الحمد لله الذي علم بالقلم، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وأصلي وأسلم على خير البرية، وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهدا لقواعد الفتيا في الدين، محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه الرسالة المباركة؛ رسالة للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى. وكنا قد انتهينا إلى قول المصنف: واعلم أن أهل المعرفة بالله بنوا أصول الأحوال على شاهدي العلم بالله وتفقهوا في الفروع. ألا ترى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم. وعلامة ذلك فهم تزايد العلم بالإشفاق، ومزيد العلم بالاقتداء، فكلما ازداد علما ازداد خوفا، وكلما ازداد عملا ازداد تواضعا.
هذه فقرة جديدة من كلام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى؛ فإنه لما بين -كما ذكرنا في الدرس الماضي- المنهج الذي يصل به الإنسان إلى فهم مراد الله عز وجل، وبينا أن أساسه -يعني كيف يصل الإنسان إلى فهم مراد الله سبحانه وتعالى؟- الأساس في ذلك هو الصدق في الطلب. وقلنا الطلب ينقسم إلى ثلاثة أمور: أن تطلب الله سبحانه وتعالى ابتداء، وأن تطلب العلم ثانيا، وأن تطلب إصلاح العقل وتقويمه بما يعود عليك بالنفع والصلاح. هذه هي أساس إصلاح العقل، وأساس إصلاح العلم، وأساس إصلاح العلاقة مع الله عز وجل، وبذلك ينال العبد الفهم عن الله.
الآن انتقل الحارث المحاسبي رحمه الله ليبين قاعدة عامة مجملة، وهي أن أهل المعرفة بالله سبحانه وتعالى -علماء السلوك، علماء التزكية الراشدون الذين يسلكون الطريق إلى الله سبحانه وتعالى- في الجملة، كيف يبنون أحوالهم؟ وبالنظرة العامة، الإنسان الذي يريد السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، هو سماهم أهل المعرفة بالله، وهي عامة لكل من يريد السلوك إلى الله عز وجل، ما هو المنهج الذي يبني عليه أحواله وعلاقته مع الله سبحانه وتعالى؟ فبين الحارث المحاسبي رحمه الله في هذه الفقرة أن أهل المعرفة الصحيحة يبنون أحوال قلوبهم، يبنون أحوال قلوبهم، بعبارة أخرى يبنون علاقتهم مع الله سبحانه وتعالى: علاقة المحبة، علاقة الخشية، علاقة الرجاء، علاقة الإنابة، علاقة التوبة؛ هذه العلاقات والأحوال القلبية -لذلك سماها أحوال- هذه الأحوال القلبية كيف تبنى؟ قال: تبنى ابتداء على العلم بالله سبحانه وتعالى، وثانيا على التفقه في الدين.
وهذا يبين الفرق بين المنهج النبوي الشرعي في بناء العلاقة الصحيحة مع الله وبين المنهج البدعي المخالف للكتاب والسنة. هو يريد أن يقول إن الأحوال القلبية عارف الربانية التي يبنيها الإنسان بينه وبين ربه لا تبنى على الذوق فقط، لا تبنى على الوجد، لا تبنى على البدعة والخرافة، وأن يحدث الإنسان أفعالا من عنده من وهمه، ثم يقول بعد ذلك: أنا أصل بهذه الأفعال إلى الله. يريد أن يقول الحارث المحاسبي: لا يمكن للمسترشد ولمن يسلك الطريق إلى الله أن يصل في مرحلة من المراحل فيقول: أنا وصلت إلى معرفة الله فسقط التكليف عني، كما يقول ذلك أصحاب الشطحات؛ هذا ليس سلوكا إلى الله عز وجل. العبد كلما ازداد في علاقته مع الله عز وجل بصيرة، كلما ازداد عملا؛ علاقة طردية مع العمل وليست عكسية كما يريد أصحاب الشطحات أن يصوروا لنا علم السلوك وعلم التصوف والذهاب إلى الله عز وجل في هذه الرحلة. فخلاصة كلام المحاسبي رحمه الله إذا أن الأحوال القلبية، والمعارف القلبية، وأعمال القلوب، إنما تبنى على العلم بالله عز وجل ابتداء وعلى التفقه في الدين. انظروا ماذا قال: وتفقهوا في الفروع، وانظروا هذه الكلمة التي تبين منهج المحاسبي، إذا القضية تحتاج إلى علم، لا يوجد هناك انفكاك بين الباطن وبين الظاهر، كلاهما مرتبط، الباطن يستلزم الظاهر، ولا بد من الظاهر حتى يصلح عمل الباطن.
إذا أيها الأحبة، من أصلح علاقته مع الله عز وجل من خلال العلم بالله، هذا ابتداء، وثانيا من خلال التفقه في دين الله عز وجل، ثم أورثه ذاك العلم عمله. الآن العلم ابتداء بالله والتفقه في الفروع، إذا لم يورث عملا للعبد لا نستفيد، إذا ثم أورثه ذاك العلم عملا. لذلك انظر إلى الأثر الذي استدل به، قال: ألا ترى لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم. وفي الحقيقة هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هو ينسب إلى سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، رواه الإمام أحمد عن بعض التابعين عن سيدنا عيسى ابن مريم، والحارث المحاسبي كما ذكر أبو نعيم في الحلية نسبه للنبي صلى الله عليه وسلم كما فعل غيره خطأ وسهوا، والأصل أنه لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن المعنى صحيح، أن من عمل بما علم أورثه الله سبحانه وتعالى علم ما لم يعلم. ما هي هذه العلوم؟ يكشف الله عز وجل له من حجب معرفته ومن الوصول إليه ومن المعاني القلبية ما لا يكشفه لغيره من عبيده. لماذا؟ يستحق هذه الجائزة؛ هذا إنسان علم وتعرف على الله سبحانه وتعالى وتفقه في دينه ثم عمل وبذل واجتهد، فاستحق إذن أن يعطيه الله عز وجل هذه الجائزة وهو أن يكشف عنه من حجب المعارف ما لا يكشفه لغيره من الخلق الذين لم يبذلوا ولم يضحوا ولم يدفعوا هذا الثمن.
لذلك الحارث المحاسبي يؤكد على هذه المعلومة فيقول: وعلامة ذلك، أي كيف تجد أو كيف تكتشف وتبحث عن الإنسان الذي يبني الأحوال القلبية على العلم بالله والتفقه في الفروع؟ كيف نعرف أن هذا الرجل الذي يدعي الوصول إلى أعمال قلبية وإلى معارف ربانية فعلا هذه المعارف صحيحة وأنه بناها على علم صحيح؟ يقول: وعلامة ذلك أن علمه كلما ازداد زاد خوفه من الله سبحانه وتعالى، وأن علمه كلما ازداد ازداد تواضعا لله سبحانه وتعالى ولخلق الله. هي إشارات، هو يريد أن يقول لك بشكل عام: كلما ازداد علما بالله وكلما ازداد علما بالفروع ازداد في أحوال قلبه إلى الله سبحانه وتعالى معرفة، فإذن زيادة أحوال القلوب وزيادة أعمال القلوب هي تنبني على زيادة العلم بالله وعلى زيادة العلم بالشريعة، هذا يضطرد مع هذا. لذلك انظروا ماذا قال: وعلامة ذلك أي علامة البناء الصحيح للأحوال القلبية، قال: فهم تزايد العلم بالإشفاق. انظر هي عبارة دقيقة، قال: فهم تزايد العلم بالإشفاق، هو يريد أن يقول إن علمه كلما ازداد يزداد إشفاقا وخوفا من الله تعالى، لأنه علم الله أكثر فإذن سيزداد خوفه منه أكثر. كل من كان أعلم بالله كلما كان أخوف من الله سبحانه وتعالى.
طيب إذا كلما ازداد العبد علما بالله سبحانه وتعالى وبشريعته ازداد علما بأحوال القلوب وترقيا فيها. طيب كيف العلم هذا الذي طيب كيف يزداد العلم؟ فهمنا زيادة العلم تسبب زيادة أعمال القلوب. طيب العلم نفسه كيف يزداد؟ قال: بالاقتداء، قال: ومزيد العلم بالاقتداء. زيادة العلم إنما تكون بالاقتداء، الاقتداء بمن؟ الاقتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بالصحابة، والاقتداء بالسلف الصالح، هذا الاقتداء هو الذي يزيد علمك، وحقيقة الاقتداء هو التفقه في الفروع الذي ذكره قبل قليل، أنت عندما تتفقه في الدين أنت ماذا تفعل؟ أنت تنظر ماذا كان محمد صلى الله عليه وسلم يفعل في صلاته، في زكاته، في طهارته، في أعماله، في حجه، في بيوعه، وتقتدي به، هذا الاقتداء هو التفقه في الدين، فإذن الاقتداء والتفقه في الدين يزيدك علما، وكلما ازددت علما كلما ازددت خوفا وخشية وإنابة وخضوعا لله سبحانه وتعالى، إذا فهو شيء ينبني على شيء؛ الاقتداء يوصلك إلى العلم، والعلم يوصلك إلى أحوال القلوب الصحيحة. هذا الذي يريده بهذه العبارة، لذلك قال: فكلما ازداد علما ازداد خوفا، وكلما ازداد عملا ازداد تواضعا. ولو نظرنا في الهامش يقول الشيخ عبد الفتاح وجاء في الأصل وكلما ازداد علما ازداد تواضعا، وليس كلما ازداد عملا.
الشيخ عبد الفتاح رجح أنه كلما ازداد عملا، ولكن في الحقيقة لو تأملنا سياق العبارة التي أسقطها التي وجدت في الأصل قد تكون هي الأقرب، وهي كلما ازداد علما ازداد تواضعا، لأنه الحارث المحاسبي يريد أن يبين لك أثر العلم وزيادة العلم والتفقه في الدين في ماذا؟ في أعمال القلوب. هذا الذي يريد أن يبينه، فقال في العبارة الأولى: كلما ازداد علما بالله وتفقها في دين الله ازداد هذا إشفاقا وخشية، وكذلك كلما ازداد علما بالله سبحانه وتعالى كلما ازداد تواضعا، وهذا أقرب إلى السياق. إذا هذا هو مضمون الفقرة الأولى؛ أراد أن يبين أن أهل المعرفة كيف بنوا أحوال القلوب، وخلاصتها أنهم بنوا أحوال القلوب وأعمال القلوب وعلاقتهم مع الله على العلم بالله سبحانه وعلى التفقه في دين الله وعلى العمل. فإذا فقدت هذه العناصر لا يمكن للإنسان أن يدعي المعرفة الصحيحة لله عز وجل، فهذه المعرفة لا تأتي كما قلنا بذوق ولا بوجد ولا تجربة ولا ببدعة، وإنما مبناها أساسا الاقتداء والاتباع.
إذا عرفنا كيف نبني الأحوال؟ طيب السؤال الثاني الذي يطرحه الحارث المحاسبي: كيف نحافظ على هذه الأحوال؟ الآن بنيناها كيف نحافظ عليها؟ أنت قد تبني شيئا ولكنك لا تحافظ عليه فينهدم. أراد أن يبين في الفقرة التي تليها كيف نحافظ على هذه الأحوال ونستمر عليها، فقال رحمه الله: والأصل الذي ثبتوا به في طريقهم. إذا الأصل الأول كيف بنوا أحوالهم؟ الأصل الثاني الأصل الذي ثبتوا به في طريقهم. هناك أصول يتمسك بها الإنسان في سيره إلى الله سبحانه وتعالى، هذه الأصول التي يتمسك بها ويثبت عليها تكون سببا في وصوله، إذا أغفلها وأعرض عنها تكون سببا في تراجعه إلى الوراء. فقال: الأصل الذي ثبتوا به في طريقهم، أولا: الالتزام بالمعروف والنهي عن المنكر بالصدق، ثانيا قال: تقديم العلم على حظوظ النفس، ثالثا: الاستغناء عن جميع خلقه. انظروا إلى هذه الأمور الثلاثة التي يتمسك بها المسترشدون في طريقهم إلى الله سبحانه وتعالى.
الأمر الأول قال: هو الالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصدق. وهذا أيها الأحبة دائما يلفتنا إلى منهج المحاسبي، التزكية وعلم السلوك والعلاقة مع الله عز وجل لا يعني أن يجلس الإنسان في زاوية في البيت يبقى يبكي ويترك هذا المجتمع ويتباكى ويفعل البدع، ثم يقول بعد ذلك هكذا أحصن علم التزكية. السلف رحمهم الله كانوا يفهمون علم السلوك وعلم التزكية أنه شيء عملي، الإنسان يكون في واقع المجتمع مصلحا يعمل، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كلما وجد خيرا دل الناس عليه وكلما وجد شرا أبعد الناس عنه، هذا هو صاحب علم السلوك الصحيح الذي يبني أحواله على العمل ولا يبنيها على الذوق والخرافة وما شابه ذلك. إذا فالاصل الأول كما قلنا الذي يتمسك به المسترشدون هو ماذا؟ هو الالتزام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصدق. الآن نحن تكلمنا سابقا عن قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما قال الحارث رحمه الله: وكن قائلا بالحق عاملا به، فلا نكرر كثيرا، لكن قوله بالصدق: ما معنى والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالصدق؟ ما معنى الصدق هنا؟ هو يريد أن يقول لك: إذا أمرت بالمعروف فينبغي أن تكون صادقا. ما علامة الصدق؟ هذا سؤال، ها أنت قاعد تنفذ، أحسنت، علامة الصدق في أمرك أن تمتثل الشيء الذي تأمر به، وإذا نهيت عن المنكر فينبغي أن تكون صادقا. ما علامة الصدق؟ أن تكون أول المجتنبين عن هذا الفعل الذي تنهى عنه. فإذا كان الإنسان أيها الأحبة يأمر بالمعروف وهو أبعد الناس عنه، وينهى عن المنكر وهو أقرب الناس إليه، هذا ليس بصادق، هذا ليس بصادق، وحاله كحال بني إسرائيل عندما عاتبهم الله عز وجل، قال: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ.
ودائما أيها الحبيب تذكر القصة، قصة الرجل الذي يلقى في النار كما أخبرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم، أن رجلا يلقى في النار يوم القيامة فتندلق أقتاب بطنه -يعني أمعاؤه تسقط أمامه- قال فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى. انظروا إلى هذا الموقف الشنيع، من هذا الشخص الذي عاقبه الله عز وجل بهذا العقاب الشنيع أمعاؤه يدور بها كما يدور الحمار بالرحى؟ قال فيجتمع عليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ يعني أهل النار اجتمعوا عليه نسوا العذاب الذي هم فيه واجتمعوا عليه، فقالوا: أليس هذا فلان الذي كان ينصح ويأمر الناس بالخير وينهاهم عن المنكر؟ يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فقال: بلى. الآن أخبرهم ما الذي أوصله إلى هذه النتيجة؟ كنت أمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. انظروا العقاب الشديد الذي عاقبه الله عز وجل به. لذلك أهل الرشاد والمسترشدون يلتزمون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهم صادقون في ذلك، لا يريدون مدحا، لا يريدون ثناء، لا يريدون الجماهير، يريدون فقط وجه الله سبحانه وتعالى ودلالة الناس على هذا الخير، وأمارة ذلك كما قلنا: إذا أمر بالمعروف فهو أول المتمسكين به، وإذا نهى عن المنكر فهو أول المجتنبين.
له. الأصل الثاني الذي يتمسكون به في طريقهم قال: تقديم العلم. هو لاحظ وجعل هذه الأصول هي الأصول التي يتمسكون بها؛ لأن الإنسان أيها الأحبة قد يدخل في طريق المسترشدين، قد يضع الأقدام ابتداءً ولكن لا يتمسك بالصدق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. تبدأ النية تنحرف، يبدأ يطلب لوعات من الدنيا حتى في دعوته وحتى في سلوكه إلى الله عز وجل، يبدأ يطلب ثناء الناس، يطلب الإشارة من الناس: أن فلانًا ما شاء الله متمسك بدينه، فلان يدرس، فلان يعلم، فلان له مواقف جيدة على وسائل التواصل الاجتماعي. الآن هذه أمراض تعرض للسالك؛ إذا لم يحافظ على المستوى العالي من الصدق في دعوته، في أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، سيعود خطوات كثيرة إلى الوراء، سيعود كثيرًا ولن يصل إلى الله سبحانه وتعالى.
طيب، الأصل الثاني كما قلنا الذي يتمسك به المسترشد، قالوا: تقديم العلم على حظوظ النفس. هذا الأصل الثاني مهم أيها الأحبة للمسلم عامة ولطلبة العلم خاصة: تقديم العلم على حظوظ النفس. الآن النفس لها حظوظ كثيرة، النفس تدعوك إلى الراحة، النفس تدعوك إلى التراخي، تدعوك إلى الاستمتاع في هذه الحياة الدنيا، والإكثار من المباحات، تدعوك إلى التسويف دائماً: غدًا تفعل وبعد غد ستفعل. النفس دائماً لها حظوظ، تدعوك إلى حظوظها، تدعوك إلى المطاعم والمشارب والمآكل. المسترشد إذا كان في طريقه إلى الله سيقف مع حظوظ النفس، لن يصل. كلما رأى حظًا من حظوظ النفس برق له انكب عليه يريد أن يأخذه، لن يصل أبدًا إلى الله. لماذا أيها الأحبة؟ لأن النفس كل يوم لها مطالب، النفس كل يوم لها مطالب ولها حظوظ: تريد أن تنام، تريد أن تأكل، تريد أن تشرب، تريد أن تجلس مع فلان، تريد أن تشاهد التلفاز، تريد أن تجلس أمام وسائل التواصل الاجتماعي، تريد أن تفعل، تخرج. هذه كلها حظوظ النفس، النفس دائماً تريد تطلب لها حظوظًا. إذا لم يتعود السالك أن يكبح جماحها وأن يجعلها تنصاع لداعي العلم، وأن يجعلها تنصاع للعلم وتقدم العلم على هذه الحظوظ، فإنه لن يصل إلى الله.
الشيطان أيها الأحبة ماهر، الشيطان صاحب خبرات، يعلم كيف يجعل هذا الطالب وهذا المسترشد ينقطع في طريقه، يعرض له والشهوات قد لا تكن محرمة، قد لا تكون محرمة، قد تكون من المباحات ولكنها في النهاية حظوظ النفس، قد تكون من المباحات ولكنها حظوظ النفس يريد أن يشغلك بها عن سلوكك إلى الله. الشيطان له مراتب أيها الأحبة في التعامل مع الإنسان؛ إنسان قد يغريه بالكفر، إنسان قد لا ينفع معه الكفر فيغريه بالكبائر، إنسان لا تنفع معه الكبائر متمسك بدينه قالوا يغريه بالمعاصي الصغيرة، إنسان حتى الصغيرة لا تنفع معهم متمسك، قال يغريه بالتوسع في المباحات والتوسع في حظوظ النفس. إذا توسع السالك في حظوظ النفس فإنها تشغله في طريقه عن الله سبحانه وتعالى. فالإنسان طالب العلم خاصة والإنسان المسلم عامة الذي يريد السلوك إلى الله عز وجل، أن يعود نفسه وأن يروضها على تقديم العلم بالله. التعلم تعلم ماذا؟ تعلم العلاقة مع الله سبحانه وتعالى وتعلم الفروع، لأنه مهد لك قبل قليل أن بناء الأحوال القلبية إنما يكون على ماذا؟ على العلم بالله وعلى التفقه في الفروع.
هذا العلم لن تناله إلا بماذا؟ إلا بترك شيء من حظوظ النفس. نحن لا نقول لك ستترك كل الحياة الدنيا وتجلس في معزل عن الناس ولن تتزوج ولن تأكل ولن تشرب، لكن كل شيء له حجمه والمقدم دائماً عندك العلم. الآن طالب العلم الحقيقي والمسترشد الحقيقي هو الذي يصبح العلم نهمه، العلم يصبح نهمه شغفه في حياته ماذا؟ أو شغفه في حياته أن ينادي العلم الشرعي وأن يتعلم وأن يحصل وأن يتقدم في العلاقة مع الله عز وجل. متى أصبح المسترشد بهذا النفس؟ نعم نقول هذا الإنسان بدأ السلوك الصحيح إلى الله على منهاج واضح وعلى طريقة صحيحة. وإلا كلما كان كما قلنا عرض له حظ من حظوظ النفس؛ اليوم يريد أن ينام وغدًا يريد أن يأكل وغدًا يتفرج، والشيطان يبدأ بالتسويف: نطلب العلم غدًا، نؤجل إلى بعد غد، هذه العبادة أفعلها بعد ذلك. انظر الناس تسوف وتأمل جيداً وتنقضي العمر وأنت لم تفعل شيئًا ولم تحصل إلا النزر اليسير؛ فهذا من توفيق الله عز وجل لعبده أن يرزقه قدرة على كبح جماح النفس وتقديم العلم عليها.
ثم قال الأصل الثالث: والاستغناء بالله عن جميع خلقه. هذا الأصل الثالث الذي تمسكوا به في الطريق. الاستغناء بالله عن جميع خلقه، وهذا الأصل أيها الأحبة الذي يتمسك به العارفون هو ثمرة المعرفة، هو ثمرة ماذا؟ هو ثمرة معرفة الله سبحانه وتعالى وثمرة معرفة الخلق. من عرف الله وعرف الخلق استغنى بالله عن الخلق. لماذا أيها الأحبة؟ أهل المعرفة الحق، الذين يعرفون الله حق المعرفة، يعرفون ملكه وإحاطته وقهره، ويعرفون أنه المسيطر وأنه المدبر قيوم السماوات والأرض، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. هذه المعارف التي وصلوا إليها بالتدبر والتأمل وصدق البحث في مواطن التفكر، كما ذكرنا في الدرس الماضي، هذه المعرفة التي لم تبقَ في إطار التنظير أو العلم النظري كما هو حالنا. نحن نقول نحن نعلم أن الله عز وجل قيوم السماوات والأرض، وأنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، وأنه لا تأخذه سنة ولا نوم، ولكن هذه المعرفة لدينا أيها الأحبة للأسف هي معرفة نظرية. هل دخلت في شغاف قلوبنا؟ هل هذا الإيمان بقيومية الله عز وجل على السماوات والأرض وأنه الحي الذي لا يموت وأنه الجبروت القاهر الذي لا يعجزه شيء، هل هذه معرفة دخلت في أعماق القلوب واطمأنت إليها النفس؟ أم هي فقط أمور نرددها في حياتنا؟ نؤمن بها في الظاهر ولكنها بعد لم تسكن في الباطن. المعرفة الحقة هم الذين دخلت هذه المعارف من التنظير إلى أعماق القلوب فخالطت وجدانهم. إذا هم أولًا عرفوا الله، ثم عرفوا، عرفوا أن الخلق عاجزون عن رفع الأذى عن أنفسهم، فكيف يرفعون وعن غيرهم؟ عرفوا أن الخلق يحتاجون إلى الله سبحانه وتعالى في كل نفس وفي كل لحظة وفي كل خاطرة، أي مخلوق لا يستغني عن الله سبحانه وتعالى.
فأهل المعرفة الحق لما وازنوا، بينما عندما عرفوا الله عز وجل حق المعرفة وعرفوا المخلوق حق المعرفة وعملوا موازنة سريعة: هل ألجأ إلى الله عز وجل أم ألجأ إلى المخلوق؟ عرفوا أنه لا مجال للمقارنة، لا مجال للمقارنة ابتداءً، فعلقوا هممهم بالله سبحانه وتعالى، وألفوا أن يعلقوا احتياجاتهم وأن يعلقوا مطالب حياتهم بهؤلاء المخلوقين الضعاف الذين لا يغنون عنك شيئًا. المعرفة خلاص عرفوا أن الأمر بيد الله سبحانه وتعالى، لا مجال للنقاش في هذا الموضوع. لذلك يعني كما يقول السلف يقول: استغنِ عمن شئت تكن أميرهم، واحتج إلى من شئت تكن أسيره. هكذا الحياة الدنيا؛ إذا احتجت إلى المخلوق أصبحت أسيرًا له، وإذا استغنيت عن المخلوق كنت أميرًا له. فالإنسان هل يريد لنفسه أن يكون عبدًا للخلق أو يريد أن يكون عبدًا للحق سبحانه وتعالى؟ هو الذي يختار. لذلك في الحقيقة الاستغناء بالله عن كل المخلوقين كما قلنا هو ثمرة المعرفة، وإنما نحن ضعفنا عن هذه المرتبة بسبب ضعف معرفتنا بالله؛ لأن هذه المرتبة، الاستغناء بالله عن جميع المخلوقين، هي ثمرة المعرفة بالله ابتداءً كما قلنا. ونحن لماذا لا نجد الاستغناء بالله عن جميع المخلوقين في أنفسنا وفي وجداننا؟ لضعف معرفتنا بالله عز وجل. لا نعرف الله عز وجل حق المعرفة ولا نقدره حق التقدير، نسينا أن هؤلاء البشر هم فقط أيها الأحبة صور وأجساد، هم ليسوا آلهة وأربابًا. فلا يصل العبد إلى المعرفة الحق ولا يثبت على طريق شديد حتى يتجاوز هذه القنطرة، يتجاوز قنطرة التعلق بالخلق أن يدفع حوائجه إليهم إلى التعلق بالحق سبحانه وتعالى، ويستغني به عن جميع المخلوقين. فهذا هو الأصل الثالث الذي يتمسك به المسترشدون: الاستغناء بالله عز وجل عن جميع خلقه.
ثم بعد ذلك الحارث المحاسبي، بعد أن بين لك كيف بنى أهل المعرفة علاقتهم مع الله، ثم بين لك ما هي الأصول التي تمسكوا بها في طريقهم إلى الله، نصحك الحارث المحاسبي يقول: إذا عرفت ذلك فعليك أيها المسترشد أن تطلب مناهج هؤلاء القوم، أن تطلب المنهج الذي سلكه أهل المعرفة بالله سبحانه وتعالى، وأن تبحث عن المسالك التي سلكوها حتى وصلوا إلى هذا المقام الرفيع. فقال: فاطلب آثار من زاده العلم خشية. يقول الحارث المحاسبي: فاطلب آثار من زاده العلم خشية والعمل بصيرة والعقل معرفة. من هم هؤلاء؟ الذي زاده العلم خشية والعمل بصيرة والعقل معرفة هم أهل معرفة الله، وفصلها فقط أحيانا يعيد الأفكار فقط بصياغة أخرى. هؤلاء هم أهل معرفة الله سبحانه وتعالى. يقول لك اطلب منهجهم، اطلب مسلكهم وابحث عنه. قال: فإن حجبك عن منهجهم فقد الأدب. انظر ماذا يقول، قال: فإن حجبك عن مناهجهم فقد الأدب فارجع بالذم على نفسك، فارجع بالذم على نفسك، ولن يخفى على أهل العلم صفة المخلصين.
يقول لك إذا بحثت عن مناهج أهل السلوك ولكنك حجبت عن الوصول بسبب فقد الأدب، ما معنى فقد الأدب أيها الأحبة؟ قال هو سوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى. أنت قد تبحث عن مناهج أهل الرشاد ولكن يحرمك الله عز وجل عن الوصول إليه وعن الوقوف عليها، لماذا؟ لسوء أدبك مع الله سبحانه وتعالى. سوء الأدب أيها الأحبة عاقبته أن تحجب عن العرفان. سوء الأدب مع الله سبحانه وتعالى، ما العقاب الذي ستعاقب به؟ هو أن تحجب عن مقام العرفان بالله عز وجل. بعض الناس يظن أن المعصية يعني إذا سخط الله عز وجل على صاحبها يجب أن ينزل به قارعة من السماء، أو أن يفقد ابنًا أو أن تأتي سيارة فتصدمه، هكذا العقاب الذي يأتي. في الحقيقة أعظم عقاب يمكن أن يعاقب به من أساء الأدب مع الله أن يحجب عن الله سبحانه وتعالى، أن يحجب عن الله وأن لا يتعرف على الله. هذا من أعظم العقاب. يقول السكندري رحمه الله تعالى في حكمه: من جهل المريد أن يسيء الأدب فتؤخر العقوبة عنه فيقول: لو كان هذا سوء أدب لقطع الإمداد وأوجب الإبعاد.
يعني لو كان الذي فعلته سوء أدب لأبعدني الله عز وجل عنه، وما زلت على الله عز وجل يجعلني أصلي وأصوم وأزكي وما زلت في طلب العلم، إذا هذا ليس سوء أدب. يظن ماذا أن سوء الأدب مع الله عز وجل يوجب دائمًا الإبعاد والمقت المباشر من الله. فيقول الحارث المحاسبي وقد يقطع المدد عنه وهو لا يشعر، وقد يقول السكندري رحمه الله: نعم وقد يقطع المدد عنه وهو لا يشعر ولو لم يكن إلا منع المزيد، ولو لم يكن إلا أنه ما يريد، يعني يكفي في العقوبة من الله عز وجل أن يمنعك المزيد من التعرف عليه. هذا يكفي عقوبة لهذا الذي أساء الأدب أن يمنعه المزيد، المزيد من معرفة الله عز وجل، وأن يكشف الله عز وجل عن تلك المعارف الإلهية يحجبها، وهذا يكفي، يقف فقط عند العلم بوجود الله ولا يرزقه الله عز وجل حلاوة المناجاة ولا أنس التعلق به ولا يجد حلاوة في الذكر ولا في، هو يظن نفسه أنه على الطريق الصحيح وهو بعيد عنها محجوب، الله عز وجل خذله من حيث لا يشعر.
إذاً فمن أساء الأدب عاقبه الله بالحجب أيها الأحبة. أساء الأدب مثل ماذا؟ من أطلق عينه للحرام فقد أساء الأدب، ومن أطلق أذنه لسماع الحرام فقد أساء الأدب، ومن لسانه في الكلام الحرام فقد أساء الأدب، ومن أطعم بطنه الحرام فقد أساء الأدب، ومن مشى بقدميه إلى الحرام فقد أساء الأدب. هذه كلها صور إساءة الأدب مع الله سبحانه وتعالى التي تسبب الحجب عن المعارف الإلهية، يحجبك الله عز وجل بها. لذلك يقول لك الحارث المحاسبي: فإن حجبك عن مناهجهم فقد الأدب، فعليك أن تلوم نفسك، أنت الذي خذلت نفسك وأنت الذي عرضتها لهذه المواقف ولهذا الحجب عن الله سبحانه وتعالى. إذاً أيها الأحبة، الطريق إلى الله عز وجل طريق أهل المعرفة هو طريق علم، طريق عمل، طريق تزكية، طريق مجاهدة، طريق مراقبة؛ الأمر فيه جهد، الأمر ليس بالتحلي ولا بالتمني، الأمر ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. الأمر يحتاج إلى جهد وإلى بذل وإلى مراقبة، معركة يخوضها الإنسان حتى يصل إلى هذه المراتب العالية. نسأل الله أن يلحقنا بهم وأن يجعلنا من أهل المعرفة الحقة وإلا فتلك مراتب سماء أصحابها. لذلك يقول: ولن يخفى على أهل العلم صفة المخلصين. ماذا يريد أن يقول؟ يقول من يعرف أهل المعرفة الحق هم أهل المعرفة الحق فقط. يعني أنت أو نحن الذين لم نصل إلى معرفة الله عز وجل قد نحسن الظن في إنسان نراه نقول: فلان ما شاء الله من أهل السلوك الصحيح ومن أهل العلم والمعرفة بالله عز وجل، ولكن لأننا محجوبون عن المعرفة الحق.
لا نستطيع حقيقة أن نميز هل فعلاً فلان من أهل المعرفة الحق، أو هو من أهل التصنع والتظاهر؟ من يستطيع أن يميز أهل المعرفة الصحيحة بالله هم أهل المعرفة الصحيحة. هم أنفسهم يعرفون هل هذا الشخص الجديد الذي انضم إلى هذه القافلة، أو يريد أن ينضم، هل هو فعلاً وصل إلى المعرفة الحقيقية بالله عز وجل، أو ما زال يتوهم ويتصنع بالتحلي والتمني. لذلك قال: ولن يخفى على أهل العلم، يعني أهل العلم بالله، أهل المعرفة بالله لن يخفى عليهم من هو المخلص ومن هو الذي يتصنع ويتظاهر ويتزين. ثم قال الحارث المحاسبي رحمه الله: إن في كل فكرة أدب، وفي كل إشارة علماً، وإنما يميز ذلك من فهم عن الله عز وجل مراده، وجنى فوائد اليقين من خطابه.
هنا أيها الأحبة يبين الحارث المحاسبي علاقة أهل المعرفة بالله بكتاب الله عز وجل. كيف يتعاملون مع كتاب الله وكيف يستنبطون منه المعاني الدقيقة؟ ذكرنا في الدرس الماضي أن فهم مراد الله عز وجل، وهذا دائماً أكرره أنه مهم، فهم مراد الله عز وجل أساسه ماذا؟ لا ذكاء، ما كيف يفهم العبد مراد الله عز وجل؟ ما هي القاعدة العامة التي وضعها الحارث المحاسبي؟ أحسنت، يعني هو الصدق في الطلب، والصدق في الطلب يكون في طلب الله، وفي طلب العلم، وفي طلب تقويم العقل. بهذا يصل العبد إلى فهم مراد الله عز وجل إذا صدق في طلب هذه الأمور: في طلب الله عز وجل، وفي طلب العلم، وفي طلب إصلاح العقل. هنا تصل إلى فهم مراد الله عز وجل.
الآن هؤلاء الذين وصلوا إلى فهم مراد الله سبحانه وتعالى قال: هم الذين يستطيعون أن يستنبطوا وأن يستخلصوا الآداب والعلوم التي ضمنها الله عز وجل في كتابه. الله عز وجل أيها الأحبة ضمن كتابه آداباً وعلوماً كثيرة غزيرة، في ضمن إشارات وأفكار سريعة. هذه العلوم الغزيرة وهذه الكثيرة ضمنها الله في كتابه في إشارات سريعة، لذلك قال: وفي كل إشارة علماً. انظر ماذا قال المحاسبي: وفي كل إشارة علماً وفي كل فكرة أدب. يريد أن يقول القرآن الكريم يتضمن إشارات سريعة ويتضمن أفكاراً، هذه الإشارات السريعة والأفكار فيها ماذا؟ فيها علوم وآداب غزيرة جداً. ولكن من الذي يستطيع أن يستنبط هذه العلوم والآداب؟ من الذي يصل إليها؟ هو الذي استطاع أن يصل إلى مرتبة الفهم عن الله عز وجل. هؤلاء الراسخون في العلم الذين يفهمون مراد الله هم الذين يستطيعون أن يصلوا إلى هذه المعاني الدقيقة الغزيرة، وأما المحجوبون عن الله عز وجل فلن يصلوا إلى هذه المعاني.
الآن لو نظرت إلى من أهل المعرفة بالله ممن سبق من السلف، إذا نظر في الآية الواحدة يستخلص منها مائة حكم، وننظر في حالنا ننظر في الآية، نتدبر فيها، لا نكاد نستخلص حكماً أو حكمين. هل الآية اختلفت؟ الآية هي الآية. ذاك استخلص منها مائة حكم وأنت لا تكاد تفهم المعنى الظاهر، نلملم المعنى الظاهر حتى نفهمه. إذاً ما الفرق أيها الأحبة؟ نعم هذا هو الفرق الجوهري. لذلك المحجوبون عن الله سبحانه وتعالى يجدون فتوراً في علاقتهم مع القرآن. لماذا؟ لأنه عندما يقرأ القرآن في الحقيقة، وهذا قد نجده من أنفسنا أيها الأحبة، نسأل الله السلامة، عندما نقرأ القرآن تنظر لا تكاد تجد المعاني العميقة التي تجد العلماء الكبار يتكلمون عنها. تنظر في الآية، تحاول أن تتدبر، تجد لماذا كررت قصة موسى في أكثر من موضع؟ تظن أن هذا الأمر تكرار فقط. نحن محجوبون عن الفهم العميق لكتاب الله سبحانه وتعالى.
لماذا كررت هذه الأمثال؟ لماذا وضعت هذه هنا وهذه هنا؟ لا نكاد نفهم إلا المعاني الظاهرة، وهذا يسبب فتوراً في علاقة العبد مع القرآن الكريم. لذلك الناس إذا قرأ القرآن هي صفحات في الصباح نتبرك بها، نبدأ بها اليوم وانتهى الأمر. من يختم أيها الأحبة في كل أسبوع؟ من يختم في كل شهر كما كان؟ يعني الحد الأدنى كما يقول العلماء هو الشهر. من يختم في كل شهر؟ هناك أيها الأحبة من لا يختم من رمضان إلى رمضان، من لا يختم أبداً المصحف في حياته. هذا محجوب عن كتاب الله سبحانه وتعالى، والسبب الآن هو حجبه عن كتاب الله جعل هناك علاقة فاترة بينه وبين القرآن الكريم. لا يفهم معنى هذا الكلام، يظنه شيئاً عادياً، لا يعلم قيمة النص وهذا الخطاب الرباني الإلهي لهذه البشرية. بينما أهل المعرفة عندما نقرأ في سيرة السلف؛ الذي كان يختم القرآن في كل ثلاثة أيام، والذي كان لا يتجاوز الأسبوع إلا وقد ختم، والذي كان يقرأ القرآن في ليلة، نجد العجب العجاب في علاقتهم مع القرآن الكريم. ما هذا الدافع العجيب في علاقتهم مع القرآن؟ ما الذي كان يدفعهم إلى هذه العلاقة؟
الذي كان يدفعهم أيها الأحبة أن أهل الرشاد وأهل المعرفة الصحيحة لله علاقتهم مع القرآن هي علاقة الإنسان بالغذاء، علاقة الإنسان بالغذاء تماماً. كما أنك إذا لم تتناول في هذا اليوم الطعام تشعر بالضعف، كذلك أهل المعرفة بالله إذا لم يتناولوا وجبتهم اليومية من القرآن الكريم حتى يغذوا بها قلوبهم وأرواحهم يشعرون بالوحشة، يشعرون أن هذا اليوم فيه نقص، فيه خلل، فيه هناك ضعف إيماني مباشرة تشعر به هذه القلوب، لم تأخذ الوجبة الكافية من القرآن الكريم. هذه هي العلاقة، أصبحت علاقة غذاء تغذي الأرواح والقلوب. الطعام يغذي الأجساد ولكن القرآن يغذي الأرواح والقلوب. من استطاع أن يكون هذه العلاقة الصادقة بينه وبين كتاب الله عز وجل، هذا الذي أفلح. إنه يشعر أنه إذا لم يقرأ كتاب الله عز وجل في اليوم أن هناك خللاً في الحياة، في حياته، في علاقته، يشعر بالوحشة والبعد عن الله عز وجل. نعم هذا أمارة خير وهذا علامة الخير. أما العبد الذي يأتي عليه الشهور ولا يقرأ كتاب الله عز وجل أو لا يختم ختمة، هذا عليه أن يعيد علاقته مع كتاب الله سبحانه وتعالى.
لذلك يعني لو تأملنا حالنا أيها الأحبة انظروا حالة إذا بليت ببلية، إذا ابتليت ببلية من بلاء هذا الحياة، وشعرت أن المخلوقين كلهم لا يستطيعون أن يرفعوا عنك هذا البلاء. أنت الآن في بلاء لا يكشفه إلا الله عز وجل. أهل الحجب عن الله سبحانه وتعالى، المحجوبون، في هذه اللحظات تجد الله عز وجل يكرم بعضهم ببعض. طيب يعني هذا نطبقه على حالنا، نجد أنفسنا قد مررنا به في بعض اللحظات. تكون في بلية في مصيبة لم تجد أحداً يساعدك، نشعر حينئذ بالافتقار والحاجة المطلقة لله عز وجل. ابتداءً لأننا محجوبون نفزع إلى من؟ إلى المخلوقين، لم نستغن بالله سبحانه وتعالى. لكن بعد أن فزعنا إلى المخلوقين لم نجد عندهم حلاً. بعد أن فزعنا إلى المخلوقين لم نجد عندهم حلاً ولا رفعاً لهذا البلاء. في هذه الحالة كثير أو بعض الناس قد يمن الله عز وجل عليهم عودة صادقة إلى الضمير. يعرف هذا العبد أنه لن يكشف عنه هذا البلاء ولن يرفع هذه اللأواء إلا الله سبحانه وتعالى.
فيذهب الإنسان هذا إلى زاوية في المسجد أو يذهب إلى بيته، يمسك المصحف وهو في ضيق وفي هم وفي غم، يبدأ يقلب هذه الصفحات، ينظر يمر على قوله تعالى: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ. يقرأ هذه الآيات كأنها أول مرة تمر عليه، ومر عليها كثيراً في الحياة، ولكنه لأنه محجوب، لم يصل إلى مرتبة أهل المعرفة الحقة، لم يجد لها طعماً، لم يكن يتدبر. ولكن في هذه الومضات السريعة من البلاء، الله عز وجل يكشف لهذا العبد جزءاً من حلاوة تدبر كتاب الله سبحانه وتعالى. هو بلاء ومحنة ولكن فيها منح. أنك جلست مع القرآن في زاوية المسجد أو في البيت، بدأت تنظر وبدأت تشعر بحلاوة هذا الكتاب. هذه الجلسات السريعة والومضات والهدايا التي يعطيها الله عز وجل لبعض المحجوبين قد تكون مدافعاً لهم بعد انتهاء البلاء لأن يستمروا في بناء هذه العلاقة الصحيحة مع الله، وأن ينتظموا في أهل المعرفة وفي سلوك طريق المسترشدين. فتصبح قراءتهم دائماً للقرآن قراءة واعية ومتدبرة. أما أهل المعرفة بالله ابتداءً فهم لا ينتظرون وقوع البلاء حتى يتدبروا كلام الله، هم في دأب مستمر في تدبر كلام الله عز وجل والنظر فيه واستخلاص معانيه وأفكاره.
لذلك يعني يقول رحمه الله: وعلامة ذلك في الصادق، وعلامة ذلك في الصادق. أي كيف تعرف أن هذا الرجل الذي يقف أمامك من أهل فهم مراد الله سبحانه وتعالى؟ ويريد أن يعطيك العلامات التي تعرف بها أهل الفهم عن الله سبحانه وتعالى. ليس فقط من أجل أن تعرف من هم، بل حتى تحاول أن تكون من أصحاب هذه العلامات ومن أصحاب هذه الخصائص. ومن هنا سيبدأ الحارث المحاسبي بتعداد طويل في الحقيقة، تعداد طويل وكثير لصفات المسترشدين. لصفات من؟ المسترشدين الذين يفهمون مراد الله سبحانه وتعالى. فنحن نمر عليها سريعاً كإشارات. قال: وعلامة ذلك في الصادق. انظروا هذه العلامات التي يذكرها لأهل فهم مراد الله. قال: إذا نظر اعتبر. إذا نظر في أحوال الناس وفي تقلباتهم وفي مآكلهم وبلائهم، وما يفعل الله عز وجل بأوليائه وما يعاقب به أعداءه، إذا نظر في كونيته وفي الآيات القرآنية هو دائماً في اعتبار، أي في تأمل مستمر. والاعتبار والعبرة أيها الأحبة مأخوذة في اللغة من العبور، مأخوذة من ماذا؟ من العبور، كأنك تعبر من حال إلى حال.
فإذا نظرت في أحوال الناس، وإذا نظرت في القصص التي تشاهدها في حياتك، وفي الأمثال التي الله عز وجل لك تعبر بها إلى واقعك وتعبر بها إلى نفسك، تطبقها على نفسك. أكثر الناس إذا مر برجل مبتلى يظن أن هذا الشيء لن يقع به، وإذا نظر في حال رجل من الناس أنزل الله عز وجل به قارعة يظن أنه وهو مصر على معاصي الله لن يحل به هذا الأمر. بعيد عن الاعتبار وعن النظر في آيات الله عز وجل الكونية والقرآنية. لا، إذاً المسترشد أيها الأحبة من أول الصفات التي ذكرها المحاسبي له: إذا نظر اعتبر. طيب الصفة الثانية قال: إذا صمت تفكر. إذاً هو إنسان لا يوجد عنده أوقات فراغ، حتى في لحظات الصمت يتفكر في تأمل وفي تدبر في خلق الله عز وجل وفي حكمة الله عز وجل وفي أفعال الله. إذاً يستغل الأوقات حتى في حالة الصمت، وهذه مرتبة رفيعة.
ثم قال: وإذا تكلم ذكر. إذا نطق لا ينطق إلا بذكر الله عز وجل وما يحوم حوله من طلب بعلم وتعلم وتعليم ومذاكرة وصلاة وذكر لله عز وجل، أذكار الصباح والمساء، أذكار النوم. هو في حياته في تذكار مستمر لله سبحانه وتعالى وما يحقق هذا الأمر. الآن نعم الإنسان قد يتكلم فيما يحقق احتياجاته اليومية، وهذا يعود وينصب في النهاية إلى الإعانة على ذكر الله سبحانه وتعالى، لأنك إذا لم تقضِ الحوائج لن تستطيع أن تذكر الله سبحانه وتعالى. فإذا ذكر الله عز وجل الذي يتكلم عنه هو ذكر الله عز وجل وما يعين عليه. إذاً إذا تكلم ذكر. قال: وإذا منع صبر، وإذا أعطي شكر. أحياناً القراءة السريعة قد تعدل معنى أكثر من القراءة المتقطعة، عندما تنظر في هذه الصفات تعدادها السريع يعطيك معاني سريعة ولفتات في النظر إلى نفسك. قال: إذا منع صبر، وإذا أعطي شكر، وإذا ابتلي استرجع، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وإذا جهل عليه حلم، وهذا خلق الحلم الذي تكلمنا عنه في الدرس الماضي أو الذي قبله.
قال: وإذا علم تواضع، يعني لم يزده علمه تكبراً بل زاده تواضعاً لله سبحانه وتعالى. وإذا علم رفق بالمتعلمين. وإذا سئل بذل، شفاء للقاصدين. شفاء للقاصدين، ما معنى شفاء للقاصدين؟ يعني إذا جاءه إنسان يشكو إليه ضعف إيمانه، يشكو إليه ضعف قلبه وعلاقته مع الله عز وجل، فإنه بكلماته يدخل في قلبه الشفاء بعد معونة الله سبحانه وتعالى أولاً، صحيح؟ فهذا شفاء للقاصدين. هذا الإنسان العارف الفاهم عن الله عز وجل من خصائصه أنه يقصده الناس للكلام عن أحوال قلوبهم، يجدون ضعفاً في الإيمان، يجدون ضعفاً وخللاً في القلوب، يأتونه ويشكون إليه، ينزلون به هذه الأمراض، وهو يعطيهم الكلام النافع الذي يساعدهم فيه على حل هذه القضايا. فقال: هو شفاء للقاصدين وعون للمسترشدين. وإذا سأله عبد عن طريق الرشاد، قال له: دلني على معالم هذا الطريق، يجد منه الإعانة. إذاً هذا من صفات فاهم عن الله سبحانه وتعالى.
قال: وحليف صدق للصديقين. يعني دائماً مع الصديقين، يلازم دربهم وغرزهم. وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ، فهو حليف لهم لا ينتقل عنهم إلى غيرهم. قال: وكهف أمن للخائفين، وكهف للخائفين، أي إنسان خائف فزع، بلي ببلية، أصابه خوف من شيء من الدنيا من مخلوق من مرض، يجد عند هذا الإنسان الأمان، فهو كهف لهم، كهف للخائفين يلجأون إليه يجدون الطمأنينة والأمان عندما يجالسونه، عندما يرون فهمه، عندما يرون علاقته مع الله عز وجل يشعرون بالأمان، فهو كهف لهم. ثم قال: بر، أي خير، قريب الرضا في حق نفسه، بعيد الهمة في حق الله سبحانه وتعالى. ما معنى هذا الكلام؟ إذا اعتدي عليه في حقه الشخصي قريب الرضا، سهل.
الرضا لا يعمل مشاكل كثيرة، ويرفع الأمر إلى المحاكم وتجلس السنوات. قريب الرضا في حق نفسه؛ سبه شخص، شتمه شخص، أخذ رجل منه شيئاً من لعاعات الحياة الدنيا، فإنه لا يلتفت إلى ذلك كثيراً، قريب الرضا في حق نفسه. ولكن في حق الله عز وجل بعيد الهمة، معناه إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى لا، هنا لا مجال للمسامحة، يغضب لحق الله عز وجل. وهذا باب محمد صلى الله عليه وسلم، فكم من أعرابي جذبه؟ وكم من إنسان أساء إليه وشتمه وفعلوا به الأفاعيل، كفار قريش وغير كفار قريش، ولكن مع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم يدعو لهم لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ويعبده.
ولكن إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى، قالوا كنا نعرف ذلك في وجهه صلى الله عليه وسلم، يشتد غضبه ويحمر وجهه وأوداجه غضباً لله سبحانه وتعالى، ولا يغضب لنفسه عليه الصلاة والسلام، وهذا قدوة وهذا هو الأسلوب الذي ينبغي أن يقتدي به أهل الرشاد.
ثم قال: نيته أفضل من عمله. ما زال يسوق صفاتهم، نيته أفضل من عمله، وهذا نص حديث ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني والبيهقي، قال صلى الله عليه وسلم: نية المؤمن أفضل من عمله. وهذا الحديث متكلم في إسناده، في الحقيقة ضعفه جل من أهل العلم، ولكن معناه صحيح، أن نية المؤمن أفضل من عمله. كيف ذلك أيها الأحبة؟ طيب، هذا سؤال، نية المؤمن أفضل من عمله، نريد التفكير، بده يعمل إشي. آه لماذا عند المؤمن أفضل من العمل هذا الذي أريده؟ أحسنت، إن الإنسان المؤمن دائماً أو المسترشد بشكل عام الصالح دائماً عندهم سواء استطاع أن يفعل أو لم يستطع أن يفعل فالنية الصالحة موجودة.
وذكرنا قديماً وصية الإمام أحمد لابنه قال: يا بني انوِ الخير. يعني دائماً خلي نية الخير موجودة، لماذا؟ أنت في أجر مستمر، لذلك الأجر الذي يأخذه على النية أكثر من الأجر الذي يأخذه عن العمل؛ لأن نيته مستمرة موجودة سواء عمل أو عمل عملاً فيه تقصير أو لم يعمل ابتداء، النية نية الخير موجودة هذا حال المؤمن. لذلك جاء في الحديث: أما المنافق فعمله خير من نيته، لماذا؟ لأن المنافق يهتم بتجميد الأعمال الظاهرة ولا يهتم بنية القلب، كيفما جاءت النية يطلب وجه فلان، يطلب لعاعة من دعاة الدنيا لا يهمه، المهم عنده أن يجمل الظاهر. فالمنافق عمله خير من نيته والمؤمن نيته خير من عمله.
ثم قال: وعمله أبلغ من قوله. وعمله أبلغ من قوله، يلا هذا من باب المشاركة، ما معنى عمله أبلغ من قوله؟ أبو يسير، ما معنى عمل المسترشد أبلغ من قوله؟ ما الذي يريده؟ يعني نعطي فرصة، دايماً بحكي خلص بفهم. أحسنت، يعني يريد أن يقول إن القدوة العملية عنده أثرها أكثر من الكلام والتنظير كما نسميه، أنه ليس دائماً منشغلاً بالكلام والوعظ والتدريس، ثم بعد ذلك إذا رأينا في حاله وفي علاقته مع الله عز وجل نجده ضعيفاً فاتراً، هذا لا يصلح لأن يحمل أعباء الناس. فالمسترشد السالك إلى الله عز وجل قدوته العملية أكثر من قدوته الكلامية. نعم مهمة مطلوبة نريد أن نوصل الخير للناس، ولكن هذا الكلام ينبغي أن يترجم عملاً في واقع المسترشد، وإلا فلن يكون صادقاً حق الصدق في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى.
قال: موطنه الحق. هذا سؤال جديد، موطنه الحق. نحاول أن نفهم، لا أريد فقط أنا الذي أشرح الكلام، أريد أن الإنسان يحاول أن يفهم ما الذي يريده الحارث المحاسبي؟ الذي يدور مع الحق حيث دار. أحسنت هذه الفكرة، موطنه الحق أنه يدور مع الحق حيثما دار، فكأن الحق أصبح له وطنه، الحق أصبح له وطناً يسكن معه، أينما ذهب الحق يذهب معه مع الدليل. ليس مع الشيخ ولا مع الطائفة ولا مع الفرقة ولا مع فلان ولا مع فلان، مع الدليل الشرعي، حيثما جاء الحق وثبتت عليه الأدلة الشرعية ومعه مع من كان ومع أي طائفة كان.
ومعقله الحياء، أي هو مرابط على ظهور الحياء، الحياء من الله سبحانه وتعالى والحياء من الخلق، والله عز وجل أحق من يستحي منه سبحانه. قال: ومعلومه الورع. ومعلومه الورع، ما معنى ومعلومه الورع؟ أيدي الناس هذا، نعم هذا من أهم معاني الورع، الاستغناء عما في أيدي الناس، يعرف به الخشية من الله. هذا من المعاني العامة للورع، أن ما معنى هذه العبارة؟ نريد يعني معلومه والورع ربما التركيب غريب، ما معنى معلومه الورع؟ هو يريد أن يقول لك إن هذا الإنسان بنى علمه على الورع، هذا الذي يريد أن يقوله، بنى علمه على ماذا؟ على الورع، فعلمه دائماً يورث ورعاً ولا يورث تساهله.
يعني أحياناً قد تجد بعض المفتين إذا علم يذهب إلى التساهل، يأخذ أسهل الأقوال دائماً ويطبقها بغض النظر هل دليلها قوي وليس، مجرد أن عرف أن هناك قولاً في المسألة ذهب إليه، فهذا لم يبنِ علمه على الورع، وإنما بنى علمه على السهولة والترخص. المؤمن المسترشد لا، يبني علمه على الورع، إذا وجد المسألة فيها اشتباه فإنه يبتعد ويرفع يديه ويأخذ ما هو الأحوط لدينه ودنياه. فهذا ومعلومه الورع.
ويذكر الشيخ قصة عن ابن المبارك، هي قصة عامة في الورع ولكن أعجبتني القصة فأحببت أن أرويها لكم، يقول إن ابن المبارك رحمه الله تعالى أخذ قلماً من رجل في الشام، أخذ قلماً، استعار منه ماذا؟ قلماً، فعندما ذهب نسي أن يرد إليه هذا القلم، عندما وصل إلى مرو منطقة في خراسان، ولا هذه المناطق في أذربيجان وهذه الجهات البعيدة، تذكر القلم معه. لو كان واحد منا ماذا يفعل؟ لو أخذ مئة دينار -يعني ما نتكلم عن قلم- وأخذ باله أكثر من ذلك قد لا يعيدها، ذهب إلى آخر الدنيا وليس بسيارة ولا طائرة، وذهب على حصان أو جمل، قال فعاد من مرو إلى الشام حتى يعيد هذا القلم فقط. انظروا إلى الورع، هو يخشى أن يلقى الله عز وجل بقلم، أيها الأحبة، ربما الإنسان قد يقصر في إعادة الشيء إلى جاره الذي فوقه، إلى جاره الذي فوقه يجلس الأمانة عندك أياماً، ولا لا تسأل، قد يموت الجار ويموت العيال ويرتحل الجار وأنت تتساهل في هذا الأمر، وهذا يعود الإمام ابن المبارك يعود من مرو إلى الشام حتى يرد قلماً، هكذا كانوا يبنون علمهم.
هذه هي قصص السلف، إنسان قد يقول هل هذا معقول؟ هل هذه مبالغة؟ لا يا ليست مبالغة، دائماً نحن نلجأ إلى تفسير هذه القصص مبالغات، لا لا تأخذ هذا المنهج دائماً. هم نعم كانوا على علم وعلى ورع وعلى خشية من الله عز وجل تجعلهم يفعلون الأعاجيب، ونحن لضعف همتنا وضعف علاقتنا قد نستغرب ونسارع في رد هذه القصص بسبب فقط أننا لا نستطيع أن نفعلها في واقعنا، ولكن هم لعلمهم بالله وعلاقتهم الصحيحة معه بنوا علاقة صحيحة أورثتهم ورعاً وخشية من الله.
ثم قال: وشاهده التقوى. شاهده يعني الذي يدل عليه أنه من أهل الفهم ومن أهل الرشاد تقواه لله سبحانه وتعالى، إذا نظر الناس رأوه من أهل التقوى، يفعل الطاعات ويجتنب معاصي الله عز وجل، جعل بينه وبين عذاب الله وقاية، وسبق الكلام عن التقوى. قال: له بصائر من نور يبصر بها وحقائق من العلم ينطق بها. له صاحب بصيرة ينظر بهذه البصيرة التي نور الله عز وجل في الأمور فيصل إلى الحقائق، وله علم رزقه الله عز وجل حقائق من العلم ينطق بها، درر من العلم يعلم بها الناس ويفيدهم، وله كذلك أدلة من اليقين، يعني عنده في قلبه شواهد يقينية على وجود الله عز وجل وعلى نصر الله عز وجل لأوليائه، وعلى أن هناك يوماً آخر سنلقى الله عز وجل به، كل هذه القضايا بالنسبة له يقينية، له أدلة يقينية، هذه الأدلة قد لا يعبر عنها بلسانه ولكن يعبر عنها حاله وعبادته وعلاقته مع الله.
لذلك عندما تكلمت عن حقائق العلم قال ينطق بها، وعندما تكلم عن دلائل اليقين قال يعبر عنها؛ لأن التعبير كما يكون باللسان فإنه يكون بالهيئة والتصرف والأفعال، أنت تعرف أن فلاناً متيقن بوجود الله سبحانه وتعالى ومتيقن من نصر الله عز وجل لأوليائه تيقن أن هناك يوماً سينتقل فيه إلى الله من خلال ماذا؟ من خلال أعماله حتى ولو لم ينطق ويشهد بهذا الأمر أو يدلل عليه، أعماله ورعه وعلاقته الصحيحة مع الله هي أكبر شاهد على أن هذا الرجل قد وصل إلى مرتبة اليقين.
وهنا ابن القيم رحمه الله يذكر أحوال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في هذا المقام، يقول عندما سجن ابن تيمية، قال يقول لابن تيمية مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ انظروا إلى اليقين كيف كان يعبر عنه ابن تيمية في حاله وفي سلوكه وكيف كان ينقله إلى تلاميذه، يقول ابن القيم: قال لي ابن تيمية مرة وهو في السجن قال ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، يعني أنسي وعلاقتي وحياتي هي في الصدر، هي العلاقة الصحيحة مع الله، أينما رحت فهي معي، هذه الجنة وهذا البستان بستان العرفان لله عز وجل في صدره، قال أينما رحت فهي معي لا تفارقني، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة. دائماً ينظر للأمور من جانب الإيجابي، إيش يفعل فيه؟ إن قتلوني فهي شهادة لله عز وجل، وإلا فهي خلوة مع الله عز وجل، وإن أخرجوني من وطني وبلدي فهي سياحة أتفرج فيها على خلق الله عز وجل وأعتبر منه.
قال وقال لي: المحبوس من حبس قلبه عن ربه تعالى، والمأسور من أسره هواه. يعني هذا هو الحبس الحقيقي، هذا هو الحبس والأسر الحقيقي ليس حبس الأجساد وإنما حبس القلوب، وإن الله أعلم أن الله يحول بين المرء وقلبه، المحبوس من حبس قلبه عن ربه والمأسور من أسره هواه.
ويقول كذلك ابن القيم في سرد حال شيخه، وعلم الله -هذا كلام ابن القيم- وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط، مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، كان فقيراً معدماً، كان فقيراً ولم يتزوج ابن تيمية رحمه الله تعالى كان فقيراً جداً، قال ومع ذلك كنا نجد فيه من طيب القلب ومن الراحة والسكون ما لا نجده في غيره.
قال وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مهما كان فيه من ضيق العيش، ومهما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً ومن أشرحهم صدراً وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً تلوح نظرة النعيم على وجهه. قال ابن القيم: وكنا إذا اشتد بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض أتيناه، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه -انظروا إلى صفة المسترشد، انظروا إلى صفة العارف بالله- قال فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه، قال فيذهب عنا ذلك كله. بمجرد أن يسمعوا كلام هذا الإمام لأنه كان قدوة، أيها الأحبة، لم يكن فقط يتكلم وينظر ثم عندما يأتي وقت التطبيق هو من أول الناس فراراً من الميادين، هو دائماً على رأس الأمور يقودها، هذه الأمة يوجهها يصوبها لا تأخذه في الله لومة لائم، فكان حقاً عارفاً بالله سبحانه وتعالى بمجرد أن ينظر إلى وجهه قال وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة.
وكان يقول ابن تيمية: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لا يدخل جنة الآخرة. ما هي هذه الجنة؟ هي جنة العلم والعرفان بالله سبحانه وتعالى، من لم يدخل هذه الجنة في هذه الحياة الدنيا الأنس واليقين والطمأنينة بالله لا يدخل جنة الآخرة، طبعاً هي كقاعدة عامة ولا تأخذها أنت بمعناها الدقيق، هو يريد أن يقول الجنة إذا أردت أن تدخلها في الآخرة وأردت المقامات الرفيعة عليك أن تدخل جنة الدنيا بمعرفة الله عز وجل، فمن حرم هذه حُرِم هذه.
ثم يكمل الحارث المحاسبي فيقول: قال وإنما يواصل بذلك -يعني بعد أن ذكر هذه الصفات وسيعيد ذكر صفات أخرى لكن يقول سريعاً- وإنما يواصل بذلك يعني إنما يصل إلى هذه الصفات وإلى هذه المراتب من جاهد لله نفسه، من جاهد لله نفسه. ماذا قال تعالى؟ من يأتي بآية تدلل على هذا المعنى؟ والذين جاهدوا. أحسنت، وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا. ليس المراد فقط هنا جهاد القتال وإن كان من أعظم المعاني، ولكن كذلك جهاد النفس. الفضيل بن عياض يقول من جاهد في طلب العلم، وسائر المسترشدين يقول من جاهد في اتباع السنة، فمن جاهد نفسه لله عز وجل أنار الله عز وجل له السبل، أنار الله عز وجل له السبل وأوصله إليه.
قال وإنما يواصل بذلك من جاهد لله نفسه واستقامت طاعته، وفي بعض النسخ واستقامت لطاعته، واستقامت لطاعته أي استقامت نفسه لطاعة الله سبحانه وتعالى، حسنت نيته، وخشي الله في سره وعلانيته، وقصر الأمل. هي الآن صفات أخرى هو يذكر الآن صفات جديدة ولكن بقالب آخر وبأسلوب آخر، وقد وقصر الأمل وشمر مئزر الحذر، يعني هو في حذر مستمر من الله سبحانه وتعالى.
قال وأقلع بريح اللجأ في بحر، ما معنى وأقلع بريح اللجأ؟ اللجأ أيها الأحبة هو اللجوء إلى الشيء، والاعتياد إليه. اللجأ يقصد به الالتجاء إلى الشيء والاعتياد به، فأن تجعله معقلاً لك ملجأ لك، هذا يسمى اللجأ. فهو يقول هذا.
استرشد أبحر برياح اللجأ. يعني أبحر في الفرار إلى الله عز وجل واللجوء إليه في خضم بحر من الابتهال؛ أي الخضوع والخشوع والتضرع لله سبحانه وتعالى. إذاً فهو مبحر ملتجئ يلتاد بربه سبحانه وتعالى في خضم بحار وفي خضم أنفاس من الابتهال والخشوع والتضرع.
وكذلك قال: أوقاته غنيمة وأحواله سليمة. انظروا هذه العبارات اللطيفة، فقال: أوقاته غنيمة وأحواله سليمة. يغتنم الأوقات، لا يوجد عنده هكذا أوقات في الهامش. من أعجب ما يروى من استغلال العلماء لأوقاتهم، المجد ابن تيمية جد شيخ الإسلام يقولون كان يطلب العلم حتى في دورة المياه؛ يأتي لابنه فيقول له: امسك يا بني هذا الكتاب، وعندما أدخل إلى دورة المياه ابدأ بالقراءة. يدرس الابن على باب دورة المياه ويبدأ يقرأ، يريد أن يستغل الأوقات التي يقضيها في الخلاء رحمه الله تعالى. هكذا كان السلف أوقاتهم غنيمة، لا يوجد هناك ساعات طويلة أمام التلفاز وساعات أخرى أمام وسائل التواصل، وساعات أخرى في الفرجة، ثم بعد ذلك يعني من الأوقات نصلي بها لله سبحانه وتعالى وانتهى الأمر. إذاً هذا ليس، أو هذا لم يعرف ابتداء طريق المسترشدين.
قال: فأوقاته غنيمة وأحواله سليمة. أحواله سليمة هذه ثمرة المعلومة السابقة، لما انشغل وقته بالطاعات لم يجد مجالاً للخصومات مع الناس. لم يجد مجالاً لخصوماتي مع الناس، وأحواله سليمة؛ أي هو مسالم للناس، الناس منهم في خير وهو منهم في خير، لا يؤذي أحداً ولا هم يؤذونه. لماذا؟ لأن وقته انشغل، عنده علم وعنده عبادة وعنده ذكر وعنده ارتباطات حوائج الحياة وعنده صلة أرحام وعنده معاونة لفلان وتحقيق؛ إذاً أوقاته مشغولة تماماً، لا يجد أوقاتاً للخصومات ولا للتفكير: لماذا قال فلان؟ ولماذا فعل فلان؟ وهذا أراد الإساءة وهذا لم يرد الإساءة، وسلم قلبه من هذه الأمور.
ثم قال: لم يغتر بزخرف دار الغرور، ولم يلهه بريق سراب نسيمها. شف ولم يلهه بريق سراب نسيمها، وعندما تقرأ هذه الرسالة يعني فضلاً عن المعاني الإيمانية العميقة كذلك تجد اللغة الرفيعة التي يتكلم بها الحارث المحاسبي. هذا الإنسان إذاً لم تغره هذه الدنيا بزخرفها، وكذلك لم يخدعه ذاك السراب. السراب ما هو السراب أيها الأحبة؟ تنتظر هناك ماء تذهب إليه لا تجده ماء، هذا سراب، هذه الدنيا كلها سراب. عند متى نستيقظ؟ على عتبات الدار الآخرة؟ سنكتشف أن كلنا في سراب، كنا نعيش في حلم سريع ثم استيقظنا منه، ولكن هناك من يستيقظ بانتظار الجائزة، وهناك من يستيقظ وينتظر الخسران نسأل الله السلامة والعافية. قال: ففاز بمقام اليقظة بعد نوم الغفلة. كان غافلاً فاستيقظ، أيقظه الله عز وجل بالتعرف عليه.
ثم يكمل بعد ذلك بذكر، قال: واعلم أن العاقل لما صح علمه وثبت يقينه. ولاحظ أنت دائماً الأمور التي يكثر من تكرارها، هذه الرسالة ربما الطالب يضيع فيها قليلاً بسبب كثرة تكرار الأفكار، يكررها بصيغ مختلفة ولكن كلها تدور حول شيء واحد. يعني لاحظوا فكرة العقل والعلم واليقين؛ هي طلب الله يقين وطلب العلم وطلب العقل، لكن أحياناً يكررها هكذا وأحياناً يأتي بها بصيغة أخرى، فالتكرار هو الذي قد يضيع الإنسان قليلاً في هذه الرسالة. يقول: إن العاقل -انظروا للعاقل- لما صح علمه -إشارة إلى العلم- وثبت يقينه -إشارة إلى اليقين-، علم أنه لا ينجيه من ربه إلا الصدق؛ يعني النجاة في الدار الآخرة هي بصدق العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. قال: فسعى في طلبه؛ أي في طلب الصدق، الضمير في طلبه يعود على الصدق، وبحث عن أخلاق أهله رغبة في أن يحيا قبل مماته.
ما معنى أيها الأحبة رغبة في أن يحيا قبل مماته؟ ما رأيكم؟ الحياة مفيدة يعني، طيب يعني ما الذي أراده بالتعبير أن يحيا قبل مماته؟ كيف يحيى؟ أليس حياً قبل مماته؟ بحياة الصالحين. يعني بعد ما ماتوا؟ لا قبل مماته، هو يقول لك أن يحيى قبل مماته وليس بعد مماته، حياة القلب. نعم، يعني هي حياة القلب. أن لماذا طرحت هذا الاستشكال؟ انظروا إلى تفسير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في الحاشية، الشيخ عبد الفتاح أبو غدة ماذا قال في تفسير قول المصنف رغبة في أن يحيى قبل مماته؟ ماذا قال؟ من يقرأ؟ أيوه. الذي ذكر في حياته بالخير في عداد أهله الصالحين. قال بأن يذكر في حياته بالخير؛ يعني أن يذكره الناس بالخير، ولكن في الحقيقة هذا الفهم لا يظهر. لماذا؟ لأن المسترشد هل ابتداء همه في طريقه أن يذكره الناس بالخير؟ نعم يعني الإنسان لا يحب أن يذكر بالشر، جميل هذا شيء فطري في الإنسان، لكن نحن نتكلم الآن عن إنسان يريد السلوك إلى الله، لا يجد أوقاتاً ينظر إلى مدح الناس أو أن يثنوا عليه خيراً أو شراً، هو يريد أن يسلك. فالحياة التي يريد وليست الحياة في ألسنة الناس، الحياة التي تطلبها هي حياة القلب مع الله سبحانه وتعالى، الإنسان قد يكون حياً بجسده بين الناس ولكنه ميت القلب، لا معنى لا قيمة لهذه الحياة. الإنسان الحي في هذه الحياة الدنيا هو الحي في قلبه: أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ، هذه هي الحياة الحقيقية.
لذلك فهم يعني أظن هناك ما هو أقرب منه، هو يقول الشيخ إنه يحيى على ألسنة الناس بالذكر وأن يعدوا من أهل الصالحين، ولكن المسترشد ليس هذا نظرته، هو نظرته لحياة قلبه وعلاقته مع الله، وما يأتي من ذكر الناس فهو تبع. في الحديث الذي يقول إنه مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل حي ميت. نعم، جزاك الله خيراً. ثم قال: فسعى في طلبه وبحث عن أخلاق أهله رغبة في أن يحيا قبل مماته ليستعد الخلود بعد وفاته. إذاً هو يريد أن يتعرف على أخلاق الصادقين، أخلاق أهل الرشاد. هو في النهاية هو يعدد فقط أيها الأحبة، لكن أحياناً يعدد بصيغة، أحياناً يأتي بصيغة أخرى في التعداد، هو الآن كله في مقام تعداد صفات الصادقين، صفات المسترشدين، صفات العارفين، وقد طلبنا من نهايتها. فيقول رحمه الله تعالى: قال لما أراد أن يلحق بأهل الصدق وأراد أن يتعرف على صفات الصادقين المسترشدين، قال: ليحيى قبل مماته ليستعد لدار الخلود بعد وفاته. قال: ماذا فعلت؟ قال: فباع نفسه وماله من ربه حيث سمعه.
باع نفسه، باع حياته، باع ماله، كل شيء في هذه الحياة الدنيا وهبه لله، لما سمع الشراء من الله عز وجل في: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ، هنا علماء التزكية يفهمون الشراء بالمعنى العام، ليس فقط الشراء في ميادين القتال -وهو من أعظم الشراء في الحقيقة-، ولكن الشراء كذلك في وهب الحياة لله سبحانه وتعالى علماً وتعلماً، دعوة وإصلاحاً وفكراً وإرشاداً للناس، هذا كذلك وهب حياته لله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا بد وأن يبتلى فيها. الآن ما ملامح الربح في هذه البيع؟ لا في صفقة بين هذا العبد الذي يريد السلوك إلى الله وبين ربه. هو باع نفسه لمولاه، جيد ما علامة صدق هذه الصفقة؟ كيف نعرف فعلاً هذا الإنسان باع نفسه لمولاه؟ الآن أراد أن يذكر ما هي مظاهر النجاح في هذه الصفقة؟
قال: ما بعد الجهل، بعد أن أنشأ هذه الصفقة باع نفسه لمولاه واشترى الله عز وجل منه، معالم هذا النجاح أن يعلم بعد الجهل. قال: فعلم بعد الجهل؛ إذاً وقبل هذا البيع كان جاهلاً، كان ميتاً ميتاً بجهله بالله سبحانه وتعالى فعلم، علم الله عز وجل وعلم كيف يسلك إليه. قال: واستغنى بعد الفقر. إذاً العلامة الأولى لربح هذه الصفقة أنه علم بعد الجهل، العلامة الثانية أنه استغنى بعد الفقر. ما معنى استغنى بعد الفقر؟ أيوه، يعني هل الفقر يقصد به الفقر المادي؟ يعني كان فقيراً معدماً غصباً عنده مال؟ كان فقر النفس، ما هو فقر النفس؟ صار غنياً، هذا من معاني الفقر أيها الأحبة ما ذكرناه قبل قليل، كان فقيراً في معرفته لله، هذا معناه، وكان فقيراً عندما كان يلجأ إلى المخلوقين، كان فقيراً عندما كان يعلق قلبه بالمخلوق، هذا أبرز ملامح الفقر، فاستغنى متى؟ عندما علق قلبه بالله سبحانه وتعالى، عندما بربه عن المخلوقين ذهب عنه فقره. فالفقر قد تكون أيها الأحبة من أصحاب المليارات، ولكنك فقير عندما تعلق قلبك بهذه الدنيا وبأموالها، وتصبح غنياً ولو كنت معدماً في المادة عندما تعلق قلبك بالله سبحانه وتعالى. هكذا كانوا يفهمون الفقر والغنى بهذه المفاهيم الصحيحة الشرعية.
قال: واستغنى بعد الفقر، قال: وأنس بعد الوحشة. كان قلبه يشعر بالوحشة والضنك والبعد والضياع، وعندما باع نفسه لله وجد الأنس والراحة والطمأنينة في مناجاته لربه. وقرب بعد البعد، كان بعيداً عن ربه في متاهات هذه الحياة في معاصي والشهوات والملذات، فقربه ربه بعد هذا البيع. قال: واستراح بعد التعب. واستراح بعد التعب، ما هو التعب؟ ماذا كان يعاني هذا الإنسان؟ مظاهر التعب يعني ما هي الراحة؟ يعني وين معاني كثيرة في الحقيقة التي يمكن أن يعبر بها الإنسان أيها الأحبة عندما يكون قلبه متعلقاً في هذه الحياة الدنيا بمتعلقات شتى؛ يتعلق بفلان وبالمادة وبالشهوة وبفلانة وبفلانة وما شابه ذلك، القلب متعب لأن متعلقاته كثيرة، ولكن عندما أصبح متعلقه واحداً استراح. لذلك ذكرناه قبل أسابيع عن ابن القيم ماذا قال؟ قال لقد كان يسبي القلب في كل ليلة ثمانون بل تسعون نفساً، وأرجح في كل ليلة أفكر في وتسعين نفس يهيم بهذا ثم يألف غيره ويسلوهم من فورهم حين يصبحوا، يفكر في هذا ثم ينساه وينتقل في التجارة الفلانية والاستثمار فلان وعلاقته مع فلان وعلاقته مع فلان يهيم بهذا ثم يألف غيره ويسلوهم من فورهم حين يصبح.
لقد كان قلبي ضائعاً قبل حبكم، فكان بحب الخلق يلهو ويمرح، فلما أتى قلبي هواك أجابه، فلست أراه عن خبائك يبرح، حرمت الأماني منك إن كنت كاذباً، وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح. إذاً هذه هي الحقيقة، هذه هي الراحة، القلب الذي يتشتت في دروب هذه الحياة ومتعلقاتها يشعر أنه هو الذي يجب أن يدبر هذا وهذا، عندما يسند الأمر ويفوضه إلى الله سبحانه وتعالى ويجعل متعلقه هو الإله الواحد هذه راحة، وما راحة. لذلك ماذا قال؟ قال: واستراح بعد التعب، انظروا ماذا قال؟ قال فائتلف أمره، عندما استراح اجتمع أمره وقلبه واجتمع همه وصارت التقوى شعاره والمراقبة حاله. ألا ترى لقوله صلى الله عليه وسلم، ألا هذا تدليل على المراقبة تكلمنا عنها كثيراً فيما سبق: اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك.
ثم قال: يحسبه الجاهل صميتاً عيياً وحكمته أصمطته، ويحسبه الأحمق مهذاراً والنصيحة لله أنطقته. هذا الإنسان من صفات المسترشدين أنه كثير الصمت، ومن ومن طول صمت يظنه الجاهل ماذا؟ عيياً؛ يعني لا يستطيع أن يعبر، جاهلاً لا يوجد عنده علم، ليس بفقيه ليس بحكيم. ولكن الحكمة هي التي أصمطته، ليس الذكاء وليس التميز أيها الأحبة في ميدان الدعوة أن تكثر الكلام، ليس هذا، ليس المتميز الذي دائماً تجدونه يعلق في وسائل التواصل ويتكلم ويظهر، ليس الذي يستعجل في إبداء وجهات النظر هو المتميز، بل المتميز هو الذي يكثر الصمت، المتميز هو الذي يكثر وصمته فإذا نطق نطق بالحكمة. لذلك كان يقولون عن عطاء بن أبي رباح قال كان يطيل الصمت -أحد التابعين الكبار- كان يطيل الصمت، فإذا تكلم إنه يؤيد يعني كأن هناك وحي ينزل عليه، من شدة نطقه بالحكمة، لأن النطق بالحكمة لا يأتي إلا بعد طول صمت. الإنسان الذي يتكلم كثيراً كلامه في أغلبه قد لا تستفيد منه إلا بعض الأمور، الأمور السريعة، لكن الإنسان الذي يكثر صمته إذا تكلم فإن الكلمة تقع في موقعها، الكلمة تقع في موقعها فتجد فيها الحكمة مباشرة، لذلك قال هذا المسترشد الجاهل يحسبه صميت العي لا يحسن الكلام، ولكن حكمته أصمطته.
ينقل ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى عن لقمان الحكيم ما الذي جعله حكيماً؟ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ، ما الذي جعل لقمان الحكيم حكيماً؟ يقول عمرو بن قيس: كان لقمان عبداً أسود غليظ الشفتين مصفح القدمين، إذاً كان عبداً أسود يعني ليس إنساناً صاحب أبهة وصاحب جمال وما شابه ذلك، عبد أسود الشفتين. قال فأتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم أي يعلمهم ويرشدهم، الآن أصبح يسود الناس يعلم الناس، فجاءه رجل في هذا المجلس فقال له: ألست الذي كنت ترعى معي الغنم في مكان كذا وكذا؟ يعني جاء هو ويدرس الناس شيخ يدرس الناس لقمان الحكيم فجاءه هذا، قال له يا فلان الذي تدرس ألست كنا نرعى أنا وإياك الغنم في تلك الترعة وفي ذاك المكان قبل سنوات؟ فماذا قال له؟ قال نعم، قال: فما بلغ بك ما؟ قال كيف وصلت إلى هذه المرتبة؟ فقال: صدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. صدق الحديث كان صادقاً إذا تكلم، وكان فيما يعني صامتاً لا يحتاج إلى كثرة الكلام، فصمته أورثه علماً وحكمة، لذلك قال إذاً المسترشد يكثر الصمت، فإذا يحسبه الجاهل عياً. جيد، إذا تكلم، إذا تكلم وأبان للناس الخير وأكد وشدد عليه من كثرة تشديده على خير وتبيينه وتأكيده له، يظنه الجاهل والأحمق ماذا؟ مهذاراً. أصبح النقيض الآن، الإنسان صاحب الهم وصاحب الفكرة وصاحب المبدأ يكثر التكرار والتأكيد على المبادئ العالية، ويكثر الكلام عنها ويدندن حولها، فالجاهل بمقام هذه الأمور التي يتكلم عنها يقول: لماذا أكثر فلان الحديث حول هذه الأمور؟ أتعبنا، يعني هذا هدر كلام وإطالة في الكلام، فهو لا يعرف أن ماذا؟ أن النصيحة لله هي التي أنطقته.
وهي التي جعلته يكثر ويؤكد ويعيد. فالمسترشد إذا بين حالين: بين كثرة في الصمت وكثرة في النطق، كثرة الصمت فيما لا يعنيه، وكثرة النطق فيما فيه نصيحة لخلق الله سبحانه. قال: ويحسبه غنيا والتعفف أغناه، يعني المسترشد لا يظهر فاقته وحاجته حتى وإن كان فقيرا، لا يظهر للناس الفقر؛ لذلك الجاهل عندما ينظر في حاله يقول هذا ما شاء الله غني، عنده أموال كثيرة، ألم نره يسأل الناس ولا يلتفت إلى ما عند الناس! ولكن الذي أغناه ما هو؟ تعففه وأنه لا يسأل الناس أبدا.
ثم قال: ويحسبه فقيرا والتواضع أدناه. وقد يكون المسترشد أيها الأحبة عنده مال، ولكنه يكثر الجلوس مع الفقراء والمساكين ويجلس الدندنة معهم والذهاب إليهم، فيظنه الجاهل من الفقراء؛ لذلك يجلس معهم، ولكنه ليس فقيرا وإنما هو متواضع لله سبحانه وتعالى، فلا يحشر نفسه في الجلوس مع الأكابر وأصحاب الثروات، بل يجلس مع الفقراء كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ابغوني في ضعفائكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم. ثم أخذ بذكر الصفات هذه تباعا: لا يتعرض لما لا يعنيه، وهذا هو الصمت عما لا يعنيه، وتكلمنا كثيرا عن صمت المسترشد وعن عدم خوضه في فضول الكلام.
قال: ولا يتكلف فوق ما يكفيه، يعني إذا شيء كفاه من هذه الحياة الدنيا اقتصر عليه، لا يوجد عنده هم ووقت لكثرة تجميع الأموال وبناء وتشييد البيوت، خلص ما كفاه في هذه الدنيا مضى به ولا يتكلف ما يزيد عنه. قال: ولا يأخذ ما ليس محتاجا له، ما احتاج إليه أخذه وما زاد عن حاجته بذله. قال: ولا يدع ما وكل بحفظه؛ نعم هو يترك ما لا يحتاج إليه، ولكن إذا حفظ شيئا وكل إليه حفظه فإنه يحافظ عليه ولا يتركه كذلك، فدائما الصفات المتقابلة هي التي يحاول الحارث المحاسبي أن يأتي بها.
قال: الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب، انظر لهذه العبارة الجميلة؛ الناس منه في راحة وهو من نفسه في تعب. ما معنى هذا الكلام؟ يعني هو تعب بالعبادة؛ طيب كيف الناس منه في راحة؟ لأن الآخرين الذين حوله يستريحون من أذاه، وهو متعب نفسه ومشغلها بالطاعات وبالمجاهدة وبالعمل، فنفسه أتعبها ولكنه أراح الناس منها وأراحهم من مشاغبته ومن أذاه ومن التعرض لهم، وأشغل نفسه وأتعبها فيما يعود عليه بالنفع والصلاح. قال: أمات بالورع حرصه، بورعه أمات الحرص على هذه الحياة الدنيا، مباشرة إذا وجد شيئا لا يعنيه أو وجد شيئا فيه شبهة عود نفسه على الورع عنه. الإنسان الذي يفقد الورع أيها الأحبة تجدونه حريصا على الأموال، حريصا على المتاع، حريصا على أخذ كل شيء فيه أو لم يكن فيه شبهة، هذا هو الحرص على الدنيا؛ متى يخلص العبد من هذا الأمر أو من هذه المذمة وهي الحرص على الحياة الدنيا؟ إذا علم نفسه الورع.
ثم قال: وحسم بالتقى طمعه، كذلك طمعه في هذه الحياة الدنيا وأهوائها وشهواتها حسمه بأن جعل بينه وبين سخط الله عز وجل وعذابه وقاية وهي التقوى. قال: وأطفأ بنور العلم شهواته؛ فالإنسان بعلمه أيها الأحبة يستطيع أن يوجه نفسه ويقودها دائما إلى الخير، وبجهله يوقع نفسه في الشهوات وفي الموبقات وهو لا يعلم. قال: فهكذا فكن، انظر إلى ختام الكلام، قال: فهكذا فكن ولمثل هؤلاء فاصحب. هؤلاء بكل الصفات التي ذكرناها من بداية قولنا إذا اعتبر ونظر إلى هذا المقام يقول لك المحاسب: هكذا كن بكل هذه الصفات. طبعا أنت تقول هؤلاء في عالم الدنيا وفي عالم الآخرة! هؤلاء تكلموا عنهم، هل يوجد إنسان في هذه الأمور وهذه الخصال العظيمة؟ لو كان الناس فيهم هذه الأمور لكان الناس في خير، ولكن لا يخلو عصر من أبدال يجدد الله عز وجل بهم دينه.
قال: فهكذا فكن ولمثل هؤلاء فاصحب، الغزالي كما يذكر الشيخ عبد الفتاح يسمي هؤلاء الذين فيهم صفات علماء الآخرة؛ عندنا الآن علماء الدنيا من يفتون ويتكلمون لكن ليس كل عالم أفتى وبرز من علماء الآخرة، علماء الآخرة لهم صفات مميزة هي التي ذكرها الحارث المحاسبي رحمه الله. قال: فهكذا فكن ولمثل هؤلاء فاصحب، ولآثارهم فاتبع، وبأخلاقهم فتأدب، فهؤلاء الكنز المأمون. وكذلك هنا فائدة سريعة يشير إليها الشيخ عبد الفتاح، قال: فهؤلاء الكنز المأمون، أن هناك كنزا غير مأمون؛ ما هو الكنز غير المأمون؟ يقول هو الكنز المدفون في الأرض، هناك كنز مدفون وهناك كنز مأمون، الكنز الذي في الأرض هذا كنز ليس مأمونا؛ لماذا؟ لأن قلبك إذا تعلق بالكنز المدفون ستجد نفسك تخاصم الناس عليه وتؤذي الناس على إخراجه، وإذا أخرجته كل الناس ينظر إليك يريدون أن يأخذوا منه، يشغلك عن الله عز وجل هذا الكنز.
أما الكنز المأمون الذي ينبغي عليك أن تصل إليه، كنز في الحقيقة هم هؤلاء الذين تحلوا بهذه الصفات أو تحلوا ببعضها، نحن لا نريد الكمال دائما، ولكن من سار على الدرب فلعله يصل. قال: بائع الدنيا مغبون، من يترك هؤلاء القوم ويصاحب أهل الدنيا وأصحاب الترف وأصحاب الأموال هذا إنسان مغبون، يعني خدع نفسه وأضاعها؛ نعم تنال بصحبتك لغيرهم شيئا من الدنيا ولكنك خسرت كثيرا كثيرا في ميدان الآخرة. هم العدة في البلاء، تبتلى أيها الحبيب فلن تجد أصحابك الذين يجلسون معك ويضيعون أوقاتك، لن تجد الأناس الذين كنت تستغيب معهم وتذكر الناس بالشر، ولن تجد كثيرا من الناس كنت تظن أنهم الأصدقاء، أنت لن تجد أيها الحبيب في البلاء إلا أصحاب السلوك إلى الله سبحانه وتعالى؛ أصحاب العرفان هؤلاء بالله ولسلوكهم على منهاج الله يقفون مع خلق الله سبحانه وتعالى، يخففون عنهم أحزانهم ويتقربون إلى الله عز وجل بهذه الخصال.
قال: هم العدة في البلاء، وهم التقاة من الأخلاء؛ إن افتقرت أغنوك، إن افتقرت في العلم، إن افتقرت في علاقتك مع الله أغنوك، كان عندهم رصيد كثير يعطونك منه علما وعلاقة وقربا من الله. وإن دعوا، انظروا هذا اليوم، وإن دعوا لم ينسوك من صالح دعائهم؛ هل أنت تدعو لإخوانك في الله عز وجل؟ كثير منا ينسى إخوانه، كثير منا نحن مقصرون، نعم قد نصاحب أناسا ونجلس معهم ونذهب ونعود ولكننا ننساهم لا ندعو لهم في ظهر الغيب، أما هؤلاء القوم قال: وإن دعوا لم ينسوك. أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون، نسأل الله أن يجعلنا منهم، وأن يلحقنا بركبهم، وأن نموت في طريقهم، على أقل الأحوال أن نموت في طريقهم، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل