والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن هم يسمعون كلامه وسلامه. الحمد لله الذي جعلنا بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أزكى البشرية، علمكم في رحمة للعالمين ومحجة للسالكين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. حياكم الله أيها الأحبة في هذا المجلس الأخير بإذن الله عز وجل في شرح هذه الرسالة المباركة، رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسعد المحاسبي رحمه الله تعالى.
وبعد أن عشنا في أبناء هذه الرسالة المباركة وفي منازلها الطريق الذي سلكناه من الله سبحانه وتعالى، وتعرفنا على طرقه ومنازله ودروبه مع هذا الإمام الذي أرشدنا وعلمنا برحلة مباركة انتهى من المطاف إلى خلاصة هذه الرسالة، انتهى بنا المدار إلى خلاصة هذه الرسالة. تكلمنا أيها الأحبة فيما مضى من المنازل عن منزلة المحبة وعن منزلة التقوى وعن المحاسبة وعن الاستقامة، وتكلمنا عن الصبر وتكلمنا عن القناعة وتكلمنا عن الإخلاص وتكلمنا عن الصدق، لأن هي منازل كثيرة مررنا في دروبها في هذه الرسالة المباركة، أشار المحاسبي إليها مرات وكرات، ومعيداً ومؤكداً وموضحاً ومنبهاً. وجاء الآن ليلخص لك هذه المقامات، وما أصلها وما فرعها؟ وما هي منازلها التي ينبغي عليك أن تنزل فيها؟
فقال رحمه الله تعالى: واعلم رحمك الله أن الصدق والإخلاص أصل كل حال، فعن الصدق يتشعب الصبر والقناعة والزهد والرضا والأنس، وعن الإخلاص يتشعب اليقين والخوف والمحبة والإجلال والحياء والتعظيم. إذاً أيها الأحبة خلاصة هذه الرسالة يقول لنا الحارث المحاسبي: أساس الطريق إلى الله عز وجل ابتداء في مقامين، وأما مقام الصدق ومقام الإخلاص، مقام الصدق ومقام الإخلاص هي أساس المقامات. هذان المقامان أساس المسير إلى الله عز وجل على وفقهما.
والسؤال الذي ربما يدور في ما الفرق بين الصدق والإخلاص؟ أليس الصدق هو الإخلاص أم هناك فرق بينهما؟ في التحقيق أيها الأحبة بينهما تلازم ولكن الإخلاص هو توحيد المطلوب، والصدق هو توحيد الطلب. الإخلاص هو أن توحد مطلوبك، فيكون المطلوب هو الله سبحانه وتعالى، هذا هو الإخلاص، أن توحد المطلوب فلا تطلب في هذه الدنيا إلا وجه الله عز وجل، تنقي هذا القلب، تخلص هذا القلب من كل مطلوب إلا الله عز وجل، لا تطلب مالاً ولا تطلب جاهاً ولا تطلب مدح الناس ولا ثناءً ولا تطلب الصيت والشهرة ولا تطلب شيئاً إلا مطلوباً واحداً وهو الله سبحانه وتعالى، هذا هو الإخلاص، توحيد في المطلوب.
وأما الصدق فهو توحيد في الطلب. ما معنى توحيد في الطلب؟ يعني وأنت في سيرك إلى هذا المطلوب الواحد تكون صادقاً في طلبك جاداً فيه، ليس مدعياً ولا متشاغلاً عنه بسواه، ولا متشاغلاً عنه بسواه، هذا صدق في الطلب. لأن الإنسان أيها الأحبة ابتداءً قد يكون مخلصاً لله سبحانه وتعالى، يعني عنده توحيد في المطلوب، ولكن في سيره إلى الله عز وجل لا يسير بصدق، يسير بكسل وبضعف، وفي سيره ينشغل ببنيات الطريق، وفي أمور لا تعينه على مطلوبه الوحيد. ففي الحقيقة بينهما نوع اختلاف، فالصدق كما قلنا أن تكون صادقاً جاداً نشيطاً في ولائك لله سبحانه وتعالى وألا تشتغل عنه ببنيات الطريق، وأستطيع أن أقول أن هناك نوع تلازم، فكلما كثر انشغالك في طريقك إلى الله ببنيات الطريق، بالدنيا وبأموالها وبملذاتها، فهذا دليل على ضعف في إخلاص المطلوب أيضاً، هذا دليل على ضعف في إخلاص المطلوب.
فالمحاسبي يريد أن يفرق بين الإخلاص والصدق، وهذا صحيح، ولكن بينهما فلا نستطيع أن نقول هما منزلتان متباينتان تماماً، ولا نقول أيضاً هما اسمان مترادفان، بل بخلاصة الكلام أن الإخلاص أن تطلب مطلوباً واحداً وهو الله، وأن الصدق أن تصدق في طلبك لهذا المطلوب، وكلما كنت صادقاً في طلبك لله عز وجل فهذا دليل صدقك على إخلاصك في مطلوبك. جميل. الآن إذاً يقول المحاسبي رحمه الله تعالى أساس الطريق إلى الله إذاً هو توحيد في المطلوب وتوحيد في الطلب، ومن هذين المقامين تنشأ جميع مقامات العبودية الأخرى.
فما الذي ينشأ عن الصدق؟ انظروا كيف مقامات العبودية ترتبط مع بعضها بعضاً. يقول عن الصدق ينشأ ويتشعب الصبر والقناعة والزهد والرضا والأنس، هذه المقامات كلها منشأها الصدق. وعن الإخلاص ينشأ أيها الأحبة مقامات أخرى، قال وعن الإخلاص يتشعب يعني الإخلاص يثمر لنا وينتج لنا اليقين والخوف والمحبة والإجلال والحياء والتعظيم، إذاً هذا معنى هذه الفقرة التي ابتدأ بها خلاصته.
ثم بعد ذلك انتقل فقال: ولكل مؤمن في هذه المقامات موطن يعبره ويعرف به حاله، فيقال له خائف وفيه الرجاء، وراج وفيه الخوف، وصابر وفيه الرضا، ومحب وفيه الحياء، وقوة كل حال وضعفه بحسب إيمان العبد ومعرفته. يريد أن يقول لك المحاسبي: كل مقام من مقامات العبودية، سواء كان هذا مقام الصدق أو الإخلاص أو المقامات التي تتشعب عنها من المحبة والحياء والخوف والخشية من الله سبحانه وتعالى ومن مقام القناعة والزهد والقناعة وغير ذلك، كل هذه المقامات أيها الأحبة لها منازل.
هذه المقامات لها منازل لابد لكل سالك لطريق المسترشدين أن ينزل في هذه المنازل إذا أراد أن يتحلى بهذه المقامات والأحوال، لا يمكن للإنسان أن يدعي مقاماً من هذه المقامات ولا أن يدعي مرتبة من مراتب العبودية قبل أن ينزل في مواطنها وقبل أن يعرف حالها وأن يساكن روادها، هكذا أيها الأحبة تحصل هذه المنزلة وهذا المقام العبودية. أما الأدعياء فكثر، الأدعياء كثر وكلنا فينا دعوى، كلنا نقول أننا نحب الله، وكلنا نقول أننا نخشى، وكلنا يعني نزكي أنفسنا بالزهد والقناعة والتواضع، وأننا نخشى الله عز وجل حق الخشية ونجله حق الإجلال، هذا كلام كلنا ندعيه، فنحن أدعياء، والأدعياء أيها الأحبة إذا لم يأتوا بالبينات على دعاواهم فسيبقون في مرتبة الأدعياء، والبينات في أن تنزل في مقامات كل منزل من هذه المنازل.
لا يمكن أن تكون محباً حتى تعرف منازل المحبة، ولا يمكن أن تكون متواضعاً حتى في منازل المتواضعين وتتعرف على حالهم، ولا يمكن أن تكون صادقاً ولا مخلصاً ولا قنوعاً ولا تقياً ولا شكوراً، كل هذه المراتب لا يمكن أن تدعيها صادقاً إلا بعد أن تنزل في مواطنها، وهذا الذي يقوله لك المحاسبي. يقول ولكل مؤمن في هذه موطن يعبر به، إذاً هناك منازل ومواطن تمر بها في هذه المقامات، إذا مررت بهذه المواطن وسكنت فيها حينئذ يمكنك أن تقول أنك وصلت إلى المحبة أو وصلت إلى اليقين أو وصلت أو وصلت، وإن كان الإنسان أيها الأحبة في هذه الحياة الدنيا يتهم نفسه بالنقص، فمهما عاش في تلك المقامات فإنه لن يؤدي لله عز وجل حق قدره.
وهذه المقامات كما يشير الحارث المحاسبي رحمه متداخلة، يعني هل يمكن للإنسان أن يكون محباً ولا يوجد عنده خوف؟ وهل يمكن أن يكون عنده رجاء ولا يوجد عنده خشية؟ وهل يمكن أن يكون عنده قناعة ولا يوجد عنده رضا بقضاء الله وقدره؟ هذا الفصل بين المقامات غريب ولا يمكن أن يكون في طريق المسترشدين. لذلك يقول لك الإنسان في مواطن المقامات لا يمكن أن يخلو بحال عن حال، يكون فقط في هذا المقام ولا يريد المقام الآخر ويكون سوياً في طريقه، فكيف يكون المسترشد في حاله؟ قد يقال له خائف وفيه الرجاء، إذاً هناك خائف ولكن عنده رجاء بالله، وفي المقابل يقال راج وفيه الخوف، إذاً الإنسان يوصف بأنه خائف ولكن مع ذلك عنده رجاء برحمة الله، ويوصف بأنه راجٍ لله عز وجل ومع ذلك لابد أن يكون عنده خوف، وكذلك يوصف بأنه صابر وعنده الرضا، ويوصف بأنه محب وفيه الحياء.
فمقامات هذا الطريق الذي تكلمنا عنها أيها الأحبة لا يمكن أن تنفصل، لا يمكنك أن تأتي إلى جزء من كلام الحارث المحاسبي في فقرة من التي مرت معنا تقول أريد فقط أن أبذل هذا المنزل وأن أمر بهذا الموطن ولا أريد أن أمر بالمواطن الأخرى، هذا لا يصلح. أنت إذا تعلمت طريق المسترشدين وتعرفت أحوالهم وعرفت مقامات العبودية عليك أن تسعى أن تلج في كل هذه المواقف وأن تعبر على كل هذه المنازل حتى يكون إيمانك كاملاً، وإنما اختلف الناس بإيمانهم وتباينوا في مراتبهم عند الله سبحانه وتعالى بقدر كمالهم في مقامات العبودية.
