تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 14

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، هم يسمعون كلاماً. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أذكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين وممهداً لقواعد الفقه في الدين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة إلى مجلس جديد في شرح رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى.

واليوم موعدنا مع درس جديد ومع مجلس جديد ومع منزلة جديدة من منازل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى، وننتقل أيها الأحبة إلى كلامه عن التوبة، كلامه الذي قفزنا عنه صفحة مئة وسبعين، قفزنا عن كلامه في الفضول لأننا قد تكلمنا عنه، وهذا قد أشرت إليه في الكتاب عندما تكلمنا عن الفضول سابقاً تكلمنا عن هذه الفقرات، فننتقل اليوم إلى كلامه عن التوبة.

فقال رحمه الله تعالى: واعلم أن حفظ الجوارح فريضة، وترك الفضول فضيلة، والتوبة قبل ذلك فريضة، وقد فرضها الله ورسوله، فقال جل ذكره: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. ومعنى نصوحاً ترك العود فيما تاب منه العبد إلى ربه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أيها الناس توبوا إلى ربكم قبل أن تموتوا، وتقربوا إلى الله بالعمل الصالح من قبل أن تشغلوا.

إذاً أيها الأحبة هذا منزل جديد من منازل السائرين السالكين إلى الله سبحانه وتعالى، وهي منزلة التوبة، والتوبة أيها الأحبة هي أول طريق السالكين، وكذلك في وسط السالكين، وهي في آخر طريق السالكين، فهي مع السالك إلى الله سبحانه وتعالى من بداية الطريق إلى آخره، لا يمكن للسالك أن يستغني عن التوبة في لحظة من لحظات مسيره إلى الله سبحانه وتعالى.

فكما أن التوبة مهمة في النهاية كذلك هي مهمة في البداية، والبداية هي التي يغفل عنها أكثر الناس، يظن الناس أن التوبة فقط في النهايات، الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى أعطاك فائدة ونبه عليها أن التوبة تكون في البدايات كذلك، لذلك قال رحمه الله تعالى: والتوبة قبل ذلك فريضة، يعني قبل حفظ وقبل ترك الفضول عليك أن تتوب، وكذلك بعد المسير إلى الله سبحانه وتعالى وفي أثناء المسير عليك أن تحافظ على التوبة.

لماذا أيها الأحبة؟ نقول لماذا التوبة ابتداءً؟ أريد أن أتكلم لماذا التوبة ينبغي أن تكون في بداية الطريق، عندما تضع أقدامك في بداية مسيرك إلى الله ينبغي عليك أن تبدأ بالتوبة، لماذا من هنا البداية؟ لأن التوبة ما معناها؟ الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى، التوبة أيها الأحبة هي تقوم بتخلية القلب من الأدران من القاذورات من المعاصي ومن الذنوب التي حلت فيه، هذا القلب قبل أن يسلك إلى الله سبحانه وتعالى ينبغي عليك أن تقوم بعملية تخلية له، عملية تنظيف إزالة لجميع الأوساخ، لأنك في طريقك ستحل المقامات الإيمانية وستحل معاني العبودية في قلبك، معاني المحبة، معاني الرجاء، معاني الإنابة، معاني التضرع، الخضوع، التذلل، مقامات العبودية، وهذه المعاني الإيمانية لا يمكن أن تحل في قلب فيه أوساخ من المعاصي ومن الذنوب.

فأنت بتوبتك تقوم بعملية التخلية لهذا القلب، ثم بعد ذلك تأتي عملية التحلية، ألا يقولون التخلية قبل التحلية؟ أنت تخلي أولاً القلب من الأدران من المعاصي ومن الذنوب، ثم عندما تخليه تنظفه أصبح مهيئاً منظفاً لأن تحل فيه مقامات العبودية وأعمال القلوب والمعاني الإيمانية السامية التي تطلبها في مراحل سيرك إلى الله سبحانه وتعالى، لذلك سيد المسترشدين سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وسلم كان يقول: والله إني لأتوب إلى الله في اليوم أكثر من سبعين مرة.

وكان أصحابه رضوان الله تعالى عليهم يعدون له في المجلس الواحد أكثر من مئة مرة يقول: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، أكثر من مئة مرة يقولها في المجلس الواحد: رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، وهذا من؟ هذا محمد صلى الله عليه وسلم الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فماذا نقول نحن الذين قصرنا وفرطنا في حق الله سبحانه وتعالى ولا تأتي التوبة على خاطرنا إلا في لحظات وفي نسمات إيمانية ثم بعد ذلك نغفل عنها.

إذاً هذا هو المقام الجديد، مقام التوبة لله سبحانه وتعالى، ما معنى التوبة أيها الأحبة؟ التوبة في اللغة هي الرجوع، تاب يتوب إذا رجع، والتوبة عند علماء التزكية وفي مفهوم الشريعة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه وتعالى معلناً تركه ومفارقته لطريق المعاصي، لطريق المغضوب عليهم والضالين، التوبة في الشريعة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه وتعالى وإعلانه ترك طريق المعاصي وهجرانه لطريق المغضوب عليهم والضالين، الذين أمرنا الله سبحانه وتعالى في كل صلاة أن نقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، وهم اليهود والنصارى ومن تحلى بأخلاقهم وامتثل على منهاجهم.

إذاً أيها الأحبة هذه هي التوبة، لكن ما هي أركانها؟ ما هي صفتها؟ التوبة كما قلنا عمل يومي، وظيفة يومية ينبغي علينا أن نقوم بها، فيقبح بالإنسان المسلم ألا يعرف كيف يؤدي هذه الوظيفة، يعني أنت لو عندك وظيفة عمل تذهب إلى رئيس العمل تسأله كيف أؤدي هذا العمل، التوبة وظيفة يومية يجب علينا أن نقوم بها يومياً لأننا يومياً نقع في المعاصي إلا أن يشاء الله، فإذاً هي وظيفة يومية لها أركان ولها شروط، فلا يصح للعبد أن يبدأ يومه إلا بتوبة ولا ينهي يومه إلا بتوبة، فعليك إذاً أن تعرف كيف تكون التوبة.

فكيف أؤدي هذه الوظيفة؟ وهذا هو الذي انتقل إليه المحاسبي رحمه الله تعالى فقال: ولا تصح التوبة إلا بأربعة أشياء، انظر الآن سيتكلم عن أركان التوبة، كيف أتوب إلى الله؟ أريد أن أتعلم أركان التوبة الصحيحة، أولاً قال: حل إصرار القلب عن المعاودة، حل إصرار القلب عن المعاودة، نسردها ثم نعود إليها، ثانياً قال: الاستغفار بالندم، الاستغفار بالندم، ثالثاً رد التبعات والمظالم، ثم بعد ذلك أضاف شيئاً رابعاً قال: وحفظ الجوارح من الحواس السبع السمع والبصر واللسان والشم والرجلين والقلب وهو أميرها وبه صلاح الجسد وفساده.

إذاً أيها الأحبة التوبة لها شروط ولها أركان ينبغي أن تقوم بها حتى نقول فلان تاب، ما هي هذه الأركان؟ علماء السلوك يقسمون المعاصي التي يقوم بها العبد إلى نوعين، المعاصي التي تصدر منا أيها الأحبة على نوعين، هناك معصية في حق الله سبحانه وتعالى ولا تتعلق بحقوق العباد، وهناك معصية تتعلق بحقوق العباد، الآن المعاصي التي تتعلق بحق الله سبحانه وتعالى مثل كل معصية أنت تفعلها من النظر الحرام، من السمع الحرام، مثلاً كلمة تغضب الله عز وجل ولا تتعلق بحق آدمي، شرب الخمر، غير ذلك، كل هذه المعاصي التي فقط تتعلق بحق الله سبحانه وتعالى وحرمها الله علينا، فنقول المعاصي التي تتعلق بحق الله عز وجل التوبة منها لها ثلاثة شروط.

الشرط الأول أن تقلع عن المعصية ابتداءً، أن تقلع عن المعصية، يعني كيف أنت تتوب من معصية وأنت ما زلت مستمراً فيها؟ إنسان أمواله ما زالت في الأرصدة البنكية الربوية، وهو في بيته يقول اللهم اغفر لي هذا الذنب ذنب الربا، هل هذه توبة مقبولة؟ هو ما زال أمواله في البنوك الربوية وفي الأوساط الربوية لم يرفعها، فكيف يدعو وكيف يتوب إلى الله تعالى من هذه المعصية وهو لم يقلع عنها بعد.

إنسان يتوب إلى الله من النظر الحرام من الأفعال المحرمة التي كان ينظر إليها وجواله وكل ما حوله ما زال محيطاً بهذه الأفلام وبهذه الصور وبهذه المناظر القبيحة، كيف تتوب إلى الله عز وجل من هذه المعاصي ومن هذا النظر المحرم والجوال والتلفاز دائماً مفتوح على المحرمات؟ إذاً أنت لم تقلع عن المعصية بعد، فأنت تتوب قبل الإقلاع فهذا لا يصح. إذاً لم يوجد الشرط الأول، الركن الأول من أركان التوبة أن تقلع ابتداءً عن المعصية، تتركها تماماً، الأرصدة البنكية الربوية تغلق، الجوالات ما فيها من الحرام ينظف، أي شيء عندك هو مصدر للحرام عليك أن تتركه، أن تهجره، أن تبتعد عنه، أن تقلص منه، فهذا هو الركن الأول.

إذا أقلعت عن المعصية عليك بعد ذلك أن تندم على فعلها، أن تندم على فعلها لا فقط الإقلاع حتى تصح التوبة، لأنك أيها الحبيب يمكن أن تقلع عن معصية لأن الأمور في الحياة أغلقت في وجهك، نقول وجدت أن الفوائد الربوية زادتك إرهاقاً فرفعت أموالك من البنوك الربوية، نعم أقلعت عن الربا، ولكن هل أقلعت نادماً على معصيتك لله أو لأن الفوائد الربوية أرهقتك؟ هذا أمر آخر، فإذاً لا بد ثانياً بعد الإقلاع من الندم، أن تشعر بندم القلب على معصيتك لله سبحانه وتعالى وأنك لم تراعي الله حق المراعاة.

ثم بعد ذلك الركن الثالث أن تعزم على عدم العودة إلى هذا الذنب، أن يعزم قلبك وأن تربط الجأش إني لا أريد أن أعود إلى هذا الذنب مرة أخرى، لا بد من هذا العزم لأن الإنسان أيها الأحبة يمكن أن يقول يا رب تب علي يا رب سامحني واغفر لي وهو ينتظر بعد ذلك فرصة أخرى ليفعل هذا الذنب وليعود إليه، لا يوجد عنده عزم قلبي صادق على هجران هذا الذنب وعلى قطعه، يعني إنسان أيها الأحبة يدخن الآن هو يقول يا رب تب علي واغفر لي أنا تركت هذا الدخان، لكن القلب لم يعزم على ترك التدخين تماماً، هو فقط في هذه اللحظة الآنية في قلبه أنه يا رب تب علي يا رب سامحني من هذا الدخان الذي أشربه اغفر لي، لكن في قلبه نية وعزيمة، يعني هو أصلاً لم يطرأ في خاطره أن يفكر هل فعلاً سأعود إليه في المستقبل أو لا، فهذه التوبة ليست كاملة، عليك أن تعزم في قلبك الإقلاع التام في المستقبل عن مقارفة هذا الذنب، هذه الأركان الثلاثة إذا اجتمعت نقول نعم هناك توبة لله سبحانه وتعالى.

إذاً هذا هو فيما يتعلق بالذنب في حقوق الله سبحانه وتعالى كما قلنا قروض ربوية، صور محرمة، أفعال محرمة تغضب الله سبحانه وتعالى وحرمها الله عليك وأنت تقترفها، فعليك أن تتوب منها بهذه الأركان.

الآن إذا كان الذنب يتعلق بحقوق الآدميين، سرقت مال شخص، آذيت شخصاً بلسانك، شتمت شخصاً، اغتبت شخصاً، قمت بنميمة بين أشخاص، أي شيء من هذه الأمور التي تتعلق بحقوق الآدميين، فكيف تكون التوبة منها؟ نقول ابتداءً لا بد من الشروط الثلاث، لا بد من الإقلاع ورفع هذا الذنب وأن تترك أذية الآخرين بالمال أو بالسب أو بالشتم أو بالغيبة أو بالنميمة، لا بد من الندم كذلك على المعصية، ولا بد من العزم على عدم العودة إليها، ولكن هناك ركن رابع ينبغي عليك أن تفعله حتى تتم هذه التوبة فيما يتعلق بهذا الذنب الذي هو في حق الآخرين، ما هو؟ رد المظالم إلى أصحابها، رد المظالم إلى أصحابها.

فأنت سرقت مالاً فأقلعت وندمت وعزمت على ألا تفعل ذلك ولكن لم ترد المال إلى صاحبه، تقول أنا أقلعت عن السرقة وندمت عليها وعازماً على ألا أفعلها مرة أخرى، طب المال الذي عندك؟ قال لا هذا قال خلاص انتهى الأمر، هل هذه توبة صادقة؟ لا بد أن يرد المال إلى صاحبه. إنسان أيها الأحبة آذى شخصاً في عرضه، قذف شخصاً في عرضه، ندم وأقلع وعزم ألا يفعل هذا مرة أخرى، لكن عليه أن يذهب إلى هذا الشخص الذي آذاه في عرضه، أن يستسمح منه، أن يطلب منه العفو والتجاوز، كذلك في الغيبة كما ذكر النووي رحمه الله تعالى أنه يذهب إلى صاحبها فيستسمح منه.

ولكن في الغيبة أيها الأحبة رأى بعض العلماء لا، إذا اغتبت شخصاً فاستغفر له في ظهر الغيب، هذا أفضل من أن تذهب إليه حتى لا توغر صدره عليك، هل أنت اغتبت شخصاً في مجلس؟ الآن العلماء اختلفوا في الغيبة كيف تردها، هل أذهب إلى الشخص أستسمح منه؟ أقول له فلان ترى أنا اغتبتك وسامحني بالله وتجاوز عني وأسأل الله أن لا نعود إلى هذا مرة أخرى، أم أكتم هذا الأمر وأستغفر لهذا الشخص الذي اغتبته في ظهر الغيب، أيهما أفضل؟ في الحقيقة لو أن الإنسان ذهب واعترف لذاك الشخص وطلب منه التجاوز والعفو هذا أمر جيد، وهذا مسلك كثير من العلماء أنه لا بد من الاستسماح، وذهبت طائفة من العلماء إلى أن طريقة الاستسماح في الغيبة تكون بماذا؟ بأن يستغفر له الإنسان في ظهر الغيب ولا يخبره خشية أن يمتلئ صدره عليه، يعني هو قد يكون أمامك سامحتك وتجاوزت عنك، لكن القلب ما زال في أحد يقول لك هذا فلان باقي في المجالس يتكلم عني وما شابه ذلك توغر الصدور، فنقول عليك أن تراعي المصلحة، فعلاً إذا رأيت هذا الشخص يعني لو سامحك سيسامحك لكن في القلب سيبقى شيء عليك، لا، استغفر له في ظهر الغيب، وهذا ورد فيه حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها كفارة من اغتبته أن تستغفر له، ولكن الحديث متكلم في صحته، إذاً أيها الأحبة عرفنا كيف نتوب، أو ما هي أركان التوبة إذا كان الذنب في حق الله.

لا بد من إقلاع ولا بد من ندم ولا بد من عزيمة على عدم العود. وإذا كان الذنب يتعلق بحقوق الآدميين فهناك أمر رابع زائد وهي رد المظالم إلى أصحابها، إذا كان مالاً ترده إلى صاحبه، وإذا كان قذفاً في عرض أو كان سباً أو شتماً فعليك أيها الحبيب أن تستسمح منه وأن تستغفر له في ظهر الغيب.

الآن أيها الأحبة ما هي علامات نجاح التوبة؟ الآن عرفنا هذه أركان التوبة، هناك يقولون أمارات وعلامات تدل على أن هذه التوبة التي قمت بها مستوفية للشروط. جميل، يسمى الآن علامات التوبة، نريد أن نفرق بين أركان التوبة هي التي تكلمنا عنها الآن، الآن نريد أن نتكلم ما هي علامات صحة هذه التوبة؟ علامات إذا رأيتها تعلم أن قد استوفيت فيها الشروط والأركان. يذكرون مجموعة من العلامات علماء السلوك لكن أهم هذه العلامات الحقيقة ثلاث.

علامات صدق التوبة وصحة التوبة، العلامة الأولى أيها الأحبة هو أن تعظم الجناية في قلبك. أن تعظم الجناية في لأن الإنسان إذا لم يعظم الجناية في قلبه لم يندم منها حق الندم. يعني أنت أيها الحبيب لو ضاع منك دينار، هل ستندم على أنك لم تحافظ عليه؟ وستبكي الليالي عليه؟ لماذا؟ لأن الدينار ضعيف في قلبك، دينار شيء من متاع الدنيا قليل. لو فقدت ألف دينار كيف سيكون ندمك؟ ستندم ندماً شديداً على أنك فرطت المحافظة على هذا المبلغ وستبكي عليه كثيراً. وكلما زاد المبلغ كلما زاد البكاء، ولا يا شيخ عدنان يزيد البكاء كلما زاد المبلغ، لماذا؟ لأنه أصبح له أثر في قلبك. فننظر الآن إلى المعصية، ما حجم المعصية في قلبك أيها العبد؟ إذا استصغرت المعصية ونظرت إليها أنها هينة كيف سيكون الندم؟ ندم ضعيف جداً، حتى لو ندمت حتى لو حققت الشروط لن يكون التحقيق مستوفياً، لكن لو عظمت هذه الجناية في قلبك وشعرت أنها عظيمة كبيرة، فكيف سيكون ندمك عليها؟

الآن أيها الأحبة قد تنظر أنت نظرة محرمة إلى فتى، فتستحي أن تقول هذا ذنب صغير. ولكن في الحقيقة السالك إلى الله عز وجل مستجد لا ينظر بهذه النظرة لأن الذنب عنده يعظم لماذا؟ لعظمة من عصى. لعظمة من عصى، لذلك يقولون ما هي الطريقة الصحيحة حتى يعظم الذنب في قلبك أن تنظر إلى عظمة من عصيت. كما قال العلماء لا تنظر إلى صفة للمعصية ولكن انظر إلى عظمة من عصيت، فإن المعصية عندما تكون في حق الجليل العظيم ولو كانت صغيرة في منظورنا لكنها كبيرة. أنت عصيت الله سبحانه وتعالى، فإذاً علامة صحة التوبة ابتداء أن تعظم الجناية في قلبك. والطريقة التي تعظم بها الجناية في القلب أن تنظر إلى عظمة من عصيت. إلى عظمة الله سبحانه وتعالى لا تقول هذه نظرة وهذه كلمة وهذا مبلغ وهذه شتمة، ثم بعد ذلك كما يقول الناظم: لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى، فتأتي يوم القيامة هذه المعاصي كجبال تهامة.

والطريقة الثانية كذلك أيها الأحبة حتى تعظم الذنب في قلبك أن تعظم اليوم الآخر. إذا أن تعظم الله أولاً هذه الطريقة الأولى. ثانياً التصديق بالوعد وباليوم الآخر هذا يعظم الجناية في قلبك لأنك إذا علمت أن هذا الذنب الذي فعلته أبعدني عن الجنة خطوة وقربني من النار خطوة، ستخشى، ستبدأ حسابات الآن إذا في ذنب أبعدك عن الجنة خطوة وقربك من النار خطوة، ذنب آخر تستهين به يبعدك خطوة أخرى عن الجنة ويقربك خطوة أخرى من النار، الذنب الثالث خطوة أخرى بعيدة عن الجنة وخطوة أقرب إلى النار. لا تشعر بالزمان وبهذا العمر ينفد في المعاصي وفي النظرات وفي الكسب الحرام وفي الغيبة وفي النميمة وفي المجالس التي تعصي بها الله سبحانه وتعالى، فإذا أنت أصبحت على حافة النار وابتعدت كثيراً عن جنة الرحمن. فالإنسان الذي كذلك يعظم اليوم الآخر ويصدق أن اليوم الآخر آتٍ لا محالة يستشعر أن الأمر خطير، المسألة ليست فقط معصية ومرت، المسألة أني الآن ابتعدت خطوة عن الجنة واقتربت خطوة من النار، فهذا يعظم الجناية كذلك في قلبك. إذاً هذه العلامة الأولى لصحة التوبة تعظيم الجناية في القلب.

العلامة الثانية أيها الأحبة من علامة صحة التوبة يقولون اتهام التوبة. اتهام التوبة يعني أن تتهم هذه التوبة أنها ليست كاملة. التوبة أيها الأحبة واجبة، ليس فعلاً ثانوياً أو فعلاً يعني جزاك الله خيراً عليه مستحباً، أو من فضول الأعمال، واجبة من كل ذنب. الآن إذا عرفت أن التوبة حق عليك أنت تخشى دائماً أنك لم تؤدِ هذا الحق بالطريقة التي ترضي الله سبحانه وتعالى وتخشى أن هذه التوبة لم تكتمل بالصورة التي ترضي الله عز وجل. فدائماً أنت في اتهام لتوبتك بأنها ليست كاملة، وتخشى أن الله سبحانه وتعالى لا يقبلها. اتهام التوبة هذا علامة صدق في القلب وعلامة على صحة التوبة. ومن أهم الأمور التي ينبغي عليك أن التوبة فيها ما يسميه علماء التزكية أن تكون التوبة معلولة. أن تكون التوبة معلولة. ما معنى أيها الأحبة التوبة المعلولة؟ التوبة المعلولة عند علماء التزكية هي التوبة التي لا تصدر من العبد خشية سقوط منزلته عند الله سبحانه وتعالى، ولا تصدر من العبد إجلالاً لربه عز وجل، وإنما تصدر من العبد خشية فوات حظ من الدنيا عليه، وهذا كثيراً ما نمر به أيها الأحبة.

يعني أنت قد تتوب إلى الله سبحانه وتعالى ولكنك لماذا تتوب؟ تخشى إذا لم تتب من المعصية أن الله يمنعك من هذا الحظ، تقول والله إذا ما تبت إلى الله أخشى أن راتبي في الوظيفة يتوقف، يعاقبنا الله عز وجل بتوقف الوظيفة، أو تخشى أن الله عز وجل يعاقبك في ذرية، أو تخشى أن الله عز وجل يفقدك شيئاً من حظوظ هذه الحياة الدنيا. أنت تتوب إلى الله ولكن ليس لإجلال الله سبحانه وتعالى، وليس لأن الله يستحق التوبة، وليس خشية من سقوط منزلتك عند الله، تتوب خشية فوات حظ من حظوظ الدنيا بعقاب الله لك. هذه توبة مشوبة. الله عز وجل كما ذكر الآية الشيخ المحاسبي: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. التوبة الخالصة هي التي تكون فقط لذات الله سبحانه وتعالى، ليس لحظ من حظوظ الدنيا. كثير من الناس يتوبون إلى الله عز وجل خشية من أن يعاقبهم الله فيفوت عليهم حظوظهم ترك الوظيفة أو تتعسر عليه الزواج أو ألا يتوفق في شراء من السلع، هكذا مفهومه للتوبة لهذا يريد أن يتوب وليس لجلال الله سبحانه وتعالى.

وكذلك يعني بعض الناس يتوب لأن هذه المعصية يقول لا تليق بمقامي وهذا يكثر في طلبة العلم وفي الدعاة وفي المصلحين وما شابه ذلك، يقول أنا أفعل معصية ولا يصح أن الناس تعرف عني أن أفعل هذه المعصية، خلاص أتوب منها. الآن جزاك الله خير تتوب، لكن هذه التوبة ليست كاملة لأنك عندما نظرت أو الباعث لك على التوبة ليس أنك تشعر أنك ستسقط من عين الله، أو أن الله عز وجل يستحق التوبة لذاته، لا، كان باعثك على التوبة أن في مقامك العلمي أو مكانك الاجتماعي أو مقامك بين الناس لا يصلح فيه أن تكون على هذه المعصية فتتوب إلى الله سبحانه وتعالى. فهذه تسمى عند علماء التزكية توبة معلولة، ليست توبة صافية صادقة. التوبة الصافية الصادقة الكاملة هي التي تكون فقط لجلال الله سبحانه وتعالى، استحياءً أن الله نظر إليك وأنت تعصيه، وأن الله عز وجل لذاته ولعظمه ولكرمه عليك يستحق التوبة، وأنك تخشى أن تسقط من عينه من دون النظر هل فاتك حظ من حظوظ الدنيا ولا نظر الناس، هذا لا يهم، المهم أين منزلتي عند الله سبحانه وتعالى؟

فأتوب حتى لا أنزل من عينيه ومن منزلته، فهذه هي التوبة الصادقة التي خلصت من العلل. إذاً أيها الأحبة هذه علامة كما قلنا اتهام التوبة دائماً أن يتهم الإنسان نفسه أن توبته معلولة وأن يستشعر هل أنا فعلاً تبت لله سبحانه وتعالى؟ هل توبتي صادقة هل أنا فعلاً عزمت عزماً صادقاً؟ يبقى الإنسان يتابع الأمر، لأنه أيها الأحبة كثيراً ما نقول يا رب تب علينا، الأمر باللسان هين، ولكن لا تظن أن التوبة تحتاج إلى مجاهدة قلب. التوبة ليست بالدعاوي ولا بالأماني، التوبة عمل قلبي يعبر عنه اللسان، ولكنها جهد قلبي شاق ينبغي عليك أن تواظب عليه.

الأمر الثالث أو العلامة الثالثة أيها الأحبة والأخيرة من علامات صدق التوبة هي ما يسمى عندهم انكسار القلب. التوبة الصادقة أيها الأحبة من علامتها انكسار قلب المذنب، وهذا الانكسار انكسار خاص، لا يكون إلا في المذنب، انكسار قلب المذنب هذا انكسار لا يستشعره إلا المذنب، أن ينكسر قلبه انكساراً تاماً لله سبحانه وتعالى من جميع جوانبه، هذا الانكسار يطرحه بين يدي مولاه سبحانه وتعالى كحال عبد له سيد، هذا العبد جنى في حق سيده وأخطأ في حق سيده ثم أخذ وطرح بين يدي سيده. لاحظوا هذا التشبيه، هذا عبد جنى في حق سيده وأخطأ في حقه ثم أخذ وطرح بين يدي سيده، وهذا العبد أيها الأحبة يعلم أنه لا منجاة ولا ملجأ له إلا برضى سيده عنه، ويعلم أن السعادة والفلاح والنجاح في هذه الدنيا وفي الآخرة إنما هو برضى مولاه كذلك عنه، ويعلم أن سيده قد أحاط بتفاصيل الجريمة التي فعلها، ويعلم كذلك أنه يحب سيده وأنه محتاج إلى سيده مفتقر إليه.

انظروا كيف يكون حال هذا العبد؟ عبد أذنب في حق مولاه وهو يعلم كما قلنا أن مولاه لا ملجأ ولا منجى إلا إليه، ويعلم أن سعادته برضى مولاه عنه، ويعلم أن مولاه قد علم بجريمته وبتفاصيلها، ويعلم كذلك أنه يحب مولاه وأنه محتاج إليه في لحظاته وأنفاسه. هذه المشاعر أيها الأحبة التي تمر بقلب المذنب مشاعر الذل والانكسار بين يدي الله سبحانه وتعالى، ليس هناك شيء أحب إلى الله سبحانه وتعالى منها. ليس هناك شيء أحب إلى الله سبحانه وتعالى منها، لذلك علماء التزكية عندما يعللون فكرة لماذا الله عز وجل يقدر المعصية على العبد؟ يعني هذا خاصة في علم العقائد، لماذا العبد يقع في المعصية؟ لأن الله سبحانه وتعالى يحب أن يرى هذه المظاهر، مظاهر الانكسار والذل والخضوع من العبد بين يدي مولاه، ويحب أن يرى وهو يتملق لسيده ولخالقه، يقول يا رب يا رب أسألك بعزتك وذلتي ألا رحمتني، يا ربي إني أسألك بقوتك وأسألك بغناك عني وحاجتي إليك، هذه ناصيتي الكاذبة الخاطئة جاءت إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، عبيدك سواي كثير ولا رب لي سواك، اللهم إني أسألك مسألة المسكين وأنطرح بين يديك انطراح الذليل، ويا ربي أدعوك دعاء خائف ضرير، أسألك اللهم يا رب يا من خضعت لك رقبتي وذل لك قلبي وفاضت لك عيناي، أسألك اللهم أن تغفر ذنبي.

انظروا هذه الكلمات من المناجاة بين العبد وبين ربه، عبد انطرح بين يدي سيده يبكي ويدعو وينكسر، القلب مكسور يعلم أنه في حق إله عظيم. هذه المشاعر أيها الأحبة من الصدق والذل والانكسار والانطراح بين يدي الله عز وجل، هذه من أجمل اللحظات التي يحبها الله سبحانه وتعالى، لذلك يقول السكندري رحمه الله تعالى: معصية أورثت ذلاً وانكساراً خير من طاعة أورثت عزاً واستكباراً.

وهذا نلاحظه أيها الأحبة، بعض الناس قد يتنزه عن الكبائر الحسية، يعني لا يشرب الخمر ولا يزني ويستعيذ بالله من هذه الأمور، ومواظب على الطاعات والعبادة وطلب العلم، ولكنه واقع في كبائر قلبية هي أعظم في الحقيقة عند الله عز وجل من الكبائر الحسية أو تساميها. إذا لم تكن أعظم فهي تساميها، ما هي هذه الكبائر القلبية التي يقع فيها؟ أن يستعظم طاعته، إن أحسنت العجب يعني أن يستعظم طاعته، وأن يمن على الخالق سبحانه بعد الخلق بالطاعة، وأن يستحقر أصحاب الذنوب والمعاصي وينظروا إليهم نظرة دونية، وكذلك أن يطلب من الناس تعظيمه، يقول أنا صاحب طاعة وأنا عابد وأنا طالب علم وأنا داعية، الناس لا بد أن تعظمني ولا بد أن تشير إلي بالخير والصلاح، هذه الكبائر القلبية من أشد الأمور التي يمقتها الله سبحانه وتعالى، من أشد الأمور التي يبغضها الله عز وجل وهي تسامي الكبائر الحسية.

فعلى الإنسان أن ينتبه ترى الموضوع ما هو موضوع فقط كبائر حسية من شرب خمر، لذات خاصة طلبة العلم الدعاة المصلح الذي يريد السلوك إلى الله عز وجل عليه أن يحذر من أن يستحقر أصحاب الذنوب، أو أن ينظر إليهم نظرة تدل على، العبد أيها الأحبة أن ينتبه على هذا الأمر وإلا ستكون به القارعة. لذلك الله عز وجل يمن على بعض أصحاب الطاعات وانظروا العبارة على بعض أصحاب الطاعات بأن يوقعهم في المعاصي، هذه منة لماذا؟ يمن على أصحاب الطاعات بأن توقعه في المعصية أحياناً، حتى يتذكر وينكسر قلبه ويعرف أن هذه الطاعة هي من توفيق الله، ليس بذكائك وليس بحرصك هي مجرد فضل الله سبحانه وتعالى على عبده. الآن هذه المرحلة الآن العبد كان مطيعاً ولكن كان عنده كبر، عندما وقع.

المعصية تذكر ربه فانكسر بين يديه وانطرح وقال: يا رب، نعم كل شيء لك وكل الفضل إليك. هذا الانكسار وهذا الانطراح أفضل للعبد من أن يستمر في الطاعة التي كانت تورثه عزا واستكبارا. أليس كذلك؟ إن تلك الطاعات ستؤديه إلى المهالك؛ هي طاعة في الظاهر ولكنها في القلب كبر.

أما هذه، نعم معصية وأخطأ، ولكن هذه المعصية أورثته من أعمال القلوب ومن الانكسار ومن الانطراح الشيء العظيم. لذلك صدق من السكندري رحمه الله تعالى: معصية أورثت ذلا وانكسارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا. إذا أيها الأحبة، هذه هي علامات التوبة الصادقة: عظم الذنب في القلب، واتهام التوبة المستمر، وانكسار القلب لله سبحانه وتعالى. إذا لم تجد هذه الآثار للتوبة الصادقة، فهذه التوبة تحتاج إلى توبة؛ لأنها ليست توبة صادقة.

تحتاج أن تتوب منها من هذه التوبة كما يقول العلماء. الآن المحاسبي رحمه الله سريعا قبل أن ننتقل للفقرة التي يليها، ذكر شروط التوبة شرطا رابعا ماذا قال؟ قال: وحفظ الجوارح من الحواس السبع. حفظ الجوارح في الحقيقة أيها الأحبة المحاسبي عده من أركان التوبة، لكن والذي يظهر والله أعلم أنه أثر للتوبة؛ يعني التوبة الصادقة في بداية الطريق إلى الله يتبعها حفظ للجوارح والمراقبة المستمرة لها فهي أثر ناتج عن التوبة وليست من أركان التوبة. فأركان التوبة كما نص عليها العلماء هي الإقلاع والندم والعزم، وحفظ الجوارح هي نتيجة التوبة الصادقة وثمرة من ثمارها أن يحافظ الإنسان على جوارحه بالصور التي سيذكرها.

الآن كل فقرات اليوم ستتكلم كيف نحفظ الجوارح، فننتقل مع المحاسبي رحمه الله تعالى في حفظ الجوارح. ماذا يقول؟ يقول المحاسبي بعد ذلك، الآن سيتكلم عن حفظ الجوارح لأنه ختم بها. فكيف يحفظ الإنسان جوارحه؟ وكيف يحفظ قلبه ولسانه ويده وعينه؟ سيتكلم عن ذلك بعبارات نقف معها سريعا ولا نطيل الكلام عندها، قال رحمه الله: وقد جعل الله على كل جارحة أمرا ونهيا. كل جارحة أيها الحبيب كل عضو، هناك أوامر تتوجه إليه وهناك نواه ينبغي عليه أن ينتهي عنها. وهذا الذي يميز الدين أيها الأحبة. يعني عندما تنظر إلى فكر الإلحاد، الإلحاد يتعامل مع بدن الإنسان على أنه مسائل فيزيائية كيميائية فقط؛ أنت فقط عبارة عن تطور عشوائي مع انتخاب طبيعي أنتج لك هذه الأعضاء، لا يوجد أوامر ونواه، هذا كون يسير فقط بقوانين طبيعية.

أما الإنسان المسلم الموحد لا ينظر على أن هذا البدن هو روح وجسد، وهذه الأعضاء ليست فقط هي أشياء كيميائية وخلايا وهذه الأمور، لا. هذه أعضاء نعم، هناك أشياء حسية وهناك طائف إلهية موجهة إليها. وهذا الذي يعطي قيمة الإنسان في حياته؛ ما قيمة إنسان يعيش مثل البهيمة؟ لا يشعر أن هذه الأعضاء لها وظائف ولها أوامر وعليها نواه يجب عليها أن تنتهي عنها. فيقول لك المحاسبي رحمه الله: وقد جعل الله على كل جارحة أمرا ونهيا. والامر أيها الأحبة قد يكون أمر إيجاب وقد يكون أمر استحباب، والنهي قد يكون نهي تحريم وقد يكون نهي على سبيل الكراهة، وجعل بينهما أي بين الأمر والنهي سعة وإباحة.

إذا هناك أمر وهناك نهي، وبين الأمر والنهي هناك ماذا؟ المباح. المباح هل نفعله أو نتركه؟ ما رأيكم؟ المباح أيها الأحبة من ناحية أصولية يقولون أنت مخير فيه، لكن عند علماء التزكية يقولون عليك أن تقلل من المباح. نعم، المباح لا تأثموا على فعله ولا تعاقب على تركه، لا أجر هنا ولا عقاب هنا، ولكن عند علماء التزكية يقولون: قلل من المباحات؛ لأن التوسع في المباحات سبيل للوقوع في المنهيات. التوسع في المباحات سبيل للوقوع في المنهيات. نعم، أنت ستفعل المباح ولكن لا تكثر منه ولا تتوسع فيه، كما جاء في وصية النبي صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير سرف ولا مخيلة. فالإنسان يأخذ من المباح قدر حاجته، أما التوسع في المباح فقد يوقعك في المعاصي من حيث لا تشعر بذلك. ماذا يقول المحاسبي؟ بينهما سعة وإباحة. ما الأفضل فيها عند علماء التزكية والسلوك؟ قال: تركها فضيلة للعبد.

هذه السعة والإباحة تركها ألا تفعل هذه فضيلة منقبة ولا يلزمك ولكن هي الأفضل؟ نعم هي الأفضل وعليك أن تكون دائما في جنب المأمورات من الواجبات والمستحبات. هذه العبارة وقد جعل الله على كل جارحة أمرا ونهيا فريضة منه وجعل بينهما سعة وإباحة تركها فضيلة للعبد، قريبة منها عبارة ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين. ابن القيم كأنه شرح عبارة المحاسبي رحمه الله تعالى. انظروا ماذا يقول ابن القيم، يقول رحمه الله تعالى: وروح العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة. العبودية في حياة العبد المسلم تدور على كم قاعدة؟ على خمس عشرة قاعدة، من أين أتى بهذه القواعد رحمه الله؟ قال: وبيانها أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح.

عبوديتك أيها الحبيب أنت تقوم بها إما بقلبك وإما بلسانك وإما بجوارحك. قال: وعلى كل منها عبودية تخصها؛ القلب له عبودية تخصه، اللسان له عبودية تخصه، والجوارح لها عبودية تخصها. طيب، أحكام العبودية كم حكم؟ خمسة، الأحكام التي نتعبد بها إلى الله، الأحكام التكليفية خمسة: إما واجب وإما مستحب وإما حرام وإما مكروه وإما مباح، صحيح؟ إذا هذه خمسة أحكام، وكل هذه الخمسة تتوجه إلى القلب وإلى اللسان وإلى الجوارح. خمسة في ثلاثة كم؟ خمسة عشر. هكذا توصل ابن القيم رحمه الله على أن عبودية العبد تقوم على خمسة عشر قاعدة؛ لأن هناك قلبا ولسانا وجوارح وكل منها يتوجه إليه خمسة أحكام تكليفية: إما الوجوب أو الاستحباب أو الإباحة أو الكراهة أو الحرمة، لا يوجد حكم سادس. إذا هناك خمسة عشر قاعدة في العبودية على حسب الجوارح.

طيب، الآن بدأ رحمه الله تعالى بذكر عبودية القلب. كيف يتعبد القلب؟ ما هو فرض القلب؟ ونحن سنذكر كلام المحاسبي ونقارن بكلام ابن القيم مقارنة سريعة. ابن القيم ذكر عبودية الجوارح واللسان والقلب، والمحاسبي ذكر عبودية الجوارح واللسان والقلب. نقارن مقارنة سريعة بينهما. بدأ رحمه الله بفرض القلب، قال: ففرض القلب أن أبدأ بالقلب نرى ما هي عبوديته، فرض القلب بعد الإيمان والتوبة ولاحظوا هذه العبارة بعد الإيمان والتوبة لينبهك أن القلب يبدأ عمله بعد التوبة. فالتوبة إذا في بداية الطريق كما قدمنا في أول الدرس، التوبة تكون في بداية الطريق ثم بعد ذلك يبدأ العمل تخلية ثم تحلية. قال: ففرض القلب بعد الإيمان بالله يعني والتوبة فماذا يكون؟ قال: إخلاص العمل لله أن تخلص لله سبحانه وتعالى، واعتقاد حسن الظن عند الشبهة واعتقاد حسن الظن عند الشبهة.

يعني إذا رأيت إنسانا في موطن شبهة فالأصل أنك تحسن الظن به، جميل. قال: والثقة بوعده أن تثق بوعد الله سبحانه وتعالى، والخوف من عذابه والرجاء لفضله، فهذه الفريضة والعبودية التي تتعلق بقلبك؛ عليه أن يخلص، عليه أن يحسن الظن بالناس، عليه أن يخشى، عليه أن يخاف، عليه أن يرجو. طبعا هذا ليس للحصر الذي ذكره هو نوع من أنواع العبوديات القلبية، وإلا فالعبودية للقلب كثيرة جدا. إذا انظروا ابن القيم يقول: واجب القلب مثل كلام المحاسبي، وفريضة القلب يقول ابن القيم: واجب القلب الإخلاص، التوكل، المحبة، الصبر، الإنابة، الخوف، الرجاء. إذا ذكر أشياء مشابهة لكلام المحاسبي وذكر أشياء زيادة. فالذي يذكره المحاسبي رحمه الله وما خطر في ذهنه عند الكتابة رؤوس أعمال القلوب، وإلا فعبودية القلب أوسع من الخوف والرجاء فقط والإخلاص لله سبحانه وتعالى، ولكن هذه العبودية هي أهم عبوديات القلب.

جميل، ثم قال: روى المحاسبي رحمه الله مجموعة من الآثار تتعلق بعبودية القلب، قال: وقد روي في معنى القلب أخبار كثيرة منها، وهذا يعني هذا دأبه الآن سيذكر كما قلنا القلب سيذكر عبوديته ثم يذكر الآثار العامة وردت فيه، ثم سيذكر اللسان ويذكر آثار عامة فيه، يذكر البصر ويذكر آثار عامة وردت فيه، السمع آثار عامة وردت فيه، وهكذا حتى ينتهي من ذكر الجوارح واللسان والقلب. فما هي الآثار التي ذكرها في القلب؟ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن من المؤمنين من يلين لي قلبي. هذا الحديث حسنه جماعة من أهل العلم ولكن وقع خلاف، هل اللفظة التي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن من المؤمنين من يلين له قلبي أو اللفظة كما ورد في بعض النسخ والكتب الأخرى إن من المؤمنين من يلين لي قلبه؟ فرق ولا لا؟

الحديث روي بهذه الصيغة إن من المؤمنين من يلين له قلبي، يعني قلبي النبي صلى الله عليه وسلم يلين له، وورد في كتب أخرى أن لفظ الحديث الصحيح ليس هكذا وإنما اللفظ الصحيح إن من المؤمنين من يلين قلبه لي، يعني من الذي يلين في هذه الحالة؟ قلب المؤمن يلين للنبي صلى الله عليه وسلم. جيد، الآن وقع اختلاف بين المرجح منهم من يرجح رواية من يلين له قلبي ومنهم من يرجح تلك الرواية، والأمر في ذلك يعود إلى علم الحديث. وقال صلى الله عليه وسلم: إن الحق يأتي وعليه نور، فعليكم بسرائر القلوب. قال صلى الله عليه وسلم: إن الحق يأتي وعليه نور فعليكم بسرائر القلوب، هذا حقيقة لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس حديثا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن معناه صحيح. أن الحق ما ذكرنا وهذا كثير ما ذكره المحاسبي وشرحناه أن الحق أيها الأحبة عليه نور، فكيف يهتدي الإنسان إلى الحق من خلال نوره؟ الآن القلب إذا كان مغمى بالمعاصي والذنوب لا يمكن لم يرى هذا النور، فعليك إذا كما جاء في هذا الأثر أن تحافظ على سريرة القلب على تنقية القلب حتى ترى نور الحق. هذا كذلك أثر من الآثار التي تتعلق بالقلب.

أثر ثالث ذكره المحاسبي، قال ابن مسعود رضي الله عنه انظروا هذا الأثر الجميل، يقول ابن مسعود: للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها وذروها عند فترتها وإدبارها. نعيد، قال ابن مسعود رضي الله عنه: للقلوب شهوة وإقبال وفترة وإدبار، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها وذروها عند فترتها وإدبارها. ما معنى هذا الكلام أيها الأحبة؟

حد يريد أن يشرحه الآن من باب المشاركة؟ سمعتم الأثر ها؟ نشعر بالسهل أنه في عنده محبة أنه يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة فجوة نداء يغتنم هاي الفرصة ويتقرب. نعم، لما يحس حاله أنه في بضاعة، يستنى بعد ما هو نعم أيوه. إذا هبت الرياح فاغتنم جميل، نعم. كمان، القلب يعني يكون قويا ثم يفتر، يعني هذا هو، هو يريد أن يقول أيها الأحبة يعني كما كلامكم يدور عليه، أن هذه القلوب أحيانا تشعر بالراحة والخفة والنشاط وأحيانا تشعر بالكسل والملل، صحيح؟ الآن إذا شعرت بالراحة والنشاط وشعرت هناك خفة عليه أن تغتنم هذه اللحظة، أن يغتنمها الإنسان من نفسه، والداعي والواعظ يغتنمها من الناس إذا وجد إقبال الناس عليه يغتنم هذه الخفة والنشاط ويعطي. وإذا شعر القلب بالكسل بالملل بالضعف، الإنسان هنا ألا يحمل نفسه فوق طاقتها، لأن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، فالإنسان لا يكلف نفسه فوق طاقتها.

إذا شعر القلب مل فعليه أن يروح عن هذا القلب كما قال النبي ساعة وساعة، لذلك كلام ابن مسعود كلام دقيق لأن كثير من الناس في الحقيقة سبب عندهم أنه دخل بقوة تفوق طاقتهم في الالتزام، عندما دخل بما يفوق الطاقة وحمل نفسه فوق طاقتها انكسر، فعاد وهبط مرة أخرى إلى الخلف، لا الإنسان أيها الأحبة يمشي مشي القصد باعتدال، فإذا شعر أن القلب فيه خفة انتشطها حافظ وتعلم درس سمع المواعظ، وإذا شعر أن القلب فيه فتور عليه أن يريح هذا القلب قليلا. لذلك ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كما جاء في الصحيحين كان يعظ أصحابه في يوم من واحد في الأسبوع، يوم الخميس، الموعظة كانت كم يوم يا شيخ عدنان؟ يوم واحد، يوم الخميس. فجيء إليه، جاءوا إليه قالوا يا ابن مسعود والله إنا لنحب كلامك ونشتاق إليه لماذا لا تعظنا في كل يوم؟ فقال والله ما يمنعني أن أعظكم في كل يوم إلا أني أخشى عليكم السآمة، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يتخولنا بالموعظة.

لذلك أيها الأحبة في الحقيقة على الإنسان ألا يكثر من الدروس والمواعظ في كل يوم، ليس هذا دأب محمد صلى الله عليه وسلم، ليست هذه السنة المتبعة عن الصحابة، بل كانوا يتخولون الناس بالموعظة. لذلك ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كذلك كما ذكر البيهقي يقول، إني نقلت هذا الأثر يقول ابن مسعود كما ذكر البيهقي: حدث الناس ما أقبلت عليك قلوبهم. هذا الكلام الذي، حدث الناس ما أقبلت عليك قلوبهم كيف كيف تعرف أن القلوب الآن مقبلة عليك؟ قال إذا حدقوا بأبصارهم، إذا رأيت الأبصار تتجه إليه اعرف أن الناس ما زالت قلوبهم معك. قال وإذا انصرفت عنك قلوبهم فلا تحدثهم. قال كيف ذلك؟ قال إذا اتكأ بعضهم على بعض. يعني إذا رأيت عاد الناس بدك تتكئ اعرف أن الناس خرجت من الدرس، وعاد أنتم خبروني بس ببلش الاتكاء يا شيخ عمر، قولوا لي أن الأمور هكذا، يقول ابن مسعود إذا رأيت الناس أبصارهم تتوجه إليك لاحظ الناس، إذا رأيت القلوب بدأت تتكئ على بعضها والناس تتكأ على بعضها اعرف أن هنا البعض انتهى.

دوره عليك بشيء آخر. كذلك عمر رضي الله تعالى عنه له أثر جميل؛ يقول عمر: أيها الناس لا تبغضوا الله إلى عباده. فقالوا: كيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: يجلس أحدكم قاصا فيطيل على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه.

يعني يجلس الشيخ وقاعد يقص على الناس حتى يبغض إليهم ما هم فيه من ماذا؟ من العلاقة بالله؛ هو يحببهم في الله سبحانه وتعالى وقصده نبيل، ولكن الإطالة طويلة يمل الناس، فحتى يبغض الناس ذكر الله سبحانه وتعالى والموعظة والتزكية؛ فهذا كان فقههم. فالإنسان أيها الأحبة لا يكثر الموعظة للناس في مجالسهم؛ كل يوم هناك موعظة بعد الفجر، موعظة بعد العصر، موعظة بعد المغرب وبعد العشاء، هذا لا يصح، الناس تمل منك. لذلك فيما يظهر من دأب الصحابة أنهم كانوا لا يزيدون على موعظة في الأسبوع إلى موعظتين، وأما أكثر من ذلك فالقلوب تمل ولن تأتي. ولذلك ترى الناس تعزف في العادة عن دروس الموعظة والتزكية لأنها تشعر بالملل، لأنها تشعر بالملل. لكن الإشكال أن الناس دائما تشعر بالملل؛ صحيح؟ الناس دائما تشعر بالملل، عادي، بعثنا ولم تعظ، الملل موجود، وأسأل الله الإعانة.

جيد، بعد أن ذكر المحاسبي الآن ختم المحاسبي بالأثر الأخير فيما يتعلق بالقلب، قال ابن المبارك رحمه الله: القلب مثل المرآة إذا طال مكثها في اليد صدأت، وكالدابة إذا غفل عنها صاحبها هزلت. أيوه يا شيخ جهاد، ما رأيك؟ إيش معنى هذا الكلام؟ يقول القلب المرآة إذا طال مكثها في اليد صدأت، كيف هذا؟ يعني إيش المراد بهذا المثل؟ لماذا القلب الآن شبهه ابن المبارك بالمرآة؟ المرآة إذا بقيت في اليد ماذا يحدث؟ قد تصدأ.

ما وجه الشبه بين القلب وبين المرآة؟ ما الذي يريد أن يوصله ابن المبارك؟ نعم، هو يريد يقول: المرآة أيها الأحبة إذا بقيت في اليد ولم يتعاهدها الإنسان فهي معرضة للهوى ولكل العوارض الجوية، تمر عليها كل العوارض والإنسان لا يحافظ عليها؛ لذلك القلب إذا لم تتفقده فكأنه مثل مرآة في يد الإنسان فإن هذا القلب يصدأ. فعليك أن تتعاهد قلبك بالتوبة والإنابة والاستغفار والتنظيف المستمر من المعاصي والذنوب حتى لا يصدأ مثل هذه المرآة. وكذلك الدابة؛ الدابة إذا لم تتعاهدها تركتها مهملة تتعب، تهزل، تضعف؛ كذلك هذا القلب إذا لم تغذه بالتذكرة والموعظة والإنابة والرجوع إلى الله فإنه مثل الدابة سيضعف معك.

الآن انتهى من الكلام عن القلب، ثم الآن سينتقل للكلام عن الجوارح، ومهد رحمه الله بذكر حكمة تتعلق بالقلب والجوارح والعلاقة بينهما؛ يقول: قال بعض الحكماء -مفهوم هذه الحكمة قبل أن نقرأها- أن القلب أيها الأحبة مثل البيت، وهذا البيت له ستة أبواب. القلب مثل البيت وهذا البيت له ستة أبواب؛ كما أنه يجب عليك أن تحفظ البيت من الداخل وأن تنظفه من الداخل، عليك أن تحرسه من الخارج حتى لا يدخل داخل من أحد هذه الأبواب، أنت تنظف البيت وتهيئه من الداخل، ومن حيث لا تشعر دخل رجل من الباب فأفسد عليك بيتك.

ما هي هذه الأبواب الست؟ يقول نعم انظروا إلى كلام المحاسبي، قال بعض الحكماء -ولم يبين من هو-: مثل القلب مثل بيت له ستة أبواب، ثم قيل لك احذر ألا يدخل عليك من أحد الأبواب شيء فيفسد عليك البيت. فالقلب هو البيت، والأبواب هي اللسان والبصر والسمع والشم واليدان والرجلان؛ هذه الحواس هذه أبواب. إذا فتحت العين إلى محرمات، إذا فتحت السمع إلى المحرمات، إذا مشيت بيدك ورجلك إلى الحرام وفعلت بيدك الحرام، فهنا أنت تفتح الأبواب على القلب حتى يفسد هذا القلب. فإذاً أيها الأحبة في الحقيقة المحافظة على القلب تكون من داخله وتكون من خارجه؛ تحافظ على القلب من الداخل وتحرص من أن يدخل عليك أي شيء من الخارج.

ثم الآن سيبين كيف تحفظ هذه الأبواب الست، والآن أراد أن يمهد كيف نحفظ هذه الأبواب الست حتى لا يدخل منها شر إلى القلب، فبدأ باللسان فقال: ففرض اللسان الصدق في الرضا والغضب. أن تصدق في الرضا والغضب. الصدق في الرضا أيها الأحبة؛ إذا رضيت عن شخص فلا تصفه بما يعلو عن مقامه، أنت قد ترضى عن إنسان صحيح؟ ففي حالة رضاك عنه قد تصفه بما ليس فيه مبالغة في مدحه والثناء عليه، فهذا ليس بصحيح؛ لأنك تفتنه وتفسد قلبه. وكذلك الصدق في الغضب؛ قال الصدق في الرضا والغضب. الصدق في الغضب: الإنسان إذا غضب من شخص، سخط من شخص، ماذا يفعل؟ كذلك يصفه بما ليس فيه؛ هناك يصفه بما ليس فيه في حالة الرضا يصفه بما ليس فيه من المدائح، وفي حالة الغضب يصفه بما ليس فيه منه من المذمات. فالإنسان الصادق، يعني اللسان كيف تحفظه أن يبقى هذا اللسان معتدلاً في الغضب والرضا؟ فإذا كان راضياً لا يزيد عن الصواب، وإذا كان الإنسان غضبان لا يحيد عن الصواب.

قال: وكف الأذى في السر والعلانية. عليك إذاً أن تكف لسانك عن الأذى في السر والعلانية، في مجالس الخاصة تكف الأذى عن الناس بالغيبة والنميمة، وفي مجالس العامة لا توجه الشتائم إلى الناس مباشرة. الإنسان في المجالس الخاصة يبدأ يذكر الناس من الخارج: وفلان رأيناه، وفلان شفناه، وفلان فعل، وفلان فعل؛ هذا أذى للناس في المجالس السرية كما يقال في السر. وهناك أذى في المجالس علنية: أمام الناس تسب شخصاً، تقذفه في عرضه، تقلل من مقامه، تهينه. فعلى الإنسان إذاً في فرض لسانه أن يكف لسانه كما قلنا عن الأذى في السر والعلانية.

ثم قال: وترك التزين بالخير والشر. ومن فرض اللسان ترك التزين بالخير والشر؛ ترك التزين بالخير بعض الناس أيها الأحبة يتظاهر بماذا؟ بالخير، تجد كلامه معسولاً وكلامه في الخير والصلاح وقلبه خاوٍ من الخير والصلاح، وقلبه لا يوجد فيه شيء من الصلاح وإنما هو فقط يتزين للناس بهذا الكلام، يتزين للناس بكلام الخير. لكن قوله وترك التزين بالخير هذا واضح، لكن ترك التزين بالشر، ما معناه؟ يعني نكون من الداخل كله.. لكن.. يعني بحكي كلام معسول. لا مهو.. لا أنا التزين بالخير هذا، أن تتزين بالخير وفي باطنك الشر، الآن المجاهرة بالشر أو الكلام بالشر هل يسمى تزينًا؟ وفي الحقيقة لا يسمى تزيناً، ولكن يعني هي الحقيقة العبارة غامضة، لا أخفيكم أن العبارة منه غامضة. ما معنى التزين بالخير؟ فهمنا. التزين بالشر الآن سنصبح نحاول أن نستنتج ما الذي أراده المحاسبي بالتزين بالشر؟ إما أن نقول على سبيل التغريب نوع من التهكم أنه الإنسان يتزين بالشر، والمراد ليس التزين التزين المذموم، يعني كيف ذق إنك أنت العزيز الكريم؟ تهكم هذا صحيح؟ وكذلك نقول التزين بالشر المقصود الكلام بالشر، ولكن الكلام بالشر في الحقيقة ليس تزيناً، وإنما سمي تزيناً إما لأنه قارنه بالخير فعلى سبيل تغليب هذا على هذا، أو أنه أراد التزين بترك الشر؛ كلمة محذوفة. ما معنى التزين بترك الشر؟ يعني أن تتزين أنك لا تريد الشر، وأنك رجل لا تريد للناس إلا الخير، ولكن في قلبك أنت تريد الشر.

ولكن في قلبك أنت تريد الشر؛ فهناك من يتزين للناس بأنه ليس من أهل الشر وأنه تارك للشرور، وفي الحقيقة هو يريد الشر وفي قلبه نية الشر. وهناك من يتزين للناس بالخير وأنه من أصحاب الطاعات والعلم والصلاح وما شابه ذلك، وقلبه خالٍ من هذا الخير. فالتزين بالخير والتزين بترك الشر، وكأن هناك كلمة محذوفة هي التزين، وترك التزين بإظهار الخير وترك التزين بإظهار ترك الشر، والله أعلم. ظهور الشر مثل شعر القدح وشعر الذم ممكن؛ يعني يقول أحيانا الشعراء كما يلوم الشعراء يتبعهم الغاوون، يتزينون في كلامهم بذكر الخير، ويتزينون كذلك بذكر الشر، بذكر الشر مثل التشبيب بالنساء والتغزل فيهم، ويعتبرون هذا من المفاخر، ومن التزين، ومن جميل الكلام، وهو في الحقيقة من شر الكلام، والعبارة في النهاية محتملة نعم. قد يكون الله أعلم يعني أنه الإنسان يعني يظهر قوته مثلاً، ويظهر أشياء في نفسه بتعظيم الشر.. في لكن هو يتكلم عن اللسان، أنت عرفت الآن هو يتكلم عن فرض اللسان أنه هذا اللسان يترك التزين بالخير ويترك التزين بالشر؛ فهمنا التزين بالخير وهذا واضح. التزين بالشر يعني يحتمل معاني عديدة يمكن أن نحملها عليها، فالله أعلم ما الذي قصده بها.

ثم ذكر بعد ذلك رحمه الله تعالى آثاراً تتعلق باللسان؛ فعن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين. فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له الجنة. من ضمن لي ما بين لحييه، ما بين لحيين هذان هما اللحيان، يعني من ضمن لي لسانه، هاديك هنايا، ومن ضمن لي ما بين فخذيه، ما هو ما بين الفخذين؟ الفرج؛ فمن ضمن له يعني من حافظ على اللسان ومن حافظ على الفرج، له من النبي صلى الله عليه وسلم ضمان بالجنة. من حافظ على هذا وهذا ضمان من النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، نسأل الله أن يعيننا على طاعته. أو ما بين رجليه وليس فخذيه، جميل.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ وقال صلى الله عليه وسلم: أنذركم فضول الكلام، حسب أحدكم ما يبلغ به حاجته؛ إن الرجل يسأل عن فضول كلامه كما يسأل عن فضول ماله. طبعاً هذا الأثر هو عن ابن مسعود، هو نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الحقيقة لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه كما ذكر الشيخ عبد الفتاح، ومعنى هذا الأثر انظروا ابن مسعود ماذا يقول؟ أنذركم فضول الكلام. يعني حتى الكلام المباح احذروا منه، الكلام الزائد الذي لا معنى له احذروا منه؛ لأن الرجل سيسأل يوم القيامة عن فضول الكلام كما يسأل عن فضول المال. المال ستسأل عنه يوم القيامة فيما أنفقته صحيح؟ وكذلك ستسأل عن كلامك يوم القيامة. لا يوجد هذا، الصحيح من كلام العلماء لا يوجد كلمة لا يكتبها الملكان؛ الملكان على اليمين وعلى الشمال يكتبان كل الكلمات، لا منك كلمة إلا كتبت، وستجدها يوم القيامة؛ حتى المباح على الصحيح من كلام أهل العلم، حتى المباح يسجل وستسأل يوم القيامة، لماذا أكثرت من فضول الكلام؟ هذه الأوقات التي تكلمت فيها بما لا تحتاج إليه، لماذا لم تكن في طاعة الله سبحانه وتعالى؟ وستندم على كل لحظة كانت فضول الكلام، نسأل الله أن يعيننا على أن نستغل أوقاتنا ونعمرها بطاعته.

وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله عند لسان كل قائل، فاتق الله امرؤ علم ما يقول. هذا كذلك نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس ثابتاً، إن الله عند لسان كل قائل فاتق الله امرؤ علم ما يقول. ما معنى فاتق الله امرؤ علم ما يقول؟ هذه جملة ظاهرة خبر، فاتق الله صيغة ماضية، ولكن معناها الأمر، معناها فليتق الله، فليتق الله امرؤ علم ما يقول، يعني على المرء أن يتقي في علم ما هو الكلام الذي يتكلم به، ولا يتكلم إلا بما تيقن أنه في طاعة الله، ولكن كما ذكرنا لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إذاً هذا فرض اللسان. فرض البصر قال: وفرض البصر الغض عن المحارم، وترك التطلع فيما حجب وستر. انظروا ما فرض البصر، فرض البصر ما هو؟ قال الغض عن المحارم، لا تنظر إلى المحارم التي حرمها الله سبحانه وتعالى؛ النظر إلى النساء، النظر إلى المردان، والنظر إلى كل ما يغضب الله عز وجل من هذه المسلسلات والأفلام والقبائح التي ملأت بيوتنا وحياتنا. عليك أن تحاول أن في غض البصر عن الحرام، قال وترك التطلع وانظروا العبارة وترك التطلع فيما حجب وستر. يعني الآن هناك حرام ظاهر أمامك في الطرقات وفي أجهزة التلفاز، هذا تغض بصرك عنه، وكذلك هناك عورات للمسلمين في بيوتهم، عليك ألا تنظر إلى عورات المسلمين في بيوتهم. هناك أناس ابتلاهم الله عز وجل بهذا الداء الخبيث، أنه ينظر في بيوت المسلمين ويتتبع العورات؛ نساء عفيفات طاهرات ولكن في بيوتهم، وهذا الإنسان يجول ويطوف بأبصاره في بيوت الناس، فهذا كذلك من النظر المحرم. فعليك أن تحفظ بصرك عندما تجلس في بيوت وفي مجالسهم العامة من أن يكون هدفك أن تنظر وتجول الأبصار حتى تنظر فيما هو محجوب وفيما هو مستور عنك.

وفي الحقيقة هناك ابن المقفع يقول ابن المقفع عن الإنسان أيها الأحبة فيما يتعلق بغض البصر، يقولون ينظر إلى الشيء غير مقدور عليه على خلاف ما هو عليه؛ يعني الإنسان عندما ينظر إلى الحرام يظن أن هذا الحرام الذي ينظر إليه هذا الحرام ألذ مما عنده من الحلال. يقول ابن المقفع: وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن عن معروفاتهن باطل؛ يعني الإنسان إذا نظر مثلاً إلى الأجنبيات فإن ما الذي الشيطان يقذفه في قلبه؟ أن هذه الأجنبية ألذ مما عنده من الحلال من زوجاته، هذا الذي يزينه الشيطان؛ جميل؟ فيقول لك ابن المقفع لا تنظر إلى هذا الأمر. طبعاً ابن المقفع هو عليه علامات استفهام بشكل عام، هل كان أو لم يكن ملحداً زنديقاً، ولكن له كلام في الأدب كثير، من هذا الكلام ومن هذه الحكم ما ذكره هنا أن هذا التزيين هذا باطل وخدعة من الشيطان.

قال بل كثير مما يرغب عنه. يعني كثير من الأمور التي ترغب عنها؛ أنت ترغب عن زوجتك وتفضل تلك المرأة فيما يزينه لك الشيطان. يقول ابن المقفع: كثير مما ترغب عنه هو في الحقيقة أفضل مما تتوق إليه. أفضل مما تتوق إليه. إذا جلست مع تلك الفتاة وفعلت فيها ستجد فيها من الأخلاق الذميمة ومن سوء العشرة ما تتمنى أنك بقيت على زوجتك الأولى وتعرف حقها.

كذلك ابن مفلح الحنبلي رحمه الله في الفروع يقول: وليحذر العاقل إطلاق البصر. لماذا؟ قال فإن العين، وانظر إلى الحكمة عندما تصدر من العلماء، قال فإن العين ترى غير المقدور عليه على غير ما هو عليه. العين إذا نظرت إلى أجنبية غير مقدورة عليها، ليست في حلك وفي كتابك، امرأة أجنبية تراها على غير ما هي عليه في الواقع، تراها أنها الملاك وأنها الجمال وأنك إذا وصلت إليها ستشعر بالسعادة وباللذة، ففي الحقيقة هذا كله خداع، هذا وهام شيطان. وعندما كما قال ابن المقفع عندما تتعامل معه أو تتعاشر معها ستجد فيها من القبائح الأشياء الكثيرة التي لم تتوقعها أنت، ولكن هي النظرة الأولى الخداعة لأن العين دائما تظهر لك الشيء غير المقدور عليه على خلاف ما هو عليه.

ابن المبارك يحدث عن أشياخ من أهل الشام قال: من أعطى أسباب الفتنة من نفسه أولا لم ينج منها آخرا. انظروا هذا الكلام، من أعطى من نفسه أسباب الفتنة أولا لم ينج منها آخرا. يعني أنت أطلقت لعينك الحرام وتنظر وتجول، الآن علق في قلبك حب فتاة ثم جاهدت هذا القلب لإخراج هذه المحبة فلم تستطع، أنت الذي أنت الملام وأنت الذي عليك أن تذم نفسك، لماذا؟ لأنك أنت الذي بذلت سبب الفتنة ابتداء، أنت الذي أطلقت البصر.

وفي الحقيقة أيها الأحبة من أعظم الأمراض التي يمكن أن تبتلى بها، بل قد تقتلك، أن الله عز وجل يعاقبك بأن علق قلبك بغيره. كثير من العشاق ماتوا لأن الله عاقبهم بهذا البلاء، نظر إلى فتاة وأدام النظر إليها وظن أنها نظرة وذهبت، لكن الله عز وجل عاقبه بسبب إدامة النظر بأن جعل قلبه يتعلق بتلك الفتاة، وهو لا يستطيع أن يصل إليها فمات كمدا. وكمدا، وهذا كثير في القصص وانظروا في كتب العشاق، يموتون كمدا بسبب أنهم لم يستطيعوا الوصول إلى تلك الفتاة، هذا بلاء من الله يعاقب به من يطلق لعينه النظر.

كذلك أيها الأحبة من القصص التي تروى هناك قصة رجل اسمه ابن عبد الرحيم. من ابن عبد الرحيم هذا أيها الأحبة؟ ذكر ابن الجوزي رحمه الله تعالى ابن عبد الرحيم، يقول العلماء أصحاب المغازي والسير إن المسلمين ذهبوا في غزوة من الغزوات، ذهبوا في غزوة من الغزوات فحاصروا حصنا، وفي أثناء محاصرتهم لهذا الحصن كان حصنا للروم. فبرزت فتاة جميلة من فتيات الروم، وكان في جيش المسلمين رجل اسمه ابن عبد الرحيم، وكان حافظا لكتاب الله سبحانه وتعالى قواما لليل، وهم يحاصرون هذا الحصن برزت تلك الفتاة من رأس الحصن، فرآها ابن عبد الرحيم ونظر إليها نظرة شهوة تعلق في قلبه، فناداها يا فتاة كيف الوصول إليك؟ فقالت له تلك الفتاة: عليك أن تتنصر فأفتح لك باب الحصن.

وانظروا كيف القلب الآن عقاب من الله سبحانه وتعالى وفي لحظة غفلة، نسأل الله السلامة والعافية، ابن عبد الرحيم لم يستطع أن يقاوم هذا التعلق فتنصر وارتد عن دينه، ودخل هذا الحصن وفتحت له باب الحصن ونكحها. يقولون المسلمون لم يستطيعوا أن يفتحوا هذا الحصن فعادوا عنه، رجعوا إلى ديارهم. وبعد فترة كان مجموعة من المسلمين من أهل تلك الغزوة، ماذا حدث مع ابن عبد الرحيم؟ أين هو؟ هل عاد إلى الإسلام أو بقي مرتدا مع تلك النصرانية؟ فقالوا ما رأيكم أن نذهب إلى الحصن؟ قال فعادوا إلى الحصن ذهبوا إليه ونادوا من خارج الحصن فقالوا: يا ابن عبد الرحيم، يا ابن عبد الرحيم، فسمع ابن عبد الرحيم ذاك النداء.

أنا أبدأ بعبد الرحيم ربما هو الوحيد الذي يتكلم بالعربية في الحصن أصالة، فعندما سمع من ينادي عليه بالعربية قال: لا يوجد إلا أنا المقصود. فخرج ابن عبد الرحيم، فقيل له: يا ابن عبد الرحيم أين كتاب الله سبحانه وتعالى؟ أين حفظك؟ ألا تتوب إلى الله سبحانه وتعالى؟ هل بقي معك يا ابن عبد الرحيم شيء من القرآن؟ فقال: والله لقد نسيت القرآن كاملا ولم تبق إلا آية واحدة. ما هي هذه الآية أيها الأحبة؟ انظروا هذه الآية، آية الندم في قلب ابن عبد الرحيم أبقاها الله في قلبه لتبقى حسرة عليه يوم القيامة، قال الآية التي بقيت هي: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. انظروا الآية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. ماذا سيتمنون يوم القيامة؟ الآن ابن عبد الرحيم أبقى الله عز وجل له هذه الآية: رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ. انظروا الندم والخسارة، شاب حافظ للقرآن قوام تعلق قلبه بفتاة نصرانية فاختار أن يرتد عن دينه من أجل أن يصل إليها، وهذا بلاء من الله سبحانه وتعالى.

فالإنسان لا يعطي نفسه الفتن، إنسان غازي مجاهد حافظ عالم، انظروا كيف ابتلاه الله سبحانه وتعالى، فمن نحن أيها الأحبة؟ فالإنسان لا يعطي من نفسه أسباب الفتنة، عليك أن تجاهد، إذا الله رأى منك الجهاد يعينك، وإذا رآك تعطي الأمور ومباشرة العين تذهب وتجول فاعلم أن العقاب سيأتيك، فنسأل الله أن يعيننا على غض أبصارنا.

من الآثار التي ذكرها المحاسبي رحمه الله فيما يتعلق بغض البصر، قال حذيفة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، أو النظر سهم من سهام إبليس، فمن تركه من خوف الله آتاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه. النظر سهم من سهام إبليس، سهم، إذا وقع في القلب قد يقع في مقتل، قال من تركه من خوف الله سبحانه آتاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه. وهذا في الحقيقة كذلك لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن نرى هذا الأثر ديدن للمحاسبي، علماء التزكية في الحقيقة يتساهلون في إيراد الأحاديث، وهذا ذكرته في مقدمة الدورة، عندهم تساؤل في إيراد الأحاديث التي لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم يقولون هذه من فضائل الأعمال، فلا إشكال لو أوردنا فيها الزواجر والمرغبات وإن لم تصح وتثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن معنى الحديث صحيح أيها الأحبة، المدرسة كما حدث مع ابن عبد الرحيم سهم وقع في قلبه قتله جاء في مقتل.

فيقولون أيها الأحبة احذر النظرة، فإن النظرة تولد الخطرة، النظرة هي التي تولد الخطرات، أنت تنظر إلى فتاة فيبدأ العقل عاديا يجول وأنك وصلت إليها وفعلت فيها ما فعلت، إذا النظرة تولد الخطرة، والخطرة تولد الفكرة، والفكرة تولد الشهوة، والشهوة تولد الإرادة، والإرادة تولد العزم، والعزم يوقعك في الفعل، فإذا هي خطوات الشيطان، بدأت بنظرة وانتهت بالوقوع في الزنا والخنا والعياذ بالله. أنت لم تقاوم، أعطيت لنفسك أسباب الفتنة فوقعت فيها، نسأل الله السلامة.

كذلك أيها الأحبة من الآثار التي ذكرها قال أبو الدرداء رضي الله عنه: انظروا هذه جائزة، يعني دائما نحن نذكر الترهيب، ننظر الترغيب، أبو الدرداء رضي الله عنه يقول: من غض بصره عن النظر الحرام ماذا له؟ قال: زوج من الحور العين حيث أحب. الجزاء من جنس العمل أيها الأحبة، عففت عن الحرام في هذه الدنيا يرزقك الله عز وجل من الحور العين، وعاد أوصاف الحور العين كثيرة وأنتم أساتذة فيها لا تحتاجون إلى دراستها، وطبعا هذا الأثر لم نذكره ولم أجد له وقوفا من أين أتى المحاسبي، كذلك الشيخ عبد الفتاح وكذلك فيما بحثت عنه لم أجد له مصدرا، لأن هذا الأثر في الحقيقة لا يمكن أن يكون أبو الدرداء قاله من عنده، وكيف عرف أن من غض بصره الله عز وجل يزوجه من الحور العين؟ إذا ثبت فهذا حكمه حكم ماذا؟ المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم، هو لم تطلع من عنده على الغيب حتى يعرف ما جائزته، لا بد أنه سمعه عن النبي صلى الله عليه وسلم فنحتاج إلى أن نقف على سنده، ولم أقف على شيء في ذلك.

ثم يتبع أبو الدرداء، انظروا وهي الكلمة التي قالها المحاسبي، قال: ومن اطلع فوق بيوت الناس، يعني من ينظر على عورات الناس في بيوتهم، كما قال المحاسبي المستور والمحجوب ينظر ويتتبع، ينتظر فتح الأبواب حتى يطلق النظر في داخل البيوت، قال: ومن اطلع فوق بيوت الناس أظفره الله يوم القيامة أعمى، نسأل الله السلامة والعافية.

وقال داود الطائي لرجل وقد أعد النظر إلى بعض من ينظر إليه، يعني انظروا كيف كان حتى فضول النظر يحاسبون عليه، فضول النظر. داود الطائي كان جالسا في مجلس، رأى رجلا ينظر إلى شخص آخر ويحد النظر إليه، ماذا قال له؟ أنت تقول ابتداء هذا النظر مباح، وذكر رجلا ينظر إلى رجل، فقال له داود الطائي رحمه الله: يا هذا، اردد نظرك إليك، فإنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضول نظره كما يسأل عن فضول عمله. أدرِ ماذا تديم النظر؟ حافظ على نظرك وأدم النظر فيما ينفعك، حتى النظر المباح كانوا يتورعون منه، قال داود الطائي: الرجل يسأل عن فضول النظر كما يسأل عن فضول الأعمال، وهذا كان فقههم الله تعالى.

وقال المحاسبي بعد ذلك: وجاء في الحديث يقال لك النظرة الأولى وليست لك الآخرة. وهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث بريدة قال: لك الأولى. النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن النظر فقال: لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى. النظرة الأولى معفو عنها خطأ، لكن كم تستمر النظرة الأولى أيها الأحبة؟ هنا المشكلة، ولا لا؟ النظرة الأولى كم تستمر؟ النظرة الأولى هي لحظة، وليست النظرة الأولى تجلس عشر ثواني ولا خمس عشرة ثانية مش طلعت.

طيب، لذلك يتبع المحاسبي معلقا على هذا، قال: فمن هجم على النظر فهو موضوع عن العبد، وما استمر به النظر بمعقول الفهم فالعبد مأخوذ به. قال: فما هجم على النظر فهو موضوع عن العبد، ما معنى هذا الكلام؟ يعني فجأة، أيوه، يعني إذا النظر الذي يهجم عليك هجوما وأنت لم تقصده ابتداء فهذا معفو عنه موضوع أنت وزره. أما النظر الذي يكون بتفكر وتدبر وتأمل، نعم هذا النظر هو الذي يؤاخذ عليه. وكلمتنا الدقيقة: وما استمر به النظر بمعقول الفهم، لماذا؟ أحيانا أيها الأحبة لا يعرض لبعض الأشخاص أنه ينظر، قد ينظر إلى فتاة أنت تراه ينظر، ولكنه في الحقيقة ينظر بالخطأ كما يقولون وعقله في عالم آخر، هذا كذلك في ظاهر الأمر لدينا أنه يديم النظر، ولكنه هو الآن في عالم آخر، فهذا غير مؤاخذ. لذلك المحاسبي عبارته دقيقة، يعني من أدام النظر مع تعقل وتفهم، يعني هو ينظر إليها ويتأمل في محاسنها، أما من أدام النظر كما يكون سهوا وخطأ وعقله في عالم آخر يجول فهذا كذلك مما عفا الله عنه.

ثم قال وفرض السمع، ما فرض السمع؟ قال: وفرض السمع تبع للكلام والنظر. فرض السمع تبع للكلام والنظر، فالأمور التي يحرم عليك الكلام بها والأمور التي يحرم عليك النظر إليها يحرم عليك أن تسمعها. من يمثل لنا أيها الأحبة؟ هو يقول لك السمع فرضه مرتبط بفرض يعني اللسان وفرض البصر، فالأمور التي لا يجوز لك أن تتكلم فيها لا يجوز أن تسمعها، والأمور التي لا يجوز لك أن تنظر إليها لا يجوز لك أن تسمعها، ما هي الأمثلة؟ أحسنت، يعني واحد إذا إنسان يستغيب هذا باللسان، فسمعك يجب عليك أن تتقيه من الغيبة، لا تجعل الآخرين يستغيبون أمامك، كذلك أمثلة أخرى الغناء، هل يجوز لك أن تغني؟ لا يجوز للإنسان أن يغني الغناء المحرم الذي يغضب الله سبحانه وتعالى، إذا لا يجوز لك تسمعهم.

طيب، هل يجوز النظر إلى المغنية؟ الآن هذا فيما يتعلق بالكلام، هو قال كذلك شيء لا يجوز لك أن تنظر إليه لا يجوز لك أن تسمعه، ما الذي قصده بذلك؟ صوت النساء، يعني هل يجوز لك أن تنظر إلى المغنية؟ لا يجوز لك، فكذلك تقول يا شيخ أنا طفيت الجوال أنا فقط أسمعها، لا يجوز لك أن تنظر إليها فلا يجوز لك أن تسمع صوتها، فمن يسمع إلى الغناء حتى ولو لم ينظر محرم. وأعطاك المحاسبي قاعدة: كل ما لا يجوز لك أن تتكلم به ولا أن تنظر إليه لا يجوز لك أن تسمعه، فالكلام الذي لا يجوز لك أن تتكلم به من غيبة ونميمة وسب وشتم وغناء وفجور لا يجوز لك أن تسمعه، والنظر الذي لا يجوز لك أن تنظره من النظر إلى النساء وإلى المردان وما شابه ذلك كذلك يحرم عليك أن تسمعه، إذا خاصة إذا كان يورث الشهوة في قلبك.

الآن هل هناك استثناء؟ نعم الحاجة، قد تحتاج أن تنظر أنت إلى المرأة في بعض الأحوال كالمعاملات والبيوع وما شابه ذلك أو التداوي، فالكلام ليس في وقت الحاجة وإنما الكلام في وقت الاختيار كما يقولون، لذلك يتبع المحاسبي بذكر أمثلة فيقول لك: فكل ما لا يحل لك الكلام فيه ولا النظر إليه لا يحل لك استماعه ولا التلذذ به ولا.

البحث عما كتم عنك تجسس. يعني كذلك يذكر أمثلة من صور السماع المحرم أن تتجسس على الناس؛ أناس في سر يتكلمون مع بعضهم سراً، هل يجوز لك أن تتجسس عليهم وتعرف؟ هم قصدوا أن يخفوه عنك، فتجسسك عنه أو عليهم هذا من السماع المحرم. هناك أحاديث تسمى أحاديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، يعني الرصاص المذاب. وانظروا إلى العقول، قال: وسماع لهو والغناء وأذى المسلمين حرام كالميتة والدم. انظروا ماذا يقول؟ قالوا: وسماع اللهو والغناء وأذى المسلمين حرام، المسألة ليست خلافية؛ يقول حرام كحرمة ماذا؟ كحرمة الميتة والدم. كيف يحرم عليك تأكل الميتة؟ يحرم عليك أن تسمع اللهو والغناء. يقول: قال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه: نهينا عن الغيبة والاستماع إليها، وعن النميمة والاستماع إليها.

ثم قال، وسئل القاسم بن محمد، والقاسم بن محمد أحد الفقهاء السبعة، وانظروا إلى فقهه؛ انظروا كيف يفتي في الغناء، ماذا سئل؟ سئل القاسم بن محمد عن سماع الغناء فقال: إذا ميز الله -أنا يعني قل له أنا لا أريد أن أفتيك- القاسم بن محمد يعطيه قاعدة لهذا السائل، قال: إذا ميز الله بين الحق والباطل يوم القيامة أين يكون الغناء؟ إذا جاء يوم القيامة فوضع الحق في جهة، ووضع الباطل في جهة، الغناء أين سيكون؟ كن أنت بفطرتك السليمة، يوم القيامة لا يوجد إلا حق وباطل، أين سيكون الغناء؟ فقال له الرجل: في الباطل. قال: فاستفت نفسك، أو افت نفسك. يعني أفتِ نفسك؛ انتهى الجواب. إذا أنت عرضت هذا ببديهتك وفطرتك، الغناء يوم القيامة سيكون مع الباطل، إذاً في هذه الحياة الدنيا هو مع الباطل.

ثم قال: وليس في جارحة أشد ضرراً على العبد بعد لسانه من، يعني أشد الضرر على العبد بعد اللسان جارحة السمع؛ لأنه أسرع رسول إلى القلب وأقرب وقوعاً في الفتنة. هو أسرع شيء في الفتنة السمع بعد اللسان، لذلك أيها الأحبة في الحقيقة السماع المحرم لا يتعلق بسماع الغناء والمحرمات فقط، بل كان السلف رحمهم الله ينتبهون على سماع كلام أهل البدع، وهذه قضية مهمة في هذا العصر. السماع لأهل البدع من جميع الطوائف التي ليست على طريقة أهل السنة والجماعة، السماع لأهل البدع ما إشكاليته؟ أنه يدخل في قلبك الشبهة فلا تستطيع أن تتخلص منها، تظن أنها شبهة حقة؛ يزخرف لك الكلام فلا تستطيع أن تتخلص منها.

لذلك كان دأب السلف النهي عن مجالسة أهل البدع وعن استماع كلامهم، بخلاف هذه الأزمنة؛ تجد الشاب في وسائل التواصل الاجتماعي من هب ودب يسمع للملحدين ويسمع لأصحاب البدع من جميع الطوائف، فتتعلق في قلبه الشبهات، ثم بعد ذلك يأتي ويناقش ويطالب أن نحل القضايا؛ أنت ابتداءً سمحت لهذه الشبهات أن تدخل في قلبك. كثير من الشباب سبب ذهابه إلى الإلحاد أنه يسمع؛ يحب عنده فضول، فضول للسماع، السماع المحرم، هذا سماع محرم؛ شاب غير محصن من الفتن، غير مؤصل عن طريق العقيدة الصحيحة، يحرم عليه أن يسمع هذا السماع؛ يحرم شرعاً لأنه يعرض نفسه للفتن.

كذلك مجالسة أهل البدع لمن لا يقوى على رد بدعهم تحرم على العبد، لذلك انظروا ماذا يقول وكيع بن الجراح، وكيع بن الجراح أحد كبار الأئمة أيها الأحبة، من كبار الأئمة العلماء الأتقياء العباد، انظروا ماذا يقول -وإذا كان هذا وكيع بن الجراح فنحن أولى به-: سمعت كلمة من مبتدع منذ عشرين سنة ما أستطيع إخراجها من أذني. هذا وكيع بن الجراح أحد العلماء الأتقياء، الزمن يعني لا أحد يزاود على وكيع بن الجراح كما يقولون، يقول كلمة سمعتها من مبتدع منذ عشرين سنة إلى الآن ما أستطيع أن أتخلص من هذه الشبهة. فما بالك بإنسان لا متعلم ولا عالم ولا زاهد ولا عابد، ولا شيء في هذه الحياة الدنيا، يفتح سمعه وعقله لهذا العالم الضخم بفتنه وشبهه، ثم يريد بعد ذلك أن يصل إلى الصواب؟ هو سيبقى تائهاً ضائعاً شاكاً إلا أن يتغمده الله عز وجل.

لذلك يعني من القصص كان طاووس، المحاسبي يركز على هذه المسألة، يقول كان طاووس رحمه الله -طاووس من كبار العباد الزهاد ومن تلاميذ ابن عباس- كان إذا أتاه مبتدع ماذا يفعل؟ يقول عادي يا إخوان عيب ترى أخونا يعني حتى لو مبتدع نجلس معه ونسمع كلامه حتى ما يقول الناس أنه زاره طردوه من منزله أو آذاه، لا، ما في عنده مجاملة. طاووس كان يسد أذنيه عندما يأتي المبتدع، يضع أصبعيه في أذنيه، وكان يوصي ابنه بذلك، وكان يوصي ابنه بأن يغلق أذنيه لأن الشبهة أيها الأحبة، نحن أحياناً نستسهل بعض القضايا ونظنها أمراً هيناً. الشبهة إذا دخلت بالقلب لا تخرج منه إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى، فلا تجرب نفسك؛ أنا دائماً أقول للأخ: لا تجرب نفسك، لا تعرض نفسك لفتنة لأنها قد تهدي بك إلى جهنم لا تخرج منها، القضية ليست قضية جهنم وجنة، وليست القضية قضية موقف اجتماعي وانتهى، قضية أن هناك فتنة إذا سمعتها أو أردتها قد تسقط في جهنم مخلداً والعياذ بالله، فعلى الإنسان أن يتحرز.

ثم قال وفرض الشم، ذهب إلى فرض الشم تبع للسمع والبصر، يعني انظروا قال السمع تبع للكلام والبصر، الشم تبع لماذا؟ الشم تبع للسمع والبصر. يعني شيئاً لا يجوز لك أن تبصره لا يجوز لك أن تشمه، وشيئاً لا يجوز لك أن تسمعه لا يجوز لك أن تشمه. ما الذي يقصده بذلك؟ مشي ممتاز، شيئاً لا يجوز لك أن تنظر إليه لا يجوز لك أن تشمه، ما مثاله؟ أحسنت، البنت أو الفتاة لا يجوز لك أن تنظر إليها فلا يجوز لك أن تشم رائحتها؛ لأن شم الرائحة هو وسيلة لسماع كلامها أو وسيلة للنظر إليها، فأنت عليك أن تغلق الباب ابتداءً. يعني بعض الناس عقولهم "الريحة ولا العدم" ها هذا المثل عندهم، إذا مرت فتاة وهو قاعد يغض بصره، لكنه تمنيه فيطلق للحاسة السادسة، فيشوف جميع الأطراف؛ هو يفتن نفسه، يعرض نفسه للفتن، فالشم يتعلق بالسمع والبصر، وانظروا كيف طريقتهم في سد الذرائع الموصلة إلى الحرام.

طيب شيئاً لا يجوز لك أن تسمعه لا يجوز لك أن تشمه، من يأتي بمثاله؟ مثال غريب في الحقيقة يذكرونه علماء التزكية في هذه القضية لكن منها يعني من باب المناقشة شيئاً لا يجوز لك أن تسمعه، هذا لغز ها، لا يجوز لك أن تشمه. يعني المغني، هذا يعود إلى النظر جيد، لكن أريد هذا مثال يتعلق بالسمع فقط، يقولون أيها الأحبة ما ذكرناه قبل قليل أهل الشبهات، أهل البدع يكره لك أن تشم عطرهم. لماذا؟ لأن لا مش للنظر، الكلام عن السمع؛ لأنك إذا شممت عطرهم أحببت الجلوس معهم، إذا شممت عطرهم أحببت الجلوس معهم. يعني أنت دائماً تعرف صاحب الريح الطيبة، فإذا رأيت إنساناً ما شاء الله دائماً تخرج منه رائحة طيبة والعطر طيب، تحب الجلوس معه، فإذا كان صاحب بدعة سيدخل الشبهة من خلال السمع إلى قلبك، فهذا إنسان لا يجوز لك أن تسمع كلامه فلا يجوز لك أن تشم رائحته، وإن كان هذا على سبيل الكراهة طبعاً.

وكذلك أيها الأحبة يقولون يكره أن يشم العبد رائحة الظالمين، الرائحة العطرة التي تخرج من الظالمين، لماذا؟ لأن هذا الظالم قد يكون اكتسب هذا المال الحرام واشترى به عطراً فاستخدمه، وأنت عندما تشم هذه الرائحة تشم رائحة من مال ليس لك. انظروا كيف كان وراؤهم، من فعل هذا؟ عمر بن عبد العزيز، عمر بن عبد العزيز أيها الأحبة كانوا إذا أتوا له برائحة مباشرة يغلقوا أنفهم، لماذا؟ كان يخشى أن تكون هذه الرائحة من بيت مال المسلمين، فيقول إذا شممت هذه الرائحة ومن مال بيت مال المسلمين فأنا أشم شيئاً ليس لي. وانظروا إلى مرحلة الورع التي وصل إليها السلف، عاد نحن ما نريدها، نريد ربع هذا. روي عن عمر بن عبد العزيز أنه أوتي بمسك فأمسك على أنفه فقيل له في ذلك، قال: وهل ينتفع منه إلا برائحته؟ ما معنى هذا؟ كما ذكرنا هذا المسك فائدته الرائحة، فإذا كان هذا المسك من بيت مال المسلمين فأنا في النهاية استفدت عطراً ليس لي وليس من حقي واستفدت من كذا؛ لماذا شمه؟ لأن المسك لماذا وضع؟ للشم، فهذه منفعته، فأنا حينئذ أكون انتفعت من بيت مال المسلمين بشيء ليس لي.

ثم ختم رحمه الله بفرض اليدين والرجلين، فقال: وأما فرض اليدين والرجلين ألا تبسطهما إلى محظور ولا تقبضهما عن حق. هذي قاعدة، أما اليدان والرجلان أيها الأحبة ما فرضهما؟ الحق الذي أوجبه الله عز وجل عليهما. اليد ما واجبها من الحق؟ مثلاً أن ينظر في مصحف، يمسك بيديه المصحف، هذا واجبها من الحق، أداء الزكوات، أداء الصدقات، هذا واجبها من الحق، عليه أن تفعله، وما الأمور التي يجب عليها أن تجتنبها؟ الغصب، السرقة، البطش بالناس. وكذلك القدم، القدم ما فرضها من الحق؟ أن تسعى إلى المساجد وإلى الصلوات وإلى مجالس العلم والتذكرة، وما واجبها الذي يجب عليها أن تتركه؟ المشي إلى المحرمات التي تغضب الله سبحانه وتعالى.

لذلك يقول مسروق: ما خطا العبد خطوة إلا كتبت حسنة أو سيئة. وانظروا يا إخوان القضية قضية حسابات، يعني انظروا كم السلف يهتمون بقضية الحسابات؛ نحن نهتم بالحسابات الدولارية في الدنيا مصاري وفلوس وما شابه ذلك، هم يحسبون هذه النظرة ما مآلها؟ هذه الكلمة كيف ستكتب عليه؟ هذه الخطوة حسبت لي أو علي، انظروا كيف يحسبونهم دائماً، هم في هم مستمر، الحياة كلها في هذا الأمر؛ هل هذه الكلمة خرجت في مكانها؟ هل هذه النظرة صحيحة؟ هل هذا اللسان تكلم بشيء يرضي الله؟ هل هذه اليد فعلت ما يرضي الله؟ حساب دائم مستمر، وهكذا بلغوا وهكذا وصلوا وهكذا فاقونا، ونحن نتساهل وما زلنا نتجاسر أو نكذب، وفي العادة كثير من الناس تقول هذا كلام كذب، هذا لم يثبت عن السلف رحمهم الله. نحن لا نكذبهم إلا لضعف قلوبنا، ولأننا لم نصل إلى مراتبهم في الزهد والورع.

انظروا إلى ابنة سليمان بن عبد الملك، سليمان بن عبد الملك هذا خليفة، الخليفة الأموي ابنته بعثت إلى إحدى العابدات إلى عبدة بنت خالد بن معدان، خالد بن معدان أحد التابعين له ابنة اسمها عبدة، فبنت سليمان بن عبد الملك تبعث لها كتاباً، انظروا ابنة الخليفة تبعث لها كتاباً فتقول: ألا تزوريننا؟ زورينا في قصر الخلافة. فانظروا هذه المرأة، وعدنا نحن الرجال يبعث إليه بشيء من الدنيا لانتقل إليه ولو وثب فرحاً به. هذه الفتاة ماذا تقول؟ تقول: إن أبي رحمه الله تعالى، كتبت لابنة الخليفة، قالت: إن أبي رحمه الله -من والدها؟ خالد بن معدان أحد كبار التابعين- إن أبي رحمه الله كان يكره أن يسير مسيراً ليس هو فيه ضامناً على الله. يعني أبي علمني ألا أسير إلى مكان لا أعلم هل سيري فيه إلى طاعة أو إلى معصية؟ لا أعلم المآل الذي سيؤول إليه، أنا لست ضامناً على الله، هل هذا المسير في طاعة أو في معصية؟ فوالدها علمها ألا تسير هذا المسير، وانتهى الأمر أيها الأحبة. يعني انظروا كيف كانوا يحيون تلك الحياة لله سبحانه وتعالى، يعون مراد الله عز وجل ويحيون على وفقه.

فإن قال قائل فما السبيل إلى العمل بذلك؟ نختم بهذه الفقرة من كلامه قراءة فقط. الآن نحن عرفنا فرض اللسان، وعرفنا فرض الجوارح، السمع، البصر، الشم، اليد، القدم، عرفنا فرض القلب بجولة سريعة، فكيف نتمسك بهذه الفروض وما السبيل إلى ذلك؟ فقال المحاسبي رحمه الله: السبيل إلى ذلك هو لزوم منهاج الأئمة المتقين، أن يلزم الإنسان طريق الأئمة العلماء الأتقياء، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها.

كذلك أيها الأحبة قالوا: النظر في آداب المسترشدين، يعني عندما تقرأ هذه الرسالة المباركة، وعندما تديم النظر في سير الأوائل وفي كتب التراجم، تتعلم منهج المتقين، وتتعلم تلك الآداب. يعني هذه فائدة عقد هذه المجالس، لماذا نعقد هذه المجالس؟ هل هي فقط مجالس للتندر والتفكه أو نضيع الأوقات، أم نريد أن نقف على معالم أولئك القوم الذين سبقونا فنحاول أن نحذو حذوهم وإن لم نصل إلى مرتبتهم؟ لذلك يقول: إذا أردت أن تسلك هذا المسلك عليك بمنهاج الأئمة المتقين، والنظر في آداب المسترشدين لمعرفة الخطوة، تعرف أين تخطو وأين تضع قدمك في هذه الحياة.

قال: والتيقظ بالمحاسبة والعمل بالإنصاف وهذا كله سبق الكلام عنه، والتحرز بكف، وبذل الفضل بترك المنة. بذل الفضل بترك المنة يعني أن تبذل الفضل للناس من خلال أن ترفع أذاك عنهم؛ لا تفعل شيئاً للناس ثم تمن عليهم، يكفيك من الفضل ومن الإحسان إلى الناس ألا تمن عليهم، يكفيك فضلاً بذلك، وهذا لو يلتزم به الناس كنا في خير، فقط ألا يمن على الناس بفعله لا نريد منهم جزاءً ولا شكوراً. إذاً وبذل الفضل بترك المنة، وحسن الصمت بغير حسد، بحب الخمول، القناعة بحب الخمول أن يقنع الإنسان في مكانه في الدنيا، لا يطلب الشهرة، لا يطلب المناصب العالية، لا يطلب التزين وتصفيق الناس وثناء الناس، يقنع بالخمول وأن يسير مع الناس على حالهم.

قال: وطول الصمت رغبة في السلامة، والتواضع للخلق بلا- طبعاً طول الصمت تكلمنا عنه في الدرس الماضي، التواضع للخلق وتكلمنا عنه في الدرس الماضي، والأنس بالذكر في الخلوة، وتفرغ القلب للخدمة.

واجتماع الهم بالمراقبة وطلب النجاة في طريق الاستقامة. قال الله عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. قال سفيان بن عبد الله الثقفي: يا رسول الله، حدثني بأمر أعتصم به. فقال: قل آمنت بالله ثم استقم. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: استقاموا في الآية أي استقاموا لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب.

استقم بجد وبصدق على طاعة الله عز وجل، ليس يتلاعب بدينه ما شاء أخذه وما لم يشته لم يأخذ. قال أبو العالية: استقاموا أخلصوا لله الدين والدعوة والعمل. ثم ختم رحمه الله فقال: أصل الاستقامة يعني ختم بما بدأ به الكتاب. أصل الاستقامة بماذا؟ وبين في بداية مطلع الكتاب أن التمسك بالكتاب والسنة وبما عليه السلف الصالح هو الطريق.

وهنا كذلك يعيد هذه الفكرة أن الاستقامة هي باتباع الكتاب والسنة ولزوم جماعة المسلمين. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على طاعته وأن يؤدبنا بآداب المسترشدين، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.