بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: كتاب القضاء. في هذا الباب يتكلم المصنف رحمه الله تعالى عن مسائل. أول مسألة كعادة الفقهاء رحمهم الله تعالى، العادة أنهم إيش يبدأوا؟ أول مسألة في التبويب هي حكم الشيء أو حكم الأمر الذي بوب عليه، ولهذا قال: حكم القضاء. قال: وهو فرض كفاية.
طيب، فرض كفاية واجب ها، فرض الكفاية واجب يسقط بفعل البعض، إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقي، وإذا تركه الكل أثموا جميعاً. ليش أثموا جميعاً؟ بل إن القضاء يحتاج إليه، لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم، فالناس يحتاجون إلى فصل الخصومات، ولهذا القضاء فرض كفاية.
طيب، من الذي يعين القضاة؟ قال المؤلف رحمه الله: يلزم الإمام نصب من يكتفى به في القضاء. إذاً، من واجبات الإمام وهو ولي الأمر، من واجباته تعيين القضاة. وما هو القدر الذي يسقط به هذا الواجب؟ قال: نصب من يكتفى به في القضاء. وهذا تعبير جميل، أما صاحب الزاد قال: ويلزم الإمام أن ينصب في كل إقليم قاضياً. لكن المصنف ما حدد ذلك بالأقاليم، بل قال: من يكتفى به. ذلك أنه إيش يعني؟ قد يكفي بلد صغير، قد يكفيها قاضي واحد، بل قد يكفي عدة قرى صغيرة، عدة قرى فيها ممكن قاضي واحد، وقد لا يكتفى في مدينة كبيرة ضخمة مثل جدة ولا الرياض، لا يكفيها قاضٍ واحد، بل المؤلف رحمه الله يشير إلى أن الضابط في ذلك هو إيش؟ هو حصول الكفاية.
طيب، إذن، حكم القضاء أول مسألة عندنا: نصب القضاء. طيب، المسألة الثانية: تولي القضاء. إذا عرفنا أن الإمام يجب عليه إيش؟ أن ينصب من يكتفى به بالقضاء. طيب، الشخص المعين زيد وعمرو وخالد، ما حكم توليهم للقضاء؟ هل هو واجب أو هو محرم أو سنة؟ قال المؤلف رحمه الله: ويجب على من يصلح له إذا طلب ولم يوجد غيره الإجابة إليه. إذاً متى يجب؟ فعلى الإنسان أن يتولى القضاء بشرطين بشرطين؟ الشرط الأول، أو عفواً ثلاثة شروط، الشرط الأول أن يكون صالحاً للقضاء. الشرط الأول إيش؟ أن يكون صالحاً للقضاء، قال: يجب على من يصلحه، فهذا الشرط الأول، وعلم منه أن من لا يصلح للقضاء لا يجب عليه أن يتولى القضاء ولو طلب، بل يحرم عليه أن يتولى. خلاص هذا الشرط الأول: أن يكون صالحاً. ومن هو الصالح للقضاء؟ هو الذي تتوفر فيه شروط القاضي التي ستأتي معنا بعد قليل.
الشرط الثاني لوجوب تولي القضاء: أن يطلب. فلو كان الإنسان أهلاً للقضاء، لكن ما أحد طلب منه، ولي الأمر ما طلب منه أن يتولى القضاء، ما طلب، لا يجب عليه أن يتولى القضاء. خلاص، الشرط الثالث لوجوب القضاء على الإنسان، وجوب تولي القضاء على الإنسان: أن لا يوجد غيره، قال: ولم يوجد غيره، الإجابة إليه. لو كان الإنسان أهلاً للقضاء وطلب للقضاء، ولكن يوجد غيره مؤهلون، فهناه لا يلزمه أن يتولى، بل سيأتي بعد قليل في كلام المصنف أنه قال إيش المصنف المسألة التي بعدها ها نقول: مع عدم وجود غيره يجوز. الحالة الثانية مع وجود غيره: إن كان أهلاً وطلب، ولكن غيره موجود أكفاء ومؤهلون، قال: وإن وجد غيره، فالأفضل له ترك القضاء. ليش أفضل ترك القضاء؟ لأن القاضي يعرض نفسه للمخاطرة، إن حكم يميل في الحكم، من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين، والقضاة ثلاثة: قاضيان في النار وقاضٍ في الجنة. القاضي الذي يحكم بالظلم أو يحكم بالجهل هذا في النار، فكون الإنسان يتورع السلامة لا يعدلها شيء.
المسألة التي بعدها، وهي مسألة: شروط القاضي. قال: ومن شرطه أن يكون رجلاً. هذا الشرط الأول، ولما قلنا رجلاً، دخل في هذا كونه ذكراً، وكونه بالغاً، وكونه عاقلاً، إذاً صار هذا ثلاث شروط: أن يكون بالغاً عاقلاً ذكراً، هذا الشرط الأول رجلاً تشمل هذه الثلاث. الشرط الثاني: أن يكون سميعاً. ليش يكون سميع القاضي؟ لأن القاضي يحتاج إلى سمعه لسماع دعوى الخصوم، يسمع دعوى المدعي ويسمع جواب المدعي عليه. الشرط الثالث: أن يكون بصيراً، حتى ينتبه ويعرف من أمامه من الخصوم ويميز المدعي من المدعي عليه ببصره. الشرط الرابع: أن يكون حراً، وليس عبداً. العبد مملوك لسيده، لا يمكن أن يكون مستقلاً في الحكم والقضاء. الشرط الخامس: أن يكون مسلما، الكافر لا يكون قاضياً أبداً، وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا. القاضي أنه لا يكون قاضياً ولا يؤتمن على دماء الناس وأموالهم بخصوماتهم. الشرط السادس: أن يكون متكلماً، يعني ناطقاً حتى ينطق بالحكم، ويسأل أيكما المدعي ما بينتك. الشرط السابع: أن يكون عدلاً لا فاسقاً، الفاسق لا يؤتمن، الفاسق لا تقبل شهادته فضلاً عن أن يكون قاضياً. الثامن: أن يكون عالماً، عالماً يعني من أهل العلم، علم إيش؟ يكون عالم بايش؟ بالقانون؟ ولا عالم بالمحاسبة ولا عالم بالهندسة؟ لا، يعني فقيه في دين الله عز وجل، في شريعة الله التي يحكم بها، ولهذا اشترط العلماء فيه أن يكون مجتهداً، لكن لما عز المجتهد قالوا: يكون مجتهداً ولو في مذهب إمامه. نعم، هذا بالنسبة لشروط القاضي.
بعد ذلك ذكر المصنف رحمه الله ما يجتنبه القاضي، إيش هي الأشياء التي يجتنبها القاضي؟ أول مسألة: الرشوة. لا يجوز له أن يقبل رشوة. شوف يقول المصنف: ولا يجوز له أن يقبل رشوة. يأتيه المدعي ولا المدعي عليه أحد الخصوم يدفع له مال من أجل أن يحكم له، هذا حرام عليه. كذلك لا يجوز له أن يقبل الهدية، لكن المصنف فصل في الهدية إيش يقول المصنف؟ قال: ولا هدية إلا إيش ها؟ ولا هدية ممن لم يكن يهدي إليه. أما من يهدي إليه من قبل، يعني رجل تولى القضاء وزوجته قد اعتادت أن تهدي له في كل عيد هدية، تعطي زوجته كل عيد مثلاً مليون ريال، هي عادتها الله يجزيه خير كريم، طيب فلما جاء العيد بعد توليه القضاء جرت على عادتها وأعطته هدية، يجوز له أن يقبل، لأن هذه قد جرت العادة، ولكنهم استثنوا حتى من هذا قالوا: إلا ممن كان يهاديه من قبل إذا لم تكن له خصومة، أما لو كان شخص يهديه من قبل وحدثت له خصومة عند القاضي، حتى هذا لا يجوز له أن يقبل هديته.
ثم ذكر المصنف رحمه الله أمر آخر مما يجتنبه القاضي: أن يحكم قبل معرفة الحق. إيش يقول؟ قال المصنف: ولا الحكم قبل معرفة الحق. لا يجوز له أن يحكم إلا بعد أن يعرف الحق في المسألة. كذلك إذا اشكل عليه شيء في معرفة الحق، شاور في أهل العلم والأمانة. يستحب له أن يشاور حتى يعرف الحق، يعني المشاورة هنا ليست واجبة بذاتها، بل قد يعرف الحق من إيش من مراجعة الكتب وكذا، لكن يستحب له أن يشاور أهل العلم والأمانة. كذلك يحرم عليه أن يحكم حال الغضب. قال: ولا يحكم غضبان ولا في حال يمنع استيفاء الرأي، حق الحكم حال الغضب، الحكم، أي نعم، الحكم حال الغضب لا يجوز للقاضي إيش أن يحكم حال الغضب، ولا في حال يمنع استيفاء الرأي ولا في حال يمنع الاستشارة. لا يحكم حال الغضب ليش؟ لأن الغضبان يكون ذهنه مشوشاً، وإذا كان الذهن مشوشاً هذا تشوش الذهن يمنعه من استيفاء النظر في القضية، واستيفاء وامتناع استيفاء النظر، إذا لم يستوفي النظر لا يمكن أن يحقق العدالة بتمامها. كذلك لا يجوز له أن يحكم في حال يمنع الرأي، سواء كان غضب شديد أو فرح شديد، أو في هم، أو في برد شديد، أو في حر شديد، كل هذا يمنع استيفاء النظر، قال صلى الله عليه وسلم: لا يقضي القاضي وهو غضبان. كذلك مما يجتنبه القاضي: أن يتخذ بواباً. قال المصنف: ولا يتخذ في مجلس الحكم بواباً. ليش؟ حتى لا يصدوا الخصوم، كل واحد عنده مشكلة عنده دعوة يأتي إلى القاضي، لا يتخذ بواباً إذا لم يوجد لذلك ضرورة أو حاجة.
نعم، ثم ذكر المصنف بعد ذلك مسألة العدل، القضاء مبني على العدل بين الخصمين. قال المصنف: يجب عليه العدل بين الخصمين في الدخول عليه والمجلس والخطاب. ها، العدل بين الخصمين أولاً يكون في إيش؟ في الدخول، ما يدخل أحد الخصوم بدري والثاني يتركه برّا، لا يدخلونه معاً. كذلك في المجلس، ما يجلس أحد الخصوم قريب منه أو على كنبة وفخامة، والثاني يجلسه على الأرض. كذلك في الخطاب، لا يخاطب أحد الخصومين باحترام، والثاني يخاطبه بنهر وزجر، لا يتساويان عنده على حد السواء، فهذا ما يتعلق بالعلم.
كذلك يجب العدل في إيش؟ الحكم. هذا طبعاً العدل في الحكم واجب بلا شك، هذه الأمور إذا كانت واجبة، فالعدل في الحكم بلا شك من باب أولى، هذا ما يتعلق بالدرس. نأتي الآن للتمارين. طيب، شوفوا السؤال الأول، يلا يا شباب: ما حكم القضاء؟ هم، إيش حكم القضاء؟ فرض عين ولا فرض كفاية ولا سنة ولا إيش؟ نعم، فرض كفاية، أحسنت.
السؤال اللي بعده، تفضل: من شرط القاضي إنه يكون إيش؟ أيوه أنت يا شيخ، نعم بصير، نحسب لا يشترط أن يكون هاشمي ولا قرشي، بصيراً فقط. طيب، اللي بعده؟ ما حكم قبول القاضي الهدية؟ أحسنت، ما حكم قبول القاضي هدية؟ أ: لا يجوز إلا ممن كان يهاديه قبل ولاية، ب: لا يجوز مطلقا بما يكره إلا إذا علم أنها لن تؤثر على القضاء وعدله. أيوه، لا يجوز إلا ممن كان يهديه قبلاً، أحسنت.
اللي بعده: يا محمد، يستحب للقاضي أن يعدل بين خصمين في المجلس والخطاب، ويجب في حكمه، صح؟ ها يا شيخ، لا خطأ، خطأ، يجب عليه أن يعدل ما هو يستحب. الأسئلة المقالية الشاملة، يلا السؤال الأول: ما حكم القضاء؟ نقول: القضاء فرض كفاية، يلزم الإمام أن ينصب من يكتفى به في القضاء. السؤال اللي بعده: ما شروط القاضي؟ ها، عشرة شروط ترى، المصنف ذكر الشروط العشرة، بس إيش تحط كلمة الرجل عن ثلاثة شروط؟ إيش الشروط عشرة؟ يكون رجلاً، طيب هذه تطمن، بالغ، عاقل، ذكر، حر، ها غيره، بصير، سميع، متكلم، أيوا، عدل، تمام، أيضاً إيش باقي؟ مسلم، عالم، أحسنت.
طيب اللي بعده: ما محاذير القاضي؟ تفضل، نعم، أولاً أن لا يقضي القاضي وهو غضبان، ولا يقضي وهو في حالة تمنع استيفاء النظر، ولا يحكموا قبل الشفاء قبل تبين الحق له. فيما يكون العدل بين الخصمين؟ في الخطاب وفي المجلس وفي الدخول، نعم. طيب المسائل المعاصرة، يقول المسألة: ما الحكم لو لم تتوفر شروط القاضي في زماننا؟ لما قل المجتهد، طبعاً المسألة في قضية العالم اللي هو المجتهد. العلماء يقولون، كما نص عليه الإمام ابن تيمية: القضاء لا بد منه، ولا يمكن نقول والله ما في مجتهد خلاص الناس يعيشون هكذا، ولهذا قال جماعة من أهل العلم: إذا لم يوجد المجتهد قلنا المقلد، ولكن يولى أمثل المقلدين، طالب علم لكنه مقلد، أفضل الموجودين. كذلك إذا وجد نقص في العدالة عند الناس، فأجاز بعض العلماء إيش؟ ضرورة أن يعين القاضي الذي لم تتوفر فيه تمام العدالة.
الربط بأصول الفقه، يقول: استخرج من الباب احتجاجاً بقاعدة الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم خطاباً لأمته. لو رجعتم للشرح تجدون في مسألة العالم استدل على كونه عالماً بقول الله عز وجل لنبيه: وَأَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، طيب هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، قالوا كذلك الحكم في أمته. كذلك قاعدة التعليل للحكم بمسلك المناسبة، مم، تذكرون قلنا: لا يقضي القاضي وهو غضبان، طيب إيش العلة في منع القاضي من القضاء حال الغضب؟ إيش هي العلة في ذلك؟ تؤخذ بمسلك المناسبة. طبعاً ما درس أصول ما يعرف مسلك المناسبة، مسلك المناسبة هو أن يدرك العقل المصلحة المترتبة على هذا الحكم، فنحن ندرك أن منع القاضي من القضاء حال الغضب ليش؟ لأنه القاضي إذا كان غضبان يكون مشوش الذهن، يمنعه من استيفاء النظر، فلذلك سنقول مسلك المناسبة أخذت منه علة تحريم القضاء على الغضب، وهي علة إيش؟ تشوش.
هنا بعض المسائل للبحث والمناظرة، تراجعوها وتبحثون فيها: من اشتراط كون القاضي بصيراً، العالم باتفاق وفيه خلاف، وما هي المذاهب الأربعة فيه؟ تولي المرأة للقضاء، وبالمناسبة في قصة ذكرها بعض أصحاب التراجم في بلدة في جهة المغرب يقال لها لوشا، كان فيها قاضي له زوجة طالبة علم فقيهة ما شاء الله تبارك الرحمن، فكان إذا نزلت القضية وجاءه الخصوم يرجع إلى البيت ويشاوره زوجته، وما شاء الله فقيهة، فكانت تشير عليه فيأخذ برأيها، فإذا أعطته رأيها حكم به، فقال الشاعر يقول: بلوشة قاضٍ له زوجةٌ، وأحكامها في الورى ماضية، فيا ليته لم يكن قاضياً، ويا ليته كانت القاضي.
كذلك عندنا مسألة: حكم إجابة من دعي إلى القضاء وهو صالح له مع وجود غيره، تبحثون هذه لمن يحب يبحث، فهذا مستعد للبحث والمناظرة، وهذا هو شرح الباب.
الشيخ عامر بهجت