السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمين. أما بعد: أسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علما نافعا وعملا صالحا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أما بعد: فما زلنا مع تدارس كتاب الصيام من عمدة الفقه للإلامام ابن قدامة رحمه الله تعالى. وكنا قد انتهينا في الدرس الماضي من الكلام عن مفسدات الصوم أو المفطرات. وفي هذا الدرس بإذن الله عز وجل نبدأ في باب صيام التطوع.
المؤلف رحمه الله تعالى بعدما بين أحكام الصوم التي تنطبق على الصيام الواجب وغيره، تكلم الآن عن الصيام المستحب أو الصيام المندوب صيام التطوع، الذي هو ليس بواجب؛ لأن الصوم الذي يجب بأصل الشرع هو إيش؟ هو رمضان، ولهذا لما سئل هل النبي عليه الصلاة والسلام سئل هل علي غيره؟ قال: لا، إلا أن تطوع، أو إلا أن تطوع.
جيد. طيب هذا الصوم أيها الإخوة الكرام، قلنا الصوم الواجب بأصل الشرع هو صوم رمضان، عندنا صوم يجب بايجاب المكلف على نفسه، هو ليس واجبا بأصل الشرع، لكن المكلف يوجبه على نفسه، ما هو هذا الصوم؟ صيام النذر. صيام النذر أن ينذر الانسان لله عز وجل صوما غير الواجب بأصل الشرع، فهنا يجب عليه الوفاء بنذره، يجب عليه الوفاء بنذره، لكن هذا الواجب أوجه هو على نفسه بالدخول في النذر.
وقد يكون الصوم مستحبا، إذا عندنا صوم واجب بأصل الشرع وهو رمضان لا غير، الثاني الصوم الذي يوجبه المكلف على نفسه بالنذر. طيب عندنا صوم مستحب، وهذا الذي سيذكره المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الباب. هل يكون الصوم مكروها؟ هل يكون الصوم مكروها؟ نعم، يكون الصوم مكروها في بعض الأيام كما سيأتي معنا إفراد الجمعة بالصيام.
وقد يكون الصوم محرما ولا لا؟ قد يكون الصوم محرما. وهذا يجعلنا نذكر بما سبق أن أشرنا إليه، وهو أن العبادة قد تكون مشروعة، لكنها تكون ممنوعة في بعض الصور. فكل عبادة وكل أمر، سواء كان عبادة أو معاملة، له شروط لوجوبه، له شروط لجوازه، له موانع قد تكون مانعة منه. فمثلا الصلاة من أعظم العبادات وأجل القربات، لكنها تكون ممنوعة محرمة في اوقات النهي، واضح؟
فينبغي للإنسان أن يتعلم وأن يتفقه في الدين. فهذا يؤكد ضرورة تفقه الإنسان في الدين. لا يكفي أن يعرف أن الصلاة مشروعة ثم يبدأ ويكثر من الصلاة وهو لا يعرف الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، واضح؟ فلهذا أحث نفسي وأحث كل مسلم ومسلمة على التفقه في الدين؛ التفقه تعلم الأحكام الشرعية، هذا أمر لا بد منه لكل مسلم وإلا وقع أحيانا في المحرم من حيث أراد الخير.
لما ذكرناه بدأ أولا المصنف رحمه الله تعالى في باب صيام التطوع بأفضل الصيام، قال: أفضل الصيام صيام داوود عليه السلام، كان يصوم يوما ويفطر يوما. إذا هذا هو أفضل الصوم لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك. ثم قال: وافضل الصيام بعد رمضان شهر الله الذي يدعونه المحرم. إذا كذلك من الصوم المستحب صيام شهر المحرم.
كذلك أيها الإخوة الكرام في شهر المحرم أكده ما هو؟ أكد يوم في شهر محرم؟ عاشوراء، نعم، عاشوراء ثم تاسوعاء، العاشر ثم التاسع. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة. وهذا أيضا مما يستحب صومه تسع ذي الحجة، وأكدها التاسع وهو يوم عرفة.
قال رحمه الله تعالى: ومن صام رمضان واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر كله. وهذا أيضا من الصيام، يستحب صيام ست من شوال، وصوم ست من شوال الأصل أنه يكون بعد انتهاء صوم رمضان، فلا يصوم الست من شوال إلا بعد أن يستكمل صيام رمضان. فان كان عليه قضاء ينتهي أولا من القضاء، ثم يصوم ستا من شوال؛ لأن الحديث قال: من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال.
قال: وصيام عاشوراء وهو العاشر من شهر المحرم، وصيام يوم عرفة وهو كفارة سنتين، سنة ماضية وسنة مستقبلة، لكن صيام يوم عرفة لا يستحب لمن كان بعرفة. الحاج في عرفة لا يستحب له أن يصوم يوم عرفة. ومما يستحب صيامه أيضا صيام أيام البيض، أيام البيض يعني أيام الليالي البيض، لماذا سميت هذه الليالي البيض؟ لبياض هلالها باكتمالها تمام؟ فيستحب صيام هذه الأيام أيام البيض، وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر، وكذلك يستحب صيام يوم الاثنين ويوم الخميس لما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومهما، كان يصومهما.
ثم ذكر المؤلف رحمه الله تعالى مسألة تتعلق بالصوم النفل أو بصوم التطوع. ما هي هذه المسألة؟ قال رحمه الله تعالى: والصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر ولا قضاء عليه. إذا المتطوع أمير نفسه، إن شاء أتم صومه. صورة المسألة كالاتي: رجل شرع في صوم مستحب كصوم الاثنين أو صوم الخميس، ثم بدا له بعد ذلك أن يفطر، ووضع له الغداءها فكان طعاما يشتهيه، فهل يجوز له أن يفطر ولا لا؟ يجوز له أن يفطر، واضح؟ فهو أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر. وهذا الحكم ينطبق على صوم التطوع، ولا ينطبق على صوم الفرض، سواء كان الفرض رمضان أو نذر أو قضاء أو كفارة.
فبعض الناس مثلا إذا صام القضاء، نحن قلنا إن صيام القضاء موسع لا مضيق، بمعنى أنه يجوز تأخيره وأنه على التراخي وليس على الفور، فيجوز لك أن تؤخر صوم القضاء إلى مثلا ما بعد شوال، ذو القعدة، ذي الحجة، ما لم يصل هذا التأخير إلى رمضان الآخر. طيب، إذا آخر وصام القضاء، هل يجوز أن يقول بعد أن بدأ في صوم القضاء؟ يقول: لا، خلاص أفطر اليوم وأصوم غدا بدلا عن اليوم، هل يجوز ذلك؟ لا يجوز ذلك؛ لأن صيام القضاء فرض، ومن دخل في فرض حرم عليه قطعه.
ماشي، قال رحمه الله تعالى: وكذلك سائر التطوع إلا الحج والعمرة فانه يجب إتمامهما وقضاء ما فسد منهما. هذه قاعدة، أن الأعمال المستحبة غير الواجبة يجوز للإنسان أن يقطعها، لكن لا يستحب ولا يشرع له أن يقطعها إلا لغرض وقصد صحيح تمام؟ لكنه إذا قطعها لا يأثم بذلك. واضح؟
طيب هذا الكلام ينطبق على سائر النوافل ما عدا الحج والعمرة، فإن الحج والعمرة لا يجوز قطعهما فرضا كانا أو نفلا. اسمعوا هذه المسألة: إذا ذهبت إلى العمرة أو ذهبت إلى حج، سواء كان هذا الحج فريضة أو كان هذا الحج نافلة، فلا يجوز لك أن تبدأ وتحرم، بعد ما تدخل في الإحرام تقول: لا، سأخرج من إحرامي وأعتمر بعد أسبوع، لا يجوز ذلك، ولا يحصل ذلك، حتى لو قطع أحرمه لم ينقطع.
ولهذا لو جاء شخص، هذا يسأل عنها بعض الزوار أو الحجاج، فيأتي مثلا إلى المدينة تمام؟ ثم يحرم من ذي الحليفة ذاهبا إلى مكة، أو ربما أحرم من الطائرة فنزل المطار، قالوا: لا، البرنامج تغير، سنذهب أولا إلى المدينة ثم إلى مكة، فهل يجوز له أن يخرج من إحرامه؟ نقول: لا، بل هو باق على إحرام، يتجنب جميع محظورات الإحرام حتى يكمل حجه أو عمرته، واضح؟ إلا في مسألة المحصر الذي يصد، تمام؟ لكن الإنسان الذي يتأخر في عمرته فإنه يبقى محرما حتى يتم العمرة، واضح؟
طيب قال رحمه الله تعالى: إلا الحج والعمرة فإنه يجب إتمامهما وقضاء ما فسد منهما، يعني ايش؟ بماذا يفسد الحج؟ عرفنا أنه يجب إتمام الحج والعمرة حتى لو كانت نافلة. لكن الحج والعمرة لو فسدا، لو أفسد عمرته أو أفسد حجه يجب أن يكمله وأن يتمه. كيف يفسد الحج؟ يفسد الحج بالجماع قبل التحلل الأول، وتفسد العمرة بالجماع قبل طوافها. فإذا أفسد الحج أو أفسد العمرة بالجماع، نقول: الحج فاسد والعمرة فاسدة، ويجب أن يتمهما مع الفساد.
طيب ما الذي يترتب على الفساد؟ نقول: يجب عليه أن يقضي هذا الحج الفاسد وأن يقضي هذه العمرة الفاسدة إضافة.
إلى الفدية أو الكفارة. قال رحمه الله تعالى: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين. انتقل المؤلف رحمه الله إلى الصوم المنهي عنه، أما نهي كراهة أو نهي تحريم.
قال رحمه الله تعالى: ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومين: يوم الفطر ويوم الأضحى. والنهي هنا نهي تحريم، فيحرم على الإنسان أن يصوم يوم الفطر، اللي هو اليوم الأول من شوال، ويوم الأضحى الذي هو اليوم العاشر من ذي الحجة، فهذان اليومان لا يجوز صومهما ويحرم ذلك.
كذلك مما يحرم صومه أيام التشريق. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ونهى يعني النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام أيام التشريق. التشريق هي هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، فلا يجوز صومها إلا في حالة واحدة، وهي بالنسبة للمتمتع أو القارن إذا لم يجد الهدي.
الحج أيها الاخوة الكرام قد يكون تمتعاً أو قراناً أو إفراداً، وليس هذا محل بسط ذلك، لكن الحاج المتمتع والقارن إذا حج فعليه هدي، عليه هدي يذبح ويوزع على فقراء الحرم، يذبح في مكة. واضح هذا بالنسبة لهدي التمتع والقران.
فإن كان الإنسان عاجزاً ليس عنده ما يشتري به هدياً، فما الذي يجب عليه؟ يجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. هذه الثلاثة الأيام التي تصام في الحج صيام ثلاثة أيام في الحج، الأفضل أن يصوم السابع تماماً، والثامن والتاسع، أن لا يأتي عليه يوم النحر إلا وقد صامها؛ فحينئذ يستحب تقديمها قبل يوم عرفة أو يكون آخرها يوم يكون آخرها يوم عرفة، ماشي؟
لكنه يجوز أيضاً أن يجعل هذه الثلاثة الأيام التي تصام في الحج هي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر اللي هي أيام التشريق، وهذا خاص فقط بالمتمتع الذي لم يجد الهدي.
ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى بعد ذلك إلى الكلام عن ليلة شريفة عظيمة نسأل الله أن يبلغنا وإياكم فضلها وأن يبلغنا وإياكم قيامها بمنه وكرمه، إلا وهي ليلة القدر، وهي الليلة التي قال الله جل وعلا عنها: لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ. كم تساوي ليلة القدر من الشهور؟ لا تقل ألف بل تقول خير من ألف شهر، وهذا فضل عظيم جليل، من وفق له فهو موفق، ومن حرم هذا الفضل فهو المحروم. نسأل الله أن لا يحرمنا فضله.
هذه الليلة أيها الإخوة الكرام متى تكون؟ ألف شهر تعرف كم يعني أكثر من ثمانين سنة تمام، وهذا يعني من فضل الله عز وجل ومن سعة رحمته أن يقوم الإنسان ليلة فيكتب له بها قيام عمر ثمانين سنة، ليس أمراً سهلاً، أكثر من ذلك بل الله عز وجل قال خير من ألف شهر، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
لو كانت هذه الليلة يدرك قيامها بقيام السنة كلها لما كان ذلك كثيراً. أليس كذلك أن تقوم السنة كلها فيكتب لك خير من ألف شهر خير من أكثر من ثلاثة وثمانين سنة؟ هذا فضل عظيم من الله، فكيف وهذه الأيام العشر مظنتها هذه الليلة الفضيلة مظنتها ليالي العشر من رمضان؟
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان. ولهذا يحرص الإنسان على اغتنام هذا الشهر الفضيل ويحرص أشد الحرص على العشر الأواخر من هذا الشهر، فإنها مظنة لليلة القدر. يحرص على أولاً على الفرائض وعلى ترك المحارم، أن يتجنب النظر إلى الحرام وأن يتجنب الغيبة وأن يتجنب المحرمات ما ظهر منها وما بطن.
الأمر الآخر أن يحرص على قيام هذه الليلة بعبادة الله عز وجل والصلاة له جل وعلا. نسأل الله أن يبلغنا فضلها.
الشيخ عامر بهجت