميم على شيء والراء لا لا. كذلك يقول هنا: وذلك نحو زيد، إن أجزاءه وهي الزاي والياء والدال هذه الحروف إذا أفردت لا تدل على شيء مما يدل هو عليه، يعني لا يقال زيد هذا الزاي عبارة عن رأسه، والياء عبارة عن بطنه، والدال رجلاه، لا، هو هذه كلها اسمها زيد، هذه الجثة التي أمامك، جميل، هذا الشخص الذي أمامك اسمه زيد، لا يدل الحرف منه على جزء والحرف الآخر على جزء، لا يدل جزؤه على جزء معناه.
بخلاف قولك غلام زيد؛ فإن كلا من جزئيه، وهما الغلام دال على جزء معناه، فهذا يسمى مركباً لا مفرد. غلام زيد عندك غلام، وعندك بعد ذلك زيد، هذا صاحبه سيده. قال موسى لفتاه، هذا فتى موسى، موسى رجل عليه السلام، وفتى موسى رجل آخر عليه السلام، ويوشع بن نون عليهم جميعا وعلى نبينا صلوات الله وسلامه. يبقى إذاً هذا فرق ما بين المفرد والمركب. ماذا يريد أن يقول في هذه الكلمه التي كانت سهلة يسيرة في الأصل، وجاء معها هذا الشرح الكبير؟ يريد أن يقول: إن الكلمة قول مفرد ليس مركباً، ليس هناك تركيب، إذا وجدت تركيباً لا لا تقل هذه الكلمه، وهكذا. هذا اصطلاح الكلمه عند النحوي.
قال: فان قلت فلم لا اشترطت، في موضعه طبعاً لا اشترطت هذه فيها كلام طويل، والأقرب أنه كان يقول: فلم لم تشترط؟ هذا أحسن؛ لأن هذه الكلمات عليها بعض النقد، يعني فلم لا اشترطت أي فلم لم تشترط في الكلمة الوضع، يعني لما لم تقل الكلمة قول مفرد موضوع أو وضع لمعنى؟ كما درست، درس منكم الآجرومية: الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع، لماذا لم تقل موضوع قول مفرد؟ كما اشترط من قال: الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد، لما لم تقل ذلك؟
طبعاً الخلاصة أنه قال: الكلمة قول مفرد، والقول لابد أن يكون له معنى، وهذا معنى كونه موضوعاً عندهم، يعني هو عند العرب له معنى معين، وإن كانت قد سطرت أساطير في مسألة الوضع، لكن ليس هذا محل كلامي كلامي فيه يعني، لكن خلاصة الوضع حتى يصلح هذا المصطلح وحتى يكون صحيحاً لا غبار عليه: الوضع هو معناه أن العرب تكلمت بهذه الكلمه مراداً بها هذا المعنى، لم تهملها، لم تهملها هكذا. هذا هو الوضع أو هذا أصح ما قيل في الوضع حتى يكون له معنى صحيح.
طيب، لماذا لم تقل قول مفرد موضوع؟ قال: لأن كل قول موضوع، يعني كل قول لابد أن يكون موضوعاً، يعني لابد أن يكون له معنى، فهذا القيد لست في حاجة إليه، من الذي يحتاج إليه؟ الذي قال: لفظ مفرد موضوع، كم فكهمتم السر الآن؟ لو قال: لفظ مفرد، يحتاج أن يقول؛ لأن اللفظ منهما ليس موضوعاً، يعني منهما ما ليس له معنى، فقال: قلت، أي قلت في الجواب عن ذلك السؤال، إنما احتاجوا إلى ذلك لأخذهم اللفظ جنساً للكلمة، قالوا: الكلمة لفظ مفرد موضوع، أو لفظ وضع لمعنى مفرد، واللفظ ينقسم إلى موضوع ومهمل، إلى ما له معنى وإالى ما ليس له معنى، كما بزي وزي، فاحتاجوا إلى الاحتراز عن المهمل بذكر الوضع. أرادوا أن يحترزوا حتى لا يدخل فيه ما هو مهمل، فقالوا: موضوع، أو له معنى، وضع له، أما إذا قال: هو قول، فكل قول فلابد أن يكون موضوعاً.
