تسجيل الدخول

أحكام المفطرين في رمضان

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ننتقل الآن إلى الباب الذي يليه، وهو باب أحكام المفطرين في رمضان. ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يجوز الفطر لأربعة أقسام، هناك أربعة أصناف يجوز لهم إيش الفطر؟ أحدهم قال أحدها: المريض الذي يتضرر به، والمسافر الذي له القصر. فالفطر لهما أفضل، وعليهما وإن صام أجزأهما.

هنا ذكر المؤلف مسائل؛ المسألة الأولى: جواز الفطر للمريض. وما ضابط هذا المريض؟ ما ضابطه؟ ذكره المؤلف؟ قال: المريض الذي يتضرر به، يعني يتضرر بايش؟ بالصيام. سؤال على كلام المؤلف رحمه الله، أن المريض الذي يضره الصوم، الصوم في حقه ما حكمه؟ مباح والافضل له الفطر. هل يجب عليه الفطر أو لا؟ ها أن يجب عليه الفطر هل الفطر واجب؟ ها حسب الضرر.

إذا كان يضره، قال له الطبيب: إذا صمت وما اخذت الدواء، الدواء تأخذه كل اربع ساعات خلاص؟ والنهار اثنعشر ساعة راح عليه موعدين للدوا، يقول له الطبيب: إذا صمت فإن مرضك سوف يطول، نحن نتوقع انك تحتاج تستمر على الدوا شهر، لكن إذا صمت راح تحتاج شهرين. هذا يضره الصوم، فهل يجب عليه الفطر ولا يجوز له الفطر؟ ها يستحب له الفطر نعم، اما ايوة يجب عليه حفظا ونعم تمام.

شوفوا يا اخوان، المسألة مبنية على حكم التداوي؛ هل التداوي واجب ولا التداوي مستحب ولا التداوي مباح؟ خلاف بين الفقهاء. الأطباء أكثرهم يميلون إلى وجوب الأطباء والصيادلة إلى وجوب التداوي خلاص، لكن أكثر الفقهاء لا يرون وجوب التداوي. والتداوي أيها الاخوة الكرام إذا قلنا بوجوبه، ترى التداوي مكلف أحيانا، في بعض الأحيان يكون التداوي مكلفا.

فتجد الإنسان في آخر عمره ما عنده شيء من المال إلا بقايا، إما يتركها للورثة ولا يصرفها على المستشفيات. هل نقول إذا ترك ورثته أغنياء، قال أنا أتوكل على الله ولا أريد أن أتعالج؟ قالوا: هذا تحتاج عمليات في في البلد الفلاني والبلد العلاني وسفر وتكاليف تمام؟ فهل يجب عليه؟ نقول: يأثم هذا الرجل الذي قال: لا حاجة لي إلى التداوي أصبر وأحتسب؟ يأثم؟ الصحيح عند أكثر أهل العلم أنه لا يأثم بذلك واضح؟ وأن هذا ليس من باب إلقاء النفس بالتهلكة، وإنما هو من باب ترك التداوي.

والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأة مريضة تصرع، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها، وهل في الدنيا دواء أجل وأعظم وأحسن من هذا الدواء؟ لا. طيب، هل كان هذا الدواء المتيقن النتيجة؟ نتيجة قطعية، هل كان واجبا عليها ولا لا؟ لم يكن واجبا عليها، ولهذا قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت صبرت ولك الجنة.

ولهذا نقول: الدواء جائز، ويجوز للإنسان أن يفطر إذا كان مريضا يحتاج إلى تناول الدواء، لكن لا يجب عليه ذلك ولا نشق على الناس، لأن بعض الناس يقول: لا، أنا أبغى أصوم، فهل نجعله آثما بهذا الفعل؟ لا، لا نجعله آثما، وإن اختار الفطر فهو أفضل، كما قال المؤلف رحمه الله تعالى: فالفطر لهما أفضل. وأيضا ممن ذكره المؤلف في الصنف الأول: المسافر الذي له القصر.

وهنا يتبين لك أن السفر الذي يترخص به الإنسان ليس هو كل سفر، ليس هو كل سفر، وإنما هو السفر الذي تقصر فيه الصلاة. وما ضابط السفر الذي تقصر فيه الصلاة؟ لم يبينه المؤلف هنا، ولكنه بينه قبل في أي باب؟ في كتاب الصلاة. وهنا أيها الإخوة الكرام، خاصة طلاب العلم، انتبهوا إلى ربط الأبواب ببعضها. بعض الناس يظن أنه إذا قرأ كتاب صيام وحده صار فقيها في الصيام، لا، بل لا يكون فقيها في الصيام إذا ما درس الصلاة، لأن بعض مسائل الصيام مرتبطة بأبواب الصلاة، وبعض المسائل قد يكون ارتباطها بابواب في نهاية أبواب الفقه.

يعني مثلاً كتاب الفرائض في الفقه له ارتباط وثيق بباب القسمة في آخر أبواب الفقه واضح، وكذلك الشأن في سائر الأبواب. فنقول: من هو المسافر الذي يجوز له القصر الصلاة؟ واحد خرج من البلد راح عشرين كيلو، بلد قريبة مسافتها عشرين كيلو، هل يجوز أن يفطر؟ لا. ليش؟ لأن شروط القصر عد معي: شروط القصر؛ أولاً أن يكون السفر مسافة أن يكون السفر مسافة أربعة برد، أربعة برود، إيش أربعة برود؟ احنا الآن ما نتعامل بالبرود.

يقدرها أكثر المشايخ بخمسة وثمانين أو ثمانين كيلو خلاص بنحو من ثمانين كيلو، وبعضهم يزيد على ذلك وبعضهم ينقص عنه ماشي؟ إذا الشرط الأول المسافة. الشرط الثاني مدة الإقامة، يعني رجل خرج مسافة وهنا انتبهوا، رجل خرج من المدينة مسافرا يقصد مكة، المسافة متحققة ولا لا؟ متحققة، هل يجوز له الفطر منذ مفارقة المدينة ولا لا يفطر إلا بعد ثمانين كيلو؟ أحسنت، منذ مفارقة المدينة.

إذا اعتبار المسافة ينظر فيه إلى قصده في السفر، لا إلى تحقق قطع هذه المسافة، فمنذ أن يفارق البلد له أن يفطر، حتى لو لم يقطع هذه المسافة ما دام أن قصده يصل إلى هذه المسافة، وهي ثمانين كيلو أو أكثر عند بعض أهل العلم. صبر بق ولا صبر السلام يجي الآن. الشرط الثاني الشرط الثاني يتعلق بمن دخل إلى البلد التي سافر إليها. سافر الرجل من أهل المدينة، سافر إلى مكة، ودخل مكة، فهل يترخص بعد دخوله مكة؟ نفصل. فإن كان عازما على الإقامة في مكة مدة على أربعة أيام عشرين صلاة أكثر من ذلك، فلا يترخص، وإن كان عازما على الإقامة دون ذلك فانه يترخص، هذا مذهب الجمهور، وبعض العلماء كما هو مذهب السادة الحنفية يرون أن المدة أكثر من ذلك، وفي المسألة خلاف.

يجي الشرط الثالث يأتي، إذا هذا الشرط الثاني الشرط الثالث: أن يكون السفر مباحا لا محرما. السفر أيها الإخوة الكرام منه ما هو سفر طاعة، كالذي سافر من بلده يقصد مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقصد العمرة، أو يقصد صلة الرحم، أو يقصد بر الوالدين، أو يقصد طلب العلم، هذا سفر طاعة يؤجر الإنسان عليه، هذا يترخص الإنسان فيه، ما في إشكال.

النوع الثاني: السفر المباح، مثل إيش؟ السفر للنزهة غير المحرمة. واحد رايح مسافر للبلد الفلاني لينظر في طبيعة خلق الله عز وجل خلاص، يذهب إلى الأماكن يتفرج في خلق الله ويتأمل في ملكوت السماوات والأرض، فهل هذا يجوز له القصر؟ سافر لأجل إيش؟ مثل ما قال السياحة غير المحرمة يعني، فهذا يجوز له القصر أيضاً.

أما الثالث وهو الذي سافر خلينا نجيك للحين والثالث هو الذي سافر ليش؟ لأمر محرم، وهذا هو سفر المعصية. لماذا سافر لأجل معصية والعياذ بالله؟ مما شرب الخمر أو ارتكاب آثام أو نحو ذلك، كان قصده من السفر ذلك، فهذا لا يترخص في سفره، لأن المعاصي لا تكون سببا للترخيص. إذا نظرنا إلى مقاصد الشريعة نجد أن الرخصة مشروعة تسهيلا للمكلف، تسهيلا للإنسان، هل يمكن أن يأتي الإنسان معصية فيرتب الشرع على هذه المعصية تيسيرا وتسهيلا؟ مقاصد الشرع تأبى أن يقال بذلك، ولهذا جمهور العلماء، أكثر العلماء يقولون: إن سفر المعصية لا يجوز إيش؟ لا يجوز الترخص فيه.

وهذا الكلام ينطبق على السفر بانواعه، مدة الإقامة إذا كانت أكثر من أربعة أيام لا يترخص، إذا نوى الإقامة في بلد مدة تزيد على أربعة أيام، فأكثر أهل العلم يقولون: لا يترخص، والمسألة فيها خلاف عشان لا أحد يقول إيش؟ والله أنا سمعت شيخ قال لا. مسألة خلافية، المسألة خلافية.

إذا سافر إلى بلد ودخل البلد وهو عازم على الإقامة في هذا البلد خمسة أيام، هل يجوز أن يقصر اليوم الأول والثاني والثالث والرابع يقول والخامس لا أقصر؟ نقول: لا، من أول دخوله للبلد لا يقصر ولا يترخص، لا بقصر ولا بصوم، الأحكام المترتبة على السفر رخص السفر ما هي؟ أولاً قصر الصلاة، ثانياً جمع الصلاة، ثالثاً الفطر في رمضان، رابعاً المسح على الخفين ثلاثة أيام ماشي.

ثم ذكر المؤلف هناك مسائل أخرى، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يترتب على الفطر بالنسبة للمريض والمسافر، أو قبل هذا قال: فالفطر لهما أفضل، بينا مسألة فطر المريض ولا لا؟

المسافر الفطر له أفضل أو الصوم له أفضل؟ الفطر له أفضل. لكن انتبهوا انتبهوا إلى أن السفر على ثلاثة أنواع، خاصة طلاب العلم اللي يعلقون؛ لأن هذه المسألة يطلقها أصحاب المتون وهي مقيدة في الشروح.

السفر عندنا رجل صام في الحضر ثم سافر في أثناء اليوم، فهذا يجوز له الفطر، لكن إتمام الصوم في حقه أفضل، وهذا عند جماهير أهل العلم، بل هو باتفاق المذاهب الأربعة أن الأفضل له الصوم، وهناك من يرى أنه لا يجوز له الفطر أصلاً، واضح؟

إذا انسان في أول النهار صام في البلد بعد الظهر ولا الساعة عشرة الصباح ولا بعد العصر خرج مسافراً، هل الأفضل له أن يفطر ولا الأفضل له أن يصوم؟ الأفضل له أن يصوم.

الثاني: إنسان في أول سفره كان مفطراً، هو مسافر من أول اليوم وهو برّا البلد مسافر، لكنه اليوم هذا ولنفترض مثلاً أنه في يوم ثلاثة رمضان، طلع الصباح، طلع الفجر، ورحلته إلى بلده الساعة العاشرة صباحاً ويصل إلى بلده الظهر تماماً، فهل هذا الأفضل له الفطر؟ لا، بل هذا يصوم؛ لأنه يعلم أنه يصل إلى بلده فيزول العذر المبيح له للصوم في أثناء النهار.

وأما الصورة الثالثة، وهي المرادة هنا، وهي في حق المسافر الذي يستغرق السفر نهاره، يعني هو مسافر من أول النهار إلى آخره، فهذا الفطر على المذهب في حقه أفضل.

قررنا هذا لنخرج منْ؟ لنخرج لمن صام في البلد ثم سافر فالأفضل له إتمام الصوم عند الجمهور، وكذلك منْ كان مسافراً ويعلم أنه يصل إلى بلده في هذا اليوم، فالمذهب عند الإمام أحمد في المعتمد يقولون ايش؟ يقولون إنه يصوم، واضح؟ وعلى كل حال ففي المسألة أقوال.

طيب، قال: فالفطر لهما أفضل وعليهما القضاء. عليهما الضمير يرجع إلى من؟ إلى المريض والمسافر، إذاً المريض والمسافر عليهما القضاء إذا أفطرا، وإن صاما أجزأهما.

طيب، سؤال: قال الله سبحانه وتعالى: فَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّن أَيَّامٍ أُخَرَ. أين الفطر؟ هل فعدّة من أيام أخر سواء صام أو أفطر؟ ولا إذا أفطر؟ هذه ايش تسمى دلالة ايش؟ عند علماء الأصول، دلالة الاقتضاء، دلالة الاقتضاء؛ لأنه لابد من هذا التقدير في فهم المعنى: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فافطر، هذا محذوف تسمى دلالة الاقتضاء. والدليل على هذا التقدير أن النبي صلى الله عليه وسلم صام في السفر، فدل ذلك على صحة صوم مسافر، ولهذا قال المؤلف: وإن صاما أجزأهما، يعني المريض والمسافر.

ثم انتقل إلى الثاني، قال الثاني: الحائض والنفساء تفطران وتقضيان، وإن صامتا لم يجزهما. الحائض والنفساء ما حكم صومهما؟ لا يجوز ولا يجزئ، وهذا فرق بين المسافر والمريض وبين الحائض، فالحائض والنفساء لا يجزئهما الصوم، بل يجب عليهما الفطر وإن صامتا لم يجزهما.

وهذا ظاهر واضح، كما سئلت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

وهذا ملحظ مهم في هذا الحديث، وهو ملحظ التسليم لشريعة الله عز وجل، ما هو الإسلام؟ الإسلام هو الاستسلام لله عز وجل، استسلم لله، هذا هو الإسلام. فعائشة رضي الله تعالى عنها لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ أجابت بأن هذا هو السنة التي كانت تحدث في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كان يأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم، قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم تماماً. وقول الصحابي: نؤمر، أو أمرنا محمول على أمر من أمر النبي صلى الله عليه وسلم، واضح؟ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحيِيكُمْ.

إذاً، هذا المعنى أيها الأخوة الكرام هو الاستجابة لشرع الله والتسليم لشريعة الله كتاباً وسنةً، هذا هدي لابد أن يرسخ في قلوبنا وأن يوجد في حياتنا. الله عز وجل لما ذكر تحريم الربا قال: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. ماذا كان جواب الله عز وجل عنهم؟ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا. الجواب: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا.

أمر الله، فهمت المعنى، فهمت الحكمة، فهمت المقصد، نور على نور. لم تفهم ما الفرق بين البيع والربا؟ يلزمك أن تمتثل أمر الله عز وجل، ليس بالضرورة أن تفهم والله الفرق في المعادلة الاقتصادية وفي التأثير الاقتصادى على الدخل القومي لقضية الربا، لا ما هو لازم. إذا فهمت نور على نور، إذا لم تفهم فيجب عليك أن تمتثل لشرع الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحيِيكُمْ. انظر هنا كيف سمى الله عز وجل أوامره وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم التي يدعى إليها الناس بايش؟ بالحياة: إذا دعاكم لما يحييكم. حياتنا أيها الأخوة الكرام بامتثال شريعة الله.

والله عز وجل سمى القرآن روحاً؛ لأن حياة النفوس والقلوب بالقرآن: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا. فمن عاش بغير القرآن عاش ميتاً، مثل الذي يذكر الله عز وجل والذي لا يذكره كمثل الحي والميت. ليست الحياة في مفهوم القرآن ولا في مفهوم الشرع هو أن يتنفس الإنسان الهواء ويشرب الماء ويأكل الطعام والغذاء، لا، الحياة هي أن يعيش مع الله، أن يعيش بنور الله، أن يعيش ممتثلاً لوحي الله: اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحيِيكُمْ. أي حياة هي؟ الحياة في رضا الله عز وجل: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً. وهي الحياة أيضاً يوم القيامة في الجنة: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ. الحيوان صيغة مبالغة في الحياة، يعني هي الحياة الحقيقية التي يطلبها الإنسان.

هذا هو المقصود هنا، أن يمتثل الإنسان. إذاً الحائض والنفساء يلزمها قضاء الصوم ولا يلزمها قضاء الصلاة، أليست الصلاة أهم من الصيام؟ الصلاة أوجب، الصلاة آكد، الصلاة الركن الثاني من أركان الإسلام، ومع هذا تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، ما الحكمة؟ ما السبب؟ كنا كما قالت عائشة: كنا نحيض على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة، انتهى الموضوع، إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل.

ثم ذكر الثالث ممن يجوز لهم الفطر في نهار رمضان من هم؟ قال: الثالث: الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا. الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما أفطرتا وقضتا وأطعمتا عن كل يوم مسكيناً، وإن صامتا أجزأهما.

الحامل والمرضع لها صورتان وحالتان: الحالة الأولى للحامل والمرضع أن تفطر خوفاً على صحتها خوفاً على نفسها هي، فهذه حكمها مثل المريض، يلزمها القضاء ولا يلزمها كفارة ولا إطعام، ليش؟ مثل المريض.

وأما الحامل والمرضع التي لا تخاف على صحتها وإنما أفطرت من أجل رضيعها أو أجل جنينها، فهذه يلزمها أن تقضي وأن تطعم عن كل يوم مسكيناً، وإذا صامت أجزأها.

الرابع: ممن يجوز لهم الفطر في نهار رمضان: العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، فانه يطعم عن كل يوم مسكيناً. أشرنا إلى هذا في الدرس الماضي.

العاجز أما عاجز يرجى زواله، فما حكمه؟ مثل ما قلناه في المريض، يفطر ويقضي. وأما من عجز عجزاً، عجز بفتح الجيم عجز يعجز، هذا الصواب وليس عجزة، خلاص؟ قال: يا ويلتا أَعَجِزْتُ نعم أعجزت، فهذا هو الصواب فيها في اللغة أن يقال: عَجِزَ. فهذا الذي عجز عن الصوم، ولكن قال الأطباء إنه يرجى برؤه، تمام، ما الحكم؟ يا قضيّة، لا إطعام عليه، فلو أطعم، إطعامه لا يجزئه عن القضاء، بل القضاء على ذمته باقٍ في ذمته.

طيب، وإن كان العجز لا يرجى زواله كالكبير، الكبير يرجى زوال عذره؟ ما يرجى، خلاص العمر ما يرجع، ولهذا يغتنم الإنسان زمن الشباب، اغتنم شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، فيغتنم الإنسان شبابه في طلب العلم، في حفظ القرآن، في التعبد لله عز وجل والإقبال على الله عز وجل، لا تفوت هذا.

لا تفوتوا هذا. طيب، كذلك المريض الذي قال الأطباء: والله هذا المرض مرض مزمن لا يرجى زواله، يبقى معه إلى الموت لا يستطيع القضاء، ماذا يصنع؟ يطعم عن كل يوم مسكينا.

ولهذا قال المؤلف: فإنه يطعم عنه لكل يوم مسكيناً. قال: وعلى سائر من أفطر القضاء لا غير. أي واحد أفطر غير هؤلاء الأصناف، ولو كان غير معذور في فطره، فانه يلزمه القضاء. إذاً، من أفطر بعذر أو بغير عذر فالقضاء لازم عليه.

أما المعذور فغير آثم، واما من أفطر يوماً من أيام رمضان من غير عذر فعليه القضاء لا غير، إلا في مسألة واحدة فعليه القضاء والكفارة. وقول المؤلف رحمه الله تعالى: وعلى سائر من أفطر القضاء غير، يقصد به أن عليه القضاء وليس عليه كفارة. لكن هل عليه إثم أو لا؟ إن كان معذورا فلا إثم عليه، وإن لم يكن معذورا فانه كما بينا أنه أتى بابا من أبواب الكبائر.

الفطر في نهار رمضان من غير عذر كبيرة من الكبائر. نعم، ولكن ليس فيه إلا القضاء، بمعنى لا كفارة فيه، لكن يجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يندم لربه سبحانه وتعالى. وهذا في كل ذنب يقع فيه الإنسان، صغيرا كان أو كبيرا، يجب عليه أن يتوب إلى الله عز وجل. والتوبة من الذنوب كما قال الله سبحانه وتعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. خاطب كل مؤمن ومؤمنة بالتوبة، حتى غير يعني أصحاب الكبائر، نقول: حتى غير أصحاب الكبائر. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستغفر الله عز وجل ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من مئة مرة، فكيف حالنا نحن مع تقصيرنا وذنوبنا؟ المقصود أن الإنسان إذا وقع في أي ذنب من الذنوب فيجب عليه أن يبادر إلى التوبة إلى الله سبحانه وتعالى.

ومن فضل التوبة عند الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى يفرح بتوبة عبده. وأي شرف وفضل أعظم من هذا أن يفرح العزيز الكبير الجليل الحق سبحانه وتعالى بتوبة الفقير الضعيف العبد من عباده؟ فلنقبل جميعاً على التوبة إلى الله عز وجل من جميع الذنوب ومن جميع الآثام.

طيب، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن هناك من المفطرات ما لا يكفي فيه القضاء، بل لا بد فيه من القضاء وايش؟ والكفارة، وهو الجماع في نهار رمضان. وعلى الصحيح في المذهب فإن الكفارة في الصيام لا تجب إلا في الجماع فقط دون سائر المفطرات. وإذا كان هذا الجماع في نهار رمضان لا في غيره، ولهذا لو حصل الفطر بالجماع في قضاء رمضان، رجل يصوم صوم القضاء، هل يجوز له أن يفطر؟ واحد عليه أيام من قضاء رمضان، أفطر في يوم من أيام رمضان لعذر، مثلا سفر أو مرض، ثم بعد ذلك في يوم من الأيام صام صوم القضاء.

السؤال الأول: هل صوم القضاء واجب على الفور أم على التراخي؟ فيه مسألة عند علماء الأصول في أصول الفقه، وهي مسألة: هل الأمر يقتضي الفور أو لا يقتضيها؟ ماشي، الصحيح في المذهب في أصول المذهب أن الأمر يفيد الفور. طيب، السؤال أيضاً على أصول أهل العلم من علماء المذهب: هل القضاء، قضاء رمضان، يجب على الفور أو على التراخي؟ على التراخي، له أن يؤخر إلى ما قبل رمضان الآخر.

طيب، كيف يقولون إن الأمر يقتضي الفور ويقولون في هذه المسألة هو على التراخي؟ قاعدة أيها الإخوة الكرام أن قواعد الأصول مثل قاعدة الأمر يقتضي الفور تقيد بقيد مهم، وهو: إلا إذا دل الدليل على خلاف ذلك. فإذا ورد الدليل الخاص على أن الأمر يجوز تأخيره، فإننا نقول: يجوز تأخيره.

طيب، هل قضاء رمضان يجوز تأخيره؟ هل جاء في الأدلة أن قضاء رمضان يجوز تأخيره؟ الجواب نعم، وهو ما جاء أن عائشة رضي الله تعالى عنها كانت يكون عليها القضاء من رمضان فلا تقضيه إلا في شعبان، قالت: لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم مني. إذاً، يجوز تأخير القضاء ولا لا يجوز؟ لكن له حد ينتهي إليه، فهو مؤقت، هذا التأخير ليس مطلقاً، وهو ايش؟ إلى ما قبل دخول رمضان الآخر. فمن كان عليه قضاء من رمضان فله أن يؤخره إلى ما قبل رمضان الآخر، ولا يجوز له أن يؤخره بعد ذلك. واضح؟

طيب، إذا قرر أن يقضي مبكراً، ولنفترض أن الرجل عليه صوم قضاء خمسة أيام، فشرع في صومها وهو في شوال، يوم مثلا عشرين شوال، قرر أنه يصبح صائماً، فأصبح صائماً بنية القضاء. أصبح صائماً بنية القضاء، ثم لما جاء وقت الظهر، يعني جاع مثلا أو دعي إلى غداء فقال: أنا سافطر اليوم، وما دام أنه يجوز التأخير أصومه غداً. هل هذا جائز أو لا؟ هذا لا يجوز. قال ابن قدامة في المغني: لا نعلم فيه خلافا. إذاً، من شرع في قضاء رمضان لم يجز له أن يفطر؛ لأن الواجب يلزم بالشروع ولا يجوز له أن يقطع الصوم الواجب.

طيب، لو أنه في أثناء هذا اليوم من قضاء رمضان حصل منه الجماع، فسد الصوم ولا ما يفسد؟ يفسد الصوم ولا إشكال. إذاً، اليوم هذا فسد، والقضاء باق في ذمته، عليه أن يقضيه؛ لأن هذا اليوم لم يصح صومه. لكن السؤال هنا: هل عليه مع القضاء كفارة ولا ما عليه كفارة؟ لا، ليس عليه كفارة، على الصحيح أنه ليس عليه كفارة؛ لأن الكفارة إنما تجب بالجماع في نهار رمضان لحرمة الزمان. واضح؟ إذاً، إنما تجب الكفارة بالجماع في نهار رمضان، فلا تجب بالمفطرات الأخرى، ولا تجب بالجماع في غير رمضان. وهذا معنى قول المؤلف رحمه الله: إلا من أفطر بجماع في الفرج، فانه يقضي ويعتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً، فإن لم يجد سقطت عنه.

إذا عرفنا حكم الكفارة، وبقي أن نعرف ما هي الكفارة. كفارة الجماع في نهار رمضان ما هي؟ نقول أولاً: عتق رقبة، والرقبة هنا جاءت مطلقة، فهل نقيدها بكونها رقبة مؤمنة؟ هذه مسألة عند علماء أصول الفقه اسمها مسألة حمل المطلق على المقيد، إذا اتفق الحكم واختلف السبب. والصحيح عند الأكثر أنه يحمل المطلق على المقيد، فيقولون: يجب هنا أن تكون الرقبة مؤمنة؛ لأن الله عز وجل قيد ذلك في آية القتل قال: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ. فقيدت بالإيمان، نعم. والمطلق أحمله على المقيد عند اتفاق حكمه المعتمد، فيحمل المطلق هنا على المقيد.

طيب، هذا بالنسبة لعتق الرقبة، فإن لم يجد رقبة يعتقها، وهذا حال الناس كثيراً في هذا الزمان، فانه ينتقل بعد ذلك إلى الرتبة الثانية أو الخصلة الثانية، وهذا على الترتيب وليس على التخيير. ينتقل إلى الرتبة أو الخصلة الثانية، وهي صيام شهرين متتابعين. ما معنى كون الشهرين متتابعين؟ ما معنى كون الشهرين متتابعين؟ يعني لا يجوز له أن يفطر في أي يوم خلال هذين الشهرين من غير عذر. فان أفطر، يعني واحد جامع في نهار رمضان ثم شرع في صيام الكفارة شهران متتابعان فصام عشرة أيام ثم أفطر اليوم الحادي عشر من غير عذر، فماذا عليه؟ نقول: عليه أن يستأنف من الأول، يعيد من الصفر. فالأيام العشرة الماضية لا تحتسب له من الشهرين المتتابعين؛ لأن الشهرين هنا يشترط فيهما التتابع.

أما لو أفطر يوماً خلال الشهرين بعذر، بعذر من الأعذار التي تجيز الفطرة في رمضان، فهل ينقطع التتابع؟ لا ينقطع ويكمل. نعطيكم مثال على هذا: نفترض أن امرأة حصل بينها وبين زوجها جماع -الكفارة تجب على الاثنين- فشرعت هذه المرأة في صيام الشهرين المتتابعين وصامت عشرين يوماً ثم جاءها الحيض لمدة عشرة أيام، أيام الحيض تفطر ولا لا تفطر؟ لا يصح صوم الحائض، تفطر عشرة أيام طهرت، ما الواجب عليها؟ أن تكمل الصوم بمجرد طهرها وزوال عذرها، واضح؟ فإذا واصلت مباشرة بعد زوال العذر.

فالتتابع لا ينقطع والصوم مستمر، فحينئذ محسوب لها عشرين يوماً تكمل فتصوم، مثلاً صامت بعد ذلك عشرين يوماً ثم حاضت ثم صامت عشرين يوماً ثم حاضت ثم صامت عشرين إلى أن أكملت ستين يوماً، أجزأها الصوم مع أنه حصل في أثنائه انقطاع.

لكنه انقطاع بعذر، وقل مثل ذلك في المريض إذا مرض صام عشرة أيام، مرض في اليوم الحادي عشر مرضا يجيز له الفطر في نهار رمضان فافطر، فإنه مباشرة إذا برئ من مرضه وشفاه الله عز وجل يواصل الصوم ولا ينقطع تتابعه. فان شفي من وعادت له صحته لكنه تأخر يوماً أو يومين انقطع لا تتابع، وهذا الكلام يفيدنا في كفارة الجماع في نهار رمضان، ويفيدنا أيضاً في كفارة قتل الخطأ، فإن كفارة قتل الخطأ أيضاً فيها صوم شهرين متتابعين، فيقال فيها نفس هذا الكلام.

وكذلك في صوم يشترط له التتابع أيضاً؛ كفارة اليمين، كفارة اليمين على الصحيح عند الإام أحمد رحمه الله أنه يشترط فيها صيام ثلاثة أيام متتابعات. طبعاً كفارة اليمين وهنا ننبه إلى خطأ شائع، كفارة اليمين هل نقول كفارة اليمين صيام ثلاثة أيام متتابعات كما يتداول الناس؟ لا، صيام كفارة اليمين لا يصار فيه إلى، عفواً، كفارة اليمين لا يصار فيها إلى الصوم إلا إذا عجز عن الإطعام والكسوة وتحرير الرقبة.

لأن الله عز وجل قال: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ ۖ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وفي قراءة ابن مسعود: متتابعات. فنفس الكلام نقوله؛ إذا صام يوماً ثم أفطر ثم يوماً ثم أفطر لا يجزئه في كفارة اليمين، على خلاف بين أهل العلم؛ لأن هذه جاءت في قراءة ابن مسعود ولم تثبت في القراءة المتواترة، لكن الصحيح عن الإمام أحمد أنه يحمل المطلق هنا على المقيد، فيشترط التتابع في كفارة اليمين، واضح؟

طيب، فإن لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً. الآن الصيام كم يوم؟ كم يوم ستين والإطعام ستين، لكن هنا نقول الصوم ليس دائماً ستين يوماً؛ لأنه لو صام شهراً هلالياً وكان الشهر بتحري الهلال ورؤية الهلال تسعة وعشرين يوماً، والشهر الذي يليه كان تسعة وعشرين يوماً أجزأه صوم الشهرين مع أنها لا تبلغ ستين يوماً، واضح؟ فيرجئه صوم شهرين.

أما إذا لم يصم الشهر الهلالي من أوله لآخره فإنه يحتسب عليه، يحتسبه بثلاثين يوماً. طيب، وهنا خذ فائدة؛ الكفارات فيها تعبد وليست كلها على قياس، ليست كل الكفارات على قياس واحد، ولهذا في الحج مثلاً تمام، في الحج في فدية الأذى الصوم يخير بين ثلاثة أمور؛ الأول ذبح شاة. فدية الأذى اللي هي لو أن المحرم مثلاً تطيب أو لبس المخيط أو قص شعره أو أخذ من أظفاره تمام أو غطى رأسه فإن عليه فدية الأذى. فدية الأذى على التخيير بين ثلاثة أمور؛ أما ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين أو صيام ثلاثة أيام، واضح؟

فهنا لا يتساوى الصيام مع الإطعام، فالصيام عدده عدد أيامه ثلاثة، والإطعام عدد مساكينه ستة، ليس بالضرورة أن تكون كلها على قياس واحد لأن فيها يعني جانب من التعبد لله سبحانه وتعالى. كذلك على سبيل المثال في كفارة اليمين، كفارة اليمين الإطعام فيها كم مسكين؟ ها عشرة، وإذا عجز وانتقل، عجز عن الإطعام والكسوة والعتق وانتقل إلى الصيام فالصيام ثلاثة أيام، واضح؟ فكل كفارة لها دليلها الخاص الذي جاء به الشرع وهي من المسائل التعبدية لا من المسائل القياسية.

ما معنى مسألة تعبدية؟ هناك مسائل أيها الاخوة الكرام لا يدرك العقل معناها، فهل العقل يدرك لماذا كانت صلاة العصر أربع ركعات والمغرب ثلاث ركعات والفجر ركعتين والعشاء أربعاً؟ لماذا؟ هذا أمر تعبدي لله عز وجل، وكما ذكرنا مراراً إن قدم الإسلام لا تقوم إلا على أرض التسليم لله، المؤمن والمسلم هو المستسلم لله عز وجل ولا يلزم أن يعرف الحكمة من كل تكليف أمر به لأنه عبد لله عز وجل تماماً، وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ.

فإن عرفت الحكمة من بعض العبادات أو عرفت الحكمة من بعض التشريعات فهذا نور على نور، وإن لم تعرف فما أنت وما أنا وما جميع الناس إلا عباد لله عز وجل يمتثلون أمره عرفوا الحكمة أو جهلوه، تماماً. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فان لم يستطع فاطعام ستين مسكيناً. السؤال: كيف يكون الإطعام؟ إذا كان على الإنسان كفارة فيها إطعام فكيف يطعم المساكين؟

الإطعام أيها الإخوة الكرام على الصحيح عند الإمام أحمد رحمه الله أنه يكون مد بر، أنه يكون مد بر أو نصف صاع من غيره. البر اللي هو القمح، يأخذ مد، والمد من البر يقارب المد، المد هو ربع الصاع، المد يعني هو أكثر من النصف بقليل، أكثر من نصف كيلو بقليل، واضح؟ فيحتاط الإنسان ويخرج أكثر من النصف. هذا مد البر ونصف الصاع من غيره، يعني مثلاً إذا خرج من التمر يخرج نصف صاع، ونصف الصاع من التمر أكثر من الكيلو بقليل، يعني لو أخرج كيلو ونصف يكون قد حصل الاحتياط ماشي، ولو أخرج في المد ثلاثة أرباع الكيلو يكون قد حصل الاحتياط ماشي.

طيب، وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إلى أنه يجزئه في ذلك أن يغدي المساكين أو يعشيهم، يعني يحط لهم غداءً مما يأكله مثله، تمام؟ ويجزئه ذلك عن إطعام المسكين، وبعض أهل العلم قال: يغدي ويعشي يجمع بين الغداء والعشاء وجبتين. نعم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: فإن لم يجد سقطت.

لماذا قال المؤلف رحمه الله تعالى: إن لم يجد سقطت؟ هل الأصل أن الكفارة تسقط بالعجز عنها ولا الأصل أنها لا تسقط؟ ها، الأصل أن الكفارة لا تسقط بالعجز عنها، بل تبقى في ذمة الإنسان حتى يقدر، ولهذا لو الكفارة كالدين، دين لله سبحانه وتعالى، دين على الإنسان. الكفارة أيها الإخوة الكرام إذا مات الإنسان وعليه كفارة لم يخرجها فإنها تخرج من التركة، فهي كالدين، لكن كفارة الجماع في نهار رمضان إذا عجز عنها سقطت ولا تبقى في ذمته ولو أغتنى بعد ذلك وققدر لا يلزمه إخراجها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاءه الرجل المجامع في نهار رمضان قال: هل تجد ما تتصدق به؟ قال: آه، ما بين لابتيها أهل بيت أفقر منا. لما جيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالطعام قال: خذ فأطعمه أهلك. قالوا: إن هذا لا يعتبر من الكفارة بل هو صدقة عليه.

نعم، ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسائل تتعلق بقاعدة عند الفقهاء وهي قاعدة التداخل بين الأفعال. تداخل بين الأفعال يدخل في أبواب كثيرة، يدخل في أبواب الحدود ويدخل في أبواب الكفارات ويدخل في أبواب العبادات. قال رحمه الله تعالى: وهنا عندنا مسألة التداخل في الكفارات، وهي إذا تكرر الجماع من شخص واحد فهل يلزمه لكل جماع كفارة ولا يجزئه أن يكفر كفارة واحدة عن تلك المرات كلها؟ فصل المؤلف في ذلك فبين أولاً قال: إن جامع ولم يكفر حتى جامع ثانياً فكفارة واحدة.

رجل وقع في هذا الجرم وهذا الذنب ثم أعتق رقبة في زمن كان يتوفر له عتق الرقبة فأعتق رقبة، ثم اليوم الثاني تكرر منه الفعل مرة ثانية، فإن عليه رقبة ثانية، لكنه لو جامع في اليوم الأول ولم يكفر ثم جامع في اليوم الثاني فإن عليه كفارة واحدة، وهنا تتداخل الكفارات. وليس معنى هذا التخفيف في الكفارة، لا يعني أن فعله أو أن جرمه أو أن ذنبه أخف، لا، هو أتى بجرمين عظيمين لكن تتداخل خلى الكفارة فيلزم فيه كفارة واحدة. ويمثل العلماء لذلك أيضاً في الحدود، من تكرر منه موجب للحد، ما يوجب الحد، كما لو شرب الخمر يوماً ثم شربها يوماً آخر ثم شربها يوماً ثالثاً وثبتت البينة عليه مرات الشرب كلها.

فإنه يجزئ في ذلك أن يقام عليه الحد مرة واحدة. وهذا في التداخل بين الأعمال، وأما إذا كفر ثم جامع -إذا- إذا لم يجامع وكرر فكفارة واحدة، وأما إذا جامع ثم كفر ثم جامع فكفارة ثانية.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: وكل من لزمه الإمساك في رمضان إذا جامع فعليه كفارة، وكل من لزمه الإمساك في رمضان إذا جامع فعليه الكفارة. السؤال: من هو الذي يلزمه الإمساك في رمضان؟ عرفنا في أول الدرس من الذي يلزمه الصوم في رمضان، لكن عندنا صورة يكون فيها الإمساك واجباً مع أنه لا يتحقق به الصوم، كيف يمسك ولا يتحقق بذلك الصوم؟

يمثل العلماء رحمهم الله تعالى لذلك بأمثلة؛ المثال الأول: شخص في يوم تسعة وعشرين في أهل بلد، وهذا كما قلنا يوجد في الأزمنة السابقة قبل وسائل الاتصال الحديثة أكثر مما يوجد في زماننا؛ صام أهل بلد من البلدان رأوا الهلال انتهوا في شعبان على كم يوم تسعة وعشرين يوماً، وأصبحوا في اليوم الثلاثين صائمين لأنه لم يعد ثلاثين لا صار واحد رمضان.

أهل بلد آخر لم يروا الهلال بسبب غيم أو غيره، ولم يصوموا، وأصبحوا اليوم الثاني مفطرين على أنه ثلاثين من شعبان، فجاءهم الخبر في أثناء النهار وقت صلاة الظهر؛ جاءهم رجل من أهل الذي رأوا فيه الهلال، وقال لهم: لقد رأينا الهلال البارحة، فما الواجب عليهم؟ الإمساك بقية اليوم، وهذه صورة من صور الإمساك مع أن الصوم لا يتحقق بذلك، ولهذا يلزمهم الإمساك ويلزمهم القضاء.

طيب، لو أن واحداً من هؤلاء بعدما وجب عليه الإمساك ووصل إليهم خبر الشهر جامع امرأته مع وجوب الإمساك عليه، هل عليه كفارة ولا لا؟ الجواب: نعم عليه الكفارة، ولهذا قال قال المؤلف: وكل من لزمه الإمساك في رمضان إذا جامع فعليه كفارة. وهذا الذي ذكرناه؛ لأن حرمة الشهر متحققة، ويلزم على هذا الشخص أن يمسك.

ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى ما يتعلق بالقضاء في رمضان؛ القضاء -آه- عفواً قضاء رمضان، وقد ذكرنا أن قضاء رمضان يجوز تأخيره إلى ما قبل رمضان الآخر، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: ومن أخر القضاء لعذر حتى أدركه رمضان آخر فليس عليه غيره. شخص أفرط في رمضان بسبب مرض، قال الأطباء: هذا المرض يضر معه الصوم، فأفطر، واستمر به المرض إلى رمضان الآخر ولم يتيسر له القضاء، فماذا عليه؟ عليه القضاء لا غير. متى ما شفي لو شفي بعد رمضان يصوم من غير وجوب كفارة عليه، وهذا طبعا في المرض الذي يرجى برؤه، يعني مرض يتوقع فيه الشفاء، أهل الطب يقولون أن هذا المرض ليس مرضا مزمنا ودائما، إنما هو مرض يزول إن شاء الله، ماشي؟

وأما المرض الذي لا يرجى برؤه، فقد سبق أنه لا يلزمه القضاء وإنما يطعم عن كل يوم مسكيناً. طيب، هذا الذي أخر القضاء لعذر؛ من أخر القضاء من غير عذر؛ أفطر في رمضان بعذر ولم يقضِ، لكن تأخيره للقضاء كان تكاسلاً وتسويفاً ولم يكن بعذر، حتى دخل رمضان الثاني وعليه أيام من رمضان السابق لم يقضها، فما الواجب عليه؟

الواجب عليه كما قال المؤلف: وإن فرط أطعم مع القضاء لكل يوم مسكيناً. إذاً عليه أمران؛ الأمر الأول: القضاء، لا يسقط عنه القضاء، الأمر الثاني وهو إيش؟ الإطعام؛ أن يكفر بإطعام مسكين عن كل يوم من الأيام التي أخرها.

طيب، هل تزيد الكفارة بالتأخير؟ يعني لو أخره إلى رمضان الآخر ولم يصم، ثم أخره إلى رمضان ثاني وثالث، ومكث خمس سنوات أو ست سنوات لم يقضِ، هل في كل سنة عليه إطعام مسكين؟ لا، لا يتعدد المساكين بتأخر السنوات، وإنما بمجرد التأخير سنة عليه إطعام مسكين، ولا يزيد عليه بعد ذلك، ولكن يجب عليه القضاء بدون تأخير.

قال رحمه الله تعالى: وإن ترك القضاء حتى مات لعذر فلا شيء عليه؛ تأخر في القضاء معذورا ثم مات فلا شيء عليه، لا يجب إخراج شيء من التركة للإطعام، ولا يصوم عنه ورثته أو أولياؤه. أما إذا كان تأخيره لغير عذر، فانه يطعم عنه لكل يوم مسكين، ويخرج من تركته إطعام مسكين لكل يوم، هذا في صوم رمضان.

وأما في صيام النذر، لو نذر قال: لله علي نذر أن أصور ثلاثين يوما أو عشرين يوما أو مائة يوم فيجب أن يوفي بنذره، فإن لم يوف بنذره ومات فإن هذا النذر يمكن أن يصام عنه. قال: إلا أن يصوم إلا أن يكون الصوم منذوراً فانه يصام عنه، يصوم عنه ورثته وأولياؤه، قال: وكذلك كل نذر طاعة. إذاً العبادة الواجبة بأصل الشرع الصلاة مثلاً الواجبة؛ صلاة الظهر، عصر، مغرب، عشاء، مات ولم يصلها، هل يصلي عنه ورثته؟ لا.

وأما المنذور من الصوم نذر قال: لله علي نذر أصلي مئة ركعة ومات، فانه يستحب لوليه قضاء ذلك عنه، ويقال هذا في الصوم ويقال هذا أيضاً في الصلاة كذلك. هذا ما يتعلق بدرسنا اليوم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه به اجمعين.

أما بالنسبة للأسئلة فأنا أحيلكم على قسم الإفتاء في الحرم بالزاوية؛ زاوية المسجد، وفق الله الجميع لما فيه الخير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.