والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن هم يسمعون كلام الرحيم، الحمد لله الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أزكى البشرية، على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه الرسالة المباركة، رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا في منازل هذا الطريق إلى قول الحارث: واحذر من إيهام النفس برؤية المقامات، واحذر من إيهام النفس برؤية المقامات.
هنا أيها الأحبة في هذه الملاحظة وفي هذه الرسالة وفي هذه النصيحة من الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يقول لك أيها المسترشد: احذر من أن توهمك نفسك أنك بلغت عند الله سبحانه وتعالى منزلاً عالياً بسبب عبادة، بسبب دعوة فعلتها، بسبب طلبك للعلم، بسبب صدقة بذلتها، لأنك داعية، لأنك مصلح إلى الله سبحانه وتعالى.
يقول لك احذر، احذر ماذا؟ أن توهمك النفس أنك بلغت منزلاً عند الله سبحانه وتعالى. لماذا أيها الأحبة؟ المسترشد كلما سلك في طريقه إلى الله عز وجل وازداد منه قرباً وازداد معرفة بربه، ازداد معرفة أنه مقصر في حق الله عز وجل. كلما زدت في سلوكك تعرف أن الله عز وجل حقه أعظم وقدره أكبر، وأن ما فعلته من العبادة لا يوفيه حق الله سبحانه وتعالى ولا يوفيه قدره.
لماذا؟ لأنه كلما سلك كما قلنا ازداد معرفة بربه وازداد معرفة بقصور عمله من أن يبلغ مقدار نعمة من نعم الله عز وجل عليه. أما الإنسان الجاهل الذي لم يسلك الطريق إلى الله عز وجل حق السلوك، إذا فعل طاعة يسيرة، إذا صلى ركعتين، إذا قرأ كتاباً، إذا حضر دورة، إذا حفظ متناً، يظن أن نفسه بلغ شأناً عظيماً ويتفاخر ويتعاظم في نفسه بذلك.
لذلك يقول ابن عطاء الله السكندري رحمه الله تعالى: لا تفرحك الطاعة لأنها برزت منك، لا تفرح بالطاعة التي تفعلها من طلب علم أو حضور مجالس الخير والدعوة، أو لأنك داعية أو مصلح لأنها برزت منك. لا تفرح لأنها برزت منك، وافرح بها لأنها برزت من الله إليك.
هنا الإنسان يفرح، يفرح لأن الله سبحانه وتعالى وفقه للطاعة، ولا يفرح من نفسه أنها قامت بطاعة، لأن الله عز وجل هو صاحب المنة أولاً وآخراً، قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ. لذلك هذا أدب مهم خاصة لطالب العلم وللداعية وللمصلح، إياك أيها الحبيب إذا سلكت في طريقك إلى الله عز وجل أن تريك النفس أنك بلغت قيمة ومنزلاً عظيماً عند الله.
لأن هذا الشعور بحد ذاته يجعلك تتباطأ في العمل وتنظر إلى الناس بنظرة دونية، تقول: أنا ما شاء الله، أنا طالب علم وأنا أفعل وأفعل، إذاً من حقي أن آخذ جولة من الاستراحة، من حقي أن أريح النفس لأني أنا صاحب بذل وعطاء عند الله عز وجل ورجل مقرب.
انظروا أيها الأحبة لهذه القصة التي يذكرها الشيخ عبد الفتاح عن البهلول بن راشد، كيف كان هذا الرجل من عباد الدنيا في زمانه. يروي دحيون بن راشد -هذا رجل طبعاً البهلول بن راشد من أهل تونس تسمى إفريقية في الكتب- قال دحيون بن راشد كذلك من أهل تونس ومن معارف البهلول بن راشد: يقول دحيون بن راشد: قال كنت في المدينة النبوية -الظاهر أنه قدم في عمرة ليؤدي مناسك العمرة أو مناسك الحج في المدينة النبوية- فإذا إنسان ينادي ويصرخ: من يعرف البهلول بن راشد؟ أو يصرخ: من من أهل إفريقية؟ من من أهل تونس في المدينة؟ قلت: أنا من أهل تونس. يقول دحيون بن راشد: قلت لهذا المنادي: أنا من أهل تونس، ماذا تريد؟ فقال لي: هل تعرف بهلول بن راشد؟ فقلت: نعم أعرف هذا الشخص. قال: فدفع إليّ كتاباً وقال: إذا وصلت إلى تونس إلى إفريقية فادفع هذا الكتاب إلى البهلول.
قال: فعندما عدت إلى إفريقية وذهبت إلى القيروان التي كان فيها البهلول بن راشد، دفعت إليه هذا الكتاب وقلت له الحكاية، أن رجلاً في المدينة النبوية أعطاني هذا الكتاب وقال: ادفعه إلى البهلول. البهلول بن راشد عندما فتح هذا الكتاب وقرأه خرّ باكياً، خرّ باكياً على الأرض. فقال له هذا الرجل، قال له دحيون بن راشد: لماذا تبكي؟ ماذا وجدت في الكتاب؟ قال: وجدت في الكتاب أن امرأة من أهل سمرقند، من أهل خراسان يعني من تلك الأرض، تقول في هذا الكتاب: لقد كنت ماجنت في حق، يعني ماجنت مجوناً كبيراً، كانت امرأة ماجنة، صاحبة مجون وفحشاء، ثم تبت إلى الله عز وجل توبة نصوحاً، فسألت عن عباد الأرض حتى يدعوا لي. أرادت قداسة منهم، عباد الزمان حتى يدعوا، هؤلاء العباد أن الله عز وجل يقبل توبتها. فأخبروني أن البهلول بن راشد من أهل القيروان من عباد الأرض.
يعني انظروا إلى أين وصل اسم البهلول بن راشد، من أهل القيروان في المغارب ووصل اسمه إلى مشارق الأرض أنه من عباد الدنيا، فتقول هذه المرأة في هذا الكتاب: فسألت عن عباد الأرض فأخبروني أن منهم البهلول بن راشد، فإذا وصلك هذا الكتاب فادع الله عز وجل لي.
فالبهلول بن راشد الآن، كثير من الناس طالب علم إذا أُثني عليه، إذا عرف أنه أصبح على الألسنة، إنسان داعية، إذا عرف أن كل الناس أنظارها متوجهة نحوه، ماذا يصاب؟ في كثير من الأحيان يدخل الشيطان على القلب، يشعر أنه بلغ منزلاً عظيماً عند الله عز وجل استحق به هذا الثناء الحسن وهذه الشهرة، لكن البهلول بن راشد حاله كان مختلفاً.
عندما وصلت إليه هذه الرسالة انكب باكياً على الأرض، قالوا حتى بلّ هذه الرسالة من ماذا؟ من طين دموعه، دموعه عندما نزل إلى الأرض عمل بركة من طين، وهذا الكتاب التصق بهذا الطين من شدة خوفه. يعني انظروا ماذا يقول، ثم قال: يا بهلول، ذُكرت بسمرقند خراسان، والآن يتكلم مع نفسه، يا بهلول بن راشد، ذُكرت بسمرقند خراسان، الويل لك من الله إن لم يستر عليك يوم القيامة.
يعني يعاتب نفسه ويقول: وصلت سمعتك يا بهلول إلى بلاد خراسان في مشارق الأرض، ويل لك من الله إذا لم يستر عليك، يعلم أن عنده عيوباً أو يتهم نفسه بالعيوب والتقصير ويخشى أن الله عز وجل يفضحه. انظروا إلى هذا العابد كيف لم تأخذ نفسه ولم يأخذ العجب عندما ذكر في مشارق الأرض ومغاربها، وانظروا إلى حالنا، لا نتكلم عن مشايخنا، بل ربما عرف الإنسان في منطقته وفي حيه فأخذته نفسه بالإعجاب.
فالإنسان عليه إذاً أن يحذر من هذا المزلق عن طريق المسترشدين بأن يرى المقامات. ثم يقول بعد ذلك: واحذر من إيهام النفس برؤية المقامات، وتسفيه الحق بغمط الناس، فإنه سم قاتل. يعني واحذر من تسفيه الحق من خلال غمطك للناس، فإنه سم قاتل.
وهذه النصيحة أيها الأحبة في الحقيقة يعني من دقيق علم الحارث المحاسبي رحمه الله، حقيقة نصيحة عظيمة جداً. ماذا يقول لك المحاسبي؟ أحياناً أيها الحبيب قد تكون صاحب حق، قد تكون صاحب مبدأ عقدي، قد تكون صاحب دعوة، لكن هذا الحق الذي أوصلك الله عز وجل إليه بتوفيقه سبحانه وتعالى، وربما حجب كثيراً من الناس عن معرفته وعن الوصول إليه، إياك أن تحتقر الناس، وأن تزدري الناس، وأن تنظر إليهم بنظرة سفلية تجعل الناس يكرهون هذا الحق الذي معك، تجعل الناس يكرهون هذا الحق الذي مع كثير من الناس، قد يكون كما قلنا صاحب حق وصاحب فكرة عقدية أو مبدأ دعوي صحيح، وكثير من الناس يخالفونه، لكن أنت الآن إذا حملت هذه العقيدة وفقك الله عز وجل لهذا الحق، ما وظيفتك؟ أن تدعو الناس إلى هذا الحق برحمة، وأن تدعوهم بحب وبحرص، ولا يكون نظرك للناس عندما تدعوهم: إني أنا أعلم وأنتم جهال، أو أنا موفق وأنتم مخذولون.
لا تدعوا الناس بهذا النفس، لأن الناس إذا نظروا لصاحب الحق متكبراً بحقه، متعجرفاً به، يزدري بهم بأنظاره، فإنهم يكرهون هذا الحق الذي معه، لا بد أن يكرهوا هذا الحق الذي يقوله؛ إذاً هذا صاحب الحق ويدعي أنه صاحب الحق وهو يظهر التكبر على الناس والعجرفة، إذاً هذا ليس حقاً.
فأنت بأسلوبك الدعوي الخاطئ من خلال احتقارك الناس وإظهارك التعاظم عليهم والإعجاب بالنفس تكون سبباً في رفض الناس للحق، تكون سبباً في رفض الناس للحق. لذلك انظروا هذه الكلمة المهمة، يقول: واحذر من تسفيه الحق، أنت سفهت الحق عند الناس من خلال ماذا؟ من خلال غمطك للناس، أي من خلال احتقارك للناس، فهذا حقيقة مبدأ مهم جداً للداعية، وكما قلنا هذه النظرة من المحاسبي تدل على دقيق فهمه لمداخل الشيطان، وكيف أن الإنسان.. ما ينظر في حالنا أيها الأحبة، كل إنسان يجد نفسه على حق، على مبدأ بغض النظر صوابه أو خطأه، في النهاية لكن هو يشعر نفسه أنه على حق.
كيف ينظر إلى الآخرين؟ ينظر إليهم بنظرة المتعالم، نظرة المتكبر، نظرة العجب بالنفس: إني وصلت وأنت لم تصل، بينما صاحب يس أيها الأحبة في قصة يس، ذاك الرجل الذي هداه الله عز وجل للتوحيد وجاء يدعو قومه، وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَىٰ قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ. انظروا كيف يخاطبهم بأسلوب لا يظهر فيه التكبر والتعالي عليهم، ماذا قال لهم؟ قال: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
لم يقل: وما لكم لا تعبدون الله؟ لا، يتكلم مع نفسه أمامهم، يقول: لماذا أنا لا أعبد الله عز وجل وهو الذي فطرني وخلقني؟ وانظروا الله عز وجل أيها الأحبة رسخ هذه المقولة في كتابه، استخدام هذا الأسلوب الذي يسمى عند البلاغيين منصف الكلام، أن ينسب الإنسان النقص إلى نفسه وأن يتهم نفسه حتى لا يزعج الآخر ولا يغضبه ويوصل النصيحة إليه بشكل هادئ.
انظروا صاحب يس ماذا قال: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، ولم يقل: وما لكم يا قومي لا تعبدون. لماذا؟ لا يريد أن يغضب القوم، لا يريد أن يستفزهم، يخاطب نفسه أمامهم وهم على وجه وعلى هيئة تجعلهم هم كذلك يراجعون أنفسهم. قال: وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً، انظر يتكلم مع نفسه أمامهم: أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ، إلى آخر الحكاية ثم هذا الرجل.
انظروا كيف هو صاحب حق، صاحب عقيدة، ولكن حمله من العقيدة لم يجعله يتعالى على قومه، بل كان حريصاً عليهم، عندما قتله قومه بسبب دعوتهم، هذا حال كثير من أصحاب الدعوات قتله قومه، الله عز وجل أيها الأحبة يخلد لنا موقف هذا الرجل في جنات النعيم، ماذا قال هذا الرجل؟ عندما دخل جنات النعيم ويتلقى في رضوان الله ما زال يتذكر قومه، فقال: يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ، ما زال حريصاً على أن يصل الحق إلى قومه بكل حب وحرص.
انظروا إلى هذا الإنسان الداعي المصلح، وانظروا إلى النموذج الآخر الذي يكون عنده الحق ولكن يدعو إليه بنوع من التعجرف والتكبر وإظهار الفضل على الآخرين وأني بلغت ووصلت، كيف يكون موقف الناس من هذه الدعوة؟ إذاً شتان ما بينهما، لذلك قال: واحذر من تسفيه الحق بغمط الناس فإنه سم قاتل، نعم قاتل للأفكار وقاتل للدعوات.
قتلت الحق؛ أنت بأسلوبك وبتسفيهك للناس وبغمطك للناس قتلت الحق الذي معك، قتلت الفكرة الصحيحة وأدتها في مهدها لأنك لم تعرضها بالطريقة التي ترضي الله سبحانه وتعالى.
ثم يقول بعد ذلك رحمه الله تعالى: واعتزل خوف السقوط من أعين الناس بخوف مقت الله لك، واعتزل خوف من أعين الناس. أيها الأحبة، أريد أن أسأل سؤالاً، الإنسان إذا خاف السقوط من أعين الناس، هذا الخلق السيئ وهذه الخصلة السيئة تدعوه إلى ماذا؟ إذا الإنسان خاف من أن يسقط من أعين الناس ما الذي ينتج؟ ما الذي يثمر؟ ما هي التي تنتج عن هذا الأمر؟ الرياء، مظاهر الرياء ستكون في ماذا؟ إنسان خاف السقوط من أعين الناس ماذا سيفعل؟ يعني نريد مقولات، يعني شيئاً واضحاً يعني.
يعني مثلاً لو قلنا إذا خاف السقوط من أعين الناس، إذا سُئل سؤالاً سيتكلم بما لا يعرف حتى لا يشعر الآخر أنه جاهل فيخشى من أن يسقط من عينه، صحيح؟ يخشى السقوط من أعين الناس فيفتي بما لا يعلم. هذه كذلك، قد يكون يعلم الحق ولكن يفتي بخلافه إرضاءً للناس، أنت قد تكون تعلم الحق ولكن خوف السقوط من أعين الناس إذا قلت لهم الحق والناس ستبتعد عنك وتنفض عنك، تقول للناس ما يرضيهم، حتى لا يبتعدوا عنك ولا ينفضوا عنك ذاك أو تلك الأبهة أو ذاك المكان الرفيع الذي رفعوك إليه.
فحقيقة خطر هذا الأمر كبير على الداعية وعلى طالب العلم، إذا خاف السقوط من أعين الناس أكثر من خوفه من السقوط من عين الله سبحانه وتعالى، هذا سيدفعه لأمرين عظيمين: أولاً أن يقول على الله سبحانه وتعالى ما لا يعلم، من أكبر الكبائر عند الله سبحانه وتعالى، كما قال تعالى: وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ. كذلك سيدفعه أن يقول بخلاف ما يعلم من أجل الآخرين، فهذان أثران خطيران ينتجان من خوف السقوط من أعين الناس، فالمحاسبي يقول لك أيها المسترشد: عليك أن تعتزل خوف.
سقوط من أعين الناس أن تبتعد عن هذه الخصلة، وكيف يكون ذلك ما هي الوسيلة؟ ماذا قال؟ أن تخاف من ماذا؟ من مقت الله سبحانه وتعالى. دائماً أيها المسترشد، يا طالب العلم، أيها الداعية، أيها السائر في هذه الحياة الدنيا، عليك أن تجعل غضب الله سبحانه وتعالى مقدماً على غضب الناس. وإذا جعلت الله عز وجل هو المقدم، فإن الله سبحانه وتعالى سيجلب إليك قلوب الناس. من كان دائماً الله عز وجل هو المقدم عنده، لا يقول الحق إلا ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى ولو أبى هذا الحق كل الناس. هو يريد الله عز وجل، فإن الله عز وجل يصرف قلوب الناس إليه ولو بعد حين.
انظروا محمد صلى الله عليه وسلم بدأ الدعوة في مكة ورفضتها قريش ورفضها أهل مكة. ولكن بعد عشر سنوات -لكن نحتاج إلى فترة- بعد عشر سنوات عاد إلى مكة فاتحاً، وقاد الله عز وجل إليه قلوب أهل مكة جميعاً. حتى الجبابرة من أهل مكة عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وكلهم دخلوا في دين الله أفواجاً. لذلك الله عز وجل إذا رأى من عبده حرصاً على ما يرضي الله سبحانه وتعالى فإن الله يبقي أثره على ألسنة الناس وفي قلوب الناس ولو بعد حين. يعني لابد أن تختبر، لابد تأتي عليك فترات تقول شيئاً يرضي الله سبحانه وتعالى ويخالفه الناس؛ هنا هذا امتحان، وأنت ستختبر أمام الله سبحانه وتعالى هل ستذهب إلى رضا الناس ولو غضب الله عز وجل، أم ستختار رضى الله عز وجل لو سخط الناس؟ على الإنسان أن يعرف أين يضع الأقدام.
كذلك قال: واعتزل خوف السقوط من أعين الناس بخوف مقت الله لك. ثم يقول كذلك بعد تقدير: واعتزل خوف الفقر بقرب الأجل منك. واعتزل خوف الفقر بقرب الأجل منك. ما معنى هذا الكلام أيها الأحبة؟ نقول ابتداءً نفس السؤال أوجهه إليكم: إذا خاف الإنسان الفقر، الإنسان طالب العلم، الداعية، السالك إذا خاف الفقر ماذا ينتج وما هي آثار هذا الخوف؟ سوء الظن في الله. سوء الظن بالله أحسنت. نعم، طول الأمل قد يكون بعيداً عن هذه القضية بحد ذاتها، لكن سوء الظن بالله كذلك التكسب من الحرام. أنت خفت للفقر، فترى في وجهة نظرك المحدودة العاجزة الضعيفة أن مكاسب الحلال لا تكفيك، فينبغي أن أنتقل إلى القروض الربوية وإلى التجارات المحرمة حتى أكتسب المال لئلا أقع في الفقر. إذاً خوف الفقر قد يجرئ الإنسان على الكسب الحرام، يجعل الإنسان يسيء الظن بالله سبحانه وتعالى.
كذلك أيها الأحبة الإنسان إذا خاف الفقر قد لا يفعل الحرام، ولكن يجلس ساعات العمر ماذا يفعل؟ في الوظائف وفي الأعمال وتنقضي الساعات بسبب خوفه من الفقر؛ يأخذ ثلاث وظائف في اليوم، ويأخذ أربع وظائف. وظيفة من الصبح إلى الظهر، وظيفة من الظهر إلى العصر، وظيفة من العصر إلى المغرب. كل هذا حرصاً على المال، الخوف من أن يصل إلى مرتبة الفقر. يقول لك يا شيخ أنا أكتسب الحلال، نقول نعم ربما أنت تكتسب الحلال، ولكن العمر يضيع من دون طاعة، من دون ثمرة تلقى بها الله سبحانه وتعالى. نعم الله عز وجل أمرك بالرزق والكسب لعيالك، ولكن هذا وسيلة حتى تقوم بطاعة الله سبحانه وتعالى. أما أن تصبح الوظيفة ويصبح كسب الرزق هو المقصد من هذه الحياة، الإنسان يسعى أن يبقى في طول يومه منشغلاً بكسب المال، ويقول بعد ذلك هذا كسب الحلال؛ أقول قد كسبت حلالاً ولكنك أضعت العمر. هذا العمر كان بإمكانك أن تستثمره في قيام الليل وفي حفظ القرآن وفي الدعوة وفي الإصلاح وفي كثير من كان ينبغي عليك أن تقسم أوقاتك. قسم من الوقت في الطاعة وفي طاعة الله عز وجل وطلب العلم، وقسم من الوقت لقضاء حوائج نفسك وحوائج أهلك. أما أن يكون طول الوقت هذا حريصاً على المال وفي الوظائف هذا دلالة على أنه يخشى الفقر، وخشية الفقر أيها الأحبة تضيع الأعمار.
لذلك يقول لك عليك أن تعتزل هذه الخصلة أيها المسترشد، لأنك سلكت طريق المسترشدين، طريق المسترشدين طريق عبادة، طريق قربات، طريق مراقبة، طريق ذكر، طريق قراءة القرآن، هذا طريق المسترشدين. فمتى ستفعل هذا الطريق إذا أنت منشغل دائماً في الحسابات المالية وفي الأوراق النقدية؟ لا يمكن أن تتفرغ لهذا الطريق. فكيف الحل إذاً؟ الحل أن تعتزل خوف الفقر من خلال ماذا؟ قال لك من خلال قرب الأجل منك. أنت دائماً تعتبر وتتفكر في قرب الأجل منك. يعني هذه الحياة الدنيا حتى لو فقرت فيها، الأجل أيها الأحبة قريب، هي أيام معدودة. وكل يوم ينقضي من تلك الحفرة هي أيام معدودة، نعم هذه حقيقة الحياة الدنيا، أيام معدودة وسنكون في حفرة. فعلى الإنسان الحصيف أن يعرف أن هذه فرصة واحدة لا مجال أن نضيع هذه الفرصة في كسب المال فقط. كسب المال أحتاجه كمعين للطريق إلى الله عز وجل، أما أن يكون كسب المال هو الأصل والطريق إلى الله هو الفرع إذاً هذا خلل في الأولويات وخلل في فهم طبيعة الحياة التي خلقني الله سبحانه وتعالى من أجلها. لذلك الطريق كما يقول المحاسبي لاعتزال خوف الفقر، للابتعاد عن هذه الخصلة، أن تتفكر دائماً بقرب أجلك، وإنما هي أنفاس تنقضي رويداً، ثم بعد ذلك سأطوى في حفرة، فماذا قدمت لهذه الحفرة؟ وماذا قدمت للوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى؟ هذا دائماً ينبغي أن يشغل بال المسترشد.
ثم قال رحمه الله تعالى: وأخفِ أثرك ما استطعت. وأخفِ أثرك ما استطعت. ما معنى أخفِ أثرك ما استطعت إيش يا شيخ عبد الرحمن؟ خليك تصحصح معنا. ما معنى وأخفِ أثرك ما استطعت؟ خلينا نوجه السؤال، نحاول أن نفهم هذا الكلام، سنتعامل مع كلام المتقدمين. ما معنى وأخفِ أثرك ما استطعت؟ أحسنت، يعني أثر الطاعة عليك بقدر استطاعتك أن تخفيه ولا تظهره للآخرين. عليك أن تخفيه وألا تظهره للآخرين، وهذا أيها الأحبة في الحقيقة مسلك دقيق، وقد يقع كثير من طلبة العلم ومن الدعاة في أوجه من الرياء الخفية بسبب إظهار أثر الطاعات. يعني أعطيك نموذجاً، هذا يحدث مع كثير من طلبة العلم، يدخل عليك شخص على غرفتك أو على مجلسك وأنت تفتح كتاباً من كتب العلم. صحيح أنت تعلم أن هذا الرجل بمجرد دخوله سينقضي المجلس وستتكلم معه. يقول علماء التزكية الأصل أن تغلق هذا الكتاب ولا تجعله مفتوحاً حتى ينظر الداخل إليك أنك تقرأ في هذا الكتاب. يعني انظروا كيف المسلك الدقيق للشيطان. أنت تفتح الكتاب وأنت تعلم أن هناك شخصاً سيأتي يجلس معك ولا تستفيد من هذا الكتاب شيئاً، ولكن لماذا تبقيه مفتوحاً أمامه؟ من مسالك الشيطان الدقيقة أنك تبقيها حتى تظهر له أنك طالب علم.
كذلك قد يحدث هذا مع إنسان يقرأ القرآن في المسجد أو في بيته ويدخل عليه شخص، فيبقى القرآن مفتوحاً وهو يعلم أنه سينتهي من قراءة القرآن، هناك شخص دخل إذاً ستتحاور معهم وتنتهي عملية القراءة. لماذا تبقي القرآن مفتوحاً أو تظهر نفسك أنك تمسك المصحف ثم صدق الله العظيم وتضع المصحف أمامه؟ على الإنسان أيها الأحبة أن يتحرز من المسالك الخفية للشيطان. طالب العلم والداعية مسالك الشيطان عليه كثيرة؛ إظهار أثر الطاعة أنه طالب للعلم، يجلس معه المتن، يخرج للناس معه المتن، يذهب ويأتي، كثيراً على الإنسان أن يتحرز، قد يكون مدخلاً للرياء. كذلك العابد، مهما كان قيام الليل أو ما شابه ذلك، كل أثر للطاعة أتستطيع أن تخفيه؟ بادر في إخفائه، لا يكن همك أن تظهر أثر الطاعة للآخرين، لأن الإنسان لا يأمن على نفسه الرياء. يعني انظروا القصة التي ذكرها عن إبراهيم النخعي، يقول كان إبراهيم إذا أخذ الناس منامهم، نام الناس في الليل ويستيقظ، ثم بعد ذلك يلبس حلة جميلة ويتطيب ويتعطر حتى يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى. يعني هناك حلة وعطر جعله لقيام الليل فقط، إذا جاء الصباح فإنه يخلع هذه الحلة، لا يضع مرة ثانية هذا الجمال الذي يظهر عليه حتى يظهر للناس وكأنه استيقظ الآن من نومه، وكأنه استيقظ الآن من نومه، يظهر به لباس خفيف، يوهم الناس أنه استيقظ الآن. وهكذا كان حال السلف.
يعني هذه قصة من آلاف القصص عن طريقة السلف رحمهم الله تعالى، الذي يبكي في الخلوات والذي يذهب إلى الغابات، والذي يحاول أن يقوم الليل في ساعات لا يراه الناس فيه، هذا تقرأ فيه العجب العجاب لأنهم كانوا رحمهم الله سبحانه وتعالى حريصين، كانوا حريصين على أن تكون علاقتهم فقط مع الله عز وجل ولا يظهر عليها الآخرين. الآن ننتقل كذلك إلى فقرة جديدة، يقول الحارث المحاسبي رحمه الله: وابذل الجهد عند المشورة، وأحبب في الله بعزم، واقطع في الله بحزم. انظروا هذه العبارة الجميلة، وأحبب في الله بعزم، واقطع في الله بحزم. ما معنى هذا الكلام؟ ابتداءً يقول وابذل الجهد عند المشورة. ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى وابذل الجهد عند المشورة؟
ما معنى وأبذل الجهد عند المشورة؟ أحسنت في هذا المعنى، هو يقول لك وأبذل الجهد عند المشورة، يعني إذا جاءك شخص أيها الأحبة استشارك في أمر من أمور الدنيا عليك أن تكون صادقاً في نصحه حريصاً على إيصال الخير له. كثير من الناس إذا استنصح وإذا استشير في قضية فإنه يعطي بعدم مبالاة، يعني يقول لك ها يعني افعل، لو انتهى الأمر لا تجده حريصاً يتكلف ويبذل جهده واستطاعته لإيصال الخير إلى أخيه المسلم. يقول لك لا، المسترشد أيها الأحبة ينبغي أن يكون حريصاً على إيصال الخير وأن يبذل الجهد إذا استشاره إنسان أن يعطيه الخير. أحياناً نعم قد لا يكون الأمر عندك، تعود أنت نعم الذي سئلت تستشير، تعود فتسأل كذلك أهل الخبرة. ليس فقط أخوك سألك قلت الله أعلم لا أعرف هذه القضية انتهى الأمر؛ إذا استطعت أن تعود فتسأل لأخيك وأن تسعى على بلوغ مقصده عليك أن تفعل ذلك. إذاً هناك نوع من الجهد، هناك نوع من الطاقة والمشقة عليك أن تبذلها لصالح إخوانك، لأن الطريق كما قلنا ليس فقط هو طريق عزلة، وأن يجلس الإنسان وحده فقط علاقته مع الله سبحانه وتعالى ويهدم علاقته مع الآخرين. الحارث المحاسبي من قرأ رسالته بالكلية وأخذها في الجملة يعرف أنه يرسم طريق المسترشدين طريق متنوع الأشكال، منهاج كامل للحياة، علاقة فيه مع الله، علاقة مع الأصدقاء، علاقة مع السلطان، علاقة مع الإخوان، هذا هو طريق المسترشدين، وليس كما يصوره بعض غلاة المتصوفة أنه طريق الزوايا وانتهى الأمر. لا، طريق المسترشدين فيه بذل لله سبحانه وتعالى وفيه بذل للنفس وللأقارب وللإخوان في سبيل الله.
ثم يقول بعد ذلك وأحبب في الله بعزم، واقطع في الله بحزم. هي مسألة المحبة في الله والبغض في الله، الولاء لله سبحانه وتعالى وللمؤمنين والبغض في الله سبحانه وتعالى. فالإنسان أيها الأحبة يقول إذا أحببت شخصاً في الله فأحبه بعزم، وانظروا هذه العبارة الجميلة، يقول لك أحبب بعزم، يعني كن صادقاً في المحبة، لا تكن نفعياً، لا تكن هذه العلاقة وهذا الحب الذي بينك وبين أخيك بمنافع الحياة الدنيا؛ إذا انتهت هذه المنفعة، إذا قضيت مصلحتك من أخيك انتهت هذه العلاقة، هذا ليس حباً صادقاً. وانظروا يعني العبارة في الحقيقة كانت أوسع من هذا المجال، قد تحب شخصاً بالله سبحانه وتعالى ولكنك تحب من دون مشاعر مستفاضة كما يقولون، لا، هو يقول ينبغي أن تكون جاداً في هذه المحبة، وأن تسعى بطاقتك لأن تكون هذه المحبة صادقة. إذاً الموضوع موضوع المحبة في الله في رؤية المحاسبي كذلك يحتاج إلى عزم وإلى صدق وإلى جد. إنسان تحبه في الله لكن إذا مرض لا تعوده، وإذا مات عنده قريب لا تعزيه، وإذا فرح لا تزوره، هل هذه محبة صادقة في الله سبحانه وتعالى؟ أم هي محبة قد تكون لله عز وجل لكنها ضعيفة؟ هذه محبة ضعيفة.
فالإنسان الذي أحب أخاه في الله سبحانه وتعالى ويحب أن يصل إلى ما أعده الله عز وجل للمتحابين في جلاله من منابر النور، هذه المحبة لها ضريبة، لها وقت من الجهد وفيها نوع من العزم والجد حتى تصل إلى درجة المحبة في الله. والقضية حقيقة فيها نوع من محاربة القلب، لأن القلب كل آن يدعوك إلى أن تنتفع من أخيك وتقضي حاجتك ثم تنتهي، هكذا القلب يدعوك، أو النفس الأمارة بالسوء مع الشيطان تدعوك لهذه العلاقة، وأنت تدعو قلبك لأن تكون علاقتك مع أخيك لوجه الله سبحانه وتعالى فقط، فهذا فيه نوع من المدافعة. لذلك قال وأحبب في الله بعزم. لذلك المقابل أيها الأحبة إذا أبغضت، عليك أن تبغض في الله سبحانه وتعالى، وإذا قاطعت تقاطع في الله بحزم. لماذا؟ ما معنى بحزم؟ أي بأن لا يكون هناك تميع في هذه المقاطعة. وهذا يدل على أن هناك طائفة ينبغي أن تبغضها في الله، وأن تعاديها في الله، وأن تقطعها في الله، سواء كان من أعداء الأمة ممن يخالف الشريعة المحمدية، أو كانوا من أهل البدع الذين نصبوا أنفسهم للبدع ولدعوة الناس إلى الطرق المنحرفة، أو كانوا ممن يجاهرون بالمعاصي، فمن نقطعهم في الله سبحانه وتعالى ليس فقط هم الكفار، لا، بل نقطع المجاهر بالمعصية، ونقطع الداعي إلى البدعة والمنحرفين عن الحق.
المحمدية كل هؤلاء يجب على الإنسان أن يقطعهم ما ظهرت المصلحة في ذلك. وعندما تقطعهم عليك أن تقطعهم بجد. كثير من الناس عندما نتكلم عن قضية هجران أصحاب المعاصي وأصحاب الكبائر والفجور الذين يجاهرون، يتعامل مع هذه القضية بنوع من التمييع. يقول لك: يعني يا شيخ خلص في النهاية أنا قلت له أنه يفعل هذا الأمر وأن يترك هذه القضية، وماذا أفعل بعد ذلك؟ آه، تفعل بعد ذلك أن تكون جليسه وأكيله وقعيده.
تجد الإنسان أيها الأحبة يحزن ويشفق وتأخذه المشاعر النبيلة عندما نقول له عليك أن تهجر فلانًا في الله، ولا تأخذه أو ولا يأخذه الغضب ويتمعر وجهه عندما ينتهك هذا الشخص حرمات الله سبحانه وتعالى جهارًا نهارًا، ولا يتمعر وجهه لغضب الله سبحانه وتعالى. عندما يدعو هذا الشخص إلى البدع المضلة لا يحزن على هذا ولا تأخذه المشاعر، وإنما تأخذه المشاعر عندما نقول له فلان يجب أن تقاطعه، فيبدأ يعطيك النصائح والأساليب الدعوية الصحيحة وكيف يجب أن نعامل الناس بلطف ولين؟ لا، اللطف هذا له مقامه، والحزم والجد والبغض في الله سبحانه وتعالى هذا له مقامه حتى لا يغفل هذا مع هذا.
لذلك كما جاء في الحديث في سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أول ما دخل النقص في بني إسرائيل أن الرجل كان يلقى الرجل على معصية فيقول له: يا فلان اتق الله ودع ما تصنع، ثم يأتي من الغد لا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. انظروا هذا بداية النقص في بني إسرائيل؛ الرجل يرى رجلاً على منكر فيقول: يا فلان اتق الله ترى هذا المنكر ما يصح. اليوم الثاني الرجل ما يقلع عن هذا المنكر، فتجد هذا الإنسان الذي كان البارحة ناصحًا يجلس مع هذا الرجل، يسمر معه، ويأكل، يتحدث معه، ويتبادل أطراف الحديث. إذا قيل له اجتنب هذا الرجل الذي ما زال مصرًا على معصية الله قال لك: يا شيخ ترى أنا فعلت الذي علي، إيش أفعل أكثر من ذلك؟ نعم هناك ما هو أكثر من ذلك، عليك أن تعتزله وأن تهجره في الله سبحانه وتعالى ولا تجعل هذه القضية قضية تمييع. عليك أن تهجره في الله وهذا ذهب إليه كثير من أهل العلم وجوب هجران أهل المعاصي على خلاف في التفاصيل، وجوب هجران المصرين على المعاصي على خلاف كما قلنا بينهم في التفاصيل، هذا أصلاً ذهب إليه جماهير أهل العلم. فعلى الإنسان إذا أحب في الله أن يحب بصدق وبعزيمة، وإذا أبغض في الله أن يبغض كذلك بحزم وجد، ولا يميع قضايا الولاء والبراء كما يريد ذلك كثير من المعاصرين.
ثم ذكر لك من تجالس إذا قال لك في الله بعزم، ذكر لك من ينبغي عليك أن تحبه في الله. وهذه القضية تكررت مع المحاسبي كثيرًا في ضمن هذه الرسالة، وهم رفقاء طريق المسترشدين. الإنسان في طريقه إلى الله، هذه رسالة المسترشدين، في طريقك إلى الله سبحانه وتعالى من تجالس؟ من تصحب؟ هل تجالس كثير الكلام الذي لا يعود كلامه عليك بالنفع والصلاح؟ انظر ماذا يقول، يقول: ولا تخالل إلا تقيًا، ولا تجالس إلا عالمًا، ولا تخالط إلا عاقلاً بصيرًا. إذا الإنسان يكون مجالسا ومخالطًا لهذه الأصناف من الناس.
لو تأملنا أيها الأحبة في حالنا كيف تنقضي ساعات العمر مع جلسائنا وشركائنا في الحياة، نجد أنفسنا نضيع كثيرًا من الساعات مع أناس لا يستحق أن يجلس معهم، أناس إذا جلست معهم إما في غيبة، إما في نميمة، إما في بدعة، وإما في معصية، يدعونك للمنكرات ويبعدونك عن الطاعات. تذهب ساعات العمر في الضحك وفي القهقهة وفي البعد عن طريق الله سبحانه وتعالى، تضيع الساعات والأعمار. بعد ذلك وعندما يأتي على الإنسان زمان يتذكر أين ذهبت ساعات العمر يجد شريطًا واسعًا مع أناس كان الأصل ألا يجلس معهم. ذهب هذا الطريق أيها الأحبة، الساعات التي تنقضي لن تعود، الساعات التي تنقضي لن تعود، الساعات التي جلست مع فلان أصحاب اللغو وأصحاب المصالح وأصحاب الغيبة والنميمة هذه لن تعود، ذهبت وستسجل وتطوى أمام الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تنتبه.
العمر ساعات تنفذ منا سريعًا ونحن لا نشعر، والإنسان إيش يقول كما جاء في سورة الفرقان: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا. نعم، خذلك الشيطان وأرشدك أن تجلس مع فلان ورفيق فلان، ترى وهو يجلس ساعة ساعتين ثم يذهب، وأنت تعود نفسك، توطن نفسك على الجلوس معه ساعة ساعة، ويأتي شخص آخر من أصحاب اللغو وتجلس معه ساعة ساعتين، وتنقضي ساعات العمر بعيدًا عن طريق الله سبحانه وتعالى لتعض أصابع الندم يوم القيامة، ولا ساعة من دم. أنت عندما عضضت يوم القيامة هل سينفعك الندم؟ انتهى الأمر، طويت الصفحات وبدأ يوم الحساب. فالإنسان أيها الأحبة ينتبه في الحقيقة على هذه الأمور قبل أن تنفذ الأعمار.
ثم يقول: وكن مقتديًا بما قبلك من الأئمة، معلمًا لمن بعدك من الأمة، إمامًا للمتقين، كهفًا للمسترشدين. هذه في الحقيقة من أجمل الكلمات التي مرت علينا في هذه الرسالة، هذه الكلمات التي يسجلها لنا الحارث المحاسبي رحمه الله من أجمل الكلمات. إيش يقول لك؟ يقول لك: وكن مقتديًا بما قبلك من الأئمة، كن مقتديًا بمنهج السلف الصالح، كن على طريقتهم. الإنسان أيها الأحبة لا يستمع للدعوات التي تدعوه إلى التجديد الفارغ، إلى نبذ منهج سلف الأمة واتباع البدع واتباع الحداثيين وأصحاب الدعوات الباطلة، هؤلاء الذين يزهدون بطريقة السلف ويقولون إن طريقتهم كانت على طريقة البساطة، يعني أناس اشتغلوا على البساطة وعلى البركة وعلى ما كان عندهم، نحن الآن في عصر التطور وفي عصر الحداثة ينبغي علينا أن نأتي بأفكار وأساليب جديدة. لا أيها الأحبة، كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. لا يظن أن الصلاح بنبذ طريق السلف والذهاب مع الحداثيين والعلمانيين والمستشرقين والسلوك على دربهم، أبدًا، لن نعود إلى عزنا ولن نعود إلى مجدنا إلا إذا عدنا لمنهج سلفنا. وهذا هو منهج الحارث المحاسبي، منهج بعيد عن البدع، بعيد عن المحدثات، بعيد عن الخرافة التي يدعو إليها كثير ممن يزعمون أنهم من علماء العصر وهم في الحقيقة من علماء الباطل، منهج الاقتداء بسلف الأمة. إذًا تكون ابتداءً مقتديًا بسلف الأمة، إذا تعلمت من سلف الأمة ومن الأئمة الكبار تكون بعد ذلك معلمًا لهذه الأمة، قال: معلمًا لمن بعدك من الأمة، هكذا الإنسان يتعلم ويعلم، يأخذ ويعطي، حتى يكتب الله سبحانه وتعالى له البركة.
إمامًا للمتقين كما قال تعالى، ماذا كانت دعوة المؤمنين في سورة الفرقان؟ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا. نعم، الإنسان يسعى إلى الإمامة في الدين، طبعًا أن الإمامة في الدين لا تعني أنك تفاخر وتراءي وتنافق، المقصود الإمامة الحقة. لذلك الله عز وجل أثبت هذه الدعوة أن المؤمنين أن عباد الرحمن أنهم يقولون: يا ربنا اجعلنا للمتقين إمامًا، اجعلنا أئمة مقتدى بهم. والإمامة في الدين كما ذكر الأئمة لا تنال إلا بأمرين، ما هما؟ الإمامة في الدين لا تنال إلا بأمرين ذكرهما الله عز وجل في سورة السجدة، بالصبر واليقين: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ. إذًا الإمامة في الدين وأن تكون إمامًا لا تصل إلى هذه المرتبة إلا بأمرين، هناك صبر وهناك ابتلاء وهناك تمحيص حتى يرفعك الله عز وجل. لا تظن أن الإمامة في الدين تنال وأنت جالس متكئ في الأكل والمشارب والناس تلتفت عليك وتصفق عليك، لا تظن أنك هكذا أصبحت إمامًا في الدين، لا، ليست الإمامة في الدين أن تنال شهادات أطراف الشريعة، ليست هذه الإمامة، لا، الإمامة في الدين هي إمامة صبر وبذل وعطاء وتضحية، تبتلى في ذات الله سبحانه وتعالى مع يقينك بموعود الله عز وجل وأن العاقبة للمتقين، هنا يرفعك الله عز وجل ويؤهلك لمرتبة الإمامة. فإمامة المتقين هذه مرتبة سامية شريفة لا ينالها الإنسان إلا ببذل وجهد كبيرين.
ثم قال: كهفًا للمسترشدين. يعني ينبغي للإنسان أن يكون، المسترشدون السالكون إلى الله يأوون إليه، يشعرون عندما يأتون إليه بالأمان وأنه منقذ لهم، أخذ بيدهم إلى الطريق الصحيح، فهو مثل الكهف يلجأ إليه الناس ليتقوا به من عوائق الطريق. ثم قال: ولا تظهرن لأحد شكوى. وهذا كثير أيها الأحبة، هذه الرسالة كذلك كثير ما مرت معنا من كلام المحاسبي، ولا تظهرن لأحد شكوى، أن الإنسان ينبغي عليه أن يكون افتقاره لمن؟ لله سبحانه وتعالى. ولماذا يركز المحاسبي على هذه القضية؟ هذه القضية أيها الأحبة هي أساس السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، إظهار الافتقار إلى الله. الإنسان الذي يفتقر إلى المخلوقين ويظهر الشكوى إليهم هذا إنسان بعيد كل البعد عن طريق المسترشدين. إذا كنت ممن يكثر الشكوى إلى الناس، إذا وقعت ضائقة مالية شكوت إلى الناس، تقول والله يا شيخ لا يوجد راتب والأمور صعبة في هذه الأيام ولا يوجد حركة في السوق. إذا وقعت في مرض شكوت إلى الأطباء. إذا وقعت في بلاء شكوت إلى الناس وذهبت إليهم وقرأت أبوابهم عن الله سبحانه وتعالى.
هذا الإنسان أيها الأحبة ما زال بعيدًا عن الله سبحانه وتعالى. وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. الذي أوقعك في هذه البلية، سواء كانت فقر أو كانت مرض أو كانت أي شيء من عوارض هذه الحياة الدنيا، بلاء في ذات الله سبحانه وتعالى، الذي أوقعك في هذا البلاء هو الله سبحانه وتعالى. هذا هو تقدير من الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تقرع الباب الصحيح، هو الذي يُلتجأ إليه أولًا وأخيرًا، بابه لأنه هو أوقع البلاء وهو الذي يرفعه سبحانه وتعالى بقدره. نعم الإنسان قد يأخذ بالأسباب المشروعة ولكن لا يجعل هذا القلب متعلقًا بهذه الأسباب، وإنما قلبه متعلق بالله سبحانه وتعالى هو الذي يكشف الكروب ويرفع الهموم عن العبد المؤمن. لذلك من افتقر إلى الناس فإن الله عز وجل يفقره، ومن استغنى عن الناس فإن الله سبحانه وتعالى يغنيه، لأن الغنى في الحقيقة ليس هو الغنى المادي، الغنى هو غنى القلب.
يقول بعد ذلك رحمه الله: ولا تأكل بدينك الدنيا. ما معنى هذا الكلام؟ ما معنى ولا تأكل بدينك الدنيا؟ ما أشتغل بالعلم، نعم، لم أشتغل بالعلم الذي طلبته. لا تشتغل طلبته لأ، أنت ممكن يعني تطلب علم تعمل وظيفة بشكل عام لكن آه طلب الدنيا، نعم، لم تتنازل عن الحق في يعني أخذ مصالح دنيوية. نعم يعني نحن نقول بشكل عام إذًا أيها الأحبة يقول لك المحاسبي: ولا تأكل بدينك الدنيا. إذًا لا تجعل الدين الذي تعلمته، العلم الذي تعلمته، الدعوة التي تدعو فيها إلى الله عز وجل وسيلة لجلب الشهرة، لا تجعلها وسيلة لكسب الكراسي عند السلاطين، لا تجعلها وسيلة لأن تبيع دينك بعرض من الدنيا بخس. ولو كان المحاسبي رحمه الله في زماننا لرأى العجب العجاب من ذلك، كيف يباع الدين على الأبواب وكيف يباع الدين بعرض من الدنيا بخس وبدراهم معدودة. أيها الأحبة، من أخطر الأمور على طالب العلم وعلى الداعي وعلى المسترشد أن يبذل دينه من أجل أن يأخذ عرضًا من أعراض هذه الحياة الدنيا. يعني أفعل من المعاصي، هي ليست دعوة لفعل المعاصي، لكن لو فعلت المعاصي لو فعلت، لكن أخطر شيء في الحقيقة أن تكون داعية إلى الله عز وجل وتبيع دينك من أجل الدنيا، هذا أعظم عند الله عز وجل من صاحب المعاصي.
صاحب المعاصي الذي يفعل المعصية ويتوب ويعود ثم يتوب هذا أفضل حالًا من إنسان يتاجر بدينه، قد يكون صاحب عمامة وقد يكون صاحب لحية وقد يكون إنسان نال شهادة، ولكنه في النهاية باع دينه من أجل صرة من المال أو من أجل لذة ولعاعة من لعاعات هذه الحياة الدنيا، فهذا من أخطر الأمور، وهذا باب السلف ليس فقط المحاسبي. سفيان بن عيينة أيها الأحبة رحمه الله تعالى، هذا إمام عظيم جدًا، رجل عالم في الحديث عالم في الفقه إمام كبير، يقول: كنت أوتيت فهمًا من القرآن. كان الله عز وجل أتاه فهمًا عميقًا يقصد، ينظر ما وراء النص، روحانيات، أوتيت فهمًا من القرآن، قال: فسُلبت هذا الفهم بصرة قبلتها من السلطان. فقط قبل صرة من السلطان سلبه الله عز وجل هذا الفهم، فما بالك بأناس يبذلون، يأخذون صورًا كثيرة، ماذا يبقى لهم من العلم؟ فما بالك بمن يفتي بما يريد؟ هذا أيها الأحبة عليه أن يتحرز لأن موقفه عند الله شديد.
وخذ بحظك من العزلة. وانظروا إلى التعبير الدقيق، قال لم يقل اعتزل الناس، ماذا قال؟ قال وخذ بحظك من العزلة، لأن المؤمن ليس هو المعتزل في الزوايا كما قلنا. المؤمن أيها الأحبة كما جاء في الحديث الصحيح: المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم. فالإمام المحاسبي رحمه الله تعالى يقول لك لا بد أن تخالط الناس في الدعوة في الأمر بالمعروف.
والنهي عن المنكر والأخذ بأيدي الناس إلى الخير. ولكن ينبغي أن يكون عندك حظ، يعني نصيب من العزلة أن تجلس مع نفسك، لأن هذه الحياة مثل حلبة المصارعة؛ تدخل جولة في المصارعة ثم بعد ذلك تعود تستريح حتى تترتب الأوراق من جديد، ثم بعد ذلك تعود تصارع الناس، وتنهى هذا وترشد وتعلّم، ثم بعد ذلك ينبغي عليك أن تعود مرة أخرى تتفكر ويصفى القلب وتعود الأفكار إلى محلها الصحيح وتعود بعد ذلك؛ فلابد إذاً من العزلة. وحقيقة ساعة واحدة من العزلة خير من كثير من الساعات التي تجلسها مع الناس، ساعة العزلة أيها الأحبة أثرها عظيم على إيمان الشخص.
العزلة طبعاً أن تجلس في مكان لا يراك فيه الناس، تأمن فيه من الرياء وتأمن فيه من النفاق، أنت تجلس مع الله سبحانه وتعالى، تفكر، تحاسب النفس، تعيد ترتيب الأوراق، تعيد النظر في حقيقة نفسك؛ أين وصلت في هذه الحياة الدنيا؟ كيف علاقتك مع الله عز وجل؟ إذاً كما يسمونها الآن في العلم: في نقطة نظام، إنسان يعيد ترتيب الأوراق ثم بعد ذلك يعود مرة أخرى، إعادة تقييم، إذاً العزلة لها فوائد كثيرة.
يعني هنا يحصل أن أقف على هذا النص الذي نقله الشيخ عبد الفتاح من صيد الخاطر لابن الجوزي؛ يقول ابن الجوزي رحمه الله في كلامه عن العزلة: من أراد اجتماع همّه وإصلاح قلبه فليحذر من مخالطة الناس في هذا الزمن، أي زمن يتكلم في القرن السادس الهجري، فما بالك في زماننا؟ طيب، قال: فإنه قد كان أي قديماً عند السلف يقع الاجتماع على ما ينفع ذكره، فصار الاجتماع على ما يضر، وقد جربت على نفسي مراراً وهو يتكلم عن نفسه ابن الجوزي، جربت على نفسي مراراً أن أحصرها في بيت العزلة فتجتمع همّتي، ويضاف إلى ذلك النظر في سير السلف؛ فأرى العزلة حمية، والنظر في سير القوم دواء، واستعمال الدواء مع الحمية عن التخليط نافع.
قال: فإذا فسحت نفسي في مجالسة الناس ولقائهم، يعني هو يعطيك المشاعر التي يمر بها إنسان صادق، يعطيك مرآة عن نفسه، يقول إذا جلست وحدي في بيت وبدأت أفكر في سير السلف الصالح وما أنا عليه؛ قال: يجتمع قلبي وتجتمع همّتي ويشتعل الحماس. قال: وإذا عدت فجلست مع الناس ماذا يحدث؟ قال: فإذا فسحت لنفسي في مجالسة الناس ولقائهم تشتت القلب المجتمع، ووقع الذهول عما كنت أراعيه، وانتقش في القلب ما قد رأته العين، يعني إذا جلست مع الناس ما تراه العين من النساء من المحرمات يأتي في الذاكرة، ما يأتي إلى الأذن من الكلام المحرم يبقى راسخاً في القلب، ما يأتي من اللسان يبقى راسخاً في القلب، وهكذا هذه سيئات المخالطة.
قال: وانتقش في القلب ما قد رأته العين، وفي الضمير ما تسمعه الأذن، وفي النفس ما تطمع في تحصيل من الدنيا، وإذا جمهور المخاطبين أرباب غفلة، والطبع بمجالستهم يسرق من طباعهم، يعني إذا أكثرت الجلوس مع الناس فإنك ستأخذ من طباعهم، إذا أكثرت الجلوس مع صاحب الضحك ستأخذ من طبعه، وإذا أكثرت من الجلوس مع الماجن فإنك ستأخذ من طبعه، وهكذا من أكثر الجلوس مع أصحاب أخلاق ذميمة تبدأ هذه الأخلاق تتسرب إلى طبعه من حيث لا يشعر.
قال: فإذا عدت أطلب القلب لم أجده، يعني بعد أن أجلس مع الناس وأفعل وأفعل ثم بعد ذلك أعود لنفسي لأطلب قلبي لأبحث عنه لا أجده بعد هذه المخالطة. قال: وأروم ذلك الحضور، الحضور يعني إيه في مع الله سبحانه وتعالى فأفقده، فيبقى فؤادي في غمار ذلك اللقاء للناس أياماً حتى يسلب الهوى، وما فائدة البناء للنقض؟ يعني أنت تذهب إلى عزلة تبني وترفع بنياناً، ثم تخالط الناس بعد ذلك خلطة شديدة تضيع ذلك البناء الذي بنيته ثم تعود إلى العزلة تبني من جديد؛ يقول لك هذا خطأ، عليك أيها الحبيب أن تحافظ بشكل عام على البناء الذي تبنيه في العزلة، إذا خالطت الناس فينبغي أن تكون مخالطتك على قدر منفعتك وحاجتك، تخالط الناس آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، مبلّغاً لحوائج الناس، قاضياً لحوائج الناس، بعد ذلك عليك أن تعود إلى العزلة.
أما من يكثر الجلوس مع الناس فهذا يكثر عليه انتقاض البناء، فيختم بعد ذلك يقول: فليس في الدنيا أطيب عيشاً من منفرد عن العالم بالعلم فهو أنيسه وجليسه. الإنسان الذي يجلس مع العلم الشرعي بشكل عام أن يتعلّمه ويطلبه ويكرّر ويقرأ في سير الصالحين وفي التاريخ وما شابه ذلك من العلوم الشرعية، هذه هي الحياة العظيمة، هذه الحياة التي لها قيمة، إنسان يشعر أنه يتقدم في هذه، أما إنسان يعيش الحياة أيها الأحبة كثرة كلام وكثرة ضحك وكثرة مزاح ومشاهدة أخبار، ثم يعود بعد ذلك للأفلام للمسلسلات ثم يعود إلى الضحك؛ يعني ما قامت هذه الحياة، لا معنى لها، لا قيمة لوجود هذا الإنسان في هذه الحياة، فقط أنت موجود في هذه الحياة الدنيا لتضحك ولتمزح ولتلعب ولتشرب ولتأكل ثم تشاهد تلفاز وأخباره بعد ذلك تعود تنام تذهب لليوم الثاني للوظيفة، وهكذا تنقضي الحياة؛ إذاً هذه لا قيمة لها.
لذلك يقول: فليس في الدنيا أطيب عيشاً من منفرد عن العالم بالعلم فهو أنيسه وجليسه، قد قنع بما سلم به دينه من المباحات الحاصلة لا عن تكلف ولا تضييع دين، وارتدى بالعز عن الدنيا وأهلها، والتحف بالقناعة باليسير إلى آخر كلامه رحمه الله.
ثم بعد ذلك ينتقل المحاسبي إلى مقطع من جديد فيقول: ولا تأخذن إلا حلالاً، وجانب الإسراف، واقنع من الدنيا بالكفاف. قال: ولا تأخذن إلا حلالاً، هذا كذلك أيها الأحبة، وهذا كثير وأفكار كثيرة تتكرر، لكن كل مرة ربما نشير إلى قضية؛ رسالة المسترشدين من يقرأها من أولها إلى آخرها إلى ما انتهينا إليه يجد أن المحاسبي رحمه الله تعالى لا يفصل بين التزكية وبين العمل وبين العلم، يعني هذه التفرقة الموجودة في الوقت الحاضر تجد إنساناً مثلاً عنده علم لكن لا يوجد عنده تزكية، لا يوجد عنده تزكية وإصلاح قلب؛ عندما تنظر في عمله تجد عمله مبايناً تماماً للعلم الذي يدعو إليه، يأكل ويفعل ويفعل، أو إنسان تجد عنده مثلاً عمل ودعوة ولا تجد عنده علم، أو إنسان يهتم بالتزكية والسلوك ويفقد العلم والعمل؛ يعني تجد أن هذا فيه نوع من التناقض.
المحاسبي عندما يتكلم عن طريق المسترشدين أحياناً تجده يتكلم عن أعمال القلوب، أحياناً تجده يتكلم عن الكسب الحلال، أحياناً تجده عن العلاقة مع الإخوان، أحياناً يتكلم من تصاحب ومن لا تصاحب، أحياناً يتكلم عن مسائل عقدية؛ المحبة في الله والبغض في الله؛ إذاً هو يرسم لنا منهجاً متكاملاً لهذا، ولا يرسم فقط قضية التزكية وعلم السلوك، هو يرسم كيف يكون المسلم في حياته مع الله عز وجل مع نفسه ومع مجتمعه، كيف يكون الإسلام إسلاماً كاملاً متكاملاً بجميع جوانبه في الدين من العلم والعمل والتزكية والسلوك. هؤلاء الأشخاص الذين يجمعون بين العلم بين التزكية، هؤلاء هم الذين يقودون زمام هذه الأمة، هم الذين يأخذونها إلى بر الأمان.
أما من يكثر الكلام ويكثر العلم ويقلل العمل، أو يجد عنده العلم ولا نجد عنده تزكية وسلوك، أو تجد العكس عنده نوع من التزكية ولكن على جهل؛ هؤلاء تجدهم دائماً يعني متعصبون، كل إنسان يتعصب لما ينتمي إليه، العالم أو من عنده علم يتعصب إلى علمه، وصاحب التزكية الذي يفقد العلم يتعصب إلى صوفيته، وهكذا تبقى الأمة متشتتة؛ لماذا؟ لأن منهج الإسلام منهج متكامل، لا يمكن أن ينفرد عنصر عن عنصر آخر، لابد من هذا التكامل الذي به تحيا الأمة وتعود إلى منصبها؛ لذلك قال: ولا تأخذن إلا حلالاً.
يعني انظر سئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى: بما تلين القلوب يا إمام؟ بما تلين القلوب؟ إنسان لو سألك إنسان بما تلين القلوب أنت تقول له ماذا؟ اذهب اقرأ القرآن، اسمع محاضرة للشيخ الفلاني، صلّ ركعتين في الظلمات؛ انظروا إلى الإمام أحمد ماذا يقول له؟ يقول له: عليك بأكل الحلال. قيل: بما يلين القلب؟ يسأله، قال: عليك بأكل الحلال. الإنسان الجاهل يقول: يعني هذه إجابة غير موافقة للسؤال؛ ولكنها في الحقيقة في عمقه هذا في عمق السؤال.
الإنسان أيها الأحبة إذا كان يأكل الحرام وجسده غُذّي بالحرام فإن هذا القلب، هذا القلب من الحرام، هذا القلب الذي تغذّى بجسد من الحرام ماله ورزقه وعمله كله في الحرام؛ إذاً هذا القلب من الحرام، فأنّى يطلب هذا القلب تزكية وهو قد غُذّي بالحرام؟ كما جاء في الحديث يرفع يديه يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغُذّي بالحرام فأنّى يستجاب لذلك؟ أنت تدعو الله أن يلين قلبك أن يرزقك طريق المسترشدين ثم تأكل الحرام، إذاً هذا فيه نوع من التناقض الذي لا يقبل عند العلماء، لا يوجد إذاً تزكية وإنسان يدعي أنه من علماء السلوك وهو في حياته يأكل الحرام ويؤذي الناس ويفعل مساوئ الأخلاق، هذه غير مفهومة؛ كل شيء مرتبط مع الآخر.
لذلك مثلاً يقول: نساء السلف يوصين أزواجهن إذا خرجوا للسعي والكسب فيقلن لهم: اتقوا الله فينا ولا تطعمونا الكسب الحرام، فإنا نصبر على الجوع وعلى الضر ولا نصبر على النار. انظروا كيف كان نساء السلف يفهمون القضية، يعني نتحمل الفقر ولكننا لا نتحمل النار. الإمام ابن سيرين أيها العباد، إمام كبير من علماء السلف رحمه الله تعالى، هل تعلمون كيف توفي هذا الإنسان؟ توفي هذا الإمام مسجوناً بسبب دين عليه؛ إمام أئمة التابعين، طب ما أسباب هذا الدين؟ الإمام ابن سيرين أيها الأحبة يقولون اشترى أربعين جرّة زيت كما يقولون، ماذا لا أدري ماذا يسمون الجرّة في زمانهم، لكن مفهوم القصة أنه اشترى أربعين جرّة من الزيت، وعلم أن في إحدى هذه الجرار فأراً قد مات في الزيت، ولم يعلم ما هي الجرّة، فاضطر أن يريق جميع الجرار؛ قال: أريق جميع الجرار حتى لا يقع أحد هذه الجرار في أيدي أحد المشتري، قال: ورعاً لله سبحانه وتعالى أريق جميع هذا الزيت ولا أريده.
طبعاً أربعون جرّة من الزيت كبيرة، مبلغ كبير جداً، في النهاية لم يستطع أن يسد المبلغ الذي اشترى به الأربعين جرّة لمن؟ لصاحبها، فسجن مرهوناً بسبب هذا الدين الذي عليه، لم يستطع أن يسدّه، لكن قال: أموت على هذا الدين ولا أبيعه ولا آكل الحرام. وفي النهاية يقضي عنه السلطان؛ في زمانهم كان هناك الأوقاف يُقضى بها عن أصحاب الديون خاصة إذا ماتوا، فانظروا إلى هذا الإمام العالم الكبير كيف يرضى لنفسه! لو كان الآن الإمام موجود في عصرنا؟ يقول لك يا شيخ: أنا عندي طعام كثيرة عاد ما يحتاجون مشكلة لو بين تنكة زيت فيها مشاكل! الإمام ابن سيرين إمام كبير.
طبعاً أيها الأحبة هذا يعني فيه نوع استغراب، يعني أنا متأكد أن ابن سيرين لم يخبرني بالقضية؛ لأن الناس لو عرفوا أن ابن سيرين العالم الكبير محبوس في السجن، الإمام في سجن السلطان بسبب دين عليه، لبادر الناس إلى قضاء هذا الدين، ولكن فيما يظهر أنه أسرّ هذا الأمر ولم يخبر به إلا الخواص، لم يخبر به إلا الخواص أنه قد أدار هذه الجرار حتى لا يبيع الجرار، فقط جرّة واحدة من الأربعين فيها فأر قد مات، لا يريد أن يأكل الحرام، فرضي لنفسه هذا الأمر. انظروا كيف كانوا يفهمون التزكية وكيف كانوا يفهمون العلاقة مع الله سبحانه وتعالى.
ثم يقول: وجانب الإسراف واقنع من الدنيا بالكفاف. يعني هذا يرتبط بقضية أكل الحلال، يعني الإنسان يأكل حلالاً ولكن حتى إذا أكلت الحلال لا تسرف، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: كلوا واشربوا وتصدقوا والبسوا من غير مخيلة ولا سرف. كثرة التوسع في المباحات أيها الأحبة في الحقيقة سبب في قسوة القلب وتجرّأ الإنسان على الوصول إلى الحرام. الإنسان السالك إلى الله عز وجل عليه أن يقنع من هذه الدنيا بالكفاف، هذا يعني أصل عظيم عند علماء السلوك، لا يمكن أن تفهم طريق المسترشدين وأنت تكثر الأكل تكثر المشارب وتكثر المناكع وتكثر الاستمتاع في الوقت، ثم تدعي بعد ذلك أنك على طريق المسترشدين، هذا غير مفهوم عندهم.
طريق المسترشدين أساسه الزهد في هذه الحياة الدنيا، ليس الزهد طبعاً أن تلبس الخِرق، لا، الزهد ابتداءً هو زهد القلب كما يقول ابن حزم رحمه الله تعالى، ولكن الإنسان الزاهد، الإنسان الذي يطلب الله سبحانه وتعالى كلما قلل من المباحات وجد قلبه مع الله، وجد عنده أوقات يفرغها لطاعة الله سبحانه وتعالى؛ أما من يكثر المباحات من المآكل والمشارب والمجالس، انظروا أين تضييع الأوقات؟ تضيع بعيداً عن طريق المسترشدين، لأن هناك وقتاً للأكل، وهناك وقت للشرب، وهناك وقت لمشاهدة التلفاز، وهناك وقت للجلوس مع الخلان وهناك وقت مع العائلة؛ تذهب خمس أوقات، وهناك وقت للنوم، ماذا بقي لله سبحانه وتعالى؟ هي أوقات الصلوات المفروضة، وربما ساعة بين المغرب والعشاء، وساعة قبل الفجر أو بعد الفجر، وانتهى الأمر، لا، هذا لا يوجد عند المسترشدين.
المسترشدون أيها الأحبة يأخذون من هذه الحياة الدنيا ما يبلّغهم إلى الله سبحانه وتعالى، وأما ما سوى ذلك فهو عندهم من الفضول الذي حذّر منه المحاسبي رحمه الله كثيراً في هذه الرسالة، ثم يقول بعد ذلك: واطلب الأدب في بساتين العلم، والأنس في مواطن الخلوة، والحياء في شعب اليقين، والاعتبار في أودية التفكر، والحكمة في رياض الخوف؛ يعني هذه الأمور، يعني يعرفك المحاسبي رحمه الله من أين تأخذها، يقول لك أين تأخذ الأدب؟ قال...
في بساتين العلم، مجالس العلم ومجالس السلوك إلى الله سبحانه وتعالى هي المجالس التي تتعلم فيها الأدب. إذاً قضية الأدب تحتاج إلى تعلم؛ اطلب الأدب في بساتين العلم. وأين تطلب الأنس مع الله سبحانه وتعالى؟ لا يمكن أن تطلبها وأنت تضحك وأنت جالس مع الناس وتشاهد التلفاز وهذه الأمور، لا بد من.
فالأنس بالله سبحانه وتعالى قال يطلب من الخلوة. والحياء من أين يطلبه الإنسان؟ قال الحياء من شعب اليقين. هذا سؤال: ما معنى الحياء يطلب من شعب اليقين؟ كيف ما معنى أن تطلب الحياء من شعب اليقين؟ ماذا يريد المحاسبي؟ كأن على رؤوسهم الطير؛ مراقبة الله عز وجل. يعني اليقين بماذا؟ إذا كنت متيقناً أن الله سبحانه وتعالى ينظر إليك فهذا الذي يرزقك الحياء منه؛ أنت إذا لم تشعر بالله سبحانه وتعالى لم تتيقن، هذا اليقين غير موجود، هل تستحي من الله سبحانه وتعالى؟ لن تستحي؛ لأنه لا يوجد عندك شعور يقيني بأن الله سبحانه وتعالى ناظر إلي الآن وأنا أفعل هذه المعصية. لذلك المحاسبي يقول لك اطلب الحياء من شعب اليقين، عليك أولاً أن تورث قلبك اليقين بالله سبحانه وتعالى وأنه مراقب لكل حركاته وسكناته، إذا رزقت هذا اليقين فهذا يرزقك الحياء، فتستطيع حينئذٍ أن تطلب الحياء.
قال كذلك واطلب الاعتبار في أودية التفكر؛ يعني أن الإنسان أيها الأحبة وهذا كثير ما كرره، يعني أين يطلب الاعتبار؟ من أين يعتبر؟ عندما يتفكر؛ يتفكر في أحوال الناس، ويتفكر في كتاب الله سبحانه وتعالى، ويتفكر في أحوال الماضين، هذا يرزقه العبرة بأحوالهم. قال واطلب الحكمة في الخوف، كذلك الحكمة الصحيحة لا تنبع إلا من خوف من المحظور؛ إنسان إذا خاف من شيء تأتي عنده الحكمة ويبرز عنده الاحتياط، الحكمة دائماً تنبع من الخوف والاحتياط، سواء الخوف من الله سبحانه وتعالى أو الخوف من أي شيء محظور، هذا ينتج عندك حكمة. أما إنسان دائماً متكئ لا يخاف من شيء فهذا قل ما يوفق إلى حكمة تأتي في مكانها.
ثم قال: واعرف دوام إحسان الله إليك مع مخالفتك لأمره، وحلمه عنك مع إعراضك عن ذكره، وستره عليك مع قلة حيائك منه، وغناه عنك مع فقرك إليه. انظروا إلى هذه الكلمات ما أجملها من المحاسبي، يقول: واعرف دوام إحسان الله إليك مع مخالفتك لأمره. ونحن أيها الأحبة لو أخذنا فقط الحواس الخمس، لو أخذنا الحواس الخمس، الله عز وجل يحسن إلينا الآن في دوام، أن أبقى علينا هذه الحواس ونحن نعصيه بها. انظر إلى عينك وانظر إلى أذنك؛ الآن هذه العين وهذا البصر، الله سبحانه وتعالى أليس قادراً أن يسلبه منك في لحظة؟ إذاً هو في دوام إحسانه إليك الآن، وأنت ماذا تفعل بهذا؟ تذهب به في مزارق الحرام. وانظر إلى السمع، هذه نعمة فيها دوام من الله عز وجل عليك الآن، الله عز وجل قادر أن يسلبها منك في لحظة واحدة؛ انظر أين تصرف هذا السمع؟ هل تصرفه في الغناء؟ وهل تصرفه في السماع المحرم وفي سماع الكلام الذي لا يرضي الله سبحانه وتعالى؟ انظر إذاً هناك نعم دوام من الله عز وجل عليك فيها وأنت مع ذلك تعصيه بهذه النعم. وكذلك انظر في اللسان، نعم الله عز وجل قادر أن يخلقك أخرس لا تتكلم مع ذلك أنعم عليك ورزقك الكلام، أين يذهب هذا الكلام؟ هل يذهب في الغيبة والنميمة والشتم والكلام اللغو الذي يبعد عن الله سبحانه وتعالى أم صرفت هذا اللسان في تكرار العلم وفي مجالس العلماء وفي المذاكرة وقراءة القرآن والتدبر؟ شتان بين هذا وهذا.
قال كذلك واعرف حلمه مع إعراضك عن ذكره، وستره عليك مع قلة حيائك منه؛ يعني الإنسان أيها الأحبة لو، كما قال أحد السلف: لو علم الناس بسوء أفعالنا لما معنا؛ ينظر الإنسان في موطن العالم البصير العارف وعليه من العيوب ما الله سبحانه وتعالى به عليم، ولكن من الذي يستره؟ الله عز وجل هو بستر، نحن نستتر وإلا لو كشف الله عز وجل أفعالنا وقبائحنا للناس لما جلس الناس معنا، فنسأل الله السلامة والعافية.
ثم بعد يخاطب يعني خطاباً وجدانياً كما يقولون؛ يقول المحاسبي: أين عالم بربه؟ أين خائف من ذنبه؟ أين مسرور؟ أين مشغول بذكره؟ أين مشفق من بعده؟ هو ذا مغفور له يا مغرور؛ ألم يرك الجليل وقد هتكت؟ إذاً هو يعني يتكلم: أين هؤلاء؟ أين الإنسان العارف بالله سبحانه وتعالى؟ وأين الإنسان الذي يخاف من ذنبه؟ وأين الإنسان المسرور بأنه قريب من الله سبحانه وتعالى؟ هؤلاء هم المغفور لهم؛ العارفون بالله المسرورون بقربه الخائفون من ذنوبهم، هؤلاء هم الذين يغفر الله سبحانه وتعالى لهم ونحن ما زلنا مغرورين، لا يوجد عندنا فرح بالقرب من الله عز وجل، نفرح بالحياة الدنيا. إذا فعل الإنسان ذنباً لا تجده خائفاً، لا تجد إنساناً يهتم لقضية أنا بعيد عن الله أو قريب منه، يعني هل هذا الموضوع يشغل بالنا؟ هل هذا الموضوع أيها الأحبة هو هم نهتم به إذا اصطبحنا وإذا نفكر أين موقعنا من الله سبحانه وتعالى؟ أم هذه الأيام تطوى ونحن في الأمس مثل اليوم مثل الغد؟ يقول: أين هذا وأين هذا؟ هذا إنسان الذي لا يهتم لهذه القضايا وذاك إنسان مغفور له.
ونختم بهذه الفقرة الأخيرة من كلام المحاسبي يقول: واعلم يا أخي أن الذنوب تورث الغفلة، والغفلة تورث القسوة، والقسوة تورث البعد من الله، والبعد من الله يورث النار. وإنما يتفكر في هذا -يعني في هذه الأمور التي تكلم عنها- قال: أحياء؛ أحياء ماذا؟ أحياء القلوب، وأما الأموات فإنهم قد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا. أما الأموات -أموات القلوب- كيف أماتوا أنفسهم؟ بحب هذه الحياة الدنيا. يقول رحمه الله في هذه الفقرة: الذنوب أيها الأحبة ما أثرها على قلبك؟ كثرة الذنوب تورثك الغفلة، وإذا غفلت عن الله سبحانه وتعالى أصبت بمرض عضال وهو مرض قسوة القلب والبعد عن الله عز وجل، وكفى بهذا المرض وكفى بهذا عيباً للذنوب أن تكون بعيداً عن الله سبحانه وتعالى وأن تكون قاسي القلب، هذه هي قمة الخذلان والحرمان من الله سبحانه وتعالى، ولا يوصلك إلى هذه المرتبة وهي قسوة القلب إلا كثرة الذنوب والغفلة عن التوبة منها.
لذلك ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في كتاب الفوائد كما ترون أمامكم يقول: الذنوب جراحات؛ الذنوب مثل الجروح أيها الأحبة، ورب جرح وقع في مقتل، رب جرح كان سبباً في نهايتك، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي. وإذا قسى القلب قحطت العين؛ ما عاد فيه هناك دموع تنزل من خشية الله تعالى. ثم يقول: واعلم أن الصبر عن الشهوة أسهل من الصبر على ما توجبه الشهوة؛ فإن الشهوة إما أن توجب ألماً وعقوبة، وإما أن تقطع لذة أقبل منها، وإما أن تضيع وقتاً إضاعته حسرة وندامة، وإما أن تلم عرضاً توفيره أنفع للعبد من، وإما أن تذهب مالاً بقاؤه خير من ذهابه، وإما أن تضع قدراً وجاهاً قيامه خير من وضعه، وإما أن تسلب نعمة بقاؤها ألذ وأطيب من قضاء الشهوة. يعني يقول لك أنت لو حسبت الموازنة بين أني أفعل الشهوة وأتحمل الآثار التي تنتج عنها -هذه المعصية والذنب- أو أن لا أتحمل وأصبر عن فعل هذه الشهوة، أيهما أفضل؟ لوجدت أن الألم والشدة التي تعانيها من الصبر عن الشهوة أخف بكثير مما يحدث بعد الشهوة، لأن الشهوة كما ذكر لك تورثك كثيراً من المعايب والمساوئ التي لا تنفك عنك، وتستطيع أن تبتعد عن كل هذه المعايب من خلال ماذا؟ من خلال صبر ساعة.
لذلك يكمل الآن في قضية آثار الشهوات: وإما أن تطرق لوظيفة إليك طريقة، يعني يكفي يقول لك الشهوة لو فعلتها يكفي لو أن هذا الناس عرفوا أنك تفعل هذه المعصية أن الناس كلهم ما عادوا يحترمونك؛ هذا إذا أردت طبعاً أن تنظر إلى الناس، إذا أردت فقط أن تنظر إلى الناس وتحسبها من ناحية دنيوية يكفي من آثار الشهوة أن الناس لو علموا أنك تفعل هذه المعصية لابتعدوا، فما بالك من الله سبحانه وتعالى؟ قال: وإما أن تجلب هماً وغماً وحزناً وخوفاً لا يقارب لذة الشهوة، يعني يكفي من آثار الشهوة أنها تورثك الغموم والهموم والأحزان؛ أنت لو قارنت بين لذة الشهوة، ولذة الشهوة كم أيها الأحبة؟ لو فعل الإنسان، لو ارتكب فاحشة، شرب خمراً، سمع غناء، لو فعلت ما فعلت من الشهوات، ربع ساعة، نصف ساعة، ساعة، يوم، يومين، ثم بعد ذلك الحصاد التي تقطع القلب تجلس معك أيام وسنوات.
لذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: وكل لذة ممزوجة بالقبح أثناء تناولها، مورثة للألم بعد تناولها. عندما تفعل المعصية أنت تفعلها وهناك أنت تشعر بالقبح؛ تشعر أنك إنسان دنيء، هذا الإنسان الذي يزني، هذا الإنسان الذي يشرب الخمر، هذا الذي يأكل الحرام، نعم قد يظهر أمامك أنه سعيد، لكنه في قلبه يشعر بأنه قبيح، وبعد أن يفعل هذه المعصية وتنقضي يرزقه الله عز وجل ألماً وحسرة في القلب، كل هذه الآثار السيئة كان بإمكانك أن تبتعد عنها بماذا؟ كما قلنا بصبر عن الشهوة. ثم بعد ذلك أن يعدد ابن القيم رحمه الله تعالى آثار ترك المعاصي وآثار المعاصي على حياة العبد، حتى لا نطيل هذا المجلس، أنصح الإخوة بالرجوع والقراءة لأنها في الحقيقة كلام مهم ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في آثار المعاصي.
جملة كلام المحاسبي إذاً في الفقرة الأخيرة أن الإنسان أيها الأحبة إذا أكثر الذنوب فإن هذه الذنوب تكون سبباً في غفلة القلب. وعندما نتكلم عن هذه القضية ربما نحن نشعر بالسأم والتكرار من هذا الموضوع، موضوع يعني غفلة القلب، سمعنا محاضرات كثيرة في هذا الموضوع، غفلة القلب والإنسان أن يوقظ قلبه وأن يهتم بعلاقته مع الله عز وجل، في الحقيقة الإنسان ينبغي أن لا يسأم من هذه القضية مهما تكررت أمامه، وأن يعيد التكرار والتفكير كلما سمعها، قضية غفلة القلب. لا تظنوا أيها الأحبة أن عندما نتكلم عن أصحاب القلب الغافل أننا نتكلم عن أناس من عالم آخر، نحن لسنا من أصحاب القلوب الغافلة، لا نتكلم عن كواكب أخرى ولا نتكلم بنظرة دونية أن الناس للأسف أصحاب قلوب غافلة، الحمد لله نحن في السلامة، نعم نحن من أصحاب القلوب أيها الأحبة، هذا موضوع نحن نعيش فيه في غفلة في القلب وبعد عن الله سبحانه وتعالى وقسوة، فالإنسان يحتاج أن يلين قلبه، أن يعيد النظر وتكرار الحسابات في كل يوم بل في كل ساعة، لأن القضية كما قلنا هي قضية جنة ونار، والقضية إذا ابتعدت عن الله عز وجل لحظة واحدة ووكلك الله عز وجل إلى نفسك طرفة عين انتهى الأمر، قد تكون نهايتك في جهنم؛ ترى القضية ليست يعني قضية، الأمر هين على الله عز وجل، أنت في النهاية صغيرة جداً في حلقات عالم علوي عند الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تتفطن أيها الحبيب.
لا تظن الموضوع هي فقط موضوع موعظة ودرس كانت مسترشدين وانتهى الأمر، عدنا إلى منازلنا وانقضى الدرس ثم نأتي في الدرس القادم؛ الموضوع أيها الأحبة هو موضوع جنة ونار وعلاقة صحيحة مع الله عز وجل. أين هذا القلب من ربه؟ وهل نحن فعلاً على علاقة صحيحة؟ لا تظن أنك أصبحت طالب علم أنك على علاقة صحيحة، وأنك عالم أو داعية أو تصلي في الصف الأول أو الفجر جماعة انتهى الأمر؛ الموضوع أيها الأحبة عندما نقرأ في سير السلف نجد العجب العجاب، بل ربما نستنكر حالهم ونسارع إلى تكذيب هذه الحال، ولكن أن نكذب أنفسنا ونعرف أننا نحن الذين نكذب في علاقتنا مع الله، ندعي الصدق باللسان والقلب ما زال في غفلات، وتعلق بهذه الحياة الدنيا وشهواتها وأهوائها؛ لا نريد أن نقاوم، لا نريد أن نبذل الأسباب حتى نبتعد عن المعاصي والذنوب، نريد أن نبقى في حياتنا في شهواتنا في أهوائنا ثم بعد ذلك يعني تأتي لحظات إيمانية في ساعة في ساعتين موعظة ودرس ثم تنقضي هذه اللحظات ونعود إلى الغفلة وإلى قسوة القلب من جديد.
إذاً احذر أيها المسترشد، احذر أيها السائر أن يرزقك الله عز وجل قلباً ميتاً، فهذا من كمال خذلان الله عز وجل لك؛ نسأل الله أن يرزقنا قلوباً حية معمورة بطاعته، متذكرة للقائه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل