والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، هم يسمعون كلاماً. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. الحمد لله الذي هدانا إلى سبيل مرضاته أتم هداية، ونسأله أن يتم نعمته علينا. وأصلي وأسلم على خير البرية، وعلى أزكى، على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهداً لقواعد الفقه في الدين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه الرسالة المباركة، رسالة مسترشدين لكل من يطلب الرشاد إلى رب العالمين، للإمام الحارث بن أسد المحاسبي. ونحن اليوم في جولة جديدة مع الإمام الحارث المحاسبي في مجموعة من منازل الطريق في هذه الأيام المعدودة التي بقيت لنا في هذه الحياة. لعلنا نتجاوز هذه الأيام بنجاح، ونسأل الله أن يختم لنا بالصالحات.
يقول الإمام الحارث المحاسبي: واعلم أن أنجى طريق للعبد. وانظروا الآن العبارة التي بدأ بها: واعلم أن أنجى طريق للعبد. إذاً هو يتكلم عن طريق النجاة، الطريق التي نخلص بها من نار جهنم. هذه طريق النجاة التي كلنا نحتاج لأن نتعرف عليها، لأننا كلنا في عرضة للوقوع في نار جهنم، إلا أن يمن عز وجل علينا برحمته ومنه سبحانه وتعالى. فما هي طريق النجاة كما يصفها الحارث المحاسبي؟
هناك أخلاق ومنازل ذكرها المحاسبي مرت معنا في دروس ماضية، هو يكرر كثيراً بعض الأمور أيها الأحبة. والذي يظهر والله أعلم أنه لم يصنف هذه الرسالة مرة واحدة، وإنما هي خطرات وفقرات كان يكتبها ثم يعود فيكتب مرة أخرى. لذلك هناك تكرار كما نلاحظ في كثير من منازل الطريق، ولكنه يؤكد على بعض القضايا المهمة. يكررها لأنها مهمة، ويخشى أن تسهى عنها أيها السالك. ماذا قال؟ قال: واعلم أن أنجى طريق للعبد أولاً العمل بالعلم، العمل بالعلم، ثم قال: والتحرز بالخوف، والغنى بالله عز وجل. إذاً هذه أساسيات الطريق؛ أولاً العمل بالعلم. والعمل أيها الأحبة هو ثمرة العلم الصحيح، وكما قال العلماء: هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل. والعمل بالعلم هو مضمون قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ.
هذه الآية وهذه السورة التي نكررها كل يوم هدفها الهداية إلى العلم بالعمل. لماذا؟ لأن الله عز وجل قال: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. من هي أو ما هي الصراط المستقيم؟ قال: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ. لماذا استثنى المغضوب عليهم؟ ولماذا استثنى الضالين؟ قالوا: المغضوب عليهم هم الذين يعلمون ولا يعملون، وهؤلاء هم اليهود. والضالون هم الذين يعملون من دون علم، وهؤلاء هم النصارى. وصراط الذين أنعم الله عليهم هي صراط تجمع بين العلم وبين العمل.
هذه السورة أنت تقرأها كل يوم أيها الحبيب وتؤكد اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، هذا هو الصراط المستقيم؛ صراط العلم والعمل. أنت تدعو الله في كل صلاة أن يرزقك العلم وأن يرزقك العمل. فإذا رزقت العلم دون العمل ففيك شبه من المغضوب عليهم، وإذا رزقت العمل ولم ترزق العلم كنت تعبد الله على جهالة ففيك شبه من الضالين. إذاً الخطوة الأولى للنجاة أن يعمل الإنسان بما تعلمه. أنت الآن تتعلم هذه الرسالة، وتتعلم في الفقه، وتتعلم أحكام الشريعة؛ عليك أن تعمل بهذا العلم وإلا سيكون هذا العلم حجة عليك لا حجة لك.
ثم قال: والتحرز بالخوف. عليك كذلك أيها السالك أن يكون عندك الخوف في بداية الطريق، وفي منتصف الطريق إلى الله، وفي نهاية الطريق. إذاً هو التحرز بالخوف، والتحرز بالخوف هو ثمرة العلم كذلك؛ كما أن العمل هو ثمرة العلم، كذلك الخوف هو ثمرة العلم بالله سبحانه وتعالى. أنت إذا عرفت، وإذا عرفت أن وعده صادق، وأن هناك اليوم الآخر، وأن هناك جنة، وأن هناك نار، إذا علمت هذه الأمور هذا يورثك خوفاً من الله سبحانه وتعالى. فالخوف هو ثمرة العلم كذلك.
ثم قال: والغنى بالله عز وجل. طريق النجاة إذاً هو عمل بعلم، وتحرز بخوف، والغنى بالله. ما معنى الغنى بالله سبحانه وتعالى؟ أن تستغني بالله عز وجل عن جميع خلقه، أن يكون اعتمادك القلبي على الله سبحانه وتعالى في جميع حركاتك وسكناتك، وفي جميع حوائجك تلتجئ إلى الله سبحانه وتعالى. هناك تحقق معنى الله الصمد؛ الله الصمد هو الذي تقصده المخلوقات في قضاء حوائجها، ولا ينفك مخلوق عن الحاجة لله سبحانه وتعالى. تحقيق هذا المعنى بالكمال الله الصمد يكون في حياتك بأن تستغني بالله سبحانه وتعالى في قضاء حوائجك عن جميع خلقه، وهذا المعنى تكرر معنا كثيراً. إذاً هذه هي طريق النجاة الملامح الأساسية حصرها في ثلاث: العمل بالعلم، وكذلك التحرز بالخوف، ثم بعد ذلك اتبعها بالاستغناء بالله سبحانه وتعالى.
ثم بعد ذلك سيذكر خطرات سريعة على ملامح طريق النجاة. قبل أن أنتقل إلى هذه الخطرات أعجبني هذا الكلام لمحمد بن الفضل الزاهد رحمه الله تعالى، يتكلم عن أصناف الناس في العلم والعمل. أحوال الناس اسمع العلم والعمل كيف تكون؟ يقول الإمام محمد بن الفضل الزاهد الكبير: ذهاب الإسلام يعني ضياع الدين على يدي أربعة أصناف من الناس، هؤلاء هم الذين يذهبون بالإسلام. من هم؟ قال الصنف الأول: لا يعملون بما يعلمون. هذا الذي تكلم عنه المحاسبي، يعني أناس عندهم علم ولكنهم لا يعملون به، هذا الصنف الأول.
الصنف الثاني: يعملون بما لا يعلمون. يعني عندهم عمل ولكن لا يوجد عندهم علم، هؤلاء هم الضالون الذين تكلمنا عنهم قبل قليل. إذاً الصنف الأول عنده علم ولكن لا يوجد عنده عمل، الصنف الثاني عنده عمل ولكن لا يوجد عنده علم. الصنف الثالث قال: وصنف لا يعملون ولا يعلمون. هذا أجهل الناس، لا علم ولا عمل. والأسوأ هو الصنف أيها الأحبة الذي كثيراً ما يمر علينا في حياتنا: وصنف يمنعون الناس عن التعلم، وصنف يمنعون الناس عن تعلم دين الله سبحانه وتعالى.
يقول ابن القيم معلقاً على هذا الكلام: الصنف الأول الذين عندهم علم ولا يوجد عندهم عمل، قال من له علم بلا عمل فهو أضر شيء على العامة. وهذا كثير، تجد من يتصدر للكلام في دين الله سبحانه وتعالى ويفتي ويتصدى للعالمية، ولكن عندما ننظر في تصرفاته نجدها بعيدة عن العمل بهذا العلم الذي يعطيه. فهذا من أضر الناس على العامة. لماذا؟ لأن العامي ينظر إلى هذا الرجل الذي يفتي ويتكلم في دين الله على أنه قدوة، على أنه قدوة عملية، يقول لك الشيخ الفلاني، هذا العالم الفلاني. فإذا كان هذا العالم الفلاني أبعد الناس عن العمل بعلمه فهذا إذاً أضل نفسه وأضل الناس معه.
ثم يقول ابن القيم الصنف الثاني هو العابد الجاهل الذي عنده عمل ولا يوجد عنده علم، فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته. يعني أنت إذا رأيت رجلاً يتنسك، يكثر القيام والصلاة، ودائماً في الصفوف الأولى في المساجد، فأنت تظن فيه الصلاح لماذا؟ الصلاة تقول هذا الرجل محافظ على دينه، على صلاته، على عبادته، على علاقته مع الله سبحانه وتعالى. فهو كذلك سبب فتنة للناس؛ كما أن العالم الذي لا يعمل سبب فتنة، كذلك العامل بدون علم هو سبب فتنة للناس، لأن الناس يظنون فيه الصلاح وهو ليس لذلك. قال فإن الناس يحسنون الظن به لعبادته وصلاحه فيقتدون به على جهله.
قال وهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعض السلف في قوله: احذروا فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل. احذروا فتنة العالم الفاجر، عالم لا يوجد عنده عمل، يبيع دينه بعرض من الدنيا بخس، وهناك عابد جاهل يعبد الله سبحانه وتعالى من دون علم فيوقع الناس في البدع وفي المهالك والتنطعات. قال فإن فتنة هما فتنة لكل مفتون. طيب، نتجاوز بعد ذلك.
ثم قال والصنف الثالث الذين لا علم لهم ولا عمل، وهؤلاء ما حالهم؟ قالوا هؤلاء كالأنعام، مثل البهائم، لأن قيمة الإنسان التي يفترق بها عن البهائم العلم، ثم هذا العلم يورث العمل، فإنسان يحيا في هذه الحياة الدنيا فقط من أجل المال ومن أجل الحياة ومن أجل الشهوات واللذات لا علم ولا عمل، فهذا حياته كحياة البهائم، نسأل الله السلامة والعافية.
ثم قال والصنف الرابع من هم الصنف الرابع أيها الأحبة؟ الذين يمنعون الناس عن التعلم، فقال هؤلاء نواب إبليس. هؤلاء هم نواب إبليس لماذا؟ قال هؤلاء نواب إبليس في الأرض، وهم الذين يثبطون الناس عن طلب العلم وعن التفقه في الدين، فهؤلاء أضر على الناس من شياطين الجن، هؤلاء شياطين الإنس الذين يمنعون الناس من تعلم العلوم الشرعية، هؤلاء أضر على خلق الله سبحانه وتعالى من شياطين الجن. قال فإنهم يحولون بين القلوب وبين هدى الله سبحانه وتعالى، لأن الهدى إلى الله إنما يكون بالعلم، لا يوجد هناك هدى إلى الله بالذوق والكشف والوجد وغير ذلك من الأمور الباطلة، وإنما سبيل الهدى إلى الله سبحانه وتعالى هو سبيل العلم الشرعي.
قال فهؤلاء الأربعة أصناف هم الذين ذكرهم هذا العارف محمد بن الفضل، وهؤلاء كلهم على شفا جرف هارٍ وعلى سبيل الهلكة، وما يلقى العالم الداعي إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم. الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى، الدعاة الصادقون، الأذى الذي يواجهونه في هذه الحياة من هؤلاء الأصناف لا يخرج عن هؤلاء الأصناف الأربعة: إما عالم لا يعمل، أو عامل لا يعلم، أو لا علم ولا عمل، أو من الذين يمنعون الناس، وهؤلاء هم أشد الناس على الدعاة.
لذلك يكمل ابن القيم ويختم هذا الكلام، قال: وما يلقى العالم الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم، والله يستعمل من يشاء في سخطه. وانظروا لهذه العبارة، هناك أناس الله عز وجل يستعملهم في الطاعة في العبادة في الصفوف الأولى في قيادة هذه الأمة، وهناك أناس يستعملهم الله سبحانه وتعالى في الشر. قال سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً. هذه سنة الله عز وجل أيها الأحبة أن يسلط الأشرار الفجار على ثلة من المؤمنين الأخيار حتى يظهر الله عز وجل معادن هؤلاء المؤمنين الأخيار ويباهي بهم الملائكة. هذه سنة الله التي لا تتبدل، فعليك أن تنظر أين أنت. هل أنت من الثلة الفاجرة التي استعملها الله في سخطه؟ أم أنت من الثلة الخيرة يبتليها الله سبحانه وتعالى في هذه الحياة الدنيا ولكن ليستخرج معادنهم وليباهي بهم ملائكته؟
طيب، نعود إلى كلام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى بعد أن قال: واعلم أن أنجى طريق للعبد هو العمل بالعلم والتحرز بالخوف والغنى بالله سبحانه وتعالى. سيوجه الآن رسائل سريعة وهادفة ومختصرة لا نريد أن نقف عندها كثيراً ولكن تعليقات سريعة، يقول بناءً على هذا إذا عرفت طريق النجاة فعليك بالتالي: اشتغل بإصلاح نفسك، هذه أول نصيحة: اشتغل بإصلاح نفسك. وانظر العبارة: اشتغل، إذاً القضية فيها ماذا؟ شغل، ليس إصلاح النفس هذا أمر تناله ببرنامج تلفزيوني دعوي أو مجرد خاطرة تجدها على الواتساب، ليس هكذا يكون إصلاح النفس. إصلاح النفس يحتاج إلى شغل كما أن عندك وظيفة تذهب إليها وتعمل وتحاول لأن تكسب الرزق، كذلك هناك شغل أهم ينتظرك في هذه الحياة الدنيا وهو عملية إصلاح النفس، لأن الإنسان في هذه الحياة الدنيا في معركة مرة مع الشهوات ومع الشبهات، وهناك من يريد أن يخرجه من طريق النجاة وأن يرده إلى طريق المهالك. فإذا أردت البقاء على هذه السكة الصحيحة، إذاً هناك شغل ينتظرك في هذه الحياة الدنيا هي عملية الإصلاح المستمر، وبمجرد أن تغفل عن عملية الإصلاح فاعلم أن القطار قد يخرج عن السكة وتؤول إلى الهاوية، ونسأل الله السلامة والعافية، إذاً فاشتغل بإصلاح حالك.
ثم قال: وافتقر إلى ربك. عليك أن تلازم الافتقار والذل إلى الله سبحانه وتعالى، لأن من افتقر إلى الله عز وجل أعطاه الله الغنى؛ الجزاء من جنس العمل، أنت افتقرت إلى الله، تملقت إلى الله، تذللت بين يديه وخضعت لكبريائه، الله عز وجل يرزقك الغنى به والاستغناء عن جميع خلقه. والعكس بالعكس، من استغنى عن الله الله عز وجل جعله أفقر الناس في هذه الحياة الدنيا، فتجده دائماً ينظر إلى ما في أيدي الناس ويقصد البشر ولا يشبع من الحياة، لذلك قال: وافتقر إلى ربك، دوام الافتقار هو طريق الغنى.
ثم قال: وتنزه عن الشبهات. تنزه عن الشبهات، ابتعد عن الشبهات، نَقِّ نفسك من الشبهات. والشبهات أيها الأحبة على نوعين، هناك شبهات حسية مادية؛ مثلاً مال اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام؟ يعني قبل أن أدخل، ما هي الشبهة؟ الشبهة أيها الأحبة اشتباه الحق بالباطل، من هنا سميت شبهة؛ اشتبه عليك الحق بالباطل. الآن هذه الشبهة كما قلنا قد تكون في المادة في المحسوسات، وقد تكون في العقديات. الشبهة في المادة في المحسوسات أن يشتبه عليك مال حرام بمال حلال، اتركه لوجه الله سبحانه وتعالى. أن يشتبه عليك عقد حلال، عقد نكاح، عقد إجارة، عقد وظيفي اشتبه علي، قلت والله يا شيخ أن هذا العقد في القلب منه شيء، أنا أظن أنه في قضية فيها لف ودوران وأنه لن يوفوا بالشروط أو هذه الشروط يحتمل أن يُحتال عليها؟ إذاً العقد أصبح في قلبك شيء منه، اتركه، هذا مورد من موارد الشبه. إذاً فكل ما اشتبه عليك.
كل عقد اشتبه عليك، عليك أن تتركه لله سبحانه وتعالى؛ هذا تنزه من الشبهات المادية. كذلك هناك تنزه من الشبهات؛ قضية الشبهة أيها الحبيب العقائدية أخطر من الشبهة المادية، لأن إذا دخلت عليك شبهة في العقيدة قد تخسر بها دينك، لا تظن الأمر سهل ولا تحاول أن تجرب نفسك في العقيدة. لذلك الحديث الصحيح عند البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: لا تزال أمتك... حتى يقولون: هذا الله خالق كل شيء، فمن خلق الله. انظر هذه شبهة تأتي للإنسان مع الخواطر الخطيرة التي يقذفها إبليس. إبليس كما ذكر النبي في حديث آخر يأتي الشيطان أحدكم فيقول: ما كذا ما كذا، حتى يصير بالإنسان إلى: من خلق الله. شبهة قذفها في قلبك، الآن إذا لم تتخلص من هذه الشبهة وتدافعها سريعاً كما أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم فتستعذ بالله مباشرة، دخلت هذه الشبهة في قلبك قد تكون سبب هلاكك ومكثك في نار جهنم أبد الآبدين. ترى القضية ليست قضية هينة، فالتحرج من الشبهات العقدية مهم جداً أيها الأحبة.
وهنا نص لابن تيمية رحمة الله عليه أعجبني في هذه القضية، يوصي به ابن القيم، نقله ابن القيم رحمه الله في تعامل الإنسان مع الشبهات العقدية؛ طرأت عليك شبهة في دينك، سواء كانت هذه الشبهة خطيرة تتعلق بأمور العقيدة الكبيرة أو كذلك أمور العقيدة الأقل، قال ابن تيمية لابن القيم موصياً له: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة. تنجى أيها الأحبة إذا جاء عليها ماء ماذا تفعل؟ تمتص هذا الماء صحيح؟ يقول ابن تيمية لابن القيم: لا تجعل هذا القلب مثل الإسفنجة، إذا أشبه على وسائل التواصل الاجتماعي، إذا سمع شبهة على التلفاز، إذا سمع شبهة على الواتساب، أي شيء سمعه من الشبهات، إذا جلس مع إنسان قذف عليه شبهة، لا تمكن هذه الشبهة من قلبك. طب ماذا أفعل؟ انظر ماذا يكمل، قال: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل إسفنجة فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة. يعني اجعل قلبك مثل زجاجة، هذه الزجاجة فيها صفاء ولكنها قاسية، تمر الشبهات بظاهرها لا تستقر فيها.
يعني مثل زجاجة ماء أيها الحبيب إذا وقع الماء يقع في ظاهر الزجاجة ولا يدخل في داخل الزجاجة. وينبغي أن تكون هذه الزجاجة شفافة، لماذا؟ حتى ترى الشبهة، فالقلب يكون مثل الزجاجة الشفافة؛ إذا جاء عليها الماء من الخارج لا يدخل ولكنه يستطيع كذلك أن يراها. لذلك الزجاجة الشفافة تمتاز بميزتين: لا تدخل الشبهة لأنه زجاج مادة لا تمتص، وفي نفس الوقت هي شفافة تستطيع أن ترى من ورائها الشبهة. قال: ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها، يرى بصفائه -يعني هو يرى هذه الشبهة بصفاء هذا الزجاج- ويدافعها بصلابته؛ فجمع بين مدافعة هذه الشبهات بصلابة القلب ولكنه كذلك يراها. لأن كذلك قد يكون القلب صلب وإنسان مثلاً عنيد، ولكنه لا يعرف الشبهة من غير الشبهة، فهذا كذلك أدخل إلى القلب، فعناد القلب فقط ليس هو الوسيلة الوحيدة، ينبغي أن يكون قلبك متين، وكذلك في نفس الوقت أن يكون يرى بنور الله سبحانه وتعالى.
قال: وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليك صار مقراً للشبهات. يعني لو أن كل شبهة سمعتها في العقيدة من وسائل التواصل، من هذا المقطع ومن هذا المقطع، ومن هذا الداعية وهذا داعية جديد خرج وكله يلقي شبهات خاصة مع فضاء العولمة الجديد، أنت في خير وأنت جالس في بيتك، تأتيك الشبهات وتغزو عليك. إذا أنت أيها الحبيب جعلت القلب مفتوحاً لاستقبال كل هذه الشبهات، ولم تستطع أن تدافع فأصبحت تجادل، تذهب إلى الشيخ: والله يا شيخ لو سمعت فلان يتكلم على التلفاز ايش هذه القضية؟ واليوم الثاني يأتينا رجل آخر يسأل وهو نفسه يسأل أكثر من مرة في هذا الموضوع. نلاحظ هنا أن هذا بداية خطر على هذا الإنسان، ويحاول أن يجرب نفسه يقول: أطرق باب الفهم، أطرق باب الثقافة، ولكن طرقوا لهذا الباب من دون علم ومن دون أن يكون قلبه من أصحاب القلوب الصلبة الشفافة. طبعاً أصحاب القلوب الصلبة الشفافة هذه لا ينالها العبد إلا بممارسة، لا تظن أن قلبك مباشر الحمد لله أنا قلبي صلب شفاف، لأ، هذا لا ينال العبد إلا بالعلم والجد والمواظبة على العمل، علم وعمل يرزقك الله عز وجل هذا القلب الصلب الشفاف الذي ترى به الشبهات ولا تدخل في قلبك. بمجرد ضعف العلم وبمجرد ضعف العبادة يصبح هذا القلب مثل الإسفنجة، تسرع الشبهات إليه تدخل فيه، يبدأ الإنسان في حوار مع النفس في قضايا العقيدة ولا يستطيع أن يصل إلى حلول تشفي هذا القلب، فنسأل الله السلامة والعافية. إذا هذا مثل سريع ذكره ابن تيمية قادني إليه قول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: وتنزه عن الشبهات.
ثم يكمل المحاسبي النصائح السريعة قال: وأقلل حوائجك إلى الناس. وأقلل حوائجك إلى الناس. قلة الحوائج إلى الناس هو ثمرة ماذا؟ هذا سؤال حسن، هو ثمرة الاستغناء بالله. من استغنى بالخالق لم يحتج إلى المخلوق. من استغنى بالخالق سبحانه وتعالى هل يحتاج إلى المخلوق؟ لا يحتاج إلى المخلوقين. فهذه الفكرة هي ثمرة الفكرة السابقة التي قال فيها استغن بالله سبحانه وتعالى. وهذه القاعدة أيها الأحبة قاعدة الاستغناء بالله عن المخلوقين من أكثر القواعد التي يهتم بها علماء السلوك والتصوف الصحيح، قاعدة الاستغناء بالله؛ لأن مبنى السير إلى الله سبحانه وتعالى ومبنى طريق المسترشدين هو أن يستغني العبد بالله عز وجل عن كل مخلوق. فلا تذهب إلى المخلوق لتقضي حاجة إلا وقلبك ينظر إلى الله سبحانه وتعالى. نعم قد نستعين بالمخلوقين في قضايا حوائج الحياة، ولكن عندما نستعين بهم ننظر إلى أن الله سبحانه وتعالى هو الذي سلطهم للخدمة، وهو الذي يعطيهم القدرة للخدمة. فهذا النظر وهذا الشعور دائماً مستصحب معك في القلب. إذا قال: وأقلل حوائجك إلى الناس، وأحب لهم ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك. وهذه قاعدة كذلك تريح العبد في هذه الحياة الدنيا، أن تحب للناس ما تحب لنفسك، وكما جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه. فهي قاعدة مريحة أيها الحبيب، يعني تريح القلب من تبعات العلاقة مع الناس؛ الشيء الذي تحبه لنفسك أحببه للناس، والشيء الذي تكرهه تكرهه للناس، تعيش هنيئاً بعيداً عن الخصومات وعن المنازعات.
ثم أكمل النصائح قال: ولا تحقرن ذنباً. ولا تحقرن ذنباً، كما قال أحد العلماء: خل الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى، واصنع كماش فوق أرض الشوك يحذر ما يرى. لا تحقرن صغيرة، إن الجبال من الحصى. قد تستصغر الذنب أيها الحبيب ولا تتوب منه توبة نصوحاً، ثم يأتي ذنب آخر تستصغره، تقول شتيمة، نظرة، غيبة في مجلس، يا شيخ يغفر الله عز وجل، إن شاء الله الأمور هينة. نظر على مسلسل، نظر إلى مقطع على الجوال وهكذا، ونظر إلى فتاة في الطريق والعين ذهبت قليلاً وعادت قليلاً؛ هذه النظرات وهذه الكلمات تجدها حسرات يوم القيامة. استسهلنا نظرة واستسهلنا كلمة واستسهلنا سماع محرم، حتى يأتي يوم القيامة كجبال تهامة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. فإياك أن تستحقر ذنباً، وعدم استحقار الذنب كما ذكرنا في الدرس الماضي هو ثمرة معرفة الله، فعليك ألا تستصغر الذنب ولكن انظر إلى عظمة الله، فمن نظر إلى عظمة الله استعظم جميع الذنوب. وأما من كان الله عز وجل أو الإيمان بالله والاستشعار لعظمة الله ضعيف في قلبه، فإنه يستحقر جميع الذنوب، ما عنده إشكال مع أي ذنب؛ لأن عظمة الله هي الضعيفة في القلب. أما من عرف عظمة الله بجلاله وأسمائه وصفاته العلى فإنه يستعظم جميع الذنوب لا محالة.
لذلك عندما تقرأ في سير الأعلام الكبار وتقول: كأنهم لا يعصون الله سبحانه وتعالى، عندما تقرأ في الصحابة وفي سير التابعين وفي سير السلف الصالح، تقول هؤلاء يعصون الله عز وجل؟ الكل يعصي سوى المعصومين ممن عصمه الله عز وجل من الأنبياء، ولكن أيها الأحبة هؤلاء قلت ذنوبهم لأنهم كانوا يعظمون الله عز وجل. فسرعان، يعني مجرد صدور ذنب صغير خطرة صغيرة، تجد الإنسان يقيم الدنيا ولا يقعدها. أبو ذر يشتم أو يقول كلمة لا تليق بحق بلال، فيذهب ويضع خده على الأرض ليطأ عليه بلال حتى يطأ عليه بلال، الكلمة لا تليق فقط أعطاها في حق بلال، غضب منها بلال، انظر كيف يسارع إلى التوبة والاستغفار والاستسماح. فكم من كلمة صدرت منك؟ وكم من نظرة صدرت منك؟ فما كان فعلك في هذه الحياة؟ عليك أن تنظر في حالك. لكن مع هذا للذنب كذلك إذا جاءك الإنسان مسرفاً على نفسه بالمعاصي يريد التوبة لله عز وجل، فعليك أن تريه أن الله عز وجل تواب رحيم. نعم نحن نعظم الذنب ولكن في نظرة أخرى، الله عز وجل لا يستصعب عليه أن يغفر أي ذنب لعبده، قال سبحانه وتعالى: قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا.
فهذا باب الرجاء، وهذه أرجى آية في كتاب الله سبحانه وتعالى. فكما أننا نعظم قدر الذنب، كذلك نعظم رحمة الله سبحانه وتعالى، لذلك العبد في هذه الحياة الدنيا يحيا بين الخوف وبين الرجاء، فلا يغلب هذا على هذا ولا يغلب هذا على هذا حتى يصل إلى درب السلامة. فالله عز وجل أيها الحبيب عليك أن تعلم أنه لا يتعاظمه ذنب، فأي ذنب فعلته كما جاء في القصة المشهورة، الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فعندما جاء إلى العابد الجاهل فسأله: هل لي من توبة؟ قال له: لا، قنطه من رحمة الله، فأكمل به المئة ثم جاء إلى العالم الذي يعرف سعة رحمة الله. نظر إلى هذا الرجل رجل قتل مئة نفس ولكنه الآن في حالة توبة، هل أجلس أعاتبه بحيث أنفر عن التوبة أم أفتح له باب الرجاء وأفتح له باب العودة إلى الله سبحانه وتعالى بما أنه مقبل؟ لأ، المفتي والناصح والداعي يكون فطناً، إذا رأى الإنسان مقبلاً إلى توبة الله فإنه يفتح له باب الرجاء، ويعطيه الآيات والقصص التي تدل على رحمة الله سبحانه وتعالى، وإذا رأى العبد مسرفاً على نفسه بالمعاصي غير مبالٍ بالله عز وجل هنا يعطيه الخوف ويعظم له الذنب، والله سبحانه وتعالى دائماً فوق كل شيء قدير.
قال: ولا تحقرن ذنباً. قال: ولا تظهرن سراً. ولا تظهرن سراً، يعني إذا استكتمك على سر أيها الحبيب فلا تسارع إلى كشفه، وهذا يعني من في أمور كثيرة في الحياة وأعظم هذه الأمور بين الزوجين، هي فقط فائدة سريعة، كما جاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه ثم ينشر سرها. أكثر الأسرار في هذه الحياة بينك وبين زوجتك، أليس كذلك؟ الإنسان نعم قد يسر سراً لصديقه لفلان لفلان ولكن أكثر الأسرار في هذه الحياة الدنيا تكون بين الرجل وبين زوجه، للسكينة التي قذفها الله عز وجل في قلوبهما، فليحذر الزوج إذا استكتبته الزوجة على سر، وكذلك الزوجة فلتحذر إذا استكتبها زوجها على سر، أن هذا السر أمام الناس هذا من أعظم الأمور التي يمقتها الله عز وجل وصاحبها كما جاء في الحديث من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة. فالحفاظ على الأسرار من سيما الصالحين الصادقين ومن سيما المسترشدين السالكين إلى الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: إذاً ولا تظهرن سراً. قال: ولا تكشفن ستره. ولا تكشفن ستره، ما معنى لا تكشفن ستره؟ هذا سؤال للجمهور كما يقولون بسم الله. أحسنت، هذا هو الأمر، يعني إذا رأيت إنساناً مستتراً بمعصية من معاصي الله، إنسان ابتلي أيها الحبيب بمعصية لا يستطيع أن ينفك عنها، قاوم نفسه لم يستطع أن ينفك عنها، عنده ضعف في الهمة وفي العزيمة، وجدته في معصية في ناحية في زاوية فعليك أن تديم سترك أو ستره عليه، هذا ستر ستره الله عز وجل عليه فلا ترفع عنه هذا الستر ولا تكشف. وكما جاء في الحديث المختلف في صحته: من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله. من عير أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله، يعني أنت تكشف ستر لإنسان قل: فلان رأيته في الزاوية أو في بيتي يفعل كذا وكذا، عليك أن تنتظر العقوبة، عليك أن تنتظر العقوبة والجزاء من جنس العمل. أما الإنسان المجاهر بالمعاصي الذي لا يوجد ستر عليه، هو يجاهر بمعصية الله، لا، فهذا يحذر منه ويحذر الناس من ضلاله ومن فجوره. لذلك قال: ولا تكشفن ستره، يعني من استتر بمعصيته أو ستره الله عز وجل بمعصيته فإياك ثم إياك أن تكشف ستره حتى لا تعاقب من جنس هذا العمل.
طيب، ثم قال: ولا تحدثن نفسك بخطيئة. ولا تحدثن نفسك بخطيئة، يعني بداية محاربة الخطيئة وبداية محاربة الجريمة كما يقولون، أن تحارب الجريمة ابتداءً من القلب.
فلا تحدث نفسك ابتداء بالخطيئة، ولا تترك هناك مجالاً في القلب للخطيئة. انظروا لابن القيم رحمه الله تعالى، هذا الإنسان الخبير كيف يصف ويقول لك: الخطيئة كيف تبتدئ؟ وكيف تنشأ المعصية في حياة العبد؟ يقول لك ابن القيم رحمه الله تعالى: دافع الخطرة.
والتي هي حديث النفس بالخطيئة، تأتيك خطرة: انظر إلى فلانة، افعل هذا الشيء المحرم، اكسب هذا المال المحرم، اعمل هذه الجريمة؛ هناك خطرة وردت على العقل ووردت على القلب. يقول لك ابن القيم: دافعها، لا تترك لها المجال. دافع الخطرة، إن لم تفعل بقيت تسير هذه الخطرات وتبني عليها الأحلام، صارت فكرة. الآن الأمور تتطور، أصبحت أفكاراً وأصبحت تخطط، صارت فكرة، قال: فدافع الفكرة. إن لم تفعل أصبحت هذه الفكرة شهوة، وهذا حال كثير من الشباب الذين يقعون في الزنا والخيانة وما شابه ذلك. هي فقط نظرة محرمة، هذه النظرة دخلت في خاطره، وبدأ يترجم هذه الخواطر إلى أفكار ويتخيل أنه أصاب من هذه الفتاة، ثم بعد ذلك بعد أن يتخيل هذه المشاعر تصبح هذه الأفكار شهوة حقيقية عنده، يريد أن يفعل المحرم. قال: فإن لم تفعل صارت شهوة فحاربها، حاول أن تحارب، ما زالت الأمور ضمن السيطرة كما يقولون. فإن لم تفعل صارت عزيمة، إذاً الشهوة أنت تبدأ معها وتسير معها في طريقك أصبحت عزيمة للفعل. فإن لم تدافعها صارت فعلاً، نعم العزيمة إذا وصل الإنسان إلى مرحلة العزيمة ولم يحارب هذه العزيمة تترجم على أرض الواقع بالوقوع في هذه المعاصي التي تغضب الله سبحانه وتعالى.
قال: فإن لم تتداركه، يعني إذا أخطأت فعلت الفعل هذا مرة، تدارك نفسك بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنك إذا لم تتدارك التوبة من الفعل الأول يصبح هذا الفعل عادة، يصبح هذا الفعل عادة، تستمرئ المعصية بعد ذلك ويكون فيها الهلاك. قال: فإن لم تتركه بضده صار عادة فيصعب عليك الانتقال عنها. فصلاح هذه المراتب، إذاً أسهل أمر أيها الحبيب حتى تجتنب المعصية أن تدافع ماذا؟ الخطرة البداية، لأن الأمور كلما أصبحت تتجه نحو الأمام أصبحت المدافعة فيها صعوبة على النفس وعلى القلب. فأسهل شيء كما يقول لك الحارث المحاسبي تجتنب به المعاصي عليك أن تدافع الخطرات، أما إذا بدأت تترجم أو أصبحت هذه الخطرات تترجم على أرض الواقع بأفكار ثم شهوات ثم عزائم، تصبح عملية المدافعة تحتاج إلى جهد أكبر. ولذلك هذه نصيحة من عالم كبير. طيب.
ثم يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى بعد ذلك: ولا تصرن على صغيرة، وكما لا يخفى عليكم أن الإصرار على الصغيرة كبيرة. يعني العلماء ما يعدون الكبائر، يعتبرون من الكبائر الإصرار على الصغيرة. يعني الآن هذا الدخان كثير من الناس العوام يظن أنها ماذا؟ صغيرة. نقول نعتبرها صغيرة، لكن الإصرار عليه المداومة على هذا الأمر يصبح كبيرة، كبيرة مثلها مثل الزنا، مثلها مثل الخمر. إنسان لا يبالي بنظر الله عز وجل عليه وهو يفعل هذه الاستهانة بنظر الله عز وجل؛ يعني الاستمرار على المعصية والإصرار عليها وإن كانت صغيرة دليل على ماذا؟ دليل على استهانة بنظر الله سبحانه وتعالى، والاستهانة بالله عز وجل من أكبر الكبائر. والاستهانة بالله من أكبر الكبائر، لذلك العلماء يعدون الإصرار على الصغيرة من قبيل الكبيرة لأن فيه إهانة بحرمة الله سبحانه وتعالى.
ثم يكمل فيقول: وافزع إلى الله عند كل فاقة، وافتقر إليه في كل حال، وتوكل عليه في كل أمر. إذاً افزع إلى الله سبحانه وتعالى في كل فاقة، لاحظوا المعاني تتكرر لكن بصيغ أخرى، عاد إلى اللجوء إلى الله عز وجل وإليه. قال: وافزع إلى الله عند كل فاقة. إذا نزل بك البلاء عليك أن تفزع ابتداء إلى من؟ إلى الله. هل يفزع مثلاً إنسان مرض، هل يفزع ابتداء إلى الطبيب؟ إنسان أصابته فاقة مادية في المال، هل يفزع ابتداء إلى أصدقائه وأصحابه يمد يده أم يفزع ابتداء إلى الله سبحانه وتعالى يلتجئ إليه ويتملق ويخضع وينكسر بين يديه ويطرق ويخلع باب السماء حتى يفتح الله عز وجل عليه من خزائن جوده وكرمه؟ سننظر وفي حاله في هذه الحياة الدنيا، لا يغرنك طاعتك في الراحة، الطاعة في الرخاء سهلة كما يقولون، لكن القلب هذا متى تكتشف علاقته مع الله سبحانه وتعالى؟ في الفاقات. تنظر أين التجأ ابتداء؟ ما أول شيء خطر على القلب عند الفاقة؟ هل خطر الله عز وجل فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيراً منها، اللهم أعني على هذا البلاء؟ هل التجأت إلى الله؟ أم أول شيء خطر في بالك عند الفاقة المخلوق التجأت إليه وفزعت إليه؟
لذلك الصبر عند الأولى يعني ليس الإنسان الذي يصبر هو الذي عندما يفزع في البلاء ويلتجئ إلى المخلوقين، ثم عندما يرى الأبواب سدت عليه ولم يجد مخرجاً أو كما نقول أصبح في الأمر الواقع يقول خلاص حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا ليس مثل ذاك. الذي لجأ إلى الله عز وجل ابتداء هذا مكانه عظيم وعلاقته مع الله عز وجل علاقة صحيحة. أما الذي يوضع في الأمر الواقع يعني إنسان قد يكون من الكفار، وفي النهاية يقع في مصيبة ويصبر عليها ماذا يفعل؟ فليست ميزة الصبر هي الصبر بعد انتهاء المصيبة، ولكن ميزة الصبر الصبر في بداية المصيبة.
ثم قال: إذاً وافزع إلى الله عند كل فاقة، وافتقر إليه في كل حال، ثم لاحظوا أيها الأحبة قال: وافتقر إليه في كل حال، وافزع إليه في الفاقة. فالفزع هي درجة أعلى من الافتقار، الفزع فيه التمام وإقبال سريع على الله عز وجل. فالفزع يكون متى أيها الأحبة عند نزول الفاقات، وأما الافتقار فهذا أمر مستمر مع العبد في جميع أحواله في الرخاء وفي الشدة، لذلك قال: وافتقر إليه في كل حال، وافزع إليه عند الفاقة، فالفزع هي درجة أعلى من درجة الافتقار. وعليه في كل أمر، وهذا كذلك ثمرة الاستغناء بالله.
ثم قال: واعتزل الهوى، عند الإنسان أن يعتزل هوى النفس، وهذا تكلمنا عنه كثيراً في الدروس الماضية؛ لأن أكثر شيء يضر على الإنسان هواها {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ}، ثم قال: ولا تقنع من نفسك بالتربص. أدي يعني فكرة سريعة، قال: ولا تقنع من نفسك بالتربص. ما معنى هذا الكلام من باب المشاركة؟ ما معنى ولا تقنع من نفسك بالتربص؟ بسم الله، تأخير التوبة يعني التسويف منها، كذلك ما معنى التربص؟ التربص هو نوع من الانتظار، التربص هو الانتظار أيها الأحبة، لكن يعني انتظار بترقب كما يقولون، انتظار بترقب جميل.
فالتربص هو الانتظار وانتظار بترقب، فيقول لك أيها الحبيب أيها السالك يا من تريد طريق النجاة، الطريق إلى الله عز وجل لا تكن من المنتظرين، لا تكن من المتفرجين في هذه الحياة الدنيا ثم بعد ذلك تسلك. لا، عليك أن تبادر {وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ}، {وَسَابِقُوا}، المسارعة والمسابقة إلى سلوك طريق المسترشدين. إياك أن تؤخر السلوك، أنت الآن تتعلم هذه الرسالة، لا تقل مثلاً بعد انتهاء هذه الرسالة بإذن الله سنبدأ نضع برنامج، لا، الآن تضع البرنامج، من الدرس من الكلمة من الخطرة تتولد عندك الطريق، هذا يريد أن يقوله الحارث المحاسبي: لا تنتظر، لا تكن من المتفرجين المنتظرين، والناس تسابق ودخلت المضمار وفاز من فاز، {وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ}، فإياك أن تسوف في العمل وإياك أن تسوف كذلك في التوبة، عليك أن تسارع إلى الله عز وجل؛ لأن الحياة ستنقضي في لحظة في غمضة عين، أين سينتهي كل شيء؟
إياك أن تنقضي هذه الحياة وأنت ما زلت متفرجاً، تسوف في العمل وتسوف سلوك طريق المسترشدين وتسوف في النجاة من نار جهنم؛ لأن الإنسان أيها الحبيب عندما ينظر إلى حقيقة هذه الحياة الدنيا يجدها أتفه شيء يمكن أن يفكر فيه، هذه الحياة الدنيا إذا انقضت في لحظة بعد ذلك، يعني تخيل نفسك في لحظة الاحتضار والروح تخرج، سيمر عليك شريط الحياة في لحظات، ستتأسف وتعض أصابع الندم على كل لحظة كنت فيها من المتربصين المنتظرين ولم تكن فيها من السالكين، ستعض أصابع الندم لأنك لم تسلك هذا الطريق ولأنك لم تفعل هذه العبادة، وكان بإمكاني أن أكون أفضل والآن جاء وقت الحساب، كل لحظة وكل ساعة كنت فيها بعيداً عن الله سبحانه وتعالى، كل ساعة كان بإمكانك أن توظفها في العلم في الدعوة في البذل في العطاء، هذا العمر أين أفنيته؟ كل هذه الساعات ستمر عليك في لحظة واحدة في لحظة الاحتضار، وعندها ستعض أصابع الندم كثيراً على عمر أفنيته بعيداً عن الله سبحانه وتعالى، كنت فيه شيخاً في الحياة تلبي احتياجات النفس ولم تنظر فيه إلى الله سبحانه وتعالى تبني الحياة الأبدية السرمدية.
ثم يقول: وأخمل ذكرك، وأدم لله شكرك. وأخمل ذكرك، بشكل عام يقول: لا يحرص الإنسان، لا يكون هدف الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يذكر في مجالس الناس وأن يشار إليه بالبنان كما يقول السكندري رحمه الله تعالى: ادفن وجودك في الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه، ادفن وجودك في أرض الخمول. عليك أن تبدأ حياتك بالخمول، ما معناها لا في إظهار نفسك وفي إبراز نفسك، لماذا؟ قال: لأن الذي يبرز نفسه وهمه الشهرة وثناء الناس عليه، هذا أيها الأحبة لا يتفرغ لطاعته مع الله سبحانه وتعالى، وتنحرف به السكة سريعاً إلى شهوات الحياة الدنيا، إلى النجومية إلى التلفاز إلى تحقيق مآرب الناس وما يطلبه الجمهور، حتى الدعوة حتى الفتيا تصبح كما يطلبه الجمهور وليس ما يطلبه الله عز وجل، وهذا كله من ثمرات التعجل في الإنسان. لذلك على الإنسان أن يدفن وجوده، يتعلم تفرغ للعلم وتفرغ لبناء النفس وبناء الروح، عندما تصبح مؤهلاً أبذل.
لكن بشكل عام التصوف كثير من علماء التصوف عندهم نظرة سلبية لقضية الخمول، هم ينظرون طبعاً هذا ليس من حالة المحاسبة وهذا من مسلكه، لكن كثير من المتصوفة ينظرون إلى الخمول أن الإنسان عليه ألا يسارع في الدعوة في المجتمع والعمل لله سبحانه وتعالى، وأن يكون خاملاً في زاوية في مسجد في طرف وفي ركن، يبقى يذكر الله عز وجل ينظر في حاله ويترك المجتمع على حاله، هذه نظرة عند بعض علماء التصوف وعلماء السلوك لمفهوم الخمول، نظرة خاطئة. ليس الإنسان الخامل الذي يقصده العلماء المتقدمون كالحارث المحاسبي هو الإنسان الذي لا يؤثر في مجتمعه، ليس هذا هو الخمول المطلوب، بل نحن نحتاج إلى الدعاة، الأمة أيها الأحبة في فتن تحتاج إلى الدعاة تحتاج إلى المصلحين الصادقين الربانيين، ولكن لا يمكن أن يتشكل عندي المصلح الصادق المخلص من دون أن يعطي نفسه فترة في طلب العلم، من دون أن يعطي نفسه فترة في بناء الروح وفي بناء النفس، هذا لا يمكن، لذلك يعني كما يقول السكندري: ما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه، إذا أردنا أن نكون داعية إذا أردنا أن نكون عالماً علينا أن ندفنه ابتداء في فترة يتعلم ويبني النفس، الآن بعد ذلك ينبت لنا شجرة تعطي الأكل.
أما ابتداء الإنسان من بداية طريقه ودعوته على وسائل التواصل يفتي ويتكلم ويرشد ويعلم وهو لم يتعلم العلم الصحيح ولم يبنِ نفسه، فهذا أيها الأحبة لم يدفن نفسه في داخل الأرض، فهو كبذرة وضعت على سطح الأرض لو سقيتها وبذرتها هل يمكن أن تخرج شجرة؟ لا يمكن. البذرة متى تخرج شجرة؟ إذا دفنت، يعني هذا الذي يريده السكندري، لماذا قال ادفن وجودك في أرض الخمول؟ هو يعتبر الإنسان الداعية بذرة، هذه البذرة إذا أخفيت في داخل الأرض فترة ثم سقيت بعناية ماذا ستخرج؟ ستخرج شجرة طويلة تعطي أكلها للناس وينتفع الناس بها، أما لو بقيت هذه البذرة على سطح الأرض مهما أبقيتها من الصباح إلى المساء هل يمكن أن تخرج لنا شجرة؟ لا يمكن، هي فوق سطح الأرض. كذلك الإنسان المسلم الذي يطمح أن يكون داعية عليه أن يعطي جزءاً كبيراً من وقته لنفسه في بناء النفس العلم والثقافة وأن يتضلع من العمل، الآن هذه الفترة من العمل وطلب العلم والدعاء والالتجاء إلى الله عز وجل تهيئه لأن يكون داعية ولأن يكون مصلحاً.
لذلك نحن أكثر شيء نأسف عليه أن تجد شاباً يتكلم في دين الله قبل أن يتعلم وأن يتصدر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن يعطي نفسه فرصة للعلم، فهذا ضره على الأمة أكثر من نفعه، لذلك قال وأخمل ذكرك، هذا في بداية الطريق. أما في العمل لا الإنسان أيها الأحبة إذا أصبح عنده قدرة أن ينفع الناس فلينفع الناس. قال: وأدم لله شكرك، هذا فيه كلام عن شكر الله سبحانه وتعالى وتقدم الكلام عليه كثيراً، وأكثر من الاستغفار، واعتبر بالأفكار، وهذا كله مر معنا، واعتبر بالأفكار أي تدبر في مواطن التفكر كما سبق.
ثم قال: هذا الذي يريد الوقوف عنده، واستعد بالعلم لوقوع الفتن، واستعد بالعلم لوقوع الفتن وعليك بالتأني عند موارد العجلة، استعد بالعلم. الحسن البصري يقول أيها الأحبة مقولة من ذهب، ماذا يقول الحسن رحمه الله تعالى؟ يقول: إن الفتنة التي تنزل بهم الفتن إذا أقبلت من يعرفها؟ عرفها العلماء، وإذا أدبرت عرفها كل جاهل. الفتنة إذا أقبلت من يعرفها؟ العلماء، من تضلع بالعلم تعلم وأفنى حياته علماً وعملاً هؤلاء يعرفون هذه فتنة لا تقحم نفسك فيها، لا تدخل هذه المواطن من البلاء، هذه الفتن التي تنزل بالأمة من يعرفها؟ العلماء الربانيون، يقول هذه فتنة هذا ليس صحيح.
والجاهل يظن هذا هو الخير، فيقذف نفسه فيه، فيجده سرابًا قِيعًا صَفْصَفًا، لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا. لذلك الجاهل متى يستيقظ؟ عند ذهاب الفتن، عندما تخلص الفتنة يقول: هذه كانت فتنة ونحن أقحمنا أنفسنا فيها. لذلك هذا الفرق بين العلم وبين الجهل، هذا الفرق بين العلماء وبين عامة الناس. لذلك نقول: تعلم، انظروا الكلمة الخطيرة من المحاسبي، يقول: واستعن بالعلم. الفتن على هذه الأمة من يستطيع أن يعرف أن هذه فتنة وأن هذا هو الحق هو العالم، وطالب العلم المتمكن هو الذي يعرف أن هذه فتنة على الأمة ولا نقحم أنفسنا فيها، وأن هذا خير ونجاة ومسلك للرشاد فعلينا أن نأخذ به.
لذلك عليك أن توجه أبناءك لطلب العلم. هذه أنا لكل أب عنده ابن ممكن أن يتعلم، وجه ابنك لطلب العلم. لا يكن حرصك أيها الحبيب على أن يتعلم ابنك العلوم الدنيوية أكثر من حرصك على أن يتعلم الأمور الأخروية. ما قيمة ابنك إذا أخذ شهادة الطب أو أخذ شهادة الهندسة وأصبح بروفيسور وبعد ذلك ألحد، أو أصبح على بدعة غير موافقة للمنهج والجماعة؟ ما قيمة هذا الابن في ميزان الله؟ أنت قد تفتخر بهذا الابن، ابني معه شهادة وتصوره على الفيس وتنزل الصور، ولكن ابنك في ميزان الله لا قيمة له. ابنك في ميزان الله بعيد عن الله عز وجل، لا قيمة لهذا الابن. لذلك كل أسرة عليها أن توجه ابنها لطلب العلم. نعم أبناء يتوجهون للعلوم الأخرى وابني يوجه إلى طلب العلم، هذا يصلح هذا. نحن لا نحتاج أيها الأحبة إلى مهندسين ولا أطباء ولا عمال ولا صناع، الحمد لله الكل متوفر، صلاح فقط من علماء هذه الأمة صلاح لكل هذه الطبقات.
فليس المهم أن نكثر من الطبقات الأخرى، لا، المهم أن نكثر من الطبقة الصالحة النافعة، العالم الرباني، والعالم الرباني وليس العالم أيضًا التاجر بدينه، نحن نريد العالم الرباني الذي يأخذ بأيدي الناس إلى الصلاح، هذا يصلح كل طبقات المجتمع. وإذا لم نجد هذا وأصبحنا دائمًا نضحك على أنفسنا: العالم لا يمكن أن يعمل، العالم لن يجد رزقًا، العالم لن، سنصبح نحن إذاً جزءًا من المشكلة، نحن لا نريد أن نخلص أنفسنا من الإشكال. نعم نوجه أبناءنا، نبذل أموالنا من أجل أن نخرج لهذه الأمة علماء، هؤلاء هم الذين يأخذون الناس إلى بر الأمان.
لذلك أتبعها بقوله يعني قبل أن أخرج إلى اتباعه، الأجرني رحمه الله تعالى يقول أيها الأحبة في أخلاق العلماء: يقول الناس في هذه الحياة الدنيا في غابة، غابة فيها سباع وفيها بهائم وفيها هوام وفيها أمور مؤذية، والدنيا في ظلمة، هذا حال الناس في هذه الحياة الدنيا في غابة، والعلماء هم المصابيح الذين ينيرون هذه الغابة فيأخذون الناس بعيدًا عن هذه الهوام وعن هذه السباع. نعم، الحياة الدنيا فيها سباع وفيها هوام وفيها أخطار وفيها فتن وفيها بلايا، هذه البلايا لن يخرجك منها إلا عالم رباني يأخذ بيدك إلى بر الأمان. أما إذا بقيت تعتمد على نفسك، لا تريد العلم ولا تريد، فقط تتابع ما نشاهد أمامنا وندخل في الفتن، اعلم أنك ستكون أحد الهالكين في ضمن هذه الفتن، ونسأل الله السلامة والعافية.
لذلك يقول بعد ذلك: وعليك بالتأني عند موارد العجلة، وعليك بالتأني عند موارد العجلة. الآن قضية التأني عند موارد العجلة هذه ثمرة العلم، يعني من كان عالمًا تجد هذا العالم يتأنى، لا يسارع للدخول والولوج في الفتن، ينظر في الأمور ويحسبها بميزانها الصحيح: هل هذا تصرف صحيح أو تصرف غير صحيح؟ هذه الأناة هي التي يتميز بها العالم عن الجاهل. العالم عنده أناة، عنده نظرة طالب العلم المتمكن، الإنسان البصير بدينه. العالم هنا أيها الأحبة لا أقصد به حامل الدكتوراه في قسم الشريعة، العالم هو العالم بالله سبحانه وتعالى، من تعلم ودرس، قد يكون مهندسًا، قد يكون طبيبًا، قد يكون مثقفًا، لكنه تعلم وعرف مراد الله سبحانه وتعالى فأصبح عالمًا، هذا عنده أناة لا يستعجل في اقتحام الشرور وفي اقتحام الفتن.
لذلك يقول لك المحاسبي: يتأنى في موارد العجلة. عندما يتعجل الناس باتباع الفتن أنت لا تكن مع المتعجلين، لا تذهب مع الأمور لأنك ستضيع بين الأقدام. عليك أن تكون في المؤخرة وتنظر بنور الله سبحانه وتعالى، تنظر تتكشف الأمور أمامك بنظرة علمية متزنة تستطيع أن تتخذ القرار. أما من يكب نفسه ويتتابع في الشهوة وفي الشبهة وفي الفتن تتابعًا فهذا قل ما يسلم في هذه الدنيا وعند الله سبحانه وتعالى. ثم قال بعد ذلك: وحسن الأدب في المخالطة. يعني عليك بحسن الأدب في مخالطة الناس كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: وخالق الناس بخلق حسن. قال: ولا تغضب لنفسك على الناس، واغضب لله على نفسك، ولا تغضب لنفسك على الناس، واغضب لله على نفسك. ما معنى هذا الكلام؟ ها أبو ياسين معنا، ولا تغضب لنفسك على الناس واغضب لله على نفسك.
نعم، ممتاز، واغضب لله على نفسك، يعني إذا أساء الناس إليك لا يكن همك لماذا فلان أساء إلي، ولماذا فلان قال عني في المجلس هذا كذا، ولماذا فلان دائمًا يزدري بي، باختصار لا تطلب من الناس أن يعظموك، إذا لم تجد تعظيمًا من الناس لا يكن همك تعظيم الناس لك، فلا تغضب إذا أخطأ الناس في حقك، خلي شعارك كما قال الله عز وجل: ادفع بالتي هي أحسن، هذا هو شعارك في هذه الحياة الدنيا، لأن السالك إلى الله عز وجل لا يجد وقتًا، هي دائمًا التي يتكلم عنها علماء التزكية، السالك والمسترشد إلى الله لا يجد وقتًا ليغضب على الناس، أنت إذا وقتك مشغول في السلوك إلى الله وفي إصلاحه وفي جميع هذه المعاني العظيمة التي تكلم عنها المحاسبي من أول الرسالة، لا أظن أنك ستجد وقتًا حتى تنظر إلى الناس: فلان قال لي كذا، وفلان فعل من كذا، وفلان لماذا أشار إلي؟ تصبح تشغل نفسك عن الناس فتبتعد عن الطريق والناس في مضمار السباق إلى الله، الكل سالك والكل يذهب وأنت وقفت تنظر إلى أفعال الناس معك.
فإياك أن تخطئ هذا الخطأ القاتل الذي أخطأه كثيرون فضلوا عن طريق الرشاد، واغضب لله على نفسك كما قال الشيخ: واغضب لله على نفسك، يعني أن يكون غضبك منصبًا على نفسك المقصرة، دائمًا تغضب: لماذا فعلت كذا؟ لماذا هذه الكلمة خرجت مني في هذا الموطن؟ لماذا نظرت؟ لماذا سمعت؟ لماذا قلت؟ الكل سيعصي، ولكن عليك أن تشغل النفس اللوامة، النفس اللوامة عليها أن تبقى في عمل مستمر، لأن اللوامة هي التي تقودك إلى النفس المطمئنة التي اطمأنت إلى الله سبحانه وتعالى، أما النفس إذا بقيت مع النفس الأمارة بالسوء ولا تقف مع النفس، هنا ستخطئ كثيرًا. لذلك يقول لك: واغضب لله على نفسك، اغضب من أجل الله سبحانه وتعالى على نفسك المقصرة المفرطة التي توقعك المعاصي والذنوب.
ثم قال: ولا تكافئَنَّ أحدًا بإساءة، وهذا مر معنا قبل قليل، أن الإنسان يتعامل مع الناس بالتي هي أحسن، من صبر وغفر كما قال تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. ثم قال: واحذر المدحة للجاهل بنفسه ولا تقبلها لنفسك من أحد. احذر المدحة للجاهل بنفسه، يعني إياك أيها الحبيب أن تمدح إنسانًا يجهل نفسه، بعض الناس إذا مدحته عليه شهدت فيه، يقول لك هذا الشيخ قلت له ما شاء الله، أخونا وما شاء الله فلان طالب علم وما شاء الله فلان عالم، عاد تبدأ الأمور تكبر تكبر كثيرًا ويظن نفسه انتهى إلى قمة الهرم، فإذا هو ساقط من الصخوة، ولا أعلم أن الباب مفتوح. إذا عليك ألا تمدح إنسانًا يجهل نفسه، إذا كان إنسانًا بصيرًا عالمًا فهذا الأمر يأتيه أهون، وإن كان الأصل الابتعاد عن المدح بشكل عام، لكن أخطر شيء أن تمدح إنسانًا يجهل نفسه؛ لأنك إذا مدحت هذا، المدح قد يصبح أثره سلبيًا وعكسيًا عليه، وينظر لنفسه أو يظن أن نفسه قد بلغ في مرتبة عالية وهو في الحقيقة ما زال في بداية الطريق.
وهذا معنى أنصح به طلبة العلم، يعني ألا تغتر بمدح الناس ولا تمدح طالب علم يجهل نفسه، لأن طالب العلم الذي يجهل نفسه إذا مدحته كثيرًا ظن نفسه تبوأ منزلة علمية، يصبح يفتي للناس ويتكلم ويخوض وهو يظن أن الناس كلهم ينظرون لي بعين الاحترام: ما شاء الله، فلان مدحه، والشيخ الفلاني أشار إليه، وهذا فلان قال به الناس كذا، فيبدأ يجول ويصول بهذه الأمة ويحل ويربط وهو في الحقيقة جاهل، فأخطر شيء على النفس وعلى بداية طالب العلم الناشئ أن يمدحه الناس وهو جاهل بنفسه، فينقلب هذا المدح في حقه معصية وبعدًا عن الله سبحانه وتعالى. قال: ولا تقبلها لنفسك من أحد، عليكم أيها الأحبة، يعني خاصة لطلبة العلم، للدعاة، لكل من يتبوأ منزلة، حتى مثلاً للمزكي للعالم لكل سالك إلى الله، أن يحذر من مدح الناس له، ولا أطلب المدح من الناس أولاً، وإذا مدحك الناس عليك أن تمنعهم كما جاء في الحديث: انثروا التراب في وجوه المداحين.
على الإنسان أن يرفض المدح، المدح أيها الأحبة إذا قبلته وكنت يعني القلب ينشرح له وتحاول أن تذهب إلى مواطنه فاعلم أن هذا بداية الرياء وبداية النفاق، بداية الرياء والنفاق أن تحب مدح الناس وذكر الناس لك في المجالس، فإياك أن تكون من هذه الطبقة المحبة للمدح. ثم قال: واقصر الضحك وجانب المزاح، وهذا كذلك من دأب المسترشدين بعدم التفرغ، لا يوجد وقت طويل نتفرغ فيه لكثرة الضحك والمزاح، وإنما هي ساعة فساعة، نعم لابد للإنسان أن يتفرغ وأن يروح عن نفسه، النبي صلى الله عليه وسلم كان يبتسم، النبي صلى الله عليه وسلم كان يداعب أصحابه، ولكن في جل وقته في المهمات، ولا يضيع الوقت في أمور بعيدة عن الجد. فالاصل في حياة الإنسان الجد والعمل والمواظبة، المزاح والمداعبة لا يكون إلا بحق ويكون محصورًا في أوقات محددة تعينه على أوقات الجد. أما العكس، هنا يصبح الخلل، الأصل في حياة الإنسان المزاح والمداعبة وأوقات الجد في حياته قليلة، هذا منحرف عن السكة وعن طريق المسترشدين.
ثم قال: واكتم الأوجاع، واكتم الأوجاع، وكما في مذهب الحنابلة يكره الأنين، فإذا ابتلى الله عز وجل الإنسان بوجع في صدره، في قلبه، في قدمه، في رجله، ابتلي بمرض، عليه ألا يظهر الأوجاع والأنين ما وجد لذلك مخرجًا، عدد الأمور خرجت عن السيطرة أسأل الله السلامة، لكن الأصل في الإنسان أن لا يكثر الأوجاع وألا يظهرها، قال: واكتم الأوجاع، وأظهر التعفف عما في أيدي الناس، واستبطن الثقة، استبطن الثقة، اجعل قلبك دائمًا في ثقة بالله سبحانه وتعالى، واستشعر اليأس. اليأس من ماذا أيها الأحبة؟ هذا سؤال، واستشعر اليأس، عليك دائمًا أن تيأس مما في أيدي الناس. الطمع في أيدي الناس هو الذي يورث الذل، هو الذي يورث الذل، ما بسقت أغصان ذل إلا على بذر طمع كما يقولون، فالنظر والطمع في أيدي الناس يجعلك ذليلاً لهم، واليأس عما في أيدي الناس هو الذي يجعلك غنيًا عنهم، وهذا هو تكرار لما قال قبل قليل وأغلق حوائجك عن الناس، وصن الفقر، صن الفقر أي صن افتقارك إلى الله سبحانه وتعالى بالاستغناء عن الناس.
هي عبارات قد تكون خفية، هي إشارات سريعة، عبارات خفية يقول لك صن الفقر، ما معنى صن الفقر؟ يعني افتقارك إلى الله عز وجل احمه، احمه من خلال اليأس مما في أيدي الناس، فهذه تتبع التي قبلها، من ييأس عما في أيدي الناس فإنه دائمًا في افتقار إلى الله سبحانه وتعالى، فهكذا تصون فقرك لله، إذا أردت أن تحافظ على مرتبة الافتقار والخضوع لله وعلى هذه المشاعر الجميلة عليك أن تبتعد عما في أيدي الناس، وأن تستشعر اليأس بما في أيديهم، بقدر طمعك وبقدر نظر قلبك لما في أيدي الناس بقدر ضياع الفقر والاستكانة إلى الله عز وجل من حياتك. ثم قال: واصبر على ما أصابك وارضَ بما قسم الله لك، الرضا بالقضاء والقدر وتكلمنا عنه كثيرًا، وكن من وعد الله على يقين ومن وعيده على وجل، ولا تتكلفن ما قد كفيت، ولا تتكلفن ما قد كفيت. ما معنى هذا الكلام؟ هذا سؤال لك يا شيخ، ولا تتكلفن ما قد كفيت، ما رأيك في هذا الأمر؟ ما معنى ولا تتكلفن ما قد كفيت؟ يعني الرزق مقسوم لك، لا تحاول أن تبذل جهدًا أكثر من... أحسنت.
يعني الإنسان أيها الأحبة رزقه في هذه الحياة مكتوب، لا تحاول أن تقتحم أبوابًا قد تكون فيها شبهات من أجل أن تحصل رزقًا أكثر من ذلك، يعني لا تظن أن الرزق يأتي بذكائك وبفهلويتك كما يقولون، الرزق من الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل وضع لنا الأبواب الشرعية التي نطرقها، قال ادخلوا هذا الباب ولا تدخلوا هذا الباب، فإياك أن تتكلف بابًا فيه شبهة حتى تحصل به رزقًا، لن تحصل من الرزق إلا ما كتب لك، فإياك أن تتكلف بابًا من الرزق لا يليق بك، كذلك من معاني التكلف هي ما يتعلق بطلبة العلم وبالدعاة، السلف رحمة الله عليهم كانوا يدفعون الفتيا دفعًا.
كانوا يدفعون الفتيا دفعاً. فإذا كان هناك طلبة علم أيها الأحبة، وُجّه السؤال لشخص، وهذا كثير ما يحدث في مجالسنا، يوجه السؤال إلى شخص، الكل يتكلم، الكل يريد أن يبدي وجهة نظره في هذه المسألة. السلف رحمة الله عليهم، الصحابة والتابعون، إذا وُجّه السؤال إلى شخص يدفعه إلى الذي يليه؛ يقول: لا، أتكلم؟ يعني عاد لا توبخني، اسأل فلاناً الآخر. وفلانٌ يدفعه إلى الذي يليه، وهكذا يتدافعون الفتيا. ونحن بالعكس؛ إذا وُجّه السؤال إلى شخص، الكل يريد أن يجيب في هذه القضية. هذا الذي يتكلم عنه المحاسبي: إذا شئت كفيته؛ لا تتكلف الجواب؛ فيه شيء كفاك الله عز وجل مؤنته.
وهذا طبعاً يعود إلى الإخلاص؛ يعني الإنسان المخلص الذي هدفه وجه الله سبحانه وتعالى لا يريد الشهرة، لا يريد نظر الناس إليه، تجده قليل الكلام. إذا وُجّه إليه سؤال أجاب، يرى أن هناك المصلحة فيجيب، وإذا لم يُوجّه إليه سؤال كفاه الله عز وجل مهنة هذا السؤال، لا يتكلم في الإجابة عن أمور وفي الخوض في مسائل هو بغنى عنها. فهذا على العامي وعلى طالب العلم وعلى الداعية أن عليه. قال: ولا تضيعن ما وُكّلت بطلبه. نحن أيها الأحبة كدعاة كطلبة علم وُكّلنا بطلب العلم، وُكّلنا بالتفقه في دين الله سبحانه وتعالى والسلوك في طريق المسترشدين، إياك أن تضيع ما وُكّلت بطلبه. أنت الآن دخلت في هذه الرسالة للحارث المحاسبي، هدفك تحضر عندي وتذهب فقط ولا ننام في الدرس؟ إيش الهدف؟ الهدف نتعلم طريق المسترشدين، نأخذ هذه المعالم، أن نطلب هذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، فإياك أن تضيع.
وإياك أن تضيع نفسك من سلوك هذا الطريق؛ لأن هذا العلم الذي تتعلمه، أنت الآن سمعت الكلمة، هذه الكلمة انتهت، وصلت إليك، أصبحت إما حجة لك أو حجة عليك؛ إما أن تعمل بما تتعلمه الآن وتستمر في الطلب ولا تضيع العلم الذي تطلبه فتستفيد، وإما أن تلقى الله سبحانه وتعالى فيسألك، يقول: أنت تعلمت هذا المعنى وهذه المنزلة وهذا السلوك وهذه القضية تعلمتها الآن، لماذا لم تعمل بها؟ إذاً كما قال لك: ولا تضيعن ما وُكّلت بطلبه. وافتقر إلى الله في كل عطائه. يُعيد كثيراً قضية الافتقار والالتجاء إلى الله، وارغب في النجاة منه. يعني ارغب في النجاة من الله سبحانه وتعالى، والنجاة من الله عز وجل أيها الأحبة تختلف عن النجاة من كل شيء في هذه الدنيا؛ أنت إذا كرهت شيئاً فإنك تفر منه، وأنت إذا أردت أن تهرب أو تنجو من الله عز وجل تفر إليه. إذا أردت أن تنجو من الله -ما معنى تنجو من الله؟ من سخطه من عذابه من عقابه- الطريق كيف؟ أن تهرب إلى الله، لا أن تهرب من الله. وأما كل شيء تخشى منه في هذه الدنيا تريد أن تنجو منه، فإنك تفر منه، فالله عز وجل نخافه فنفر إليه، ومكروهات الدنيا نخافها فنفر منها.
ثم قال: واعفُ عمن ظلمك، وأعطِ من حرمك، وصل في الله من قطعك. يعني وانظروا هذه الجمل الثلاث، كلها تركز على فكرة واحدة؛ ما هي؟ أن المسترشد السالك إلى الله يعامل الناس أحسن مما ينتظر من الناس. يعني لا تنتظر من الناس الإحسان حتى تعاملهم بالإحسان، لا تنتظر من الناس أن يصلوك حتى تصلهم في رحمهم، لا تنتظر من الناس العطاء حتى تعطيهم، يقول لك دائماً: كن أفضل من الناس، كن أنت المتقدم، ابذل للناس الخير ولا تنتظر من الناس خيراً، لذلك كما قال تعالى: لا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا. هذا هو مسلك المسترشدين. ثم قال: وآثر في الله من أحبك، وابذل نفسك ومالك لإخوانك. من أحبك في الله سبحانه وتعالى آثر، إنسان أعطاك المحبة حاول أن تتبادل معه هذا الشعور شعور المحبة. وعلى الإنسان كذلك -وهذا يركز على قضية منهج المحاسبي- المحاسبي ليس من أصحاب التصوف السلبي الذين في الحجرات وعلى الخرق ويقفزون، لا ليس هذا منهجه، يقول لك: ابذل نفسك للناس، ابذل نفسك لإخوانك، عاملهم بالخير؛ فهو يعطيك شيئاً عملياً، شيئاً قدوة حتى تكون أمام الناس، فهذا هو المسترشد الصحيح، هناك علم، هناك تزكية قلب، هناك علاقة صحيحة مع المجتمع، بهذا تكمن شخصية العبد المؤمن.
ثم قال: وارعَ حقوق المولى في دينك؛ أي حقوق الله سبحانه وتعالى عليك أن تؤديها. ولا يعظم في عينيك كبير من المعروف تفعله، لا تحقرن صغيراً من المنكر تفعله. يعني إذا فعلت طاعة لا تستعظمها، تقول: أنا فعلت طاعة اليوم صليت الفجر في جماعة، هذا تَمُنّ على الله سبحانه وتعالى وعلى خلقه، وهذا كثير في الناس؛ يعني إذا جاءه شخص أضجره في عمل في شيء يقول: والله يا أخي أنت كأني ترى اليوم قايم الليل صليت ركعتين، الله يرضى عليك. يعني لا تستعظم شيئاً أيها الحبيب، لا تظن قيام ركعتين أو صدقة قليلة من المال أو شيء أنت تفعله هذا بذكائك وبحرصك، هذا فضل محض لله سبحانه وتعالى عليك. كثير من الناس يمنّون على الله عز وجل بماذا؟ بأفعالهم، خاصة طلبة العلم؛ طالب العلم إياك أن تَمُنّ على الله عز وجل بطلبك للعلم والتقوى، وتنظر إلى الناس بنظرة عليا؛ يعني أنا أطلب العلم والناس في هذه المعامل وفي هذا التيه. أنت تحتاج إلى العلم، أنت الذي تحتاج إلى العلم، لا تظن أن الناس ابتداءً يحتاجون إليك، أنت أول من يحتاج إلى العلم وتفتقر إليه، فإياك أن تستعظم شيئاً من أفعالك، وإياك أن تنظر إلى الناس بنظرة دونية، أني أنا فعلت وغيري لم يفعل، هنا بداية المزالق وبداية المهالك.
ثم قال: ولا تحقرن صغيراً من -وهذا مر معنا- يعني لا تحقرن ذنباً، وتفطن لدسائس القلوب، فإن لله عقوبات. وانظروا العبارة الخطيرة؛ يقول لك: تفطن لدسائس القلوب. قد تظهر الصلاح، وقد تظهر أنك من أهل الخير ومن أصحاب الصفوف الأولى، ومن العباد الزهاد، ومن طلبة العلم، ومن الدعاة، ولكن في القلب دسيسة لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى؛ يعلم أن فلاناً مرائي منافق، هذا يريد وجه الناس، هذا منافق، ويعلم أن فلاناً ظاهره الصلاح وأنه يغض طرفه عن الحرام ولكن أين تذهب وتمر ولا يعلم بمرورها إلا من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. نعم، دسائس القلب تخفى على الخلق ولكنها لا تخفى عن الخالق، فإياك أن تبطن قلبك بمعصية. كثير من القصص التي نسمعها داعية حُرِف؛ إنسان كان على خير ثم بعد ذلك سلك الطريق المهاري، إنسان كان على ثغر من الثغور ثم انقلب على عقبيه؛ لماذا؟ لماذا هذه القصص العجيبة؟ نعم أيها الأحبة، لا تظن أن الله عز وجل يهلك عبداً كان في طاعته، وإنما يهلك عبد في ظاهره الطاعة ولكن في قلبه كان الدسيسة، قال: فإن لله عقوبات. لذلك ما جاء في الحديث: وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يظهر للناس -هذا هو الصحيح هذه الرواية الزيادة: فيما يظهر للناس- أنه يعمل بعمل أهل الجنة، ولكن يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها.
إذاً في أحوال كثيرة ممن انتكسوا وكانوا في الصفوف الأولى وفي المقدمة وفي مقدمي الدعاة إلى الله عز وجل، تنظر في حالهم لماذا انتكسوا؟ تعلم هناك دسائس قلوب جاءت العقوبات من الله عز وجل في لحظات. وهناك أناس يفتنهم الله عز وجل في لحظة الاحتضار؛ تأتيه العقوبة فيتكلم بسخط يوبقه في نار جهنم، فإياك أيها الحبيب أن تخبئ قلبك على دسيسة، من الآن قم بإصلاح النفس والاشتغال بها قبل أن تأتي اللحظات. ثم قال: واحذر التزين بالعلم كما تحذر العجب بالعمل. احذر التزين بالعلم؛ كما جاء في الحديث: المتشبه بما لم يُعطَ كلابس ثوبي زور؛ يعني علم ليس عندك لا تظهره عندك، لا تظهر نفسك أمام الناس على أنك العالم الكبير وأنت فعلاً ما زلت طالب علم، إياك أن تتزين بالعلم وأنت ليس من أهله، الإنسان إذا أُعطي شيئاً يحمد الله عليه، ينفع الناس به، إذا لم يُعط هذا الشيء لا يتكلف، إذا لم تُعط لا تتكلف، وهذا ليس في العلم فقط، في كل شيء، إياك أن تتزين بشيء ليس فيك. لذلك الله عز وجل ماذا قال لليهود أو بماذا وصفهم: لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا. يحبون للناس؛ يعني يظهرون للناس أشياء، وفي الحقيقة لم يفعلوا هذه الأشياء، ينتظرون من الناس، فمن يتزين بالعلم وهو ليس من أهله وبأنه أُعطي شيئاً وهو لم يُعطه، هذا يريد مدح الناس وأن يجلب أنظار الناس إليه، فهذا مهم لطالب العلم أن يحذر من أن يتزين في الأمور التي لم يُعطها كما يحذر العجب بالعمل.
ولا تعتقدن باطناً من الأدب ينقضه عليك ظاهر من العلم. هذه تحتاج إلى مشاركة؛ لا تعتقدن باطناً من الأدب ينقضه عليك ظاهر من العلم. ما رأي المشايخ الأفاضل؟ لا تعتقدن باطناً من الأدب ينقضه عليك ظاهر من العلم. أحياناً بعض كلمات المحاسبي مثل الألغاز، صحيح؟ تحتاج إلى فتح؛ ما معنى لا تعتقدن باطناً من الأدب ينقضه عليك ظاهر من العلم؟ ... هو لم يتطرق إلى الخلوة، يعني في الحقيقة العبارة تحتاج إلى اجتهاد؛ أنا لا أخفيكم، فالفهم الذي يريد المحاسبي، الذي يظهر لي أنه يتكلم عن بعض أحوال العباد، أنه يظن بعض الأمور أدب، يعتقدها، يقول لك: ولا تعتقد باطلاً من الأدب؛ يعتقد أن بعض الأمور هي من الآداب، صحيح، ولكن العلم الشرعي والنصوص الشرعية تدل على أنها ليست من الآداب؛ يعني ينقضه عليه ظاهر من العلم، يعتقد في قلبه أن هناك أدباً، وهذا يكثر في جهال المتصوفة والمتنسكة الذين لا يعملون بالعلم، تجده يظن أنه من الآداب أن يجلس الإنسان على الخرق، أن يكون في حالة يرثى لها، وأن يجلس في الزوايا، ويحرك الرؤوس، ويهز الأقدام والأرجل، يظن أن هذه من الآداب التي تقربه إلى الله عز وجل، ولكن ما الذي ينقضها؟ العلم الظاهر، النصوص الشرعية من الكتاب والسنة تدل أن هذه الأمور التي اعتقدتها أدباً هي ليست من الأدب، لذلك البدعة صاحبها -بشكل عام، أي بدعة- صاحبها يعتقد أنها تقربه إلى الله، والنصوص الشرعية تدل على أنها تبعده من الله عز وجل.
لذلك المحاسبي يقول لك -وانظروا هذا يدل على أنه رجل على السنة- يقول: إياك أن تعتقد شيئاً من الآداب، وأن تلزم نفسك به، يعني تتعب نفسك في سلوكه وفي بذله، ولكن العلوم والنصوص الشرعية في العلم الشرعي تدل على أن هذا ليس هو المسلك إلى الله سبحانه وتعالى؛ ليست الطريقة هي بالبدع، وليس السلوك في طريق المسترشدين بالبدع التي لم يدل عليها العلم، فإياك أن تعتقد شيئاً من الآداب ينقضه عليك العلم، ويدلك على أنه ليس من الآداب. فلذلك سلوك طريق المسترشدين يحتاج إلى علم، كما تطلب العلم في الفقه في العقيدة، كذلك التزكية والأخلاق. وما الذي يقدمه؟ ما الذي يحتاج إلى علم؟ ثم قال: وأطع الله في معصية الناس، ولا تطع الناس في معصية الله. يعني إذا الناس تريدك أن تفعل معصية، هل أفعل ما يريد الناس ولا تفعل ما يريد الله عز وجل؟ تفعل ما يريد الله سبحانه وتعالى، لذلك وأطع الله في معصية الناس؛ الناس تريدك في شيء، والله عز وجل يريدك في مقام آخر، فدائماً أكون في جناب الله سبحانه وتعالى ولا أكون في جناب الناس. قال: ولا تطع الناس في معصية الله.
قال: ولا تدخرن من جهدك عن الله شيئاً؛ يعني ابذل جهدك إلى الله عز وجل بكليتك ولا تدخر أي شيء، لأن الحياة ميدان سباق أيها الحبيب، إياك أن تضيع لحظة عن الله عز وجل، كل جهد تستطيع أن يكون في طاعة الله سبحانه وتعالى ابذله، لأن عند لحظة الاحتضار -أعيد وأكرر- عند لحظة الاحتضار كل شيء فاتك وكنت تستطيع أن تقدمه ستعد الندم عليه، فابذل جهدك ووسعك في أن تكون هذه الحياة بكليتها وجملتها لله سبحانه وتعالى. قال: ولا ترضَ من نفسك لله عملاً. ما معنى هذه يا شيخ؟ ولا ترضَ من نفسك لله عملاً. يعني العمل اللي بتعمله ما تعجب فيه. أحسنت، يعني أي عمل تعمله لا تظن أنه قُبِل عند الله عز وجل، دائماً اتهم عملك، اتهم الصلاة، اتهم الصوم، اتهم الزكاة التي فعلتها، اتهم قراءة القرآن، أن فيها نقصاً، أني لم أوفِّ حق الله عز وجل فيها، كان بالإمكان أن يكون أفضل من ذلك، فدائماً الإنسان يتهم العمل، وليس هو الإنسان عليه أن يبادر للعمل، وبعد ما يعمل ينظر إلى العمل بعين التقصير، حتى يدفعه إلى عمل آخر ويحاول أن يتقن فيه أكثر، ثم إذا عمل يعود فيتهم عمله وكذلك. فإياك أن تظن أن الصلاة التي صليتها قُبِلت، وأن الصيام الذي فعلته قبله الله منك. لذلك الصحابة كانوا يقولون: لو نعلم أن الله عز وجل قبل منا ركعتين كفانا ذلك. ركعتين! فما بالنا أيها الأحبة.
صلوات وعبادات نظن أنفسنا قد وصلنا فيها إلى درجة الكمال، وهي مشوبة بالنقصان. قال: ولا ترضَ من نفسك لله عملاً، وقم بين يديه في صلاتك جملة، يعني الصلاة كما يرضي الله سبحانه وتعالى، وأدِّ زكاة ما افترض الله عليك بالنشاط والرغبة. يعني إذا كان عندك زكاة مال، لا تخرجها وأنت تحب أن هذا المال يبقى عندك. كثير من الناس الزكاة تخرج من قلبه وليس من يده، صحيح؟ يشعر أن هناك جزءاً من جسدهم، وجزاه الله خيراً أنه أدَّى الزكاة بشكل عام أفضل ممن لم يؤدِّ، ولكن أيهما أعلى مرتبة؟ من أخرج الزكاة بحب وإقبال من هذا المال لله، أم من أخرج الزكاة وهو كاره؟ لذلك المنافقون أيها الأحبة، قال تعالى: وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ. وهذا نوع من النفاق، يعني إذا رأيت القلب في تكاسل وخوف أن هذا المال يخرج، ويعني أجِّل الزكاة، دع هذه الزكاة إن شاء الله في آخر الموسم، هذا التصويب في الزكاة اعلم أن فيه هيك صفة من صفات المنافقين؛ أنك ممن تخرج الزكاة وأنت كاره. الإنسان الذي يحب الله ويحب الزكاة ويحب البذل، يخرج الزكاة من أول ما تجب عليه، تجده من المبادرين إلى إخراجها.
إذاً قال: وأدِّ زكاة ما افترض الله عليك بالنشاط والرغبة، واحفظ نفسك من الكذب والغيبة، وهذا في باب الصيام، وهذا معلوم لديكم أن الإنسان يصون نفسه وصيامه من الكذب والغيبة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: مَن لَّمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَن يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ. وقال صلى الله عليه وسلم: إِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ. قال: وارعَ حق الجار والمسكين والقريب، وأدِّب أهلك، يعني وهذا من آخر الكلمات التي ننقض عليها في هذا الدرس قال: وأدِّب أهلك. إسماعيل عليه السلام بماذا وصفه الله أيها الأحبة في كتابه؟ وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ. وانظروا البداية، وكان يأمر أهله، البداية في الدعوة ليس كما يفعل البعض من ينسب نفسه للعلم، تجد أبناءه من أكثر الناس معصية وسوء أخلاق، ولا يؤدبهم ولا يعلمهم؛ طبعاً هذا نتكلم في حالة إهماله وعدم تربيته لهم، ويشتغل بالناس، هذا ليس بصحيح. الداعية والمصلح بداية الإصلاح تكون من النفس ثم المجتمع.
فالحارث المحاسبي إنسان بليغ، إنسان يعقل الطريق إلى الله سبحانه وتعالى كما نحسبه والله حسيبه، يقول: ابدأ بأهلك، على الإنسان أن يؤدب أهله، ما تتعلمه من الفقه علمه لأهلك، وما تتعلمه من طريق المسترشدين علمه لأهلك، علمه لأبنائك. أما يأتيني أب يشكو حال ابنه وقد بلغ العاشرة أو العشرين من العمر، ثم بعد ذلك يشكو! أنت كيف تشكو؟ وأنت هل بذلت نفسك قبل أن يصل إلى العمر الذي يخرج فيه عن السيطرة؟ هل بذلت الجهد الكبير في تربيته في تنشئته؟ الابن في هذه الأزمان أيها الأحبة إذا وصل إلى العمر الثالث عشر والرابع عشر انتهى، انتهى. هناك مئة مجتمع آخر ينتظره؛ في المدرسة، في الجامعة، بعد ذلك أصدقاء الطريق، الرفقاء، هناك مئة مجتمع ينتظر هذا الابن. كذلك العولمة التي هدفها أن يخرجوا الناس من دينهم ومن أديانهم، على وسائل التواصل، على التلفاز، كل شيء موجه في هذا العصر لإبعاد ابنك ولإبعاد زوجتك ولإبعاد بناتك عن الله عز وجل. عليك أن تحذر أن تتفطن، أردت الزواج عليك أن تعرف أن هناك مسؤولية، تربية الأبناء أولى شيء، أوجب الواجبات، فعلى الإنسان أن يؤدب نفسه، وإياك يا طالب العلم خاصة أن تظن أن طلبك للعلم يشغلك عن تربية الأبناء، إياك أن تظن أن الدعوة للناس تبرر لك أن يخرج أبناؤك على غير السكة الصحيحة، وهذا وقع فيه كثير من الأناس، فعلى طالب العلم وعلى الداعي وعلى المصلح وعلى الناس عامة أن ينشغلوا بهذا الأمر وبهذه القضية؛ لأن صلاح الأسرة به صلاح المجتمع بكليته.
قال: وارفق بمن ملكت يمينك، من ملكت يمينك يا شيخ؟ وارفق بمن ملكت يمينه ماذا يقصد؟ لا، أحسنت، السبايا، ولكنهم يتكلمون في عصورهم، عصر الإمام الحارث المحاسبي كانت القضية ما زالت موجودة في أزمانهم، الله عز وجل كثيراً ما عبّر بقضية ملك اليمين في القرآن صحيح؟ ملك اليمين هي السبايا والجواري التي كانت في العصور المتقدمة، فهذا يتكلم فيه عن عصره رحمه الله تعالى. قال: وكن قواماً بالقسط، قواماً مش قائماً بالقسط. الله عز وجل أيها الأحبة عندما قال في كتابه قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ، ما معنى قوامين بالقسط؟ لم يقل قائمين، ما الفرق بينهما؟ هذه صيغة مبالغة، يعني ليس فقط عادلاً، لا، حريص على العدل، وتحاول أن تصل إلى العدل في أسرتك وفي مجتمعك بقدر الاستطاعة، لذلك عبّر بصيغة مبالغة ليدلل على أن الأمر خطير، وأن كثيراً من الناس يجورون في هذا الأمر ويتساهلون فيه، بل قد يكون من مظاهر أهل الصلاح؛ إذا رزقك الله عز وجل وظيفة أدِّ الحق فيها، أدِّ العدل فيها، أنت الآن تأخذ مالاً على وظيفة، على عمل أُمنت عليه، عليك أن تكون قواماً بالقسط بالعدل، تعرف أن هذه المال وهذه الوظيفة التي تجني بها المال ستُسأل عنها أمام الله عز وجل، هل أديت حقها أم خنت أصحابها ولم تؤدِّ لهم حقوقهم؟ إذاً الإنسان يكون قواماً بالقسط، يفهم هذا المعنى بالشكل الكامل الكلي، لا يفهم قضية القوامة أنها جهد المحاكم وأصحاب القضايا، لا، على نفسك، على وظيفتك، على مالك، على أسرتك، تكون قواماً بالقسط والعدل وتتقي الله سبحانه وتعالى.
قال: وإذا حُدِّثت بخير فتعجَّله، وما اشتبه عليك فدعه، والزم الرحمة للمذنبين، ولا تدع النصيحة للمؤمنين، وقل الحق حيثما كنت. إذاً والزم الرحمة للمذنبين، دائماً الإنسان الداعي يا طالب العلم المصلح لا ينظر إلى الناس، إلى المذنبين، إلى العصاة بعين الازدراء، بل ينظر بعين الرأفة، ويعلم أن الله عز وجل كان بإمكانه أن يجعله واحداً من هؤلاء، ولكن بمنِّه وفضله أبعده عنهم ولم يجعله في طريقهم، فينظر إليهم بعين الرحمة، ينظر أن هؤلاء قوم ابتُلوا بمعصية الله سبحانه وتعالى، قوم سيعضُّون أصابع الندم. هذه الرحمة التي كان يمتلكها محمد صلى الله عليه وسلم على كفار قريش وعلى غيرهم، كما ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم قصة ذلك النبي، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: كان نبياً من الأنبياء جاءه أذاه قومه، فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. انظر هذه الرحمة كفار وليس عصاة. فالإنسان طبعاً هي رحمة معتدلة؛ لأن هذه الرحمة لا تجعلك تغضب لحرمات الله عز وجل ولا توقف المجرمين عند حدهم، ولا تبين للناس أن هؤلاء أصحاب الفجور علينا أن نجتنبهم وأن نعرِّفهم أمام الناس ونبين أن هؤلاء أصحاب الفجور. فهي نظرة معتدلة إذاً، هي رحمة وإشفاق ولكن هذا لا يعني أن يزيد عن حده، فينقلب هذا الأمر إلى تساهل مع أهل المعصية والجلوس معهم واستمراء الأمر، فهي نظرة معتدلة. ومن يقرأ كلام المحاسبي بكليته يفهم الأمور في موازينها، ولا تدع النصيحة للمؤمنين، وقل الحق حيثما كنت. نسأل الله أن يجعلنا ممن يقول الحق حيثما كانوا ومن العاملين به، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل