بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال رحمه الله تعالى: ايش يقول في كتاب القضاء؟ باب حكم كتاب القاضي إلى القاضي. ايش قصة كتاب القاضي إلى القاضي؟ كتاب القاضي إلى القاضي، عندنا قاضٍ مثلاً في الرياض سمع شهادة الشهود في قضية، وحكم بحكم، وأراد أن يرسل خطاباً لقاضي الدمام يقول: احكم بكذا وكذا على فلان. هذا كتاب يكتبه، الخطاب اللي يصدر من القاضي إلى قاضٍ آخر، هل القاضي الآخر يأخذ هذا الخطاب وينفذه؟ وما هي الشروط المعتبرة في ذلك؟
طيب، أول مسألة في هذا الباب: مسألة الحكم على الغائب. قال المصنف رحمه الله: يجوز الحكم على الغائب إذا كانت للمدعي بينة. الأصل في القضاء هو حضور المتخاصمين إلى مجلس القضاء، هذا هو الأصل. عندنا دعوى، وعندنا مدعٍ، وعندنا مدعى عليه، الأصل أن القاضي لا يحكم إلا بحضور المتداعيين. فإذا كان شخص جاء رفع دعوى على زيد، وزيد موجود في البلد، هل القاضي يسمع البينة ويمشي في القضية؟ نقول: لا، يروح يستدعي زيداً، يجيبه، يحضر مجلس القضاء، يدافع عن نفسه، واضح؟
فالأصل عندنا حضور المتداعيين إلى مجلس القضاء، لكن واحد جاي يرفع دعوى، يقول: هذا فلان استدان مني مبالغ، استدان مني مائة ألف ريال، ومسافر هارب في البلاد ما يبغى يسددني، غائب عن البلد. والمقصود هنا بالغائب: الغائب عن البلد، وقد يلحق به الغائب في البلد إذا كان مختفياً مثلاً وما يبغى يطلع وما إلى ذلك، في بعض الصور فيها تفاصيل ارجعوا إليه، ليس هذا مكاننا، نحن الآن في مختصر من المختصرات.
لكن الأصل هنا الغائب عن البلد، الرجال يبغى حقه، أنا أبغى من زيد، أبغى منه مائة ألف ريال، رحت للقاضي، قلت: يا فضيلة الشيخ، أنا أطالب زيداً بمائة ألف ريال، عندي بينة، عندي شهود، خمسة شهود، عشرون شاهداً، يكفيني شاهدان يا أخي، شاهدان يشهدان أن زيداً قد استدان مني مائة ألف ريال، وعندي بينة. كونه زيد غائب، رايح في بلاد الله، شارد مني، هل معنى هذا أن يضيع حقي؟ نقول: لا. فلذلك قال المصنف: يجوز الحكم على الغائب، متى؟ إذا كانت للمدعي بينة، عنده بينة نحكمه بها.
طيب، خرج بذلك ايش؟ خرج من ذلك مسألتان. المسألة الأولى: لا يجوز الحكم على الإنسان غير الغائب إلا بحضوره. يعني لا يجوز، أنا واحد رفع، قال: يا شيخ، فلان مستدان مني مائة ألف ريال، وعندي شهود، وفلان هذا قريب يمكن استدعاؤه، لا نحكم. الأمر الثاني، خرج من ذلك: الحكم على الغائب عن البلد إذا كان المدعي ليس له بينة. يا شيخ، فلان استدان مني مائة ألف ريال، عندك بينة؟ عندك شهود؟ لا، ما عندي بينة ولا عندي شهود، لكني مستعد أني أحلف اليمين أنه استدان مني. أقول: لا، لا، لا، يستحلف، لا يحلف، واضح؟ إذاً، هذا ما يتعلق بمسألة الحكم على الغائب.
المسألة اللي بعدها في هذا الباب، وهي مسألة كتاب القاضي إلى القاضي. بين المؤلف رحمه الله حكم كتاب القاضي إلى القاضي، فقال: ومتى حكم على غائب، ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب، لزمه قبوله وأخذ المحكوم عليه به. بس هنا لاحظوا الارتباط بين مسألة الحكم على الغائب ومسألة كتاب القاضي إلى القاضي، في ارتباط؟ نعم، في ارتباط. ايش هو الارتباط؟ أن مسألة كتاب القاضي إلى القاضي يحتاج إليها كثيراً في مسألة الحكم على الغائب.
الآن، مو قلنا هذاك الرجال مسافر شارد مني، رايح مثلاً أنا في جدة، وهو راح لأبعد مكان، راح للشرقية مثلاً، رفعت دعوى قضائية، طيب، وحكم القاضي، طبعا الأصل في أنظمة المرافعات وكذا أن الدعوى ترفع في بلد المدعى عليه، لكن بغض النظر عن هذه الأنظمة وكذا، المهم أن الرجل رفع الدعوى وحكم لها، التنفيذ الحكم على زيد هذا في بلد آخر، فالقاضي الذي حكم لي بمائة ألف ريال يكتب خطاباً إلى القاضي اللي في الشرقية يقول له: خذ من زيد مائة ألف ريال، ألزمه بالدفع.
هل القاضي في الشرقية يقبل هذا الكتاب كذا؟ يعني لو جبت له أنا أي ورقة كذا وقلت: هذا القاضي حق جدة؟ لا، لابد من التوثق، فلهذا المصنف يقول: لابد من التوثق أولاً وأن تكون في مجال معين. أول مسألة يقول: ومتى حكم على غائب، يعني حكم القاضي على مدعى عليه غائب، ثم كتب بحكمه إلى قاضي بلد الغائب، الغائب هذا مسافر بلد ثاني، فكتب لقاضي الشرقية، لزمه قبوله، يعني لزم قاضي الشرقية أنه يقبل كتاب قاضي جدة، وأخذ المحكوم عليه به.
يلزم أمران: القبول، القاضي يقبل، ويلزم تنفيذ هذا الحكم. ايش فايدة القبول إذا ما نفذ؟ فيأخذ المحكوم عليه به، ويطلب من زيد يقول: ادفع، ادفع مائة ألف ريال. المسألة التي بعدها يقول لك: شرط قبوله، نحن يقبل كتاب القاضي القاضي، لكن ليس معنى قبوله أنه يقبل في كل حال بلا تفصيل ولا شرط ولا بيان، لا، في شروط. قال لك: ولا يثبت إلا بشاهدين عدلين.
إذاً، القاضي هذا حق جدة لما يكتب الخطاب يشهد عليه شاهدين، يقول: اشهدوا، ها؟ قال: إلا بشاهدين عدلين، طبعا يشترط العدالة كسائر الشهادات، ما يكون فاسق، يقولان: قرأه علينا، أو قرئ عليه بحضرته فقال: اشهد علي أن هذا كتابي إلى فلان، أو إلى من يصل إليه من قضاة المسلمين وحكامهم.
شوف، عندنا صورة ثانية، صورتان في ايش؟ في تحمل كتاب القاضي إلى القاضي، وعندنا صورتان في المخاطب بالكتاب. أما الصورتان اللتان في طريقة التحمل، يعني طريقة تلقي الخطاب، أحد أمريتن، قال: أما أن يقرا القاضي الخطاب عليهم، القاضي حق جدة يمسك خطاب يقرا عليهم، يقول: خلاص سمعتم؟ هي، خذوا هذا الظرف، وصلوه لأيش؟ لقاضي الشرقية. فيقول، شوف، يقولان: قرأه علينا، هذا الاحتمال الأول. الاحتمال الثاني: ما يقرا القاضي نفسه، يعطيه الكاتب الضبط، يعطيه الواحد عنده، يقول: اقرا، خليهم يسمعوا. فيقرا عليهم بحضرته، هنا قال: أو قرئ عليه بحضرته، يعني قرئ الخطاب على القاضي ونحن حاضرون، فقال القاضي: اشهد علي أن هذا كتابي إلى فلان. لازم القاضي يحملهم هذه الأمانة ويشدهم؛ لأن هذه فيها معنى الوكالة، كأنه يوكلهم، يعني.
طيب، المخاطب بهذا الخطاب، القاضي، له احتمالان: أما أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى قاضي المنطقة الشرقية، أو إلى القاضي فضيلة الشيخ فلان الفلاني. وقد لا بد لذلك، بل يكتب: إلى من يصل إليه كتابي هذا من قضاة المسلمين وحكامهم. أما بعد، فاني قد حكمت على زيد بمائة ألف ريال، ماشي.
طيب، المسألة التي بعدها، وهي مسألة إذا مات المكتوب له أو عزل، عندنا أطراف الخطاب: المرسل والمرسل إليه، الكاتب والمكتوب إليه. طيب، كتب القاضي حق جدة: فضيلة الشيخ فلان بن فلان الفلاني قاضي المنطقة الشرقية أو قاضي الدمام، السلام عليكم ورحمة الله، فقد ثبت عندي أن زيداً عليه دين قدره كذا وكذا لعمر، آمل تنفيذ هذا الحكم وأخذ الحق من زيد.
اجراءات الصادر والوارد والبريد، أرسل الخطاب يوم الأربعاء، وصل إلى الدمام الخميس بعد الدوام، يوم الجمعة مات قاضي الشرقية الذي كتب له الخطاب، وصل الخطاب للمحكمة، أخذوا القاضي الخلف اللي جاي مكان القاضي، مات القاضي، حطوا قاضياً بديلًا، أخذ الخطاب مكتوب عليه: إلى قاضي الشرقية فلان بن فلان وفلان، قال: أنا ما هو هذا اسمي، هذا ليس اسماً لي، هذا اسم القاضي السابق، فهل ينفذ ولا ما ينفذ؟
قال: فإن مات المكتوب إليه أو عزل، فوصل إلى غيره، عمل به. يعمل به، ليش يعمل به؟ لأنه هي القضية ليست فلان بعينه، هي قضية أنه في عندنا حكم قضائي ثبت وشهد عليه شاهدان، صح ولا لا؟ كونوا كاتب فلان بن فلان، طيب حتى لو ما حط اسم، أليس هذا حكم قضائي صادر بشَرْطه الشرعي وقد شهد عليه الشهود؟ خلاص، نفذه تماماً.
قال: فإن مات المكتوب إليه أو عزل، نفس المثال، بس بدل ما هو مات يوم الجمعة، عزل يوم الخميس، فصل من القضاء، أو نقل، نقل إلى بلد آخر، في يوم الأحد وصل.
الخطاب في قاضيان بديل نفس الكلام يعمل به، قال: فان مات المكتوب إليه أو عزل فوصل إلى غيره عمل به. الصورة التي بعدها بعد ذلك أو المسألة التي بعدها في هذا الموضوع، وهو موضوع كتاب القاضي إلى القاضي، هو إذا مات الكاتب. نحن قلنا انه عندنا في الرسالة طرفان؛ طرف المرسل والكاتب، والطرف الثاني طرف المكتوب إليه أو المرسل إليه. فعرفنا الحكم إذا مات المكتوب إليه، مثلا قاضي الشرقية وقاضي الدمام.
أما إذا مات الكاتب، يعني القاضي حق جدة بعد ما صدر الخطاب، هذا كتاب الخطاب هو الصادر وصل يوم الأحد إلى محكمة الدمام الأحد وصل بس أن مشكلة قاضي جدة مات يوم السبت، يعني وصل الخطاب وقد مات الكاتب. قال المؤلف: وإن مات الكاتب أو عزل بعد حكمه جاز قبول كتابه، حتى لو أنه ميت، ليش؟ لماذا نقبل كتاباً وهو ميت؟ لأنه هو لما حكم، لو هو حكم نفسه ومات، هل الحكم يبطل؟ ما يبطل الحكم بموت القاضي، هذا الحكم صدر بشروطه الشرعية المعتبرة، خلاص فما في فرق القاضي عايش ولا القاضي ميت، ولهذا قال رحمه الله: جاز قبول كتابه.
المسألة التي بعدها، وهي نوع الحكم الذي يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي. كتاب القاضي إلى القاضي يقبل في كل حق، ها. قال: ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا الحدود والقصاص. حقوق الآدميين يقبل فيها مثل المال أيضاً، النكاح وما إلى ذلك، يقبل كتاب القاضي القاضي. لكن هناك أشياء تسقط بالشبهات، حقوق الله عز وجل مثل الحدود مبناها على الدرء بالشبهات والإسقاط، ولذلك لا نحرص كثيراً على تحصيلها، ليست مثل حقوق الآدميين مبنية على المشاحة والمطالبة، لكن الحدود يشدد فيها، ادرءوا الحدود بالشبهات ما استطعتم، فلذلك لا يقبل فيها كتاب القاضي إلى القاضي.
والقصاص كذلك قريب من الحدود في هذا الأمر، فلهذا قال المصنف رحمه الله: ولا ويقبل كتاب القاضي في كل حق إلا الحدود والقصاص. فلو كتب القاضي خطاباً بمال، ببنكاح، بوديعة، بإيجار، ببيع، قبل. واما إذا كتب خطاب بجناية، بقصاص، قال: اقتص من فلان، ثبت عندي أن فلان قد قتل قتل عمد، فنقول لا، القصاص كما قلنا يدرأ بالشبهات، ففيه شبه من الحدود.
هذا بالنسبة للدرس، ناخذ بعض التمارين. يقول بارك الله فيك، هل يحكم على الغائب؟ ايش الجواب؟ لا يحكم، ولا يحكم على الغائب إذا كان للمدعي بينة، ولا يحكم عليه ولو لم تكون بينة. الجواب: يحكم على الغائب إذا كانت المدعى ايش؟ بينة. هل يعمل بكتاب القاضي إلى القاضي؟ ايش الجواب؟ ها، يعمل به في كل الحقوق. ياسر، يعمل به كل الحقوق ولا لا؟ يعمل به في كل الحقوق ولا يعمل به إلا في الحدود والقصاص؟ أنت تفضل يا شيخ، إيوه، إيوه، نعم، يعمل به إلا في الحدود والقصاص، ممتاز. جيم، لا.
جيم نعم، طيب اللي بعده. إذا حكم قاض على الغائب وكتب إلى القاضي في بلد الغائب، فهل يلزم القاضي الذي وصله الكتاب أن يقبل كتابه وياخذ المحكوم عليه به؟ حكم القاضي الغائب كتب للقاضي في بلد الغائب، حكم القاضي على غائب وكتب إلى القاضي في بلد غائب، فهل يلزم القاضي الذي وصله الكتاب وأن يقبل الكتابة وياخذ المحكوم عليه به؟ الجواب: ها، يلزمه ولا يعيد النظر ولا يلزمه إذا ثبت بشاهدين؟ نعم، يلزمه إذا ثبت كتابه بشاهدين عدلين.
إذا مات القاضي المكتوب إليه أو عزل فوصل الكتاب إلى غيره، فليعمل به. قبل شوية قلنا ايش؟ يعمل به. الأسئلة الشاملة هي ملخص الدرس: هل يحكم للغائب؟ قلنا لا يحكم له إلا إذا كان في بينة للمدعي. ما حكم كتاب القاضي إلى القاضي وما شروطه؟ يقبل كتاب القاضي إلى القاضي، شرطه: أولاً أن يكون بشهادة شاهدين عدلين يقول: قرأ علينا أو قرئ عليه بحضرته، وأن يسترعيه فيقول: اشهد علي أن هذا كتابي فلان بن فلان أو من يصل إليه من قضاة المسلمين. ومن شروط قبوله أن يكون في غير الحدود والقصاص.
المسائل المعاصرة تقول: ما صور كتاب القاضي في هذا العصر، ومن الذي استجد فيه؟ الجواب: عن طريق الفاكس والبريد العاجل. وما استجد في هذا العصر أنه أصبح لكل قاض توقيع خاص يمكن التأكد منه، أصبح لكل مكتب قضائي ختم خاص يمكن التأكد به. طبعا الفقهاء رحمهم الله حسب كلام صاحب العمدة أنه يشترط ايش لقبول الكتاب أن يشهد عليه شاهدين، ما يكفي إنه يكون مختوم وموقع بدون شهادة الشهود، واضح؟
لكن في قول آخر لأهل العلم قالوا لا، المعنى والمقصد هو أن يتوثق تماماً، فعلى هذا القول الآن يكون القاضي مثلاً له رقم سري في جهاز الكمبيوتر وله ختم، ويصدق الختم من رئيس المحكمة مثلاً وما إلى ذلك، فيحصل التوثق التام من كتاب القاضي إلى القاضي فيعمل به على هذا القول.
الربط باصول الفقه يقول ايش: استخرج من الباب احتجاجاً بالإجماع في مسألة فقهية. استخرج من الباب، على كل حال هذا ترجعون فيه إلى شرح العمدة للشيخ الجبرين. كذلك مسألة الحكم على الغائب فيها خلاف ترجعون فيه إلى المرداوي في الإنصاف. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت