تسجيل الدخول

الاعتكاف

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى عبادة من العبادات التي تشرع في جميع السنة، ولكنها في رمضان أفضل وفي العشر الأواخر أكد، وهي عبادة الاعتكاف. قال رحمه الله تعالى: باب الاعتكاف. ما هو الاعتكاف؟

الاعتكاف هو لزوم المسجد لطاعة الله تعالى. إذاً، الاعتكاف هو ملازمة المسجد. هل ملازمة المسجد هنا مطلقا تعتبر اعتكافاً؟ لا، ملازمة المسجد لطاعة الله تعالى. ولهذا أيها الأخوة الكرام، ليس المقصود بالاعتكاف أن يتخذ الإنسان المسجد مكاناً للنوم والطعام والشراب، ليس هذا هو المقصود، وإنما المقصود أن ينقطع لعبادة الله عز وجل.

كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في لطائف المعارف: قال في الاعتكاف هو قطع العلائق عن الخلائق والاتصال بعبادة الخالق سبحانه وتعالى. فالاصل في المعتكف أن يتفرغ لطاعة الله عز وجل من قراءة القرآن والتنفل والعبادة والذكر ونحو ذلك، وأن يترك ما لا يعنيه، ويترك الكلام في أمور الدنيا وفضول الكلام.

ما حكم الاعتكاف؟ الاعتكاف سنة، هذا هو الأصل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف واعتكف أزواجه من بعده. وهل الاعتكاف يجب في بعض الأحوال؟ الجواب: نعم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ولا يجب إلا بالنذر. إذاً، الاعتكاف إذا نذره الإنسان وجب عليه الوفاء، لأن الوفاء بالنذر واجب، فهذي مسألة الوفاء بالنذر.

ثم انتقل بعد ذلك إلى المكان الذي يصح فيه الاعتكاف. أين يكون الاعتكاف؟ هل يكون الاعتكاف في كل مسجد أو في مساجد مخصوصة؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: ويصح من المرأة في كل مسجد. إذاً، بالنسبة للمرأة يصح الاعتكاف في كل مسجد، سواء كان ذلك المسجد مسجداً تقام فيه الجماعة أو مسجداً لا تقام فيه الجماعة. يعني لو كان فيه مسجد مهجور مثلاً، بمعنى أن أهل البلد لا يصلون فيه الصلوات الخمس والمرأة تأمن فيه على نفسها واعتكفت فيه صح اعتكافها. لأن المرأة لا تجب عليها الجماعة، بخلاف الرجل، فإن الجماعة واجبة عليه.

فقال المؤلف: ولا يصح من الرجل إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. لأنه إن اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجماعة، حصل مندوباً أو مستحباً وهو الاعتكاف، وفوت واجباً وهي صلاة الجماعة. وإن صار يخرج لكل صلاة من معتكفه، يخرج من المسجد إلى مسجد آخر تقام فيه الجماعة، حصل منه كثرة الخروج التي تتنافى مع الاعتكاف، فوجب حينئذ أن يكون اعتكافه في مسجد تقام فيه الجماعة.

قال رحمه الله: واعتكافه في مسجد تقام فيه الجمعة أفضل. إذا اعتكف الرجل في مسجد تقام فيه الجمعة فهذا أفضل، وإذا اعتكف في مسجد لا تقام فيه الجمعة وخرج لصلاة الجمعة فهذا جائز، لأن هذا ليس خروجاً متكرراً مستمراً، وإنما هو خروج مرة في الأسبوع لأمر شرعي، فيصح اعتكافه.

قال: ومن نذر الاعتكاف والصلاة في مسجد، هل يلزمه أن يعتكف في ذلك المسجد الذي عينه أو لا؟ يعني رجل من أهل المدينة أو من أهل غير المدينة، فقال: لله علي نذر أن أعتكف في المسجد الفلاني، من غير المساجد الثلاثة؛ غير المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، نذر أن يعتكف في مسجد حيه مثلاً، قال: لله علي نذر أن أعتكف في مسجد الحي، فهل يجب عليه أن يعتكف في هذا المسجد بعينه؟ نقول: لا، وإنما يجب عليه الوفاء بنذر الطاعة وهو تحقيق الاعتكاف، واما هذا المسجد بخصوصه فلا خصوصية له، فيعتكف حينئذ في أي مسجد واضح.

وأما إذا نذر الاعتكاف في مسجد من المساجد الثلاثة، وهي المسجد الحرام والمسجد النبوي والمسجد الأقصى، فيجب عليه أن يعتكف في المسجد الذي حذر الاعتكاف فيه دون غيره، إلا أن ينتقل إلى الأفضل. ولهذا لو نذر الاعتكاف في المسجد النبوي ثم تيسر له الاعتكف في المسجد الحرام فاعتكف في المسجد الحرام، يجزئ هذا في الوفاء بالنذر ولا لا؟ يجزئ ذلك لأنه انتقل إلى الأفضل.

وأما إذا نذر الاعتكاف في المسجد الحرام ثم بعد ذلك غير نيته وقرر أن يعتكف في المسجد النبوي، لم يجزئه، لأنه انتقل من الأفضل إلى الفاضل. واضح؟ فنقول: يعتكف في المسجد الذي نذره من الثلاثة أو ما هو أفضل منه. وحينئذ من نذر الاعتكاف في المسجد الحرام هل يجزئه أن يعتكف في أي مسجد آخر؟ لا، لا يجزئه إلا أن يعتكف في المسجد الحرام، واضح.

طيب، ثم قال رحمه الله تعالى: ويستحب للمعتكف الاشتغال بالقرب وهي العبادات. يشتغل بذكر الله عز وجل، بالصلاة وبالتسبيح وبقراءة القرآن، ويكثر من الصلوات، خاصة في المسجد النبوي وفي المسجد الحرام وفي المسجد الأقصى، فإن هذه المساجد تضاعف فيها الصلوات، فيحسن به أن يكثر من الصلاة وقراءة القرآن والذكر لله عز وجل وجميع العبادات والاعمال الصالحة، وأن يترك ما لا يعنيه من قول وفعل. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، فكيف وهو معتكف متفرغ لطاعة ربه؟ ينبغي أن ينقطع للتعبد. أما أن يتحول الاعتكاف إلى يوم عادي من أيام حياتنا، نفس الكلام ونفس الأشغال، وينشغل الإنسان بالأجهزة الجوالات ونحوها في طول ليله ونهاره، فهذا لم يحقق القصد من الاعتكاف.

ثم ذكر ما يفسد به الاعتكاف. قال رحمه الله تعالى: ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه. لا يخرج الإنسان المعتكف من المسجد إلا لامر ضروري أو حاجي. فالضروري: الشيء الذي يترتب على فواته ضرر على الإنسان، فهذا يخرج إليه ولا إشكال، كالإنسان الذي لا يجد طعاما يعتكف في مسجد لا يتوفر فيه الطعام، فخروجه للطعام لا يفسد الاعتكاف.

النوع الثاني: الخروج لامر حاجي، يعني أمر يحتاج إليه الإنسان ويشق عليه تركه، حتى لو لم يتضرر بتركه، كخروج الإنسان للطعام والشراب الذي اعتاد جسده عليه بحيث يشق عليه أن يتركه. ولهذا مثلاً، لو قيل للإنسان المعتكف في المسجد الحرام مثلاً إن عنده ماء زمزم والتمر، فلا شك أن خروجه ليس ضرورة، لأنه لا يترتب على اقتصاره على التمر والماء لا يترتب عليه ضرر، اليس كذلك؟ لكن هذا الشخص قد يكون جسده تعود على طعام معين بحيث يكون ترك ذلك الطعام المشقة عليه، فنقول حينئذ يجوز له الخروج من أجل ذلك.

قال: ولا يخرج من المسجد إلا لما لا بد له منه، إلا أن يشترط. فإن اشترط فانه يجوز له الخروج، وهذه المسألة من مسائل الخلاف، وأيضاً في تصويرها إشكال عند بعض أهل العلم. المسألة الأولى: ما معنى الاشتراط؟ نعم، مثلاً أحسنت، فيقول هذا الشخص: لله علي نذر أن أعتكف في المسجد النبوي وأخرج لشهود الجنائز. فاشترط في نذره الاعتكاف مع اشتراط ايش؟ الخروج لشهود الجنازة. الأصل أن المعتكف لا يخرج لشهود الجنائز، لكن هذا الشخص الذي نذر أن يعتكف مع اشتراط الخروج للجنازة يجوز له الخروج للجنازة ونحو ذلك.

قال رحمه الله تعالى: ولا يباشر امرأته. المعتكف لا يجوز له مباشرة المرأة بشوة، وأشد من ذلك الجماع، لقول الله عز وجل: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ. طيب، ان خرج المعتكف لحاجة، ولنفترض لقضاء حاجته مثلاً كان بيته قريب من المسجد فيخرج إلى بيته لقضاء الحاجة وكان في البيت مريض، فهل يجوز له أن يمر على هذا المريض ويسأل عنه أو لا؟

نقول: أما أن يخرج من معتكفه لزيارة المريض فلا، وأما أن يخرج من معتكفه للحاجة وفي طريقه يسأل عن المريض فهذا لا بأس به، كما قالت عائشة: إن كنت لأدخل البيت للحاجة والمريض فيه فما أسأل عنه إلا أنا مارّة.

هذا ما يتعلق بكتاب الصيام من هذا الكتاب، كتاب عمدة الفقه للإامام ابن قدامة رحمه الله تعالى، ونسأل الله جل وعلا أن يكون هذا من العلم النافع الخالص لوجهه الكريم. ونؤكد أيها الأخوة الكرام على ضرورة طلب العلم وضرورة التفقه في الدين، لأن الإنسان لا يصح له أن يعبد الله على جهل، بل لابد أن يعبد الله جل وعلا على بصيرة. فيصلي لله عز وجل كل يوم خمس صلوات وهو لا يعرف أحكام الصلاة، لا يعرف أحكام سجود السهو، لا يعرف ما الذي تبطل الصلاة بتركه وما الذي تبطل الصلاة بفعله؟ لا يصحح تلاوته في الصلاة.

في ركن الصلاة وهي الفاتحة، هذا لا شك أنه من الضعف ومن القصور، فحري بكل مسلم، وكما قلنا لكم، فإن الوسائل في هذا الزمان تيسرت، لا عذر لأحد يقول: والله ليس عندنا علماء في البلد، العلماء موجودة علومهم ومبثوثة علومهم، تيسرت الوسائل الآن، تستطيع وأنت في بيتك أو في سيارتك أو في متجرك أن تستمع إلى دروس أهل العلم، حتى بعضهم ممن توفاه الله عز وجل، وأنت تسمع دروسهم وتسمع علومهم.

كذلك الزكاة، تسأل تتعلم أحكام الزكاة، فيتعرف الإنسان على زكاته، ما الذي يجب عليه؟ وما شروط وجوب الزكاة؟ ويتعرف على أحكام الصيام، وإذا أراد الحج يتعلم في أحكام الحج، بعض الناس يأتي إلى الحج ثم يحج على غير بصيرة، ويسأل ويقول: حججت قبل عشر سنوات ونسيت أن أطواف طواف الإفاضة فما الواجب علي؟ أو لم أكن أعلم أن هناك طواف اسمه طواف الإفاضة أو نحو ذلك، هذا لا شك أنه مقصر.

وهكذا أحكام البيوع الأموال، أي حتى لا يأكل الإنسان الحرام، ولا يأكل الحرام، نسأل الله باسمه الأعظم أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

وعليكم السلام. ايوة. المباشرة في الاعتكاف إذا أنزل فسد اعتكافه، نعم نعم.

بالنسبة للحج والعمرة، نحن قلنا إن الإنسان يجب أن يكمل حجه وعمرته إلا إذا وجد عذر وكان قد اشترط، لأنه في الحديث قال: حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيتي، فاذا اشترط: فإن حبسني حابس فمحلي حيث حبستني، ثم حبس، فإن له أن يتحلل. نعم. ايوا تفضل يا شيخ، لا أدري الله أعلم، المسألة فيها خلاف ولا أدري.

تفضل يا شيخ، الاعتكاف أيها الأخوة الكرام لا يلزم أن يكون يوما وليلة، بل يجوز أن يعتكف ساعات، فيقول مثلا الإنسان: عنده عمل في الصباح ولا يستطيع أن يعتكف إلا الفترة المسائية، نقول: يدخل كل يوم ويعتكف في الفترة المسائية، ويصح هذا، فيكون الاعتكاف هنا ساعات، هذا.

آه بس أنه الهدي هديًا بالغ الكعبة يكون في مكة، ولا بأس أن يأكل منها. نعم، الله يجزاك خير.

نعم، جزاك الله خير.

يوسف، الاعتكاف لا يتقيد برمضان، الاعتكاف لا يتقيد برمضان، بل يكون في رمضان وفي غيره.

بالنسبة للهدي، نبه الأخ أن الهدي لابد أن يذبح في مكة، تمام؟ الهدي لابد أن يذبح في مكة، وأما الأكل منه، بالنسبة للأكل من هدي التمتع والقران فهذا رخص فيه، نعم، لكن يعني لا يأكله كله.

تفضل يا شيخ. نعم، يسأل ويقول: إن أمه ستأتي وهو معتكف وتصل إلى المطار، فهل يخرج من معتكفه لاستقبال أمه أو يبقى في المعتكف؟ الجواب: تخرج لاستقبال أمك، تخرج لاستقبال أمك ولو انقطع الاعتكاف، تدخل بعد ذلك بنية جديدة، وهذا الاعتكاف اعتكاف مستحب، وبر الوالد لا شك أو بر الوالدة لا شك أنه من أجل الأعمال وأفضل القربات. نعم. لا أحد، لا، قل الاعتكاف، بل يعتكف الإنسان لو ساعة من النهار.

هذا ما تيسر الإجابة عليه، هل بقية الأسئلة؟ أنا أحيلكم على قسم الإفتاء في المسجد النبوي، في زاوية المسجد هناك قسم مخصص للإفتاء فترجعوا إليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.