تسجيل الدخول

شرح رسالة المسترشدين 18

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، هم يسمعون كلامهم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأسلم على خير البرية، وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، سيدنا وحبيبنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه الرسالة المباركة للمسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، وهذا هو مجلسه قبل الأخير بإذن الله في شرح هذه الرسالة، والمجلس القادم سيكون المجلس الأخير في أخذ خلاصة هذه الرسالة المباركة، نسأل الله أن يتمم لنا على خير.

قال المصنف رحمه الله تعالى: واعلم أنه كما لا يغني ضوء النهار الأعمى، كذلك لا يستضيء بنور العلم إلا أهل التقى. وكما أن الميت لا ينفعه الدواء، فكذلك لا يفيد الأدب في أهل الدعوة. وكما لا ينبت الوابل على الصفا، كذلك لا تثمر الحكمة بقلب محبي الدنيا. ومن ألف هواه قل أدبه، ومن خالف دلالة علمه كثر جهله، ومن لم ينفعه دواؤه كيف يداوي غيره.

الحارث المحاسبي رحمه الله أيها الأحبة في هذا المقطع يتكلم عن فكرة مهمة جداً؛ هذه الفكرة تقوم على أن الآداب المرعية، والعلوم الشرعية، وكذلك الحكم الوعظية لا تؤثر إلا في قلوب أهل التقى وأهل الصدق وأهل القلوب الحية. هذه قاعدة من قواعد الإسلام، قاعدة مهمة ينبغي على الداعية وعلى طالب العلم أن يتقنها وأن يعرفها، فجميع العلوم الشرعية وجميع الآداب المرعية والمواعظ والحكم لا تؤثر إلا في قلوب أهل التقى وأهل الصدق وأهل القلوب الحية.

لماذا أيها الأحبة؟ هذه قاعدة تقوم على أن هناك أثراً، وأن هناك محلاً قابلاً للتأثير فينتج لنا النتيجة. هذه قاعدة الحياة، لا بد من أثر ابتداءً، ولا بد من وجود محل يقبل التأثير، فإذا وجد الأثر ووجد المحل الذي يقبل التأثير تأتي عندنا النتيجة، هي عملية رياضية جمعية. فالعلم هو أثر، ولا بد من محل قابل أن يتأثر بهذا العلم حتى ينتج العلم ثمرته وهو العمل. كذلك الآداب التي ندرسها في هذه الرسالة هي أثر، ولكن لا بد من محل يتقبلها ابتداءً حتى تنفع وحتى تؤتي أكلها. كذلك الحكم والمواعظ التي تسمعها هي في النهاية آثار، والأثر ليس بالضرورة أن ينتج المؤثر؛ لماذا؟ لأنه لا بد ابتداءً من وجود المحل الذي يقبل هذا الأثر حتى يعطي لنا نتيجة واضحة.

هذا الذي أراد المحاسبي رحمه الله تعالى أن يبينه؛ فيقول لك المحاسبي: ضوء النهار حتى يستفاد منه يحتاج إلى الشخص ماذا؟ مبصر. ضوء النهار الآن موجود، وهو مثل العلم، ضوء النهار موجود في هذه الحياة الدنيا، لكن هل وجوده يكفي حتى ينير الطريق للإنسان، أو لا بد من وجود محل قابل لتأثير هذا الضوء؟ لا بد من وجود محل قابل لتأثير هذا الضوء حتى يستفيد منه الإنسان وهو البصر، فمجرد وجود الضوء لا يدلك على الطريق حتى تكون مبصراً.

كذلك يقول الدواء، الدواء أثر، لكن هل الدواء لو أعطيناه للإنسان الميت ينفعه؟ لا، لماذا؟ لأنه بدن الإنسان الميت لا يقبل التأثير. كذلك يقول المطر الوابل، المطر الشديد الذي ينزل من السماء هذا أثر، هل مباشرة ينتج المؤثر ويخرج النبات؟ قالوا لا، لا بد أن ينزل على محل قابل للتأثير؛ فلو نزل هذا المطر على صخرة صماء هل ستنبت الشجر من هذه الصخرة؟ لا تنبت لعدم وجود المحل القابل للتأثير.

وكذلك أيها الأحبة العلم والآداب والحكم، فإنها لا يستفيد منها الإنسان إلا بشروط، وهو أن يهيئ نفسه وقلبه وروحه حتى يقبل تأثيرها. كثير من الناس ممن يتعلم العلوم الشرعية ولكن لا نرى أثر ذلك فيهم، كثير من الناس يحضرون مجالس الوعظ ومجالس الآداب التي يتعلمون فيها ومع ذلك لا نراهم يتحلون بالآداب. إذاً وجد الأثر وهو تعلم العلم، ووجد الأثر وهو أخذ الأدب، ووجد الأثر وهو سماع الحكم، ولكن لم يظهر أثر ذلك عليه، ولم نرَ النتيجة، لماذا؟ لأن المحل ابتداءً ليس قابلاً للتأثير. هو سمع العلم ولكنه ليس من أهل التقوى، هو سمع الآداب ولكنه من أهل الدعوة، وسمع الحكم كما يقول المحاسبي ولكنه بقلب محب للدنيا.

يقول المحاسبي: واعلم أنه كما لا يغني ضوء النهار الأعمى، يعني كما أن ضوء النهار إذا وجد وهو الأثر لا يستفيد منه الأعمى لعدم وجود المحل القابل، كذلك العلم ونور العلم لا يستفيد منه إلا من؟ قال: إلا أهل التقى. فالإنسان التقي الذي يطلب العلم بقلب متقن هو الذي يعطيه العلم أكله. طيب ما هي ثمرة العلم؟ العمل به، وهل المقصود من العلم أيها الأحبة عندما نحضر المدارس هو أن نحفظ المتون؟ هل هذا مقصود لذاته أن نحفظ وأن نسمع وأن نذهب ونأتي، أو المقصود من تحصيل العلم هو العمل، وأن نعرف كيف نسلك إلى الله سبحانه وتعالى على منهج واضح؟ الثمرة المرجوة هي العمل، هذا الذي تريده من طلب العلم، وأن نصل إلى الله سبحانه وتعالى. فأنت إذا لم تكن من أهل التقوى قد تحضر وقد تسمع وقد تحفظ، ولكن ثمرة العلم لا تحصلها.

كذلك قال: وكما أن الميت لا ينفعه الدواء، والدواء أثر، ولكن الميت لا يقبل هذا الأثر، قال: فكذلك لا يفيد الأدب في أهل الدعوة. كذلك الأدب، تعلم الآداب لا يفيد في المدعين الذين يدعون أنهم يسلكون طريق المسترشدين، يسلكون الطريق إلى الله ولكن هذا مجرد دعوى في لسانهم وليسوا صادقين في ذلك، لم يظهر أثر هذه الدعوى، والدعاوى إذا لم يأتِ أصحابها بالبينات فإنها تبقى دعاوى، ويبقى أهلها أدعياء. فأهل الدعوة الذين يدعون أنهم يريدون طريق المسترشدين ويريدون السلوك إلى الله ويريدون أن يتحلوا من دون أن يبذلوا جهداً، ومن دون أن تتحول هذه الدعاوى إلى واقع وإلى شواهد بينة في حياتهم، هؤلاء لا يؤثر فيهم الأدب لأن الأدب لا يؤثر إلا في محل قابل لذلك، والمحل هو القلب الصادق وليس القلب المدعي.

كذلك قال: وكما لا ينبت الوابل على الصفا، والوابل ما هو؟ المطر الشديد، قال الله تعالى: وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ، والوابل المطر الغزير، الآن هذا المطر الغزير الشديد انظروا كم تأثيره، قال لكن إذا وقع على الصفا، والصفا هو الحجر الأملس الصلب، هل سيخرج نباتاً؟ مهما نزل هذا المطر الشديد على هذا القلب القاسي أو على هذا الصخر القاسي فإنه لا ينبت. قال: كذلك لا تثمر الحكمة، أنت قد تسمعها لكن لا تثمر ولا تخرج لنا نباتاً ولا تخرج لنا ثمرة صالحة إذا جاءت هذه الحكمة على قلب غير مستعد لأن يتقبلها، على محل غير مؤهل لأن يحملها، ما هو هذا المحل؟ قال: قلب المحب للدنيا.

إذاً هذه أمور علينا أن نعرفها، عليك أن تفهم طبيعة هذا الدين أيها الداعية ويا طالب العلم. تقول: لماذا فلان عالم ولكننا لا نرى أثر علمه في الحياة، لا نراه يقف مع قضايا هذه الأمة، ولا نرى علمه ينقلب إلى تزكية وواقع عملي يؤتسى به؟ ولماذا فلان يحضر مجالس الآداب ولا نرى سلوكه ينعدل؟ ولماذا يسمع الحكم والمواعظ والزواجر ولا يظهر أثر ذلك في حياته؟ هل لأن هذه ليست مؤثرة؟ لا، هي مؤثرة ولكن المشكلة في المحل، المحل الذي أتت عليه هذه المؤثرات لم يتهيأ لأن يستقبلها بالاستقبال الصحيح فتؤتي أكلها، ولكم في واقع الحياة عبرة.

ثم يقول المحاسبي رحمه الله تعالى متمماً لهذه الفكرة: ومن ألف هواه قل أدبه، ومن خالف دلالة علمه كثر جهله. يقول: من ألف هواه قل أدبه. الآن الأدب أيها الأحبة ما وظيفته؟ الأدب كما مثلنا قبل قليل هو عبارة عن دواء، دواء يتجرعه الإنسان، ماذا يفعل في الإنسان؟ يقوم بتعديل السلوكيات الخاطئة، أنت تتعلم الآداب الشرعية حتى تنعدل في سلوكياتك وتكون وفق منهاج الله سبحانه وتعالى. الآن تعديل السلوكيات يستلزم مخالفة الهوى، حتى يأتي هذا الدواء وهو الآداب على قلبك وتبدأ تؤثر، عليك أن تعرف أن هذه الآداب ستجعلك تخالف هواك ولا بد، فإذا أنت كنت مصمماً على متابعة الهوى، لا تريد أن تخالف هواك، إذاً قلبك لما أخذ هذا الدواء، أين أنت؟ تجلس معي في هذه الرسالة من أولها إلى آخرها وأنت لست مستعداً، ولم تهيئ قلبك لأن تأخذ الآداب التي يتكلم عنها المحاسبي، ومصر على اتباع الهوى وعلى أن تألف هواك ولا تريد أن تجاهد نفسك؛ مهما أخذت هذه الآداب فإنها لن تؤثر فيك لأنك ابتداءً أخذتها بقلب مصمم عازم على البقاء على الهوى.

إذاً إذا أردت أن تنتفع بهذه الآداب عليك أن تأخذها بقلب مستعد عازم على مخالفة الهوى، لذلك يقول: ومن ألف هواه قل أدبه، يعني مهما تعلمت من الآداب إذا بقيت موافقاً لهواك، مؤتلفاً معه، مريداً لاتباعه، فإن أدبك لن يكون بازدياد بل سيكون في انحدار؛ لأن الأدب دواء وهذا الدواء تجرعه صعب على النفس لأنه يقتضي مخالفة الهوى ومخالفة المرغوبات، فمن لم يكن مهيئاً لمخالفة الهوى ولا لمخالفة المرغوبات فلن يستطيع أن ينتفع بدواء الأدب.

قال: كذلك ومن خالف دلالة علمه كثر جهله، الإنسان أيها الأحبة إذا تعلم علماً، هذا العلم يدلنا على أعمال، مثلاً أنت تعلمت في هذه الرسالة كثيراً من أعمال القلوب، وتعلمت كثيراً من أعمال الجوارح كذلك في الفقه، تتعلم كثيراً من أعمال البدن وأعمال الظاهر، فأنت تعلمت أن النظر الحرام يغضب الله سبحانه وتعالى، وأن السماع الحرام مهلك، وتعلمت وجوب فعل الطاعات والابتعاد عن المعاصي، إذاً هذا علم يدلك على أعمال يجب أن تعملها حتى تستفيد من هذا العلم. فإذا كنت تتعلم علماً وهذا العلم يدلك على تصرف أنه حرام ومع ذلك تخالف دلالة هذا العلم، فأنت من الجهال وإن زعمت أنك عالم، هذا الذي يريد أن يقوله المحاسبي: من خالف دلالة علمه، تعلمت علماً، هذا العلم يدلك على ماذا؟ كما قلنا، أن هذا التصرف يغضب الله سبحانه وتعالى، وأن هذا المال حرام، وأن هذه الطريقة لا تصلح، وأن هذا الطريق يبعدك عن الله عز وجل، هذه دلالة العلم، إذا قمت باتباعها فأنت عالم حقاً لأن علمك أثمر عملاً وهذا هو العلم، وإذا خالف عملك دلالة علمك فأنت ما زلت في بوتقة الجهال، ولا تظن أن حفظك للمسائل أو أن تعلمك وجلوسك معنا في هذه المدارس وأنت لا تريد أن تمتثل لدلالة العلم ولما يلزمه العلم عليك من عمل، لا تظن ذلك علماً، بل أنت ما زلت في عداد الجهال بل تتكثر من حجج الله عليك.

يعني الإنسان الجاهل ابتداءً هذا أخف حالاً من علم الطريق ومع ذلك ما زال مصراً على مخالفته وعلى مخالفة دلالة علمه، فهذا جهله جهل مركب، لا يظن أيها الأحبة، يقول كيف الإنسان يعلم علماً يخالفه يسمى جاهلاً؟ الجاهل قد يكون في عرف كثير من الناس هو الذي لا يعرف، ولكن في الحقيقة يقول: لم يعصَ الله عز وجل إلا بجهل، لذلك قال سبحانه وتعالى: وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ۖ فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا * إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ، فسماهم الله عز وجل مع أنهم لو كان هذا الجهل لعدم العلم لما كانت هناك أصلاً توبة، أنك تفعل شيئاً وأنت جاهل أنه حرام في الجملة يعذر الإنسان في كثير من الأحوال ولا تترتب عليه الآثام، لكن الآية تتكلم لا عن إنسان يعرف أن هذا معصية ويغضب الله سبحانه وتعالى ومع ذلك فعله ثم تاب، فالله عز وجل يخبرنا أن هذا الإنسان الذي فعل المعصية وهو يعلم أنها معصية جاهل، يعني هو يعلم أنها معصية ومع ذلك هو جاهل؛ لأنه جهل حق الله سبحانه وتعالى وجهل قدره، ومن عرف الله عز وجل وقدره حق قدره لا يمكن أن يعصيه.

ثم يقول المحاسبي رحمه الله: إذاً ومن ألف هواه قل أدبه، ومن خالف دلالة علمه كثر جهله، ومن لم ينفعه دواؤه كيف يداوي غيره؟ يعني أيها الداعية، وأيها المصلح، وأيها المتصدر، وأيها المتكلم، فمن يريد أن يأخذ بأيدي الناس إلى الخير والصلاح، أيها العالم، هذه رسائل من المحاسبي لكم، أيها الدعاة ويا طلبة العلم الذين تريدون أن تأخذوا بأيدي الناس إلى الصلاح، إذا لم تستفيدوا أنتم من هذه الأدوية؛ من دواء العلم ودواء الأدب ودواء الحكمة ولم يظهر أثر هذا في سلوكياتكم، فكيف تفيدون غيركم؟ كيف يمكن للإنسان أن يفيد غيره بهذا الدواء؟ يعظ غيره وينصح غيره ويعلم غيره، ثم عندما ينظر في حاله يجد أن هذا الدواء الذي يصفه للغير هو نفسه لم يستفد منه ولم يطبق في واقع حياته، إذاً كيف تتوقع أن تكون أثر هذه النصيحة؟ الإنسان أيها الأحبة عندما يعظ يحاول قدر إمكانه أن يكون أول إنسان يستخدم دواء الوعظ، وعندما يعلم يحاول ويجاهد نفسه أن يكون أول شخص يستفيد من دواء الأدب ومن دواء العلم، وأما إذا كان واعظاً ولكنه أول من يخالف وعظه، وكان مربياً وهو أول من يخالف تربيته.

فإن أثر هذه التربية والتنشئة على الآخرين ستكون ضعيفة ومحدودة أيها الأحبة، ولا يبارك فيها الله سبحانه وتعالى. انظر هذا الأثر الذي يقوله مالك بن دينار للحسن البصري؛ قال مالك بن دينار للحسن البصري رضي الله عنه: ما عقوبة العالم إذا أحب الدنيا؟ قال: موت القلب. قال: فإن أحب الدنيا، الكلام على لسان الحسن البصري قال: موت القلب، فإذا أحب الدنيا طلبها بعمل الآخرة، فعند ذلك ترحل عنه بركات العلم ويبقى عليه رسمه.

الإنسان أيها الأحبة، حتى لو كان عالماً ومتزيناً بلباس العلماء إذا أحب الدنيا فإنه سيستخدم علمه الذي الأصل أن يطلب به الآخرة، سيستخدمه في طلب هذه الحياة الدنيا، فالله عز وجل له عقوبة أن يذهب عنه بركات العلم. بركة العلم ذهبت وإنما تبقى عليه الرسوم. ما معنى الرسوم؟ الآثار يعني شماغ وهيئة ودكتور ومشي والأمور ماشية، هذه الرسوم الآثار أما حقيقة العلم فهي بعيدة.

فالمحاسبي رحمه الله في نهاية هذه الفقرة يعطينا منهجاً سلوكياً صحيحاً يغفل عنه طلبة العلم ويغفل عنه الدعاة ونغفل عنه أيها الأحبة جميعاً، وهو أن العلم الشرعي، وأن الآداب، وأن المواعظ، وأن كل هذا الطريق الذي نسلكه إلى الله سبحانه وتعالى ليس فقط بحضور المجالس العلمية، وليس فقط بأن تسمع شيئاً وأن تدونه، بل لا بد كما قلنا من تهيئة المحل؛ حتى بهذا العلم وحتى يتأثر بهذا الأدب عليك أن تقوم بعملية مجاهدة.

قبل أن تأتي لتسمع الموعظة تجاهد نفسك: إني سأسمع الآن هذه الموعظة، أريد أن آخذها لأطبقها، وليس فقط للتنزه أو من أجل يعني استغلال الأوقات أو لا يوجد شيء تفعله في البيت تأتي عندنا، لا، إذا كنت بهذه النية اعلم أن هذه الآداب قل ما تثمر. وأما الإنسان الذي أتى بمحل مهيأ مستعد لقبول العلم، لقبول الأدب، ولقبول المواعظ، فطهر قلبه وكان من أهل التقوى ومن أهل الصدق ومن زهد في هذه الحياة الدنيا، فهذا الذي يرجى له أن يتعظ وأن ينتفع بهذه العلوم والآداب، ونسأل الله أن يجعلنا منهم.

بعد ذلك ينتقل المحاسبي رحمه الله إلى موضوع جديد؛ يقول: اعلم أن أروح الناس وأقلهم هماً هم أهل الزهد في الدنيا، وأتعب الناس قلوباً وأكثرهم شغلاً أهل الاهتمام بالدنيا، وأعون أخلاقي على الزهد قصر الأمل، وأقرب حالات أهل المعرفة ذكر القيام لله عز وجل، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.

أيها الأحبة، اتفق الناس جميعاً على اختلاف أجناسهم وألوانهم وأوطانهم على مطلب أساس، ما هو؟ على طلب السعادة. الناس جميعاً مهما اختلفت أجناسهم وأوطانهم وبلدانهم في أي زمان وفي أي مكان، ما مطلبهم؟ أن يجلبوا السعادة لأنفسهم وأن يطردوا عنها الهموم والأحزان. هذا مطلب اتفقوا عليه، وهذا الذي نسميه نحن في الشريعة ماذا؟ عندنا مفهوم نسميه جلب المصالح ودرء المفاسد، هذه القاعدة الكلية الشرعية جلب المصالح ودرء المفاسد إنما هي بناء هذه القاعدة؛ أن الإنسان فطر على أن يجلب لنفسه السعادات وأن يصرف عنها الهموم والأحزان.

إذا عرفنا ذلك فكثير من الناس يطرقون درب السعادة، وأكثر الناس لا يصيبون الباب الصحيح في الطرق. الناس تطرق درب السعادة في الملذات والشهوات، الناس تطرق درب السعادة في طلب الشهرة، الناس تطرق طلب السعادة في جلب المال، قد أطلب درب السعادة في المآكل والمشارب، قد تطلب درب السعادة في كل هذه الطرق، وتظن أن هذه هي الدروب التي توصلهم إلى السعادة، ولكن في الحقيقة لابد أن تطلب من مصدرها الحقيقي، من هو المصدر الحقيقي للسعادة؟ هو الله سبحانه وتعالى؛ هو الذي خلق هذا الإنسان وهو يعلم ما الذي يسعد هذا الإنسان.

فمهما حاولت أن تجتهد وأن تبحث عن السعادة وأن تطرد الهموم عن نفسك في هذه الحياة الدنيا، فاعلم أن كل هذه المحاولات ستبوء بالفشل إذا لم تطرق الباب الصحيح. انظروا في الذين يطلبون السعادة كما قلنا في الملذات والشهوات المحرمة، وانظروا في الذين يطرقون السعادة في جلب المال، وانظروا في الذين يطرقون السعادة في طلب الشهرة، هم في أثناء هذا الطريق في هموم، وبعد انتهاء هذا الطريق في هموم.

يعني أنت تطلب المال، أنت في أثناء هذا الطريق تخاف أن يسرق منك هذا المال، تخاف أن تكون هذه التجارة خاسرة، في تربص وفي خوف، وبعد أن تحصل هذا المال تظن أنك حصلت السعادة، تبقى خائفاً أن يأتي شخص يسرق منك هذا المال، وأن يبتعد عنك، وأن يأتي طائف من الله سبحانه وتعالى فيذهبه عنك. كذلك الذين يفعلون الملذات المحرمة، في أثناء فعلهم هم يحاولون البحث عن السعادة، ولكنهم في كثير من الأحوال يحاولون بأثناء فعل المعصية أن يستتروا حتى لا يفتضح أمرهم، يخشى أن ينظر عليه أن يطلع عليه الناس وهو يفعل المعصية، وبعد أن يفعل هذه المعصية التي ظن أنها جلبت السعادة يورثه الله عز وجل قبحاً وألماً في القلب.

إذاً ليس هذا هو طريق السعادة. كذلك المآكل والمشارب قد يترك الإنسان درباً للسعادة ليس محرماً ولكنه لا يوصل للسعادة، يعني المناكح والمآكل والمشارب والتوسع في المباحات، هل هو فعلاً هو الطريق الصحيح للسعادة؟ أنت إذا أكلت شيئاً فإنه بعد ذلك سيذهب ربع ساعة وتنتهي القضية، وإذا نكحت وإذا شربت وإذا تمتعت وذهبت وعدت، كل هذه أيها الأحبة تنقضي ويعقبها الهموم والأحزان، هكذا سنة الله سبحانه وتعالى.

فالحل، ما هو الحل حتى نحصل السعادة؟ ماذا نفعل إذا أردنا أن نبتعد عن هموم هذه الحياة الدنيا ونكون فعلاً نشعر أننا مع الله سبحانه وتعالى؟ السعادة الحقيقية أيها الحبيب ينبغي عليك أن تعرف أين تكون، السعادة ليست سعادة البدن وإنما هي سعادة الروح، كثير من الناس يسعون لسعادة القلوب والنفوس من خلال إسعاد الأبدان، وهذا ليس بصحيح، عليك أن تسعى لإسعاد روحك ولإسعاد قلبك.

طيب سعادة الروح أيها الأحبة، هذه الروح ليس موطنها الحقيقي في هذه الدنيا السفلية، وإنما موطنها الحقيقي في ذلك العالم العلوي عند الله سبحانه وتعالى، هذا هو موطن الروح، فالروح لا تشعر بالسعادة إلا إذا شعرت أنها تحلق في العالم العلوي، ذاك موطنها، لا تشعر روح الإنسان بالسعادة إلا إذا شعرت أنها ستنتقل عما قريب إلى عالمها الحقيقي الذي أخرجت ونزلت به إلى هذا العالم السفلي. هذه الروح ينبغي عليك أن تشعرها بهذه السعادة، أنها عما قريب ستنتقل من هذه الدار السفلية وستعود إلى موطنها العلوي الذي خرجت منه.

إذا بقيت هذه الروح مرتبطة بذلك العالم العلوي ومرتبطة بخالقها ومرتبطة بالعالم الذي تريد أن تنتقل إليه، موطنها الأصلي؛ الإنسان الغريب عن موطنه دائماً يشتاق إلى بلده، وكذلك نحن، فالسعي للعدو كما قال ابن القيم، فنعود إلى أوطاننا. الروح إذا شعرت بهذا الأمر فإنها تكون سعيدة مهما حدث على هذا البدن من آلام وبلاء وعقبات في هذه الحياة الدنيا، لأن السعادة أيها الأحبة عليك أن تفهم حقيقتها.

هذا العالم المادي الذي وضعنا فيه الغرب، العالم الذي يعيشون فيه ويحاولون أن يضخوا هذه الأفكار في عقول شبابنا وفي عقول مجتمعاتنا من خلال الإعلام ومسائل التواصل، أن السعادة في جلب المال، أن السعادة في المحرمات في النساء في الملذات في الشهوات، الشباب المسلم يخوض ويذهب ويقلد ويتبعهم حذو القذة بالقذة، ثم بعد ذلك يعني عندما ننظر في حال الغرب هؤلاء الذين يروجون لهذه السعادة هم أكثر الناس انتحاراً، أكثر الناس يعانون من مشاكل اجتماعية من تفرق أسري من خيانات من كثير من الهموم.

يعني ما هذه السعادة التي يروجونها لهذا العالم وأنتم الذين تروجونها أكثر الناس وقوعاً في الهموم والغموم، إذاً قانون السعادة ليس عندهم. السعادة نجدها في طريق الله سبحانه وتعالى. المحاسبي رحمه الله حتى لا أطيل الكلام في هذا الموضوع يقول لك: إذا أردت أن تكون من أروح الناس أبداناً، يعني البدن مرتاح، وأقلهم هماً، قلة الهم هي السعادة، ماذا تفعل؟ قال: عليك بالزهد في الدنيا، هذا الذي نتكلم عنه وندندن حوله. عليك بالزهد في الدنيا، أنت إذا زهدت في هذه الحياة الدنيا بملذاتها وأموالها وشهواتها وأهوائها أنت في الحقيقة أنت السعيد وأنت الملك في هذه الحياة.

لماذا أيها الأحبة؟ إذا زهد الإنسان في هذه الحياة الدنيا ما أثر ذلك على نفسه وعلى طريقه إلى الله سبحانه وتعالى؟ سؤال أوجهه إليكم: إذا زهد الإنسان في هذه الحياة الدنيا لا يهتم بشيء في هذه الحياة، ما أثر ذلك في حياته الآن؟ تمام، إنسان زهد في هذه الحياة الدنيا، ماذا سيؤثر ذلك في قلبه؟ يعني لا أريد فقط أن تبقى هذه الكلمات جميلة رنانة ثم لا نفهم نحن أثر الزهد في الدنيا على حياة الإنسان. يعني يؤثر في أنه يترك هذه الدنيا بأموالها للآخرين، لا يريدها لأنه يريد الرحيل إلى الدار، التعلق بالله.

طيب التعلق بالله سبحانه وتعالى؛ لا يكذب، لا يغش، لا يفعل كل المعاصي. يعني الإنسان أيها الأحبة لو قلنا باختصار في هذه الحياة لو زهد في هذه الحياة الدنيا هل سيتكالب عليها كما يتكالب الناس على متاعها ينافسهم ويحسدهم ويحقد على هذا ويتخاصم مع هذا؟ اليوم في مشكلة وفي مخاصمة وغداً، كل هذه المشاكل والأحقاد والحسد وأمراض القلوب ستنتفي، لأنه هذا الشخص هو لا يريد هذه الحياة الدنيا، هو يريد عالماً آخر عند الله سبحانه وتعالى.

فأسعد شيء للإنسان فعلاً أن يزهد في هذه الحياة الدنيا. أنت مثلاً مثال آخر، مبالاتك في كلام الناس، متى يبالي الإنسان في كلام الناس وفي خدعهم له؟ إذا كان لهذه الدنيا قيمة في قلبه حينئذ يحزن، أحقد، ولماذا تكلم في وسأعاتب وسأناقش وسأبين، أعقد مجلساً، لكن لو زهد في هذه الحياة الدنيا هل سيبالي بكلام الآخرين؟ إذاً في الحقيقة الزهد في هذه الحياة الدنيا وعدم الالتفات إليها به كل السعادة وبه يجتنب الإنسان كل الهموم التي يعيشها الناس.

أنت لو نظرت في واقع الناس ما الذي يهمهم؟ إما إنسان فقد مالاً أو إنسان فقد حبيباً أو إنسان في خصومة مع رجل أو إنسان منشغل بالرد على فلان، كل هذه الهموم هي التي تشغل الناس بهذه الحياة الدنيا، والمحاسبي وهذا هو الدين، الدين يقول لك إذا أردت أن تنتهي من كل هذه الهموم وأن تشعر بالسعادة عادة مهما حل ببدنك من البلاء فعليك بشيء واحد، عليك أن لا تلتفت إلى هذه الحياة الدنيا وأن تزهد فيها.

انظروا في الفقرة التي تليها، يقود المحاسبي: أتعب الناس قلوباً وأكثرهم شغلاً في هذه الحياة الدنيا، من هو أتعب الناس قلباً؟ قال: أهل الاهتمام بالدنيا، بهذه الحياة الدنيا شغلت قلبه وروحه، يريد مالها وملذاتها ويريد الشهرة ويريد الاستعلاء ويريد كل شيء فيها، هذا أيها الأحبة في هم مستمر لا ينفك عنه، كل اهتمامه في الدنيا فكل المشاغل ستبقى تحوم حول هذه الدار، فالروح لن تجد منفساً تنتقل به إلى العالم العلوي الذي ترمو إليه.

تبقى هذه الروح وهذا القلب في حسد وحقد وخصومة ونزاع، وفلان قال وفلان رد، ولماذا فلان تصرف معي التصرف ولماذا قال لي هذا القول ولماذا ذهبت الدنيا؟ ويتسخط على أقدار الله عز وجل ويحسد الآخرين على ما أنعم الله عز وجل به من النعم، فكل هذه الأمور هي سببها الاهتمام في الدنيا، وكل السعادة وحتى تنتهي من هذه الأمور في أمر سهل من حيث العبارة ولكنه محتاج إلى مجاهدة هو الزهد في هذه الحياة الدنيا.

طيب كيف أزهد في هذه الحياة الدنيا؟ المحاسبي رحمه الله أعطاك لفتة سريعة، قال: وأعون الأخلاق على الزهد، أمن خلق تتحلى به يعينك على مبدأ الزهد في الدنيا وعدم الاشتغال بها قصر الأمل. قصر الأمل ما معنى قصر الأمل؟ الأمل أيها الحبيب معناه أن تحدث نفسك دائماً أني عما قريب سأرتحل عن هذه الحياة الدنيا، يعني دائماً في كل يوم عليك أن تحدث نفسك بهذا الحديث، هي أيام ستنقضي، غداً قد أكون في القبر، الرحلة قربت من النهاية، هي ساعات وتذهب.

هذا الحديث الدائم مع النفس يجعل شأن الدنيا عندك قليل محتقر، لأنك دائماً تشغل النفس بأن القبر قد اقترب، وأن الرحلة إلى الدار الآخرة قد أصبحت في نهايتها، وأني على أبواب ذاك، من دائماً عنده هذا القصر في الأمل ليس مثل الشخص دائماً تجده في آمال وفي طموحات ويبني العالم الوردي كله في هذه الحياة الدنيا وهو مهمل لأمر آخرته. طبعاً الدعوة لقصر الأمل ليس معناه أن الإنسان لا يخطط بشكل صحيح في الحياة، يعني أتمنى أن يفهم الكلام في سياقه.

الإنسان يخطط يحاول أن يدبر أمور حياته بما يفيد به أمته لكن دائماً قلبه متعلق أنه يمكن في أي لحظة أن ينتهي كل هذا الأمر وأن أنتقل إلى الله عز وجل. فباختصار يقولون: أن يكون في هيئة المستوفز وليس في هيئة المطمئن. ما معنى المستوفز؟ المستوفز هو الذي لا يجلس متمكناً، والإنسان المتمكن المطمئن هكذا يجلس متمكن مرتاح، أنت في هذه الحياة الدنيا تجلس مطمئن ومرتاح أو تكون مستوفز في حالة يعني هبوب وتريد أن تذهب إلى مكان آخر؟

رحلة الحياة ينبغي أن تكون فيها مستوفزاً، دائماً لا تكن متمكناً في مجلسك في هذه الحياة الدنيا، كن على استعداد للقيام وللرحيل إلى دار أخرى في كل لحظة من لحظات الحياة. من كان هذه الحياة الدنيا عنده بهذا المفهوم، أنها حياة قصيرة وأن الرحلة قربت من النهاية وأني على عتبات العالم الجديد، يبقى ينظر إلى هذه الدنيا بمنظار حقير جداً، يعني ما قيمة حياة، ما قيمة التقاتل على الدنيا وملذاتها؟

واهواءها واموالها وما قيمة الخصومات والنزاعات التي تدوم للسنوات؟ اذا كنت انا في لحظة واحدة فقط، في لحظة واحدة ساكون في دفين حفرة في الارض. ما تكون هذه الامور؟ لا قيمة لها. الانسان الذي يهيئ نفسه وقلبه على هذه التربية الايمانية بشكل مستمر، هذا انسان سيشعر بالسعادة التي لا تفوقها سعادة ايها الاحبة.

هنا قصة الشخص المتمكن، او مظاهر الشخص المتمكن هو الشخص المقبل على الدنيا. الشخص المتمكن في هذه الحياة الدنيا، الذي يجلس فئة المتمكن فيها، هو ذاك الشخص الذي تجده دائما في وظائفه المادية يريد ان يحصل، دائما يقاتل على لعاعات هذه الحياة الدنيا. اذا فقد شيئا في خصومات ومنازعات دائما في ملذاته وشهواته واهوائه، اذا هذا الشخص قضية العالم الاخروي عنده غير موجودة، فارتاح وركن الى هذه الحياة الدنيا.

اما الشخص الذي يعلم ان هذه الرحلة قاربت على النهاية واشرفنا ان نقع في حفرة القبر واننا عما قريب سننتقل الى الله، هذا ستجده اذا مستوفزا دائما. وهذه الهيئة عدم التمكن اثاره انه اذا وجد خصومة مالية ليتركها، لا يجد وقتا، يقول لك: انا ايش علاقتي بهذا الامر؟ خذ هذا الامر لله سبحانه وتعالى، انا انتظر شيئا اخر. اذا سب في عرضه، اذا شتم، اذا خاصمه شخص، اذا اصابه اي هم، حتى مثلا اذا اصيب ببلاء، اذا فقد عزيزا، اذا فقد اخا.

المطمئن لهذه الحياة الدنيا هو الذي ينصدم صدمة تقتله، اما الذي يعلم ان هذه الحياة الدنيا، يعني ذهب اخي ومات ابي وفقدت عزيزا في رحلة اصلا اقتربت ان الحق به، ليس الامر عظيما. انا اقتربت من ان الحق بهذا العزيز الذي ذهب، بل هو الذي ارتاح وانا في النهاية اخشى على نفسي الفتن، فيكون منظوره لكل ما يصيبه من البلاء دور آخر يختلف عن ذاك الشخص الذي يظن ان هذه الحياة الدنيا هي معنى الحياة؛ فاذا فقد عزيزا كان هذا العزيز خلاص ما عاد يراه الى نهاية الابد، فهو ينظر فقط الى هذه الحياة الدنيا.

هنا قصة ذكرها الشيخ عبد الفتاح يعني اعجبتني في مفهومها عن قضية السعادة. يقول -وهو يتكلم عن نفسه-: سمعت من بعض العلماء في شمال باكستان ان رجلا من العامة زار احد الامراء في تلك البلاد، فسأله الامير عن حاله. يعني شخص ذهب الى احد امراء باكستان في عصر يعني ليس بالبعيد كثيرا، فذهب يسأل الامير هذا الشخص العامي عن حاله وعن رزقه وعن احوال اسرته، فشكى له الرجل من هموم وغموم كثيرة تحيط به.

الرجل شكى كحال اكثرنا وكحال انفسنا عندما نشكو الى الناس ما هي الغموم الاسرة والعائلة وقلة الرزق وقلة المادة وو، وهذا الرجل يخاطب الامير، قال للامير: هنيئا لك. يقول للامير: انت اكيد سعيد، معك الاموال ومعك الملذات، هنيئا لك هذه الحياة الطيبة، هنيئا مطعمك ومشربك ومنامك، وصفت حياتك من المكدرات والمنغصات، فانت امير كل شيء يحضر الى خدمتك. هذا الامير فيما يظهر انه كان حكيما، فسكت الامير فلم يجبه بشيء، ودعاه في هذه الليلة الى العشاء. قالوا: نريد ان نتناول انا واياك الليلة طعام العشاء.

ثم دعا الامير الرجل الى بيته لتناول الطعام، وقد جعل فوق رأس الرجل في مجلسه سيفا مسلولا. الان العشاء موجود، وقال للرجل: اجلس في هذا المكان، ولكن فوق رأس هذا الرجل ماذا كان؟ كان هناك سيف مربوط بخيط ضعيف، في اي لحظة يمكن هذا السيف ان ينزل على رأس هذا الرجل فيقتله. ما قيمة هذا العشاء؟ طيب، قال: ثم دعا الامير الرجل لتناول الطعام، جعل فوق رأس الرجل في مجلسه سيفا مسلولا مربوطا بخيط ضعيف، في اي لحظة يمكن ان ينقطع هذا الخيط فينزل السيف على رأس هذا الرجل.

فلما نظر الرجل الى السيف مسلطا فوق رأسه، يمكن ان يسقط عليه بين فينة واخرى، انقبضت نفسه عن الطعام، ما عاد له نفس، يعني مهما كان على هذه المائدة من الذ الاطعمة والاشربة ومن المآكل، انت في لحظة واحدة ستنقضي عليك هذه المآكل فما قيمتها؟ قال: ذهبت نفسه من هذا الطعام. فقال له الامير: ينبغي ان تأكل من كل الوان الاطعمة فانها طيبة لذيذة. فقال له الرجل: انها كذلك، يعني انا اقر لك لذيذة، ولكن خوفي من السيف علي حرمني لذة الطعام والاقبال عليه.

فقال له الامير: وهكذا حياتي. يعني انظروا هذا الرجل كان ينظر بجهالته ان الامير هذا يعيش في سعادة الابهة الملك والملذات الاطعمة والاشربة، فهذا الامير كان حكيما اراد ان يبين له كل هذه الامور ليست هي معنى السعادة الحقيقية وليس هي الراحة الحقيقية. ما مفهوم السعادة الحقيقية؟ يقال له الامير هكذا حياتي التي حسدتني عليها وتمنيتها لنفسك جاهلا ما هي عليه، تشبه احتمال وقوع هذا السيف على رأسك في كل لحظة، فانني مهدد في كل ساعة من عدوي او قريب الطامع في امارتي بالقتل او الاغتيال او بالسم في الطعام او بالمباغتة في وقت المنام او بالانقلاب والخروج عليه.

فانا دائما في قلق وارق خوف وذعر واحتياط وتحفظ في كل ساعات حياتي، فهنيئا لك انت. الامير يقول: وانت السعيد، يعني مهما خسرت لكنك لا تشعر بهذا الخوف الذي احياه في كل لحظة من لحظات الحياة. هنيئا لك ان تنام مطمئنا وتمشي مطمئنا وتأكل مطمئنا وتكون في الحضر وفي السفر مطمئنا، فانت المغبوط على حياتك لا مثلي. انظر، نعم هذه هي السعادة. لذلك يرون قصة رؤية اكثر من خليفة عن المأمون وعن المتوكل وعن غيره انه سئل، سأل من في مجلسه: من هو اكثر الناس سعادة؟ فذكروا له اصناف رجل عنده اموال رجل عنده زوجة جميلة ذكروا كثير من هذه الامور، فقال له المأمون او المتوكل على خلافه في القصة: بل السعيد رجل من اغمار الناس يسكن مع زوجته في طرف قرية لا يعرفني ولا اعرفه، هذا هو الانسان السعيد.

اراح نفسه من هم السلطان واراح نفسه من هم الحياة الدنيا، معه زوجته ومعه نفقة عياله يكفيهم ويشعر براحة. اذا لان الراحة كما قلنا ايها الاحبة هي راحة القلب ليست راحة البدن، وهذه قصة فيها حكمة في ذلك. حتى نسير في الكلام لا نطيل في بعض مواقف قال: واغرب حالات اهل المعرفة ذكر القيام لله عز وجل، قال الله: وَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا.

في الحقيقة احيانا ايها الاحبة عندما اقف مع كلام المحاسبي احاول يعني ان اتعرف بماذا كان يفكر المحاسبي عندما تكلم بهذه الكلمة؟ نحن الان نتكلم عن راحة القلب وعن الهدوء وعن الابتعاد عن الهموم الزهد في الدنيا وان اتعاب الناس واشغالهم هي بالحرص على هذه الحياة الدنيا. بعد ذلك المحاسبي يقول عبارة يعني لا تتعلق بما بعدها كثيرا ولا بما قبلها كثيرا، قال يقول: واقرب حالات اهل المعرفة، يعني في اقرب الحالات التي تكون فيها مع الله في هذه الحياة الدنيا، هي تلك اللحظة التي تتذكر فيها قيامك ومثولك بين يدي الله سبحانه وتعالى للحساب.

الانبياء ما الرسالة التي اردت ان يوصلها الحارث المحاسبي قد لا اوفق بايصالها تماما، لكن هو كانه يريد ان يقول: من الطرق التي تزهدك في هذه الحياة الدنيا ذكرت قصر الامل، ومن الطرق كذلك التي تزهدك ان تتذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه وتعالى، وان الله عز وجل كما استدل بالاية على كل شيء من اعمالك في هذه الدنيا رقيب. فمهما فعلت ومهما فعلت من الملذات والاهواء والشهوات الله رقيب مطلع عليها، وكل هذه السعادة البدنية التي تظن نفسك انك لذذت بجلدك منها ستسأل عنها وتقف امام الله سبحانه وتعالى.

الان هذا الشعور بانك مراقب في هذه الحياة الدنيا في تصرفاتك وبان لك مقاما بين يدي الله سبحانه وتعالى كذلك والله اعلم، يعني هذه الرسالة فيما اظن انها من الاساليب التي تزهد في هذه الحياة الدنيا. ما قيمة شيء انت ستفعله وستسأل عنه وتحاسب عليه بالدقة؟ ستسأل لماذا فعلت؟ ولماذا نظرت؟ ولماذا سمعت؟ ولماذا ولماذا؟ من تفطن لوقوفه بين يدي الله سبحانه وتعالى وانه سيسأل عن كل عمل وعن كل ملذة وعن كل مال وعن وعن كل خصومة، تذكر وعلم ان الله عز وجل رقيب عليه يرى ماذا يفعل في هذه الحياة الدنيا، يعني سيزهد في هذه الحياة يقول لك: ايش معنى هذه الحياة التي ساسأل عن تفاصيلها؟

فيأخذ من هذه الحياة الدنيا الكفاف، يأخذ منها ما يؤدي به الغرض حتى لا يستكثر من النقاش بين يدي الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني من باب الاجتهاد في فهم عبارة المحاسب. ثم يقول المحاسب بعد ذلك: واعلم انه لا طريق اقرب من الصدق ولا دليل انجح من العلم ولا زاد ابلغ من التقوى وما رأيت انفى للوسواس من ترك الفضول ولا انور للقلب من سلامة الصدر.

الان الحارث المحاسبي رحمه الله ايها الاحبة، ربما نقول في هذه الفقرة يتكلم عن رحلة الحياة، يعني انا سامثل هذه الفقرة برسم قصير بسم الله. الان المحاسبي رحمه الله تعالى ايها الاحبة ماذا يقول في العبارة؟ يقول اقرب الطرق الى الله سبحانه وتعالى هي طريق الصدق، وانظروا هذه العبارة يقول اقرب الطرق الى الله طريق الصدق. يعني مفهومة ماذا تفهم منها انت؟ يعني هناك طرق توصل الى الله عز وجل يعني هذا ظاهر العبارة، هناك طرق توصل الى الله لكنها ليست بقرب طريق الصدق. طيب هل يمكن احد ان يصل الى الله عز وجل من غير طريق الصدق الا يكون صادقا؟

طب ما معنى هذا؟ لماذا يقول هو اقرب الطرق طريق الصدق؟ هناك طرق اخرى غير طريق الصدق لكنها بعيدة، اليس هذا مفهوم العبارة؟ عندما يقول لك اقرب طريق طريق الصدق معناه في طرق اخرى توصل الى الله غير طريق الصدق. في الحقيقة هذا يسمى يعني في عنا في علم اللغة افعل التفضيل ليس على بابه. يعني لم يكن في الحقيقة التفضيل بين طرق وانما معنى هذه العبارة بالمفهوم انه لا يوجد طريق يوصل الى الله الا الصدق، فهذه العبارة ليست على ظاهرها وانما لا بد وان تؤول حتى يصح المعنى.

كيف نؤولها؟ نقول افعل التفضيل هذا اقرب يجوز في اللغة ان لا يكون على بابه في التفضيل، بل يراد تم التفضيل بل فعلا لا يوجد الا هذا، يراد عدم التفضيل وانما المراد اثبات ان الطريق الموصل الى الله فقط هو طريق الصدق، ولكن هذا له دلالات بلاغية. اذا هذا فقط من باب التأصيل انك تفهم هذه العبارة عليك ان تؤولها لانه لا يوجد طريق اصلا الى الله الا طريق الصادقين، اذا الطريق الى الله هذا جيد ولا لا يا شيخ احمد؟ ها؟ طيب، الطريق الى الله سبحانه وتعالى هو طريق الصدق، هذا هو الطريق الموصل الى الله سبحانه وتعالى.

ثم ماذا قال بعد ذلك؟ قال: ولا دليل انجح، الان هذا الطريق انت تسلك فيه صحيح؟ تحتاج الى من يدلك في هذا الطريق، ما الذي يدلك في هذا الطريق؟ العلم، اذا نحتاج الى دليل في هذا الطريق، الدليل هو العلم. وكذلك هذه رحلة اذا انت الان في رحلة طريقها الصدق والدليل المرشد الذي يأخذ بك ويبين لك معالم هذا الطريق هو العلم. الانسان اذا خرج في رحلة يحتاج صحيح؟ يحتاج الى ان يأخذ معه زادا يقطع به حتى لا تنقطع، يعني ما فائدة علم وانسان مرشد معك في طريقك في صحراء وانت لا يوجد معك نقطة ماء؟ ماذا تستفيد من هذا العلم؟ تخيل انت في صحراء ومعك مرشد ودليل ماهر خريج ولكن فقدت الماء تماما، لا يوجد معك زاد، انا ممكن ان استغني عن هذا الدليل وعن هذا المقابل ان احصل معه حتى اكمل الحياة. اذا قد يكون العلم موجود ولكن العلم ذكر قبل قليل محله ماذا؟ عند اهل التقوى، لم يذكر في بداية الفقرة قبل قليل ان من الذي يستفيد من العلم وبنور العلم؟ قال لا يستفيد منه الا اهل التقوى، فاذا لا بد من زاد في طريقك الى الله سبحانه وتعالى.

زاد هذا الطريق هو التقوى، ما الدليل على ان الزاد في رحلة الى الله هو التقوى ايها الاحبة؟ من القرآن: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى. اذا هذا هو زادك في رحلتك مع الله سبحانه وتعالى. طيب الانسان في هذا الطريق ستأتي عليه هناك وساوس وخطرات وافكار مشوشة، كيف الانسان يحاول ان يقطع حبل هذه الوساوس والافكار والخطرات المشوشة عليه؟ يقول الطريق هو لقطع الوساوس والافكار والخطرات السيئة التي تعيقك عن المسير بترك الفضول، وهذا تكلم عنه المحاسبي كثيرا مسألة ترك الفضول، اذا قطع الوساوس والافكار يكون بماذا؟ بترك الفضول.

لان من ترك فضول السمع لم يصل الى اذنه ما يقوله الناس فيه، ومن ترك فضول النظر لم ينشغل بتلك الفتنة ذاك المنظر يفكر فيه، ومن ترك فضول اللسان لم يقع في كلام يحتاج ان يعتذر منه، ومن ترك فضول اللمس وفضول كل هذه الافضال اذا تركتها، من ترك فضول المال لم يهتم بالمنازعات المالية، فلاحظوا ان ترك الفضول من اكثر الامور التي تعينك على صفاء الذهن وعلى قطع الوساوس والافكار، وكذلك ايها الاحبة الامر الاخير الذي تكلم عنه قال: وراحة القلب وسعادة القلب ونور القلب في هذا.

يكون بماذا؟ بسلامة الصدر على الآخرين. إذاً يعني هذا هو الحارث المحاسبي بمهارته التصويرية رحمه الله، يرسم لك الخطوط الواضحة التي ينبغي أن تسلك بها هذه الرحلة. عليك أولاً أن تسلك طريق الصادقين. آه، ماذا كان يقول أحمد بن حنبل لمن وصاه؟

جاء رجل يعني يوصي يسأل أحمد بن حنبل: كيف أصل إلى طريق الصادقين؟ قال له أحمد بن حنبل: قل دائماً: اللهم يا دليل الحائرين دُلَّني على طريق الصادقين. اللهم يا دليل الحائرين دُلَّني على طريق الصادقين. ناس تقول لك هذا تصوف، ولا إيش هذا؟ هذا أحمد بن حنبل إمام أهل السنة والجماعة، هو الذي يعلم هذا الرجل هذا الدعاء. فالإنسان يسأل الله ابتداءً أن يدله على طريق الصادقين. أنت حائر في هذه الحياة الدنيا تتلمس الطرق التي توصلك إلى الله، والله هو الذي يدلك على طريق الصدق.

بعد أن تدخل طريق الصدق، إذا أردت أن تعرف معالمها فعليك بالتعلم، وأن تجلس في مجالس العلم، وأن تسمع كلام العلماء. ولكن لا بد كذلك من محل قابل للتعلم وهو المحل للتقوى، وهي زاد الطريق كما بيناها. وعليك أن تقطع نفسك من عوائق الأفكار ووساوسها، ترك الفضول في النظر والسمع والبصر وسائر الأمور التي قدمها المحاسبي، وعليك أن تطلب راحة القلب في هذا الطريق بسلامة الصدر على الآخرين.

إذاً هي رحلة مكتنفة من جميع جوانبها، لا يمكن أيها الأحبة، هذا الذي نركز عليه دائماً، لا يمكن أن يقول شخصاً: أريد العلم الشرعي ولا أريد التقوى، أو أنا أريد التقوى ولا أريد العلم، أنا لا أريد أن أسلك طريق صادق وأصل إلى الله. عملية متكاملة، منهج متكامل، هي رحلة المسلم في هذه الحياة الدنيا، ومتى ما اختل جانب من الجوانب، كلما تفرقت الأمة وتشتت الكلمة، وكلما ضاع الإنسان أصالةً في هذا الطريق. ماذا يقول المحاسبي بعد ذلك رحمه الله تعالى؟ قال: ووجدت كرامة المؤمن تقواه، وحلمه صبره، وعقله تجمّله، ومودته تجاوزه وعفوه، وشرفه تواضعه ورفقه. الآن هذه أخلاق سريعة تكلم عنها المحاسبي كثيراً في رسالته، ولكن يعني هو الآن على أعتاب نهاية الرسالة كما قلنا، فيريد أن يعطيك تجارب الحياة التي مر بها. وانظروا العبارة قال: ووجدت، يعني كلمة وجدت تدل على أنه إنسان صاحب تجربة، بحث ومارس هذه الحياة الدنيا، ونظر في الأخلاق المقربة والأخلاق المبعدة عن الله سبحانه وتعالى، فيعطيك خلاصة هذه التجربة.

فيقول لك ماذا بعد هذه الحياة التي عاشها المحاسبي؟ يقول: وجدت كرامة الإنسان في هذه الحياة الدنيا أن يكون متقياً لله سبحانه وتعالى، وتقوى الله دندنّا حولها كثيراً كثيراً، أن تجعل بينك وبين عقاب الله وعذاب الله وقاية، من خلال فعل الطاعات واجتناب المعاصي. الإنسان الذي يحيا بالتقوى فإنه كريم في هذه الحياة الدنيا وكريم عند الله سبحانه وتعالى.

كذلك يقول: وجدت حلمه صبره، يعني متى يصل الإنسان إلى درجة الحلم وأن يكون حليماً؟ قال: إذا عوَّد نفسه على الصبر، أن يصبر على جهل الناس عليه، وعلى سوء أخلاقهم، وسوء عشرتهم، وسوء معاملتهم، وأن يصبر على بلاءات هذه الحياة الدنيا وعوائقها. من رزقه الله عز وجل هذا الصبر وتصبر، لأن إنما الصبر، انظر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يكون حليماً.

كذلك العاقل، من هو الإنسان العاقل؟ قال: ووجدت العقل، أو عقل الإنسان في ماذا؟ قال: فوجدت عقله بالتجمّل، والتجمّل أيها الأحبة أن يكون الإنسان دائماً يظهر الأفعال الجميلة، وأن يعوّد نفسه عليها، لا يظهر للناس إلا على لسانه الجميل، وعلى تصرفاته الجميلة. والتجمّل هذا صيغة تفاعل تدل على أن الأمر يحتاج إلى ماذا؟ إلى يعني فيها شد، الأمر فيها نوع ليس أقول التظاهر المذموم، وإنما التكلف وزيادة الضغط على هذه النفس حتى تتعود على فعل الأشياء الجميلة دائماً. فلفظة التجمّل تفيد أن هناك مدافعة ومجاهدة للنفس لأن يصدر منها الجميل، فالإنسان العاقل هو الذي يصدر منه الجميل دائماً ولا يرضى من نفسه إلا الجميل، أما الإنسان السفيه هو الذي يقتحم الأبواب السيئة ويقتحم الأخلاق الرذيلة ولا يرضى هذا لنفسه.

قال كذلك: ووجدت مودته تجاوزه وعفوه. يعني الناس يودون هذا الإنسان ويحبونه متى؟ إذا وجدوه عفواً يتجاوز عن أخطائهم. فمتى يُودّ هذا المؤمن؟ متى يحبه الناس؟ إذا كان يتجاوز عن أخطائهم. أما الإنسان إذا أخطأ، يعني إذا وجدت شخصاً تخطئ في حقه مباشرةً يحمل عليك ويرفع عليك ويدعوك وتجلس المخاصمات والمنازعات، هل يحب الناس هذا؟ وكم سينفرون منه ويبتعدون عن التعامل معه؟ نعم، الناس لا تود إلا المألوف، الهين، السهل، المتجاوز، العفو، صاحب الأخلاق الهينة. أما الإنسان صاحب الأخلاق الصعبة والإنسان الذي لا يصفح ولا يسامح ولا يغض الطرف عن أخطاء الآخرين، فهذا سرعان ما يتجنبه الناس ولا يبدونه يحبونه.

قال: ووجدت شرفه تواضعه ورفقه، يعني كل من تواضع في هذه الحياة الدنيا، وكل من كان رفيقاً بالناس، فإن الله عز وجل يرفع قدره. لا تظن الإنسان أن الشرف إنما يكون بالمجالس الأبهة، وبالملابس يعني التي يتزين بها، وبالمظاهر، بل شرف الحياة الدنيا وشرف المؤمن في هذه الحياة الدنيا إنما يكون بالتواضع، وهذا الله عز وجل جعله سنة كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم، أن من تواضع لله رفعه الله سبحانه وتعالى. من كان حريصاً على التواضع وعلى الرفق بالآخرين وإظهار لين الجانب وحسن المعشر معهم، فإن الله سبحانه وتعالى يقابله بماذا؟ برفعة درجته عند الناس وعنده سبحانه وتعالى.

ثم انتقل بعد ذلك، وهذه الفقرة هي التي تهمنا الآن، انتقل لذلك ليتكلم عن رضا الإنسان بالقضاء والقدر. يقول المحاسبي رحمه الله: واعلم أن محبة الغنى مع اختيار الله لعبده الفقر تسخط. انظر ماذا يقول، واعلم أن محبة الغنى مع اختيار الله لعبده الفقر تسخط، ومحبة الفقر مع اختيار الله عز وجل لعبده الغنى جور، وكل ذلك هرب من الشكر لقلة المعرفة، وتضييع للأوقات من قصر العلم. وذلك أن إيمان الغني لا يصلحه الفقر، وإيمان الفقير لا يصلحه الغنى، كما جاء في الخبر أن الله تعالى يقول: إن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسدت ذلك. قال وكذلك في الصحة والسقم، فمن عرف الله لم يتهمه، ومن فهم عن الله رضي بقضائه، ولو لم يكن لأهل العلم إلا هذه الآية لكفتهم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ.

نعم أيها الأحبة، هذا كلام عن رضا الإنسان بما يقسمه الله عز وجل له في هذه الحياة الدنيا. الإنسان الذي يثق بالله سبحانه وتعالى، الذي يطمئن لربه عز وجل، من عرف الله حق المعرفة، من عرف الله أنه محيط بكل شيء، أنه عالم بكل شيء، من كان عنده حسن ظن بالله عز وجل، من اجتمعت فيه كل هذه الأمور، فإنه يكون واثقاً بما يختاره الله عز وجل له. أينما وضعه الله فهو راض، وضعه في ميدان الأغنياء فهو راض، إذا وضعه في ميدان الفقراء فهو راض، إذا وضعه في ميدان أهل السلامة فهو راض، إذا وضع في ميدان أهل البلاء فهو راض. أينما تقلبت به هذه الحياة الدنيا فهو راض، وسبب هذا الرضا ومنبعه أنه ماذا؟ أنه كان واثقاً بالله سبحانه وتعالى. أنت عندما تثق بشخص فمهما يدبّر لك هذا الشخص ستشعر بالارتياح، لأنك تعلم أنه خبير بهذا الأمر، وأنه لم يضعك إلا في المكان المناسب. فما بالك بالله سبحانه وتعالى الذي هو أحكم الحاكمين، الذي هو أعلم العالمين، الذي يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؟ من يعلم كل هذه الأمور هو الله سبحانه وتعالى. فعندما اختار لك شيئاً هو قطعاً، إذا كنت تحسن الظن بالله، تعلم أنه اختار لك الخير، ووضعك في الفقر هذا هو الخير لي، وضعني في الغنى هذا هو الخير لي، وضعني في بلاء هذا هو الخير لي، استعملني في هذا المجال هذا هو الخير لي، وكذلك في سائر أمور حياتك.

أما الإنسان الجاهل الذي لا يعرف الله سبحانه وتعالى حق المعرفة فهو الذي يتهم الله في قضائه. لذلك يقول: محبة الغنى أن يحب الإنسان الغنى مع أن الله عز وجل اختار له الفقر، هذا تسخط على قدر الله سبحانه وتعالى. وقل كذلك بالعكس، من أحب الفقر، وهذا قد يكون على خلاف المعتاد ولكن لو وجدنا شخصاً يحب الفقر وهذا يوجد عند المتصوفة، إنسان يحب الفقر مع إرادة الله عز وجل له الغنى، الله عز وجل أعطاه من المال وهو لا يريد أن يفتقر، قال: هذا فيه ماذا؟ جور على حكم الله سبحانه وتعالى. والمؤمن يقف مع الله عز وجل أينما يضعه. هذا هو السلوك الحقيقي.

ليس السلوك دائماً الفقر، من كان يظن أن السلوك إلى الله عز وجل يكون بتقطيع الثياب وقلة المال وأن يكون الإنسان حاله رثة فقير ينظر إليه الناس بازدراء، هذا هو التصوف أو هذا هو علم السلوك، فهذا لم يفهم طريقة السلف ولا طريقة العلماء. العلماء كانوا متنوعين، مالك بن أنس رحمه الله كان كل يوم على مائدته اللحم، لا تخلو مائدته في يوم من اللحم، إمام من أئمة المذاهب الأربعة. كان أحمد بن حنبل نعم شخص زاهد، الشافعي حاله بين وبين، وإن كثر في حاله الفقر، أبو حنيفة كان تاجراً من تجار الحرير. فكانوا متنوعين ولم يقل هذا أن هذا ليس على منهج السلف أو أن هذا ليس على منهج السنة، لا، الكل على منهج السنة والحمد لله، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. إنسان كتب الله عز وجل له الغنى فالله عز وجل يحب أن يظهر هذه النعمة، طبعاً مع أداء الحقوق الشرعية التي أوجبها الله في ماله، وإنسان كتب الله عز وجل له الفقر كذلك تجده يرضى بما كتبه الله عز وجل له.

لذلك يعني خاصة أن كثيراً من الناس يعني الغالب في أحوال الناس أن يكون الإنسان فقيراً فيتمنى ماذا؟ الغنى، ويقول السكندري رحمه الله تعالى يقول: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك. ربما أعطاك فمنعك؛ الله عز وجل يريد أن يعطيك طريق السعادة ويريد أن يجعلك في جنات النعيم فيمنعك من المال ويمنعك من ملذات هذه الحياة الدنيا فهذا عطاء في صورة منع. وربما منعك فأعطاك؛ لا تدري، ربما منعك لا يريد أن يوصلك إليه، يريد أن يجعلك من المخذولين في هذه الحياة الدنيا، فماذا يفعل؟ يعطيك الحياة الدنيا. الإنسان بعقله القاصر يظن أنه إذا أُعطي المال فإن الله عز وجل يحبه ويريد أن يوصله إليه، وإذا كتب له الفقر فإن الله عز وجل لا يريد أن يوصله إليه، لا، يقول لك السكندري ربما بالعكس يكون الأمر بالمفهوم المقابل، يعطيك لماذا؟ يعطيك ليمنعك، وربما يمنعك ليعطيك. فعليك أن تفهم أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم الغيب، لذلك قال: وكل ذلك هرب، يعني من يحب الغنى مع اختيار الله له الفقر ويحب الفقر مع اختيار الله عز وجل له الغنى، قال: كل ذلك هرب من الشكر لقلة المعرفة، يعني لو عرفت ما الذي يخبئه الله عز وجل لك من الخير لشكرته عليه سواء كنت غنياً أو كنت فقيراً، لكن لقلة معرفتك بالله سبحانه وتعالى ولجهلك بصفاته وسعة علمه وإحاطته بعلم الغيب وبما بعلم الماضي وبعلم المستقبل، لجهلك بهذه الأمور لقلة معرفتك تضيع أوقاتك في التسخط على قدر الله سبحانه وتعالى وتمني ما لم يكن.

ثم استدل على ذلك بالحديث القدسي، وهذا الحديث أيها الأحبة ضعيف في الحقيقة، هذا الحديث ضعيف ولكن يذكره علماء التزكية كونهم يعني لا يشترطون قوة الحديث في آثارهم أو في علمهم، قال: وذلك أن إيمان الغني لا يصلحه الفقر، وإيمان الفقير لا يصلحه الغنى. هذا الذي يريد أن يوصله المحاسبي، يعني قد يكون الفقر هو طريقك إلى الله هذا الشخص، فقره هو طريقه إلى الله، إذا أغناه الله عز وجل أفسد عليه إيمانه، وهناك شخص آخر لا، بحكمة الله بعلمه بخلقه أنه إذا أفقر هذا الشخص فإنه سيخسر إيمانه، وهناك أناس إذا افتقروا فتنوا، وهناك أناس إذا اغتنوا فتنوا، فمن الذي يعلم هذه الأمور؟ من الذي يعلم عواقب هذه الحياة الدنيا؟ الله سبحانه وتعالى، فعليك أن تطمئن، كن واثقاً أن الله اختار لك الخير.

الحديث القدسي الذي ذكره: أن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الفقر، ولو أغنيته لأفسدت ذلك، انظروا، لو أغنيته لفسد إيمانه، وأن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك. قال: وكذلك في الصحة والسقم، يعني هو يا شيخ عبد الفتاح يبين أن الحديث في تكملته وردت هذه المقارنة في الصحة والسقم، أن الله قد يعني يصحح بعض العباد لحكمة منه وهي صلاحهم بالصحة، وقد يسقم بعض العباد لحكمة منه، يعني هناك أناس لو حفظ الله عز وجل عليهم صحتهم في هذه الحياة الدنيا لاستخداموا هذه الصحة في الفجور، في المعاصي، في أمور تدخلهم في نار جهنم، فالله بحكمته يوقعه في بلاء، تنظر إنسان أصيب بشلل كامل، إنسان هناك يعترض على قضاء الله، لماذا فلان أصيب بشلل كامل؟ لماذا لم يحفظه الله سبحانه وتعالى؟ تبدأ هذه الاعتراضات تأتي في قلب هذا الإنسان المبتلى أو في قلب غيره، يبدأ يشك في الله عز وجل وهذا من مداخل إبليس، عليك أن تعلم.

إن هذا الشخص لربما لو بقي في صحته لأوبقته صحته في المهالك. فمن محبة الله عز وجل الخير له أن أوصله إلى هذه الحالة التي هي كما قلنا في الدنيا ساعات قليلة وتنقضي ولكن هي الخير له. وهناك أناس الله عز وجل يحفظ لهم صحتهم؛ لأنه بسابق علمه يعلم أن فلان إذا ابتلي في صحته فإنه قد يسلب الإيمان، فيحافظ الله عز وجل على ذلك. وهناك أناس يختارهم الله عز وجل لعقابه، وذلك محض اختيار الله، فنسأل الله عز وجل أن يرحمنا برحمته.

لذلك يقول: فمن عرف الله لم يتهمه. من عرف الله، من عرف كما قلنا أن الله عز وجل لطيف في قدره وأن الله عز وجل يحب أن يقدم الخير للآخرين، من عرف أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يختار الخير لعبده أينما كان وأينما ارتحل، وثق بهذه القضية فإنه لا يتهم الله سبحانه وتعالى بقضائه. وقال: ومن فهم عن الله رضي بقضائه. ومن فهم عن الله رضي بقضائه. يقول السكندري رحمه الله: إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه. قد تحرم من شيء، نعم قد تحرم من هذا المال، قد تحرم من هذه المرأة التي تريد أن تخطبها، قد تحرم من وعاء من وعاءات الدنيا، تحرم من أي منصب، فتحزن على هذا المنع. قال: ولكن يؤلمك المنع وتحزن لأنك لم تفهم عن الله سبحانه وتعالى. ولو فهمت عن الله عز وجل حكمته ولو تدبرت في عواقب الأمور لعرفت أن الخير فيما يقدره مولاه لك.

قال المحاسبي رحمه الله تعالى بعد ذلك: ولو لم يكن لأهل العلم إلا هذه الآية لكفتهم: وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ ۗ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ. يعني أهل العلم بالله، أهل السلوك، لو لم تكن عندهم إلا هذه الآية لكفتهم. ما هي هذه الآية؟ قال: وربك يخلق ما يشاء ويختار. هو الذي يختار، خلق وهو الذي عنده الاختيار، وليس لأحد من الخلق أن يختار. فإذا أنت اقتنعت بهذه القناعة عرفت أن مهما فعل الناس، الناس لا يختارون لك بلاء، الناس لا يجلبون لك نفعاً ولا يذهبون عنك ضراً، ولا يجلبون لك ضراً ولا يمنعون عنك نفعاً. عليك أن تفهم أيها الحبيب أن الذي يختار من هو، الله سبحانه وتعالى. بقدر إيمانك بهذا المبدأ وبهذه العقيدة بقدر ما تكون مرتاحاً في هذه الحياة الدنيا؛ لأنك تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك.

ثم يقول المحاسبي رحمه الله: واحذر أخلاق الجاهلين، ومجالسة المذنبين، ودعاوى المعجبين، ورجاء ويأس القانطين. يا أخلاق يحذر من المحاسبي رحمه الله سريعا، يقول لك: احذر من أن تتخلق بأخلاق الجهال، وأن تجالس أهل المعصية وأهل الذنوب، وأن تكون من أصحاب الدعاوى. لأن الدعوة -ما معنى الدعاوى؟ قلنا ما قلنا- يدعون المقامات عند الله سبحانه وتعالى، ويدعون أنهم حكماء، ويدعي وينسب إلى نفسه، فهذا سيؤدي هذا إلى المهالك، والإعجاب بالنفس والشعور بالرفعة على الآخرين. فإياك من دعاوى المعجبين بأنفسهم.

واحذر كذلك من رجاء المغترين. رجاء المغترين ما هو أيها الأحبة؟ الذي يعمل بعمل ولا يقوم بالعمل الذي يعني الآن هذا تكلمنا عنه في بداية الرسالة، يعني قلنا ما هو الرجاء المغرور؟ يقوم بالسير ويحكي: الله غفور رحيم، يعني بمفهوم هذا الكلام كما قلنا في بداية الدورة، بعد مر معنا القضية قضية من هو؟ ما الفرق بين الرجاء والغرور؟ الرجاء كما قلنا أن ترجو رحمة الله سبحانه وتعالى مع أنك تبذل وتعمل، واستدللنا على ما على ذلك بقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ. هذا بيان لمن يستحق الرجاء. من يستحق الرجاء هم الذين آمنوا هاجروا جاهدوا، بذلوا، استحقوا أن يكونوا من أهل الرجاء. أما المغرور فهو الذي يرجو الرحمة من الله ويرجو مغفرة الله وجنة الله وهو لم يعمل ولم يقدم الأسباب التي توصله، فهذا غرور وليس رجاء. فيقول: وإياك من رجاء المغترين.

كذلك وإياك من يأس القانطين. كما أنك لا ترجو شيئاً أنت لم تبذل بذله، كذلك إياك أن تقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى؛ لأن الشيطان كما يحب أن يجعلك تغتر من دون أن تفعل، كذلك يحب أن يشعرك باليأس والقنوط. أنا فعلت معاصي، أنا ماضي أسود، أنا فعلت زنا، فعلت الخنا، فعلت فعلت. هذه الأمور الشيطان يحاول أن يعظمها عندك أو يعظمها في نفسك تعظيماً تصدك عن حسن الظن بالله سبحانه وتعالى أنه غفور رحيم، وتوصلك لمرحلة اليأس، وكلاهما مرفوض. رجاء المغترين ويأس القانطين كلاهما مرفوض، وعقيدة أهل السنة والجماعة أن يحيا الإنسان بين الرجاء وبين الخوف.

كذلك يقول المحاسبي: وكن بالحق عاملاً، وبالله واثقاً، وبالمعروف آمراً، وعن المنكر ناهياً. فإن من صدق الله ومن تزين لغيره فضحه. انظروا هذه العبارة ما أقواها! يقول: من صدق الله نصحه، ومن تزين لغيره فضحه. يقول لك المحاسبي باختصار: اعمل بالعلم الذي تعلمته، كن آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، طبق ما تتعلم وإلا فإن الله سبحانه وتعالى سيفضحك. من كان صادقاً مع الله سبحانه وتعالى في طريقه الله عز وجل ينصحه. وما معنى أن ينصحه؟ أن يأخذ بيده إلى طريق السعادة وأن يهديه ويعينه ويبين له كيف يسلك. وأما من كان هدفه بالعلم وبالإصلاح وبرفع الشعارات الجميلة التزين لخلق الله سبحانه وتعالى حتى يمدحوه أو يثنوا عليه، فإن هذا يفضحه ولو عن قريب.

وانظروا في حال الناس في هذه الحياة الدنيا. انظروا كم من إنسان كان يظهر على أنه في مظهر الدعاة المصلحين ولكن الله كشف خبيئته وسريرته ولو بعد حين. ومن نظر في هذه الحياة الدنيا يعرف. الإنسان أيها الأحبة عندما يسير في الدنيا وينظر عليه أن يتعظ وأن يتأمل. لماذا حدث مع فلان كذا؟ ولماذا انقلب فلان على عقبيه؟ أليس هذا هو الذي كان ينصح؟ فما باله انقلب؟ ما باله انتكس؟ هذه الأمور عليك أن تتأمل في أحوالها، أن تتأمل في تقلباتها، وأن تعرف أن هذه القاعدة السلوكية مهمة؛ أن من كان مع الله سبحانه وتعالى، من صدق الله ينصحه الله ويحافظ عليه في طريق السعادة، وأن من تزين لغير الله في أقواله وأفعاله وإن كان بمظهر السنة وقال وقال وادعى، فإن الله يفضحه ولو بعد حين. فنسأل الله الستر. والإنسان أيها الأحبة عندما ينظر لا ينظر ليعير، وإنما ينظر ليتأمل ويطبق على نفسه: إني إذا فعلت مثل هذا فإن الله سيكشف خبيئتي ولو بعد حين. وإياكم ودسائس القلوب فإن لله عقوبات.

كذلك يقول المحاسبي: ومن توكل عليه، قال سبحانه: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ. ومن وثق بغيره مقته. إذا توكلت على الله عز وجل حق التوكل فإن الله يكفيك هم الدنيا والآخرة، والله عز وجل هو الذي يكفي عباده. وأما من اتكل على غير الله ووثق بالمخلوقين فإن الله عز وجل يتركه وما وثق به ويتركه ويمكثه على هذا التصرف. قال: ومن خافه أمنه. من خاف الله عز وجل في هذه الدنيا فإن الله يؤمنه عند لقائه. أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. فالله سبحانه وتعالى قال: فلا يجمع على عبده خوفين. الله عز وجل لا يجمع على عبده خوفين؛ من خاف في هذه الحياة الدنيا فإن الله يؤمنه يوم لقائه. ومن أمن في هذه الحياة الدنيا وركن ولم يلتفت إلى الله سبحانه وتعالى وأخلد إلى الدنيا فإن الخوف هو الذي ينتظره عند لقاء الله سبحانه.

قال: ومن ذكره زاده، ومن أطاعه أكرمه. ومن شكره زاده، قال تعالى: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، وهذا دندن حوله كثيراً. قال: ومن أطاعه أكرمه، ومن آثره أحبه. ومن آثر الله عز وجل على كل هذه الدنيا بملذاتها وأهوائها، وعلى هوى النفس ورغباتها، فإن الله يؤثره. أنت أيها الحبيب تريد محبة الله سبحانه وتعالى، تريد دائما نحن نقول: نحن نحب الله عز وجل. السؤال المهم هو السؤال المقابل: طب إذا أنا أحب الله، هل الله عز وجل يحبني؟ هل الله عز وجل.. هل سألت نفسك؟ هل الله عز وجل يحبني حقاً؟ يحب فلاناً يحب فلاناً؟ طب ما هي الطريقة حتى يحبني الله عز وجل؟ قال: الطريق أن تؤثر الله عز وجل على غيره، والله سبحانه وتعالى أغنى الشركاء عن الشرك. الله عز وجل لا يقبل الشركة، أنت تحب الله عز وجل فقط أو تحب الدنيا، أما تحب الدنيا وتحب الله معاً هذا لا يجتمع. نعم أنت تحب محبة عاطفية قلبية، أما محبة الإجلال فهذه لا تكن إلا لله. يعني أنت تحب زوجتك، تحب ولدك، هذه محبة عاطفية فطرية خلقت فيك، ليست هذه المحبة التي نتكلم عنها، إنما هي محبة الإجلال والتعظيم والتقديس، هذه لا، ومحبة التعلق القلبي، هذه لا تكون إلا لله سبحانه وتعالى.

إذا أردت أن تنال هبة من الله سبحانه؛ فهي علاقة محبة بين العبد وبين ربه. انظروا هذه العلاقة، علينا أن نحرص على أن تكون هناك علاقة فعلاً صادقة، العبد يحب والرب يحب عبده. علينا أن نعرف هذا الطريق وهو طريق الإيثار؛ عليك أن تؤثر الله سبحانه وتعالى فيؤثرك الله عز وجل بكل خلقه. قال: ومن أحبه مولاه فقد فاز. الفوز والسعادة في هذه الحياة الدنيا، ورضوان من الله أكبر، هذا أعظم من نعيم الجنة، ورضوان من الله؛ لأن أهل الجنة عندما يذهبون إلى غرفهم وأزواجهم ويتجلى الله عز وجل بعزته وكبريائه عليهم فيقول لهم يعني هل تريدون شيئاً؟ فيقولون: ماذا نريد أكثر من هذا يا رب؟ لقد أنعمت علينا بالدخول في جنات النعيم، والأزواج والذرية والمطاعم والمشارب، كل هذه التي لم ترها الأعين ولم تسمع بها الآذان. فيقول الله عز وجل: بلى بقي هناك شيء، ما هو؟ قال: أن أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً. نعم، هذه هي السعادة، قمة السعادة أن تنال رضوان الله سبحانه وتعالى، لأنك من الذي رضي عنك؟ دائماً سيفكر من الذي رضي عنك؟ فلان مخلوق، ابنك، زوجتك، مرؤوسك، عملك، يعني من الذي رضي عنك؟ الله سبحانه وتعالى خالق الأكوان هو الذي كتب رضاه عني، فهذه فعلاً هي قمة السعادة التي لا يعرفها إلا أصحاب النفوس الشريفة.

ثم يقول: واحذر أن تدين لله بالعقل. طيب أقف عند هذا: واحذر أن تدين لله بالعقل. ما معنى واحذر أن تدين لله بالعقل؟ هذا سؤال. واحذر أن تدين لله بالعقل. الاعتماد على العقل في معرفة الله، أمور ما هو مطلوب؟

نعم شيخ في أمور طيب.. إلى سؤالنا. مثلاً عالم بالفعل وتخالفه. طيب لكن نريد معنى أوضح، يعني ما تعبد الله بعقلك بس. عليك أنك تتبع كمان سنة الرسول عليه الصلاة والسلام. أيوه، هذا معنى واضح، هذا معنى صحيح واضح. جميل، أظن هي إشكالية التعارض. أحسنت. إذاً النقل تعارض مع عقلي فينبغي أن أحكم عقلي وأجعل النقل تبعاً. أحسنت، من هذا، من أساس هذه الفكرة هي صلبها، في أحد بقي عنده شيء؟

يعني هو يقول لك المحاسبي.. الآن مفهوم واحذر أن تدين لله بالعقل له عدة مظاهر. المظهر الأول هو ما تكلم به الأستاذ أن قضية العقل أنت هل تعبد الله عز وجل لأن عقلك فهم هذه المسألة الشرعية التي أتت عليك وفهم هذا الحكم الشرعي، أم أنت تعبد لأن الأمر جاءك بغض النظر فهمت؟ يعني هل العقل عرف الحكمة أو لم يعرفها؟ كيف تدينك لله سبحانه وتعالى؟ هو يقول لك احذر أن تكون تشترط على الله عز وجل هذا الشرط، تقول يا رب إن الحكم إذا جاءني وفهمت حكمته أفعل، إذا ما فهمت الحكمة منه فإني لا أفعله لأن عقلي لم يفهم. من يعبد الله عز وجل بهذا الاشتراط هذا مخذول، وهذا مزالق العقلانيين والمعتزلة وكثير من الفرق التي خالفت منهج أهل السنة والجماعة، مزلقها في هذه القضية أنه يريد أن يعبد الله عز وجل بعقله القاصر العاجز؛ ما استطاع بعقله العاجز أن يتصوره وأن يفهم علته أو يتوافق مع عقله قبله، وما لم يتوافق مع عقله ولم يفهم علته رفضه.

طب السؤال ابتداءً الحاكم هو عقل من بالضبط؟ من يعني عقل فلان أو عقل فلان، عقل الطائفة الفلانية أو عقل الطائفة الفلانية؟ لنتبع عقل من إذا أردنا أن ندين الله بالعقل؟ عقل فلان يأتي عليه يفهم هذه القضية، عقل الشيخ الفلاني لا يفهم هذه القضية لا يستوعبها، فلو قلدنا ديننا لعقول الرجال لذهب الدين ولضاع؛ لأن العقول متفاوتة والله عز وجل حددها بمقدرة معينة. فإياك إذاً أن تعبد الله بالعقل، إياك أن تعبد الله بناءً على هذا الاشتراط؛ إني ما فهمت يا رب سأفعله، ما لم أفهمه لا عبرة به، فهذا بداية الخذلان. كذلك من عبادة الله عز وجل بالعقل أن تعبد الله عز وجل بما تستهويه بالبدع، بما يستهويه عقلك من البدع ورغبات النفس، فتبتدع في دين الله عز وجل طرقاً وأساليب لم يأتِ بها الشرع ولم يرد بها النقل ولم يأتِ بها النص وتعبد الله عز وجل بها، تقول والله عقلي يقول لي هذه عبادة صحيحة وجيدة.

مبدأ العبادة أيها الأحبة هو الاتباع وليس الابتداع، وليس على ما تستحسنه بعقلك. فقضية إذاً احذر عبادة الله بالعقل تتضمن أمرين باختصار: الأول لا تشترط على الله عز وجل، لأنه ما فهمته بعقلك هو الذي تفعله، وما لم تفعله بعقلك هو الذي لا تفعله ولا عبرة به. احذر هذا، عليك أن تسلم بجميع ما ثبت صحيحاً في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وما ثبت في كتاب الله عز وجل ولا يثبت فيه إلا الصحيح.

كذلك احذر أن تعبد الله عز وجل بالبدع التي تنتجها عقولكم وأهواؤكم ولا ينتجها النص والدليل الشرعي، فإن الطريق إلى الله لابد فيها من الاقتداء والعمل، حتى يكون مقبولاً لابد من إخلاص ومن متابعة على منهاج الله سبحانه وتعالى. فليس الإخلاص هو فقط شرط العمل بل لا بد فيه من متابعة، فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا. فجمع بين الأمرين، لم يقل فمن كان يرجو لقاء ربه فلا يشرك بربه أحداً، لا قال لابد أن تعمل الصالح الذي تتبع فيه سيم السلف، وعليك كذلك ألا تشرك بالله شيئاً.

ثم قال: واحذر أن تدين لله بالعقل وبالهوى، وأن تترك الحق وتبوء بالباطل، يعني أن تعود بالباطل، وتتمنى المغفرة وأنت ناسٍ للتوبة. يعني احذر كذلك أن تتمنى المغفرة وأنت نازل للتوبة، حالك حال المغرور. المغرور كما قلنا يتمنى، الرجاء عنده رجاء رحمة الله عز وجل وعفوه ولا يعمل. كذلك إنسان يتمنى المغفرة وهو لم يتب، هذا أحمق. كيف تتمنى المغفرة من الله سبحانه وتعالى وأنت لا تبذل أسبابها؟ الإنسان أيها الأحبة عليه أن يبذل السبب حتى يجد من الله عز وجل الكرم. أما إنسان مصر في المعاصي ومدمن ولا يلتفت لله سبحانه وتعالى، يقول بعد ذلك أريد مغفرة الله عز وجل، هذا غرور من الشيطان فليحذر منه الإنسان.

ثم يقول: واعلم أنه لا يرضى من العلم والعمل إلا ما ثبت باليقين أصله، وعلا بالصدق فرعه، وأثمر بالورع نباته. يعني لو رسمنا هذه الفكرة كذلك هانت الأمور، وين يقول لك المحاسبي رحمه الله تعالى ما هو العمل المقبول؟ يقول لك لا يقبل العلم والعمل إلا على هيئة معينة. ما هي شروط قبول العلم والعمل؟ إذاً هو يمثل الآن العلم والعمل بماذا؟ بشجرة، شجرة جذورها اليقين، اليقين أنه يعمل لله سبحانه أو اليقين بالله وأنه يعمل لله عز وجل، وهذه الجذور في القلب، هذه الجذور لابد أن تكون في قلب الإنسان، أن يكون موقناً بالله سبحانه وتعالى، مطمئناً إليه، واثقاً به.

فالعمل المقبول ابتداءً هو الذي يخرج متجهاً إلى رب يتيقن أنه موجود. لأن الإنسان قد يفعل الأعمال أيها الأحبة، ولا نزكي أنفسنا كثيراً ما نفعل الأعمال، والآن في الحقيقة قضية اليقين بالله عز وجل ضعيفة جداً. مقدار شعورك بأن الله عز وجل سيسألني عن هذا العمل أو أني أفعل هذا العمل لله، كم مقدارها؟ نعم قد تكون أنت مؤمن مسلم، هذا اليقين هل هو شيء مستمر معك في أفعالك وفي طاعاتك وفي عبادتك؟ أم أن هذا اليقين يذهب إلى الأسفل وأحياناً يذهب بك إلى نجد، إذاً أن اليقين يتفاوت من شخص إلى شخص، وفي الشخص الواحد يتفاوت، فيه حال يكون فيه يقينه وإيمانه مرتفع، وأحياناً يكون اليقين.

اليقين هو الإيمان، يعني اليقين هو الإيمان في الجملة. فعندما نقول أن تكون موقناً يعني أن تكون مؤمناً حقاً بأني أفعل لله سبحانه وتعالى. ثم بعد أن تأتي هذه الجذور يأتي الفرع، ما هو الفرع الذي ينبني عليه العمل؟ والعلم، قال الصدق، قال فرعه ماذا الصدق صحيح؟ طيب بعد ذلك قال حتى يثمر، حتى يؤتي أكله، ينبغي هذه الشجرة أيها الأحبة أن تثمر ثمراً، نحن الآن نتكلم عن شجرة العلم والعمل، هذه الشجرة جذورها اليقين وفرعها وجذعها الصدق وثمارها التي تنتجها ما هي؟ قال الورع، هذه هي الثمار. فالعلم إذاً الصحيح هو الذي يثمر ورعاً وخوفاً من الله سبحانه وتعالى. والعمل المقبول هو العمل الذي يورث ورعاً وخوفاً من الله سبحانه وتعالى. إذاً هذه هي شجرة العلم والعمل، شجرة جذورها اليقين وفرعها الصدق وثمارها الورع.

لكنه بعد ذلك أتبع كذلك بأوصاف للعمل المقبول، فماذا قال؟ يقول المحاسبي رحمه الله تعالى: واعلم أنه لا يرضى من العلم والعمل إلا ما ثبت باليقين أصله، وعلا بالصدق فرعه، وأثمر بالورع نباته. إذاً هذه هي الشجرة، لكن أتبع بعد ذلك قال: وقام بالإشفاق برهانه. يعني البرهان على قبول هذا العلم والعمل، ما هو البرهان الواضح بين عليه برهانه؟ حصون الإشفاق كذلك هي عبارات متداخلة، يعني في الحقيقة لا نستطيع أن نفصل شيئاً عن شيء، هي حكم وخواطر سريعة من المحاسبي متداخلة، لكن هو يقول لك البرهان على أن هذا العلم وهذا العمل مقبول. أنت تريد القبول تبحث عنه، هذه أصل فكرة الفقرة هذه، يتكلم قال واعلم أنه لا يرضى يعني لا يقبل.

فيقول لك العمل المقبول والعلم المقبول برهانه حصون الإشفاق من الإنسان، كذلك برهانه أن يكون مستوراً بالخشية من الله سبحانه وتعالى. قال وحجب بالخشية أستاره، فالإنسان يستر هذا العمل بماذا؟ بستار الخشية والخوف من الله. فهي إذاً كما قلنا دائماً المحاسبي يحاول ألا يفصل بين الأعمال، دائماً وهذا الذي يركز عليه، لا تحاول أن تتجزأ في أعمالك، أن تفصل شيئاً عن شيء، حاول أن تفهم الدين بكليته بشموليته، علم وسلوك وأخلاق وتزكية وورع وتقوى وطلب للعلم، لا تحاول أن تفصل، وإلا أن تأخذه على الوجه الذي يرضي الله.

ثم يقول: فلا ترضى من نفسك بالتواني، فإنه لا عذر لأحد في التفريط ولا لأحد عن الله غنى. يعني هي دعوة للمسارعة في العمل، إذا عرفت شروط العمل المقبول عليك إذاً أن تبادر بالعمل وأن تبادر بتحقيق شروط هذا العمل، فلا عذر لأحد في التفريط، لن تعذر. في النهاية هي حياة وستنقضي، وستعض أصابع الندم إذا فرطت فهذا الأمر عليك. كل ما تتكاسل في هذه الحياة الدنيا وتتباطأ من الذي سيخسر؟ أنت. فالإنسان إذاً يبادر، ولكن في النهاية لا نستغني عن الله عز وجل فهو الموفق.

ثم نختم بهذه الفقرة الأخيرة، قال: واعلم أن من سعادة المرء حسن النية فيما عند الله والتوفيق لمحابه. يعني سعادة الإنسان في هذه الحياة الدنيا في أمرين ابتداءً، أولاً أن يحسن الظن فيما عند الله عز وجل وفيما ينتظره من النعيم. عند حسن النية قال: فيما عند الله، أن تحسن الظن أني أنتظر عند الله عز وجل شيئاً جميلاً كبيراً عظيماً. حسن النية هذا يرزقك السعادة كما قلنا قبل قليل والطمأنينة. وهي نفس فكرة بشكل عام الزهد في هذه الحياة الدنيا والتعلق بالدار الآخرة، أن تحسن ظنك أن الله عز وجل أعد لي نزلاً كريماً. قال: والتوفيق لمحابه، يعني الإنسان السعيد هو الذي يرزقه الله عز وجل حسن نية وتفطن دائماً للدار الآخرة، وأن يوفقه الله عز وجل للأمور التي يحبها. يعني قد يكون إنسان أيها الأحبة عنده حسن نية، ولكن الله عز وجل خذله لا يوفقه للأعمال التي ترضيه، هذه خسارة. أن تكون تعرف أن الله عز وجل أعد جنات ونعيم، ولكن تجد من نفسك تباطؤاً وتكاسلاً عن سلوك هذا الطريق الذي يوصلك إلى هذا النعيم، هذا قمة الخذلان. فالإنسان يحرص على أن يكون من أهل السعادة، لمن يحسن الظن بالله عز وجل وفيما أعده الله لعباده، وأن يكون من الموفقين لمحابه.

ثم قال: ومن أراد الله به خيراً. انظروا الذي يريد الله عز وجل به خيراً، ما هي صفاته؟ حاول أن تقيس ذلك على نفسك وتعرف أين أنت سائر في هذه الحياة الدنيا؟ وهل أنت ممن أراد الله عز وجل بهم الخير؟ ومن أراد الله به خيراً وهب له العقل وحبب إليه العلم. وهب الله عز وجل له ماذا؟ العقل، وهذه نعمة عظيمة لا ألف إلا من حرمها. العقل أيها الأحبة أن تزن الأمور بالموازين الصحيحة، وأن تعرف المصالح من المفاسد، وأن تعرف أين تتكلم وأين تسكت وأين تقدم وأين تحجم، هذا العقل موهبة ونعمة عظيمة من الله سبحانه وتعالى. ولا يقحم الناس في الفتن وفي البلايا إلا فقدان العقل وعدم الرجحان فيه. طبعاً العقل لابد من أن يجتمع معه الشيء الآخر الذي ذكره قال: وحبب إليه العلم. فمن يحضر المجالس العلمية ومن وفقه الله عز وجل لطرق أبواب العلم، فهذا بإذن الله هو علامة خير وإرادة خير من الله سبحانه وتعالى له، أن حبب إلى قلبه العلم.

لا أظن أيها الحبيب أن القدوم إلى مجالس العلم فقط هذا أمر عادي، أن حبب الله عز وجل إليك الجلوس في هذه المجالس هي إرادة خير. كثير من الناس يسمع مجالس علم، مجالس وعظ، مجالس آداب، يزهد. أقول لك يعني ناقصنا كلام وسواليف، عاد الإنسان يشتغل بالدنيا بأموالها، بزوجاتها، بملذاتها، يجلس بالكلام، له حبب الله عز وجل إليه اللغو، حبب الله عز وجل إليه الكلام الفارغ، حبب الله عز وجل إليه التلفاز والمقاطع والصور والملهيات، حببها الله عز وجل إليه. هو محروم لكنه لا يشعر بأنه محروم. وإنسان آخر حبب الله عز وجل إليه العلم والعبادة والسلوك وقيام الليل والذكر، هذه نعم وهذه هدايا، وشتان بين هذا وبين هذا. من أراد الله به خيراً وهب له العقل وحبب إليه العلم.

قال: وحباه بالإشفاق. انظروا هذه الصفات، قال: وحباه بالإشفاق، رزقه الله كذلك إشفاقاً بالخلق، ورزقه إشفاقاً من لقاء الله. فالإشفاق على نوعين، إشفاق من الله سبحانه وتعالى وخوف منه، وهذه من علامات إرادة أن يكون العبد مشفقاً دائماً من الله. ثانياً يكون مشفقاً بخلق الله سبحانه وتعالى، يعني حريصاً ليناً سهلاً معهم، كذلك قلب واستعمله وفق أن يكون كما قلنا ودندنا أن يكون رفيقاً بخلق الله عز وجل سهلاً معهم، فهذه من صفات الإنسان الخير.

قال: وأغناه بالقناعة. من إرادة الخير بالعبد أن يغنيك الله عز وجل بهذا الكنز العظيم، كنز القناعة. أن تقنع كما قلنا أينما وضعك الله، وضعك في الغنى تقنع، وضعك في الفقر تقنع، رزقك مالاً تقنع، رزقك ذرية تقنع، لم يرزقك المال لم يرزقك الذرية لم يرزقك الصحة، دائماً أنت قنوع بما قسمه الله عز وجل لك. فهذا من علامة الخير ومن علامة إرادة الله عز وجل السعد لهذا العبد. وفي النهاية قال: وبصره عيبه. كذلك من علامات العبد الخير ومن علامات إرادة الله الخير بالعبد أن يبصره بعيوب نفسه، فيعرف هذا العيب في غيره لأن كثيراً من الناس يتغافل عن عيوبه أو يحجب الله عز وجل عنه معرفة العيوب، فتبقى هذه العيوب في قلبه إلى أن تفضحه أو إلى أن توقعه في المهالك. نسأل الله السلامة والعافية.

أختم هنا بقصة فقط عن فضل العلم وفضل العقل، يعني أعجبتني هذه القصة نذكرها دائماً، يقولون يعني من باب أصحاب الحديث يقول: إذا فتحت المجلس فافتتحه بقصة وإذا اختتمته فاختتمه بقصة حتى تروح عن القلوب، فإن القلوب تمل. فمثلاً القصة في كما قالوا تحبيب العلم حتى نحبب الشباب في العلم. يقول الشيخ عبد الفتاح ابتداءً وهذا كلام السلف رحمهم الله: أن الاشتغال بنافلة العلم من اشتغال بنافلة العبادة. يعني أنشغل الإنسان بالعلم وطلب العلم أفضل من أن يشتغل بالعبادة وبكثرة الصدقات والصلوات.

لماذا؟ لأن طبعاً نقول الصدقات كم نجمعها مع العلم، لكن بشكل عام العبادة نعم نفعها يتعلق بك، لكن العلم نفعه متعدد إلى الآخرين، أنت عندما تتعلم تفيد المجتمع، وأما عندما تتعبد في صومعة أو عندما تجلس في بيتك وفي زاوية تذكر الله، هذا خير ومطلوب، وكما لا يمكن الانفكاك يعني طالب علم إلى عبادة أحياناً طالب العلم إذا تكلمت عن طالب العلم أنه أفضل من نوافل العبادة قال لك جاء الفرج، لا في رواتب ولا في ذكر ولا في، لا لا ما نتكلم بهذا المنظور، نتكلم كمقارنة عامة أيهما أفضل؟ هل هو نوافل العلم أم نوافل العبادة؟ قال نوافل العلم. لأن العلم كما قلنا فيه نفع متعد، نوافل العبادة نفعها يتعلق بالإنسان.

الربيع بن سليمان المرادي تلميذ الإمام الشافعي يقول: سمعت الشافعي يقول: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل يقول: جاء أبو زرعة الإمام المحدث الكبير أبو زرعة الرازي جاءني يزور أحمد بن حنبل، جاء في زيارة خاطفة إلى أحمد بن حنبل في بغداد. قال لما قدم أبو زرعة نزل عند أبي، يعني نزل في ضيافة أحمد بن حنبل، فكان أحمد كثير المذاكرة له، فسمعت أبي يوماً يقول: ما صليت اليوم غير الفرض. يعني حتى الرواتب ما صلاها أحمد بن حنبل، يقول صليت اليوم إلا صلاة الفريضة فقط. لماذا؟ قال: استأثرت بمذاكرة أبي زرعة على نوافل. يعني استأثر بالعلم على نوافل. طبعاً هذه يعني كما قلنا في سياقه المحدد تفهم، لأنه الآن أبو زرعة ضيف وسيذهب، وإذا ذهب أنت زمان ما تظن أن الأمر سهل تواصل وتليفونات وكذا، ذهب أبو زرعة ما يعود لسنين، فأحمد بن حنبل أراد أن يستغل كل لحظة مع أبي زرعة الرازي، فقال الرواتب والصلوات والعبادات ملحقين بعد ما يروح أبو زرعة الرازي نعود نفعل.

أما أبو زرعة الرازي، فالجلسة معه لا تفوت ولا يمكن أن تعوض. نختم بقصة ابن وهب؛ ابن وهب -أيها الأحبة- كان قد قسم دهره أثلاثًا، وابن وهب من تلاميذ الإمام مالك بن أنس، إمام كبير من أئمة المالكية. كيف قسمها؟ قال: ثلث في الرباط، وهذي لا تحتاج إلى تعليق، ثلث أين أيها الأحبة؟ في الرباط جيد، وثلث يعلم الناس بمصر تفريغًا لتعليم الناس الخير، وثلث بالحج، هكذا حياته. وذكر أنه حج ستًا وثلاثين حجة، جميل.

قال ابن أخيه: الآن ابن أخي عبد الله بن وهب يذكر لنا هذه القصة التي حدثت مع الإمام ابن وهب رحمه الله تعالى، قال: كنت معه بالإسكندرية مرابطًا -إيش كان يفعل في الإسكندرية يا عبد الرحمن؟- مرابطًا على ثغور المسلمين. هكذا كان العالم في زمانهم، كان مرابطًا على ثغور المسلمين. كنت معه بالإسكندرية مرابطًا، فاجتمع الناس عليه يسألونه عن نشر العلم، فقال لي -وهو يتكلم مع ابن أخيه- قال: هذه بلد عبادة وقل ماء، أمهد لنفسي فيه مع شغل الناس؟ فترك الجلوس لهم في الأوقات التي كان يجلس. يعني جاء الناس ليسألوه في الإسكندرية، طبعًا إمام كبير بلغت شهرته الآفاق، فعندما ذهب في الرباط على ثغور المسلمين بالإسكندرية جاء الناس ليتعلموا منه العلم، ابن وهب كأنه جاء عليه خاطر يقول له: إني لا أريد أن أضيع هذه الفترة من هذا الرباط في تعليم الناس العلوم الشرعية، أريد أن أتفرغ للرباط وللعبادة لله سبحانه وتعالى، أريد فقط في هذه الفترة أن أختلي بربي عز وجل، فقال: ترك المجالس التي كان يجلسها لتعليم الناس الخير.

قال: فبعد يومين لما قرر أنه يترك هذه المجالس، جاءه إنسان فأخبره أنه رأى نفسه في مسجد عظيم نحو المسجد الحرام. يعني جاء رجل لابن وهب قال له: رأيت نفسي يا ابن وهب في مسجد كبير عظيم يشبه المسجد الحرام، ليس المسجد الحرام ولكنه يشبهه، والنبي صلى الله عليه وسلم فيه، وأبو بكر عن يمينه وعمر عن شماله، وأنت يا ابن وهب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، قال: وفي المسجد قناديل تزهر، أحسن شيء وأشدها ضياءً، إذ خفت منها قنديل، إذ خفت منها قنديل فانطفأ. يعني هذا المسجد الذي كنا جالسين فيه في هذه الرؤيا كان فيه قناديل ومصابيح.

كان من الذي جالس في المسجد؟ النبي صلى الله عليه وسلم، أبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وابن وهب بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فبينما نحن جلوس، أحد هذه القناديل طفأ، ذهب عنه النور، وأذهب الله عز وجل عنه نوره، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لك يا ابن وهب -عبد الله بن وهب- قال النبي صلى الله عليه وسلم لك: قم يا عبد الله فأوقده، قم أشغل هذا السراج وأشعل هذا السراج الذي طفأ، قال: فأوقدت، ثم آخر كذلك، أشعل هذا السراج، أخمد سراج آخر، قال: ففعل ابن وهب نفس الأمر، قام فأشعله، ثم آخر كذلك، ثم أقمت أيامًا فرأيت القناديل كلها همت، فرأيت القناديل كلها همت أن تطفأ. يعني كان هذا حال ابن وهب، إذا جلس عاد جلس بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، يأتي قنديل آخر ليطفأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول لابن وهب: قم أشعل هذا القنديل، وبعد ذلك كل القناديل أطفأت، كل القناديل في المسجد أطفأت.

طيب، فقال أبو بكر -أبو بكر الصديق- يكلم قال: يا رسول الله أترى هذه القناديل؟ فقال صلى الله عليه وسلم -يعني أبو بكر إيش تقول للنبي صلى الله عليه وسلم؟ شايف يا رسول الله كل هذه القناديل أطفأت- فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عمل عبد الله بن وهب يريد أن يطفئها، هذا عمل عبد الله بن وهب يريد أن يطفئها. كيف يريد أن يطفئها؟ بترك الجلوس لتعليم الناس، فهذا هو قصة هذا المثل.

انظروا، قال: فبكى ابن وهب، فقال له الرجل: جئت لأبشرك. عاد الرجل ما هو فاهم تفسير الرؤيا، هو يعني هو رجل من عوام المسلمين، جاء ابن وهب قال: لو ترى يا شيخ شفت هيك هيك في المنام، شفتك قاعد بين النبي صلى الله عليه وسلم في قناديل وظن أنه إذا قام أشعلها يعني هذا أمارة خير له، الرجل لم يكن يعرف تفسير الرؤيا. فعندما أخبر ابن وهب إذا سقط -يعني ابن وهب يبكي بكاءً شديدًا- فالرجل يقول: جئت لأبشرك، أنا نظرت أنها رؤيا فيها خير، لكن بشارة لك فجئت لأبشرك، ولو علمت أنه يهمك لم آتك، فقال: خير، هذه رؤيا وعظت بها، ظننت أن العبادة أفضل من نشر العلم، فترك كثيرًا من عمله للعلم وحبس نفسه لهم يقرأون عليه ويسألونه. انظروا إذا ابن وهب، سبحان الله! الله عز وجل يبارك في هؤلاء العلماء، فيبين لهم طريق الصدق. يعني انظروا لما يكون الإنسان مخلصًا أيها الأحبة، ييسر الله عز وجل حتى من عالم الغيب ومن عالم الأحلام ومن عالم الرؤى من يوفقه إلى درب السعادة ويعيده إليه من جديد، نحسبهم الله حسيبهم كانوا على صدق. أراد أن ينشغل بالعبادة ويترك العلم، فالله عز وجل أرى هذا الرجل من عوام المسلمين رؤيا اذهب إلى ابن وهب ليخبره بهذه القصة، فاتعظ بها ابن وهب.

أختم، قال ابن وهب: انظر إذا ابن وهب من تلاميذ مالك بن أنس، وانظروا إلى فقه مالك بن أنس؛ قال: كنت بين يدي مالك أكتب العلم فأقيمت الصلاة، وفي لفظ آخر: فأذن المؤذن وبين يديه كتب منشورة، قال: فبادرت إلى جمعها، يعني ابن وهب يقول: كنا نكتب فأذن المؤذن صلاة من الصلوات، فابن ماذا يفعل الناس؟ قال: بدأت أجمع كتب الناس وأخذ الطلبة أنه خلص أذن الأذان، فمالك يقول له: وين، ابن وين ماخذ كل الكتب ورايح؟ يعني مالك بن أنس يعاتب ابن وهب على هذه الطريقة أنه أول ما سمع الأذان قام فجمع الكتب فأغلقها، ماذا يقول مالك بن أنس؟ قال: فبادرت إلى جمعها، فقال لي مالك: على رسلك، فليس ما تقوم إليه بأفضل مما أنت فيه إذا صحت فيه النية. يعني ليس لما تقوم عليه -هو الظاهر أيها الأحبة أنها كانت أذانًا وليس إقامة- أذن الأذان فكان ابن وهب أراد أن يغلق الكتب حتى يقوم ليصلي بين الأذان والإقامة، فلما أول ما سمع الأذان أغلق الكتب ولها كما نفعل نحن عادة، فماذا قال له مالك؟ قال: وعلى رسلك، لماذا أنت مستعجل في إغلاق الكتب؟ فجلوسك لإكمال هذه المسائل العلمية خير مما أنت تقوم إليه من هذه الصلوات، أو على الأقل ليس قيامك أو ليس جلوسك لإكمال هذه المسائل العلمية أفضل أو أقل، نقول: أو أقل من قيامك لماذا؟ للصلوات.

فعلى الإنسان أيها الأحبة أن يفهم -طبعًا هذا الكلام في سياقه المحدد- يعني بعض طلبة العلم يقول: إذا حلت ما في الصلاة إلا هذه إقامتها نذهب، أو أن تفهمها في سياقها المحدد، هو أراد مالك بن أنس أن يوصل رسالة لابن وهب بهذه الكلمة، لم يرد أن يقول لابن وهب: لا تبادر إلى الصلوات، ولم يرد أن يقول لابن وهب: لا تستعجل في مبادرتي إلى طاعة الله عز وجل بالرواتب. هو فقط أوصل له رسالة بطريقة واضحة، قال له: قيامك إلى ما أنت فيه من العبادة إلى الصلاة ليس بأفضل من جلوسك لطلب العلم. أراد أن يعلمه أن طلب العلم أفضل من النافلة، هذا الذي أراد أن يوصله، ولم يرد كما قلنا أن يحبطه أو أن يثبط من همته للاستعجال إلى الصلوات؛ فهم أصلاً كانوا هم أصحاب المبادرة، نسأل الله أن يعيننا على طاعته وأن يشغلنا بعلمه وأن يوفقنا لما يحبه ويرضاه. وكما قلنا المجلس الأخير هو المجلس القادم بإذن الله سبحانه وتعالى، نسأل الله أن يتمم على خير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.