السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فنسأل الله جل وعلا أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً نافعاً وعملاً صالحاً، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ثم أما بعد، فهذا هو الدرس الأول من دروس شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للإمام موسى بن أحمد الحجاوي رحمه الله تعالى. وهذا الكتاب أيها الإخوة الكرام هو أحد المتون الفقهية المختصرة التي صنفت على مذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وجمعنا به في جنات نعيم.
والإمام أحمد عليه رحمه الله هو أحد الأئمة الأربعة المتبوعين، ومن المهم جداً لطالب العلم، خاصة مع كثرة نشر بعض المفاهيم غير الصحيحة عن الفقه الإسلامي، من المهم أن يتصور كيف نشأ هذا المذهب وكيف تكونت المذاهب الفقهية الأربعة.
النبي عليه الصلاة والسلام فقه الصحابه رضي الله تعالى عنهم وعلمهم وفقههم في الدين، وهؤلاء الصحابه الكرام رضوان الله تعالى عليهم نقلوا هذا الفقه إلى التابعين. في زمن الصحابه أيها الإخوة الكرام، كان الصحابه رضوان الله تعالى عليهم على طبقات ودرجات من جهة كثرة ما ينقل عنهم من الفتوى ومن الفقه.
وقد ذكر هذا الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في أعلام الموقعين، وقبله الإام ابن حزم رحمه عليهم أجمعين، فمن الصحابه من كان مكثراً ومتفرغاً لتعليم الناس الفقه وإفتائه، فانتشر عنه الفقه وانتشرت عنه الفتوى، وصار له مذهب متبوع وله أصحاب يتقلدون رأيه وياخذون بفتاويه. وقد ذكر هذا الأمر الإام علي بن المديني رحمه الله تعالى، فذكر أن الصحابه الذين كانت لهم مذاهب تقلد مذاهب متبوعة ثلاثة، وهم: عبد الله بن عمر في المدينة، وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في مكة، وابن مسعود في الكوفة، وبعضهم يذكر كذلك زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه أيضاً في المدينة.
وهذا الأمر أيها الإخوة الكرام أمر طبيعي، إذا كانت البلد وكان الناس عندهم إمام صحابي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أكابر الفقهاء، فإن من الطبيعي جداً أن يكون هؤلاء الناس يأخذون بفتوى هذا العالم وهذا الفقيه. وهذا الأمر ندركه حتى في زماننا، فإننا نجد أن بعض مشايخنا رحمه الله تعالى عليهم الذين تفرغوا للتدريس ولتعليم الناس الفقه ولإفتاء الناس، صارت الفتوى في البلاد على قولهم، وصار الناس يسيرون على قولهم؛ فليس هذا أمراً منكرا.
هذا الذي كان من زمن الصحابه رضي الله تعالى عنهم، فكان عندنا أصحاب عبد الله بن مسعود وأصحاب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأصحاب ابن عمر، فكانت المدينة في الجمله في الأغلب على مذهب الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه، ولا يعني هذا أنه لا يخرج عن رأيه، وأنه لا يوجد أحد من طلابه أو من أصحابه يخالفه في مسألة أو في رأي، فإن وجود المخالف فهذا أمر حاصل، سواء في مذاهب هؤلاء الصحابه رضي الله تعالى عنهم أو في مذاهب الأئمة المتبوعين من بعدهم.
جيد، لكن المقصود أن بداية تكون المذاهب كان موجوداً في زمن الصحابه رضي الله تعالى عنهم، ثم بعد ذلك صار التابعون على فقه الصحابه، وجاء زمن الأئمة الأربعة رضوان الله تعالى عليهم. فقدر الله سبحانه وتعالى مع كثرة الفقهاء في الأمة، الفقهاء والمجتهدون في الأمة كثير ليسوا أربعة ولا حتى أربعين، لكن الله عز وجل قدر أن هؤلاء الأربعة انبرى من طلابهم من اعتنى بعلمهم ونشر علمهم وكتب فقههم وكتب فتاويهم.
وهنا أيها الإخوة الكرام ينبه إلى قضية، وهي قضية دور طالب العلم مع شيخه، فإن من أئمة الإسلام رحمه الله تعالى عليهم مثل الأوزاعي أو الليث بن سعد قالوا: الليث أفقه من مالك، ولكن الإمام مالك رحمه الله تعالى قام به أصحابه فنشروا علمه ودونوا فقهه فصار مذهباً متبوعاً دُوّنت فيه الكتب مختصرات وشروح حتى صار مذهباً متبوعاً إلى يوم الناس هذا. فهذا من المهم أيضاً أن يدركه طالب العلم، أن يكون لطالب العلم دور في نشر علم شيخه وخدمة علمه.
نعم، كثر العلماء ولكن الله عز وجل قدر أن يكون هؤلاء الأربعة لهم طلاب جمعوا علمهم ودونوا فتاويهم وكتبوا مذاهبهم فانتشرت بعد ذلك، وسنبين هذا بالتفصيل بعد قليل إن شاء الله تعالى. هؤلاء الأربعة هم: الإمام أبو حنيفة النعمان رحمه الله، والامام مالك بن انس، والإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى.
ولن نطيل كثيراً في الكلام عن مذاهب هؤلاء الأئمة الأربعة، ولكن اريد أن أبين أن هذه المذاهب الأربعة هي في الحقيقة متصلة الاسناد، إسناد التفقه والتلقي إلى الصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فنجد على سبيل المثال مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى هو في الحقيقة الإمام أبو حنيفة اخذ العلم عن حماد، وحماد أخذ العلم عن إبراهيم، وإبراهيم أخذ العلم عن علقمة، وعلقمة أخذ العلم والفقه عن الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وكذلك إذا نظرنا في مذهب عالم المدينة الإمام مالك بن انس، نجد أنه تلقى العلم عن جماعة وأن هؤلاء تلقوا، يعني مثلاً أخذ عن نافع وأخذ عن سالم، ونافع وسالم أخذوا عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه.
والكلام نفسه يقال في مذهب الإمام الشافعي، ويقال في مذهب الإمام أحمد، إلا أن مذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام أحمد بشكل أظهر قد تميز في أنه امتداد لمدارس الصحابه رضي الله تعالى عنهم في جميع الأمصار. فتجد أن مذهب الإمام أحمد، وهذه من مميزاته، ليس له اختصاص مثلاً بصحابه الكوفه كما هو الحال في مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله، وليس له اختصاص بصحابه المدينة كما هو الحال في مذهب الإمام مالك، ولا نقصد بالاختصاص هنا أنه لا يخرج عنه، لكن المقصود أن غالب مادة فقه الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ممتدة ومتصلة بصحابة الكوفة.
أما الإمام أحمد رحمه الله تعالى، فانه بنى مذهبه على آثار الصحابه وأقوال الصحابه من جميع الأمصار، وكان رحمه الله تعالى إذا فرضنا أن هناك من يشارك الإمام أحمد رحمه الله تعالى في حفظ الحديث، فإنك لا تكاد تجد من يشاركه في معرفة فقه الصحابه وحفظ آثار الصحابه رضي الله تعالى عنهم. الإمام أحمد رحمه الله كان يحفظ ألف ألف حديث مليون، هذا الحديث لما يقال ألف ألف حديث لا يقصد بذلك الآثار، لا يقصد بذلك الأحاديث المرفوعة فقط، بل يقصد بذلك الأحاديث المرفوعة والموقوفة بل والمقطوعة.
والأئمة رضوان الله تعالى عليهم كان لهم عناية بفقه من سبقهم، فتجد أن الإمام أحمد له دراية بفقه من سبقه من اهل العلم، وله دراية بفقه التابعين، وله دراية بفقه الصحابه رضي الله تعالى عنهم.
مذهب الإمام أحمد أيها الإخوة الكرام مر بمراحل، أول مرحله من هذه المراحل هي مرحله بناء المذهب على يد إمام المذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى. والامام أحمد رحمه الله لم يكتب الفقه بنفسه، لم يكتب فقهه بنفسه ولم يدونه، وهذا من ورعه رحمه الله، وبعض الناس يظن أن ذمته لا تبرا إلا إذا قال للناس أنا أرجح في هذه المسألة كذا وأرجح في هذه المسألة كذا، الإام أحمد بالعكس كان يفر من هذا، كان لا يحب أن يكتب عنه رأيه، وهذا من ورعه رحمه الله تعالى ورضي عنه.
لم يدون فقهه بنفسه، لكن دون عنه الفقه عدد من أصحابه، وتواتر فقهه في أصحابه، حتى قيل إن الذين كتبوا عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى مذهبه أكثر من مئتي نفس. وهذه بالمناسبة من المميزات التي تميزت بها مذاهب الأئمة الأربعة، وهي كثرة النقلة عنهم وتواتر الفقه عنهم؛ يعني مثلاً إذا جئت إلى مسألة منقولة مثلاً عن الإمام الأوزاعي تجد أن الذي نقله عن الإمام الأوزاعي رحمه الله واحد، اليس كذلك؟ وعليكم السلام حياك الله شيخ، واحد ربما يقع في روايته.
وهم، صح ولا لا؟ في عزو القول، فلا يتبين لنا خطاه. وربما يقع في روايته عن الإمام الأوزاعي رحمه الله إطلاق تام، لا يتبين لنا تقييده، وربما يقع عنه خصوص عموم، لا يتبين لنا تخصيصه، أليس كذلك؟ بخلاف مذاهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم؛ فإنك إذا وجدت مسألة منقولة عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، تجد إن كانت المسألة فيها قيد ولم تجده في رواية، وجدت هذا القيد في الروايات الأخرى.
إذا كان هذه الرواية المنقولة عن الإمام أحمد فيها خطأ أو وهم، تجد أن بقية الروايات في هذه المسألة تبين لك هذا الوهم وهذا الخطأ. إذا كان الكلام عاماً، ومذهب الإمام أحمد فيه التخصيص، فإنك إذا نظرت في بقية الروايات التي نقلت عن الإمام، وجدت ذلك الكلام مفصلاً مخصصاً.
وهذا لا يكاد يوجد في غير هؤلاء، في غير مذهب هؤلاء الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى ورضي عنهم. إذاً، الإمام أحمد ما كتب الفقه بنفسه، لكن نقله عنه جماعات من أصحابه عدد كبير.
وهؤلاء الذين نقلوا المسائل عن الإمام أحمد منهم أئمة يمكن أن يقال إنهم بلغوا رتبه الاجتهاد، يعني ممن نقل فقه الإمام أحمد ودون عنه المسائل: الإمام أبو داود السجستاني صاحب السنن، كتب كتابه السنن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتب كتابه المسائل عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ودون فيه فقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى عليه.
وهذا يدل على معرفة هؤلاء الأئمة، أئمة الحديث وائمة السنة، أنهم يعرفون قيمة فقه هؤلاء الأئمة كالإمام أحمد وهو على رأس فقهاء أهل الحديث. ومن الاشكالات التي تحصل في عصرنا الحاضر أن بعض الناس يسأل: هل أتفقه على طريقة أهل الحديث، أو أتفقه على مذهب الإمام أحمد؟ وهذا سؤال غريب جداً؛ لأن الذي يسأل هذا السؤال لا يعرف ما معنى فقه أهل الحديث.
إذا لم يكن فقه مذهب الإمام أحمد على رأس القائمة في فقه أهل الحديث، فليس لأهل الحديث فقه أو مذهب. إذا ما كان مذهب الإمام أحمد ومذهب الإمام مالك فقه أهل الحديث، ففق اهل الحديث ما هو؟ هو فقه الشراح المتاخرين الذين كتبوا مثلاً شرحاً على بلوغ المرام، أو شرحاً على منتقى الأخبار أو نحو ذلك.
هذا هو فقه أهل الحديث، بينما فقه أحمد ليس من فقه الحديث، هذا من المفاهيم غير الصحيحة الموجودة في أذهان بعض الناس اليوم. نعود فنقول: نقل هذا المذهب عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى جماعات كثيرة، منهم الإمام أبو داود السجستاني صاحب السنن، ومنهم عبد الله بن الإمام أحمد، ومنهم صالح، ومنهم الكوسج إسحاق بن منصور الكوسج، ومنهم الشالنجي، ومنهم مهنا الشامي، ومنهم ابن هانئ، ومنهم حرب بن إسماعيل الكرماني.
وذكر بعض الباحثين أن الذين أكثروا الرواية عن الإمام أحمد المكثرين نحو من ثلاثين شخصاً صنفوا يعني كتباً في المسائل، واما الذين رووا عنه مسائل من غير إكثار فقد تجاوزوا المئتين. هؤلاء الذين كتبوا المسائل كل واحد منهم كتب ما سمعه، وإذا نظرت في المسائل ربما تجد مسألة موجودة في مسائل صالح وموجودة في مسائل عبد الله بالنص، نفس الكلام، ربما يكون سمعوها من الإمام أحمد وكتبوها.
جاء بعد طبقة أصحاب المسائل إمام عظيم، وهو الإمام أبو بكر الخلال رحمه الله تعالى، فجمع كتب المسائل هذه كلها في كتاب واحد سماه الجامع لعلوم الإمام أحمد، فهو جامع المذهب. الخلال هو جامع المذهب رحمه الله، وحاله في مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى كحال الربيع بن سليمان في مذهب من؟ في مذهب الشافعي، وكحال محمد بن الحسن الشيباني في مذهب الإمام أبي حنيفة.
فإن جامع المذهب الحنفي ومصنفه ومدونه ابتداءً من هو؟ محمد بن الحسن الشيباني. كتب ظاهر الرواية الستة، وكتب ظاهر الرواية أصلاً سماها، صنفها محمد الشيباني، حرر فيها المذهب النعماني. كذلك كان الحال بالنسبة للإمام أبي بكر الخلال رحمه الله تعالى، صنف جمع المذهب.
وبعد ذلك جاء في الطبقة التي تلي الخلال من طبقة أصحاب الإمام أحمد، جاء عندنا الإمام أبو القاسم عمر بن الحسين الخرقي، وكتب متناً مختصراً اختصر المذهب. فدور الخلال هو الجمع، ودور الخرقي كان -طبعاً له كتب كثيرة الخرقي- لكن للأسف فقدت، وصلنا منها المختصر هذا، مختصر الخرقي رحمه الله تعالى، وشرح عدة شروح.
الخرقي اختصر المذهب وجعل فيه متناً مختصراً، والخرقي أخذ العلم عن والده، عن أصحاب الإمام أحمد، عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وجاء بعد ذلك أيضاً الإمام الحسن بن حامد، وكان دوره في التقعيد؛ وضع قواعد، أن عندنا روايات جمعت عن الإمام أحمد، جاء الحسن بن حامد رحمه الله تعالى ليدون القواعد التي يفهم بها كلام الإمام أحمد، حتى يكون بناء المذهب بطريقة علمية وصحيحة ومنهجية.
كتب كتابه المسمى بتهذيب الأجوبة، مطبوع في مجلدين، في كيفية التعامل مع روايات الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ماذا نصنع إذا كان عندنا روايات متعارضة؟ كيف التعامل مع بعض عبارات الإمام كقوله: أكرهه مثلاً، لا يعجبني؟ فصنف الإمام الحسن بن حامد رحمه الله تعالى هذا الكتاب وهو تهذيب الأجوبة.
ثم بعد ذلك في الطبقة التي تلي ذلك، جاء القاضي الإمام أبو يعلى، أبو يعلى ابن الفراء رحمه الله تعالى، وهو من أئمة المذهب، وممن له دور عظيم في نشر المذهب وفي خدمة المذهب. فصنف كتباً كثيرة في الأصول، في الأصول مثلاً كتب كتاب العدة، وفي الفقه كتب كتابه مثلاً الجامع الصغير وغيرها من الكتب.
وبعد ذلك عندنا طبقة، ويعتبر الإمام أبو يعلى رحمه الله تعالى معلماً بارزاً في المذهب، وله دور كبير في تدوين المذهب ونشره والانتصار له، وله كتب مطولة مثلاً التعليقة الكبيرة وغيرها. بعد ذلك عندنا طبقة طلاب أبي يعلى رحمه الله تعالى عليه، ومن أبرزهم اثنان: أبو الخطاب الكلوذاني، وأبو الوفاء ابن عقيل.
أبو الخطاب كذلك استمر في نفس، أبو الخطاب الكلوذاني استمر في خدمة المذهب، وصنف كتاباً في أصول الفقه، وصنف كتاباً في الفقه، وصنف كتباً عديدة. من كتبه الانتصار، ومن كتبه التمهيد في أصول الفقه، ومن كتبه أيضاً الهدايه وغير ذلك.
واستمر المذهب أيها الأخوة الكرام يتفقه الناس جيلاً بعد جيل، واستمر مذهب الإمام أحمد، وهذا الحال موجود في مذهب الإمام أحمد وفي سائر المذاهب الأربعة، أنه مذهب متواتر، يتفقه فيه في كل عصر وزمان عدد كبير من أهل العلم. جاء بعد أبو يعلى قلنا أبو الخطاب، واستمر الأمر إلى أن جاء مثلاً الإمام الموفق، موفق الدين بن قدامة رحمه الله تعالى، وصنف كتباً كثيرة، وكان له دور عظيم في خدمة المذهب.
صنف العمدة، وصنف المقنع، وصنف الكافي، وصنف المغني، وصنف أيضاً الهادي. والكتاب الذي كان يعتمد في التدريس عند الحنابله في أول الأمر، بعد ما صنف الخرقي مختصره، كان هو الكتاب الذي يحفظ ويدرس وتكتب عليه الشروح، مختصر الخرقي، إلى أن جاء الإمام الموفق رحمه الله تعالى فصارت عمدة الحنابله وشغلهم بكتاب إيش؟ المقنع.
فكتبت عليه شروح كثيرة، اللي هو كتاب المقنع، فكتب عليه المبدع، وكتب عليه الشرح الكبير. وجاء بعد ذلك طبعاً عدد من أهل العلم في نفس الطبقة، طبقة الموفق بن قدامة، نفس الطبقة مقاربة، اللي هو الإمام مجد الدين أبي البركات، الإمام مجد الدين أبو البركات ابن تيمية رحمه الله، جد جد الشيخ تقي الدين شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام، هذا عبد السلام أبو البركات مجد الدين بن تيمية رحمه الله.
وصنف أيضاً كتاب المحرّر، وكان المجد والموفق هما العمدة في معرفة المذهب، العمدة في معرفة المذهب على المحرر للمجد الدين، والمقنع لموفق الدين ابن قدامة رحمه الله عليهم أجمعين. ومرت الطبقات جيلاً بعد جيل، وبالمناسبه فإن هؤلاء العلماء في كل طبقة من الطبقات منهم من كان له دور في التدريس ولم يصلنا من مؤلفاته شيء، مثل ما ذكروا في ترجمة ابن المني هذا ابن المني، قالوا: قل من قرأ عليه إلا.
وانتفع ما في أحد يعني يدرس عنده إلا وينتفع. علق ابن رجب في ذيل الطبقات على هذا قال: وهذا صحيح، فإنه قد تفقه، فإن الفقه العمدة عندنا على رجلين: موفق الدين وهو من تلاميذ ابن المني، ومجد الدين وهو من تلاميذه. واضح المقصود أن هؤلاء العلماء في كل جيل منهم من يخدم المذهب بالشرح والكتابة، ومنهم من يكون معروفا بالتدريس، وإن لم يصلنا شيء من كتبه، لكن دوره وأثره في المذهب يكون معلوما ومعروفا.
ولهذا أيها الأخوة الكرام، فإن المذهب الحنبلي وسائر المذاهب الأربعة يتصل إسنادها إلى يوم الناس هذا، يتصل إسنادها إلى إمام المذهب في كل طبقة عدد كبير لا يحصون من الفقهاء والعلماء وطلاب العلم.
بعد ذلك أيها الأخوة الكرام، جاء الإمام علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى وصنف كتبا في تصحيح المذهب. طبعا، تصحيح المذهب، إيش معنى تصحيح المذهب؟ الإمام أحمد كما قلت لكم تروى عنه روايات كثيرة، أحيانا يكون بينها تعارض، وكثير جدا تكون الروايات لا نزاع فيها قولا واحدا. ترى هذا كثير وليس بقليل، بعض الناس يتصور أن مذهب الإمام أحمد أكثر مسائله فيها روايات وخلاف، والحقيقة أن المسائل المجمع عليها والمتفق عليها في المذهب ليست قليلة. وكذلك حتى الخلاف الذي يورد في المسائل، جزء كبير منه هو خلاف في التفاصيل وليس في أصل المسألة، تجد أصل المسألة متفق عليها بين علماء المذهب، لكن يختلفون في التفاصيل: هل هذا شرط أو ليس بشرط؟ هل المسألة لها شرطين أو ثلاثة؟ هل هذا القسم معتبر أو غير معتبر؟ ونحو ذلك.
المقصود أيها الأخوة الكرام، جاء الإمام القاضي علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى -أو قبل هذا نقول: تصحيح المذهب مر بمراحل- وعليكم السلام ورحمة الله، جزاك الله خيرا. من أول من اعتنى بتصحيح المذهب؟ الإمام الخلال رحمه الله تعالى. نحن قلنا الإمام الخلال هو جامع المذهب، صح ولا لا؟ جمع المذهب ولكنه أيضا اعتنى بالتصحيح، فتجد بعد ما يذكر جملة من الروايات يقول: والذي استقر عليه مذهب أحمد كذا. ولكن للاسف طبعا جامع الخلال ليس موجودا بين أيدينا اليوم، هذا الأول.
كذلك الإمام أبو يعلى، القاضي أبو يعلى كان له دور عظيم في تصحيح المذهب. كذلك إذا اردنا أن ننتقل بعده إلى الموفق ابن قدامة ومجد الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى. بعدهم صار العمدة في تصحيح المذهب -يعني بعدهم بأكثر من طبقة- على كتب القاضي علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى. المرداوي رحمه الله تعالى كتب عدة كتب، أشهرها ثلاثة كتب في التصحيح: تصحيح الفروع، والانصاف، والتنقيح المشبع.
فالإنصاف هذا كتاب عظيم جليل، يعني احتوى في بطنه عشرات -بل إن شئت أقل: مئات- الكتب من كتب المذهب، كثير من الكتب الموجوده التي ينقل عنها مفقودة، لكنك يعني تستطيع أن تحصل ما فيها من الاختيارات والتصحيح المذهبي من خلال إيش؟ من خلال الإنصاف، واضح؟
ثم بعد ذلك بعد ما كتب تصحيح الفروع وكتب الإنصاف، كتب كتابا مختصرا اسمه تنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع، وعليه العمدة في تصحيح المذهب. جاء بعده عالمان جليلان من أئمة المذهب، وهما موسى الحجاوي وابن النجار الفتوحي، فاعتمدوا تصحيحات علاء الدين المرداوي رحمه الله تعالى، ولكن زادوا عليها الزيادات، وربما خالفوه في أشياء يسيرة، لكن الاعتماد غالبا على تصحيحات الإمام المرداوي رحمه الله تعالى.
الكتاب كتاب الشيخ موسى الحجاوي هو صاحب زاد المستقنع، صنف كتابه الإقناع لطالب الانتفاع، والكتاب الثاني وهو منتهى الإرادات هذا لابن النجار الفتوحي رحمه الله تعالى، منتهى الإرادات في جمع المقنع والتنقيح وزيادات المقنع لابن قدامة جمعه مع التنقيح اللي هو تصحيح له وزاد عليه زيادات. هذه المرحلة نستطيع أن نقول يعني الإقناع والمنتهى بها استقر التصحيح المذهبي.
جاءت بعد ذلك جهود هي جهود يعني ليست إعادة تصحيح، وإنما هي ربما يكون فيها شيء يسير من الاستدراك أو الشرح أو الزيادة، أبرزها أمران.
الأمر الأول: شرح هذه الكتب المعتمدة، وشارح المذهب بلا منازع هو الشيخ منصور بن يونس البهوتي رحمه الله تعالى، هو يعني خدم المذهب خدمة عظيمة في الشرح، فكتب شرحا على المنتهى وكتب شرحا على الإقناع -مع أن صاحب المنتهى نفسه اللي هو ابن النجار كتب شرحا على المنتهى- إلا أن أكثر الاعتماد -إلا أن الاعتماد على شرح البهوتي أكثر من الاعتماد على شرح المصنف نفسه رحمه الله- وكتب كتابه الآخر وهو كشاف القناع عن متن الإقناع شرح فيه الإقناع للحجاوي، وكتب كتابا في شرح زاد المستقنع اللي هو كتاب ايش الروض المربع.
كذلك هناك جهد آخر، هذا جهد في شرح المذهب، وهناك جهد آخر أيها الأخوة الكرام للشيخ مرعي الكرمي رحمه الله تعالى، وهو غاية المنتهى في الجمع بين الإقناع والمنتهى، وهو متن جاء بعد الإقناع والمنتهى جمع بينهما وربما زاد بعض المسائل التي لم ينص عليها بقوله: ويتوجه كذا، وهذا الكتاب شرحه الرحيباني في مطالب أولي النهى، وبهذا يعني استقر المذهب جمعا واختصارا وتقعيداً وشرحا.
جاءت بعد ذلك الطبقة التي بعد الشيخ منصور البهوتي رحمه الله من طلابه مثل الخلوتي رحمه الله، وكذلك عثمان النجدي رحمه الله عليهم، كتبوا إما شروحا على بعض المختصرات مثل شرح عمدة الطالب هداية الرغب شرح عمدة الطالب أو كتابة حواشي، ولكن هذه الشروح طبعا هي شروح تعليمية على هذه المختصرات وليست وجلها معتمده على شروح البهوتي يعني ليست تصحيحا للمذهب وكذا، ولكن لهم جهد في كتابة الحواشي، والخلوتي مثلا كتب حاشية على المنتهى، وعثمان النجدي كتب حاشية على المنتهى، وغير ذلك من أصحاب الحواشي. هذه مقدمة أولى تبين فيها تاريخ المذهب إلى عصرنا الحاضر.