قال: ولما أخذت القول جنساً للكلمة، وهو خاص بالموضوع، أغناني ذلك عن اشتراط الوضع، سهل. يعني لأجلي أنني قلت هو قول، لم أحتاج إلى أن أقول هو موضوع؛ لأن كل قول لابد أن يكون له معنى، بخلاف اللفظ.
يسأل سؤالاً آخر، ويستشكل على نفسه استشكالاً آخر، يقول: فان قلت فلما عدلت عن اللفظ إلى القول، لماذا إذا لم تقل لفظاً كما قال غيرك، وقلت قولاً؟ قلت: لأن اللفظ جنس بعيد لانطلاقه على المهمل والمستعمل.
فاللفظ يطلق على هذا وذاك كما ذكرنا، والقول جنس قريب. ويجوز طبعاً أن تقول والقول جنس قريب يعني فيكون عطْفاً على اللفظ؛ لأن اللفظ ولأن القول، والبدء هنا حَسَنٌ أيضاً، والقول جنس قريب لاختصاصه بالمستعمل.
فلماذا إذاً أقول: لفظ وُضِعَ لمعنى؟ ما هو لفظ وُضِعَ لمعنى؟ يُغني عنها قول. نعم، يعني أنا مثلاً أقول: أنا مثلاً سيحضر هناك درس معين، مثلاً سيحضر فيه الرجال خاصةً. فأقول: ليحضر هذا الدرس من شاء من الرجال. خلاص، الرجال معروفة، سيخرج النساء إذاً.
لكن لماذا أقول: ليحضر هذا الدرس من شاء من بني آدم من ذكورهم؟ فأنا بني آدم هذه تنطلق على الرجال والنساء، من ذكورهم هنا خصصتْ؛ لأنها تنطلق على الجميع فاحتاجت إلى قيد آخر بعد بني آدم، فقلت كذا. لكن لو قلت الرجال، هذا قال: هذا جنس بعيد، بنو آدم جنس بعيد يدخل فيه الرجال والنساء.
كذلك اللفظ يدخل فيه المستعمل وغير المستعمل، أما القول فجنس قريب، الرجال خلاص لا يدخل فيها النساء؛ قال: لاختصاصه بالمستعمل. واستعمال الأجناس البعيدة في الحدود معيب عند أهل النظر، هذا معروف حتى في المثال ذكرته لكم، قلت: الرجال هذا أحسن من أن اقول: من بني آدم من رجالهم دون نسائهم. طيب، لماذا يُغني عن ذلك كله شيء ينطلق أول ما ينطلق على جزء معين ليس بعيداً يحتاج إلى استدراجات وإخراج من شابه؟
قال بعد ذلك: (وهي اسم وفعل وحرف)، م صاد كما صاد للأصل والشين للشرح. وهي أي الكلمة؛ هذا ضمير لا يعني يعود على شيء سبق في الكلام، وإن كان الصحيح أنه يجوز أن يعود الضمير على غير مذكور أحياناً أُخر لبعض الأشياء، لكن يكون هذا الاحتراز حسناً؛ لأن قلت هنا: هي لابد أن يعود على شيء مذكور حتى لا يقال، بل يجوز أن يعود الضمير على غير مذكور.
أقول: نعم، هذا ورد في بعض الأحيان وهو صحيح فصيح، بل ورد في كتاب الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]، وهذا الضمير لم يسبقه شيء في السورة؛ لأن السورة هذا أولها. يعني كان طبعاً سبقه شيء قبل ذلك يعود عليه، لكن المراد عندهم أنه لابد أن يعود على مذكور في الكلام.
لا يقال: أحياناً يكون مفهوماً من الكلام؛ ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الحج: 15]، عند الأكثرين هذا الضمير عائد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ولم يجري له ذكر في قبل ذلك، وكذلك لما حصل من سليمان عليه السلام ما حصل؛ قال: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32] أي الشمس، ولم يجري لها ذكر.
فهنا أقول هنا: هي إنما هذا عائد على شيء مذكور في الكلام، وهو قوله: الكلمة. الكلمة المفضلة، وهي أيوه والكلمة اسم وفعل وحرف. والكلمة اسم وفعل وحرف، هذه أقسامها. هذه أقسام الكلمة، وهذا أول شيء لابد أن يعرفه من أراد أن يتعلم هذا العلم؛ لأنك تقول: أريد الإعراب، طيب، أريد الإعراب، قول مثلاً: قد يعلم الله المعوقين، تقول: قد مبتدا، كيف هذا؟ انتظر، انتظر، لابد قبل ذلك، قبل أن تعرف أن الكلمة، الكلمة مثلاً إذا بدئت بها الجمله فهي مبتدا؛ قال: لا لا هذه إذا كانت اسماً، انتظر، نسيت هذا.
قل لا لا يقال نسيت، لابد أن ترجع مرة أخرى وأن تعرف الفرق بين الاسم والفعل والحرف حتى لا تقع في مثل هذا الموقع، وهكذا. فلا بد أن تعلم أولاً ما نوع هذه الكلمه قبل أن تبدأ في إعرابها، وستمر مروراً على النكرات والمعارف، وستمر كذلك على المبنيات والمعربات، حتى لا تقول: هذه الكلمة منصوبة وتكون مبنية على الفتح وأنت تظنها منصوبة؛ ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُون﴾ [الأعراف: 182]، تقول مثلاً: حيث مرفوعه، تقول: كيف هي مرفوعة وسبقت بمن حيث؟ قلنا: لا، ليست مرفوعة، إنما هذه مبنية على الضم، وهكذا.
هناك أشياء في أول الكلام تفتح لك الذهن وتجعلك بعد ذلك مستقيماً في طريقتك وفي كلامك في إعرابك، لا تختلط عليك الأشياء من معرفة الفرق بين الاسم والفعل والحرف، بين النكرة والمعرفه، بين المعربات والمبنيات، بين التوابع والمتبوعات، وهذه الأشياء، بين المرفوعات والمنصوبات والمجرورات والمجزومات عندما تدرس باب الإعراب، وهكذا.
قال: (وهي اسم وفعل وحرف)، ثم قال شارحاً: لما ذكرت حد الكلمة بينت أنها جنس تحته ثلاثة أنواع: الاسم والفعل والحرف. قال: والدليل على انحصار أنواعها في هذه الثلاثة الاستقراء، فإن علماء هذا الفن تتبعوا كلام العرب فلم يجدوا إلا ثلاثة أنواع، ولو كان ثم نوع رابع لعثروا على شيء منه، فالكلمة تحتها ثلاثة أنواع، فهي إما أن تكون اسماً وإما أن تكون فعلاً وإما أن تكون حرفاً.
وهذا الاستدلال استدلال استقرائي، وكذلك هو استدلال عقلي؛ يعني أنك إذا رأيت ذلك في أي لغة من اللغات فلا بد أن تنقسم كلماتها إلى اسم وفعل وحرف، هذا والله أعلم استدلال عقلي كذلك. فالاستدلال الذي ذكره هو الاستقراء؛ الاستقراء بمعنى أن العلماء قرءوا القرآن كله وقرءوا السنة وقرءوا أشعار العرب ومنثور كلام العرب، وحاولوا أن يعرفوا أنواع الكلمة فلم يجدوا إلا هذه الأنواع الثلاثة، فقالوا: إذاً دل الاستقراء التام على أن الكلمة لا تخرج عن شيء من هذا.
وإن كان خالفهم بعض العلماء لكن لم يؤبه لقوله، وأبو جعفر بن صابر قال: هناك نوع رابع، وسماه، خالفه لكن خالفه العلماء في هذه المخالفة ولم يعبؤوا بقوله، وقالوا: هذه المخالفة داخلة معنى في الأسماء، والمراد بها عنده اسم الفعل. طيب، فالدليل على الانحصار على أن الكلمة لا تخرج عن اسم أو فعل أو حرف، الدليل على ذلك الاستقراء، فالاستقراء خبر لقوله الدليل.
ثم ذكر معنى هذا الاستقراء وأنهم تتبعوا الكلام كله فلم يجدوا إلا هذه الأنواع الثلاثة دون غيرها. ثم تكلم عن علامات لكل نوع، فسيذكر بعض العلامات التي لأسماء، وسيذكر بعض العلامات التي للأفعال، وسيذكر بعض العلامات التي للحروف. فيقول: (فأما الاسم فيُعرف بالرجل، وبالتنوين كرجل، وبالحديث عنه كتاء ضربت). فذكر ثلاث علامات للاسم، الاسم وهذا طبعاً هذا هو النطق الصحيح، الاسم، إذا بدأت أقول الاسم ولو كان في وسط وسط الكلام تقول هنا: ﴿فَبِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 11]، لم يقل بئس الاسم، لا، ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾، فهمزته همزة وصل تسقط في درج الكلمة؛ ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]، من بعد اسمه أحمد.
سواء كان بالالف واللام أو كان بغير الألف واللام، همزته همزة وصل لا تقطع في وسط الكلام، إنما إذا كان بغير إذا بُدِئ به: اسمه أحمد. نعم، فاما الاسم فيعرف بال كالرجل، فالكلمة إذا قبلت علامة من علامات الأسماء فهي اسم. وهنا لابد أن نفهم شيئاً، هو أنه لا يلزم أن تكون العلامة موجودة في الكلمة، هذا سياتي معنا في الاسم وفي الفعل وفي الحرف، لا يلزم أن تكون العلامة موجودة، إنما الذي يلزم هو قبول العلامة.
يعني أنا إذا قلت لك كلمة رجل هكذا ذكرتها مجردة عن كلعلامة، ماذا تقول؟ قد تقول: ليس فيها علامه، لا أعرف، لا أدخل عليها علامة من علامات الأسماء. إن قبلتها فهي اسم، ادخل عليها علامة من علامات الأفعال من قبلتها فهي فعل، إن لم تقبل هذا ولا ذاك فهي حرف. وكذلك الأفعال، لابد أن تماضٍ أم مضارع أم أمر، كما سياتي، فتدخل على كل واحد من هذه الأنواع علامة تخصه كما سياتي اتباعاً إن شاء الله تعالى.
إذاً قال: فاما الاسم فيعرف بال كالرجل، فكلمة رجل تقول: الرجل، الرجل هذا واضح؛ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: 108]، ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]، إذاً يقبل علامة، هذا أول شيء. يبقى هنا في العلامة سؤالان مهمان، في العلامة سؤالان مهمان.
السؤال الأول: هل يلزم أن تكون العلامة موجودة في الكلمة حتى أحكم باسميتها أو فعليتها أو حرفيتها؟ لا، ما اللازم؟ اللازم هو قبول العلامة، ليس وجود العلامة.
السؤال الثاني: إذا كان للنوع عدة علامات، هل يلزم أن يقبل كل العلامات؟ الجواب أيضاً لا. ما اللازم إذاً؟ اللازم قبول أي علامة، ولو كانت علامة واحدة، إن قبل أكثر فبها ونعمه وإلا فعلامة واحدة تكفي. فهذان سؤالان مهمان جداً في علامات الأسماء، وكذلك في علامات الأفعال: ماضيها ومضارعها وأمرها، أما الحرف فليست له علامة، لكن يفهم بأنك ستدخل عليه العلامات ومع ذلك لا يقبله.
(فيُعرف بال كالرجل، وبالتنوين كرجل)، رجل رجل رجلا؛ ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى﴾ [القصص: 20]، جاء رجل، كلمة رجل اسم، لماذا هي اسم؟ لأنها قبلت التنوين، فيها تنوين. طب ما هذا التنوين؟ التنوين هو نون ساكنة زائده تلحق آخر الاسم لفظاً لا خطاً لغير توكيد، هذا تعريفه.
وهنا يجدر بي أن أذكر لكم أن من أراد أن تتم له الفائدة بالله تبارك وتعالى أن يحصل شيئاً من هذا الكتاب ومن غيره، أن يستقيم لسانه شيئاً ما قدر الاستطاعة، فنحن لسنا عرباً، نحن جميعاً يعني لسنا عرباً أصحاء، إنما نحاول أن نحاكي العرب فيما قالته قدر الاستطاعة وإلا فلا يخلو الإنسان منا من زلل وسهو ولحن وما أشبه ذلك. فمن الأشياء التي تعينك على ذلك أن تحفظ الشواهد وتستحضرها وتعرفها، وكذلك أن تحفظ المهم من التعريفات.
ولا أعني بالشواهد فقط أن تحفظ الشاهد الشعري العربي مثلاً؛ أَقَاطِنُ الْقَوْمِ سَلْمَى أَمْ نَوَوْا ظَعَنًا... أَيَظْعَنُونَ فَعَجِيبٌ عَيْشُ مَنْ قَطَنَا، قوم القوم فاعل، الفاعل هذا شيء حسن ياتي بعد، إنما أهم ما أريد في الشواهد أن تكون الشواهد من كتاب الله تعالى ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما نتعلم لأجل ذلك، لأجل أن نفهم ونتدارس كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فتستطيع أن إذا قلت لك: أتني بعدة أسماء تدلل على الأسماء من كتاب الله، أتني بمثال منون، بمثال لاسم بالألف واللام، أتني بمثال لفعل مضارع مجزوم بقولك: ﴿كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ [عبس: 23]، بمثال لكذا، وهكذا تكون عندك شواهد. فالمقصود بالشواهد أن تكون أولاً من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك تأتي أشعار العرب ومنثور كلامهم.
فهنا حفظ التعاريف المهمة مهم جداً، ويسهل لك كثيراً من حفظ الشواهد، محاولة إعراب القرآن قبل أن تفتح كتاباً، تحاول أن تعرب ثم بعد ذلك تأخذ تنظر إعرابك؛ هل هو صحيح بأي نسبة؟ بنسبة كم كما يقال يعني؟ وهكذا. هذه الأشياء مما تساعدك، وأنت تحاول كذلك أن تتكلم ولو في بعض يومك ببعض الكلام مع أصحابك مع إخوانك مع أولادك، تحاول أن تتكلم بفصيح الكلام.
وحاول جداً جداً جداً إذا تكلمت بكلام فيه شيء مما ورد في كتاب الله تبارك وتعالى وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من المعيب جداً أن تلحن في مثل هذا، لا، حاول أن توافق مثالاً مثلاً؛ نحن مثلاً نقول: إيه، كثيراً ما نقول: فلان يخاف أن يهلك مثلاً، هذا كثيراً ما نسمعه، فلان يخشى أن يهلك، مع انك إذا نظرت في كتاب الله تعالى وجدتها ليست بفتح اللام، تجدها بالكسر. ولو قرأ قارئ بالفتح لاستصعدت ذلك واستشكلته وربما رددته وأنت وراءه في الصلاة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الانفال: 42].
فلو قرأ ليهلك من هلك أمججت هذا وربما رددته وأنت تصلي وراءه. طيب، لماذا أنا إذا خرجت من القرآن سهل جداً على لساني أقول: يهلك، ويصعد؟ ربما لو تكلم أمامي متكلمون وقال: يهلك، أشعر أنه لحن. هذه الفائدة لابد منها، أنني إذا كان هناك شيء قريب مما أتكلم به في كتاب الله تبارك وتعالى فمن المعيب أن ألحن فيه. من المعيب أن، طيب طبعاً كان يهلك هذه المراد بها هنا هي الخطأ هنا صرفي ليس نحوياً، لكن المراد مثال يعني.
فالذي جاء بذلك أن هذا التعريف التعريف التنوين نون ساكنة زائد...
السلام عليكم الصوت أقول.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، انقطع عندي البث أكثر من مرة، لا أدري هذا ضعف الإنترنت ماذا؟ على العموم إن شاء الله أنا لن أطيل ولن أزيد على العاشرة، كما هو معلوم إن شاء الله الدرس إلى العاشرة فبقيت سبع دقائق. أرجو الله تبارك وتعالى ألا ينقطع البث في هذه الدقائق حتى أتم إلى قوله: وهو ضربان، إن شاء الله تعالى. نعم أنا أسمعك يا عمر.
رجع الصوت يا عمر؟ الشيخ عبد التواب أرسل لي رسالة أنه عنده تقريباً الإنترنت ضعف جداً، فنشوف إن شاء الله نقف هنا وباذن الله نكمل غدا في نفس الموعد، وسأضع إن شاء الله التسجيل باذن الله الآن، وأرجو من الكرام أن يقدروا الفرصة، وإن شاء الله نغتنم هذه الأوقات باذن الله تبارك وتعالى، وسيكون الكتاب يومياً إن شاء الله في هذا الوقت، وأرجو أن يكون مقدمة لعلوم العربية وسلسلة دراسة كتب ابن هشام خصوصاً.
وندعو من الله سبحانه وتعالى أن يجعل لذلك أثراً مباركاً في علم القرآن والسنة النبوية، وجزاكم الله خيراً، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق