تسجيل الدخول

كتاب الصيام

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

نبدأ الآن أيها الإخوة الكرام في التعليق على كتاب الصيام من عمدة الفقه للحافظ أو للإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: كتاب الصيام. العلماء يصنفون الفقه على كتب، فتجده يقول: كتاب الصلاة؛ يعني يبين لك فيه أحكام الصلاة، كتاب الزكاة؛ يبين فيه أحكام الزكاة، وهذا ترتيب للعلم، بحيث الإنسان الذي تشكل عليه مسألة فقهية تتعلق بالزكاة يعرف أين يجدها؟ وهذا من تقريب العلم وتسهيله.

ثم بدأ أولاً رحمه الله تعالى بحكم الصوم، ولم يبين تعريف الصوم؛ ليش ما بين تعريف الصوم؟ لماذا؟ هل نسي ذلك؟ وإنما رأى فيما يبدو والعلم عند الله تعالى أن الصوم معروف للمسلمين، أليس كذلك؟ هل أحد منكم لا يعرف الصوم؟ الجميع يعرفه، فكان يعني من الأسباب أن الصوم معروف، ويعتني أهل العلم ببيان التعريف، يعتنون أكثر ببيان التعريف للشيء الذي لا يكون معروفا، خلاص؟

ولهذا ستجد أن الإمام رحمه الله تعالى يعرف بعض الأشياء، يعني مثلا في باب العتق، باب المكاتب؛ قال: الكتابة شراء العبد نفسه من سيده بمال في ذمته. قد يأتي واحد على الطريقة الأكاديمية المعاصرة يقول: ليش؟ لماذا لم يكن منهجه موحدا في كل الأبواب يعرف؟ يبدأ الباب بالتعريف؛ ليش؟ لأن فيه أشياء واضحة ما نحتاج نعرفها، وفيه أشياء خفية تحتاج إلى بيان وتعريف واضح، فلذلك لا حاجة إلى تعريف الصوم.

بدأ بحكم الصيام، والصوم أيها الإخوة الكرام واجب، هذا ذكره فقال: ويجب صيام رمضان. هذه الكلمة أعطتنا معلومتين: الأولى أن حكم الصيام هو الوجوب، الأمر الثاني أن الصوم الواجب هو صوم رمضان. ووجوب صوم رمضان هل هو محل اتفاق ولا محل خلاف بين العلماء؟ طالب العلم من المهم أن يعرف تمييز مسائل الاجماع من مسائل الخلاف؛ ليش؟ لماذا؟ لأن مسائل الاجماع لا يعذر المخالف فيها، بل ينكر عليه، ينكر عليه، وينصح، يبين له، واضح ولا لا؟ بخلاف مسائل الاجتهاد والخلاف، فإن الإنسان لا ينكر في مسائل الاجتهاد، واضح؟

طيب، هل هذه مسألة إجماعية ولا خلافية؟ كيف نعرف ها؟ نبغى تعليم المتعلم طريق التعلم. الأحناف عندهم الواجب غير الفرض، لكن الصوم فرض حتى عندهم؛ لأنه ثبت بدليل قطعي في القرآن: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. ما الدليل على وجوب الصوم؟ القرآن والسنة والإجماع. القرآن: قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ. السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس، وذكر منها صوم رمضان. تمام، نأتي الآن إلى الاجماع.

كيف نعرف المسألة الإجماعية من المسألة الخلافية؟ هل فيه كتب معينة يرجع إليها طالب العلم ليتعرف على ذلك؟ نقول: نعم، هناك كتب صنفها العلماء رحمهم الله تعالى اسمها كتب الإجماع. والإجماع أيها الإخوة الكرام حجة عظيمة ودليل مهم، ولا يجوز لأحد أن يخالف الإجماع أبدا؛ لأن الله عز وجل يقول: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ. وللاسف الشديد قد ظهر في عصرنا الحاضر بعض الناس يدعون بما يسمونه تجديدا للدين، وهو إذا وتفسيدا لا تجديدا. ما هو تجديد الدين؟ تجديد الدين أن ترد دين الأمة إلى ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه. أما أن تغير الدين الذي كان عليه المصطفى صلى الله عليه وسلم وكان عليه الصحابة والتابعون، هذا ليس بتجديد، هذا تفسيد وتبديد وإن سمي تجديدا.

فبعض الناس يضع عنوانا براقا وشعارا خادعا يسميه تجديد، وقد يكون محقا، وقد يكون تحت هذا العنوان ايش ها؟ قد يكون تحت هذا العنوان تبديد وإفساد. فيأتي للأمة بمسائل خلاف ما أجمع عليه العلماء، واضح؟ وهذا للأسف الشديد يكثر بسبب الجهل، ليس فقط الجهل، الجهل وجمع الجرأة إلى الجهل، فيه جاهل يسكت، جاهل ويعرف أنه جاهل، فذلك جاهل وعلموه، يسكت ويعلم، لكن للأسف هناك جاهل يظن أنه من أهل العلم يقول: أنا رأيي والله بالنسبة لكذا أنه لا بأس مثلا أنه يعني الإنسان يفطر في رمضان على أساس أن ايش؟ الدوام والحاجة الاقتصادية وما إلى ذلك.

حتى إن مما يروى أن شخصا صاحب نفوذ وسلطة طلب من أحد العلماء، قال: قل للناس لا يصومون رمضان. يظن أن العالم هذا يمكن يتأثر بكلام صاحب نفوذ أو صاحب سلطة، وأهل العلم الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله. فقال له: تطلع في التلفزيون وتعلن للناس أن افطروا، تمام؟ فطلع في التلفزيون فقال: أيها الناس، إن الله عز وجل يقول: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، وفلان يقول لا تصوموا، وقد صدق الله وكذب فلان. انتهت الحلقة.

المقصود أيها الإخوة الكرام أن من مسائل الدين ما هو إجماع، لا يجوز لأحد أن يجتهد بخلافه ولا أن يقول بخلافه ولا أن يأخذ بخلافه. الإجماع حجة، حجة، هذا ما فيه كلام. الإجماع، قد يقول قائل: ليش الإجماع حجة يا أخي؟ نقول: لأن القرآن أثبت حجية الإجماع. هل الإجماع حجة لأنه لأننا نقدس العلماء ونعتبر العلماء غير قابلين للخطأ وكما يقول بعضهم هذا يعني تقديس وما إلى ذلك؟ لا، الإجماع حجة لأن الله عز وجل في كتابه قال: وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ. إذا، إذا كان المؤمنون على سبيل مثلا المؤمنون كلهم يقولون الصوم واجب، فقال إنسان: الصوم ما هو واجب، يكون ايش؟ خالف اتبع غير سبيل المؤمنين ولا لا؟ متوعد للوعيد ولا لا؟ إذا الإجماع حجة لأجل ذلك، ما هو تقديس لشخص معين.

كذلك السنة النبوية دلت على حجية الإجماع بقوله عليه الصلاة والسلام: لا تجتمع أمتي على ضلالة. وقوله عليه الصلاة والسلام: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى قيام الساعة. الحق موجود، لا يمكن أن يكون الأمة على خطأ كلها. ممكن عالم يخطئ ويرد عليه، يقول هذا العالم شيء فيخطئ وله أجر؛ لأن العالم إذا اجتهد فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، لكن لا يمكن أبدا أن تكون الأمة كلها وعلماء الأمة كلهم مخطئين؛ لأن الله عصم الأمة بمجموعها من الخطأ ما بيناه.

بل أنت تقرأ كل يوم في كل ركعة من صلوات من الصلوات الخمس، تقرأ: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. فإذا رأيت صراطا وطريقا وجادة وقولا سار عليه الأنبياء والصالحون الصديقون والشهداء والصالحون، كلهم ساروا على هذا الطريق، فاعلم أنه الحق، هو أن الطريق الثاني خطأ ولو ظهر لك بنقص علمك أنه صواب، فاعلم أنه خطأ؛ ليش؟ لأن الله عصم مجموع الأمة من أن تجتمع على ضلالة.

ما هي الكتب التي نرجع إليها في معرفة الإجماع؟ يقول واحد: أنا أبغى أتعرف على مسائل الإجماع، أبغى أعرف المسائل الإجماعية من المسائل الخلافية. فيه كتب متخصصة، الإام ابن المنذر رحمه الله تعالى صنف كتابا اسمه كتابا سماه ايش؟ الإجماع، جمع فيه المسائل المجمع عليها بين العلماء. الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله صنف كتابا سماه مراتب الإجماع، وكذلك في كتب الفقه المقارنة الموسعة، كتب الخلاف العالي مثل المغني ومثل الأوسط لابن المنذر ومثل المجموع للنووي، تجد أنهم يبينون في كل مسألة من المسائل هل هي إجماعية أو خلافية؟ ومن ذلك نأتي إلى هذه المسألة: حكم صوم رمضان. نحن قلنا دل عليه الإجماع، نحن نراجع كتب الإجماع. طبعا هذه المسألة بالمناسبة هذه المسألة تسمى من المعلوم بالدين بالضرورة؛ لأن المسائل غير القسمة إلى إجماع وخلاف، فيه تقسيم آخر لمسائل الفقه وهو إلى قسمين أيضا: مسائل معلومة من الدين بالضرورة، ومسائل قد تخفى على بعض الناس. ما علم من الدين بالضرورة هذا لا ينكره أحد، بل إن من انكره عامدا عالما بحكمه فإن دينه على خطر، واضح ولا لا؟ نعم، قال: صوم شهر رمضان فرض، ومنكره كافر. شف نقل هذا الكلام، نقل هذا الكلام ابن القطان في كتابه الإقناع في مسائل الإجماع، وهذا أيضا من كتب الإجماع، من أوسع كتب الإجماع الإقناع.

لابن القطان يقول: ولا خلاف بين العلماء أن صيام شهر رمضان واجب، وهذا أمر معلوم من الدين بالضرورة. وكذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني، والكاساني في بدائع الصنائع، تعرفون الكاساني؟

هذا من علماء أي مذهب؟ الإام الكاساني نعم، صاحب بدائع الصنائع، وهذا عالم من علماء مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله. بدائع الصنائع هذا كتبه شرحاً على تحفة الفقهاء.

لمن؟ السمرقندي تمام؟ تحفة الفقهاء للسمرقندي، فشرحه الكاساني ثم تزوج بنت الشيخ السمرقندي. ولهذا قالوا في الترجمة، قالوا: شرح تحفته وتزوج ابنته تمام؟ شرح تحفتها وتزوج ابنته. وذكر هذا الإجماع غير واحد من أهل العلم. المقصود أن عندنا كتب معروفة يرجع إليها في معرفة الإجماع. طيب، السؤال الآن:

إذا كان صوم رمضان واجباً، هل هو واجب على كل أحد ولا على من تحققت فيه شروط معينة؟ وانتبهوا لهذه القضية يا جماعة الخير، انتبهوا إلى أننا حينما نحكم على شيء بالمشروعية أو حتى بالوجوب، لا يعني ذلك أنه شرعي في كل حال. ولهذا من أنكر وجوب الصوم يكفر عند أهل العلم، صح ولا لا؟ لكن هل يجوز للصائم أن تصوم؟ الحائض أن تصوم؟ الحائض يجوز تصوم؟

ما يجوز أصلاً، يحرم عليها الصوم. فلو جاء واحد مسكين يقول: أنا سمعت الشيخ يقول الصوم واجب، وزوجتي في البيت ما صامت اليوم إذاً هي آثمة. نقول: يا اخي، يمكن أنها حائض، فإذا كانت حائض فلا يجوز أن تصوم. ولهذا حينما يقرر الوجوب تقرر شروط الوجوب، وهذا الكلام ينطبق على الصوم، ينطبق على الصلاة، ينطبق على الجهاد في سبيل الله. بعض الناس يرفع راية اسمه يحط شعار جهاد، ثم تحت هذا الشعار لا تتحقق شروط الجهاد، هل معنى لما نقول الجهاد لا شك أنه عبادة من أجل العبادات؟ لكن إذا لم تتحقق شروطه، بعض الناس يقتل المسلمين باسم الجهاد، هذا جهاد؟

هذا ليس بجهاد. فالمقصود أن كل عبادة أيها الأخوة الكرام، ومنها الصوم، لها شروط. الشرط الأول قال: يجب صيام رمضان على كل مسلم. هذا الشرط الأول. فإذا فرضنا مثلاً في البلد المسلم، كان هناك رعاية من أهل الذمة من اليهود أو من النصارى ولم يصوموا، نقول: لا، لا يجاهرون بالفطر يعني ما يعلنون يطلعون قدام الناس في النهار في رمضان ياكلون، لا.

لكن لو أفطر في بيته هل يعاقب؟ ها؟ لا. إذاً بمعنى أن الوجوب لا يجب إلا على المسلم، أن الكافر لا يؤمر به حال كفره. طيب، سؤال آخر، لو جاك أنت مثلاً في مركز من مراكز الدعوة إلى الإسلام، فجاءك رجل في يوم خمسة رمضان، وقال لك: أنا أريد أن أقبل في الإسلام، وأنا قرأت عن الإسلام واقتنعت بالإسلام وأريد أن أقبل في الإسلام. تقول له ايش؟ اشهد أن لا إله إلا الله، فيقول: اشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، دخل في الإسلام. طيب، يوم واحد واثنين وثلاثة وأربعة وخمسة رمضان ما صامها كانت حال كفره، صح ولا لا؟ هل يؤمر بقضائها ولا ما يؤمر؟ لا يؤمر بقضائها، لأننا قلنا الصوم إنما يجب على من؟

على المسلم. واضح؟ الشرط الثاني المؤلف يقول: أن على كل مسلم بالغ. خرج بالبالغ الصبي الصغير، الصبي الصغير لا يجب عليه الصوم وله صورتان: الصغير دون التمييز ولا يطيق الصوم، فهذا لا يؤمر بالصوم. أما الثاني فهو الصبي المميز القادر على الصوم، فهذا يؤمر بالصوم وجوباً ولا تربية وتأديباً؟ تربية له وتأديباً له وتعويداً له على الصوم. لكنه لو أفطر هو مثلاً من غير علم أبيه، هل يأثم ويوم القيامة يعاقب على فطره؟ لا.

واضح؟ لكن لازم يصوم ويتعود على الصوم تربية له وتأديباً له، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة: مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر. الشرط الثاني قال: عاقل.

العاقل يخرج به المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الصوم ولا يصح منه الصوم، لأن العقل شرط لصحة العبادة، فالعبادات كلها لا تصح من المجنون. واضح؟ الشرط الرابع: قادر على الصوم.

العاجز عن الصوم لا يجب عليه الصوم، وهذا من رحمة الله عز وجل أنه لا يجب الصوم على القادر، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ألا يجب الصوم على العاجز؟ لا يجب إلا على القادر، فأما العاجز فلا يجب عليه الصوم.

عاجز نوعان: العاجز الذي يعجز عجزاً لا يرجى زواله، كرجل كبير في السن عمره مئة سنة وصحته لا تسمح له بالصوم، هل يرجى زوال كبر السن؟ ما يمكن خلاص. الشباب إذا ذهب ما يرجع. قال الإمام أحمد: ما أشبه الشباب إلا بشيء كان في كمي ثم سقط، ولا يعود الشباب. فالمقصود أن هذا العذر لا يرجى زواله. ما الحكم فيه؟ وش نقول فيه يا شيخ؟ هل نقول يجب عليه القضاء؟ ما يمكن يقضي لأنه لا يرجى زوال عذره، فنقول: يطعم عن كل يوم مسكيناً ماشي؟ يطعم عن كل يوم مسكيناً.

وأما إذا كان عجزه عجزاً يرجى زواله، كالمريض مرض الأطباء يقولوا: إن شاء الله أسبوع أسبوعين استمر على الدواء وتشفى بإذن الله، فهل يطعم؟ نقول: يفطر ويقضي، وسيأتي أيضاً مزيد بيان لهذا. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويؤمر به الصبي إذا أطاقه. وقد بينا هذا أن الصبي إذا كان يطيق الصوم يقدر يستطيع على الصوم، فإنه يؤمر بذلك تأديباً وتربية وتعويداً. يأتي السؤال الآن: إذا تقرر أن صوم رمضان واجب، فبماذا نحكم بدخول شهر رمضان حتى نحكم بهذا الوجوب؟ كيف نعرف أن رمضان دخل؟ قال المؤلف: ويجب بأحد ثلاثة أشياء.

عدها معي: أولاً: كمال شعبان، اثنين: رؤية هلال رمضان، ثلاثة: وجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دون الهلال. نبدأ واحد واحد. واحد واثنين باتفاق العلماء، ثلاثة جمهور العلماء على خلافه. شفت أهمية تمييز الإجماع عن الخلاف؟

أنت إذا قرأت ينبغي أن تعرف هل هذا إجماع ولا خلاف؟ فإذا اكتمل شعبان يدخل رمضان ولا لا؟ إجماعا واضح. ولو في غيم، صمنا ثلاثين يوم شعبان ما رأينا الهلال بسبب الغيم، نصوم آآ نكمل شعبان واحد وثلاثين واثنين وثلاثين وخمسة وثلاثين؟ لا. بالإجماع أن الشهر أكثره ثلاثون، إذاً هذا إجماع واضح وينتهي. الثاني: برؤيته هلال رمضان، وهذا أيضاً إجماع، إذا رؤي هلال رمضان فإنه يجب الصوم. في تفاصيل خلافية، مثل: هل يجب الصوم على الجميع أو كل بلد يصومون برؤية مستقلة أو باختلاف المطالع؟ هذا خلوه يأتي إن شاء الله. لكن أصل رؤية الهلال متفق عليه، دل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته.

ثم بعد ذلك الثالث: وجود الغيم، وهذا محل خلاف. هذه المسألة صورتها كالتالي: إذا خرج الناس يوم تسعة وعشرين شعبان بعد غروب الشمس ليلة الثلاثين، ونظروا إلى السماء يتحرون الهلال فوجدوا في السماء غيماً أو غباراً منعهم من رؤية الهلال، هل يجب الصوم؟ جمهور العلماء من الحنفية والمالكية والشافعية يقولون: لا، ما يجب الصوم. الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مذهبه من المفردات يقول: يجب الصوم.

وهذه من المفردات، يعني ايش من المفردات؟ يعني أنه قول انفرد به هذا المذهب عن المذاهب الأخرى، فالإمام أحمد يرى وجوب الصوم. ما دليله؟ ترى بالمناسبة، لازم تفهموا هذا يا إخوان: لا يوجد عالم يتكلم في دين الله عز وجل، عالم يخاف الله، ما يمكن يتكلم في دين الله إلا بدليل، لازم يكون عنده دليل. لكن هذا الدليل قد يوافقه عليه غيره فيقول: والله هذا حديث صحيح، وقد يأتي عالم آخر فيقول: لا والله حديث هذا ضعيف، أو ممكن يقول حديث صحيح لكنه منسوخ.

واضح؟ فاختلاف العلماء له أسباب، ليس اختلاف عن هوى، وإنما هو أسباب علمية موضوعية. طيب، إذا عرفنا هذا بالنسبة لهذه المسألة من المفردات، وكيف نعرف المفردات؟ قلنا: المفردات تعرف من كتب، فيه كتب صنفها أهل العلم تسمى كتب المفردات، منها نظم للعمري، نظم المفردات ألفية وشرحه الإمام الشيخ منصور البهوتي رحمه الله، شرحه في منح الشافيات في شرح نظم المفردات، وكذلك الإنصاف للمرداوي، كتاب الإنصاف موجود يا شيخ، صح ولا لا؟

كتاب الإنصاف أيها الإخوة الكرام للإمام المرداوي رحمه الله هو أيضاً من الكتب التي تعتني ببيان هذه المسألة، هل هي من المفردات أو لا؟ فيقول: هذه من المفردات، ولهذا نأتي إلى هذه المسألة.

فنفتح الإنصاف للمرداوي رحمه الله تعالى يقول: وإن حان دون منظره غيم أو قتر وجب صيامه. ثم قال رحمه الله تعالى: وهو من المفردات. واضح؟ وكذلك ذكر ذلك من، نعم قال: وهو من مفردات المذهب.

قال: هذا المذهب وهو من مفردات المذهب. يعني ايش من مفردات المذهب؟ يعني انفرد به مذهب الإمام أحمد عن بقية المذاهب الأربعة، ولا يلزم أن يكون انفرد به عن كل علماء الأمة، لا، عن المذاهب الأربعة. واضح؟

طيب، هذه المسألة أيها الإخوة الكرام، كما قلنا لكم، نريد نعرف مصدر المعلومة؛ كيف ترجع للمعلومة؟ ما هي الكتب التي ترجع إليها هذه المسألة؟ هل الحنابلة رحمهم الله تعالى كلهم يقولون بهذا القول إنه يصام يوم الغيم؟ ولا فيه بين حتى أصحاب المذهب الواحد قد يحصل خلاف، أن هذا يدلك على عدم التعصب، عدم التعصب، أصحاب المذاهب ليسوا بمتعصبة، الانتماء لمذهب حنبلي ما هو معناها تعصب لهذا المذهب.

هل هناك خلاف بينهم؟ نعم، فيه خلاف. ما هو الكتاب الذي نعرف به الخلاف داخل المذهب؟ الإنصاف أيضاً للمرداوي، الإمام علاء الدين القاضي المرداوي من علماء الشام رحمه الله تعالى وغفر له. يقول في هذه المسألة: وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب، وهو المذهب عند الأصحاب ونصروه وصنفوا فيه التصانيف وردوا حجج المخالف وقالوا نصوص أحمد تدل عليه. وعنه لا يجب صومه.

إذاً، هذا قول آخر داخل المذهب أنه لا يجب صومه وإنما يستحب، القول الثالث أنه لا يستحب أيضاً، تمام إلى آخره. طيب سؤال، هل هذه المسألة نص عليها الإمام أحمد رحمه الله؟ لأن المذاهب أيها الإخوة الكرام المذاهب الفقهية علوم تراكمية، علوم تراكمية يأخذ العالم العلم عمن قبله، ثم قد تأتي مسائل في الزمن المتأخر ما كانت موجودة في الزمان الأول، فيأتي العلماء الذين من بعد يجتهدون وينظرون في هذه المسألة ويحكمون فيها. واضح ولا لا؟

المقصود هنا، هل هذه المسألة من المسائل التي نص عليها الإمام أحمد؟ ما هو الكتاب الذي نرجع إليه؟ قلنا لكم كتب المسائل، خلينا نشوف هذه، آه نعم، هذا كتاب الجامع للعلوم الإمام أحمد جمع كتب المسائل. تجد فيه أنه سئل عن الشك، فيقال: الشك على جهتين؛ يوم الغيم ويوم، وهكذا تجد فيه كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

طبعاً هنا علماء المذهب اختلفوا هل نصوص أحمد رحمه الله تدل على الوجوب أو نصوصه تدل على الجواز أو على الاستحباب، هذا خلاف بين العلماء وهي مسألة تخصصية ربما لا يناسب طرحها. المقصود عرفنا أن رمضان يدخل برؤية الهلال ويدخل بايش؟ باكمال شعبان، أما مسألة الغيم فإن الأكثر من أهل العلم لا يثبتون دخول الشهر بها، ومن مفردات الحنابلة أنهم يقولون إنه يدخل الشهر بها.

طيب تعال يا شيخ، خلينا نجي النوازل، ما قلنا لكم إنه تنزل في كل زمان النوازل لم يتكلم عليها علماء العصر الأول أحياناً، اليس كذلك؟ طيب، من النوازل أيها الإخوة الكرام المتعلقة بهذا، نحن قلنا إن دخول الشهر إجماعاً يثبت برؤية الهلال، صح ولا لا؟ وش رايكم لو رؤي الهلال بالتلسكوب أو بالمراصد الفلكية؟ رؤي ولا ما هو رؤي؟ رؤية، لكنها ليست رؤية بالعين المجردة، فإذا نظرنا إليها من جهة كونها رؤية والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، نقول: يصام، وإذا نظرنا إلى جهة كون هذه الرؤية ليست هي الرؤية التي جرت بها العادة في زمن الخطاب نقول: هذا مسألة نازلة.

طيب كيف نعرف المسائل النازلة؟ لو رجعت إلى كتاب المغني، كتب الأولين، كشاف القناع، غيره ما تجد فيه النوازل المعاصرة. فكيف تعرف حكم النوازل المعاصرة؟ طبعاً طالباً أيها الإخوة الكرام، طالب العلم يتعلم البحث، وتعلمه للبحث والرجوع للكتب لا يعني استغناؤه عن العلماء، وأما عامة الناس الذين حتى بعض الناس لا يحسن التعامل مع الكتب ربما يقرأ شيئاً فيفهم عكس الكلام، فمثل هذا يتعلم ويطلب العلم ويثني ركبه إلى بين يدي أهل العلم، والتلتحق بركب طلاب العلم، وحتى يحصل له من القدرة على الفهم ما يمكنه من مراجعة المصادر والكتب فإنه ينبغي أن يقتصر على استفتاء العالم، يسأل يا شيخ صار له كذا وكذا وكذا، فإذا وجد أخذ من الشيخ الفتوى يعمل بها. واضح؟

طيب، النوازل أين نجدها في عصرنا الحاضر أيها الإخوة الكرام؟ نشأت المجامع الفقهية يعني نشأت بهذا الشكل، وإلا فمن قبل قلنا لكم إن مجالس العلماء قد يكون فيها نقاش واجتماع ويصدرون عن رأي جماعي، وعمر كان يجمع أهل بدر وغير ذلك، اضطهاد جماعي، لكن أقصد المجامع الفقهية في العصر الحاضر أيضاً يعني ظهرت بهذه الصورة وكان من أهدافها المسائل النازلة. واضح؟

فمن أهم المراجع للمسائل النازلة قرارات المجامع الفقهية والهيئات العلمية المعتبرة، مثل هيئة كبار العلماء، علماء أجلة يجتمعون وينظرون في النازلة ثم يصدرون فيها قراراً، المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي، مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي، كل هذه مجامع فقهية تجتمع لدراسة النوازل.

هناك كتب جمعت قرارات المجامع بحيث تقرب لطالب العلم الرجوع إليها، فمثل هذه المسألة نريد أن نرجع إلى فتاوى أهل العلم، أيوه فنأتي في هذه النازلة نراجع هذا كتاب فقه النوازل للشيخ محمد حسين الجيزاني، تأتي وتنظر فإذا به جمع لك ايش؟ جمع لك قرارات المجامع الفقهية ورتبها على الأبواب. واضح؟ ننظر في مسألة اللي هي قلنا مسألة ايش؟ اثبات دخول الشهر، نعم بايش؟ برؤية المراصد والتلسكوب ونحوها.

هذا قرار لهيئة كبار العلماء، ينص القرار على الآتي، تمام؟ أن الهلال إذا رؤي بالمرصد رؤية حقيقية بواسطة المنظار تعين العمل به لحديث: صوموا لرؤيته، حيث يصدق أنه رؤي الهلال ولو لم ير بالعين المجردة. إذا عرفنا أن الرؤية هنا هذه مسألة جديدة معاصرة، عرفنا أن الرؤية هنا تشمل الرؤية البصرية وكذلك في عصرنا الحاضر الرؤية بالمنظار ونحوه.

هناك كتاب آخر وهو الموسوعة المعاصرة في القضايا، الموسوعة الميسرة في القضايا الفقهية المعاصرة، صدر عن جامعة الإمام مركز التميز البحثي فقه القضاء المعاصر، أيضاً تجد فيه المسائل المعاصرة مبوبة ومفهرسة بشكل مبسط، فتجد مثلاً أنه يقول: استخدام المراصد الفلكية، وذكر حكم المسألة والقرار الصادر فيها.

هنا مسألة أخرى تتعلق بدخول الشهر، وهي هل يثبت دخول الشهر بالحساب الفلكي أو لا يثبت؟ أولاً، ينبغي أن نقرر قضية مهمة جداً حتى لا يشوش في البحث، وهي أن الكلام الفقهي في مسألة اثبات دخول الشهر بالحساب الفلكي أو عدم اثبات ذلك لا يقتضي إيش؟ لا يقتضي تخطئة الفلك، إن قلنا لا يثبت دخول الشهر، يعني بعض الناس يظن أننا حينما نقول لا يدخل الشهر بالحساب الفلكي يظن أننا نقول إن الفلك يخطئ في الحسابات، لا يقتضي هذا. واضح؟

فلا يلزم من دقة الحسابات الفلكية اعتبارها في الأحكام الشرعية، ماشي؟ وقد ذكرنا مثالاً على هذا؛ هناك حقائق علمية ثابتة، لكن هل الحكم الشرعي علق بهذه الحقيقة العلمية ولا لا؟ ماشي؟

على سبيل المثال، المتخصصين يذكرون أن ضوء الشمس يصل خلال ثمان دقائق، صح ولا لا؟ سرعة الضوء من الشمس إلى الأرض كم؟ ثمان دقائق، فحينما يكون باقي على غروب الشمس ثمان دقائق الحقيقة العلمية تقول إيش؟ الشمس غربت، لكن هل يجوز شرعاً أن يصلي أحد صلاة المغرب أو أن يفطر؟ الجواب لا. هل هذا إنكار للحقيقة العلمية؟ لا، وإنما هو بيان للمناط الشرعي الذي علق الحكم عليه. وهذا من تيسير الشريعة، من تيسير الشريعة وسماحتها أن جعلت الحكم معلقاً بأمر يشترك فيه الناس، صوموا لرؤيته.

لو قلنا صوموا بالحساب الفلكي، ما شأن الناس والأعراب وأهل البوادي وأهل القرى الذين ليس عندهم حسابات ولا عندهم فلكيون؟ يكون عليهم مشقة وعنت ولا لا؟ الجواب نعم، ولهذا علق الشرع الحكم بأمر يسير لا يحتاج إلى والله مراصد وحسابات ودراسات وما إلى ذلك، يستوي فيه الناس، كما قرر ذلك الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى.

في كتابه الموافقات حينما قال الشريعة أمية لا يحتاج في فهمها إلى علم من العلوم التي لم تكن موجودة عند آحاد العرب في زمن الخطاب، ماشي؟ فنحن حينما نقول يجب العمل بالحساب الفلكي، هذا هل هو اليسر؟ ولا هذا العسر؟

ليس هذا هو اليسر، بل اليسر أن تعطي أن يكون الشهر داخلاً بأمر يستطيع أي واحد في أي بادية من البوادي أن يطبقه، واضح؟ طيب، قد يقول قائل: لماذا تعملون بالحساب الفلكي في الصلاة، ولا تعملون بالحساب الفلكي في الصيام؟ الصلاة أهم.

فنحن نقول إن العبرة في ذلك بالمناط الذي علق الشرع الحكم عليه، تمام؟ المناط الذي علق الحكم عليه في الصلوات، أنظر في النصوص: هل جعل الشرع أوقات الصلاة؟ قال مثلاً: إذا رأيتم الغروب فصلوا المغرب. هل علق الأمر بالرؤية أو علق الأمر بالحقيقة الفلكية وهي الغروب؟ علق بالظاهرة الفلكية وهي الغروب، فإذا عرفنا الظاهرة هذه بأي طريقة عملنا بذلك ودخل وقت الصلاة، واضح؟

طيب، قال المؤلف بعد ذلك، طبعا هنا فيه قرارات أيضاً في مسألة الحساب الفلكي، ونحن قلنا إن طالب العلم حري به في المسائل النازلة والمسائل المعاصرة أن يعنى بالقرارات الصادرة من أهل العلم، الصادرة من المجامع الفقهية والهيئات العلمية، مثل مجمع الفقه الإسلامي الدولي، ومثل المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومثل هيئة كبار العلماء. وهذا قرار لهيئة كبار العلماء صدر فيه قرار ينص على عدم اعتبار إثبات الأهلة بالحساب، وهذا القول هو قول جماهير أهل العلم، بل أيها الإخوة الكرام إن العمل بالحساب بشكل كامل لا يقول به أحد.

لا يقول به أحد، لماذا؟ ولادة الهلال التي هي بداية الشهر من الناحية الفلكية قد تحصل في وسط النهار، وقد تحصل في الليل، وقد تحصل في الظهر، فهل هناك أحد يقول إن الشهر الفلكي هو الشهر الشرعي؟ لا يوجد أحد يقول ذلك، لأن مقتضى هذا القول ما هو؟ أن يكون رمضان ممكن يدخل الساعة اثنين الظهر! قال لك: يلا، الآن دخلنا رمضان. هذا هو مقتضى الشهر الفلكي، لأن الاقتران وولادة الهلال قد تحصل في أي ساعة من ليل أو نهار، ولا يوجد أحد يقول إن الشهر يدخل هكذا من منتصف النهار، واضح؟

ثم هنا مسألة أخرى، يظن بعض الناس أن إعمال الحساب الفلكي يؤدي إلى اتحاد الأمة، ونحن والجميع يسعى لتوحيد الأمة وأن تكون الأمة على يعني اجتماع، لكن هذا الأمر ليس بصحيح. بل إن الحسابات الفلكية، الفلكيون يختلفون في علاقة الشهر الشرعي بها اختلافاً لا يقل عن اختلاف الفقهاء، يعني الآن إذا ولد الهلال، هل يثبت الشهر بمجرد ولادة الهلال إجماعاً؟ ولا أحد من الفلكيين أصلاً يقول بأن الشهر الشرعي يدخل بولادة الهلال في أي لحظة، صح ولا لا؟

إذاً، بقي عندنا: ليس لن يدخل الشهر بمجرد الحساب. ولهذا تجد بعضهم يقول: يدخل الشهر إذا مرت أربعة وعشرون ساعة، أما إذا كان أقل من ذلك فلا يمكن رؤية الهلال، ولهذا لا نعتبر الشهر داخلاً حتى ممن قال بالحساب. وبعضهم يقول لا، بمجرد ولادة الهلال ندخل الشهر في أول طلوع فجر بعد ذلك، ومنهم من يقول لا، لابد أن يكون الولادة قبل غروب الشمس، فحصل الاختلاف سواء قلنا بهذا أو بهذا.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة، ما هي هذه المسألة؟ يقول: وإذا رأى الهلال وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله. دخول شهر رمضان يثبت برؤية الهلال، وقلنا أن هذا محل اتفاق ولا إشكال فيه. لكن الشهادة بذلك عند القاضي، هل يشترط فيها شاهدان أو يكفي خبر واحد؟ يكفي ذلك خبر واحد، دخول شهر رمضان من الأخبار الدينية وليس من باب الشهادة، فهو من باب الخبر والرواية لا من باب الشهادة، ويكفي فيه واحد.

والقرافي صاحب كتاب الفروق، وهذا عالم كبير من علماء المالكية، له كتاب اسمه الفروق، الفرق الثاني تقريباً في كتابه اسمه الفرق بين الرواية والشهادة، فيه فروق متعددة بين الرواية وبين الشهادة، فالرواية بابها أوسع من باب الشهادة، دخول شهر رمضان يكفي فيه خبر واحد. وقد جاء هذا في الحديث في السنن أن أعرابياً شهد عند النبي صلى الله عليه وسلم برؤية الهلال، فسأله: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم، أو أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالصوم.

وأما خروج شهر رمضان، خروج شهر رمضان يعني دخول شهر ايش؟ شوال وسائر الشهور، فهذا لابد فيه من شاهدين، لحديث: فإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا. طيب، لو فرضنا أن رجلاً رأى الهلال وحده، واحد طالع في البر ولا مسافر، وهذا متصور في الزمن الأول أكثر من زماننا، في منطقة نائية، فرأى الهلال، هل يصوم برؤية نفسه أو لا يصوم بذلك؟ الجواب: يصوم بذلك، لأن الشهر يدخل برؤية واحد وقد رآه واحد.

ويصوم الناس بخبره إذا ذهب وأدلى بكلامه وشهادته عند القاضي، وكان هذا الشاهد وهذا الرائي عدلاً، فإن القاضي يدخل الشهر ويصوم الناس برؤيته بعد التحقق من صحة الرؤية، ماشي؟ طيب، هذا معنى قول المؤلف: وإذا رأى الهلال وحده صام، فإن كان عدلاً صام الناس بقوله. منطوق الكلام، مفهوم الكلام: إذا لم يكن عدلاً، فما الحكم؟ لن يصوم الناس بقوله، لأن قول غير العدل لا يقبل، شهادة الفاسق غير العدل لا تقبل. إذاً في هذه الحالة يصوم وحده ولا يصوم الناس بصيامه.

وفي مثل هذه الأحوال ينبغي أن يعرف أمر مهم، طبعاً هي المسألة مفترضة في من؟ في الفاسق غير العدل، إذا رأى الهلال وأدلى بشهادته وردت شهادته، قالوا الفقهاء: يصوم. طيب، إذا صام تمام؟ قال، راح للقاضي قال للقاضي: ما نقبل شهادتك، طبعاً كما قلت لكم هذا في الزمن الأول يتصور بشكل أظهر من زماننا الحاضر، لأنه يعني وسائل الاتصال وإيصال الأخبار وما إلى ذلك متاحة.

طيب، هذا الرجل الذي صام، هل يذهب للناس؟ يقول: يا ناس ترى صيامكم وتراكم مفطرين واليوم رمضان وانا صائم وأنا أحذركم من الفطر اتقوا الله، أو يصوم سراً ولا يسبب بلبلة وفتنة ومشاكل؟ نقول: لا يعلن صومه إن كان يترتب على ذلك فتنة، واضح ولا لا؟

وهذه أيها الإخوة الكرام مسألة مهمة، فبعض الناس يكون عنده المعلومة الفقهية ولكنه ليس عنده حكمة ولا عنده مهارة وحنكة في تنزيل هذه المسألة الفقهية على الواقع، فتجده، وهذا ننبه لعموم الناس، مسائل الفقه أيها الإخوة الكرام كما قلنا منها مسائل إجماعية ينكر فيها على المخالف، واحد ما يبغى يصوم رمضان هذه ينكر عليه، صح ولا لا؟ هذي مسألة دينية إجماعية معلومة من الدين بالضرورة.

وهناك مسائل فقهية يدخلها الاجتهاد، وينبغي أن يعرف الإنسان كيف يتعامل مع الخلاف. ليست المشكلة أبداً في اختلاف الفقهاء، واختلاف الفقهاء ما كان ولا يكون سبباً للافتراق: إذا اجتهد الحاكم فاصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، فهو بين الأجر والأجرين. إذاً ليس، المشكلة ليست في اختلاف الفقهاء، الأمة ما تتفرق لأن الفقهاء اختلفوا، لا، إنما المشكلة في منهجية تعامل الناس مع هذا الخلاف.

التعامل مع هذا الخلاف قد يكون أحياناً بغير حكمة، قد يكون التعامل مع هذا الخلاف بعصبية، هنا يتسبب هذا التعصب في التفرق لا أن اصل الخلاف هو سبب التفرق أو النزاع. فتجد شخصاً مثلاً يسمع قولا لأحد العلماء أو أحد المفتين، فهذا المفتي وهذا العالم أفتى بما يراه راجحاً، المفتي مأجور ولا لا؟ مأجور سواء أصاب أو أخطأ. لكن هذا المتلقي قد يأخذ هذا القول ويصادم به أمماً يعملون بقول آخر يسوغ فيه الخلاف والاجتهاد.

فينتبه الإنسان، لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ما يروح واحد ينكر على الناس هؤلاء مثلاً على مذهب معتبر، مذهب الإمام أبي حنيفة أو مذهب الإمام مالك أو مذهب الإمام الشافعي أو مذهب الإمام أحمد، فيأتي ويأخذ بقول ويصادم به الناس، لأن مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها، واضح ولا لا؟ نعم. وهذا مما يؤكد أهمية معرفة طالب العلم برتبة المسألة التي يدرسها، هل هي مسألة إجماعية ولا مسألة خلافية، أقل الأحوال من أجل أن يعذر.

المخالف واضح. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك، وذكر مسألة أخرى وهي عكس المسألة السابقة. فنحن قلنا الرجل الذي رأى الهلال وحده يصوم ولا لا يصوم؟ هذا رجل رأى هلال شوال وحده، يفطر ولا ما يفطر؟ لا يفطر. لماذا؟ تناقض ولا ما هو تناقض؟ ليس بتناقض، إنما لأن الأول من باب الخبر يثبت بقول واحد، والثاني من باب الشهادة لابد من شهادة عدلين، واضح؟ ولهذا خروج شهر رمضان أو دخول شهر شوال وسائر الأشهر لابد فيه من شهادة عدلين، وأما شهر رمضان فيكفي فيه عدل واحد.

وهنا مسألة تنازع فيها أو اختلف فيها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي هل العبرة في الرؤيا برؤية كل بلد، أو أن كل المسلمين لهم رؤية واحدة، فإذا رآه أهل بلد لزم الناس كلهم الصوم؟ قولان للعلماء، لكن نريد أن ننظر في مسألة مهمة في هذا الخلاف، هل الذي يقول بعض الناس لا يتفهم الخلافات؟ لا يتفهم يا إخوان في مجتمعات المسلمين على مر عصور متعددة ومختلفة كان البلد الواحد كبعض عواصم الإسلام كان البلد الواحد فيه المذاهب الأربعة؛ الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وكلهم على قلب رجل واحد، حتى لو أن شخصين في بيت واحد هذا مثلا صايم وهذا مفطر، القلب مجتمع والصف واحد. إذا قضية من يقول إن لكل بلد رؤية مستقلة لا تقتضي أبدا ولا يلزم منها البتة أن تفرق الناس. لا، ما المانع أن يصوم أهل هذا البلد وأهل هذا البلد مفطرون والقلوب مجتمعة؟

إذا كما قلنا ليست القضية وليست الإشكالية في وجود الخلاف الفقهي، وإنما في كيفية وفي منهجية التعامل مع هذا الخلاف الفقهي. لابد أن نتعامل مع هذا الخلاف الفقهي بمنهجية صحيحة، بمنهجية صحيحة علمية بأدب الخلاف، أدب الخلاف. ومن أدب الخلاف أولا: عدم التعصب. ما معنى التعصب؟ ليس التعصب معها أن تعمل بقول يخالف أخاك، هذا ليس تعصبا، إنما التعصب أن تعادي أخاك لأنه خالفك في الرأي. هذا حنفي وهذا مالكي يتهاجران ولا يصلي أحدهما خلف الآخر ولا يزوج أحدهما الآخر، إلى آخره، هذا هو المذموم الذي لا يوجد أيها الأخوة الكرام بين أهل العلم، وإذا وجدت منه نماذج قليلة نادرة فإنما توجد في بعض قليلي العلم لا في أهل العلم، وإلا العلماء كما قلنا لكم في الدرس الماضي؛ الشافعي أخذ عن مالك، مالك استفاد من محمد بن الحسن الشيباني، واستفاد محمد بن الحسن من مالك، والامام أحمد رحمه الله استفاد من الشافعي، وهكذا.

قال رحمه الله، هل هذا الأمر الأول في منهجية التعامل مع الخلاف اللي هو إيش؟ عدم التعصب. الأمر الثاني في التعامل مع الخلاف: عدم تتبع الرخص. لا تجعل نفسك متتبعا للرخص، كل مسألة تبحث فيها عن أسهل الأقوال فتأخذ به، لا، هذا يسمى عند أهل العلم تتبع الرخص. وتتبع الرخص مذموم عند السلف. ليش مذموم؟ لأن الإنسان حينئذ يأخذ بأقوال أئمة الهدى لأنه يقصد الهوى، هو يأخذ بقول عالم لكن ليس مقصوده الهدى وإنما مقصوده الهوى.

فإذا جاءته مسألة، قال له الشيخ العالم الذي يثق هذا الرجل يثق في دينه وأمانته وعلمه، قال يا شيخ ما الحكم في هذه المعاملة؟ قال هذه لا تجوز، هذا الرجل يرى أن هذه المعاملة فيها أرباح كبيرة والشيخ يقول لا يجوز، ما الواجب عليه؟ ما الواجب؟ أن يمتثل، لأن هذا مقلد لا يحسن النظر الفقهي ولا البحث ولا الاجتهاد فيأخذ بقول العالم، ماشي؟ تقليدنا قبول قول السائل من غير ذكر حجة قول القائل من غير ذكر حجة للسائل. لكن هذا ماذا صنع؟ قال والله يا شيخنا هذا متشدد، مع أنه يأخذ بأقواله له عشرين سنة، فلما جاءت المسألة لا تتوافق مع هواه، ترك الشيخ وذهب إلى شيخ آخر. ها يا شيخ شو الحكم؟ قال لا يجوز، إنا لله وإنا إليه راجعون. ذهب إلى ثالث، ما الحكم؟ لا يجوز. ذهب إلى رابع، قال لا بأس يجوز، فأخذ بقوله. هو لما تنقل من عالم إلى آخر، يقصد البحث عن الفتوى الصحيحة ولا البحث عن الفتوى المريحة التي تتوافق مع هواه؟ يبحث عن الفتوى التي توافقه،ها هذا هو تتبع الرخص المذموم.

طيب قال ولا يفطر إذا رآه وحده ولا يفطر إلا بشهادة اثنين. قلنا لكم رؤية شوال لابد من شاهدين لحديث فإن شهد اثنان فصوموا وأفطروا. طيب لو فرضنا أنهم صاموا في أول الشهر برؤية واحد ثم أكمال الشهر ثلاثين يفطرون، إذا أفطروا الآن سيكون فطرهم بشهادة كم واحد؟ ولهذا قال المؤلف: وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوما بشهادة اثنين ثلاثين يوما أفطروا خلاص ثلاثين انتهينا. وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة حتى لا يؤدي ذلك إلى الفطر بقول واحد، وهذه المسألة مسائل الخلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك مسألة الاشتباه، إذا اشتبهت الأشهر على الأسير، أسير عند الكفار محبوس لا يستطيع يتحرى الهلال. قال: فانه يتحرى، يحسب، ينظر، يحاول أنه يوافق الشهر، فإن وافق الشهر أو ما بعده أجزأه، وإن وافق قبله لم يجزئه. هذا ما يتعلق بالباب الأول.

طيب قال رحمه الله: طيب نأتي الآن لبعض الأسئلة، خلينا نأخذ بعض الأسئلة، هنا سؤال يقول: من أقلعت به الطائرة قبل الغروب فطال عليه النهار فما الحكم؟ها وضحت المسألة؟ رجل قبل غروب الشمس بخمس دقائق أقلعت الطائرة، هو يقول خلاص باقي كم خمس دقائق وأفطر. أقلعت الطائرة، هل ستغرب الشمس بعد خمس دقائق؟ لا، راح يطلع فوق وتبقى الشمس إيش؟ لمدة أطول.

هل يلزمه إذا أراد أن يتم صوم ذلك اليوم؟ طبعا إذا كان مسافر لا بأس أن يفطر فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. لكن هل هنا يعتبر الوقت الذي في الأرض ولا الوقت الذي في الطائرة؟ يعني هل العبرة بكون الشمس غربت بالنسبة لأهل الطائرة ولا بالنسبة لأهل الأرض؟ بالنسبة لأهل الطائرة، نعم، إذا المعتبر في ذلك حالته في الجو وليس التقويم إيش الذي يعمل به الناس في الأرض، وهذا ينتبه له أن المناطق المرتفعة الجبلية قد يختلف فيها التوقيت عن المناطق الساحلية مثلا أو القريبة من مستوى سطح البحر، ويتأثر ذلك بأمرين: بارتفاع المنطقة وبارتفاع أفق المنطقة، لأن بعض المناطق أصلا الأفق عندهم مرتفع عن مستوى سطح البحر، فالمعتبر هنا غروب الشمس بالنسبة لإيش لآفقهم هم، واضح؟ والعكس بالعكس.