هناك مسألة أخرى أيها الأخوة الكرام من المهم جدا لطالب العلم إذا أراد أن يتعلم علما أن يدرك أهمية هذا العلم وفضله وعظمته، فأنت إذا جئت لشخص تريد أن تعلمه النحو تمام، وقلت له ترى النحو ليس فيه فائدة وليس بمهم، ولكن لابد تدرس النحو حتى تنجح، وأقوال النحويين كثير منها مخالفة للراجح من كلام العرب أو نحو ذلك، فإن هذا الطالب بهذا الكلام أنت تصده عن ايش عن تعلم هذا العلم. من المهم إذا تريد تدرس النحو لطلابك، أول شيء ازرع في قلوبهم أهمية معرفة اللغة، أهمية معرفة النحو، أهمية الكلام العربي، وضرورة تعلم هذا العلم الجليل، فاذا غرست في قلوبهم حب هذا العلم وتعظيمه فإنهم سيتعلمون حتى لو أنك أنت وقفت الدرس إذا غرست هذا في قلوبهم، فهذا أمر مهم جدا أيها الأخوة الكرام لمن أراد أن يتعلم علما.
ولهذا أقول: من أراد أن يتعلم الفقه على مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى فلا بد أن يقبل عليه محبا ومعظما، ليس معنى معظما ومحبا أن هذا الفقه فقه الإمام أحمد وهذا من بدهيات -يعني بعض الأشياء لا يحسن أصلا التحرز منها في الكلام، يعني لا تحتاج أن تحرز تقول إن الإمام أحمد رحمه الله تعالى يخطئ ويصيب فإن هذه من الأمور المعلومة بداهة-، المذهب هو علم قد بني على الأدلة الشرعية كتابا وسنة وإجماعا وقياسا وقول صحابي وغير ذلك من الأدلة.
وأنا لماذا عددتها ونصست عليها؟ لأن بعض الناس يظن أن الدليل الشرعي هو الكتاب والسنة فيقول هذه المساله ليس عليها دليل من الكتاب ولا من السنة، ولكن عليها دليل القياس، عليها إجماع الفقهاء، تناقلها الفقهاء طبقة عن طبقة لا يخالف في ذلك أحد، سواء بلغك دليل الكتاب أو دليل السنة أو لم يبلغك ووجدت إجماع الفقهاء يلزمك شرعا أن تعمل به.
واضح فهذه هذا المذهب وهذا الفقه أيها الأخوة الكرام هو مبني على الكتاب والسنة والأدلة الشرعية، كيف لا يكون كذلك وإمام المذهب وهو الإمام احمد رحمه الله تعالى؟ أولا هذا مهم أيضا، معرفة إمام المذهب علمه وورعه هذا من المقدمات المهمة التي ينبغي أن يقرا فيها طالب العلم، واقرءوا في تراجم كثيرة كتبت، اقرأ في أي ترجمة من تراجم الإمام أحمد، وهذا مهم حتى تعلم وتعرف مكانة هذا العالم وهذا الإمام.
كان رحمه الله تعالى إذا جئت جانب العلم فقد شهد له أئمة لا يحصون. وإذا نظرت في الكلمات التي قيلت في الإمام أحمد بصيغة التفضيل أنه أعلم الناس أو أفقه الناس، ستجد كثيراً من أهل العلم؛ الشافعي قال: ما رأيت أورع ولا أفقه من الإمام أحمد. الإمام الشافعي، هذا الإمام الشافعي، الإمام الفقيه العالم، يقول عن الإمام أحمد: الإمام أحمد إمام في ثمان خصال، وذكر منها: الفقه والحديث والقرآن واللغة والزهد والورع والفقر وغير ذلك.
الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال أبو زرعة، قال لعبد الله بن الإمام أحمد: قال أبوك يحفظ ألف ألف حديث، مليون حديث! ولهذا لا تتعجب إذا قرأت أن الإمام أحمد لما سئل: أيفتي الرجل وهو يحفظ مائة ألف حديث؟ قال: لا، لأن مائة ألف حديث بالنسبة للإمام أحمد هي عشر محفوظاته، ولا أقول مسموعاته، محفوظاته من العلم مو مسموعاته. أما مسموعاته، فقد قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: طاف الإمام أحمد رحمه الله تعالى الدنيا مرت -يعني في جمع المسند- طاف الدنيا مرتين في جمع المسند، وذهب إلى ما لا يحصى من البلدان راحلاً في طلب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نعم، فحفظه للحديث وعلمه وفقهه هذا أمر لا نزاع فيه ولا إشكال فيه، وقد شهد له بذلك من لا يحصون من الأئمة. ولو أتيت لكم الآن بكتاب مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي فقرات عليكم ثناء أهل العلم، وأطباق أهل العلم، وإجماع أهل العلم على فقه أحمد وعلم الإمام أحمد، لانتتهت مجالس ونحن لم ننته من قراءة هذا الكلام قراءة.
وأما عبادته وورعه، فقد كان له من الورع شيء عجب. وبالمناسبه، ورع الإمام أحمد تجده في كتب التراجم، وتجده في كتب الفقه المنقول عن الإمام أحمد؛ كتب المسائل اقرأ فيها لتصبر بعينيك الورع العجيب في الفقه. فمن يعني الورع الذي تجده في كتب المسائل أنك ستجد عشرات المسائل المنقولة عن الإمام أحمد وسألته عن كذا فقال: لا أدري، ورحمهم الله. يسأل عن المسألة فيقول: لا أدري، ويدونها في الكتب، ما يقول: لا خلاص ما يدري ليش نكتب؟ لا، كانوا يدونون، وهذا من فضل الله عز وجل حتى ينقل إلينا هذا الورع العظيم.
وأما المسائل التي يقول فيها: لا يعجبني، فلا تعد ولا تحصى، والتي يقول فيها: أكرهه ونحو ذلك من العبارات التي تدل على ورعه وتحرُّزه؛ ما يقول: هذا حرام، وربما تجد بعض هذه المسائل لو سألت عنها بعض الطلاب لحلف لك بين الركن والمقام ثلاث مرات أنها حرام في دين الله، والإمام أحمد يسأل عنها فيقول: لا يعجبني، أو يقول: أكرهه، وربما قال: لا أدري، وهذا من ورعه رحمه الله.
وأما دقائق الورع المذكورة في ترجمته فهي أمور لا تكاد توجد عند غيره، حتى قال بعض أهل العلم في ترجمة الإمام أحمد في بعض المسائل: قال هذا ورع أحمدي! نسبة إليه، يعني أحمد ما لا وجود له عند غير الإمام أحمد رحمه الله.
وأما عبادته، فانه رحمه الله كان إماماً في التنسك تعبداً، فكان يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة حتى كبر سنه أو كبر سنه وجُلِد وامتحن وعُذِّب فضعف جسمه، فكان يقتصر على مائة وخمسين ركعة في اليوم والليلة، كما ذكر ذلك ابنه عبد الله رحمه الله تعالى. هذه قضية أولى ينبغي أن تدرك، فإذا كنت تأخذ بمذهب هذا الإمام العظيم، فكما يقال: العُق العسل ولا تسل.
أمر آخر قد يقوله، قد يشكل عند بعض الناس، وهو: سلمنا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى إمام في السنة، وإمام في الحديث، وإمام في معرفة آثار الصحابة، ولكن الفقه الموجود في زاد المستقنع شيء، وكلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى شيء آخر! وهذه شبهة يتداولها بعض الناس، وهذا الكلام من العجائب حقيقة، هذا الكلام ليس بدقيق أبداً، بل ليس بصحيح، لا نقول ليس بدقيق. هذا المذهب أيها الأخوه الكرام متواتر عن الإمام أحمد، لم ينقله واحد ولا اثنين حتى يقال: والله يعني هذه المسالة الحجاوي أتى بها من عنده. هذا المذهب أيها الإخوة الكرام متواتر عن الإمام أحمد، وخدمه العلماء جيلاً بعد جيل.
الحجاوي أيها الإخوة الكرام في زاد المستقنع لا يقرر آراءه أصلاً ولا يبين اختياراته، وليس له في زاد المستقنع رأي، صح ولا لا؟ الزاد المستقنع هو في فقه الإمام موسى الحجاوي ولا في فقه الإمام أحمد رحمه الله؟ هو في فقه الإمام أحمد، ومن قارن -والفقير إلى الله رسالته في الدكتوراه في تحقيق مسائل الحرب الكرماني ورجعت دائماً كل كتب المسائل- لا تستطيع أن تمثل أحمد بن حنبل الإمام رحمه الله بصورة أدق وأفضل من الفقه الموجود في المتون وفي مذهب المتأخرين، لا تستطيع ولو ادعى إنسان الخلاف في ذلك، أما لأنه لم ينظر ويقارن، أو أنه يعني لقصور نظره.
فهذا الفقه أيها الإخوة الكرام الموجود في متون المتأخرين هو أدق صورة وأدق ما يمكن في تمثيل فقه الإمام أحمد رحمه الله تعالى. لا يعني هذا أنه لا يختلف بين الأصحاب في المسائل، ولا يعني هذا أنه لا يمكن أن يستدرك عليهم في مسألة أو آحاد مسائل من مجموع الفقه، هذا حاصل، ولهذا موجود هذا التصحيح المذهبي والاستدراك موجود. وتجد مثلاً الإمام ابن تيمية رحمه الله يأتي في مسألة يقول: نصوص أحمد لا تدل على ذلك. يأتي الإمام ابن رجب يقول: هذه خلاف نصوص أحمد. أما مجموع الفقه، فإنه أدق صورة يمكن أن تمثل مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى هو هذا الخدمة.
ولهذا أيها الإخوة الكرام، اعلم أن هذا الكتاب زاد المستقنع تعرف كم استغرق تأليفه؟ زاد المستقنع كم استغرق تأليفه؟ مين يقول لنا؟ ها حطوا رقم يعني قرن من الزمان. طيب، لا أكثر من ذلك، 800 سنة، يعني أقل من ذلك شوي. قال لي أحد الإخوة إن فلاناً ألف كتاباً في الفقه، مكث يتامل فيه وفي مسائله وفي الترجيحات وفي الأدلة وكذا نحواً من 25 سنة، ولهذا فهو كتاب نفيس محرر عظيم ينبغي أن يحرص عليه، والكلام هذا جيد.
فقلت له: هل تعلم مثل زاد المستقنع؟ مثل شروح البهوتي رحمه الله تعالى؛ الروض، والكشاف، والمنتهى، هل تعلم كم استغرق تأليفا؟ استغرق تأليفها نحو من 900 سنة، 800 سنة إذا جينا للبوتي المتأخر، الحجاوي 968 توفي -يعني يقول 700 سنة جيد- ليش؟ لأن هؤلاء كلهم كل واحد مذهب مر عليه فقهاء ومحدث ولغوي وصرفي ومفسر وقل ما شئت وضُبِط وطُبِّق وحُكِم به في المحاكم، واضح؟ وأفتي الناس به، تمام؟ مر هذه السنوات وهذه الخدمات ثم ياتي إنسان يقول: والله هذا المذهب يعني ضعيف! لا يمكن أن يقال هذا أيها الإخوة الكرام.
فمثل هذه الكتب المتأخرة لم لم يستغرق تأليف -والله تقول الحجاوي ألفه في خمس سنوات أو ست سنوات- هو خمس سنوات استغرقت، لكنه بناها على جهد مئات السنين قبله، واضح ولا لا؟ فينبغي لطالب العلم أن يدرك هذا.
هذه قضية أخرى، القضية الثالثة أيها الإخوة الكرام: الإمام الحجاوي رحمه الله تعالى صنف هذا الكتاب على القول الراجح، لأن من الكثير من الناس إذا شرحت له مسألة من المسائل يقول: ما هو القول الراجح في هذه المسألة؟ الحجاوي أراحك وقال لك: أنا صنفت هذا الكتاب -إيش يقول في المقدمة؟- على قول واحد، وهو الراجح في مذهب أحمد، فهو يقول لك: قد صنفت لك هذا الكتاب وأخلت من ما سوى القول الراجح.
لكن من المهم أن تدرك أن القول الراجح أيها الإخوة الكرام في مسائل الاجتهاد لا يصح لإنسان عنده ورع وفهم وبلغ مرتبة في العلم أن يقول: الراجح في مسألة مسائل الاجتهاد اللي اختلف فيها الأئمة الأربعة، تلقى مثلاً مالك والشافعي قال بقول وأبو حنيفة وأحمد قال بقول، يأتي إنسان فيقول: الراجح جزماً وقطعاَ في دين الله عز وجل هو ما قاله فلان من الأئمة، والآخر مخطئ قطعاً! هل هذا ممكن في مسائل الاجتهاد؟ ليس ممكناً، واضح؟ فما يقوله مثلاً الإمام أحمد أنه هو الراجح هو الراجح عند الإمام أحمد، وهو مرجوح عند الإمام مالك، واضح ولا لا؟
فقضية الترجيح في مسائل الاجتهاد هي من الأمور الظنية، كما كان الإمام مالك رحمه الله ربما سئل عن بعض المسائل فيقول: أنظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين. فليست قضية الراجح أن هناك قولا اسمه الراجح يجزم بأنه دين الله عز وجل، وأن من تعبد بخلافه فهو مخطئ قطعا، لا هذا ليس موجودا في مسائل الاجتهاد. نعم هناك قطعية في الشريعة وهناك مسائل مجمع عليها في الفقه، ولهذا تنتبهون أيها الإخوة الكرام إلى قضية المسائل التي تمر معك في الفقه، هذه مفاهيم من المهم جدا أن يدركها طالب العلم. المسائل التي تمر معنا في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى منها مسائل معلومة من الدين بالضرورة، يعني مثلا هذا يقول الإمام الحجاوي رحمه الله تعالى: كتاب الصلاة تجب على كل مسلم مكلف إلا الحائض والنفساء، هذه العبارة تجب الصلاة هل هي مثل عبارة مثلا يقول: ينتقض الوضوء من أكل لحم الإبل؟ لا، بينهما مراتب في القطع والظن، فقوله تجب الصلاة هذا أمر أولا مجمع عليه، ثانيا معلوم من الدين بالضرورة، دلت عليه الأدلة القطعية، ولهذا من خالف في وجوب الصلاة فانه يكفر، صح ولا لا؟
طيب، عندنا مسائل إذا مجمع عليها إجماعا قطعيا معلوما من الدين بالضرورة هذه موجودة في الكتاب، وعندنا مسائل في الكتاب مجمع عليها لا خلاف فيها بين الفقهاء، لكنها ليست مما علم من الدين بالضرورة، يعني مثلا على سبيل المثال يقولون في باب المضاربة: لا يجوز تضمين المضارب رأس المال، لا يجوز أن يشترط على المضارب ضمان رأس المال، هذا مجمع عليه بين الفقهاء لا خلاف فيه، لكن هل هذا حكمه حكم وجوب الصلاة في القطع والظن؟ لا، هذه رتبه مجمع عليها لكن ليس من المعلوم من الدين بالضرورة، ولهذا في المكفرات لما ياتي معنا في باب حكم المرتد يقول: ومن خالف أمرا ومن أنكر أمرا مجمعا عليه معلوما من الدين بالضرورة هذا يكفر، إذا عندنا مجمع عليه وقد علم من دين الله بالضرورة، عندنا مسائل مجمع عليها لكن ليست من المعلوم بالدين بالضرورة، عندنا مسائل متفق عليها بين المذاهب الأربعة، فيها خلاف لبعض أفراد من أهل العلم لكن الجماهير من أهل العلم، وربما يكون هذا الخلاف محكوما عليه بالشذوذ أو نحو ذلك، فهذه رتبه ثالثة، المسألة تكون فيها قوية، لكن ليست من مسائل الإجماع.
الرابع، عندنا مسائل أيها الإخوة الكرام هي مسائل فيها خلاف قوي، مثلا ربما تجد القول المقرر في مذهب الإمام أحمد هو قول مالك وقول الشافعي وقول الصاحبين، تمام؟ وخالف الإمام أبو حنيفة في مسائل، لا والله تجد ممكن الإمام أحمد معه قول الشافعي ومالك ومعه أبو حنيفة، وفي مسائل ربما يكون فيها القول الموجود في الكتاب قول تفرد به المذهب الحنبلي عن سائر المذاهب، وحتى المفردات ليست رتبه واحدة، في مفردات لا نزاع فيها في المذهب، يعني متفق على أن المذهب هو هذا مع أنها مخالفة للمذاهب الأخرى، وفيه مفردات لا والله هذه أصلا في كونها هي المذهب فيه نزاع، فقد يكون المذهب فيه خلاف ونزاع.
فمن المهم جدا لطالب العلم أن يدرك هذا الأمر، فلا تظن أن كل ما دون في هذا المتن هو من المسائل المجمع عليها، واضح؟ نعم، كل ما دون في هذا المتن هو راجح في مذهب الإمام أحمد عند جامع الكتاب ومصنف الكتاب، لكن ليس كل ما فيه على رتبه واحدة، حتى في الترجيح المذهبي، جيد.
طيب، كنا نقول، مش آخر شيء قلناها؟ نعم كنا تكلمنا عن مقدمات من المهم قلنا أن يدخل الإنسان على العلم وهو معظم ومحب لهذا العلم. طيب، في مسألة هل يجوز للإنسان أن يتعبد بمذهب من المذاهب الأربعة في ذاته، أو يفتي غيره بالمذهب، أو يقضي بالمذهب؟ يعني عندنا ثلاث مراتب، خلينا نزيد أربع مراتب، المرتبه الأولى التعلم، والثانية التعبد، والث الثالثه إفتاء الغير، والرابعة القضاء، حكم قضائي فيه يعني حكم بان فلان له الحق أو ليس له الحق، فلان ممكن حتى في مسائل الدماء يعني مثلا الذي يقضي بالقسامة فيها قصاص، على المذهب يثبت بها القصاص، المذهب بعض المذاهب لا يثبتون بها القصاص، واضح؟
إذا عندنا مراتب: المرتبه الأولى مرتبة التعلم، هل في مشكلة أن الواحد يتعلم على مذهب من المذاهب الفقهية الأربعة ولا ما في مشكلة؟ لا يوجد أي إشكال، بل هذه هي الجادة المطروقة في التفقه من بعد الأئمة الأربعة إلى زماننا هذا. وهل الأفضل أن يتفقه على مذهب فقه أحد الأئمة، أو الأفضل أن يدرس الإنسان على فقه الدليل؟ هذا سؤال يتكرر كثيرا عند الناس، هل الأفضل أدرس فقه مذهب ولا أدرس فقه الدليل؟ سبب هذا السؤال هو عدم تصور صحيح لمعنى فقه المذهب، هل تتصور أن المذاهب مبنية على غير دليل وصار في عندنا شيء اسمه فقه الدليل وفقه المذاهب؟ هذا السؤال مبني على مقدمة وهي أن هناك نوعان من الفقه، فقه بني على الدليل اللي هو فقه الدليل، وفقه بني على غير الدليل وإنما هو آراء رجال محضة، فأيهما أفضل؟ نقول المشكل هذا السؤال لا يجاب عنه لأنه بني على مقدمة غير صحيحة، هذه المذاهب أيها الإخوة الكرام هي فقه الدليل، مذهب الإمام أحمد أليس هو مأخوذ من فقه الدليل وفق ما اجتهد واستفرغ وسعه ونظر في الأدلة كتابا وسنة وإجماعا وأقوال صحابة وغير ذلك من الأدلة ونتج لنا هذا الفقه، صح ولا لا؟ نعم، كذلك فقه مالك وفقه الشافعي. نتكلم عن فقه الإمام أحمد لا لكونه مختصا بذلك، ولكن لأننا نشرح كتابا في هذا المذهب، إذا هذه المذاهب أيها الإخوة الكرام هي فقه الدليل، كلهم من رسول الله ملتمس صلى الله عليه وسلم، فهذا السؤال غير صحيح جيد.
ولا يوجد مسألة، لا يوجد في الفقه مسألة لا دليل عليها، لا اقول لا يوجد باب، لا يوجد مسألة واحدة في الفقه عند شخص من أئمة الإسلام ليس عليها دليل، فيه دليل قطعي وفي دليل ظني نعم، لكن أن المسألة هكذا قال هذه حرام، هل عندك دليل؟ قال: لا ما عندي دليل بس أقول بذوقي الشخصي أنها حرام، هل هذا له وجود؟ لا وجود له. نعم يوجد مسائل فيها دليل قطعي وفي مسائل فيها دليل ظني، وفي مسائل فيها دليل لكن هناك دليل يعارضه أقوى منه، وفي مسائل فيها دليل يفهمه هذا العالم على هذا الفهم ويفهمه العالم الآخر على فهم آخر، وفي مسألة عليها دليل لكن هذا العالم لا يقول بحجية هذا الدليل فيقول: أنت بنيت هذا على الاستحسان، والاستحسان ليس بدليل عندي، لكنه دليل عند قائله ومن بنى عليه هذه المسألة، واضح؟
طيب، إذا لا يوجد، هذه المذاهب مبنية على الدليل، ومن أراد أي مسألة أكل عليه دليلها فيرجع للكتب يجد دليلها، وإن شاء الله في المجلس القادم سنبين بعض الكتب المهمة، لأن كل واحد باذن الله عز وجل في هذا الدرس من الجيد أن يحضر معه كتابا آخر، يعني ودنا أن نقسم الكتب: واحد يكون معاه في الدرس كشاف القناع، واحد يكون عنده شرح منتهى الإرادات، واحد يكون عنده المصباح المنير، واحد يكون عنده الروض المربع، واحد يكون عنده حاشية مثلا العنقري، حاشية ابن قاسم، إلى آخره، حتى إذا أشكل شيء في الدرس تكون الكتب موجودة.
والإمام العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى يقول: والموفق من راى الواضح واضحا، والمشكل مشكلا، ومن تكلف خلاف ذلك لم يخل من جهل أو كذب. من المهم جدا لطالب العلم أن يعلم أن هناك مسائل مشكلة، وأن هناك مسائل واضحة، لا أن ياخذ المسائل كلها على رتبه واحدة كأنها كلها من الواضحات، مهم جدا، فمعرفة الإشكال هذا علم، كان بعض مشايخنا حفظه الله تعالى ربما مكث في الدرس ربع ساعة يبين إشكال، فتنتظر منه ايش بعد ربع ساعة في بيان الإشكال وبناء الإشكال في ذهنك؟ تنتظر منه بعد هذه الربع ساعة ايش حل الإشكال؟ ثم لا يحله، يقول: على كل حال المسألة مشكلة عند أهل العلم، هذا مهم جدا لك يا طالب العلم أن تعلم أن هناك مسائل مشكلة.
ليس بالضرورة أنها تحل في مجلس الدرس، وليس بالضرورة أن المدرس لهذا الكتاب أنه يتأمله كذا لحظات ثم يقول: الذي يظهر لي هكذا وكذا، ليس بالضرورة. في مسائل مشكلة تبقى مشكلة، يبقى النقاش فيها ممكن ننتهي سنوات ولا نصل فيها إلى جواب، هذا موجود في يعني سائر العلوم. ما قال أبو؟ ما قال الفراء: أموت وفي نفسي شيء من حتى؟ صح ولا لا؟ نعم، فت في مسائل تبقى مشكلة عند العالم حتى يموت وفي نفسه شيء منها نعم.
إذا مقام التعليم واضح، المدارس الفقهية، أئمة الإسلام؛ موفق الدين بن قدامة، ابن تيمية رحمه الله، كل أئمة الدين؛ النووي، وابن حجر، وابن رجب، والعز بن عبد السلام، وابن دقيق العيد، وغير ذلك، وأسرد قائمة طويلة لا نهاية لها من أئمة الإسلام كلهم تفقهوا على مذهب من هذه المذاهب. هذه الجادة، هذا الطريق، مثل الإنسان يريد يتفقه في النحو، مثلاً يريد يدرس النحو، كيف تدرس النحو؟ قال لك: أنا لا أعترف بهذه الكتب، أنا أريد واحد طالب علم ما درس الآجرومية ولا يعرف شيء، ويا الله تخرج من معهد اللغة العربية بتقدير منخفض، خلاص قال: أنا ما أريد أن أخذ النحو إلا أخذ من حيث أخذ النحويون، من وين ابن مالك جاب؟ من وين سيبويه جاب؟ من وين جاب النحو ابن هشام؟ جابوه من كلام العرب، هات القرآن، هات السنة، هات المعلقات، هات كلام العرب، أنا ساتفقه في النحو وأدرس النحو على هذا على هذا النمط. هل يمكن يحصل؟ لو حصل، سيحصل المسألة التي تحصل له بالجاد في خمس دقائق، يحصلها في خمس سنوات، صح ولا لا؟ حتى يوصل أنه الفاعل مرفوع يبغى يستقرئ كلام العرب ويقول: والله هذا ليش هنا عليها ضمة؟ ليش كذا؟ فإن يبدأ الإنسان مع عدم مع عدم وجود الآلة قد يؤدي ما هو إلى تعلم النحو، قد يؤدي إلى كوارث، صح ولا لا؟ يؤدي إلى نتائج خاطئة باطلة، أليس كذلك؟
فنقول: هذه طرق، في كل علم من العلوم له طريقة تعلم، سار عليها أهل العلم جيلاً بعد جيل، ومشت عليها المدارس العلمية، مشى عليها أهل العلم، تفقهوا عليها، تخرجوا عليها، وهكذا يسير طالب العلم عليه. إذاً، لا إشكال في قضية التعلم وفق مذهب من المذاهب. طيب، تعلمت وفق مذهب من المذاهب، هل يز لك تعلم مذهب من المذاهب؟ هذا لا إشكال فيه، سواء كان الذي يتعلم هذا المذهب مجتهداً أو مقلداً، يعني واحد مجتهد وصل رتبة الاجتهاد يقول: أنا أريد أن أتعلم المذهب الحنفي، أتعلمه، هل في مشكلة في هذا؟ لا إشكال فيه، سواء كان المتعلم مجتهداً أو مقلداً.
ناتي إلى القضية الثانية وهي رتبة التعبد، يقول: أنا الآن درست مثلاً في الاعتكاف أن المعتكف يجوز له أن يشترط في اعتكافه فيخرج لما اشتَرَطَه فاعتكف، فقال: ما دام أن درست هذا، وهذا هو مذهب الإمام أحمد، والإمام أحمد عالم مجتهد، لو كان حياً واستفتيته وأفتاني بذلك، هل يجوز لك وتبرا ذمتك إذا عملت بفتواه؟ طبعا نتكلم الآن عن رتبه المقلد. الناس أيها الإخوة الكرام في العلم على رتب لا حصر لها، حتى لا يقول واحد: كيف كيف تحصر الناس في رتبتين مجتهد مقلد؟ لا، الناس في العلم على رتب لا حصر لها بأعدادها، يعني لو جبت لنا مئة طالب علم وقلت لنا: أبين مراتبهم، ستجد أن هذا كل واحد بتعطيه نسبة، يطلعون مئة رتبه، صح ولا لا؟
كذلك الكلام في العلماء المجتهدون أنفسهم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد ليسوا كلهم على رتبة واحدة، في مجتهد يحفظ مئة ألف حديث، خلينا مئة ألف، الإام أحمد قال: ما يفتي من يحفظ مئة ألف، قال: أربعمائة ألف يبدأ الفتوى أرجو. قال: فلنفترض عندنا مجتهد يحفظ خمسمائة ألف حديث، مجتهد يحفظ تسعمائة ألف، مجتهد يحفظ ألف ألف، مجتهد يحفظ آثار الصحابة، مجتهد تفقه على ألف عالم، مجتهد تفقه على مئة عالم، هذه كلها تجعلهم على رتب، هل تتصور أن الإنسان بلغ رتبة اجتهاد خلاص كلهم على قدم المساواة مئة بالمئة؟ لا، وكذلك نفس الكلام نقوله في المقلد.
عندنا مقلد لا يعرف العربية، لو أعطيته القرآن قلت له اقرأ، أعطيته حديث: (إنما الأعمال بالنيات) كل معروف صدقة، قلت له تفضل هذا حديث الرسول عليه الصلاة والسلام، لا يستطيع أصلاً أن يقرأه، فضلاً عن أن يفهمه، فضلاً عن أن يستنبط منه، فضلاً عن أن يعمل به وأن يجمعه مع ما عارضه، إلى آخره، فهذه رتبه من رتب المقلد الذي لا يحسن العربية أصلاً واضح، وعندنا رتبه والله يحسن العربية لكنه مكسر تمام، وعندنا والله طالب علم جيد يفهم العربية لكنه ضعيف في أصول الفقه، وعندنا واحد متمكن في أصول الفقه متمكن في علوم اللغة لكنه ضعيف في علوم الحديث، وهكذا قل ما شئت في التفاوت في رتب العلم.
لكن إذا جئت تقسم هؤلاء الطبقات اللي هم ألف طبقة في العلم، إذا جئت تقسمهم باعتبار محدد؛ باعتبار هل هو أهل للاجتهاد أو ليس أهلاً للاجتهاد، لما تقول أهل للاجتهاد لا يعني هذا أنه يعلم الدين كله ويعرف حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كله ولا أنه يعرف كل شيء في الدنيا، هذا لا وجود له، لكن تقصد أنه عنده الآلة التي تؤهله لأن يجتهد أو الآلة غير موجودة، فهؤلاء بهذا الاعتبار إما شخص مؤهل أو شخص غير مؤهل، وبعد ذلك قسّم المؤهل إلى ما شئت من الطبقات وقسّم غير المؤهل إلى ما شئت من الطبقات.
طيب، الذي ليس أهلاً للاستنباط ولا للاجتهاد ما فرضه؟ كيف يتعبد لله عز وجل؟ واحد ما يعرف عربي كيف يعبد الله عز وجل؟ دخل في الاسلام قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، شرح تقول له باللغة التي يحسنها: أنه يصلي تمام، وأنه يفعل كذا، وأن صفة الصلاة كذا وكذا. ابنك الصغير لما تعلم صفة الصلاة أليس هذا تقليد وتعبد يتعبد بالتقليد ولا لا؟ إذاً من لم يكن أهلاً للنظر والاستدلال والاجتهاد والاستنباط ففرضه في التعبد هو ايش؟ تقليد المجتهد. هل يجوز له أن يستنبط ويجتهد؟ لا يجوز ويأثم، وإذا اجتهد فهو بين الأثم والأثم، المجتهد إذا اجتهد فهو بين الأجر والأجر، إذا اجتهد فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر، أما المقلد فلا يجوز له أن يجتهد، يقول: والله أنا استنبط، يأخذ القرآن يقول: والله أنا الحمد لله أفهم اللغة العربية، أخذ المصحف فتح فإذا به فتح على قول الله عز وجل: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، قال: الآن عندنا مشايخ يفتون ويقولون: يجب توجه إلى مكة، ولكن أنا الآية التي وقفت عليها بقرأتها وأنا الحمد لله عربي أفهم العربية، الله عز وجل يقول: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، قال: خلاص إذاً أنا بصلي لله المشرق والمغرب أنا في المدينة بدال ما أصلي جهة الجنوب بيصلي للمشرق والمغرب، فصلى. هل نقول والله اجتهد فأخطأ فهو ايش بين الأجر والأجر؟ نقول لا هذا آثم لا يجوز له ذلك، واضح ولا لا؟ لا يجوز له بحال من الأحوال ذلك، ويأثم ونام بقضاء الصلوات إذا هداه الله وعاد إلى رشده، واضح ولا لا؟
فالمقصود أيها الإخوة الكرام غير المجتهد فرضه التقليد. طيب، التقليد له صورتان؛ عندنا واحد يقول: أنا ساكن في الحي الفلاني وبجوار بيتنا جارنا هو الشيخ فلان الفلاني فقيه من فقهاء المسلمين من أئمة الفقه والفتوى، وأنا أي مسألة تاتيني عبادات صلاة زكاة حج معاملات أسأل هذا الشيخ ولا أسأل غيره قط، ويفتي هذا الشيخ، يأثم هذا الرجل إذا عمل بقول هذا الشيخ ولا لا؟ لا، نقول فرضه التقليد، هل يلزمه أنه في بعض المسائل يسأل غيره؟ نقول والله لا، لا يجوز تسال دائماً هذا، لازم تسال هذا وتسال غيره في بعض الأحيان، لا يلزمه ذلك واضح. إذاً التقليد له صورتان؛ أن يلزم المقلد قول عالم من العلماء، يقول: والله هذا العالم يعني وليس ليس بواجب عليه أن يقلد، الأفضل طيب، لكن لابد أن يقلد عالم مجتهد.
قد استكمل الكلام عن أهل الدين والعلم. يقول خلاص أنا هذا الشيخ دائما أتصل عليه وأسأله. جيد، ففي مقلة يوم من الأيام نازلة ولا تيسر يسأل فلان فسأل غيره فعمل بقوله، فتبرأ ذمته بذلك.
طيب، إذا جوزنا هذا في سؤال الشخص المعاصر، فما الحكم فيه إذا كان آخذاً بما استقر من فتاوى أئمة المذاهب الأربعة؟ حكي الإجماع أيها الإخوة الكرام، حكي الإجماع حكاه ابن فرحون والقاضي عياض وجماعة وابن هبيرة رحمه الله عليهم أجمعين، الإجماع على جواز الأخذ والعمل بهذه المذاهب، بل بعضهم حكى الإجماع على جواز الإفتاء.
نجي إلى المرحلة الثانية، خلصنا من التعبد؛ إذا الإنسان الذي لم يبلغ رتبه الاجتهاد تبرأ ذمته إذا عمل بقول عالم مجتهد، ومن ذلك عمله بالمذهب الذي يدرسه ويتمه، والمذهب الذي يدرسه وعلمه هو أولى أو أقرب الأشياء بالنسبة له لأنه فهمه وضبطه وأتقنه.
طيب، نأتي إلى قضية: إذا وجد حديث قطعي الثبوت عن النبي صلى الله عليه وسلم، قطعي الدلالة، قطعي الأحكام وعارضه قول عالم من العلماء، فهل يجوز أن نترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لقول أحد كائن من كان؟ لا يمكن أن يقول مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، يقول لك لا أترك طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام وخذ بقول فلان من الناس. هذا لا يمكن أن يقوله أحد، لا من متعصبي المذاهب ولا من غيرهم، هذه قضية من يعني من لوازم الشهادة بأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، واضح.
لكن هل هذه القضية بعض الناس يتصور أن هذه القضية سهلة، والله يقول الزاد، هذه مسألة فيها وكثير من الناس يحكمون على المسألة بمعارضة الدليل بسبب جهله وقلة علمه. من الذي يحكم؟ يقول والله المسألة هذه معارضة للدليل، كما قال الإمام الأئمة كلهم لا خلاف بينهم يقولون: إذا صح الحديث فهو مذهبي، لكن ما معنى صحة الحديث؟ هل معنى صحة الحديث صحة الإسناد فقط؟ حديث صحيح لكنه منسوخ، موجود ولا لا؟ حديث ممكن إسناده صحيح كالشمس، مو حديث آية في كتاب الله عز وجل ومنسوخه، ممكن هذا أو غير ممكن؟ لو جاء واحد قال والله أنا آخذ بكتاب الله عز وجل ولا عليَّ في أقوال أهل العلم، وجاءت أفتت النساء بأن الواجب على المرأة المتوفى عنها زوجها أن تعتد سنة، من أين لك هذا؟ قال من كتاب الله عز وجل: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ. فأفتى الناس بهذا، لأنه ما بلغ رتبه الاجتهاد وما قلب الصفحة لسه تمام.
وحدثنا بعض المشايخ يقول: كنا نقول ما نبغى ندرس إيش الفقه على المذاهب، نريد نقرا في صحيح الإمام مسلم تمام، وأن نستنبط ونعمل حتى تبرا الذمة، تبرا ذمتنا ونعمل بمقتضى الحديث النبوي وناخذ بفقه الدليل على الجادة، فبدأوا يقراون فإذا بهم قال باب الأمر بقتل الكلاب، قرأوا هذا الباب وانتهى الدرس عنده وقفلوا، إيش تستنبط؟ قالوا والله نستنبط من هذا الكلاب هذه اللي في الشوارع يجب علينا نقتلها، خلاص نحن نعمل بفقه الدليل. وراحوا كل واحد بالبُندقية وكل ما شاف كلب قتلوه، جاؤوا للدرس اللي بعد، اقلب الصفحة يلا بسم الله، قال رحمه الله تعالى: باب نسخ القتل بأمر الكلاب، طيب إيش نسوي؟ تمام.
فالمقصود أيها الإخوة الكرام أن من بلغ رتبه الاجتهاد فيجب عليه أن يجتهد، ويجب عليه العمل بظن نفسه، المجتهد يجب عليه العمل بظن نفسه، أما المقلد لا يجب عليه العمل بظن نفسه ويقينه في المشكلات ظنونه، المقلد ممكن يقينه خطأ مو ظنه واضح ولا لا؟ فالمقلد بآلته الضعيفة، ما عنده آلة، لكنه قال والله بآلتي الضعيفة قوي عندي دليل الشيخ فلان ودليل القول الأول فأنا سأقلد، هل عليه لوم في ذلك؟ لا لوم عليه في ذلك، لكنه لم يبلغ رتبه الاجتهاد لأنه بدا له هذا من هذا الدليل.
ولهذا أيها الإخوة الكرام قضية التعلم والتعبد لا إشكال فيها واضح، وإذا وجد المعارض الدليل الصريح الصحيح تمام، فانه لا يجوز لأحد يقول أشهد أن محمداً رسول الله عليه الصلاة والسلام أن يقول والله نترك كلام الرسول عليه الصلاة والسلام لقول أحد من الناس، لكن هل لما نجي نطبق هذه القاعدة الإيمانية التي لا خلاف بين المسلمين فيها على آحاد المسائل ليست بالسهولة أن تاتي أنت عامي أو مقلد أو طالب علم مبتدئ إلى إمام يحفظ ألف ألف حديث، أو إمام دار الهجرة الذي ليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شخصين أو نحو ذلك من هؤلاء الأكابر، فتاتي تقول على هذا الحديث هذا قول الإمام فلان قطعي مخالف لدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة قطعي الأحكام وهو مخطئ قطعاً، هذه عجلة مذمومة لا ينبغي أن تصدر من يعني من لم يتاهل، واضح.
نعم، أما مسألة العمل الإفتاء الغير؛ الأصل أيها الإخوة الكرام في المفتي أن يكون مجتهداً، ولهذا قال العمريطي في نظم الورقات: والشرط في مفتي اجتهاد، وهو أن يعرف من آي الكتاب والسنن إلى آخره. فالأصل في المفتي أنه يكون مجتهداً، والأصل في القاضي أن يكون مجتهداً، بل حكي الإجماع أنه لا يقضي إلا من بلغ رتبه الاجتهاد، لكن لما عز المجتهد في الأزمنة المتأخرة صاروا ينزلون هذا العالم الميت صاحب المذهب منزلة الحي يفتون بقوله، والصوليين جمهورهم على جواز تقليد على جواز تقليد الميت، مسألة أصولية معروفة، والجمهور على جواز تقليد الميت.
ولهذا الإمام أحمد رحمه الله لما سئل يفتي الرجل وهو يحفظ مائة ألف حديث؟ قال: لا. قيل: يفتي الرجل ويحفظ مائتي ألف حديث؟ قال: لا. قيل: يفتي الرجل ويحفظ ثلاثمائة ألف حديث؟ قال: لا. قيل: يفتي وهو يحفظ أربعمائة ألف حديث؟ قال: أرجو. جيد هذا الكلام قاله الإمام إسحاق بن شاقلا تمام من علماء الحنابلة، يعني كان يحدث الناس بهذا فقال له واحد قال: يا شيخ أنت تفتي لك كم سنة وما تحفظ أربعمائة ألف حديث؟ قال: إن لم أحفظ أربعمائة ألف حديث فإني أفتي بقول من يحفظ ألف ألف حديث.
ولهذا استقر الناس كما ذكرنا لكم ذكره جماعة أنه يصح الإفتاء وهذا ليس من الإفتاء بالمعنى الاصطلاحي الدقيق وإنما هو بمعنى نقل الفتوى، وهو بمعنى نقل الفتوى وشرطه أن يكون الإنسان أولاً متقناً وضابطاً لما ينقله، الثاني أن يكون عارفا انطباقه على هذه الواقعة وهذا لا يصح أن يكون من المختصرات، ولهذا حذروا من الفتوى بالمختصر، أن والله قرا عبارة الزاد، عبارة الزاد مطلقة فراح أفتى بها على الإطلاق، قد يكون لها تقييد على المذهب، واضح.
وأما بالنسبة للقضاء فقلنا لكم القاضي إما أن يكون مجتهداً أو مقلداً، إن كان القاضي مجتهداً فلا يجوز أن يحكم بخلاف ما يعتقده كما قرره ذكره البهوتي في كشاف القناع وغيره، وأما القاضي المقلد قاضي في حالة الضرورة ما في مجتهد فعين القاضي مقلد فقيل له اقضي بالمذهب الفلاني، فانه يقضي بهذا المذهب، فانه يقضي بهذا المذهب، بل إن البهوتي وصاحب في كشاف القناع في الإقناع مع شرحه قال ولو اعتقد خلافه ليش؟ لأننا قلنا إن المقلد لا يلزمه لا يلزمه العمل بظن نفسه، واضح بخلاف المجتهد فانه يلزمه العمل بظن نفسه.
وعلى كل حال قضية ولو يعتقد خلافه تحتاج إلى تأمل، لكن المقصود أنهم يقررون هذا كما في الإقناع وشرحه أنه قال إذا قلد القضاء على مذهب فإنه يقضي بذلك المذهب، هذا ما يتعلق ببعض المقدمات المهمة في هذا المذهب، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل ما نتعلمه علماً نافعاً وأن يكون لوجهه خالصاً.
طبعاً في قضية مهمة فيما يتعلق بالتقليد، نحن قلنا التقليد إما يلزم يقلد عالم قال الشيخ فلان أنا أخذ فتاوي، أو التنقل، التنقل أيها الإخوة الكرام شرطه أن يكون تتبعا للرخص، أما التنقل تتبعا للرخص فإنه لا يجوز، وقد حكي الاتفاق على هذا الأمر وحذر السلف رحمهم الله تعالى من ذلك، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين وأن يجعل ما نتعلمه علماً نافعاً ولوجهه خالصاً، وأيضاً تذكرت أمراً قبل.
الختام؛ لان بعض الإخوة ربما يريد أن يعرف طريقة الدرس، الدرس إن شاء الله لن أحرس فيه على التطويل، نحرص قدر الإمكان أن الطالب يتصور الباب ويتصور المسائل ويفهم عبارات المتن.
إذا احتجنا إلى ذكر الدليل لغرابة المسألة ربما نذكر، لكن لا نلتزم دائماً يعني مو لازم كل مسألة سنذكر دليلها، الأدلة موجودة، وسنشير في الدرس القادم إلى المراجع التي يرجع إليها طالب العلم؛ لأني قلت لكم لن يذكر في الدرس كل شيء، والدرس الذي يذكر فيه كل شيء أولاً لا يمكن ينتهي بعد إلا بعد ستين سنة، تمام، ولا حتى ينتهي يعني لا يمكن أن يذكر الإنسان كل شيء، هذا أمر.
الأمر الآخر: ينبغي لك أن تتعلم الصيد تمام بنفسك أكثر من حرصك على أنك ايش تاخذ سمك، يقولون: الذي يعلمك الصيد أحسن من الذي يعطيك في كل يوم سمك، فلهذا ينبغي أن تتعلم كيف ترجع، تبغى تعرف دليل المسألة أنا سأدل لكم إن شاء الله ما هي الكتب التي ترجع إليها لتعرف دليل المسألة، تبغى تعرف هل هي إجمالية وخلافية، ما هي الكتب إلى آخره، ونبين هذا إن شاء الله في الدرس القادم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يقول: هل هناك مرتبة أخرى غير التقليد والاجتهاد؟ نحن قلنا: إن المراتب لا تنحصر، واضح؟ فإذا كان السؤال باعتبار ايش؟ باعتبار أهلية الاجتهاد فهل ممكن الشخص يكون أهل للاجتهاد وليس أهل من وجه واحد؟ لا، لكن هم يقولون: إن المجتهد يتجزأ اجتهاده، وجائز تجزؤ اجتهاده في باب ومسألة من زاده، فممكن يتجزأ الاجتهاد، لكنه في الأخير الذي نحكم عليه بأن عنده اجتهاد في باب دون باب مجتهد ولا مقلد؟ مجتهد لابد أن يكون قد حصل الآلة التي تؤهله للاجتهاد، واضح؟ نعم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت