تسجيل الدخول

شرح رسالة المسترشدين 16

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، هم يسمعون كلامهم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، وانتهينا إلى منازل جديدة من منازل السائرين إلى الله سبحانه وتعالى. سيتكلم المحاسبي في الفقرة التي معنا أيها الأحبة ابتداء عن مجموعة من الآداب التي تتعلق باللسان. سيتكلم عن مجموعة من الآداب ومجموعة من السلوكيات التي ينبغي أن يتحلى بها المسترشد فيما يتعلق بلسانه. ما هي هذه الآداب؟ قال رحمه الله تعالى: ولا تكثر الأيمان وإن كنت صادقاً، ولا تخاصم وإن كنت محقاً، واحذر التوسع في المنطق وإن كنت بليغاً، وإياك والتكلف في الدين وإن كنت عالماً به، وقدم العلم قبل كل مقال.

إذاً هذه مجموعة من السلوكيات التي تتعلق باللسان. كيف يحكم المسترشد لسانه؟ هناك آداب لهذا العضو المهم الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أكثر ما يدخل الناس النار ما هي؟ وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم؟ فينبغي على المسترشد أن يعرف كيف يحكم هذه الآلة ما لها وما عليها. فابتداء يقول المحاسبي رحمه الله: ولا تكثر الأيمان وإن كنت صادقاً. هذا الأدب الأول، يمكن أن نعنون لهذا الأدب بآية قرآنية، هو عندنا يعني آية قرآنية من كلمتين أو هي جزء من آية من كلمتين. من يأتيني بآية نستطيع أن نجعلها عنواناً لهذا الموضوع؟ من سورة المائدة، هي جزء من آية.

واحفظوا أيمانكم. واحفظوا أيمانكم، هذه هي هذه الفقرة أو هذه العبارة. إيش يقول المحاسبي رحمه الله تعالى: ولا تكثر الأيمان وإن كنت صادقاً. لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى في كتابه العظيم أمرنا فقال: وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. لا تبذل يمينك في الأمور المستهجنة وفي محقرات الأمور. لذلك أيها الأحبة من يكثر الحلف بالله، من يكثر الحلف بالله في القليل والكثير هذه أمارة على قلة محبته وتعظيمه لله. هذه أمارة على قلة محبته وتعظيمه لله؛ لماذا؟ لأنه لو كان معظماً لربه سبحانه وتعالى، ولو كان محباً له حق المحبة لصان اسمه الكريم أن يبذله في محقرات الأمور. أنت إذا أحببت إنساناً فإن ذكره لا يأتي على لسانك إلا في الأمور الجليلة والوقر، أما أن يكون ذكر الله عز وجل على لسانك في الأمور الجليلة وفي الأمور المحتقرة وفي سفاسف الأمور، دائماً تشهد عليها الله سبحانه وتعالى، فهذا كما قلنا أمارة على قلة التعظيم والتوقير لله عز وجل.

لذلك لما كثرت هذه الآفة في مجتمعاتنا وجدنا الناس أمام القضاء وفي المحاكم وفي الخصومات يستهينون بالحلف بالله عز وجل على الكذب وعلى الزور. لذلك يعني في المثل المشهور ماذا يقولون؟ إن لله حرام أسرق قال أجا الفرج ولا لا؟ أو قيل للحرام يحلف خارج الفرج؛ لماذا؟ لأن الأمر عنده أصبح هيناً. المجتمع يعين على هذه القضية من خلال إكثار الحلف بالله عز وجل صادقاً كاذباً لا يهمه، المهم ذكر الله عز وجل على لسانه والإشهاد به. لذلك هذه مراجعة ينبغي أن يراجع العبد بها نفسه، ألا يحلف بالله سبحانه وتعالى إلا في الأمور العظيمة الجليلة التي يحتاج فيها إلى اليمين.

لذلك الله عز وجل عندما جعل اليمين جزءاً في القضاء؛ لأن اليمين كانت في المجتمع الإسلامي شيئاً معظماً، شيئاً له قيمته، لا يقدم الإنسان عليها إلا في الأمور العظيمة. والنبي صلى الله عليه وسلم بين في الأحاديث الكثيرة أنه من حلف على يمين فاجرة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، وغير ذلك من النصوص العظيمة التي تدل على خطورة الحلف بغير الله كاذباً. لذلك الحارث المحاسبي رحمه الله أعطاك هذا الأدب أيها المسترشد: لا تكثر، لا تكثر حتى ولو كنت صادقاً، نعم حتى ولو كنت صادقاً؛ لأن كثير الحلف في الصدق قد يجرك رويداً رويداً إلى بعض الحلف في الكذب، وتصبح الأمور عندك يعني هينة بسيطة لا تشعر بعظمة هذا الاسم الجليل الذي يأتي على لسانك.

طيب، أدب آخر أيها الأحبة كذلك من الآداب اللسانية، قال: ولا تخاصم وإن كنت محقاً. لا تخاصم وإن كنت محقاً. ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم. أبغض الرجال إلى الله. من أكثر الرجال الذين يبغضهم؟ والله أيها الأحبة لا يبغضهم مخلوق أو نحن نبغضهم، الله سبحانه وتعالى هو الذي يبغضهم. من هم؟ قال: الألد الخصم؛ كثير الجدال والخصومات، مسلماً كان أو كافراً يبغضهم الله سبحانه وتعالى. هذا حديث صحيح يدل على أن من أكثر الأمور التي يبغضها الله أن يكون كثير الجدال وكثير الخصومة.

لذلك المحاسبي رحمه الله تعالى يقول لك: ولا تخاصم وإن كنت محقاً. هذا الخلق أيها الأحبة، كثرة الجدال وكثرة الخصومات من أهم الأخلاق التي ينبغي أن يجتنبها المسترشد في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأنها أولاً تضيع الأعمار. أنت تجلس تناقش والشيطان يشعر الأمور، فتجد الساعات ذهبت في نقاش في أمر هين سهل، أخذ منك ساعات وأخذ منك كذلك جهداً في التحضير له، وكم من أعمار فنيت لكثير من طلبة العلم وللدعاة في الردود وفي الجدال وفي الخصومات. فنيت كثير من الأعمار في جدال وخصومات بدل أن نثمر لهذه الأمة علماً حقيقياً تجتمع عليه الكلمة وتأتلف عليه القلوب، أثمرنا جدالاً وخصومات ومنازعات في كثير من المسائل كفانا الله عز وجل إياها.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث، اختلف في صحته ولكن كثيراً ما يريده العلماء في هذا الباب، قال صلى الله عليه وسلم: أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً. عملت الكلمة، المحاسب اترك الخصام وإن كنت محقاً. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا زعيم أي كفيل. النبي صلى الله عليه وسلم يكفل لك، يكفل ماذا؟ يضمن لك، تكفل لك بيتاً في ربض الجنة أي في فناء الجنة، قال: لمن ترك المراء وإن كان محقاً. المراء أيها الأحبة خطورته عظيمة على طالب العلم وعلى الداعي وعلى المسترشد، وأكثر الخطر ما ذكرناه ابتداء هو ذهاب الأعمار فيما لا يعود بالخير.

كذلك من ضرره الصدور، تجد الإنسان دائماً صدره ممتلئ على أخيه وعلى من جادله وعلى من ناقشه، يعود إلى المنزل تبدأ حسابات جديدة كيف نبدأ الرد فكيف رداً متيناً قوياً على فلان وعلى الداعية الفلاني، ثم بعد ذلك تبدأ الحسابات العمل على فيسبوك وما شابه ذلك، ثم نعود مرة أخرى، والأمور تختلف والقلوب، إذاً هناك مضيعة للأعمار، هناك إيغار في الصدور، هناك ابتعاد عن السلوك إلى الله عز وجل. المسترشد الآن تبدأ ينحرف قليلاً عن الطريق، قليلاً قليلاً حتى يوقعه الشيطان في متاهة من المتاهات.

لذلك هذا الخلق ينبغي أن يتحلى به طالب العلم خاصة أيها الأحبة في هذا الزمان. أنت في زمان مفتوح على وسائل التواصل الاجتماعي ومفتوحة أمام العالم، الكل يحب يتكلم والكل يحب أن يبدي رأيه، والجدالات والنقاشات كثيرة في أمور العقائد وفي أمور الطاعات وفي جل أمور الدين. إذا مسترشد أيها الأحبة وإذا طالب العلم لم يحكم نفسه ولم يربي نفسه على أن يتكلم ما يعرف ثم يسكت، بعد ذلك لا يكلف الله نفساً إلا وسعها. تكلم بما يهم، عندك فائدة تختم بها المجتمع تكلم بها، وما زاد عن ذلك فلا يهمك، وهذا يشغلك عن ربك وعن طريقك.

طيب، بعد ذلك يقول الحارث المحاسبي أيضاً من الآداب اللسانية التي ذكرها: واحذر التوسع في المنطق وإن كنت بليغاً. واحذر التوسع في المنطق وإن كنت بليغاً. وهذا يعني يتعلق بشكل عام بالدعاة وبالمصلحين وبطلبة العلم وبالمتصدرين للكلمة أمام الناس، أن يحذر من التوسع في المنطق أي في الكلام، حتى ولو أوتي بلاغة وحلاوة في اللسان. عائشة رضي الله تعالى عنها أيها الأحبة تخبرنا عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم، تقول: كان عليه الصلاة والسلام يحدثنا حديثاً لو عده العاد لأحصاه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بموعظة إذا نصح وإذا أعطى شيئاً، إذا تكلم فإنما هو كلام محصور تتم به الفائدة، ولا يكثر ويتشعب به على الآخرين وعلى الناس وعلى السامعين. لماذا؟ لأن المقصد من الكلام هو إيصال الأفكار، إذا وصلت الأفكار انتهى الأمر، وليس المقصد من الكلام هو إظهار القدرات وإظهار الإبداع في المنطق وإظهار القوة البلاغية، لا ليس هذا هو المقصد. نعم لو كان الكلام موجزاً وفيه نوع من الجماليات نعم هذا قد أرغب للنفس، ولكن بشكل عام المقصود من الكلام معناه وليس المقصود هي الألفاظ بحد ذاتها.

لذلك كما أيضاً عائشة رضي الله تعالى عنها في حديث آخر تقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لم يكن يسرد الكلام كسردكم. هي تخبر التابعين ومن من لم يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم تخبرهم بماذا؟ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يسرد الكلام كسردكم. هذا تتكلم به مع التابعين، فماذا لا تتكلم معنا؟ نحن نتكلم كثيراً، إذا كان مع التابعين العظام الجلة تقول لهم لا يسرد الكلام كسردكم، فنحن أيها الأحبة أولى بأن ننتصح بهذه النصيحة، وأن يتكلم الإنسان مهما كان موقعه في الحياة يتكلم بالنصيحة بالموعظة بقدر ما تؤتي الفائدة أكلها وبقدر ما يفيد الناس، ثم بعد ذلك فعليه بخاصة نفسه. وأما كثرة الكلام والتشدق وكثرة الحديث لإظهار النفس قد يكون مدخلاً من مداخل الرياء.

ثم يقول بعد ذلك أيضاً المحاسبي: وإياك والتكلف في الدين وإن كنت عالماً به. إياك والتكلف في الدين وإن كنت عالماً به، ما معنى هذا؟ هذا سؤال أيها الأحبة. قل وإياك والتكلف في الدين. من يجيب؟ ها، وإياك والتكلف في الدين وإن كنت عالماً به ما معنى هذه الفقرة؟ ما معنى إياك والتكلف في الدين؟ ماذا يقصد بالتكلف في الدين؟ ها. أحسنت، هذا صورة من صور التكلف أحسنت، الكلام في الفتوى. في الفتوى، هذا من أهم صور التكلف. هل يوجد هناك أيضاً تصور يعني أشمل لهذا الموضوع قضية التكلم في الدين؟

إذاً نقول أيها الأحبة بشكل عام لنستطيع يعني أن نحدد هو ليس تحديداً وتقريباً أن نقول التكلم في الدين له صور وأشكال. من صوره ما ذكره الأحبة ابتداء، ألا يتكلم الإنسان بشيء لا يعرفه، قد يكون هذا الشيء معروفاً لغيرك لكن أنت لا تعرفه فلا تتكلم به. رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه في هذه المسائل، حتى ولو كنت طالب علم نعم حتى ولو كنت طالب علم، حتى ولو كنت عالماً حتى ولو كنت عالماً، ما علمت تتكلم به وما جهلت تقول الله أعلم بعلمه كما سيأتي معنا في ذكر قضية الله أعلم. لذلك هذه صورة من صور عدم التكلف؛ لأن يعني كثير من الناس يتكلم فيما لا يعرف ويتكلم فيما لا يحسن وفيما لا يتقن، لإظهار ماذا؟ لإظهار القدرات اللسانية أو التصنع للناس وهذا حاله وحال اليهود، ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، شيء لا يتقنه ويتكلم فيه. المعادلة هذه كيف نفهمها؟ أنت لا تتقنه ولا تحسنه، ثم تتكلم فيه وتظهر للناس أنك تتقنه وتحسنه، الآن هل يمكن أن يكون هذا الإنسان مخلصاً؟ هل يمكن أن يكون صادقاً؟ لو كان صادقاً لجعله صدقه يكتم اللسان؛ لأنه لا يحسن. فهنا إذاً هناك معادلة قلبية عند هذا الشخص، هو يريد شيئاً آخر لا يريد الإخلاص؛ لأنك أنت تعلم من نفسك أنك لا تحسن الكلام في هذا الموضوع، وكما قال الإمام مالك: لا تتكلم بما لم تحط به خبراً، ومع ذلك تتكلم وتتجرأ وتتسرع. إذاً هذا صورة من صور التكلم في الدين أن يتكلم الإنسان بما لا يعرف.

كذلك من صور التكلف في الدين أيها الأحبة أن يتكلم الإنسان وأن يخوض حتى ولو كان عالماً فيما حجب عنا معرفته، هناك بعض المسائل الشرعية حجبت عنا معرفتها. يخوض بعض الناس في تفاصيل اليوم الآخر التي لا يمكن أن نعرفها بعقولنا، يخوض في كيفية اتصاف الله بصفاته، يخوض في بعض الآيات التي مآلها عند الله سبحانه وتعالى، علامات الساعة كيف ستكون؟ وهل سنكون؟ وهل هناك يوجد ولا يوجد؟ كثير من القضايا الغيبية التي لم تبين لنا وإنما هي في علم الله سبحانه وتعالى، من سبل التكلف أن تخوض فيه وأن تحاول أن تجتهد وتعمل العقل فيها. أولاً لا فائدة مرجوة منها قطعا؛ لأنه لو كان فيها فائدة لبينها الله عز وجل ابتداء، أنت بعد ذلك كما قال تعالى: تَرْجُمُونَ بِالْغَيْبِ. تَرْجُمُونَ بِالْغَيْبِ. كم عدد أصحاب الكهف أيها الأحبة؟ الله عز وجل علمنا. نعم ذكر القصص وذكر العلماء ما هو الراجح من الأقوال، لكن الله عز وجل أراد أن يعلمنا أدباً أن مثل هذه الأمور التي سكت عنها لا نضع في ذكرها. البقرة التي ذبحها موسى هل كانت مثلاً بقرة من أي الأنواع؟ طيب ما هو العضو الذي ضرب به موسى القتيل؟ هل كان الكتف أو كان القدم؟ هل هل هذا منها فائدة؟ هل لنا لم تبين لنا أيها الأحبة؟ فالخوض في مثل هذه الأمور التي لا ثمرة فيها ولا نفع فيها من التكلف في الدين. كذلك الصورة الثالثة من صور التكلف في الدين التكلف في العمل، وهو المتنطع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هلك المتنطعون. التنطع أيها الأحبة التكلف في.

العمل أن تجبر نفسك وأن تحملها على أفعال فوق ما تطيق. وكذلك الداعي أن يحمل الناس على أفعال فوق ما يطيقون من التكلم في الدين. داعية يخبر الناس دائماً بأمور مثالية عظيمة جداً لا يمكن أن يطبقوها في واقعهم. يقول لهم ينبغي أن تصلوا في كل يوم ألف ركعة، ويكون لك خمسة آلاف تسبيحة، وينبغي أن نقول كذا وكذا من الورد، ثم بعد ذلك السامع يسمع يجد أنه لن يبقى له يوم بعد ذلك. هذا كذلك من التكلف في الدين، الناس على ما لا يطيقون من العبادات وما لا تسعه أوقاتهم.

لذلك إذاً التكلم في الدين مفهوم شامل، يشمل أن يتكلم الإنسان بما لا يعرف، أن يخوض الإنسان في مسائل كتمها الله عز وجل وحجبها عنا، وأن يتكلف في الأعمال، وأن يكلف الناس ما لا يطيقون من التصرفات الشرعية. لذلك قال: وإياك والتكلف في الدين، وإن كنت عالماً به؛ حتى وإن كنت من العلماء من طلبة العلم فاحذر من التكلف، لأن كثيراً من عادوا أدراجهم وارتدوا على أعقابهم.

طيب، الآن خلق جديد أيها الأحبة أيضاً من الآداب اللسانية، يقول: وقدم العلم قبل كل مقال، وقدم العلم قبل كل مقال. ما معنى هذا الكلام؟ أيها المشايخ هنا، وقدم العلم قبل كل مقال، ماذا يريد الحارث المحاسبي؟ يعني أراد الواحد يعني يعلم ثم يتكلم، يعني في هناك شيء ثاني يا شيخ عمر؟ وقدم العلم قبل كل مقال يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: ينبغي على الإنسان قبل أن يتكلم، قبل أن يعمل، أن يقدم العلم. لذلك البخاري رحمه الله بماذا بوب؟ قال: باب العلم قبل القول والعمل، باب العلم قبل القول والعمل.

فالإنسان أيها الأحبة يبدأ بالعلم، ولا يحل له أن يقدم على قول اللسان أو عمل بالجوارح قبل أن يعلم حكم الله سبحانه وتعالى فيه، وهذا نقل عليه الشافعي ثم الغزالي إجماع العلماء. كثير من الناس يتهاونون في هذه القضية، يتكلمون بما قال، أو يفعل فعلاً، ثم بعد ذلك يأتي فيسأل عن الحكم. هذا خلاف الأمر الشرعي، الأمر الشرعي قال: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. إذاً ابتداء القضية علم. بعد أن تعلم حكم هذا القول الذي تتكلم به، أو حكم هذا الفعل الذي عليه، بعد ذلك يحل لك أن تتكلم وأن تقدم عليه.

لذلك هنا يعني سريعاً، ابن القيم رحمه الله تعالى في إعلام الموقعين يقول: الفعل الناجح ما شروطه؟ الفعل الناجح المقبول عند الله عز وجل، أو الذي يمكن أن تصل فيه إلى الثمرة المقصودة، ما شروطه؟ ذكر ثلاثة شروط كما ترون في الحاشية. الشرط الأول من شروط العمل الناجح ابتداءً أن تعلم حكم الله عز وجل فيه. الآن هناك عمل تريد أن تعمله، أول شرط مقياس من معيار نجاح هذا العمل أن تكون عالماً بحكم الله عز وجل فيه. هل هذا الفعل واجب؟ هل هذا الفعل مستحب؟ هل هذا الفعل مباح؟ هل هذا الفعل محرم ومكروه؟ إذاً ابتداءً عليك أن تعلم حكم الله سبحانه وتعالى. يقول العبد إذا عزم على فعل أمر فعليه أن يعلم أولاً: هل هو طاعة لله أم لا؟ فإن لم يكن طاعة فلا يفعله إلا أن يكون مباحاً يستعين به على الطاعة. إذاً هذا هو المعيار الأول، أن تعلم حكم الفعل.

إذاً العلم الآن، المعيار الثاني لنجاح العمل ما هو؟ قال: أن تنظر هل أنت معان عليه أم لا؟ هل أنت معان عليه أم لا؟ إذاً ابتداءً أنا أتيت إلى عمل عرفت أنه طاعة يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، علي أن أنظر في الشرط الثاني: هل أنا معان على هذا العمل؟ ما معنى هذا أيها الأحبة؟ مثلاً كثير من إخواننا من طلبة العلم أو ممن يحب العلم ابتداءً ينظر في طلب العلم، يقول لك والله طلب العلم قربة إلى الله سبحانه وتعالى. الآن نقوله قبل أن تقدم، نعم عرفت أنه قربة، قبل أن تقدم على الطلب عليك أن تنظر في المعيار الثاني: هل أنت معان عليه؟ يعني هل آتاك الله عز وجل ملكات عقلية تعينك على طلب العلم؟ هل لديك من الأوقات ما تعينك على الدخول في التعمق؟

الآن هناك جزء من طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، هذا ينبغي على الكل أن يطلبه. لكن نتكلم عن الخوض في مسائل العلوم الشرعية وفي أتون الفروع والمسائل والمتون، هل تنظر الإنسان في نفسه هل آتاه الله عز وجل عقلاً يساعده في دراسته؟ قد يكون الإنسان لم يؤت عقلاً؛ خلاص، فله عقله صناعي، عقله تجاري، عقله شيء آخر، لا ينجم عقله وقلبه عن العلم. فهذا إذا لم توجد عنده الإعانة من الله عز وجل على هذا التصرف. كذلك إنسان أيها الأحبة يريد أن يتصدق بمال مثلاً وهو معدم وكثرت عليه ديون، الآن يعني هو جميل، الآن تقول أريد أن أتصدق والعمل تقديم هذه الصدقات قربة لله عز وجل، لكن ممتاز، وجد المعيار الأول، نأتي للمعيار الثاني، هل أعانك الله عز وجل على هذا العمل؟ أنت معدم، عليك ديون، أولادك يحتاجون لنفقات، تذهب لتخرج من حاجة أبنائك ومن حاجة أسرتك إلى الفقراء والمساكين، ويجلس الأبناء يتضورون جوعاً ولا يجدون ما يسدون به حياتهم، أهذا من الجهل أيها بالعمل؟ ليس هذا هو العمل القربة، عمل القربة له معايير. المعيار الأول للعلم، المعيار الثاني أن تنظر هل أعانك الله عليه، فهذا الشخص لم يعن على هذا، فعليه أن يحمد الله عز وجل ويسأل الله من فضله، أما أن يتكلف أعمالاً لا يطيقها فقط لمجرد أنها طاعة فليس هذه النظرة الشرعية المتكاملة للعمل الناجح.

طيب جميل، إذاً المعيار الأول كما قلنا العلم، المعيار الثاني أن ينظر هل هو معان عليه؟ وجد نفسه معاناً على هذا الفعل عليه أن ينظر في المعيار الثالث والأخير وهو أن يأتي هذا الفعل من بابه، وأن يطرقه من أبوابه الصحيحة. فإذا كنت طالب علم أتاك الله عز وجل ملكات عقلية جيدة، أتاك الله عز وجل تفرغاً، وجدت الأمور تساعدك في ذلك، عليك أن تأتي العلم من بابه؛ لأنه حتى لو كان عندك ملكات عقلية وعندك إعانة في الجملة لكنك لم تطرق هذه الأبواب وهذه العلوم وهذه المسائل من بابها، وإنما أتيت البيوت من ظهورها، لا يمكن أن تفلح ولا يمكن للعمل أن يثمر شيئاً نافعاً. وقل ذلك في جميع العبادات وفي جميع الطاعات. الصدقات عليك أن تأتي بها من باب في الوجوه المشروعة لها شرعاً في مظانها الصحيحة، لا يستعجل الإنسان في إخراجها فيضعها في يد من لا يستحقها، هذا من إتقان العمل. وقل ذلك في الصلاة وقل ذلك في الصيام وفي سائر الأعمال. إذاً باختصار شروط العمل الناجح كما نقول المواصفات له ثلاثة: بدءاً ثم أن ينظر الإنسان في نفسه هل هو معان عليه، أوتي قدرة عليه، ثم بعد ذلك أن يطرق هذا العمل من بابه الصحيح.

ثم بعد ذلك بإنهاء الحارث المحاسبي رحمه الله هذه الآداب اللسانية انتقل إلى مجموعة من الآداب نمر عليها سريعاً وتباعاً. يقول لك رحمه الله: والزم الإشفاق بعد الاجتهاد. هذا أول مسلك من مسالك المسترشدين، والزم الإشفاق بعد الاجتهاد. ما هو الإشفاق؟ الخوف، هو نوع من أنواع الخوف. فالإنسان أيها الأحبة السالك إلى الله يكون عنده خوف وإشفاق ابتداءً ألا يوفق للعمل، ثم بعد ذلك إذا وفق للعمل واجتهد في تحصيله وفعله، سواء كان هذا العمل صلاة، صيام، قيام ليل، قراءة قرآن، طلب علم، مهما كان هذا العمل، إذا وفقت واجتهدت وبذلت المجهود فيه بعد هذا العمل لا تقل الحمد لله وصلت انتهى الأمر، لا، عليك أن تشفق إشفاقاً ثانياً بعد العمل. الإشفاق الثاني بعد العمل يكون بماذا؟ يكون أن تخاف ألا يتقبل منك هذا العمل. إذاً هناك إشفاق قبل العمل ألا يوفق إليه، وهناك إشفاق بعد العمل أن تخاف أن هذا العمل لم يقبله الله سبحانه وتعالى منك.

لذلك كما جاء في تفسير قوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ. الآن عائشة رضي الله عنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة، ما معنى هذه الآية؟ فعائشة تقول يا رسول الله، هل هم الذين يشربون الخمر ويسرقون، هؤلاء الذين يفعلون يؤتون ما آتوا وهم خائفون هل هم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يا ابنة الصديق، وإنما هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخشون ألا يتقبل منهم، ويخشون ألا يتقبل منهم، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم بين لنا من هم السابقون. لذلك ختم الحديث النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أولئك يسارعون في الخيرات. إذاً من معالم طريق المسترشدين أن المسترشد لا يضمن عملاً لنفسه، دائماً يخشى أن أعماله لم يتقبلها الله سبحانه وتعالى، يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. يخشى أن يقف بين يدي مولاه سبحانه وتعالى فيسأله عن صلاته وعن صيامه وعن هل أداها على الوجه الذي يرضي الله سبحانه وتعالى أم كانت ناقصة وفيها خداج؟ فالإنسان عليه إذاً أن يكون بين إشفاقين. والصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا قبل رمضان كما جاء في بعض الأثر بستة أشهر يقولون ماذا؟ اللهم بلغنا رمضان، إشفاق ألا يصل إلى العمل. ثم بعد أن يصوم رمضان ستة أشهر يقولون: اللهم تقبل منا رمضان، إشفاق ألا يقبل منهم العمل. هذا حال المسترشد.

والزم الإشفاق بعد اجتهاد، ثم قال: ودارِ الناس ما سلم لك الدين واحذر المداهنة أصلاً. الآن نتكلم رحمه الله تعالى كذلك عن أمور مهمة في السلوك إلى الله عز وجل وهي قضية المداراة والمداهنة. ما الفرق أيها الأحبة بين المداراة والمداهنة؟ ابتداءً اسمع رأي الجمهور ثم نعود للكلام. ما الفرق بين المداراة والمداهنة؟ هذا شيء أنت تمر به في حياتك اليومية، أنت أكيد تداري بعض الناس وقد تداهن بعض الناس. المداراة جائزة ومقبولة ومستحبة، المداهنة محرمة. طيب ما الفرق بينهما؟ حتى أعرف الحارث. المداهنة على حساب الدين، هذا جميل، هذا من الفروق الصحيحة. كذلك المداراة يعني فكرة الشيخ باختصار المداراة أن تضر نفسك فقط ويعود على حظك الشخصي، ولكن المداهنة تكون على حساب الدين. من يأتينا بفرق يفرق فيه بين المداهنة والمداراة؟ نوع من أنواع النفاق. لا المداراة نقول شرعاً النبي صلى الله عليه وسلم، يعني الأحاديث والآثار والآيات تدل على المداراة وتمنع من المداهنة. أنت ربما تتكلم عن المداهنة أنها نوع من النفاق صحيح، المداهنة نوع من النفاق، لكن ما الفرق؟ يعني من يأتينا بفرق واضح بين المداراة والمداهنة. المداهنة تكون مع الأعداء، في نوع لا، ليس شرطاً بعد أعدائها، قد يكون إنسان مسلم عاصي وهناك قد تداري وقد تداهنه. المداراة لمن تحبه وتتلطف معاه، والمداهنة لمن تكره، أن هذا خلاصة كلامك؟ أستطيع والله أنا لم أقف على هذا التفريق، إذا كان عندك شيء أنا ما أعلم أن هذه بهذه الصورة عرفت، لأن المداراة والمداهنة كلاهما قد تقول لمن تكره كما سيأتي معنا. الله عز وجل ماذا قال لموسى وهارون عندما ذهبا إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا، وهذه مداراة، هذه مداراة لهذا الجبار المتكبر فرعون. إذاً نستطيع أن، تفضل يا شيخ.

المداهنة أن تفعل فعل الطرف الآخر، يعني أن تتبنى رأيه وفعله وتسير معه، هذه العبارة صحيحة هذه تحتها خطان كما يقولون، أن تسير معه فيما يريد، نعم، والمداراة أن تتجنب فحشه. صحيح، هذا كذلك مما فرق به العلماء تسايروا، أحسنت، يعني هذه العبارات يعني نستطيع أن نقول أيها الأحبة بشكل، طبعاً العلماء اختلفت عبارتهم في تحديد الفرق الدقيق بينهما لكن جل العبارات ابتداءً على أن المداهنة في الدين، دارى بالأخلاق، المداهنة تكون على حساب الدين، وأما المداراة فإنما مجالها الأخلاق، فالمداهنة تتضمن بعبارة أخرى المبادئ، وأما المداراة فهي سلوك فقط. إذاً المداراة سلوك وبابها الأخلاق، وأما المداهنة فتكون في الدين وليس في الأخلاق، وهي تنازل عن المبادئ. هذا من الفروق. كذلك يعني أحببت أن أنقل لكم كلام الغزالي في الإحياء، إمام جليل يتكلم بفرق دقيق، يقول: الفرق بين المداهنة والمداراة بالغرض الباعث على الإغضاء. يعني المداهنة والمداراة أحياناً قد تكون في المظهر الخارجي مستوية، ناظر نقول هذا الشخص يداهن وقد نقول إنه يداري، لكن الفرق بينهما في الباعث على التصرف. يقول الغزالي: أحياناً قد يكون التصرف واحداً ولكن قد يكون في حالة مداراة وفي حالة أخرى قد يكون مداهنة، نفس التصرف. قال لماذا؟ قال بحسب باعثك على هذا التصرف. قال: فإن أغضضت لسلامة دينك ولما ترى من إصلاح أخيك بالإغضاء عن سوء خلقه وعن تصرفاته، قال: فأنت مدارٍ. وأما إن أغضضت نفسك ولاجتناب شهوتك وللحفاظ على سلامة جاهك فأنت مداهن.

إذاً ما هو باعثك على هذا التصرف الذي قد نسميه أحياناً مداراة وقد نسميه مداهنة؟ يقول: إذا كان باعثك هو قصد الصلاح لأخيك، مثلاً أخ وقع في معصية يفعل بعض المعاصي، أنت لم ترد أن تباشره بالذنب وأن تباشره بقبيح فعله وتزجره زجراً، وإنما أردت أن تتلطف معه في وتسايره، وتقول له يا فلان، طبعاً ليس مسايرة التي هي الرضا عن الفعل، لا، وإنما التلطف في الكلام وفي محاولة يعني إبعاده عن هذا التصرف بشكل خفي أو كما يقولون من دون أن تؤلمه وأن تغضبه. الآن إذا كان هذا هو الباعث لهذا التصرف الذي هو كما قلنا إصلاح الأخ.

فهذا يسمى مداراة، وهي مقبولة شرعاً. أما إذا كان باعثك لمسايرة الناس، ولإظهار الابتسامة لهم على ما يفعلون من القبائح، وإظهار الرضا على أفعالهم، والحفاظ على ماء الوجه، والحفاظ على المصالح الشخصية، وألا يصيبك أذى في هذه الحياة الدنيا أبداً، ولا تريد أن يتمعر الوجه في طاعة الله عز وجل؛ فهذا هو المداهنة.

كذلك من العبارات الأخرى في تعريف المداهنة والمداراة ما ذكره القرطبي رحمه الله تعالى، أن المداراة -وهذه عبارة جميلة أيها الأحبة، مكتوبة عندكم- هي بذل الدنيا لصلاح الدنيا والدين. المداراة أن تبذل دنياك من أجل أن تحقق مصالح الدنيا والدين. وأما المداهنة، فالعكس: أن تبذل دينك من أجل الدنيا. بعبارة مختصرة: المداراة تبذل الدنيا لتحصل دينك. مثلاً إنسان جبار متكبر إذا واجهته بالإنكار، إذا كان هناك إنكار شديد منك وعدم رضا مباشر، قد يؤذيك وقد يمنعك وقد يسبب لك كثيراً من الأمور التي لا تطيقها، فأنت تداريه وتحاول أن تتخلص منه لصلاح دينك ودنياك. وأما المداهنة، لا، أن تتنازل عن دينك وأن تغير من مبادئك الدينية والثوابت من أجل ماذا؟ الدنيا.

فإذاً كذلك من التفرقة أن يقول: المداراة هي بذل الدنيا من أجل الحفاظ على الدين. وأما المداهنة بالعكس: أن تبذل دينك وتتنازل عن عقيدتك وعن مبادئك من أجل الحفاظ على دنياك. لذلك المحاسبي رحمه الله يقول لك: ودارِ الناس ما سلم لك الدين. يعني مجال المداراة مع الناس مفتوحة أيها الأحبة ما دامت سلامة الدين لك. إذا وجدت أن المداراة ستقودك رويداً رويداً إلى المداهنة وإلى التنازل عن المبادئ، لأصبحت محرمة. إذاً ابتداءً قد يكون الأمر مداراة، هو مقبول بل قد يكون مرغوباً، لكن إذا وجدت أن هذه المداراة الآن تطورت وأصبحت مداهنة، عليك أن تنكف عنها، لذلك قال: واحذر المداهنة أصلاً، أي من أصلها.

ابن القيم رحمه الله في الإعلان يذكر لنا مثلاً من الحياة العملية تفرق به بين المداهنة والمداراة، يقول لك في مثال المداراة ابتداءً قال مثال ذلك: المداري رجل به قرحة، إنسان مريض فيه قرحة وبثور، جاءه الطبيب الرفيق، فتعرف حالها، شخص هذا المرض وعرف فحاله، ثم أخذ في تليين هذه البثور ابتداءً، لا يريد أن يقطعها حتى لا يؤلم هذا المريض، فبدأ يلينها، يضع عليها أدوية حتى تنضج هذه القرحة تماماً وتصلح وتصبح بعد ذلك صالحة للاستئصال. فهذا هو نموذج المداري، إنسان رأى عند إنسان عيباً، معصيةً، بدعةً، أو ما شابه ذلك، عرف حاله، شخص حاله، ثم بدأ بشكل خفي وبشكل غير مباشر يحاول أن يستخرج منه هذا الباطل ويبعده عنه، ولكن بنوع من المداراة، هذا هو الطبيب الحاذق وهذا هو المؤمن الصادق، والمؤمن الحاذق الذي يستطيع أن يبعد الناس عن الأفعال الخاطئة وعن السلوكيات المذمومة ولكن برفق ولين.

قال: أما المداهن فهو مثل الطبيب الذي عندما رأى هذه القرحة قال لصاحبها لا بأس عليك، لم يبدأ بعلاجها رويداً رويداً، قال: لا بأس عليك وهذا لا شيء، فاسترها عن عيون الناس بخرقة ثم الهوا عنها. يعني تظن الأمور طيبة عليك فقط تغطيها عشان ما يراها الناس والأمور طيبة ماشي. هل هذه يمكن أن يزيل القرحة عن أخيه؟ لا يمكن أن ترتفع القرحة بهذا الأسلوب، لا بد من علاج ولين، ثم بعد ذلك تتوصل إلى إزالة هذه القرحة.

طيب، بعد ذلك يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: وخالق الناس بخلق حسن. كذلك هذا أدب جديد وتكرر معنا في الرسالة كثيراً، أن الإنسان المسترشد ليست فقط علاقته مع الله عز وجل وتتم علاقاته الاجتماعية كلها سيئة، والمجتمع يبغضه، وفي النهاية يقول لأنني أنا تقي وزكي، المجتمع يبغضني. لا، عليك ابتداءً أن تنظر: هل أنت تعامل مجتمعك وواقعك بالطريقة التي يرضاها الله سبحانه وتعالى؟ وهذه المقولة التي قالها المحاسبي: وخالق الناس بخلق حسن، هي جزء من الحديث المشهور حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، قال صلى الله عليه وسلم: اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ، وَأَتْبِعِ السَّيِّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخَالِقِ النَّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ. خالق الناس أي عامل الناس معاملة حسنة.

وجماع الخلق الحسن هو ما تقدم ذكره الحارث المحاسبي رحمه الله في الدرس الماضي، وهو أن -كما ذكر هو جزء من حديث أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم ولكن فيه ضعف- قال: أن تعطي من ماذا ذكر في الدرس الماضي؟ من يتذكر معنا؟ ذكر الحارث المحاسبي رحمه الله في الدرس الماضي ثلاثة أخلاق متتابعة، أولها قال: أن تعطي من حرمك، وأن تصل من قطعك، ما هي الثالثة؟ وأن تعفو عمن ظلمك. وهذه وردت في أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحارث المحاسبي هذا بشكل عام كملاحظة عامة، أجد كثيراً من كلامه الذي أورده في هذه الرسالة إما نصوص مقتبسة من أحاديث نبوية وإما من آثار الصحابة والتابعين، وهذا يدل كذلك على منهجه في التزكية أنه منهج يعود دائماً إلى الكتاب والسنة، وليس منهجاً بدعياً، من ذوقه دائماً العودة إلى الكتاب وإلى السنة وإلى الآثار عن الصحابة والتابعين، منها يكون المسير إلى الله سبحانه وتعالى.

إذاً فجماع الخلق الحسن كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم -إن صح الحديث- وكما ذكر المحاسبي رحمه الله كذلك اقتباساً من الحديث جماع الخلق الحسن ما هو؟ قال: أن تعطي من حرمك، وأن تصل من قطعك، وأن تعفو عمن ظلمك. فدائماً لا تنتظر من الناس الإحسان، أنت الذي تبادر إلى الإحسان إلى تقديم الخير إلى الآخرين من غير انتظار لا لجزاء ولا لشكور منهم.

ثم يقول المحاسبي أيضاً: ولا تستحي أن تقول فيما لا تعلم الله أعلم. وهذا النص أيها الأحبة مر بذاته معنا في بداية الرسالة، هنا فيه تكرار من المحاسبي رحمه الله تعالى، كما قلنا الظاهر أنها كتبت في مراحل متفرقة. ولا تستحي أن تقول فيما لا تعلم الله أعلم، وهنا باختصار يعني إذا أراد أن يضرب لكم الإنسان، دائماً يقول الله أعلم فيما خفي علمه، وهذه من عقيدة أهل السنة والجماعة، لذلك الطحاوي في العقيدة، في العقيدة الطحاوية يقولون: قولوا الله أعلم فيما خفي علينا علمه. يعني يذكره من المسائل العقدية، يتكلم في الصفات ويتكلم عن مسائل الإيمان وعن مسائل القضاء والقدر، ضمن ذكره لمسائل الاعتقاد، جعل من مسائل الاعتقاد -كأنه أوردها في مسائل الاعتقاد- أن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يقولون الله أعلم فيما اشتبه عليهم علمه. هذا ليبين لك أيها الأحبة أن الإنسان لا يخوض ولا يتكلف ما لا يحسن وما لا يتقن.

لذلك المناوي رحمه الله تعالى في فيض القدير يقول: وإنما يأنف من ذلك -يعني إنما يأنف من قول الله أعلم- قال: وإنما يأنف من ذلك من رق دينه وقلت معرفته، لأنه يخشى من السقوط من أعين الحاضرين، ولا يخشى من السقوط من عين رب العالمين. انظروا هذه العبارة الجميلة، يقول وإنما يأنف من قول الله أعلم من؟ قال: من رق دينه، دينه رقيق ضعيف، من رق دينه وقلت معرفته، لأنه يخشى من السقوط من أعين الحاضرين، ولماذا الإنسان دائماً يتكلم حتى فيما لا يعلم؟ حتى لا يقال الشيخ لا يدري، وهذا الشيخ الظاهر أنه ليس ديناً وليس قوياً، فلذلك يخشى أن يقول الله أعلم، ويخشى أن يصحح خطأه. قال: وهذا يدل على رقة الدين لأنه يخشى من السقوط من أعين الحاضرين، ولا يخشى من السقوط من عين رب العالمين التي تطلع عليه.

لذلك السكندري كذلك في الحكم العطائية رحمة الله عليه يقول: من رأيته مجيباً عن كل ما سُئل، وذاكراً كل ما علم، ومعبراً عن كل ما ورد، فاستدل بذلك على وجود جهله. هذا جاهل أيها الأحبة، من رأيته مجيباً عن كل ما سئل؟ لا يوجد شيء لا يسأل عنه! هناك قصة يعني ما أضبطها في التاريخ، إن كان أحد العلماء أو من ينسب نفسه -ليس عالماً، ينسب نفسه إلى العلم- هو "خنفشار"، ينسب نفسه إلى العلم، دائماً لا يسأل التلاميذ عن شيء إلا أجاب، عاد التلاميذ قالوا هذا الشيخ ما شاء الله كل شيء يجيب عنه، قالوا دعونا نصنع -أيها الأحبة، انظروا- هذا رجل ورع ولو يكلمنا عاد من ما حدا قام تبدأ ورقة يقولوا. قال فأتوا إلى بعضهم، جلسوا في مجلس هؤلاء الطلبة، قالوا كل واحد يطرح حرفاً، الولد يطرح حرف الخاء، والذي يطرح حرف الشين، والذي يطرح حرف الفاء، والذي يطرح حرف الصاد، ولا حرف الراء، المهم خرجت معهم كلمة، قالوا ما الكلمة التي نتجت؟ قال "الخنفشار"، كلمة لا وجود لها! فذهبوا إليه قالوا نريد أن نسأل عنها الشيخ، قلنا يا شيخ ما "الخنفشار" وما أصله وما دلالته؟ والشيخ بدأ يشرح، قال: "خنفشار" وهذا نبتة تنبت في الأرض الفلانية، فعرف الجماعة أن الشيخ هذا كل شيء من عنده، باقي في الأمور المتقدمة!

فلذلك أيها الأحبة دائماً الإنسان إذا رأيته يجيب عن كل ما ورد عليه هناك علامة استفهام، لأن طاقته البشرية لا يمكن أن تستوعب كل شيء، الله عز وجل خلق لهذه العقول قدرات، فمن رأيته مجيباً عن كل شيء ودائماً يتكلم بما رد عليه في الموارد العقلية وفي المقامات وما شابه ذلك في علم التصوف، فهذا دائماً عند علماء التصوف والسلوك يعتبر جاهلاً. لذلك يقول لك السكندري: من رأيته مجيباً عن كل ما سئل، ذاكراً كل ما علم. يعني الإنسان حتى لو علمت شيئاً لا يكون هدفك دائماً إبراز أنك علمت، إذا كان هناك حاجة لبيان هذا العلم بين، لم يكن هناك حاجة لإبراز هذا العلم، كفاك غيرك بيانه، عليك أن تسكت ولا تتكلف في الإجابة عن شيء حتى ولو علمته.

لذلك هذا أيضاً يعني أدب جديد من آداب المسترشدين وهي قضية أن يكثر الإنسان من قول "لا أدري"، الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة، أحد الأئمة الكبار كان يكثر من قول لا أدري، فمن نعم حتى نال نتكلف بهذه الكلمة إذا كان الإمام مالك ممن جمع العلم والفقه والأصول والأحاديث يتكلم بهذه الكلمة ويسأل عن كثير من المسائل ولا يستحي أن يقول لا أدري، فعلينا أيها الأحبة أن نكون محتاطين في هذه القضية خاصة في هذه الأزمنة التي كثر فيها كلام الناس فيما لا ينفع.

ثم قال: ولا تنشر حديثك عند من لا يريده، ولا تبذل دينك عند من يبغضه إليك. يقول لا تنشر حديثك عند من لا يريده، يعني إنسان لا يريد أن يسمع الموعظة، لا يريد أن يسمع العلم، فلا تنشر حديثك عنده لأنه سيمتهنه ولن يحمله على محامله الصحيحة، فأنت لا تسمع الناس حديثك إلا إذا كانوا راغبين في سماعه، وإذا كانوا غير راغبين في السماع أنت تلزم خاصة نفسك، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.

ثم قال للفقرة التي تليها: ولا تبذل دينك عند من يبغضه إليك. ما رأيكم في هذه العبارة؟ ما معنى ولا تبذل دينك عند من يبغضه إليك؟ هذا سؤال. يعني مضاعف الهمة جيد، لأنه إيش إيش علمك اللي يخليك تكرهه بعد فترة، يعني لا تعلم إنساناً علماً وإذا تعلم هذا العلم سيجعلك تكره اليوم الذي درست فيها الآن. ويقول لك لا تبذل دينك عند من يبغضه إليك يعني يبغض الدين إليك. العبارة في الحقيقة هي مجملة، يعني لا نستطيع أن نقول هو أراد معنى بحد ذاته، في عندك إجابة؟ نعم يضم الكلام يعني يضم الكلام. جميل، هذا كذلك من المعاني الصحيحة التي يتكلم فيها يعني بشكل عام. يعني أنا رأيت أن هذه العبارة أيها الأحبة والله أعلم هو يقول لك لا تبذل دينك، يعني لا تقدم دينك، مثلاً إنسان عنده مسألة دينية، مسألة شرعية، إذا ذهب ليسأل عنها إنساناً ليس كفئاً في الإجابة وليس من أهل الإجابة، قليل العلم، فهذا السائل سيجد إجابة قد تكلفه فوق طاقته عند هذا تعلموا عند هذا المسترشد.

مثال ذلك الرجل الذي قتل مئة تسعة وتسعين نفساً، ابتداءً ذهب يسأل هل له توبة أو ليست له توبة؟ الآن يذهب مسألة دينية، يريد أن يسأل عنها، فذهب ابتداءً إلى من؟ إلى العابد الجاهل. راح فطرح السؤال عنده، فماذا تقابله العابد الجاهل ويسأله هل لي توبة بعد أن قتلت تسعة وتسعين نفساً؟ فماذا قال له العابد؟ قال: ليس لك توبة، يعني قاتل تسعة وتسعين نفساً جاي تطلب توبة كمان! فالآن الرجل بغض الدين تماماً، قال: إذا كان هكذا الدين، أقبل به المئة، فقتل العابد، قال: إذاً هكذا الأمور بدنا نذهب. فالآن انظر كيف هذا العابد بجهله بغض الدين إلى هذا الرجل السائل.

جاء رجل يسأل الدين، يبذل دينه ويسألك في مسألة شرعية، فالعالم، طالب العلم المتمكن، كان الإنسان الواعي يحاول أن يصور له هذه المسألة بالصورة الصحيحة التي تجعله يحب الدين ويقبل على الدين ويشعر أن الدين فيه الإجابة عن تساؤلاته وفيه الرحمة وفيه اللين، ولا يجيبه بإجابة تبغض الدين إليه. لا يجيبه بإجابة تجعله يشعر أن الدين معقد وفيه تكلف، بحيث أن هذا الإنسان مرة أخرى لا يبذل دينه ولا يسأل في المسائل الشرعية. لذلك يقول لك المحاسبي: إذا أردت أن تسأل عن مسألة من مسائل الدين فعليك أن تذهب إلى من يحبب الدين إليك، ويصور لك هذه المسألة بصورة هينة سهلة تفهمها، وتجعل لك علاقة صحيحة، لذلك الرجل.

بعد أن قتل المئة نفس ذهب إلى عالم فسأله، قال: قتلت مئة نفس هل لي من توبة؟ انظر كيف حببه في الدين، قال: نعم، ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم دله، قال: اذهب إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناساً يعبدون الله فاعبد الله معهم. انظروا هذا العالم بتحبيب هذا الإنسان في الدين كيف أنقذه من النار، هذا الرجل أيها الأحبة خرج بنفسه إلى الأرض التي أرشدها إليه العالم، وفي الطريق وافته المنية، وفي الطريق وافته المنية فاختصم فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب. قالت ملائكة العذاب: لم يعمل خيراً قط، وقالت ملائكة الرحمة: جاء تائباً مقبلاً قبله الله.

فقاسوا ما بين الأرضين، طبعاً جاءهم ملك على صورة آدمي فحكموه بينهم الملائكة، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيهما كان أقرب كان له. فقاسوا ما بين الأرضين، وفي رواية أن الله سبحانه وتعالى قارب الأرض الصالحة وأبعد الأرض السيئة بمنه وكرمه، فقاسوا ما بين الأرضين فوجدوه أقرب إلى الأرض الصالحة فقبضته ملائكة الرحمة. انظروا بكلمة عالم، كلمة واعية هادفة، كما يقولون جاءت في موضعها أنقذ بها رجلاً من النار. فلذلك أن تتحرى، لا تسأل في دينك إلا من تشعر وتثق أنه عنده الإجابة الشافية الواضحة عن التساؤلات.

ثم قال: ولا تتعرض من البلاء ما لا طاقة لك به، لا تتعرض من البلاء ما لا طاقة لك به. وهذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم: لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، قالوا: كيف يذل نفسه يا رسول الله؟ قال: يتحمل من البلاء ما لا يطيق. لذلك كثير ما يروى عن الصحابة وعن التابعين الذين أدركوا فترة الحجاج، أن الحجاج كان يفعل أفعال منكر، فيقال لصحابي أو لتابعي: أنكر عليه، فيقول: هذا الحديث، يقول: أنا تكلمت مع الحجاج، من يستطيع الحجاج؟ قال يعني لسانه يسبق وسنانه يسبق اللسان، سنانه سيفه يسبق اللسان، بمجرد أن أنكر عليه الرقبة ستطير مع الحجاج. فلذلك بشكل عام أيها الأحبة هذا الحديث ينبغي أن نفهمه في سياقه، ينبغي أن نفهمه في سياقه. ليس معنى أن الإنسان لا يحمل نفسه من البلاء ما لا يطيق أن لا أحد ينكر المنكر، يقول: أنا أخشى أن أوذى، لا، هذا غير مقبول شرعاً، فعندما نأخذ هذا الحديث نأخذه في ضمن الأمور العامة.

يعني أيها الأحبة شيء قد كفيتَه، كفاك به غيرك، لا تخض فيه خشية أن تتعرض من البلاء ما لا تطيق من دون أن تقدم ثمرة لهذه الأمة. إذا وجدت أن عملك الدعوي سيقدم ثمرة لهذه الأمة وأن عليك المرض والأعين، هنا عليك الثبات. لذلك أحمد بن حنبل ذم العلماء الذين قالوا بـخلق القرآن، قال: هؤلاء لو ثبتوا ولم ينطقوا بـخلق القرآن لكأنما حددت هذه الفتنة. فالمطلوب من العلماء، من المتصدرين، من أصحاب الصف الأول، ليس هو المطلوب من العامة، فالعامي ضعيف الإيمان الذي يعلم أنه لا يوجد عنده قدرة على الثبات إذا ابتلي، لا يقحم نفسه ولا يصدر نفسه في مصادر العلماء وهو لم يطلب منه ذلك خشية أن يعرض نفسه لبلاء يسلبه الدين. هنا نفهم الحديث بهذه الكلية.

لا بد من علماء يقولون الحق ويصدعون به، ولكن ليس كل إنسان يقول الحق، وليس دائماً ينبغي عليك أن تقول الحق في كل موقف، لأنه أحياناً قد تقول الحق في مواقف جيد ويكون ثمرة قول الحق في هذا الموقف شبه معدومة، يعني لا فائدة لها الآن، ويكون الأثر الذي سيترتب عليك من البلاء يضرك كثيراً في حياتك أنت. لو تأخرت أو استأخرت هذا الموقف ووجدت غيرك قد تقدم، فبذلت وسعك في طلب العلم أو في الدعوة أو ما شابه ذلك من الأمور التي لا تصطدم بها، ألا تحمل نفسك فيها من البلاء ما لا تطيق لكان أفضل لك. فالقضية إذاً تحتاج إلى نوع حكمة في التصرف، معرفة متى أتكلم؟ متى أتقدم؟ ومتى تسكت ومتى تتأخر حتى لا تعرض نفسك لبلاء وأنت لا تطيق. هذه قضية مهمة أيها الأحبة، كثير من الناس تقدموا في مواطن تكلموا، ابتلوا، عادوا إلى الوراء خطوات، بل منهم من انتكس عن دينه. فالقضية ليست سهلة وليست القضية كما يقول هي فرض العضلات، وإنما هي القضية بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.

لذلك اتبع ذلك قال: وأكرم نفسك عمن يهينها. لأنك إذا تعرضت من البلاء ما لا تطيق سيأتي إنسان دنيء، كما يقولون، لا يسوى شيئاً في عرفنا فيهينك ويهين نفسك، وأنت كنت تقدر أن تبعد نفسك عن هذه الإهانة وأن تكرم نفسك، أن تحافظ عليها. فالإنسان الذي يعرض نفسه من البلاء ما لا يطيق يهين نفسه، يهين نفسه في وقت كان يمكنه أن يحافظ عليها. وأما في النهاية يعني هو دائماً كما نقول الأمور ينبغي أن تفهم بجملتها. في النهاية الدعوة إلى الله عز وجل فيها أشواك وستؤذى وستتعرض من البلاء، نعم، من ليس له باع ولا جمل في هذه الموضوعات وليس له ناقة ولا جمل في هذه المواضيع، ولكنك في النهاية لا تقدم على هذه الخطوة الأخيرة التي تعرض فيها للأذى إلا بعد أن تشعر أنك الآن الشخص المناسب في المكان المناسب، وأما ما سوى ذلك فعليك أن تعرف قدرك.

ثم قال: ونزه عن دناءة الأخلاق. يعني صاحب الهمة أيها الأحبة ينزه همته عن مساوئ الأخلاق. فكثير من الناس يرزقه الله عز وجل همة عالية في طلب العلم في الدعوة في أي عمل، ولكن هذه الهمة العالية يخالطها مساوئ الأخلاق ودناءة الأخلاق التي تقتل هذه الهمة. يعني طالب علم عنده همة يشغل نفسه بالحسد وبالغضب وبالجدال وبالخصومات، قتل همته. إنسان متصدق يشغل نفسه بنظر الناس إليه وطالب الناس بشكره والإحسان إليه وأن يذكر في مجالسهم بالخير، قتل هذه الهمة في العمل الدعوي أو في العمل في الصدقات. فدائماً أي عمل تبذله مهما كان في الحياة عليك أن تبعده عن مباني الأخلاق الدنيئة وعن دناءة الأخلاق؛ لأن هذه الأخلاق قد تحبط هذا العمل وتقتل هذه الهمة.

ثم قال: ولا تواخِ إلا أميناً، ولا تبدِ أسرارك لكل الناس. كذلك أخلاق جليلة أيها الأحبة يقول: لا تواخِ إلا أميناً، ولا تبدِ أسرارك لكل إنسان. أيها الأحبة في هذه الحياة الدنيا كن حصيفاً ذكياً، لا تبدِ أسرارك وأمور حياتك للآخرين دائماً، لا تبذلها إلا لمن فعلاً يحتاج أن تبدي له هذا السر ولبعض الناس الخاصين، الزوجة، الصديق العزيز. أما ما سوى ذلك من الناس ما فائدة أن يعرف الناس مشاكلك الأسرية ويعرف الخلافات الزوجية ويعرفوا مشاكلك في النفقة ويعرفوا كل هذه الأمور، ثم تصبح فاكهة الناس في المجالس؟ وكل يعني لا يوجد سر في الحقيقة، أنت إذا وضعت سرك عند كل الناس لم يعد سراً؛ لأن كل الناس تعرف هذا الموضوع، وتصبح فاكهة المجالس والكلام يدور عليك. فهذا كذلك من الآداب العامة.

ثم قال: ولا تجاوز بالمرء حاله، ولا تخاطبه من العلم بما لا يحتمله عقله. كذلك هذا فيما يتعلق بالدعاة وبالمصلحين وفي الخطباء بشكل عام، أن يعرف أحوال الناس الذين يسمعون كلامه، لا يحملهم من المسائل الشرعية ومن دقائق العلوم ما لا تطيقه العقول حتى لا يكذب الله ورسوله كما جاء في الأثر. أنت قد تتكلم مع الناس في أمور دقيقة الناس تكذبك فيها لقلة معرفتهم وبضاعتهم، طيب من المسؤول عن تكذيب الناس؟ هذا الرجل الداعية أو الخطيب الذي فتنهم وكلمهم بكلام لا تطيقه العقول. هناك فروع في مسائل العقائد لا ينبغي أن تطرح أمام الناس، مسائل القضاء والقدر والخوض في تفاصيلها، مسائل الصفات، كثير من المسائل أيها الأحبة لا ينبغي أن يخاض بها وأن يذكر الجدال العقدي الذي حدث فيها بين الطوائف أمام الناس؛ لأنك تكلف الناس ما لا يطيقون في هذه الأمور. دقائق مسائل أصول الفقه ودقائق المسائل الفقهية لا تتكلم بها أمام الناس حتى لا تفتن الناس في أديانهم، وكذلك في سائر الأمور. فالإنسان الداعية والخطيب يحمل الناس بقدر طاقتهم العقلية ويعرف من يخاطب، خطاب طالب العلم ليس هو خطاب العامة ليس هو خطاب الجمهور.

ثم قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: ولا تدخل في أمر لم تدع إليه. يعني ترك الفضول أيها الأحبة وهذا مر كثيراً في الرسالة. أمر كفيتَه، هناك مثلاً خصومة بين العشيرة الفلانية والعشيرة الفلانية ولم يأتِ إليك الناس، تجد نفسك تذهب تريد أن تحل هذه القضية. الآن هل أنت دعيت إلى هذا الموضوع؟ ذهبوا إلى رجل آخر أرادوا منه أن يحل هذا الموضوع، إذاً وَقِّ الله المؤمنين القتال. لا تقحم نفسك دائماً، لا تكن لجوجاً تحب أن تدخل نفسك في كل شيء، حتى يسلم الدين وتسلم لك الدنيا كذلك.

ثم قال: ووقِّر مجالس العلماء، واعرف قدر الحكماء. هذا يتعلق كذلك بطلبة العلم وبكل من يجلس مجالس العلماء ولأهل الدعوة والإصلاح، على المسترشد أن يعرف قدرهم وأن يعرف مكانتهم وما منحهم الله عز وجل به من هذه الهدايا ومن هذه المنح. هذه هدايا وهؤلاء اصطفاهم الله عز وجل ليحملوا هذا الدين للأمة، فالإنسان عليه أن يتأدب معهم في الحديث وفي المجلس. مناكفة يعني سريعاً حتى لا أطيل، قصص كثيرة من أئمة كبار كيف كانوا يتأدبون مع علمائهم، الشافعي رحمه الله تعالى من تلاميذ الإمام مالك يقول: كنت أتصفح الورق بين يدي مالك برفق لئلا يسمع وقعها. يعني عندما كان الشافعي في مجلس مالك لا يفتح الورق بشكل فظيع كما يقولون، يفزع الإمام مالك، لا يحاول أن يفتح الورقة بصوت منخفض أدباً وتوقيراً للإمام مالك بن أنس. كذلك تلميذ الإمام الشافعي سبحان الله لما كان الإمام مؤدباً مع شيخه رزقه الله تلاميذ مؤدبين معه، الآن الربيع المرادي تلميذ الإمام الشافعي يقول: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر في مجلس العلم. الآن الأمور ذهبت صح؟ يقول: ما اجترأت أن أشرب الماء في مجلس الشافعي خوفاً من نظرة الشافعي إليه.

انظروا يعني أبو حنيفة رحمة الله عليه ينظر ماذا يقول أبو حنيفة: ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد، حماد بن أبي سليمان شيخ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ما مددت رجلي نحو دار أستاذي إجلالاً له، وكان بين داره وداره سبع سكك، يعني هو في بيته وبين بيته وبيت الشيخ حماد تقريباً سبعة شوارع نقول، ولا يعني وهو في بيته لا يمد أقدامه بجهة دار حماد احتراماً لشيخه ولعالمه. قال: ما مددت رجلي نحو دار أستاذي حماد إجلالاً له وكان بيني وبين داري سبع سكك، وما صليت صلاة منذ مات حماد وهذا من أدب الطالب مع شيخه إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه أو علمني علماً. لما تأدب بهذا الأدب أبو حنيفة انظروا إلى تلميذه أبي يوسف، قال أبو يوسف تلميذ أبي حنيفة: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي، يعني يتذكر شيخه قبل أن يتذكر أبويه، قال: ولقد سمعت أبا حنيفة يقول: إني لأدعو لحماد مع أبوي. إذاً الشيخ كان نتاج أدب أو التلميذ كان نتاج أدب الشيخ.

كذلك الإمام الغزالي رحمه الله، وأختم بهذه الفقرة فيما يتعلق بهذا الموضوع، يقول في بيان وظائف المرشد والمعلم: حق المعلم أعظم من حق الوالدين، لماذا؟ قال: إن الوالد سبب الوجود الحاضر والحياة الفانية، والمعلم سبب الحياة الباقية، هي الحياة الأخروية، ولولا المعلم لانساق ما حصل من جهة الأب إلى الهلاك الدائم. يعني أنت الآن أوجدك على هذه الحياة الدنيا، إذا لم تجد معلماً يأخذك إلى درب السعادة ويبين لك الصلاح من الفساد، وجود الأب قد يكون ليس نعمة، أنا لا أقول أوجدك على هذه الحياة الدنيا قد يكون سبب نقمة، لماذا؟ سبب في هلاكك في نار جهنم، لأنه ليس دائماً وجود الأب نعمة على العبد في هذه الحياة الدنيا، انظروا إلى من لم يؤمن بهذه الشريعة من الكفار والملحدين وغيرهم، وجودهم في هذه الحياة الدنيا نقمة عليهم إذا ماتوا فعلاً؛ لماذا؟ لأنه سيكون في نار جهنم. فحق المعلم يعني في نظر الغزالي كما يقول هو أعظم من حق الوالدين.

ثم يقول بعد ذلك رحمه الله تعالى: ولا تدع المكافأة بالصنائع، فإن لم تقدر فبالدعاء. وهذا أيضاً مفهوم حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام: من أتى إليكم معروفاً فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له. الإنسان أيها الأحبة إذا أسدى إليه الآخرون معروفاً، خيراً، منفعة، خدمة، عليه أن يقابل هذا بخدمة وبمعروف وأن يرد الصنائع إلى أصحابها، وأقل شيء إذا كان معدماً أن يدعو لهم في ظهر الغيب، هذا هو الأدب الذي علمناه محمد صلى الله عليه وسلم وكان كذلك، قالت عائشة: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها. وجاءه أعرابي مرة فأهدى إليه ناقة، فأثابه عليها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: رضيت؟ قال: لا، فزاده، قال: رضيت؟ قال: لا، فزاده. هذا الأعرابي جاي، أعطى ناقة هدية، يريد يأخذ بدالها ثلاث أضعاف، فالنبي يقول له: رضيت على الإثابة هذا الرد المعروف، قال: لا بدي كمان، فزاده، قال: رضيت؟ قال: لا، فزاده، قال: رضيت؟ قال: نعم، بعد ما أخذ ثلاث جمال؟ قال: نعم. نقل النبي صلى الله عليه وسلم هدية وأخذ مكانها ثلاث جمال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد هممت ألا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي، لما رأى دأب الأعراب.

هذا ذهب الأعراب من الجفاء. لما يقول يعني سريعا نمر على بعض الأفكار حتى ننهي فقرة محددة لدرس اليوم. قال: وأعرض عن الجهال عن السفهاء، وهذا من أخلاق المدارة التي تكلمنا عنها قبل قليل، الإعراض عن الجهال واحلب عن السفهاء. وشاور في أمرك الذين يخشون الله، بعبارتها مرت معنا في دروس ماضية، عندما تتكلم عن النصيحة وعن المشورة قال: وشاور في أمرك الذين يخشون الله.

قال: وانصر أخاك مظلومًا ورده إلى الحق إن كان ظالمًا. كذلك هذا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. قالوا: نصرناه مظلومًا فكيف ظالمًا؟ قال: أن تأخذ على يديه. قال: وابذل له حقه منك ولا تطالبه بحقك منه. ما معنى هذا الكلام؟ قال: وابذل له حقه منك ولا تطالبه بحقك منه، أنا أعطيه حقه. أحسنت، يعني لا تطالب الناس أيها الأحبة أن يحسنوا إليك، ابذل حقوق الناس إليهم ولا تنتظر منهم جزاءً ولا شكورًا، وهذه قاعدة كثيرة ما نكررها.

هذا هو الخلق الحسن، من كان يظن أن الخلق الحسن أن يعامل الناس كما يعاملوه فهذا مخطئ. الخلق الحسن كما ذكرنا قبل قليل أن تعطي من حرمك، وأن تعفو عمن ظلمك، وأن تصل من قطعك. فلا تقابل الأمر أو لا تعامل الناس كما يعاملونك، بل عامل الناس أفضل مما يعاملونك. ثم قال: ويسر على الغريب. قال تعالى: وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ. ترفق بالأرملة واليتيم، وأكرم الصابرين من الفقراء، أعطهم من الأموال ما تسد به حاجتهم وعوزهم.

قال: وارحم أهل البلاء من الأغنياء. انظر إلى هذه العبارة، قال: وارحم أهل البلاء من الأغنياء. يعني هو ينظر إلى الأغنياء على أنهم في بلاء؛ نعم في بلاء في هذه الأموال التي سيسألون عنها، هذه الكرشة أمام الله سبحانه وتعالى، أين ذهبت هذه الأموال؟ فهذا بلاء. لذلك انظر العبارة وارحم حالهم، لا تنظر إليهم على أنهم في سعادة وتظن أنها انتهت في هذه الحياة الدنيا، بل هم في بلاء لأنهم سيسألون عن هذه الأموال أمام الله سبحانه وتعالى.

قال: ولا تحسدن أحدًا على نعمة، ولا تذكرن أحدًا بغيبة، وهذا تكرر ذكره. قال: وسد على نفسك باب سوء الظن بخوف المسألة. يعني كما مر معنا كثيرًا، الإنسان أحسن الظن بالآخرين ولا يسيء الظن بهم خوفًا أن يسأل أمام الله عز وجل عن تلك الظنون السيئة التي ظنها بإخوانه. قال: وافتح باب حسن الظن بسعة التأويل. وهذا ذكره أيضًا أننا عرفنا من كلام المحاسبي فيما سبق كيف يتخلص الإنسان من سوء الظن من خلال أن يحسن التأويل لتصرفات الآخرين، وأن يحملها دائمًا على أحسن المحامل ما وجد لذلك محملًا.

قال: وأغلق باب الطمع بالإياس. أغلق باب الطمع فيما أيدي الناس، أن تطمع بما في أيدي الناس. كيف تغلق باب هذا الطمع؟ قال: من أن تيأس من الناس، إذا يئست من الناس في أيديهم وقف طمعك، وأن نكون دائمًا طمعك بما عند الله سبحانه وتعالى. لذلك قال: أغلق باب الطمع بالإياس، واستفتح باب الغنى بالقناعة. هناك باب سنغلقه وهناك باب سنفتحه، ما هو الباب الذي سنغلقه؟ باب الطمع، من خلال اليأس نعود نفسنا على أن نيأس من الناس ومما في أيديهم. وأما الباب الذي سنفتحه هو باب الغنى بالله سبحانه وتعالى من خلال الكنز العظيم الذي من أوتيه فقد حاز الخير بحذافيره، وكنز القناعة، لذلك قال: واستفتح باب الغنى، استغن بالله من خلال أن تقنع بما رزقك الله عز وجل به.

قال: ونزه ذكر الله عن إضافة المكاره. ما معنى هذا الكلام يا مشايخ؟ ونزه ذكر الله عن إضافة المكاره. يعني أن لا تضيف الأمور القبيحة إلى الله سبحانه وتعالى، وإن كان الله عز وجل هو الذي خلقها. فمثلاً عندما تدعو الله عز وجل أيها الحبيب، لا تقل اللهم يا خالق الشر، لا تقل اللهم يا خالق الشر، أليس الله هو الذي خلق الخير والشر؟ نعم، ولكن تتأدب مع الله عز وجل. وهذا الأدب علمنا إياه إبراهيم عليه السلام، ماذا قال؟ قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. ما قال وإذا أمرضني الله فهو يشفين، نسب المرض إلى نفسه، قال: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ.

كذلك الجن علمونا هذا الأدب في سورة الجن، قال سبحانه وتعالى على لسانهم: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ. انظروا الصيغة المبني للمجهول: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ. هم يعلمون من أراد، من الذي أراده؟ الله سبحانه، يريد الخير وهو الذي يريد الشر، ولكن من التأدب مع الله سبحانه وتعالى ألا تضيف اسمه الكريم، وأن تصون اسمه الكريم من أن تضيفه إلى الأشياء المكروهة للنفس مثل الشر مثل المرض، وما شابه ذلك من الأمور المستكرهة. كما أننا نصون اسمه الكريم مثلا نذكره في الخلاء وفي الأماكن المستقذرة، لا يليق بالله الكريم أن نضيفه إلى الأشياء المكروهة.

ثم قال: وحصل الأوقات واعرف ما يذهب به ليلك ونهارك. إذا كلام عن اغتنام الأوقات، وانظروا إلى العبارات التي يتكلم بها المحاسبي، هي خطرات أيها الأحبة، نلاحظ في أغلبها عدم وجود وحدة موضوعية كما يقولون، ولكن في آخر الرسالة نجدها أفكارًا متداخلة غير مترابطة. أحيانًا فكرة في الوقت، أحيانًا فكرة في الحسد، أحيانًا فكرة في الحفاظ مثلا على ذكر الله عز وجل وعدم إضافته إلى المكاره. فمثلاً هذه يقول: حصن الأوقات واعرف ما يذهب به ليلك ونهارك. تكلمنا عنه كثيرًا، لكن من القصص التي أوردها مثلا في قضية حفظ الوقت، يذكر قصة الإمام الكبير الحنبلي أبو الوفاء بن عقيل رحمة الله عليه. وهذا الإمام أيها الأحبة يعتبر من أذكى من مر على مدار التاريخ. يعني هناك علماء برزوا في العقل وفي الذهن، كان الإمام إمام الحرمين الجويني ومنهم الإمام أبو الوفاء ابن عقيل في عقليته وفي ذكائه.

انظروا أبو الوفاء بن عقيل كيف وصل إلى هذا الذكاء؟ كيف كان وقته؟ وكيف كان اغتنامه له؟ يقول أبو الوفاء ابن عقيل: إنه لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري، حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي. دائمًا وفي شغلي مستمر، أما في مناقشة علمية في استفادة مطالعة كتاب. إذا أراد أن يستريح حتى بفترة الراحة، يعمل عقله في التفكير في هذه المسائل الشرعية وفي واقع الأمة كما يقولون، قال: وفكري في حال راحتي وأنا منطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره. وإني لأجد من حرصي على العلم، انظروا، وإني لأجد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين سنة. يعني وهو في الثمانين من عمره قال: أجد حرصي وهمتي في طلب العلم أشد من همتي التي كانت في عمر العشرين. ماذا نقول نحن أيها الأحبة؟ في أيام العشرين ماذا كانت الهمة؟

قال: وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي. انظروا حتى في أوقات الأكل، قال: وأنا أقصر بغاية جهدي أوقات أكلي، حتى أختار سف الكعك وتحسيه بالماء على الخبز لأجل ما بينهما من تفاوت المضغ. يعني يختار أكل سريع المضغ حتى لا يضيع الوقت مع الأكل الذي يحتاج إلى فترة طويلة، انظروا إلى هذه المرتبة التي وصل إليها.

كذلك هنا كلام لابن الجوزي في صفحة مئتين وسبعة، أنصح الطلاب أن يقرؤوا هذا النص، ثم نختم بهذه الفقرة. قال: وجدد في كل وقت توبة، واجعل عمرك ثلاث ساعات: ساعة للعلم، ساعة للعمل، وساعة لحقوق نفسك ولحقوق من يلزمك حقه من الزوجة من الأبناء من الخلان. ينبغي أن تقسم العمر بهذه الحسبة. أما من يضيع عمره في شهواته وفي ملذاته فهذا سيسأل أمام الله سبحانه وتعالى. قال: واعتبر بما مضى، وتفكر في منصرف الفريقين بين يدي الله تعالى: فريق في الجنة برضاه وفريق في السعير بسخطه. لأن الإنسان إذا تفكر في الدنيا أنها ذاهبة وزائلة، وعرف أن الناس أمام الله عز وجل، هي في الحقيقة الحياة الدنيا أيها الأحبة سريعة، وهي أيام وسنجد أنفسنا في القبور، يعني لا تظن الأمور ستطول، هي أيام معدودة وسنكون من سكان القبور، وستنتهي هذه الحياة في غمضة عين. فالإنسان الذي يضيع أوقاته ولا يكون عنده رصيد يفرح به عند مقابلة الله عز وجل سيعض أصابع الندم. أين ذهبت الحياة؟ تقول ذهبت في الوظائف العامة، وذهبت في المآكل وفي المشارب وفي المضاحك وما شابه ذلك. طيب ماذا قدمت؟ ما هي المعادلة التي حاولت أن تغيرها في تاريخ الأمة؟ تجد كثيرًا من الناس الجواب يقول: لا شيء، لم أفعل شيئًا، لم أقدم شيئًا لطلب العلم، لم أقدم شيئًا في سبيل الله، لم أتصدق، لم أبذل. طيب ماذا فعلت في حياتك؟ فقط عشت مثل البهائم، وهكذا الحياة في مفهومك. لذلك تفكر في منصرف الفريقين عند الله سبحانه وتعالى، أين تحب أن تكون؟ مع من تحب أن تكون؟ هل تحب أن تكون مع من سيصرفون إلى نار جهنم؟ أم تحب أن تكون مع من سيصرفون إلى جنات الله عز وجل؟ هناك المنصرف بحسب البذل في هذه الحياة الدنيا، هنا تبذل وهناك بإذن الله تحصد.

ثم قال: وأكرم الكرام الكاتبين، عليك أن تكرم هؤلاء الكاتبين. لذلك يعني من جميل كلامهم يقولون إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه جبريل بالجار ألا يؤذي جاره، صحيح؟ فما بالنا بالملكين الذين يجلسان دائمًا معنا؟ هؤلاء جيران، هؤلاء ملازمون أكثر من الجيران، إذا كان الإنسان لا يؤذي جيرانه فلماذا يؤذي الملكين دائمًا بالأفعال القبيحة السيئة؟ فقد ورد في بعض الآثار أن هذين الملكين يتأذيان مما يفعله بنو آدم من الأفعال القبيحة. فعلى الإنسان أن يكرمهما وأن يحسن إليهما لأن يوم القيامة ستكون الصحائف مع من؟ معهما. الصحائف يوم القيامة ستأتي، ملك يسجل الأعمال الحسنة وملك يسجل القبائح، ويوم القيامة ستأتي هذه الصحائف. فعليك أن تراعي حقوقهما.

ونختم بقوله: وتناول نعم الله بالفهم، وردها إليه بحسن الثناء والشكر. ما معنى هذا الكلام؟ وتناول نعم الله بالفهم. هو يقول لك تفهم؛ يعني نعمة الله عز وجل، كأنه يريد أن يقول الله عز وجل أيها الأحبة أعطاك عقلاً، عليك أن تفهم لماذا أعطاك العقل؟ حتى تستخدمه في طاعة الله سبحانه وتعالى. هنا فهمت أنت هذه النعمة، أعطاك مالاً هذه نعمة، عليك أن تفهم ما هي الرسالة الموجهة إليك؟ أهذا المال الذي يريده الله عز وجل مني أن أبذله في سبيله وفي طاعته، وأن أنفق على مساكين، بعدها طبعًا النفقة على العيال. أتاك الله عز وجل صوتًا، أتاك الله عز وجل أي شيء من النعم التي أنعم الله عز وجل بها عليك بصرًا، سمعًا، لسانًا، يدًا، قدمًا، عليك أن تتفهم ما الذي يريده الله عز وجل بهذه النعمة، وما التوجيه الذي يجب علي أن أفعله؟ لذلك قال: تناول هذه النعم بالفهم ثم تردها إلى الله سبحانه وتعالى بالثناء والشكر. الثناء باللسان بالحمد، والشكر يكون بأن توجه النعم إلى ما يرضي الله عز وجل من الأقوال والأفعال.

أختم بهذه القصة التي ذكرها عبيد بن عمير رحمه الله، ربما تتكلم أن عليه أن يحذر أن يصرف نعمة الله عز وجل عليه في غضبه وفيما لا يرضيه. يذكر قصة عبيد بن عمير المكي، وهو من العلماء الكبار، ذكرها العجلي في كتاب الثقات قال: حدثني أبي عبدالله قال كانت امرأة جميلة بمكة، امرأة فاتنة وكان لها زوج. فنظرت هذه المرأة أيها الأحبة في يوم من الأيام في المرآة، قالت لزوجها: أترى أحدًا يرى هذا الوجه ولا يفتن به؟ انظر الآن الدياثة هنا ابتداء، هي تنظر في وجهها في المرآة فتقول لزوجها: أترى أحدًا ينظر هذا الوجه فلا يفتن به؟ فقال: نعم، يقول لها زوجها: نعم، أعرف من لا يفتن بهذا الوجه. قالت: من؟ قال: عبيد بن عمير العابد الزاهد عابد مكة. قالت: فأذن لي فلافتننه. فقال: قد أذنت لك. انظروا إلى هذا الزوج، انظروا هذا المثال السيء للزوج، زوج يأذن لزوجته أن تفتن العابد الزاهد، أين الغيرة في قلبه؟ لا توجد غيرة، انتهى الأمر.

قال: فأتته فاستفتته، ذهبت إلى عبيد بن عمير وأتت إلى زاوية من الحرم فقالت له: يا شيخ نريد أن نستفتي. يعني ذهب بها لا يريد أن يستفتي أمام الناس، ذهب في زاوية من الزوايا، فأتته في صورة مستفتية، قال: فخلا معها في ناحية من المسجد الحرام. انظروا إلى قلة خشيتها من الله سبحانه وتعالى في المسجد الحرام في مكة المكرمة، قال: فأسفرت عن مثل فلقة القمر عندما خلا بها في جانب الحرم، هي أتته ابتداء متخمرة، هكذا كانت.

وفي القديم، قال: فلما خلت به كشفت عن وجهها، قال: مثل فلقة القمر. فقال لها: يا أمة الله، اتقي الله. فقالت له: إني قد فتنت بك، فانظر في أمري، يعني عاد أنا حبيتك وعاد بدك تنظر في أمري نفعل أنا وإياك، تريد منه الفاحشة والعياذ بالله. قال عبيد بن عمير: قال إني سائلك عن شيء، فإن أنت صدقت في أمرك، يعني خلينا نتفاهم ابتداء ثم أجيبيني عن هذه الأسئلة، إن أنت صدقت سأنظر في أمرك بعدها. قالت: لا تسألني عن شيء إلا صدقتك، إذا كان الموضوع أسئلة فالأمر هين قالت.

قال: أخبريني لو أن ملك الموت أتاك ليقبض روحك، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ فقالت: اللهم لا، الآن هي بالصدق ستجاوبك، قالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو أن الناس أعطوا كتبهم ولا تدرين أتاخذين كتابك بيمينك أم بشمالك، أكان يسرك أن قضيت لك هذه الحاجة؟ فقالت: اللهم لا. قال: صدقت.

قال: فلو أردت الممر على الصراط، الآن الصراط إما أن تسقطين في نار جهنم وإما أن تصلي إلى الجنة، فلو أردت الممر على الصراط ولا تدرين أتنجين أم لا تنجين، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ فقالت: اللهم لا. قال: صدقت. قال: فلو جيء بالموازين وجيء بك لا تدرين أتخفين أم تثقلين، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ فقالت: اللهم لا. قال: صدقت.

قال: فلو وقفت بين يدي الله للمساءلة، أكان يسرك أني قضيت لك هذه الحاجة؟ فقالت: اللهم لا. قال: طاقتي، قال: اتق الله يا أمة الله فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك. إذا هذا الجمال الذي أنعم الله عز وجل به عليك أن تفهميه هذه النعمة، لا في معصية الله سبحانه وتعالى، وهذه مقصد القصة لماذا أوردها الشيخ عبد الفتاح في هذا المقام أن هذه النعم إياك أن تبذلها في معصية الله، قال: فقد أنعم الله عليك وأحسن إليك.

قال: فرجعت إلى زوجها، قال: ما صنعت؟ الزوج عاد يريد يسأل ها إيش صارت الأمور؟ ذهب معك عبيد بن عمير؟ فانظروا الآن انقلبت حالها على عقب، قال: أنت بطال ونحن بطالون، عاد أنت وين إحنا؟ وعبيد بن عمير وين يا شيخ؟ قال: أنت بطال ونحن بطالون، فأقبلت على الصلاة والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبيد بن عمير، عاد ورطني عبيد بن عمير، ضيعها لي المرة، قال: ما لي ولعبيد بن عمير أفسد علي امرأتي، كانت كل ليلة عروسًا فسيرها راهبة.

عاد يقول أنا ذهبت تفتي لعبيد بن عمير وتفعل لي عادت له راهبة عابدة لا تريد شيء من هذه الحياة الدنيا. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يعيننا على أن نصرف النعم التي أنعم بها علينا في طاعته، وأن يغفر لمشايخنا ولأولي الفضل علينا إنه ولي ذلك والقادر عليه. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.