وننتقل الآن إلى الطهارة الكبرى، وهي طهارة الغسل. قال: وأما الطهارة الكبرى فتحتوي على سنة وواجب، الواجب النية وتعميم سائر الجسد. إذاً الواجب في الغسل أن يعمم جميع بدنه بالماء مع النية، هذا هو الواجب. وما زاد عليه فهو سنة، لكن التنبيه هنا إلى أمور.
الأمر الأول: أن تعميم البدن يشمل المضمضة والاستنشاق؛ لأن المضمضة والاستنشاق هي من ظاهر البدن لا من باطنه. الأمر الآخر: لابد من إيصال الماء إلى ما تحت الشعر الخفيف وغير الخفيف.
بخلاف الوضوء، قلنا في الوضوء: إذا كان الشعر خفيفاً يستحب إيصال الماء من خلاله ولا يستحب حتى إيصاله إلى البشرة، إنما المقصود أنه يخلله. أما في الغسل فلا بد من إيصال الماء إلى ما تحت الشعر نعم الخفيف والكثيف. هذا ما يتعلق، النية هنا نحب أن ننبه إلى أن نية الغسل إذا نوى بغسله رفع الحدث الأكبر والأصغر فانه يجزئه عن الوضوء. يعني لو اغتسل وعمم بدنه بالماء وذهب خرج من هذا الغسل ولبس ملابسه وصلى دون أن يتوضأ، كان عليه جنابة فاغتسل بنية رفع الحدث الاصغر والأكبر، هل يجزئ عن الوضوء؟ الجواب نعم، الجواب نعم.
طيب، هذا بالنسبة الواجب في الغسل، أما المستحب في الغسل فذكر ثمانية أمور، عد معي ثمانية أمور. الأول: غسل ما به من أذى، فإذا كان على جسده بقايا من المني أو نحو ذلك يغسلها. طيب، لماذا قلنا يستحب ولا يجب ها؟ لأن المني طاهر، المني طاهر واضح؟ فغسله وتنحيته عن الجسد هذا ايش؟ مستحب، لكن إن كان هذا المني مانعاً من وصول الماء إلى بعض الجسد فلا، لابد من ايش؟ من تنحيته حتى يحصل تعميم البدن بالماء.
الثاني من مستحبات الغسل: الوضوء، فيتوضأ في أول غسله كوضوئه للصلاة. الثالث: الغسل ثلاثاً، أن يعمم بدنه بالماء ثلاث مرات هذا مستحب، والمجزئ مرة. الرابع: الدلك، أن يدلك مع يعني يمر يده مع سيلان الماء. الخامس: التيامن، بأن يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر، جزاك الله خير.
السادس: التسمية، وهو أن يقول بسم الله، والمشهور في المذهب عند المتأخرين وجوب التسمية في الغسل أيضاً حتى الغسل التسمية عندهم واجبة في الغسل وفي الوضوء وفي التيمم واضح؟ قال: والتسمية. والسابع: تخليل الشعر. والثامن: غسل قدميه. طبعا تخليل الشعر نحن قلنا إن إيصال الماء هو من المستحبات أن يحثي على رأسه في أول غسله ثلاث مرات، هذا مستحب.
وأما إيصال الماء، إيصال الماء فإنه واجب. قال: وغسل قدميه في غير موضعه إذا لم يكن مبلطاً. وهذا جاء في حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن يغسل قدميه بعد الغسل في مكان آخر، وقيد ذلك المؤلف رحمه الله تعالى إذا لم تكن مكان الغسل مبلطاً. أما إذا كان مبلطاً فانه لا تتلوث قدمه بتراب أو نحوه فلا حاجة إلى غسله واضح؟ أما إذا اغتسل في مكان فيه تراب فيستحب أن يغسل قدمه بالماء بعد غسله.
طيب، نحن ننتتهي من طهارة ونسمع سؤالك ثم أنتقل إلى نواقض الطهارة. عندنا نواقض الوضوء وعندنا نواقض الطهارة الكبرى وتسمى عند الفقهاء موجبات ايش؟ موجبات الغسل.
فأما نواقض الطهارة الصغرى فهي ثمانية: الخارج من السبيلين وهذا على المذهب مطلقاً، كل شيء يخرج من أحد السبيلين فهو ناقض للوضوء، سواء كان ذلك الخارج طاهراً أو نجساً، معتاداً أو غير معتاد، حتى يقولون: لو أنه ابتلع حصى فخرجت هذه الحصاة من دبره وليست متلوثة بشيء، هل ينتقض وضوءه؟ الجواب نعم، ينتقض الوضوء. أما البول والغائط هذا: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ، وقال صلى الله عليه وسلم: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.
أما بالنسبة لغير المعتاد فقد استدلوا عليه بحديث المستحاضة؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تتوضأ في كل صلاة، وقالوا إن دم الاستحاضة ليس معتاداً، ليس أمراً معتاداً، فدل على أن الوضوء يجب من الخارج من السبيل ولو لم يكن ولو لم يكن ايش معتاداً.
الثاني من نواقض الوضوء: الفاحش من غيرهما. إذا خرج من السبيل ناقد، إذا خرج من غير السبيلين فلا ينقض إلا بشرطين. قال المؤلف: والفاحش من غيرهما. هذا قيد، القيد الأول: أن يكون فاحشاً، والمقصود بالفحش هنا الكثرة كثير، وضابطه ما يفحش في نفس الإنسان كل إنسان بحسبه. والشرط الثاني: أن يكون نجساً، أما لو خرج منه شيء طاهر فلا ينتقض به ايش، فلا ينتقض به الوضوء.
قال: والفاحش من غيرهما، وزوال العقل بغير نوم يسير جالساً أو قائماً. زوال العقل ينقض الوضوء، وزوال العقل أجمل صور عندنا: زوال العقل بالجنون، زوال العقل بالإغماء، زوال العقل بالسكر، وزوال العقل بالنوم. لكن زوال العقل بالنوم فيه تفصيل، إذاً الجنون والإغماء والسكر هذا ناقض للوضوء مطلقاً ما فيه تفصيل، أما النوم ففيه تفصيل.
ما هو التفصيل المتعلق بالنوم؟ نقول: النوم إن كان النوم ينقض الوضوء إلا إذا كان نوماً يسيراً وليس كثيراً من القاعد أو القائم، وليس من المستلقي. نأتي الآن للأمثلة، واضح المشايخ؟ إذاً النوم الذي ينقض الوضوء هو النوم ايش؟ النوم ينقض الوضوء، ما عدا ما هو النوم الذي لا ينقض الوضوء؟ النوم اليسير، إذا كان من قائم أو قاعد. شرط أن الشرط الأول أن يكونا يسيراً، الشرط الثاني أن يكون من قائم أو قاعد، بخلاف المستلقي.
وهنا ننبه أيها الإخوة الكرام إلى أن النعاس غير النوم، فنحن حينما نتكلم عن زوال العقل لا يدخل فيه النعاس؛ فإن النعاس لا يزول فيه العقل ولو طال، يعني لو كان النعاس كثيراً لا ينقض الوضوء. والفرق بين النعاس والنوم ما هو؟ ما هو الفرق ها؟ أن النعاس قبل النوم والنعاس لا يزول فيه العقل وهذا هو الضابط.
ولهذا ذكر ابن قدامة في المغني الإامم ابن قدامة هذا من أئمة الدنيا حتى قال، قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: ما دخل الشام بعد الأوزاعي أفقه من الموفق ابن قدامة، ومن علمه ولفهمه رحمه الله تعالى كونه من الربانيين، لأن الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كبارها.
الإمام ابن قدامة كان رحمه الله ربانياً، فصنف كتاب اسمه العمدة، عمدة الفقه وهذا الكتاب عمدة الفقه مبسط ومقرب، يذكر فيه المسائل على قول واحد بدون خلاف، ولا يذكر فيه الأدلة إلا نادراً، جيد كتاب مختصر يعني صنفه للمبتدئين.
ثم صنف كتاباً، وصنف كتاباً آخر وهو كتاب المقنع، يذكر فيه المذهب مع ذكر رواية أخرى في المذهب، ما هو خلاف عالي، لكن خلاف داخل المذهب. وصنف كتابه الكافي يذكر فيه المسألة ويذكر فيه دليلها تمام؟ ويذكر فيه أيضاً روايات في المذهب.
وصنف بعد ذلك كتاب المغني، وهذا المغني موسوعة من موسوعات الفقه، يذكر فيه القول ودليله، والخلاف بين المذاهب الأربعة، ودليل كل مذهب، ومناقشة الأدلة، كتاب بحر. وطالب العلم ينبغي عليه أن يترقى ويتدرج مثل مثل هذه الطريقة يتدرج، فلا يأتي إنسان في أول يوم في طلب العلم يفتح كتاب المغني ويبدأ يدرس؛ لأنه يضيع في بحر لا ساحل له، يغرق لججه وأعماقه واضح؟
لكن يبدأ بكتاب مختصر، فإن كان مثلاً مثل عمدة الفقه أو مثل آآ مختصر أبي شجاع إن كان شافعياً، أو مثل كتاب أسهل المسالك إن كان مالكياً واضح؟ أو مثل كتاب تحفة الملوك إذا كان حنفياً. فالمقصود أنه يبدأ بكتاب مبسط على قول واحد ليس فيه توسع وليس فيه خلافات، ولأن هذه طريقته.
وقالوا الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. وهذا في كل العلوم وليس فقط في الفقه، حتى في القرآن، لو جاء واحد يريد يحفظ القرآن من أول يوم ذهب للشيخ عند القراءات العشر، قال يا شيخ أنا أريد أن أقرأ عليك القرآن بالقراءات العشر وهو وما قرأ قراءة واحدة، وما حفظ القرآن، وما أتقن أحكام التجويد، هل يقرئه الشيخ؟ لماذا لا يقرئه؟ القرآن كله من عند الله، والقراءة كلها من عند الله. لكن لأن الإنسان يبدأ بصغار العلم ويترقى.
وقل مثل ذلك في النحو، يبدأ الإنسان بالكتاب لسيبويه، يسمع بعض المتخصصين يقولون الكتاب لسيبويه هذا كتاب عظيم ونفيس.
فيروح ثاني يوم ويشتريه من المكتبة. هو عظيم ونفيس لكنه لا يصلح لايش؟ لا يصلح للمبتدئ، وقل مثل ذلك في سائر العلوم. فينبغي للإنسان أن يقبل على طلب العلم، وأنا أوصي كل إنسان، لا تظن أن طلب العلم هذا يعني شيء مختص فقط بطلاب كليات الشريعة، كل مسلم ومسلمة، هذا دينك يا أخي. أقبل على تعلم العلم لكن احرص أنك تبدأ بايش؟ بصغار العلم قبل كباره.
والآن تيسرت الوسائل؛ في السابق كان الواحد يرحل من المدينة إلى الشام ليسمع حديثاً من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم. الإمام أحمد بن حنبل الذي لنا هذا المسند، كتاب الإسلام وديوان الإسلام مطبوع في طبعة الرسالة خمسين مجلداً، قال الإمام ابن الجوزي: طاف الإمام أحمد الدنيا مرتين في جمع المسند، طاف الدنيا مرتين في جمع المسند. ليش؟ لأنه كان ما في عندهم وسائل إلا الرحلة في طلب العلم وطلب الحديث.
الآن تيسرت الوسائل؛ الإنسان بالجهاز الصغير في جيبه يستطيع أن يقرأ الكتب، ويستطيع أن يطلع فيه، ويستطيع أن يسمع فيه دروس أهل العلم. الأمور تيسرت، ولكن الهمم قصرت، والأسباب المثبتة عن نيل المراد قد كثرت. لكن الإنسان ينبغي أن يعلم أن طلب العلم طريق إلى جنات النعيم؛ قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ.
وهذا المعنى أدركه السلف حتى لو قرأت في سيرهم وتراجمهم لوجدت شيئاً عجباً عجاباً في بذل الغالي والنفيس. يبذل أحدهم ما يملك، يبذل أحدهم ما يملك حتى سفيان الثوري باع سقف البيت. باع سقف بيتي وراح سافر في طلب الحديث، ما وجد مالاً يتزود به إلا أنه يبيع البيت فباعه بطلب الحديث. ولو تقرأ من سيرهم العجب العجاب في تحمل الجوع والعطش وبذل النفس والنفيس في تحصيل العلم، لماذا؟ لأن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة.
أوصيكم أن تحرصوا على هذا؛ اجعل لك، مهما كان تخصصك، إذا كنت تاجراً أو كنت مهندساً أو طبيباً أو فلاحاً أو عاملاً أو موظفاً، أيا ما كان تخصصك، لا يمض عليك يوم من عمرك إلا إذا تعلمت على الأقل فيه مسألة واحدة من مسائل الدين، من مسائل، ما أقول لك أكثر على نفسك، كل يوم تعلم مسألة ستجد مع مر الأيام والليالي أنك تعلمت أشياء كثيرة. والامام الشافعي يقول: إذا مر بي يوم ولم أزد في علم فليس معدوداً من عمري، ليس معدوداً هذا اليوم من عمري، وأنا نسيت البيت في هذا.
طيب، قال رحمه الله تعالى: والنواقض في الطهارة ثمانية: خارج من السبيلين، والفاحش من غيرهما، وزوال العقل بغير نوم يسير جالساً أو قائماً. وقلنا لكم أن هناك فرقاً بين النوم والنعاس، وقد ذكر ابن قدامة في المغني رحمه الله تعالى أن الإنسان لو نام فإنه إذا سمع من يتحدث بجواره لا يفهم، ممكن ينزعج؛ لأن النوم لا يلزم فيه زوال الشعور لكن يزول فيه العقل والفهم والادراك واضح. لكن النعسان يفهم، فإذا قام بعدين قال لهم: يا أخي أزعجتوني، أنت قلت لفلان كذا وليش قلت له كذا، فهو يفهم، واضح؟ بخلاف النوم؛ فإن العقل يزول فيه، نعم.
قال: ومس الفرج، وهذا هو الرابع من نواقض الوضوء؛ فإذا مس فرجه فإن الوضوء ينتقض. ويشمل مس الفرج سواء مس الذكر أو مسح حلقة الدبر، وأما مس ظاهر الدبر فلا ينقض الوضوء، مس ظاهره دون أن ينقض، لكن حلقة الدبر اللي هي فتحة الشرج، هذا ينتقض الوضوء بالمس.
الخامس: مس المرأة بشهوة؛ فإذا مس امرأة بشهوة انتقض وضوءه، وهذه المسألة تعلمون أنها من مسائل الخلاف. وأكل لحم الإبل، وأكل لحم الإبل، والإبل ينتقض الوضوء بأكل لحمها دون سائر أجزائها، وانتقاض الوضوء بلحم الإبل هو من مفردات الحنابلة. يعني ايش من المفردات؟ يعني تفرد به الإمام أحمد أو مذهب الحنابلة عن سائر المذاهب الأربعة. لأن المذاهب الأربعة: الحنفية مذهب الإمام أبي حنيفة، ومذهب الإمام مالك، ومذهب الإمام الشافعي، ومذهب الإمام أحمد، هذه المذاهب الأربعة. فالذي قال بانتقاض الوضوء من أكل لحم الإبل هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
وعنده في ذلك أدلة ولا ما فيه؟ عنده أدلة أنه ينقض الوضوء؟ عنده أدلة. الذين قالوا لا ينقض الوضوء عندهم أدلة ولا ما؟ كلهم من رسول الله ملتمس غرفاً من البحر أو رشفا من الديم. فكل واحد من هؤلاء، أيها الاخوة الكرام، المجتهدون، وإن اختلفوا، فانه يريد معرفة الحق وإصابة الحق. فالامام احمد رحمه الله: أأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. توضؤوا من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضؤوا. والآخرون استدلوا بحديث: كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار.
والله، طيب ما هو الراجح؟ الراجح عند الإمام أحمد أنه ينقض الوضوء، والراجح عند أبي حنيفة وعند مالك وعند الشافعي رحمة الله عليهم أنه لا ينقض الوضوء. عرفتم الراجح؟ فالراجح، أيها الاخوة الكرام، يختلف باختلاف العالم، لا، لا يستطيع، الإمام مالك كان يسأل عن مسائله يقول: إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين. مسائل هذه مسائل الاجتهاد، ليس فيها يقين تقول الراجح قطعاً وجزماً وحقاً ويقيناً ولا يجوز لأحد أن يخالف فيه هو كذا وكذا، لا، كل واحد له نظر وله اجتهاد، ويختلف العلماء.
وهنا يجب علينا أن نعرف الموقف من اختلاف العلماء؛ ما هو موقفي أنا انسان بسيط في العلم، ما هو موقفي من اختلاف العلماء؟ نقول: لابد من ثلاثة أمور تعرف ثلاثة أمور عند اختلاف العلماء.
الامر الأول: أن تعلم أن هؤلاء العلماء مأجورون، لا أقول معذورون بل أقول مأجورون. ما نقول يعذرون بل نقول يؤجرون، واضح؟ فمن أصاب منهم في الحق الذي هو عند الله فإنه له أجران، ومن أخطأ فله أجر، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران. فالامر الأول أن نعرف أنهم مجتهدون، وكلهم يطلب الحديث، وكلهم يطلب الدليل، وكلهم يريد الحق، ما فيهم واحد من أئمة الهدى ومن مصابيح الدجى يتعمد مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا والله ما في أبداً، أئمة الدين أتقى وأعلم بالله عز وجل من أن يتعمدوا مخالفة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكلهم يريد أن يصيب الحق.
فالإمام أبو حنيفة والإمام مالك، الإمام مالك إمام دار الهجرة قال: كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب ذاك القبر، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام. والإمام الشافعي قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي. والإمام أحمد كذلك قال: لا تكتبوا عني واكتبوا ما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام. فكلهم يريد السنة، ولا تتصور أن هناك شيء اسمه فقه السنة، وأن هناك شيء اسمه فقه المذهب الحنبلي أو المذهب الشافعي، كلها هي فقه السنة، وكلها فقه القرآن والسنة، وكلها فقه للشريعة، وكلها فقه للدليل، لكن تختلف الأنظار.
إذاً الأمر الأول أن نعرف أنهم اجتهدوا وأنهم بين الأجر والأجرين.
الأمر الثاني: ألا يكون اختلاف العلماء في مسائل الاجتهاد سبباً للفرقة والنزاع، أو سبباً للتعصب والتحزب والقطيعة. فهذا يقول: أنا والله أنا شافعي، لا أتكلم مع الحنفية ولا أمشي معهم ولا أسلم عليهم؛ هذا تعصب ذميم، وليس هذا طريقاً لأحد من الأئمة أصلاً. الأئمة الأربعة، أيها الإخوة الكرام، كلهم يجل بعضهم بعضاً. بعضهم أدركوا بعضاً والبعض قد لا يكون أدرك، مثل الإمام مالك أدرك الإمام أبا حنيفة. قيل: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: رأيت رجلاً لو أراد أن يقنعك أن هذه السارية من ذهب لفعل، من قوة حجته، كأنه فقيه حتى يسمى الإمام الأعظم، فقيه جبل من جبال الفقه.
الإمام الشافعي ماذا قال عن أبي حنيفة؟ تعرفون قال: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة. الإمام أحمد ماذا قال عن الشافعي؟ الإمام أحمد كان يقول: كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن أو كالعافية للناس، فهل عنهما من غنى؟ وكان يدعو
الإمام الشافعي وكان يستفيد من الإمام الشافعي في فقهه، وكان حتى الإمام الشافعي يستفيد من الإمام أحمد، ويقول: يا أحمد، يا أبا عبدالله، إذا صح عندك الحديث فأخبرنا حتى نعمل به. فاستفاد منه الشافعي في الحديث، واستفاد منه أحمد في الفقه.
وكان يلازم الشافعي يمشي معه، وكان الشافعي على بغلته ومشى معه الإمام أحمد، وقال لأحد العلماء في ذاك الزمان: إذا اردت الفقه فالزم ذنب البغل. هذا فقيه الدنيا، وكان معظماً للشافعي رحمه الله.
وكذلك الإمام الشافعي درس عند الإمام مالك هنا في هذا المسجد، وقرأ عليه الموطأ، وقال مالك للشافعي -الإمام مالك أستاذ للشافعي-: إني أرى أن الله قد قذف في قلبك نوراً فلا تطفئه بظلمة المعصية.
والإمام مالك التقى بمحمد بن الحسن الشيباني، وصار بينهم مجالس ولقاءات ومناظرات ونقاشات، واستفاد كل واحد منهما من الآخر. محمد ابن الحسن الشيباني هو مدون مذهب الإمام أبي حنيفة، وكتب ظاهر الرواية أتت ستاً، وبالأصول أيضاً سميت صنفها محمد الشيباني، حرر فيها المذهب النعماني، كما قال ابن عابدين في عقود رسم المفتي.
فهو مدون مذهب الإمام أبي حنيفة، وهو كتب ظاهر الرواية التي تطلق في المذهب الحنفي ستة، كلها لايش لمحمد ابن الحسن: الجامع الصغير والكبير، والسير الكبير والصغير، ثم الزيادات مع المبسوط تواترت بالسند المضبوط.
تفادي الإمام والإمام الشافعي هذا مالك، ومع محمد بن حسن، والإمام الشافعي التقى بمحمد بن الحسن وتتلمذ عليه، وقال: كتبت عن محمد بن الحسن وقر بعير من الكتب. شوف كيف تعظيم الأئمة بعضهم لبعض، يعلمون أقدار بعض، كل واحد منهم يعرف قدر الآخر ويجل الآخر.
فقضية التعصب وتفرقة الأمة والكلام هذا كله لا علاقة له بالمذاهب الفقهية، لم تكن المذاهب الفقهية يوماً من الدهر سبباً لتفرق الأمة، بل كانت سبباً لوحدتها وتمسكها واجتماعها.
فما يظن بعض الناس يقول الأمة منقسمة، لا، البلد الواحد ربما تجد فيه المذاهب الأربعة، وكلهم على قلب رجل واحد، وكلهم يقفون صفاً واحداً، وكلهم يحب بعضهم بعضاً ويجل بعضهم بعضاً.
إذاً هذه القضية الثانية، أن لا تكون المذاهب ولا يكون الاجتهاد الفقهي سبباً للفرقة وايش والنزاع والتعصب والتفارق إلى آخره، لا، لا.
الأمر الثالث أيها الأخوة الكرام، ألا يتتبع الإنسان رخص المذاهب يلفق ويتبع الرخص، يبغى يتزوج، لكن قالوا أبوها ما هو موافق، إنا لله وإنا إليه راجعون، فراح يدور ويبحث يمين ويسار حتى وجد قولا يقول أن الولي ليس ليس بشرط، قال: الحمد لله، رضي الله عنك يا أبا حنيفة الإمام الأعظم.
طيب، جاء إلى الناس قال: تعالوا نريد شهود يشهدون على النكاح، قالوا: ما نشهد على نكاحه ما في شهود، إنا لله وإنا إليه راجعون. بدأ ينقب ويبحث في الكتب يمين ويسار، حتى وجد قولاً عند المالكية أنه ايش أن الشهادة ليست شرطاً لكن الولي شرط، قال: لا نأخذ بقولهم في ايش فان الشهود ليسوا بشرط.
ثم راح يدور على موضوع ايش اعلان النكاح، قال: أنا الآن مشكلة ما استطيع أعلن النكاح، أريد يكون سر بيني وبينها، قالوا: لا، أنت أخذت بمذهب مالك أن الشهادة ليس بشرط، مذهب مالك أن الإعلان لابد منه واجب في النكاح، ما يجوز يدخل بها بدون إعلان.
قال: طيب خلينا نبحث، بحث وجد أن الشافعي أو بعضه الإمام أحمد يقول أن الإعلان سنة ما هو شرط، قال: خلاص، تزوج بدون ولي ولا شهود ولا إعلان، وتزوج زواجا لا يقول به أحد من أئمة الإسلام ولا من عقلاء الدنيا أبدا.
شفت كيف تتبع الرخص يؤدي إلى المروق عن ايش التكاليف الشرعية، ولهذا الأمر المهم الثالث أن لا يتتبع الإنسان رخص المذاهب، لأن تتبع الرخص معناها أنه يبحث عن هواه وعن رغبات نفسه، ثم يغطيها بايش بأقوال العلماء، وليس متبعا للعلماء ولا آخذا بأقوال العلماء، ولكنه ينتقي ما يوافق ايش هواه.
هذا بالنسبة لموضوع الاختلاف، طيب. أكل لحم الإبل قلنا ينقض الوضوء عند الإمام أحمد رحمه الله. ما تقولون لو أن رجلاً يرى هذا الرأي وهو على مذهب الإمام أحمد أن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء، فذهب وتغدى عند شخص إمام مسجد من الشافعية، تمام؟ تغدى عنده.
فهذا الشافعي إكراما لضيفه الحنبلي ها أتى له بغداء لحم جزور حاشي وغداه وأكرمه، فأكل الحنبلي، لما انتهى الحنبلي حظرت صلاة العصر قام وتوضأ. قال صاحب الشافعي: توضأ أنت أكلت لحم إبل، قال: لا، ما يلزم الوضوء، من لحم الإبل ليس بواجب. وذهب هذا الشافعي إمام المسجد وصلى بالناس إماماً، هل يجوز أن يصلي خلفه؟
قل: لا يجوز يا رجل، هو يرى أنه ينقض الوضوء، أحسنت، نقول: يصلي خلفه. سئل الإمام أحمد رحمه الله: أنصلي خلف من لا يرى نقض الوضوء من النوم؟ قال: نعم. قيل: أنصلي خلف من يرى المسح على الخفين بدون تحديد مدة؟ قال: نعم. قيل: أنصلي خلف من لا يرى نقض الوضوء من كذا؟ قال: نعم.
لأن مسائل خلافية، وتصح الصلاة خلف المخالف في الفروع، كونه هو يرى صحة الصلاة خلاص، صحت صلاته وتصح إمامته، واضح ولا ما هو واضح؟
بل إن الإمام أحمد رحمه الله سئل: هل نصلي خلف من يقنت في الفجر؟ تعرفون القنوت في الفجر هذا مذهب الإمام الشافعي، الإمام أحمد يرى أنه غير مشروع القنوت في الفجر. طيب، أنت ترى أنه غير مشروع القنوت في الفجر، سألوه طلابه: قيل: أنصلي خلف من يقنت في الفجر؟ قال: سبحان الله، ومن لا يصلي خلف الشافعي؟ يعني لو كان الشافعي إمام مسجد، تترك ما تصلي وراء صلاة الفجر وتروح تبحث عن غيره؟ لا، صلي خلفه، إذا الصلاة خلف المخالف في الفروع صحيحة، ولو كنت ترى رأياً يخالفه.
واضح؟ نعم. قال: وأكل لحم الإبل. ثم ذكر السابع، قال: والردة عن الإسلام عافانا الله وإياكم، ونسأل الله باسمه الأعظم أن يميتنا على الإسلام والسنة، فالردة تحبط الأعمال، منها الوضوء.
والثامن المؤلف قال: وهي ثمانية، ثم ذكر سبعة. جزاك الله خير، ذكر سبعة ولم يذكر الثامن، جل من لا يسهو، جل من لا يسهو، فما هو الثامن؟ ما هو الثامن؟ أحسنت، غسل الميت، فإن غسل الميت ينقض الوضوء.
ما الدليل، أين الدليل من القرآن؟ فيه في القرآن أن غسل الميت ينقض الوضوء؟ هل في السنة أن غسل الميت ينقض الوضوء؟ حديث من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ منسوخ، ولم يقل به يعني بوجوب الغسل من غسل الميت أحد.
ها هل في السنة لا يعرف حديث صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الميت إذا غسل الميت يغتسل، أن الإنسان إذا غسل الميت يغتسل؟ من أين أتوا بهذا؟ من أقوال الصحابة، فقد افتى بهذا أبو هريرة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
الصحابة أيها الأخوة الكرام أقوالهم حجة؟ هل معنى هذا أن الصحابة معصومين، وبعض الناس يمكن كيف قول الصحابة حجة؟ الحجة في كلام الله وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام. نعم، لكن الصحابي الذي شاهد التنزيل، وصاحب المصطفى الجليل عليه الصلاة والسلام المؤيد بجبريل صحب صحابي صحب النبي عليه الصلاة والسلام، وحضر نزول الوحي، نقول: إن تكلم الصحابي في مسألة من مسائل الفقه فلا يخلو من حالين، أما أن يكون أخذها من حديث سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبلغنا، أو يكون قاسه واجتهد فيه بناء على النصوص الشرعية، عموماتها أو أقيستها أو مفهومها أو غير ذلك.
في احتمال ثالث؟ هل يمكن احتمال ثالث أن يكون قاله بغير علم؟ معاذ الله، هذا لا يمكن، الصحابة عدول، والعدل لا يتكلم في دين الله إلا بالعلم، لأن الكلام في دين الله بغير علم هذا مسقط للعدالة، الكلام على الله بغير علم. شوفوا يا جماعة الخير، الواحد ممكن يتكلم في الأداق والله الطعام هذا لذيذ وهذا ما هو لذيذ، الأمر هين، لكن أن تتكلم وتقول هذا حلال وهذا حرام.
دون أن تكون عندك علم أو تكون من أهل العلم، إما من أهل العلم أو تنقل عن أهل العلم، ما سوى ذلك فإنه من القول على الله بغير علم، وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ.
والله عز وجل يقول، قال الله سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. جريمة القول على الله بغير علم.
ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة، الذين كذبوا على الله، منهم ممن يدخل في الكذب على الله من يتكلم في دين بغير علم؛ لأنه ينسب إلى الله ما لم يشرعه.
الشاهد هنا أن الصحابي إذا تكلم في مسألة، إما أن يكون قالها باجتهاد، أو بتوقيف سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، فإن كان سمعه من النبي عليه الصلاة والسلام فهو حجة، وإن كان باجتهاد فهل نحن نجتهد ولا نأخذ باجتهاده؟ أيهما أقرب إلى الصواب؟
نحن نقول: هذه المسألة ما عرفنا فيها حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فيها اجتهاد صحابي، وفيها اجتهاد واحد في دبر الزمان في القرن الرابع عشر، أيهما أقرب إلى إصابة الحق؟ اجتهاد شخص حضر نزول الوحي وصاحب النبي صلى الله عليه وسلم وسمع خطبه وأحاديثه وتلقى الفقه وتعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم، ولا غيره؟ فلهذا العلماء أكثر الفقهاء يرون أن قول الصحابي حجة، لا لأنه معصوم، ولكن لأن اجتهاده مظنة الصواب أكثر من اجتهاد غيره.
واضح؟ نعم، فنأخذ باجتهاد الصحابة. لكن هذه المسألة بعضهم يقول إنها من حكم الحديث المرفوع؛ لأن الأمر بالوضوء من غسل الميت لا يدرك هذا، لا يدرك بالاجتهاد، ولهذا قال الناظم يقول: وقول صاحب إذا لم يرد عن صاحب خلافه فاعتمدي، وإياكم بالرأي لا يقال فحكمه الرفع على ما قالوا. فما كان يقوله الصحابي من لا مجال للرأي فيه، فله حكم إيش؟ المرفوع إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: إذا هذه هي نواقض الوضوء.
الشيخ عامر بهجت