قل له أنس: لماذا أبو بكر الصديق فاق الناس؟ ولماذا الصحابة فاقوا من بعدهم؟ ولماذا التابعون فاقوا من بعدهم؟ لأنهم كانوا أيها الأحبة يلجون مقامات العبودية بهذه الشمولية، لم يكونوا يرضون بحال دون حال ولا بمقام دون مقام، أما نحن في هذه الحياة الدنيا فإننا نحاول أن نختصر المسافات فنقف على الأطلال ونقف على الشواطئ ولا نلج في هذه المنازل. ومن ورد منا في منزل فإنه يستحي أو يتباطأ من أن يلج في آخر، فالحارث المحاسبي يعطيك هذه الوصية، عليك أن تمر وأن تدخل في منازل هذه المقامات إذا أردت أن تكون متحلياً بها صادقاً، وعليك ألا تفصل بين هذه المنازل، فلا تفصل بين منزلة الرضا ولا منزلة الصبر ولا منزلة القناعة ولا منزلة الزهد، بل تكون متحلياً بشموليتها، ثم بعد ذلك سيبدأ رحمه الله إلى آخر الرسالة تفصيلاً.
نحن الآن إذاً قلنا لكل مقام من مقامات العبودية منازل يتميز بها وعلامات تتسم بها. طيب أنا الآن أريد أن أدخل في هذه المقامات وأريد أن أدخل في منازل العبودية، إذاً علي أن أتعرف ما هي علامات كل مقام من هذه المقامات، فما هي علامات المحبة وما هي منازلها؟ وما هي علامات الصدق وما هي منازلها؟ وما هي علامات الزهد وما هي منازلها؟ وما هي معالم اليقين وما هي المنازل هذه المرتبة لكل مقام من مقامات العبودية؟ منازل أيها الأحبة. نحن في الشهور الماضية حاولنا أن نأخذ كل من هذه المقامات نتكلم عنه ونذكر قصصاً حوله نفصل فيه، اليوم بإذن الله سنقوم بسرد ما ذكره رحمه الله تعالى، فهو إنما هو تلخيص فيما سبق بيانه في الدروس الماضية.
فنبدأ إذاً بهذه المقامات واحداً واحداً، يقول المحاسبي ولكل أصل من هذه الأحوال ثلاث علامات يعرف بها الحال، ايش يقول؟ كل مقام المقامات العبودية أو حال من الأحوال، طبعاً أيها الأحبة لاحظوا أحياناً أقول مقام وأحياناً أقول حالة، وفي الحقيقة عند علماء السلوك هناك خلاف هل المقام والحال شيء واحد؟ أو المقام قبل الحال أو الحال قبل المقام؟ يعني يذهب كثير منهم إلى أن المقام هو أول الطريق للعبد في المنزلة، يعني أول ما تنزل في هذه المنزلة نقول أنت في مقام الصبر، إذا تمكنت من هذه المنزلة وصار الصبر ملازماً لك وصفة فيه نقول أصبح الصبر له حالة، فالمقام والحال هذه مراتب.
في أول المنزل نقول أنت في مقام ما زلت لم تتمكن في مقام الصبر، إذا تمكنت وأصبح الصبر لك سجية وحالاً منطبعاً عليه نقول أصبحت في حال الصبر، إذاً فالفرق بين المقام والحال في المرتبة، فالمقام هذا مرتبة المبتدئين، والحال هذا منزلة المنتهي، فمن دخل ابتداءً في الطريق أو في المنزلة سواء كانت منزلة الصبر أو الخشية أو الخوف أو الرجاء أو المحبة نقول هذا في مقام المحبة، في مقام الخوف، في مقام الخشية، في مقام الإنابة. إذا تمكن من هذه المنزلة تمكناً وتضلع منها تضلعاً تصبح حالاً في حقه. إذاً فالفرق بينهما فقط في المرتبة وهذا كما ذهب إليه طائفة من أهل العلم، وهناك خلاف لا يهمنا كثيراً أن نريده هنا، المحاسبي يستخدم كلمة الحال يستخدم كلمة الحال ولا يستخدم أن هو مجرد معنى في نصوص أو في فقرات مضت تعبيره بالمقام، عندما قال لا تنظر إلى أن عندك مقام عند الله سبحانه وتعالى مر معنا في فقرة مضت، الآن هو يعبر بالحال، فعليك ألا تفرق بينهما إلا كما قلنا في المرتبة.
يقول المحاسبي هذه الأحوال وهذه المقامات لها ثلاث علامات تعرف بها، فبدأ رحمه الله بمرتبة الصدق وبمقام الصدق أو حال الصدق كما تشاء، فماذا قال؟ يقول فالصدق في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به، ما هي؟ قال صدق القلب بالإيمان تحقيقاً، أولاً أن تكون صادقاً في إيمانك في إيقانك بالله سبحانه وتعالى، شعور قلبي أنك صادق أن الله موجود، وأن الله عز وجل يأمر وينهى، وأن الله عز وجل سيميتني وسيبعثني إلى يوم آخر، إذاً الإيمان بجملته لابد أن تكون صادقاً في إيمانك وليس مدعياً فقط والقلب غافل عن هذه الحقائق الإيمانية، إذاً صدق القلب بالإيمان تحقيقاً.
قال ثانياً صدق النية في الأعمال، صدق النية في الأعمال أن تكون كذلك صادق النية في العمل، والمراد بالصدق هنا في الحقيقة يعني أن تكون جاداً في العمل، لأن الإخلاص سيأتي معنا الإخلاص في النية هذا الشيء وهنا يتكلم عن صدق النية، صدق النية عندما تنوي أن تفعل فعلاً تنوي بعزم وبجد وبمثابرة، ولا تنوي وأنت بنية مترددة متلكئة، تتلكأ هنيهات قبل أن تقوم بالطاعة والعبادة لله سبحانه وتعالى، إذاً الصدق قالوا كذلك صدق النية في الأعمال.
كذلك المنزلة والعلامة الثالثة من علامات الصادقين صدق اللفظ في الكلام، وهذا واضح أن يكون الإنسان إذا تكلم بكلام صادقاً مع الناس وصادقاً مع نفسه ومع الله عز وجل، فلا تتكلم بكلام وأنت كاذب، ومن أعظم الكذب الكذب على الله سبحانه وتعالى، كم مرة تقول يا رب أنا أحبك بلسانك وأنت في قلبك غافل معرض في لذاتك وشهواتك، هل هذا إنسان صادق في اللفظ أيها الأحبة؟ إنسان منغمس في.
ولذاته وأهوائه، ومنصرف بكليته عن ربه. ويقول بعد ذلك: يا رب أنا أحبك. إذاً هذا عليه أن يراجع: هل هو صادق في اللفظ؟ فالصدق في اللفظ لا تحمله فقط على الصدق مع الناس، بل احملها؛ لأن أنا صادق عندما أخاطب الله سبحانه وتعالى وأدعي المحبة وأدعي التوبة، وهل أنا صادق عندما أتحدث مع الآخرين؟ إذاً هذه علامات الصدق. عليك أن تتحقق: هل أنا ممن ورد مقام الصدق؟ وهل أنا بهذه الخصال؟ هذا اختبار وترخيص لما سبق له؛ الصدق في الإيمان، والصدق في النية عند الأعمال، والصدق في اللفظ في الكلام.
ثم انتقل إلى مقام الصبر، فقال: والصبر، ما هي علامات الصبر حتى نعرف هل نحن في هذا المقام أو لم ندخله بعد؟ قال: والصبر في ثلاثة أشياء لا تتم إلا به. الصبر عن محارم الله، وهذا مر معنا، الصبر على ثلاثة أنواع: الصبر عن المعاصي وعن محارم الله عز وجل فلا نتبع الهوى، وإنما نجيب دعاء الله سبحانه وتعالى. إذاً الصبر عن محارم الله التي حرمها علينا.
ثانياً قال: الصبر على اتباع أمر الله، فهناك نواهي نصبر عن محارم الله، وهناك أوامر من الصلاة والزكاة وقيام الليل وقراءة القرآن والصدقات نصبر على فعلها، فلاحظ الصبر عن المحرمات والصبر على فعل الطاعات. وثالثاً قال: والصبر عند المصائب احتساباً لله سبحانه، هذه هي علامات الصابرين الذين يصبرون عن المعاصي ويصبرون على فعل الطاعات ويصبرون على أقدار الله سبحانه وتعالى وما ينزله بهم من البلاء في هذه الدنيا.
ثم انتقل إلى القناعة، فقال: والقناعة في ثلاثة أشياء، ننظر هل نحن في طريق القناعة؟ أولاً قال: قلة الغذاء بعد وجوده. وفي الحقيقة في أكثر من نسخة وجدت قلة الغذاء بعد وجوده، وأنا في الحقيقة ذهبت إلى تلك النسخة الأخرى وجدتها أوضح في العبارة: قلة الغذاء بعد وجوده، وإن كانت هذه العبارة قد تحتمل، ولكن وجدت قلة الغذاء بعد وجوده أو ضعف ما يريده بعد ذلك المحاسبي. يقول لك: القناعة، أول علامة من علاماتها قلة الغذاء بعد وجوده. ما معنى هذا الكلام؟ هذا سؤال لكم للجمهور؛ قد ما كنت قنوع أصلاً، يعني حتى لو أجاءك هذا الشيء ما يعني عادي بالنسبة لك. ما معنى قلة الغذاء بعد وجوده؟ بهذه اللغة ما معناها؟
طيب، ما معنى بعد وجوده؟ يعني ماذا يعني؟ ما وجه القناعة بها؟ وقبل الغذاء، أيوه يعني الطعام، يعني الغذاء بشكل عام، افهم الغذاء بمفهومي هذا العام، الاقتصاد في الطعام يعني. أحسنت، هذا هو الذي يريد بالتضحية شيخ أيمن؟ أيوه أحسن. طيب هو يريد أن يقول لك الإنسان القنوع هو الذي لا يتوسع في المباحات. الإنسان القنوع، أول علامة حتى تعرف هل أنا إنسان عندي قناعة؟ أني لا أتوسع في المباحات، وهذا سيأتي عليه بعد ذلك، أن الإنسان صاحب القناعة ومن مراتب القناعة ألا يأخذه الفضول في الاتساع؛ يعني عندما أنعم الله عز وجل عليه بالمال أو بالغذاء وبالصحة وبالعافية، فإنه لا يتوسع في فعل المباحات، بل يكون قنوعاً يأخذ منها بقدر حاجته. فهكذا كان المحاسبي يقول لك: عليك أن تقلل الغذاء إذا وجدته. طب إذا لم أجده وكنت معدماً وكنت فقيراً؟ ماذا قال؟
إذاً العلامة الأولى: قلة الغذاء بعد وجوده. العلامة الثانية من علامات القناعة قال: صيانة الفقر عند العدم وفقد الأسباب. طب يعني إذا كنت غنياً فإنك لا تتوسع في المباحات وتأخذ بقدر حاجتك. طب إذا كنت فقيراً لم أجد، كنت معدماً، لم يفتح الله عز وجل علي بأبواب الرزق الكثير، قال: عليك أن تصون فقرك. ما معنى صيانة الفقر أيها الأحبة؟ صيانة الفقر يقصد بها ألا تتسخط على أقدار الله عز وجل، وأن ترضى بما قسمه الله عز وجل لك في هذه الدنيا من حظوظ الرزق. فهذا معنى صيانة الفقر؛ يعني ألا تسيء لهذا الفقر الذي ابتلاك الله عز وجل به بالتسخط على أقدار الله والتذمر وعدم الرضا بهذا المقام الذي وضعك الله عز وجل فيه. فإذاً إذا كنت غنياً لا تتوسع في المباحات، وإذا كنت فقيراً عليك أن تصون فقرك من التسخط والاعتراض على الله عز وجل، وأن تجعل غناك حينئذ في قلبك، لأن المؤمن غناه في قلبه ليس غناه في يده ولا في ماله ولا مناصبه، وإنما غناه غنى القلب، فيصون فقره بهذه الطريقة.
ختم قال: والعلامة الثالثة السكون إلى أوقات الله عز وجل مع حلول الفاقة. السكون إلى أوقات الله؛ ما معنى أوقات الله؟ العباد، لا يعني هناك آية أيها الأحبة في القرآن ربما تعيننا على فهم الذي يريده المحاسبي؛ الله عز وجل ماذا قال لموسى: وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ. إذاً هناك إضافة وهي ما معنى ذكر؟ نعم؟ يعني ذكرهم بالنعم والبلايا؛ يعني أيام الله يعني ما يحدثه الله في الأيام من أقدار، ما يحدثه الله في الأوقات والأيام من أقدار، هذا ما نذكرهم بأيام الله. بنو إسرائيل مرت عليهم من أيام الله ما فيه الخير والرخاء والسعادة، ومر بهم من البلايا على يد فرعون وقومه، فالله عز وجل أمر موسى أن يذكر بني إسرائيل بأيام الله عز وجل؛ بأيام الخير يشكر الله عز وجل عليها، وبأيام البلاء التي نجاهم الله عز وجل منها.
وكأن المحاسبي هنا يريد أن يعبر بنفس التعبير، قال: والسكون، يعني أن تطمئن إلى ما يحدثه الله عز وجل من الأقدار مع حلول الفاقة. فإذا حلت بك فاقة فعليك أن تطمئن وتسكن إلى الله عز وجل، وتعلم أنه سبحانه وتعالى أرحم بك من نفسك، وأن الله عز وجل لن يدعك ولن يخذلك في طرفة عين. المؤمن يتعامل مع الله عز وجل بهذه الطريقة، بالسكون بالطمأنينة والثقة بالله سبحانه وتعالى، فيسكن إلى ما يحدثه الله في الأوقات وفي الأيام من الأقدار. وإن أدت هذه الأقدار إلى حلول الفاقة، نعم وإن أدت الأقدار إلى حلول الفاقة وقلة الرزق، فليس هذا معناه أن الله سبحانه وتعالى ودعك؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم كان فقيراً، ومع ذلك هو أكرم الخلق على الله عز وجل، فالفقر ليس علامة مقت من الله عز وجل للعبد. فإذا كان أشرف الناس وخيرهم صلى الله عليه وسلم فقيراً، فهل نحن أولى بهذه المنزلة أو لسنا بأولى منها عند الله؟ إذاً فالإنسان المؤمن هو الذي يطمئن إلى ما يحدثه الله عز وجل به في أيامه وأوقاته.
ثم يلخص لك القناعة مرة أخرى، إذا ذكر لك علامات القناعة الثلاث، علامات القناعة إذا كنت غنياً وإذا وجدت شيئاً فإنك لا تتوسع في الاستهلاك كما يقولون، وإن كنت فقيراً تصون فقرك بعدم التسخط على أقدار الله سبحانه، ثم في الجملة تكون ساكناً ومطمئناً إلى ما يحدثه الله عز وجل في الأوقات والأيام من الأقدار. ثم يعيد بعد ذلك الكلام عن القناعة، قال: وللقناعة أول وآخر، يعني كان يريد أن يحد القناعة بين حدين فيقول: فأولها ترك الفضول مع وجود الاتساع، فأولها حد القناعة ابتداء ما هو؟ قال: ترك الفضول مع وجود الاتساع. إذاً هو معنى قولنا: يقل الغذاء مع وجوده.
ما معنى ترك الفضول مع وجود الاتساع؟ يعني إذا وسع الله عز وجل عليك في المال وفي الرزق وفي المنصب وفي الأعمال، فتترك الفضول؛ تترك فضول الطعام وتترك فضول الشراب وتترك فضول المدارس وفضول النظر وجميع هذه الفضول. نعم، أنعم الله عز وجل عليك بنعمة فاستخدمها بحسب حاجتك، استخدمها بحسب حاجتك، وإياك والفضول والتوسع في وقت الوساع؛ فهذا إذاً هو الذي سبق ذكره عندما قال: يقل الغذاء بعد وجوده أو الغنى بعد وجوده إذا صح لها معنى صحيح. طيب، آخر مراتب القناعة، قال: أولها إذا كنت في غنى فأنت تترك الفضول. وإذا كنت في فقر قال: وآخرها، يعني وآخر قناعة وجود الغنى مع القلة وفقد الأسباب؛ لأنهم واحد، كأنهم إعادة صياغة للكلام الذي قاله ابتداء. يعني إذا كنت في فقر وقلت الأسباب وقلت الأيدي وما وجدت ما ينفع، تصون فقرك بماذا؟ بالغنى بالله سبحانه؛ يعني لا تنظر إلى الفقر وإنما اجعل غناك مع خالقك ومولاك سبحانه وتعالى. فهذا معنى قوله: وآخرها وجود الغنى، أي غنى القلب بربه سبحانه وتعالى مع القلة وفقد الأسباب.
قال: ومن هنا قال بعضهم القناعة أعلى من الرضا. يعني هو يقول قال بعض علماء السلوك: القناعة أعلى من الرضا، وفي الحقيقة هو كأنه يأتي بها بصيغة أن المسألة خلافية. وهذا أيها الأحبة من يقرأ في علم السلوك يجد خلافات، لا تظن الخلافات فقط في الفقه؛ اختلف العلماء: هل القناعة فوق مرتبة الرضا أو القناعة هي أول الرضا؟ سليمان الداراني رحمه الله يقول: لا، القناعة أول منازل الرضا. القناعة أول منازل الرضا. هنا المحاسبي رحمه الله يذكر لنا قولاً آخر: لا، القناعة فوق الرضا. فالمحاسبي يحاول أن يجمع بين القولين فيقول: هذا الذي يرى أن القناعة هي فوق الرضا ماذا نقول له؟ قال: وإنما ما أراد قناعة التمام. يعني الذي يقول إن القناعة فوق الرضا هذا الذي يرى أن القناعة هي قناعة التمام. ما معنى قناعة التمام؟ دائماً هذه كتب السلوك عند المتقدمين فيها عبارات يعني غريبة على السمع لا تطرق أسماعنا كثيراً، فتحتاج إلى شرح؛ إن قناعة التمام يقصد بها أن تقنع بالله سبحانه وتعالى بحيث لا تلتفت إلى أحد سواه.
القناعة أيها الأحبة على مرتبتين؛ هناك إنسان قنوع بما قسمه الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا، إذا كان فقيراً فهو قنوع، وإن كان غنياً فهو قنوع، إذا رزقه الله الصحة قنع، وإذا كان سقماً قنع، فهذه قناعة فيما يجلبه الله عز وجل عليك من الأقدار، هذه قناعة، وهذه القناعة هي أول منزلة من منازل الرضا على قول الداراني. واما قناعة التمام، هذا نوع آخر، قناعة التمام هذه منزلة للمحبين لله سبحانه وتعالى، وهي أن تقنع بالله سبحانه عن كل ما سواه، أن تقتنع وأن تكون قنوعاً بعلاقتك مع الله عز وجل عن كل ما سواه. فإذا كنت محباً متصلاً بالله، استغنيت عن كل هذه الحياة الدنيا بملذاتها وشهواتها وأموالها، فهذه تسمى قناعة التمام وهي مرتبة أعلى من القناعة التي يعني ندندن حولها أن تقنع بما قسمه الله عز وجل لك في هذه الدنيا. فالمحاسبي يقول قناعة التمام نعم فوق مرتبة الرضا، وأما القناعة ابتداء قبل الرضا وأول منازل الرضا فعلى الإنسان أن يفرق بينهما.
طيب لماذا قناعة التمام والقناعة بالله فوق منزلة الرضا؟ قال: لأن الراضي لا يتغير في المنح والعطاء، والقانع غني بربه لا يبتغي الزيادة معه من حظ هواه. ما معنى هذا الكلام؟ لماذا يقول قناعة التمام فوق منزلة الرضا؟ قال: لأن الإنسان الراضي أيها الأحبة إذا رزقه الله عز وجل زيادة رضي بها وفرح بها، وإذا لم يرزق زيادة كذلك لم يتغير حاله ولم يتسخط، فهو في حال المنع والعطاء برضا من الله سبحانه وتعالى. أما صاحب القناعة التامة الذي هو قنوع بربه لا يريد سواه، لا، هذا لا يطلب الزيادة، ولا يرغب في الزيادة أصلاً؛ لا يرغب في الزيادة أصلاً إلا في حالة واحدة، إذا كانت هذه الزيادة طريقاً في الوصول إلى الله ومقربة منه، لذلك قال: ولا يبتغي الزيادة، أي مع قناعته بربه، اللهم إلا إن كانت منه إليّ؛ يعني إلا إن كانت هذه الزيادة من الله لتوصّله إلى الله. هذه مرتبة القناعة التامة، إنسان قنوع بربه أحب تلك العلاقة ووجد معها الأنس والطمأنينة والراحة، فعندما وصل إلى مرتبة التامة بالله لا يريد زيادة في هذه الحياة الدنيا، مطلبه فقط أن يجلس مستأنساً مطمئناً بربه عز وجل، فلا يطلب ولا يبتغي زيادة إلا شيئاً واحداً؛ زيادة من الله توصله إلى الله، يعني أي شيء يا رب منك يوصلني إليك أنا أرضاه. أما أي شيء يصرفني عن هذه الحياة عن هذه العلاقة معك فأنا لا أريده من ملهيات هذه الحياة الدنيا، وهذه مرتبة فوق مرتبة الرضا؛ لأن الراضي كما قلنا إذا أصابه خير فرح به فيريده، وإن لم يصبه الخير كذلك كان في منأى فهو راضٍ وانتهى الأمر لا يوجد عنده أي تسخط أو أي تذمر، فإذاً فرق بين المنزلتين لمن انتبه عليه.
ثم انتقل إلى من جديد فقال: والزهد، الآن سنتكلم عن الزهد، قال: والزهد في ثلاثة أشياء. الزهد قال: لا يسمى الزاهد زاهداً إلا بها. ما هي هذه الأشياء؟ قال: أولاً خلع الأيدي من الأملاك، وثانياً نزاهة النفس عن الحلال، وثالثاً السهو عن الدنيا بكثرة الأوقات. وهنا كما قلنا هذا القسم يا أخي من الرسالة قد يكون هو أصعب فقرات الرسالة بسبب غموض العبارات. يقول الزهد في ثلاثة أشياء، متى أكون زاهداً؟ أولاً قال: خلع الأيدي من الأملاك، ما معنى خلع الأيدي من الأملاك؟ قال: أن تصرف يدك عن أن تتملك شيئاً من هذه الحياة الدنيا، أن تصرف يدك عن التملك في هذه الحياة الدنيا؛ لا ترغب في تملك شيء، لا في تملك العمارات ولا العقارات ولا المال ولا كل هذه الحياة الدنيا، فقط تتملك ما يقودك إلى الله عز وجل في هذه الرحلة وما سوى ذلك لا تلتفت إليه. يعني هو في الحقيقة أيها الأحبة ربما يعني أخالف المحاسبي في هذه الجزئية البسيطة إذا سمحتم لي بالمخالفة.
فنقول لو قال يعني خلع القلوب من الأملاك، فهذا قد يكون أقرب لحال الناس. المرتبة التي يتكلم عنها المحاسبي هذه مرتبة في ضوء فهمه رحمه الله تعالى للزهد. ولكن هل الصحابة الذين كانوا يسعون في التجارة لم يكونوا زاهدين؟ أم عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وهؤلاء ليسوا من أهل الزهد؟ كان عندهم رغبة في التجارة أن يحضروا الأموال ويتاجروا، أصحاب ظروف مؤلفة؛ الصحابة الذين كانوا أغنياء كان عندهم رغبة في التجارة، لم يكونوا زاهدين؟ أم كانوا زاهدين؟ ولكن الزهد كما قلنا هو زهد القلب عن التعلق بالدنيا. فتكون الدنيا في يدك، فإذا تملكت فهذا الملك بيدك لا يدخل إلى قلبك. إذا قدر الله فذهب لا تحزن عليه، وإذا قدر الله فزاد فهذا من فضل الله سبحانه وتعالى عبدي.
ففي الحقيقة الزهد إذا قلنا زهد القلوب في الأملاك يكون قد يكون أقرب إلى النظرة الشمولية لمفهوم الزهد، ليس هو زهد الأيدي. الأيدي قد ترغب في التملك، الإنسان يرغب في التملك وهذه فطرة، ولكن عليه أن يزهد قلبه في الأملاك. فحتى لو تملك وحتى لو شرى عقاراً أو سيارة أو شيئاً من متاع الدنيا إذا فتح الله عز وجل عليه بالمال يشتري يعني ولا ينسى نصيبه من الدنيا، ولكن هذه الأملاك لا تكون في قلبه وإنما تكون فقط في يده فلا يتعلق بها. فلو قلنا إن هذا قد يكون أقرب، ولكن بشكل عام يعني كل ما يقوله المحاسبي قد تخالف، لا تظن أن المحاسبي يتكلم قرآناً، قد تناقش المحاسبي في بعض الأفكار، وهكذا طالب العلم يناقش ينظر يتأمل قبل أن يحكم على الشيء هل هو صحيح أو ليس بصحيح.
وكما قلنا هناك نماذج مختلفة من العلماء؛ فكان هناك أبو حنيفة ومالك بن أنس أغنياء، أبو حنيفة تاجراً، ومالك ذكرنا ربما في الدرس الماضي أنه كان دائماً يضع اللحم على مائدته في كل يوم، لا تخلو عنه مائدة، رجل غني ومع ذلك كان يأتي بألذ الأطعمة ويأكل، ومقابل ذلك أحمد بن حنبل والشافعي إنسان فقير زاهد في هذه الحياة الدنيا، ومع ذلك مالك بن أنس كان زاهداً كذلك. لا يستطيع أحد يذم مالك بن أنس يقول هذا ليس زاهداً؛ لأن الزهد هو الزهد في القلب، أو الزهد في هذه الحياة الدنيا، عفواً الزهد موطنه القلب وهو الزهد في الحياة الدنيا فيضعها في يده ولا يضعها في قلبه.
إذا خلع الأيدي من الأملاك على طريقة المحاسبي، قال ونزاهة النفس عن الحلال. ونزاهة النفس عن الحلال وكأنه يقول لك يعني لا تتوسع حتى في المباحات، تتنزه حتى عن كثير من المباحات؛ لأن الكثرة والتوسع في المباحات قد تقودك إلى شيء من المكروهات ثم ذلك يقودك إلى شيء من الحرام، فينزّه الإنسان نفسه عن الحلال، ليس مقصده أن لا يأخذ الحلال، هذا كلام خاطئ، هو يقصد أن لا يتوسع الإنسان في أخذ المباحات حتى وإن كانت حلالاً، قال حتى وإن كانت حلالاً لأنه يخشى على نفسه أن لا تطاوعه نفسه في مواقف أخرى فيتجرأ على مكروه أو على الحرام، هذه المنزلة من منازل الزهد.
وثالثاً قال: السهو عن الدنيا بكثرة الأوقات. يعني أن يسهو الإنسان، أن يحفظ الإنسان عن حياته في الدنيا، يعني يعيش في عوالم أخرى لكثرة الأوقات أي بكثرة الأوقات التي يختلي بها مع الله عز وجل ذاكراً وباكياً ومتضرعاً ومتجهاً إليه، يكثر من هذه الأوقات يغفل بها ويسهو ويقبل عن هذه الدنيا وكأنه فيها جسداً لا روحاً. ثم قال: ويكون الرجل متزهداً بثلاثة أخر. أنا حتى أقول لك إن هذه المنازل هي فقط ملاحظات وخطرات من المحاسبي يجملها لك من تجربته في هذه الحياة.
يقول كذلك من علامات الزهد: حمية النفس عند الإرادات. انظروا صعوبة العبارة، حمية النفس عند ترامي الإرادات. ما الذي يريده؟ هذا سؤال لكم يعني حتى نشعل التفكير، ما معنى حمية النفس عند ترامي الإرادات؟ ها يا ياسين جار الناس جميل، هذا بدأنا الخيط يعني طرف الخيط. إحجام النفس عند ترامي الإرادات، النفس عند يعني العزيمة لا جمع، يعني ماسك النفس، جميل كبح جماح النفس عنده عندما يكون في، آه بدأنا نقترب صحيح، عند ترامي الإرادات يعني أيها الأحبة يعني في النهاية لا نستطيع أن نجزم بمعني واحد محدد، لكن إذا كانت الناس مقبلة على شيء إراداتها على الأموال والشهوات والدنيا، أنت لا تكن مع هؤلاء الناس، فهذا معنى جمع الإرادة، إرادات الناس تتطامع وتتخاصم تتدافع على هذه الحياة الدنيا، أنت هل تكون مع هذه المعمعة؟ ومع هذه الخصومات والمنازعات والمدافعات على هذه الحياة الدنيا؟ أم تحمي نفسك من هذه المغالطات والإرادات وتكون بحماية النفس؟ فهذا منزلة عظيمة من منازل الزهد، أن يحمي الإنسان نفسه عندما يجد الناس يتخاصمون ويتدافعون بإراداتهم على الشهوات والأموال والملذات، هو يكون في موقف آخر، في موقف حماية للنفس حتى لا يضيع مع هذه المعمعة. إذاً حمية النفس أن يحمي نفسه عند ترامي الإرادات يعني عندما تكون إرادات الناس متدافعة على ملذات الدنيا وشهواتها هو يحمي نفسه من أن يدخل معهم.
قال: والهرب من مواطن الغنى. كما قلنا إذاً المحاسبي ينظر إلى الزهد نظرة الإنسان الذي يرى الغنى، أعطيك نظرة هناك نظرة لغيره من العلماء أنه ليس الزهد كما قلنا هو الهرب من الغنى أكثر من أن الزهد هو زهد القلب، فالمحاسبي إذاً مسلكه في طريق المسترشدين أن يبتعد الإنسان بقدر الإمكان عن الغنى وأن يهرب من ذلك. قال وأخذ المعلوم عند الحاجة إليه. ثم قال في ثلاثة أشياء: أنس بالعلم والذكر في الخلوة، وأنس باليقين والمعرفة مع الخلوة، وأنس بالله عز وجل في كل حال. يريد أن يقول كذلك في أن هذه المنزلة الجديدة منزلة الأنس لها مراتب، أول مراتبها وأدنى مراتبها أن تأنس بذكر الله عز وجل في الخلوة، وهذا أدنى المراتب الذي تتجاوزونه أن تأنس بالله عز وجل بذكره، أن تأنس بذكر الله وبالعلم بوجوده في الخلوة.
طب هناك مرتبة أعلى منها ما هي؟ هي مرتبة كما يقولون هناك مرتبة علم اليقين وهناك مرتبة عين اليقين، أن تصل إلى مرتبة اليقين الجازم ومرتبة العرفان بالله سبحانه وتعالى في الخلوة، فحتى ولو لم تذكر الله بلسانك فإن قلبك في خلوتك باتصال دائم مع الله عز وجل، ففي المرتبة يعني أنت في المرتبة الأولى من مراتب الإيمان مرتبة العلم والذكر، هناك مرتبة أوثق منها في مقام العرفان وهي مرتبة اليقين. طب فوق مرتبة اليقين هل هناك مرتبة أعلى؟ قال: نعم، قال: والأنس بالله عز وجل في كل حال. لاحظوا أيها الأحبة في المقامين الأولين ماذا قال؟ قال أنس بالعلم والذكر في الخلوة، حددها في الخلوة، وفي المنزلة الثانية قال وأنس باليقين والمعرفة مع الخلوة، وأما في المرتبة الثالثة قال: وأنس بالله في كل حال. فأعلى مقامات الأنس بالله أن تأنس بالله سواء كنت في خلطة مع الناس أو كنت منعزلاً وحده، أكثر الناس متى تأتيه المشاعر الإيمانية الفياضة؟ إذا خلا مع نفسه فحينئذ أن يتذكر ربه سبحانه وتعالى، وإذا اختلط مع الناس وعاد إلى معمعة الدنيا ينسى ويغفل. ذاك فيه نوع، هذا جيد، يعني الذي يتذكر الله بالخلوة هذه مرتبة جيدة ومميزة، لكن ما هي الأعلى منها؟ أن تكون ذاكراً لله مستأنساً بالله سواء كنت في خلوتك أو كنت في جماعة وفي خلطة مع الآخرين، فهي إذاً مراتب من مراتب الأنس.
قال: والرضا في ثلاثة أشياء ننظر في منزلة الرضا، قال والرضا في ثلاثة: قبول أحكام الله عز وجل أن تقبل أولاً ما يحكم الله عز وجل به من أحكام قدرية ومن أحكامه الشرعية، أحكامه القدرية يعني ما يجريها في حياتك الدنيا من نعمة وصحة وبلاء وعافية، وأحكامه الشرعية ما يأمرك به من طاعة وما ينهاك عنه من معصية، إذاً قبول أحكام، والتسليم لأمره أن تسلم لما يأمر الله عز وجل به، ثم قال وترك الاختيار عليه في قضائه، يعني إذا اختار الله عز وجل لك شيئاً لا تعترض وتبدأ تختار وتقول لماذا يا رب لم تفعل لي كذا؟ ولماذا جعلتني فقيراً؟ ولماذا ابتليتني بهذا البلاء؟ ولماذا أفقدتني هذا الحبيب؟ ومع ذلك تبقى متصلاً بالله سبحانه وتعالى في كل حال، فإذاً مراتب الرضا أو منازل الرضا ثلاثة: قبول، وتسليم، وترك للاختيار على الله عز وجل في قضائه.
ثم يفصل في الرضا فيقول: والرضا نظام المحبة، التوكل وروح اليقين، قال الرضا نظام المحبة، ما معنى نظام المحبة؟ قال هو سلك المحبة، النظام هو السلك، فيقول المحبة أيها الأحبة، فكيف حبات المسبحة تحتاج إلى سلك تضعها فيها؟ كذلك المحبة هي مثل هذه الحبات، والسلك الذي ينظمها مع بعضها هو سلك الرضا، فلا يمكن للإنسان أن ينعقد له حبل المحبة مع الله عز وجل حتى ينعقد له هذا النظام وهذا السلك وهذا الحبل وهو حبل الرضا. فقال: والرضا نظام محبة تنتظم به المحبة، ونفس التوكل يعني هو هو التوكل، وهو في الحقيقة لا التوكل هو لازم عن ماذا؟ أو نقول الرضا لازم عن التوكل، بينهما علاقة فمن توكل على الله فوض الأمر إليه رضي بما سيقسمه له في هذه الحياة الدنيا، إذاً والرضا نظام المحبة، ونفس التوكل، وروح اليقين، وقد ذكر عن أيوب السختياني رحمه الله والفضيل بن عياض أنهما كانا يقولان الرضا التوكل، بعد استشهاده منه على أن الرضا هو ذات التوكل على ما اختاره.
قال فهذه الشعب التي سبق ذكرها الصبر والقناعة والزهد والرضا كل هذه شعب الصدق. وقال سفيان الثوري: إذا كمل صدق الصادق لم يملك ما في يديه، وكأنه يريد أن يقول سفيان الثوري الإنسان إذا بلغ في مراتب الصدق المنزلة العظيمة، يزهد في كل ما في يديه، يبذله في وجوهه وفي وجوه الخير ولا يريد إلا وجه الله سبحانه وتعالى. الآن سينتقل إلى مراتب الإخلاص فقال: وأما شعب الإخلاص فلا يسمى المخلص مخلصاً حتى يفرد الله. وهذا يدل على ما قدمناه أيها الأحبة أن الإخلاص هو إخلاص مطلوب، أن تفرد الله سبحانه وتعالى. لماذا؟ ابتداءً بدأ بتوحيد الربوبية، فقال أفراد الله عز وجل من الأشباه والأنداد والصاحبة والأولاد، توحيدك لله في ربوبيته أن تنزه الله عز وجل عن شبيه وند يشاركه في حكم هذا الكون وتدبيره، ثم انتقل بعد ذلك إلى توحيد الألوهية بالإخلاص، فقال ثم إرادة الله بإقامة التوحيد، إذاً هذا توحيد في ماذا في الألوهية وذاك توحيد في الربوبية، قال وجمع الهم له وبه في الفرض والنفل. ما معنى هذا أيها الأحبة؟ يقول الإخلاص أن تجمع الهم له وبه في الفرض والنفل، ما معنى أن تجمع الهم له؟ نستطيع أن نقول هذا تجمعها آية واحدة: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فإن تجمع الهم له يعني أن تقصده وحده وهذا معنى إياك نعبد، وأن تجمع الهم به يعني أن تستعين به في جمع همك له وهذا معناه إياك نستعين، فإن تجمع الهم له أن تقصده، وأن تجمع الهم به أي أن تستعين به في جمع هذا الهم له، فأنت إذاً تكون لله ولا تستطيع أن تقوم بهذه العبودية وبهذا الإخلاص إلا بمعونة الله، فإذاً الإنسان كما يقول ابن القيم بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين لا يستطيع أن يفارقها، فلا تستطيع أن تتوجه إلى الله بإرادتك إذا لم يكن هناك عون من الله لك على أن يعينك فلن تستطيع أن تصل إلى إخلاص في الربوبية ولا إلى إخلاص في الألوهية.
ثم انتقل بعد ذلك إلى تفصيل شعب الإخلاص لأننا عليك أن تبني هذه الفقرة على ما بدأ به، ذكر الصدق وذكر شعبه وفصل فيها، الآن ذكر الإخلاص عرفه، سيذكر الشعب التي تنتج عن الإخلاص، فبدأ باليقين قال وصحة اليقين في ثلاثة أشياء: سكون القلب إلى الثقة بالله، أولاً إذاً الثقة بالله عز وجل هذه أولاً وعلامة من علامات الموقن، ثانياً الانقياد لأمر الله، وثالثاً الإشفاق والوجل من سابق العلم. ومر على أيها الأحبة الإشفاق والوجل من سابق العلم، ما معنى الإشفاق والوجل من سابق العلم؟ أحسن، يعني خلاص هي قضاء وقدر، يعني الإنسان إذا كان عنده يقين بالله حقيقي فإنه يعلم أن الله عز وجل كتب له شيئاً في المستقبل هو لا يعلم ما هو هذا الشيء المكتوب له، أنت الآن مسلم، هل تعلم ما الذي كتب لك في سابق علم الله أن تموت عليه؟ هل تعلم أين منزلتك في الآخرة هل أنت من دار النعيم أو واحد من أهل الجحيم؟ لا تعلم، فعلى إذا كنت موقناً بالله فمن علامة هذا الإيقان أن تبقى على إشفاق ووجل وخشية من الله بسبب أنك لا تعرف ماذا كتب لك في سابق علم الله، تبقى على خشية ووجل وخوف أن تكون مكتوباً من الخاسرين ومن الهالكين من أصحاب الجحيم. الإنسان لا يعرف أيها الأحبة ماذا في اللوح المحفوظ، فعلامة يقينك بوجود الله وأن الله هو المتصرف والمدبر وانه الذي كتب الأقدار في هذه الأمور الثلاث الثقة بالله عز وجل أولاً تكون عندك ثقة بالله كبيرة جداً، ثانياً أن تنقاد لما يأمرك الله عز وجل به، ثالثاً وأخيراً الإشفاق والوجل من سابق العلم.
قال ولليقين أول وآخر، فأوله الطمأنينة، وآخره إفراد الله عز وجل بالكفاية. أول من مرتبة من أول مرتبة لمراتب اليقين طمأنينة القلب إلى الله عز وجل، وآخر مرتبة اليقين في هذا المقام وسيأتي الاستثناء آخر مرتبة اليقين في...
في هذا المقام هو أيها الأحبة أن تجعل الله عز وجل هو كفايتك. يقول إفراد الله بالكفاية، ما معنى إفراد الله بالكفاية؟ أن تعتقد وتطمئن في قلبك أن الله عز وجل يكفيني كل هموم هذه الحياة الدنيا، أن الله عز وجل يكفيني هم المال وهم الأعداء وهم الخصوم وهم المنازعات، ويكفيني هم الشهوات وهم الملذات. من الذي يكفي العبد؟ هو الله سبحانه وتعالى، أليس الله بكاف عبده؟ وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ، أي كافيك الله. فالله عز وجل هو الكافي والعبد هو المكفي كما يقول المحاسبي.
الله عز وجل هو الكافي يكفي العبد كل ظروف هذه الحياة الدنيا من لأوائها وبأسائها وضرائها وأتعابها، تثق وتوقن أن الله عز وجل هو الذي يكفي كل هذه الهموم، وهذه آخر مرتبة لليقين في هذا المقام. لذلك استثنى ماذا يقول المحاسبي؟ قال: وإنما قلنا آخر اليقين من وجود أوصاف العبد في مقام الإيمان لا في آخر اليقين من العلم. وهذا أيها الأحبة قد تكون أقرب إلى لغة أخرى قد لا يفهمها الأخ، لكن انظر لما في الحاشية هذه العبارة الحقيقة ليست سليمة، يعني معناها غير واضح. قوله: وإنما قلنا آخر اليقين من وجود أوصاف العبد في مقام الإيمان لا في آخر اليقين من، هذه فقرة فيها اضطراب، يعني كلماتها غير متسقة مع بعضها البعض وغير مفهومة. في الحاشية يقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة: وجد في نسخة أخرى قال: إن المحاسبي ايش يقول؟ قال: وإنما ذكرنا نهاية اليقين لأنها من وجوه أوصاف العبد في مقامه، لا أنها آخره بالنظر إلى العلم فلن يبلغ.
ما معنى هذه العبارة حتى أريحك؟ المحاسبي عندما قال أول مراتب اليقين هي الطمأنينة، وآخرها هي الكفاية، استدرك فإيش يقول؟ يقول: لا، اليقين في الحقيقة مراتبه أكثر من الكفاية، ولن يستطيع أحد أن يصل إلى درجات اليقين كاملة. وهناك مرتبة لا يصلها الخلق من مراتب اليقين، مراتب اليقين الناس متفاوتون فيها كثيراً، وهناك مراتب يصعب علينا وعلى كل العباد أن يصلوا إليها في هذه الحياة الدنيا. طيب ما معنى قولك إذاً آخر اليقين هو الكفاية؟ كأنه يريد أن يقول لك: يعني اليقين حتى نقول فلان عنده، يجب أن يكون عنده الطمأنينة والكفاية، يجب أن يكون عنده طمأنينة بالله وأن يشعر بأن الله عز وجل هو كافيه، فهذا حد اليقين لمن أراد أن يوصف بأنه من أهل الإيقان. أما هل اليقين يقف عند الكفاية فقط؟ لا، بل هناك منازل ووجوه من اليقين أعلى منها، ولكن كما يقولون: الحد الأدنى حتى نكون فعلاً من أهل الإيقان الحقيقي أن نوصف بالطمأنينة وأن نصل إلى مرتبة الكفاية.
ثم قال: ولن يبلغا، يعني أن يتمم، لماذا لا يمكن أن نصل إلى مراتب اليقين في النهاية إلى أعلى درجات اليقين؟ قال: ولن ذلك أحد من خلق الله. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم يبلغ أحد من الله كنهه. لماذا أيها الأحبة؟ لماذا لا نصل إلى أعلى درجات اليقين؟ لأنه أصلاً درجات اليقين تستلزم معرفة الله عز وجل على ذاته، ونحن هل نستطيع أن نحيط بذات الله؟ لا نستطيع أن نحيط بذات الله. إذاً فلن نستطيع أن نصل إلى أعلى أعلى درجات اليقين التي لا يوجد يقين بعدها. لذلك قالوا: يا رسول الله بلغنا أن عيسى ابن مريم كان يمشي على الماء، فقال: لو ازداد يقيناً وخوفاً لمشى في الهواء. يعني كأنه يقول لهم: يعني هو مشى على الماء، لو وصل إلى المرتبة الأعلى من مراتب اليقين لمشى على الهواء، ولكن يعني هذا النص يحتاج إلى نظر واضح في سياقه، والذي يظهر أنه حديث موضوع كما ذكر الشيخ عبد الفتاح. أما أن مراتب اليقين لا نستطيع أن نصل إلى نهايتها، ولكن هذا أدنى ما يمكن أن نصل إليه.
قال: ولا يكون الخوف إلا بعد اليقين. وهل رأيت خائفاً بما لم يستيقن؟ الآن هو يريد أن يقول لك مرتبة اليقين والخوف بينهما تلازم، فأولاً تحصل اليقين بعد ذلك اليقين يثمر لنا خوفاً. وهذا كما ذكرناه أن منازل هذا الطريق لا يمكن أن تنفك أيها الأحبة، فبعضها ينبني على بعض ويتعلق ببعض. قال: طيب الآن انتقل من مرتبة اليقين إلى مرتبة الخوف بعد أن ذكر الارتباط بينهما فقال: والخوف في ثلاثة أشياء. خوف الإيمان وعلامته بذل الجهد في مفارقة المعاصي والذنوب وهو خوف، قال: هو خوف السلب وعلامته الخشية والإشفاق والورع وهو خوف العلماء، وخوف الفوت وعلامته بذل الجهد في طلب مرضاة الله بوجود الهيبة والإجلال لله عز وجل وهو خوف الصديقين. ومقام رابع في الخوف خص الله به الملائكة والأنبياء عليهم السلام وهو خوف الإعظام، مع أنهم آمنون بأنفسهم بأمان الله لهم، فخوفهم تعبدهم لله إجلالاً وإعظاماً.
وماذا يريد أن يقول لك أيها الأحبة باختصار؟ الآن الخوف له مراتب، الخوف من الله على مراتب. أدنى هذه المراتب خوف أهل الإيمان، هذه المرتبة الأولى أهل الإيمان الذين هم في بداية طريق المسترشدين. قال: هذا يسمى خوف، ما معنى خوف الإيمان؟ يعني هذا الخوف يقتضيه الإيمان، لا يمكن أن يوجد إيمان عند الإنسان من دون وجود هذا المقدار من الخوف، لذلك سمي خوف الإيمان، لا يوجد إيمان لمن لم يوجد عنده هذا المقدار من الخوف. فما علامة خوف الإيمان؟ قال: بذل الجهد في مفارقة المعاصي والذنوب. يعني إنسان أيها الأحبة لا يوجد عنده أبداً أي مبالاة في المعاصي والذنوب، هل عنده إيمان بالله عز وجل؟ لا يوجد عنده أبداً أي مقاومة، دائماً منغمس في هواه وشهواته ومعاصيه، هذا لا يمكن أن يكون عنده خوف الإيمان. نعم قد لا نخرجه من دائرة الإسلام، ولكن خوف الإيمان المرتبة الأولى من مراتب السالكين قد انعدمت عنده.
إذاً هذا النوع الأول، هناك النوع الأعلى منه وهو خوف السلب، وخوف السلب هذا مقام يختص بالعلماء العارفين بالله. ودائماً ليس العلماء كما قلنا أصحاب الشهادات الدنيوية، وإنما هو العالم بالله عز وجل الذي عرف الله، هذا يخشى من السلب، أن يسلب ماذا؟ أن يسلب معرفة الله، ولا نقصد بمعرفة الله أن يعرف أن الله موجود، هو يعرف أن الله موجود، لكن هناك معرفة خاصة يصل إليها العلماء يوصلهم الله عز وجل إليها بعد تحققهم في مقامات العبودية. فيخشى العالم والعارف بالله سبحانه وتعالى أن يسلب هذه المرتبة، وهذا العرفان وهذا اليقين بالله عز وجل، لذلك سماه خوف السلب، يعني أن يسلب كما قلنا هذا العرفان. لذلك قال: وخوف السلب وعلامته الخشية والورع، يخشى كما قلنا من أن يسلب هذه المعرفة. ولمن هذا الخوف؟ قال: وهو خوف العلماء بالله عز وجل.
ثم قال: وخوف، وهذا أعلى مراتب الخوف، خوف الفوت أيها الأحبة، طبعاً هناك مقام أعلى منه ذكره ولكن لا يختص بنا، لسنا بأنبياء، ذاك المقام اختص بالأنبياء. أما يعني كعامة الناس أعلى مقام في حقنا هو خوف الفوت، وهو أن يخاف أن يفوت حظه من الله سبحانه وتعالى. وهذه مرتبة كما قال هي مرتبة الصديقين، هذه مرتبة أناس بلغوا في العلاقة بالله عز وجل مرتبة عالية جداً، علاقة قوية ومتينة بحيث يخشى أن يفوته أنسه بالله ويخشى أن يفوته حظه من ذلك القرب. وهي مرتبة أعلى من مرتبة العلماء العارفين، يعني الإنسان قد يكون عارف ولكن هناك في مرتبة أعلى وهو الإنسان القريب من الله عز وجل الذي يرزقه الله عز وجل الأنس به. وهذه المراتب نتكلم عنها ولكننا للأسف لا نعرف حال أهلها لأننا لم نصل إليها، لا ما لم نصل إلى هذه المراتب. إنسان فقط يريد القرب من الله في الدنيا ولا يريد أن يفوته حظه من الله عز وجل، هذه مرتبة لأولئك الذين رزقهم الله عز وجل إيماناً عالياً، نسأل الله أن يلحقنا بإيمانهم.
ثم قال: ومقام رابع في الخوف، هذا مقام رابع قال: خص الله به الملائكة والأنبياء، اختصوا بهذين النوعين، قال: وهو خوف الإعظام. لماذا خص الله به هذين النوعين؟ لأن هذين النوعين أيها الأحبة، الإنسان بشكل عام لماذا يخاف من الله؟ يخشى من غضبه وسخطه وعقابه، ويخشى أن يوبقه في نار جهنم. الملائكة الله عز وجل عصمهم، يعني في النهاية لم يعصوا لأن الله عز وجل جبرهم على طاعته، فلا يوجد خوف للعقاب والعذاب كما يرى المحاسبي. كذلك الأنبياء اختارهم الله عز وجل واصطفاهم وعصمهم من الذنوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يذنب ولا يعصي، فلا يوجد ما يخاف منه من المعاصي والذنوب. فلماذا يخافون من الله؟ هؤلاء لماذا يخافون إذا كان الله آمنهم؟ قال: هؤلاء خوفهم خوف إعظام وإجلال لهيبة الله سبحانه وتعالى، ومن عرف الله حق المعرفة خاف من جلاله وكبريائه.
ثم إلى مرتبة جديدة، قال: والمحبة في ثلاثة أشياء لا يسمى المحب محباً إلا بها. انظروا ابتداء كيف رتبها. قال: المحبة أولاً، قلها الآن، مرتبة محبة المؤمنين أن تحب المؤمنين. وما معنى محبة المؤمنين؟ قال: محبة المؤمنين في الله عز وجل. وعلامة ذلك كف الأذى عنهم وجلب المنفعة إليهم على سبيل الشريعة المحمدية. وانظروا إلى التمسك بالسنة، إذاً أول مرتبة من مراتب المحبة أن تحب الناس في الله. ثم المرتبة الثانية قال: ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلامة هذه المحبة ما هي؟ اتباع سنته. يعني ابتداء قال أولاً أن تحب الناس في الله، وعلامة ذلك كف الأذى عن الناس وجلب النفع إليهم، المرتبة الثانية الأعلى محبة النبي صلى الله عليه وسلم، وعلامة ذلك اتباع سنته. المرتبة الثالثة، ثم ذكر طبعاً في قضية اتباع سنته قال الله عز وجل: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ.
ثم المرتبة الثالثة من مراتب المحبة وهي أعلاها، محبة الله عز وجل في إيثار الطاعة على المعصية، ويقال ذكر النعمة يورث المحبة، يعني من أكثر من ذكر نعم الله عز وجل عليه فإن كذلك سيلفه محبة ولا بد. ثم انتقل بعد ذلك سيتكلم عن محبة الله خاصة، إذاً ابتداء بين أنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا، فالمحبة لهؤلاء الثلاثة، ثم فصل في محبة الله فبين أن لها أولاً وأوسط وآخراً، فقال: فأول محبة الله محبة الله بالأيادي والمنن، ما معنى هذا أيها الأحبة؟ هذا لعبد الرحمن السؤال، ما معنى محبة الله بالأيادي والمنن؟ ما معنى؟ ما معنى إذاً أدنى مراتب محبة الله؟ الآن سيفصل في محبة الله، فجعل محبة الله على مراتب، هناك مرتبة أولى، مرتبة ثانية، مرتبة علوية، محبة الله بالأيادي، نعم أن تحب الله على نعمه لأنه أنعم عليك. فهذه ماذا يعدونها؟ من أخفض مراتب المحبة، لأن فيها شبه معاوضة، يعني أنت تحب الله لأن الله أنعم عليك لهذا المقصد وليس لأنه الله، تحبه لماذا؟ لوجود النعم والأيادي عليه، فإذا قلت هذه النعم قد تقل هذه المحبة مني، لذلك يعدونها أضعف أنواع المحبة أن تحب الله بالأيادي والمنن. الأيادي هي النعم، نقول لفلان علي، ما معناها؟ يعني عليه فضل صحيح ومنة عليه. فإن تحب الله بالأيادي والمنن هذه مرتبته أضعف الخلق لأنهم يحبون الله عز وجل على شبه.
قال ابن مسعود: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، هكذا فطر الله الناس، من أحسن إليها فإنها تحبه، ومن أحسن من الله عهداً ورحمة ورأفة وتجاوزاً؟ طيب أن الله الحليم الكريم. ثم قال: وبسطها، أوسط مراتب المحبة الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه بحيث لا يفقدك فيما أمرك به ولا يجدك فيما نهاك عنه. فإذا وقعت المخالفة ذهب الاعتراف بها انقلاب عنها في الحين. هو يريد أن يقول أن المرتبة الثانية من مراتب المحبة هي مرتبة العبودية، محبة العبودية وهي أن تحب الله لأنك تعتقد أنك عبد له، خلقك في هذه الحياة الدنيا لأنك أوجدك حتى تنفذ أوامره وتجتنب نواهيه، فأنت تحبه كما قلنا محبة العبودية، لذلك قال: وسطها الامتثال لأوامره واجتناب نواهيه، فهذه مرتبة العبيد.
وهناك مرتبة أيها الأحبة ثالثة وهي أعلى المحبات، وهي أن تحب الله بأنه الله، أن تحب الله لأنه الله، تحب الله لذاته، وهذه المرتبة لا يصلها إلا أهل اليقين الحق، وأهل الإخلاص الحقيقي، وأهل التصفية الحقيقية. أن تحبه لذاته لأنه الله بجلاله وكبريائه وعظمته، وهذه مرتبة كما قلنا تحتاج إلى تجربة وإلى تأمل وكثرة تفكر في خلق الله عز وجل، فأكثرنا إنما يحب الله -ولا تبرئوا أنفسنا- بسبب الأيادي والنعم والمنن، بحيث إذا فقدناها فزعنا وجزعنا. ومن يحب الله لأنه الله ولذاته فهذه مرتبة قوم أحبهم الله عز وجل فاصطفاهم لهذه المرتبة العظيمة.
قال رجل لطاووس: أوصني، فقال: أوصيك أن تحب الله حباً حتى لا يكون شيء أحب إليك منه، وخفه خوفاً حتى لا يكون شيء أخوف إليك منه، وارجُ الله رجاءً يحول بينك وبين ذلك الخوف، وارضَ للناس ما ترضى لنفسك، قم فقد جمعت لك علم التوراة والإنجيل والزبور والفرقان. هذه كل علوم الشريعة لما خلق الله آدم إلى اليوم، طاووس نصحه نصيحة فأعجبته هذه النصيحة، قال: قم فقد جمعت لك علم التوراة والإنجيل والزبور والقرآن، ما هي هذه النصيحة؟ قال: أوصيك أن تحب الله حباً حتى لا يكون شيء أحب إليك منه، وأوصيك أن تخافه خوفاً حتى لا يكون شيء أخوف إليك منه، ارجُ الله رجاءً يحول بينك وبين ذلك الخوف، يعني أن تعبد الله يعني عندما تخاف الله عز وجل خوفاً لا تخافه لسواه، عليك كذلك أن تنتقل إلى مرتبة.
لأن الخوف فقط من الله عز وجل من دون رجاء يوقعك في اليأس والقنوط من رحمة الله، كما أن الرجاء من دون خوف يجعلك من مرتبة المغترين بالله؛ فعليك أيضاً أن تنتقل بين هذه المنازل انتقالاً معتدلاً منضبطاً. ثم قال: ثم اعلم أن الإجلال والتعظيم من الحياء لمنزلة الرأس من الجسد.
هذه المراتب الأخيرة التي تكلم عنها من مراتب الإخلاص، وهي الإجلال والتعظيم والحياء، يبين أنها مراتب مرتبطة مع بعضها البعض لا يمكن أن تنفك؛ فلا يمكن للإنسان أن يستحي من الله عز وجل وهو لا يجله وهو لا يعظمه ولا يعرف قدره، ولا يمكن أن يوجد هناك إجلال وتعظيم لله عز وجل من دون حياء.
وأن يشعر الإنسان بأن الله عز وجل مراقب له في كل لحظة وفي كل حين. فيقول لك: الإجلال والتعظيم من الحياء، يعني من الإجلال والتعظيم من منزلة الحياء، هذان المقامان كمنزلة الرأس من الجسد. هل يمكن أن يكون هناك جسد بلا رأس؟ لا يمكن.
لا يمكن كذلك الإجلال والتعظيم مع الحياء؛ لا يمكن أن تستحي من الله وأنت لا تجله ولا تعرف قدره، بل ما عُصي الله عز وجل منا إلا حينما لم نعرف قدره ولم نوقره حق التوقير. ولكن من أجل الله وعرف عظمته وكبرياءه، فإنه يستحي لأنه يعلم أن الله عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. فمن عبد الله على رؤيته له، فإنه لا بد أولاً أن هناك عظمة وإجلالاً لله عز وجل، وهذه العظمة والإجلال هي التي تورث الحياء، ثم ختم بالمرتبة الأخيرة فقال: والمراقبة.
في ثلاثة أشياء: مراقبة لله في طاعته في العمل، ومراقبة لله في معصيته في الترك، ومراقبة لله في الهم والخاطر؛ أي منزلة المراقبة التي بيناها قديماً. إذاً مدارها على ثلاث أمور أيها الأحبة: أن تراقب الله عز وجل في الطاعات فتبادر إليها، وأن تراقب الله وتعلم أنه مطلع عليك في المعاصي فتجتنبها، وأن تراقب الله عز وجل في خاطرك وهمك. وهذه في الحقيقة الصعوبة هنا، أن تراقب الله بالهم والخاطر؛ فلا تحدث نفسك بمعصية ولا يلج على الخاطر شيء يغضب الله سبحانه وتعالى، وهذه هي أعلى مراتب المراقبة، أن تراقب الله في الهم والخاطر؛ يعني عندما يأتي خاطر على ذهنك مباشرة تصلحه، لأنك تعلم أن الله رآه وعلم به، وهذه كما قلنا مرتبة عظيمة.
قال صلى الله عليه وسلم: اعْبُدِ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ فَإِن لَّمْ تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ. ومراقبة العبد لله عز وجل، انظر ماذا يقول، قال: ومراقبة العبد لله عز وجل أشد تعباً على البدن من مقابلة قيام الليل وصيام النهار وإنفاق المال في سبيل الله؛ يعني هذه المرتبة نحن أيها الأحبة نحرص على الأحوال البدنية، والسلف كانوا يحرصون على الأحوال القلبية، يقول لك مرتبة المراقبة ربما نقرأها سريعاً ونمر عليها كأنها من الأمور البديهية عندنا، وفي الحقيقة يقول: هي الوصول إلى مرتبة المراقبة أشد وأصعب من مكابدة قيام الليل، وأشد من مرتبة صيام النهار، وأشد من بذل المال في سبيل الله. انظروا للإنسان قيام الليل الذي يتلكأ فيه، وصيام النهار الذي نتردد فيه كثيراً، والإنفاق وبذل المال كم عنده صعوبة في قلوبنا، ومع ذلك مراقبة الله عز وجل صعوبتها أكبر، حتى تعلم أن هذا الكلام هو ربما تقرأه سريعاً أيها الأحبة ونمر عليه سريعاً، ولكنه نتيجة وثمرة تجارب يتكلم عنها المحاسبي؛ إنسان راقب وحاسب وأدار علاقته صحيحاً مع الله عز وجل كما نحسبه، فيعطيك ثمرة هذه الحياة في كلمات.
يقول بعد ذلك يختم بحديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: إن لله في أرضه آنية، وإن من آنيته فيها القلوب، فلا يقبل منها إلا ما صفى وصلب ورق. هذا أثر عن علي بن أبي طالب، إن لله في أرضه آنية وإن من آنيته فيها القلوب، فلا يقبل منها إلا ما صفا وصلب ورق. الآن حالة المحاسب يختم الرسالة بهذا الأثر، وكأنه يقول لك عليك أيها المسترشد أن تجمع بقلبك هذه الصفات الثلاث، أن يكون القلب صافياً؛ إذاً هذه خلاصة الرسالة، يريد أن يعطيك رحمه الله يقول له خلاصة تجربتي في هذه الحياة الدنيا: عليك أن تحيا مع الله بقلب صافٍ صلب ورقيق. ما معنى ذلك؟ ذلك المحاسب يعني لا يتركك تحاول أن تفسر، يقول ومعنى ذلك أن صفاء القلب -ما معنى صفاء القلب؟- أن صفاء القلب لله عز وجل، وانظروا كلمة القلب وهي معنى الإخلاص أيها الأحبة كما ذكرناه في منزلة الإخلاص؛ تصفية القلب، تنقية القلب حتى يجلو ويصبح كالمرآة صافياً وكالزجاجة يرمى خلفها. يقول: إن صفاء ومعنى ذلك أن صفاء القلب لله باتباع أمره ونهيه ومشاهدة الصدق والإشفاق، وصفاؤه لرسوله صلى الله عليه وسلم بقبول ما أتى به قولاً وعملاً ونية، وصفاؤه للمؤمنين بكف الأذى وإيصال النفع، فجعل صفاء القلب لله وجعله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، وهذا يشبه منازل ماذا؟ مرت معنا قبل قليل، صفاء الخلق أو صفاء القلب لله، وصفاؤه للنبي صلى الله عليه وسلم، وصفاؤه للمؤمنين؛ مر معنا هذا التقسيم الثلاثي، أحسنت منزلة المحبة، محبة للمؤمنين ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم ومحبة لله عز وجل؛ فتصفية القلب لهؤلاء الثلاثة، وأعظمهم تصفية تصفية أهوال الله عز وجل.
وأما قوله القلب ما هو القلب الصلب؟ قال معناه قوي في إقامة الحدود لله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ يعني انظروا كيف يجمع بين الرقة والشدة، لا يكون رقيقاً فيشفق فيستهين في حدود الله وإقامة شريعته، ولا يكون كذلك شديداً في الجانب المقابل فيبتعد عن أعمال القلوب بحيث يقسو قلبه، ويحمل الشريعة على غير ما تحمله. فالإنسان إذاً يجمع بين القلب الصافي وبين القلب الصلب الذي يقيم حدود الله ويأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبعد بالقلب الرقيق، قال فالرقة على وجهين، ما معنى القلب الرقيق؟ رقة بالبكاء ورقة بالرأفة، رقة بالبكاء هذا بينك وبين الله سبحانه وتعالى تبكي في دياجير الظلام على ما سلف منك من الآثام، وأما رقة بالرأفة فهي رقة في خلق الله عز وجل، أن ترأف بحالهم وأن ترحم صغيرهم، وأن تهلك حق كبيرهم، وأن ترحم ضعيفهم وعاجزهم وفقيرهم. إذاً هذه أيها الأحبة هي صفات القلب الناجح الذي تريد سلوك طريق المسترشدين إلى الله سبحانه وتعالى، قلب صافٍ وقلب صلب وقلب رقيق، ثم يقول بعد ذلك: وبالله التوفيق، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
إذاً أيها الأحبة انتهت رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، ولكن طريق المسترشدين بدأ معنا الآن، بدأنا في طريق المسترشدين، أنت الآن انتهيت الكتاب، رسالة المسترشدين، والآن جاء وقت التطبيق؛ نحن لا نريد أن تبقى مثل هذه الرسائل هي فقط أمور نتجمل بها في مجالسنا، ونسمي أنفسنا درسناها ولكنها لا تترجم واقعاً عملياً في حياتنا. إن أيها الحبيب أن تعرف أن يعني ختم الكتب العلمية، وأن يوفقك الله عز وجل لمثل هذه المجالس، وبعد توفيق الله عز وجل لنا، وأن الإنسان لا حول له ولا قوة على إقامة طاعة الله عز وجل إلا بمعونته، علينا دائماً أن نستحضر أن الله عز وجل هو الذي وفقنا لإتمام هذه الرسالة، ولقراءة هذا الكتاب وفي وقت ينشغل فيه الناس بالملذات وبالقيل والقال، شغلك الله عز وجل بالتعرف على طريقه، وهذا محض توفيقه، هذا محض توفيق الله عز وجل عليه؛ فاعرف منة الله سبحانه وتعالى.
الإنسان أيها الأحبة يعني هذا أنصح به نفسي وإخواني لا يصل إلى نفسه فضلاً عن الله عز وجل، ولا يرى له مقاماً عند الله ولا أنه طالب علم أو أنه داعية أو أنه سلك هذا الطريق، ونكلمكم هو أكثر الناس معصية وإشفاقاً، ولسنا ممن وصل إلى منازل هذا الطريق حتى نعرف الناس بها، وإنما نحن متذاكرون، نذكر بعضنا بعضاً بهذه المنازل، وكلنا مقصرون ومفرطون، ولولا منة الله عز وجل وتفضله وإشفاقه علينا لما كنا في هذا المقام، لما كنا في هذا المقام، ولما وفقنا كما قلنا لإتمام هذه الرسالة المباركة لإمام عظيم كبير ورع تقي زاهد عابد لله عز وجل مثل الإمام الحارث المحاسبي. ويعني يحسن بنا أن نختم مثل هذه المدارس بالدعاء لله عز وجل، وبأن نتضرع إليه فنقول مستعينين بالله: إني داعٍ فأمّنوا. الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، الحمد لله الذي لا يخيّب من رجاه، الحمد لله الذي لا يكل من توكل عليه، الحمد لله الذي هو ثقتنا عندما تنقطع بنا الحيل، الحمد لله الذي هو رجاؤنا عندما تسوء ظنوننا بأعمالنا، الحمد لله الذي يكشف كربنا ذا الكربات، الحمد لله الذي يجزي بالإحسان إحساناً، الحمد لله الذي يجزي على الصبر فرجاً وسلواناً.
اللهم كم من نعمة أنعمت بها علينا قلّ لك عندها شكرنا، وكم من بلية ابتليتنا بها قلّ لك عندها صبرنا، فيا من قلّ له عند النعماء شكرنا فلم يحرمنا، ويا من قلّ له عند البلاء صبرنا فلم يخذلنا، ويا من رآنا على المعاصي فلم يفضحنا ولم يهتك سترنا، خذ بيدنا إلى طريق الراشدين، يا دليل الحائرين خذ بيدنا إلى طريق الراشدين. اللهم أشرقت بنورك السماوات، وأضاءت بوجهك الظلمات، وخشعت لك قلوبنا، وخطأت لك رقابنا، لتدخلنا في رحمتك ولتكرمنا بعزتك ولتنظر إلينا نظرة تجبر بها كسرنا وغفلتنا وحاجتنا، إلهنا ما من شجر ولا طائر ولا بطون مطر إلا ووجدناها شاهدة على وحدانيتك، دالة على صمديتك بأنك أنت الله الذي ليس كمثله شيء، وأنك أنت الله الغالب الذي لا يغلب، حي لا تموت، قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، مولانا إن كانت خطايانا أسقطتنا من عندك فاعف عنا بحبنا وشوقنا إليك، إلهنا لك تسبح ولك تسجد كل مدرة، إلهنا لك تسبح الطير في أوكارها، ولك تسبح في فيافيها، ولك تسبح الحيتان في بحارها، إلهنا طوبى لمن سبقت له منك الحسنى وزيادة.
اللهم أغننا عن هبة الوهابين بهبتك، وأغننا عن شر القاصدين بؤنسك وصلتك حتى لا نقرب إلى أحد سواك، إلهنا نجنا من المعاصي، إلهنا استعملنا في الطاعة، وارزقنا حسن الإنابة وطهرنا بالتوبة واستصلحنا بالعافية، اللهم إنا نسألك أن ترزقنا حلاوة مغفرتك، اللهم اجعل عفوك، اللهم اجعلنا عتقاء رحمتك، اللهم اكتب لنا النجاة من خزي النار، اللهم لا تحرمنا وقد رغبنا إليك، مولانا لا تعرض عنا وقد أقبلنا عليك، مولانا لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، إلهنا أنت الذي سميت نفسك بالرحيم فارحمنا، وأنت الذي سميت نفسك العفو فاعف عنا، إلهنا نستغفرك من كل عهد عاهدناك ومن كل وعد وعدناك ولم نأت بهما، إلهنا نستغفرك من كل ذنب وعدناك أن لا نعود إليه ثم عدنا، إلهنا عافنا من بلاء الدنيا والآخرة، ودعونا من الضلال وقنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.
اللهم اجعل للسكينة في قلوبنا سكناً، واجعل للتقوى في أنفسنا منزلة، واجعلنا من خشيتك على حذر وخوف، إلهنا نستغفرك من كل معصية مشينا إليها بأرجلنا أو مددنا إليها أيدينا أو نظرنا إليها بأعيننا أو أصغينا إليها بآذاننا أو تكلمنا بها بألسنتنا أو استعملنا رزقك في معصيتك وسترته علينا. إلهنا أعتق رقابنا ورقاب آبائنا وأمهاتنا ومشايخنا وكل من له فضل علينا، اللهم اغفر لمن حضر هذا المجلس، اللهم اجعل هذه المجالس قربة واجعلها حجة لنا لا علينا، اللهم قربنا من طريق المسترشدين، وأمتنا على منازل السائلين، وابعثنا محبين منيبين طائعين، اللهم نعوذ بك أن تفضحنا يوم العرض عليك، اللهم إنا نسألك أن ترحم ضعفنا وقلة حيلتنا وهواننا على من ظلمنا، أنت رب المستضعفين وأنت ربنا، إلى من تكلنا؟ سيدنا لك خضعت رقابنا وذلت جباهنا، اللهم نشهدك بفقرنا، نشهدك بعجزنا وتفريطنا، نشهدك بأننا مذنبون وأنت الكريم، وأننا العصاة وأنت الرب الستير العفو، اللهم نشهدك على أننا نعترف بتقصيرنا في جنبك ولولا سترك لافتضحنا، نسألك اللهم دوام سترك علينا في الدنيا وفي الآخرة.
اللهم إنا نسألك للمهمومين في مشارق الأرض فرجاً ومخرجاً، اللهم اجعل لهم من كل ضيق مخرجاً ومن كل هم فرجاً، اللهم إنا نسألك عزة تعز بها دينك وترفع بها كتابك يا أكرم الأكرمين، اللهم إنا نسألك خير المسألة وخير الدعاء وخير النجاح وخير العلم وخير العمل، وثبتنا وثقّل موازيننا وارفع درجاتنا وتقبل أعمالنا، واجعلنا عندك في عليين، اللهم إنا نسألك الفردوس أعلى من الجنة، اللهم إنا نسألك قربك وزيارتك ومحادثتك ومناجاتك في لذة النعيم، لا تحرمنا من قربك، خذ بيدنا إلى طريقك، اللهم اجعلنا ممن أنس بذكرك، لا تشغلنا بما أشغلت به أهل الدنيا من اللذات والمعاصي، استعملنا في الطاعة، واجعلنا مع السعداء وأمتنا مع الشهداء، اللهم الزم عن أيماننا محمداً صلى الله عليه وسلم، خير ما جزيت نبياً عن أمته، اللهم شرفنا بلقائك، وشرفنا بالجلوس وشرفنا بالورود على حوضه، اللهم اجعلنا من أمته في الدنيا والآخرة، إلهنا هذا دعاؤنا، اللهم إنك أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالإجابة، وأنت بالإجابة جدير وعلى كل شيء قدير، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل