والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن، أعني هم يسمعون كلامهم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ، وأصلي وأسلم على خير البرية، وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وممهدا لقواعد الفقه في الدين، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مباركا إلى يوم الدين.
انتهينا أيها الأحبة في شرح هذه الرسالة المباركة، رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي، إلى قوله رحمه الله تعالى: واحمِ القلب عن سوء الظن بحسن التأويل، وادفع الحسد بقصر الأمل، وانفِ الكبر بسلطان الله تعالى، واترك كل ما يضطرك إلى الاعتذار، وجانب كل حال يرميك في التكلف، وصن دينك بالاقتداء، واحفظ أمانتك بالعلم، وحصن عقلك بآداب أهل الحلم، وأعد الصبر لكل موطن، والزم الخلوة بالذكر، واصحب بالشكر.
هنا أيها الأحبة، الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يذكر جملة من الآداب ومن الأخلاق ومن الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المسترشدون الذين يسلكون طريق الرشاد إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى كما أنه يحتاج إلى علاقة صحيحة بين العبد وبين الله عز وجل، فإنه يحتاج إلى علاقة صحيحة بين العبد وبين مجتمعه الذي يعيش فيه. فلا يمكن للإنسان، لطالب العلم، للداعية، للمصلح، أن يكون له علاقة مع الله سبحانه وتعالى وإذا نظرنا في علاقته مع مجتمعه نجدها علاقة سيئة، نجده سيء الأخلاق، سيء التعامل، مليء بالأخلاق التي يبغضها الناس، لا يمكن هذا.
فالمسترشد منهجه متكامل، هناك علاقة صحيحة مع الله عز وجل، وهناك علاقة صحيحة مع المجتمع، سواء كان المجتمع الصغير على إطار الأسرة، أو على إطار المجتمع الكبير، مجتمع الوطن، البلد الذي يحيا به، والأمة الإسلامية بشكل عام. الآن هذه الأخلاق التي يتكلم عنها الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى، هو تكلم عن جملة، يعني لم يستقصِ كل الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها السالك في علاقته مع مجتمعه، وإنما أرشد إلى أهم الأمور.
والأمور التي ذكرها رحمه الله تعالى مهمة؛ لأنها تعصف بطلبة العلم، وتعصف بالدعاة، وتعصف بالمصلحين. يعني هناك أمور قد يكون الجو العلمي أو الدعوي أو الإصلاحي بعيد عنها، وهناك صفات وأخلاق الجو الدعوي والإصلاحي يكثر فيه مثل هذه الأمراض، لذلك أشار المحاسبي رحمه الله إليها. فالخلق الأول، قال رحمه الله: واحمل قلبك عن سوء الظن. انظر ماذا قال، قال: واحمِ القلب، هناك حماية للقلب، واحمِ القلب عن سوء الظن بحسن التأويل.
أيها الأحبة، الأدب الأول الذي يتكلم عنه المحاسبي هو أنه ينبغي على المسترشد أن يحسن الظن بالناس. وهذا الأدب أرشدنا الله سبحانه وتعالى إليه في سورة الآداب، سورة الحجرات، فقال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ. لماذا؟ قال: إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ. طبعا أنت لاحظ التعبير القرآني، قال: اجتنبوا كثيرا من الظن، لماذا قال؟ لأن أو إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ، يعني هناك ظنا كثيرا ينبغي عليك أن تجتنبه.
هذا الظن الكثير منه ما هو صحيح، يعني أنت أسأت الظن لكن الإساءة في محلها، ومنه ما هو باطل، يعني إساءة ظن جاءت في غير محلها، ولكن مع ذلك يجب عليك أن تجتنب هذا الظن الصحيح وهذا الظن الخاطئ. لماذا؟ لأن بعض الظن الذي ستظنه فيه إثم، فهو نهى عن الكثير حتى لا تقع في الخطأ في القليل، هو نهى عن الكثير من باب سد الذريعة، يعني سد هذا الباب عنك، حتى لو كان فلان فعلا وقصد الإساءة إليك، حتى لو كان كلامه لا يحتمل إلا وجها واحدا من الإساءة، اجتنب كثيرا من الظنون حتى لا يصادف ظنك بريئا لم يقصد بقوله أو لم يقصد بفعله الذي صدر تجاهك شيئا خاطئا، وإنما قصد معنى مجملا وأنت لم تفهم هذا المعنى ولم تحمله على الطريقة الصحيحة وعلى المعنى السوي.
لذلك أيها الأحبة النبي صلى الله عليه وسلم كذلك يرشدنا إلى هذا الخلق، فقال عليه الصلاة والسلام: إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث. أكذب حديث يمكن أن تعتقده هو ظنك السيء بالآخرين. المسترشد أيها الأحبة في طريقه إلى الله عز وجل في الحقيقة لا يجد وقتا لسوء الظن. يعني أنا أعتقد أن الإنسان الذي يشغل ساعات العمر في سوء الظن بالناس هو إنسان فارغ، فراغه هو الذي جعله يفكر في الأقوال التي صدرت من الآخرين تجاهه، في الأفعال التي صدرت من الآخرين تجاهه، هذا الفراغ جاء الشيطان استغله بهذه الوساوس وهذه الخطرات.
أما لو كان هذا المسترشد مشغول الوقت في ذكر لله سبحانه وتعالى، في عبادة، في طلب علم، في شيء يقربه من مولاه عز وجل، هذا لن يجد وقتا لإساءة الظن بعباد الله عز وجل، وسيسلك المسلك الذي نص عليه المحاسبي. ماذا قال المحاسبي في علاج سوء الظن؟ قال: واحمِ قلبك عن سوء الظن، قال: بحسن التأويل. بحسن التأويل. المراد بالتأويل التفسير، يعني ينبغي عليك أن تحسن التفسير لأقوال ولأفعالهم التي صدرت تجاهك، وأن تحملها على أحسن المحامل ما وجدت لذلك سبيلا. هذه هي الطريقة التي يسلكها المسترشد في طريقه إلى الله عز وجل.
لماذا؟ لأن وقته بكليته لله عز وجل، فهو لا يجد متسعا من الوقت يتفرغ لماذا قال فلان كذا؟ والله أعلم أن فلانا أراد أن يهينني، وفلانا الآخر فعل كذلك حتى يبين للناس عيبي، وفلان قال كذا في ذلك المجمع، وهكذا تبدأ الخطرات وتبدأ الوساوس، ويبدأ الشيطان يكبر هذا الموضوع في عقل الإنسان، وقد يكون الموضوع بسيط جدا أيها الأحبة، وقد يكون الأمر صدر على غير هذا المحمل. ونقول حتى لو كان هذا الأمر، نعم أراد به ذاك الإنسان الشر لك أو أراد به الإساءة إليك، لأن وقتك مشغول لا تجد وقتا تتفرغ فيه لهؤلاء، عليك أن تحمل كل الأقوال والأفعال التي تصدر من الآخرين باعتبار حسن الظن.
طبعا لا تكن مغفلا كذلك في نفس الوقت، لا تكن مغفلا تحسن التعامل مع الناس، تحسن التقدم والتأخر، لكن أظن أن المعنى المجمل واضح الذي يقصده المحاسبي رحمه الله، أن لا تشغل وقتك بأقوال الناس وأفعالهم في حملها على مساوئ الأخلاق وعلى الاحتمالات، وأن تشغل وقتك وساعات العمر فيما يعود عليك بالنفع وحتى تتخلص من هذا المرض. سوء الظن أيها الأحبة مرض، أنهى مصلحين، أنهى طلبة علم، يعني نحن نعرف طلبة علم انتهوا بسبب سوء الظن، ابتلي بهذا المرض، فتجده متفرغ، كل ما يأتي لطلب العلم كلما يأتي يتفرغ لمجلس، تجد عقله يبدأ: لماذا فلان قال كذا؟ ولماذا فلان فعل كذا؟ ابتلاه الله عز وجل بهذا المرض.
ففي الحقيقة هذا مرض خطير إذا ابتلي به العبد، يحتاج إلى توفيق من الله سبحانه وتعالى حتى يخلص منه، لذلك الله عز وجل عندما يذكر الأخلاق في القرآن يذكر أخلاق مهمة جدا، عندما نص على قضية: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ، الله نص عليها، يعني ليس فقط صحابة دلوا عليها أو ما شابه ذلك، الله من فوق سبع سماوات يخاطب عباده: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ، إذا هذا مرض خطير. هذا يعني قيمة النص القرآني تشعرك أن الله عز وجل يخاطبنا بالابتعاد عن سوء الظن، إذا هذا المرض خطير إذا استحكم من نفس الإنسان يصعب عليه أن يتخلص منه. لذلك يعني هذا أدب أول تكلم عنه الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى، ينبغي على المسترشد أن يفرغ قلبه وعقله منه إذا أراد أن يكمل الطريق وإلا يقع في المعوقات.
الخلق الثاني الذي ينبغي عليك أن تجتنبه قوله: وادفع الحسد بقصر الأمل. المرض الثاني الذي يصيب الإنسان في طريقه إلى الله هو الحسد. والحسد أيها الأحبة كذلك مرض خطير ويصيب الدعاة ويصيب طلبة العلم ويصيب المصلحين ويصيب عوام الناس. والحسد يعرفه ابتداء فنقول: الحسد أن تتمنى زوال النعمة عن الآخرين. هذا هو الحسد. أن تجد على إنسان النعمة أنعم الله عز وجل عليه برزق، أنعم الله عز وجل عليه بعلم، أنعم الله عز وجل عليه بالولد، أنعم الله عز وجل عليه بالجاه، نعمة أنعمها الله عز وجل على عبد من العباد، فأنت تتمنى زوال النعمة عن ذاك الشخص لأنك لم تحصلها. وهذا فرق بين الحسد وبين الغبطة.
فالغبطة أن تتمنى النعمة التي حصلها فلان أو التي أنعم الله عز وجل بها على فلان من غير أن تتمنى زوال النعمة عنه، هذا يسمى غبطة، والإنسان يسأل الله من فضله، أما الحسد لا، الحسد أن تتمنى أن تزول النعمة عن ذاك الشخص. وفي الحقيقة الحسد هو يعني لو استطعنا أن نقول: أول كفر وقع على هذه الأرض سببه كان ماذا؟ الحسد. إبليس كان كفره بسبب ماذا؟ بسبب الحسد، أنه عندما أمره الله عز وجل أن يسجد لآدم أخذته العزة بالإثم، حسد آدم على هذه الرفعة التي منعها الله عز وجل له، فاستكبر وحسد وقال: خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، فالحسد كان سبب أول كفر وقع على الأرض.
كذلك الحسد كان سبب أول سفك دم على وجه الأرض، أول سفك دم على وجه هذه الأرض كان بسبب ماذا؟ قابيل وهابيل، الله سبحانه وتعالى عندما تقبل من هابيل قربانه جاء أخوه قابيل فقتله، حسدا لماذا أنعم الله عز وجل عليه بهذه النعمة وهي القبول، ولم ينعم عليه بذلك. فإذا أول سفك دم على وجه الأرض كان بسبب الحسد، أول كفر على وجه الأرض كان بسبب الحسد. بنو إسرائيل الله عز وجل محقهم، كتب عليهم الصغار كذلك بسبب اتصافهم بصفة الحسد. كثيرا ما نقرأ في النصوص القرآنية عندما نتكلم عن بني إسرائيل، قال ماذا؟ بَغْيًا بَيْنَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ، بَغْيًا بينهم يعني حسدا بينهم.
كذلك بنو إسرائيل الله عز وجل ماذا وصفهم؟ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِمْ. إذا كل إنسان في هذه الصفة فيه صفة من صفات بني إسرائيل، كل إنسان عنده حسد للآخرين هذا إنسان فيه صفة من صفات اليهود. لذلك عندما نقرأ قصص اليهود وبني إسرائيل الله عز وجل عندما قصها علينا أرادنا أن نبتعد عن تلك الأخلاق التي اتصفوا بها، ليس فقط قصص للتاريخ، هي قصص للاعتبار، أن كل من فعل هذا الفعل الذي ذم به بنو إسرائيل فهو فيه من صفات بني إسرائيل.
فمن اتصف بالحسد هذا فيه من صفات اليهود، من اتصف بالبخل هذا فيه صفة من صفات اليهود، ومن اتصف بالكذب فيه صفة من صفات اليهود، وعلى ذلك فقس. إذا نعود إلى الحسد، إذا الحسد أمره خطير، إذا كان أول كفر وقع على الأرض بسبب الحسد، وإذا كان أول دم سفك على الأرض بسبب الحسد، وإذا كانت محق البركة في بني إسرائيل وسخط الله عز وجل عليهم واعتداؤهم على أنبيائهم كان بسبب الحسد، إذا هذا مرض خطير. والإنسان يخشى أن يدخل عليه هذا المرض. وخطر هذا المرض أيها الأحبة أن الإنسان إذا ابتلي بالحسد للآخرين فإن حسده يعميه ويصمه، فلا يرى إلا المحسود، فيمكن أن يفعل موبقات الأفعال وموبقات المعاصي، بل قد يقع في الكفر مقابل أن يرفع تلك النعمة عن ذاك الشخص المحسود. هذا خطورة الحسد.
لذلك كما جاء في الحديث الذي يحسنه بعضهم ويضعفه بعضهم، قال صلى الله عليه وسلم: إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب. يعني الحسد إذا ابتلي به الإنسان اشتعل في حسناته يهلكها إحراقا. ما هو السبب؟ هو الذي ذكرناه، أن الإنسان إذا ابتلي بهذا المرض فإنه لا يبصر إلا المحسود، يريد ويفكر ويدبر كيف يرفع النعمة عن ذاك الإنسان؟ بأي طريقة كانت، بأي وسيلة محرمة، حتى ولو أوقعته في كبائر الذنوب ولو أوقعته في وفي الخروج من دين الله عز وجل يفعلها مقابل أن يرفع هذه النعمة. لذلك الحسد خطير كما قلنا ويعمي الإنسان عن رؤية الأمور كما هي وكما يريد الله عز وجل.
الله سبحانه وتعالى بين لنا المنهج الذي ينبغي علينا أن نسلكه قبل أن نأتي إلى منهج المحاسبي. نقول الله عز وجل قال: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا ۖ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ۚ، ثم قال ماذا: وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ. هذا هو المنهج الذي يسلك العبد، أن تسأل الله سبحانه وتعالى من فضله العظيم، فهو قادر كما منح فلانا تلك النعمة أن يحكيها لي، ولكن توجه إليه عز وجل بصدق، فإذا كنت أهلا لأن تحل فيك تلك النعمة فالله عز وجل يعني خزائنه واسعة لن يبخل عليك بشيء إذا طرقت بابه، أما أن تسلك تلك المسالك الوعرة فإننا نخشى عليك من الهلاك.
المحاسبي رحمه الله ما منهجه في الحسد؟ يقول: وادفع الحسد بقصر الأمل. هذا هو العلاج عنده لمرض الحسد، قصر الأمل. ما معنى قصر الأمل؟ يقول أيها العبد إذا عرفت أن هذه الدنيا ساعات وتنقضي، أيها الحاسد إذا عرفت في لحظة واحدة سيأتيك ملك الموت يقبض روحك، إذا جاءت تلك اللحظة التي سيقبض فيها ملك الموت روحك، هل تتمنى أنك حسدت فلانا؟ هل ستتمنى أنك سعيت وبذلت جهدك من أجل أن تؤذي فلانا وأن تتبع عورات فلانا حتى ترفع عنه تلك النعمة؟ هل ستتمنى هذا، أو ستتمنى أنك...
إلى فلان، ولا عرفته، ولا تمنيت في لحظة واحدة تلك النعمة التي علي. الإنسان أيها الأحبة إذا عرف أن هذه الرحلة قصيرة، وأنك مهما يعني بلغت ستحصل رزقك الذي قسمه الله عز وجل لك، إذا اعتقد هذه الأمور ودخلت في وجدانه واستكان لها واطمأن لها قلبه؛ فإنه لن ينشغل بالآخرين. لن ينشغل أبدًا بعيوب الآخرين، ولن ينشغل كذلك بالنعم التي أنعم الله عز وجل بها على الآخرين؛ لأنه لن يجد الوقت لذلك. هناك قصر في الأمل لهذا الإنسان، يعلم أنه في لحظة واحدة سينتهي كل شيء. أنا لا أجد وقتًا لأن أحسد الناس. يعني أنا أقول الله أعلم أيها الأحبة أغلب الأمراض التي تصيب الدعاة أو تصيب المسترشد سببها الفراغ، سببها الفراغ الذي يحيا به.
لو كان هذا الإنسان الحاسد منشغلًا الوقت في طلب العلم والتحصيل والدعوة والإصلاح والعمل وقضاء حوائج الناس وقضاء الحقوق وصلة الأرحام، هل سيجد وقتًا في التفكير في مثل هذه الأمور؟ يعني أنت لو نظرت إليها تجدها أمورًا يعني حقيقة لا تصلح للإنسان المسلم، فضلًا لطالب العلم، بل هل العالم أن يلتفت إليها؟ تتمنى أن تزول النعمة عن الآخرين، ثم أنت أيها الحاسد إنما تدافع الله عز وجل في أقداره. هذا قدر من الله عز وجل أنعم على فلان نعمة. تمنيك زوال النعمة عن هذا الشخص هذه مدافعة لقدر الله عز وجل، فكأنك تعارض حكم الله. هي معارضة لماذا حكم الله لفلان بهذا الشيء؟ وتتحدى من؟ الله عز وجل. لذلك الحاسد لو جلس مع نفسه وتأمل لوجد نفسه مخطئًا خطأً عظيمًا، ولوجد نفسه يتحدى إلهًا كبيرًا قسم الأرزاق ووزع الأمور بعلمه وحكمته. لماذا يصلح هذا لفلان؟ ولماذا يصلح هذا لفلان؟
لذلك هذا مرض آخر تكلم عنه الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى وهو قضية الحسد، وذكر العلاج، يعني نلاحظ المحاسبي لا يلقي فقط المرض، ويلقي المرض ويلقي العلاج. ففي سوء الظن أعطاك العلاج، ما هو؟ حسن التأويل، أن تعود النفس على حسن التفسير لأقوال الناس. وفي قضية الحسد أعطاك العلاج، وهو قصر الأمل في هذه الحياة الدنيا. ثم بعد ذلك يقول المحاسبي: وإن في الكبر بسلطان الله تعالى. كذلك أيها الأحبة الكبر مرض من الأمراض. أنا لا أحب أن أقف طويلًا عند كل كلمة من كلمات المحاسبي، ولكن هي ومضات سريعة يعني إشارات من الحارث المحاسبي نقف عندها وقفات سريعة. المحاسبي رحمه الله يقول لك: وإن في الكبر؟. الكبر كذلك مرض خطير يبتلى به المسترشد، وأنت تلاحظ الحسد يمكن أن يبتلى به الداعي والمصلح وطالب العلم، سوء الظن يمكن أن يبتلى به الداعية والمصلح وطالب العلم، كذلك الكبر يمكن أن يبتلى به الداعي والمصلح وطالب العلم.
خاصة أيها الأحبة يعني بعض الناس إذا قضى شوطًا في عبادة الله عز وجل، إذا آتاه الله عز وجل حظًا من معرفته، حظًا من العلم، حظًا من العبادة والنسك؛ إذا لم ينتبه على القلب يخشى أن هذا الحظ يورثه كبرًا على الناس. يعني ينظر إلى الناس بالنظرة الدونية كما يقولون، تجد نفسك أحيانًا في المسجد منشغلًا بذكر الله عز وجل، تجد شخصين يتكلمان، يعني لاحظ قلبك، قد تنظر إليهما بنظرة دونية، يعني أنا أذكر الله عز وجل، أنا أفضل من هذين الرجلين. شف هذه النظرة، هاي نظرة تكبر. الله عز وجل آتاك حظًا من العبادة، آتاك حظًا من العلم، هذا ينبغي أن يكون زيادة في التواضع وزيادة في الاعتراف بالمنة والفضل لله. فكونك شغلك الله عز وجل بالطاعة والعبادة هذه منة من الله عز وجل، محض فضل الله عز وجل عليك، ليس من ذكائك وليس من اجتهادك وحرصك، وإنما هو محض فضل الله عز وجل عليك. نعم، فقد تبذل الأسباب لأن تنال العبادة، ولكن عليك أن تتذكر أنها محض فضل الله عز وجل عليك، سواء كان هذا في عبادة كما قلنا، سواء كان في طلب علم، سواء كان في عمل دعوي، في عمل إصلاحي، كله عمل فيه قربة لله عز وجل، إياك أن تقلبه كبرًا على عباد الله عز وجل.
لكن في الحقيقة هناك أمر ينبغي أن نفرق فيه. فرق بين الكبر وبين التحفظ، وهذه رسالة إلى طلبة العلم وإلى الدعاة، ولكل مصلح ولكل إنسان يريد السلامة. هناك فرق بين الكبر وبين التحفظ. التحفظ أيها الأحبة أن المسلم الذي يريد النجاة في هذه الحياة الدنيا ينبغي عليه ألا يجلس في مجالس الناس العامة في الحقيقة، ينبغي عليه ألا يكثر الجلوس في تلك المجالس التي يلغو فيها اللاغون، ويكثر فيها اللغط، ويكثر فيها الخوف، ويكثر فيها الاستهزاء بالشعائر، ويكثر فيها الكلام الذي لا يعود على القلب بالصلاح والنفع. فطالب العلم خاصة، والمسلم الذي يريد النجاة، يزهد بوقته ويشح بوقته أن يضيعها مع هذه الفئة من الناس. الآن هذا التحفظ ينبغي أن تكون دقيقًا، إياك أن يصبح كبرًا؛ يعني هي قضية شعرة. إياك أن يصبح هذا التحفظ كبرًا. نعم، ينبغي عليك أيها المسلم أن تتحفظ من كثرة المجالس التي تصدك عن ذكر الله عز وجل.
يأتيك شخص يقول لك: لماذا لا تجلس معنا؟ نعم هنا ينبغي أن يكون الخطاب حكيمًا، تبين له أن سبب عدم الجلوس أن هذه المجالس يكثر فيها اللغط والخلط، وليس لأني أنا أتكبر عن هذه الطبقة من الناس، وليس لوجود الاستعلاء النفسي عليكم، ولكن هو في ظل مصلحة القلب ولمصلحة العلاقة مع الله سبحانه وتعالى؛ لا أجد وقتًا لأبذله في تلك المجالس الضارة. هو يبين للناس هذا حتى يصبح ديدنًا له؛ لأن طالب العلم خاصة سيجد من يتهمه بالكبر إذا تحفظ. لذلك أردت التنبيه على هذه القضية حتى يعرف طالب العلم ما هو الفرق بين التحفظ وما هو الفرق بين الكبر؟ الكبر هو شعور في القلب يجعلك تشعر بالاستعلاء على الآخرين، أما التحفظ فهو تصرف تتصرف به يمنعك من الجلوس مع المجالس التي فيها سفاسف الأخلاق والأقوال والأفعال، ففرق بين هذا وبين هذا، تحفظ أمر محمود للعبد ينبغي عليه أن يحرص عليه، وإلا ستفنى الساعات.
يعني إذا طالب العلم يريد أن يظهر التواضع، فكل ما يريد يظهر التواضع حتى لا يتهمه الناس بالكبر يجلس مع الناس. يقول لك: إذا امتنعت عن الناس سأُتهم بالكبر وسيُسأل لماذا فلان لا يجلس معنا؟ هل يظن نفسه خيرًا منا؟ وتصبح هناك الأقوال والأفعال. لا، أن تكون حكيمًا، عليك أن تتحفظ، نعم هذا مسلك مهم وإلا سيضيع عليك العمر، ولكن عليك في نفس الوقت أن تبين للناس وجه هذا التحفظ حتى لا تتهم بالشر وبالسوء. وفي النهاية الله سبحانه وتعالى يعلم ما في قلب هذا العبد، هل قصد التحفظ أو قصد الكبر؟ إذا كان قصد التحفظ فالله عز وجل يعينه على نفسه وعلى الناس، وإذا كان قاصدًا الكبر في ثوب التحفظ فإن الله عز وجل يفضح هذه السريرة، والله عز وجل على كل شيء قدير.
ننتقل إلى الكلام عن أمر آخر تكلم عنه الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى، لكن يعني قبل أن أنتقل، ما العلاج الذي قدمه رحمه الله للكبر؟ قال: وإن في الكبر بسلطان الله تعالى. وإن في الكبر بسلطان الله تعالى، ما معنى هذا الكلام؟ هو يقول لك إذا ابتليت بمرض الكبر، عليك دائمًا أن تستحضر أن هناك ربًا قاهرًا يستطيع أن يزيل هذه النعمة التي بسببها تكبرت على الناس. يعني أنت تكبرت بسبب علم؟ الله عز وجل قادر أن يسلبه. أنت تكبرت بسبب مال؟ الله عز وجل قادر أن يأخذ هذا المال في لحظة. فإذا تذكر العبد سلطان الله عز وجل، وتذكر أن الله عز وجل هو المنعم وهو المعطي وهو المانع وهو الباسط وهو الخافض، في كل شيء الله عز وجل هو الموجود، هو المعطي وهو الذي يمنعك وهو الذي يرفعك وهو الذي ينزلك. إذا كان العبد واعيًا لهذا السلطان العظيم لله عز وجل، يعرف قدره في هذه الحياة الدنيا.
يعني قارون أيها الأحبة عندما ذكروه بالله عز وجل، قالوا هذه الأموال التي حصلتها؟ يبذلها لله عز وجل. قال: وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا. ماذا كانت ردة الفعل؟ قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي. انظروا النظرة الآن، قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي، هناك تكبر، ظن نفسه أني أنا جمعت المال وأنا بذلت هذه الكنوز، نظرة تكبرية. ماذا كانت النتيجة؟ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ، انتهى الأمر، يعني الموضوع لن يطول على الله سبحانه وتعالى، انتهى فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ. لذلك الإنسان يحذر أن يبتلى بهذا المرض، وتذكر أن الله عز وجل فوقك، وأن كل شيء تكبرت به فالله عز وجل قادر على أن يسلبه منك. هذا هو العلاج الذي يقوله المحاسبي.
ثم قال: واترك كل فعل يضطرك إلى الاعتذار، وجانب كل حال يرميك في التكلف. المحاسبي هنا أيها الأحبة يطرح موضوعًا مهمًا في الحقيقة، موضوع أن كثيرًا من الناس يفعل أفعالًا، هذه الأفعال لو نظرنا من حيث الأدلة أو من حيث وجه الحق فيها، قد يكون محقًا فيها من حيث الأدلة ومن حيث النظرة، ولكن هذه الأفعال لا يفهمها المجتمع الذي يعيش فيه هذا الشخص، وإذا فعلها وصدرت منه أمام الناس سيستنكرون منه هذه التصرفات؛ ليس لأنها باطلة في ذاتها، هي قد تكون دلت الأدلة عليها، أو قد يكون له فيها وجه من الحق، ولكن الناس لم يشع بينهم هذا التصرف، ولم يشع بينهم هذا الفعل، ولم تشع بينهم هذه الهيئة. فالحارث المحاسبي رحمه الله يقول لك أيها المسترشد: عليك ألا تفعل فعلًا يضطرك إلى الاعتذار. كيف ذلك؟ أنت الآن إذا فعلت فعلًا لا يعرفه المجتمع سيستنكر، سيقول لماذا فعلت كذا؟ الآن ستضطر أن تعتذر، الاعتذار يعني أن تبين وجهة نظرك، لا أنا فعلت هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا، وهناك أثر عن الصحابي الفلاني أنه كذا، وكانوا يلبسون كذا. فالحارث المحاسبي يقول لك: لماذا تفتح على نفسك هذه الأبواب؟
لأن هذا الشيء أو هذا التصرف أو هذا المظهر أو هذا الشيء الذي اعتقدته ورأيته حقًا لا يوجد في هذا المجتمع، ظاهرة غير منتشرة بينهم، وفي أغلب الظن أنك إذا فعلتها ستثير فتنة، أو ستثير استشكالًا، وستدفع الناس إلى أن يدخلوا في غيبتك، وتعينهم على أن يدخلوا في غيبتك. هم يقولون إن الفقهاء لماذا الشرع كره لباس الشهرة؟ قال: انظروا مأخذ الفقهاء يقولون لماذا يكره لباس الشهرة؟ اللباس الغريب أو الزي الغريب عن أهل الوطن أو أهل البلد، لماذا يكرهه الشرع؟ قالوا: إن فيه إعانة للناس على الغيبة، لأن فيه إعانة للناس على الغيبة؛ لأن الإنسان إذا لبس ثوب شهرة الناس في مجالسهم يستغيبونه، انظر فلان ماذا يفعل، فلان لابس كذا، فلان لابس كذا، فأنت كنت سببًا في إعانة الناس على هذه الغيبة. لذلك نقول أيها الأحبة، إذا كان الفعل أو التصرف الذي رأيته حقًا وجاءت الأدلة باعتباره، ولكن ليس أصلًا من أصول الدين، إذا كان أصلًا من أصول الدين فلا مجال فيه، ولكن القضية في أفعال فقهية فروعية، يعني أفعال فيها اجتهاد.
أنت درست مذهب أحمد بن حنبل، عرفت قولًا جديدًا عن واقع المجتمع، درست قولًا، قرأت كتابًا وجدت فيه قولًا يصححه العلماء ولكنه غريب عن مجتمعك؛ لا تسارع في تطبيق هذا القول وإظهاره أمام الناس حتى لا تقع في استهجان الناس، وفي إنكار الناس عليك، وإحداث فتنة في المجتمع وأنت غني عنها؛ لأن هذا الفعل ليس كما قلنا من أصول الدين، لا حاجة إلى التصرف به في هذا الموضع. أردت أن تفعله؟ نقول افعله وحدك، عندما تكون غائبًا عن أعين الناس، بحيث لا تحتاج إلى اعتذار، ولا تحتاج إلى أن تعين الناس على غيبتك وعلى الوقوع فيه، وهذا كثير ما نجده في طلبة العلم؛ يحاول أن يتميز عن الناس، بعض الأفعال هو طالب علم متحمس جديد، قرأ كتابًا فقهيًا أو في العقيدة أو في اللباس أو في شيء من الآداب، يأخذ قولًا واحدًا ويعتبره هو الولاء والبراء على هذا الفعل أو على هذا التصرف، يريد أن يطبقه في المجتمع حتى لو عاداه الناس، إما في لباس وإما في مظهر وإما في تصرف، يدخل في شحناء وبغضاء، في الحقيقة تذهب فائدة هذا الطالب من المجتمع؛ لأن ما فائدتك كطالب علم؟ أن تكون مشعلًا للدعوة ومشعل إصلاح، وأخذ الناس إلى الخير والصلاح. أنت من بداية الطريق نفرت الناس عن دعوتك، أبعدت الناس عن المنهج الصحيح بسبب تصرف غير حكيم صدر منك.
الآن أيها الأحبة كون الشيء حقًا في نفسه هذا لا يعني أن يكون حقًا في التصرف، قد يكون الشيء هو حق في ذاته ولكن في التصرف لا يكون حقًا. فينبغي على الإنسان أن يفرق بين كون الشيء حقًا في ذاته وبين كونه في هذه اللحظة أو القيام به في هذه الواقعة ليس حقًا؛ لأنه يؤدي إلى مفاسد أكبر منها. لذلك دراسة علم مقاصد الشريعة ومعرفة المصالح والمفاسد، وما الذي يجب أن يقدم وما الذي يجب أن يؤخر مهم لطالب العلم، حتى لا يبادر ولا يحمل الناس فوق طاقتهم في أفعاله. لذلك هنا مثلًا مقولة لعلي بن أبي طالب في الحقيقة جميلة، يقول علي بن أبي طالب: إياك وما...
اسبقوا إلى العقول إنكاره. إياك وما يسبق إلى العقول إنكاره، يعني إياك أن تفعل فعلاً عقول الناس ستستنكره. قال: ماذا؟ قال: وإن كان عندك اعتذاره، يعني حتى ولو كان عندك الجواب عن هذا التصرف جاهز تستطيع أن تجيب إذا جادلك شخص، لا تفعل هذا الفعل. وانظروا للكلمة الحكيمة الآن، شوف التعليل، قال: فليس كل سامع نكراً؛ يعني ليس كل إنسان رأى الفعل المنكر يطيق أن يسمع عذراً، يعني ليس الإنسان الذي رأى منك هذا الفعل الذي استهجنه واستنكره يستطيع أن يتفهم عذرك الذي أبديته.
لذلك أنت لا توقع الناس ابتداءً في جدال وفي نقاش وأنت غني عنه. وهذه حكمة كبيرة من الحارث المحاسبي، وكذلك حكمة كبيرة من علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؛ يعني احفظ هذه الجملة: فليس كل سامع نكراً يطيق أن يسمع عذره. هذا مثل، احفظ أن الناس أيها الأحبة، عوام الناس ينبغي على الداعية وعلى المصلح ألا يكلفهم فوق طاقتهم في الفهم والاستيعاب، فليس كل إنسان نظر فعلاً منك يمكن أن يفهم جوابك واعتذارك عنه.
لذلك التميز في طالب العلم في الداعية أنا أقول ليس في اللباس، وليس في الهيئات وليس في الشعارات، وإنما التميز أولاً في الأخلاق وفي السلوك وفي الآداب. أن تكون متميزاً في أخلاقك، في سلوكك، في أدبك مع المجتمع. أن تكون متميزاً في إيجاد الأعذار للناس وإيجاد المخارج الشرعية؛ يعني ليس طالب العلم المتميز هو الذي يسد على الناس المخارج، بل بالعكس، طالب العلم المتميز هو الذي يستطيع أن يجد للناس المخارج في الأقوال والأفعال ما وجد لذلك مخرجاً.
هذا هو التميز أيها الحبيب، أن تجعل المجتمع يحبك، أن تجعل نفسك مقبولاً عند المجتمع. طبعاً في النهاية يقول الطالب: المجتمع لا يريد بعض الثوابت الدينية. نعم، الآن الثابت تثبت عليه، لكن عندما يرى المجتمع أنك هين لين في التعامل، عندما يرى المجتمع الأخلاق والآداب العامة التي تتعامل بها، عندما يرى المجتمع الشفقة والإصلاح الذي تريده له، هنا الثوابت سيحبها المجتمع منك حتى ولو كان في هذه اللحظة الآنية يرفضها. والدليل محمد صلى الله عليه وسلم، دعا وحافظ على ثوابته وكان في نفس الوقت خلوقاً مع الكفار والمشركين، وكان مؤدباً، كان حريصاً على أن يسهل على الناس وأن يرفع الحرج والضيق عنهم، ولكنه حافظ على ثوابته وعلى مبادئه، لذلك دخلت محبته إلى قلوب خصومه مثلما دخلت إلى قلوب محبيه وأنصاره.
وكثير من الناس آمنوا بمجرد أن التقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. ثمامة بن أثال قال: والله يا محمد ما كان وجه أبغض إليّ من وجهك، والآن وجهك أحب الوجوه إليّ، لحسن التعامل منه صلى الله عليه وسلم. لذلك يعني هذا أمر سريع، أن تميز طالب العلم بأخلاقه وأدبه وسلوكه، تميزه في تصحيح أقوال الناس وأفعالهم ما وجد لذلك موجداً. إذا القضية سُدّت، يعني ليس الذي يصحح أحوال الناس وأفعالهم هو الذي يحل القروض الربوية والفوائد من باب التسهيل على الناس، لا، هناك ثوابت قطعية، لكن الكلام عن الأمور الاختلافية التي يكثر فيها كلام أهل العلم ونظرهم، فيحاول الإنسان ويسعى أن يسهل على الناس في أمور حياتهم، وأظن المقصد واضح.
ثم قال رحمه الله تعالى: وصُن دينك بالاقتداء. ينبغي على العبد، هذا توجيه جديد ورسالة جيدة من المحاسبي، يقول لك: ينبغي عليك أن تحفظ دينك، تحفظه من البدعة، تحفظه من الشبهات، تحفظه من أن يطعن فيه من الآخرين. كيف تحفظ الدين من البدع ومن الشبهات ومن أن يطعن فيه؟ قال: بالاقتداء، الاقتداء بمن؟ الاقتداء بالسلف الصالح، الاقتداء بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالصحابة وبالتابعين، ذاك الجيل الذي مدحه النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي عليك أن تقتدي به إذا أردت السلامة. قف حيث وقف القوم، كما قالوا: حيث وقف الصحابة والتابعون قف معهم، المسائل التي دخلوا فيها ادخل معهم، والمسائل التي سكتوا عنها اسكت معهم، ولا تفتح الأبواب المغلقة.
لذلك أيها الأحبة، طالب العلم عليه أن يحرص على قضية مهمة، وهي ألا يبتدع رأياً جديداً ليس له فيه إمام. لذلك العلماء الكبار من سلفنا ومن العلماء ابن تيمية ومن قبله ومن بعدهم كانوا يقولون: نحن لا نقول في مسألة بقول إلا ولنا فيها إمام؛ يعني هناك عالم سابق قال بهذا القول. أما أن يأتي طالب العلم فينتج قولاً جديداً لم يقل به أحد ممن سبق فهذا مرض، فليحذر الإنسان من هذه القضية. عليك أن تقتدي بالسابقين وإياك أن تُحدث قولاً مبتدعاً تخالف به أهل عصرك، فكل قول لا تجد فيه كلاماً للعلماء في المسائل القديمة، لأن النوازل دعونا منها، الكلام في المسائل القديمة، إن أحدث فيها قولاً جديداً ليس لك فيه إمام متبع احذر من هذا الباب، وهذا منهج ليس بسوي.
فعليك أن تحفظ دينك بالاقتداء، أنت إذا أحدثت هذا القول الجديد الذي لا يوجد عالم ممن سلف قال به، سيُطعن في دينك، وسيُطعن في عدالتك، وسيُطعن في علمك وفي ورعك وفي تقواك، فأنت غني عن هذا، فضلاً أن الخير كل الخير في اتباع السلف. هذا يعني "نحن رجال وهم رجال"، وهناك كثير من المقولات حقيقة الغريبة التي نسمعها في هذا العصر، ممن لم يعلُ كعبه في العلوم الشرعية، يتكلمون بكلام غريب مستهجن لا يليق بحالهم.
هناك أمر آخر يلفت إليه في قضية الاقتداء، قضية دعوات التجديد التي تُسمع من وقت إلى آخر، يقولون: علينا أن نجدد الدين. الآن في مصطلحات التجديد ما معنى التجديد في الدين؟ طالب العلم ينبغي عليّ أن عندما يقف مع هذا المصطلح أن يتأمل: ما المراد بالتجديد؟ أنا أعرف الاقتداء بالسلف، أما قضية التجديد فهذا مصطلح مجمل يحتاج فيه إلى تفصيل. هل مثلاً التجديد هو الطلب بحرية المرأة مثلاً؟ هذا شيء تجديد؟ كما قاله بعض الدعاة، قضى نحبه وذهب إلى ربه، قال: التجديد نحن نريد تجديد المرأة في تحرير المرأة من الحجاب، اعتبر هذا تجديداً دينياً. التجديد في إسقاط كليات الشريعة والمقاصد الثابتة في الشريعة يجعلون هذا هو التجديد الديني المطلوب.
وهناك من يقول: نريد التجديد في الوسائل التي ندعو بها إلى الله عز وجل في الآليات التي تُتّبع. نقول: نعم، التجديد في باب الوسائل التي ليست بقطعية متغيرة، التجديد الذي في الآليات التي تصل بها الدعوة إلى الآخرين في استخدام الوسائل الحديثة المعاصرة، نعم هذا تجديد مقبول. وهناك تجديد مرفوض، التجديد الذي يقصدون به هدم الدين وهدم المقاصد الشرعية الثابتة والمساس بالثوابت، لا، هذا تجديد نقول فيه: هذا تجديد مردود على صاحبه لا يُقبل شرعاً، ونلتزم بقول المحاسبي رحمه الله: صُن دينك بالاقتداء، نقتدي بالسلف الصالح، وأي دعوة جاءت نرمي بها عرض الحائط. أي ترهات أيها الأحبة تسمعها في التلفاز أو في وسائل التواصل الاجتماعي أو في أي مكان أو من أي جاهل نطق بها، حتى ولو وسم نفسه بوسم الإصلاح، أي داعية يريد أن يمس بكليات الشريعة ويسمي هذا ويزخرفه بكلمة التجديد الديني وأحياناً يسمونه الإصلاح الديني، يعني انظر العبارات المنمقة، الإصلاح هو في الحقيقة هدم لكليات الشريعة، فهذا مردود على صاحبه لأنه مخالف لمنهج السلف.
كذلك يقول الحارث بعد ذلك رحمه الله: واحفظ أمانتك بطلب العلم. وهذا مر معنا ذكره في الدرس الماضي عندما قال: وقيد الجوارح بأحكام العلم، هي ومشابهة لا فرق بينهما إلا في استخدام مصطلحات جديدة أخرى، فهو يقول لك: احفظ أمانتك بطلب العلم. ما هي الأمانة؟ هذا الجسد بجوارحه وبنفسه وبروحه، هذا أمانة استودعها الله عز وجل عندك. وذكرنا في الدرس الماضي أن الجوارح يجب عليها ألا تُقدم إلى من التصرفات قبل أن تعرف حكم الله عز وجل، فاليد لا تفعل شيئاً إلا بعد معرفة حكم الله، والعين لا تفعل شيئاً إلا بعد معرفة حكم الله، وقل ذلك بالسمع وفي القدم، فهذا إذاً مكرر يرجع فيه إلى ما سبق.
ثم قال: وحصّن عقلك بآداب الحلم. انظروا في الحقيقة الحارث المحاسبي يستخدم عبارات دقيقة مختصرة ولكن معانيها عظيمة، يحتاج الطالب أن يقف مع كل عبارة ومع كل نص من الحارث المحاسبي رحمه الله. يقول لك: وحصّن عقلك بآداب الحلم. ما هو الحلم أيها الأحبة؟ يعني الحلم هو نوع من الصبر والأناة والتأني. النبي صلى الله عليه وسلم قال لأشج عبد القيس: إن فيك لخصلتين يحبهما الله، الحلم والأناة.
لذلك أيها الأحبة، من أعظم الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المسترشد والداعية والمصلح وطالب العلم الحلم؛ لأن من فقد الحلم سَفِهَ بنفسه وبعقله. الإنسان ضعيف الحلم لا يصبر على الناس، لا يوجد عنده أناة، هذا سريع الغضب، فيدخل نفسه في مشاكل وفي جدالات وفي نقاشات ويدخل نفسه في أمور هو غني عنها ويخسر بذلك نفسه ويخسر مكانته. أما الإنسان الذي تجده صاحب حلم، عنده أناة، عنده صبر، لا يوجد حماس مندفع واستعجال في اتخاذ القرار، هذا الإنسان يعظم قدره في المجتمع بشكل عام، فضلاً أنه يعظم قدره عند الله سبحانه وتعالى. لذلك أشج القيس كان مُعظماً في قومه بسبب هاتين الخصلتين: الحلم والأناة.
فالإنسان المسترشد، طالب العلم، الداعية، المصلح، ينبغي عليه أن يتحلى بخلق الحلم حتى لا يفسد دعوته، وأنت أيها الداعي ستواجه مجتمعاً، ستتعامل مع أقوام، قد تكون الأخلاق فيها إشكال بينك وبينهم، سيكون هناك تعجل في أذيتك، في اتهامك، في رميك، في رفض دعوتك. إذا لم تُرزق حلم الأناة متى ستنتصر هذه الدعوة؟ لن تنتصر لأن صاحبها مباشرة سيُنهيها تماماً بأن يدخل في اقتحام مباشر وينهي هذه القضية وهذه الفكرة وهذه الدعوة التي يريدها.
كذلك أيها الأحبة، من لم يُرزق الحلم إذا كان صاحب دعوة، فإنه سرعان ما يفسد هذه الدعوة التي جرت سنوات وهو يسقيها بسبب استعجاله. الإنسان اللي بيفقد الحلم والأناة والصبر والنظر في الأمور بحلم وعدم تعجل، يكون يسقي ثمرة ويبني بنياناً في سنوات، ثم هذا البنيان يقتله وهذه الثمرة يفسدها بسبب ماذا؟ بسبب ذهاب الحلم عنه في لحظة واحدة، وهذا هو الذي يقسم ظهور الدعوات عندما يستعجل أصحابها في قطف ثمارها؛ تقتل هذه الدعوة مباشرة ويُهلك بنيان عظيم، ناس ضحوا من أجله وبذلوا أعماراً ودماء من أجل أن يُبنى هذا البنيان، ثم بعد ذلك بسبب فقد الحلم وفقد الصبر وفقد الأناة يفسد هذا البنيان.
لذلك نسأل الله المعونة، محمد صلى الله عليه وسلم جلس يدعو وتحمل من قومه الأذى الكثير، أُوذي وعُذب وعُذب أصحابه وهاجروا مرة ومرة وثلاثاً؛ إلى الحبشة مرة، وإلى الحبشة مرة ثانية، وإلى المدينة، وحدثت هناك إشكالات كثيرة قبل أن يتخذ النبي صلى الله عليه وسلم قرار المواجهة، كان عنده صلى الله عليه وسلم حلم؛ لأنه يعلم أني إذا استعجلت في اتخاذ القرار قبل أوانه فإني سأقتل دعوتي وسأقتل نفسي وسأقتل مجتمعي الذي أيدني والذي قام معي. فخلق الحلم خُلُق مهم جداً للداعية والمصلح، وإلا سيفسد عمله من حيث يظن أنه يحسن عمله.
ثم يقول بعد ذلك الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: وأعد الصبر لكل موطن. الصبر أيها الأحبة تكلمنا عنه فيما سبق، تكلمنا عن صوره وأشكاله، أعاد الحارث المحاسبي الكلام عنه مرة أخرى لينبه على هذه المنزلة العظيمة، وهي أن هذه الحياة الدنيا جُبلت على البلاء والامتحان، لا يمكن لهذه الحياة الدنيا أن تتجرد من البلاء والامتحان لأنها جبلت عليه. لذلك يقول السكندري رحمه الله: "لا تستغرب وقوع الأكدار، ما دمت في هذه الدار، فإنها ما أبرزت إلا ما هو مستحق وصفها وواجب نعتها".
يقول لك لا تستغرب أيها الحبيب أن تقع في الهموم والغموم والأكدار ما دمت في هذه الحياة الدنيا؛ لأن هذه الحياة الدنيا إذا أوقعت بك في الأكدار فهي أوقعتك في شيء هو من جبلتها ومن طبيعتها التي فطرت عليها. لذلك أيها الحبيب وقوعك في البلاء ليس أمراً نادراً، وليس شيئاً غريباً مفاجئاً أن تُبتلى، سُتُبتلى، إذا لم تكن مبتلى الآن سُتُبتلى فيما بعد، ولكن هذه الحياة لابد فيها من بلاء.
لذلك ماذا يقول أبو الحسن التهامي؟ "طُبعت على كدر وأنت تريدها.. صفواً من الأقذار والأكدار، ومُكلف الأيام ضد طباعها.. متطلب في الماء جذوة نار". يعني الذي يريد من الأيام ألا ترفعه في البلاء ولا يريد في الأقدار أن يكون مكتوباً له البلاء، هذا كأنه يطلب جذوة من النار في داخل الماء، هل يمكن يوجد نار داخل ماء؟ الماء يطفئ النار، وكذلك هذا الحد؛ هذا الإنسان الذي يريد ألا يقع في البلاء أبداً ما دام في هذه الحياة الدنيا فنقول له: ستقع في البلاء لابد، ولكن ينبغي عليك أن تستعد لذلك. ماذا يقول لك المحاسبي: وأعد الصبر لكل موطن. هذه الحكمة الجديدة، أن الإنسان عليه أن يعد الصبر من الآن حتى إذا جاء وقت البلاء يكون مُوطّناً نفسه على استقباله. لذلك تلميذ الحارث المحاسبي الإمام الجنيد رحمه الله تعالى يمتثل هذه النصيحة من شيخه، فانظروا ماذا يقول: يقول لست أستبشع ما يرد عليّ من العالم.
يعني أنا لا أجزع ولا أفزع مما يرد عليَّ من هذه الأقدار في هذه الحياة الدنيا. قال: لماذا؟ قال: لأني قد أصلت أصلاً وضع منهجاً لنفسه. ما هو؟ قال: وهو أن الدنيا دار هم وغم وبلاء وفتنة. يعني هو نفسه وطن نفسه على هذا الأمر. هذه الدنيا دار هم وغم وبلاء وفتنة. قال: فإن تلقاني، أي تلقاني هذا العالم، أي جاءته الأقدار بكل ما أحب، يعني إذا جاءت أمور أحبها فهذا محض الفضل. طيب، إذا لم تأتِ الأمور التي يحبها، جاء البلاء والهم، قال: وإلا فنبقى على الأصل. ما هو الأصل الأول؟ أن الدنيا دار هم وغم وبلاء وفتنة. انظروا هذا التوطين. هذا التوطين ما فائدته أيها الأحبة؟ فائدته أنه يهون عليك البلاء عندما يصيبك. أنت أعددت نفسك وجهزت هذا النفس وهذا القلب وهذا الإيمان أنك ستبتلى. إذا لم أبتلَ اليوم سأبتلى غداً، أو سأبتلى بعد غد. هناك تربية إيمانية وإعداد نفسي لاستقبال هذا البلاء.
الإنسان أيها الأحبة الذي يأتيه البلاء فجأة وهو يظن نفسه أنه لن يبتلى، وأنه يعيش في فرح، وأن هذه الدنيا ينالها من دون أي تعب ومن دون أي بلاء، هذا الإنسان عندما يأتيه البلاء فجأة يصدم؛ في كثير من الأحوال يفقد السيطرة على الأعصاب وعلى العقل، ويموت، قد يموت بسبب شدة الصدمة. لماذا؟ لا يوجد تهيئة قلبية وإعداد صبر لمواطن البلاء، فمن كان معداً قلبه لمواطن البلاء يجد السلوان إذا فقد ما أحب أو فقد من يحب، وَذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ. فلذلك نقول على العبد ألا يوطن نفسه على الراحة، وعلى العبد ألا يركن أيها الأحبة إلى السرور وإلى الفرح الذي قد يحياه في بعض الأحيان، هناك سرور وفرح، الله عز وجل يغير الأحوال، هذا العبد ليس دائماً سيكون هناك الحزن، ولكن ليس دائماً سيكون هناك الفرح والسرور.
إذا أنعم الله عز وجل عليك بنعمة الفرح والسرور في لحظة، يعني فكن مهيئاً قلبك. لا تركن، نحن لا نقول لك لا تفرح، افرح، ولكن كن مهيئاً نفسك لأن ما بعد الفرح سيكون طرح، كما قال ابن مسعود: ما ملئت دار أفراحاً إلا ملئت أتراحاً. هذه هي سنة الله. الأسر والعائلات ومجتمعات ستأتي عليها فترات من الرخاء والفرح والسرور، وستأتي عليها فترات من البلاء ومن الشدة. فعلى الإنسان إذاً أن يكون مهيئاً نفسه، والرحلة أيها الأحبة قصيرة. يعني إذاً لا يحزن أن هذه الدنيا دار بلاء، هذه الرحلة قصيرة، لو تفطن الإنسان في نفسه يجد العمر ينقطع سريعاً، ولكن هذا يحتاج إلى إنسان ليس متعلقاً بالدنيا. الإنسان الذي يتعلق قلبه بالحياة الدنيا همه وشغفه في متاعها، إذا قلت له الحياة قصيرة يفزع، يقول: أنا أريد أن آخذ نهمي من هذه الحياة ومن شهواتها. لكن المحب المشتاق إلى الله سبحانه وتعالى عندما يسمع كلمة أن الحياة قصيرة يطير قلبه شوقاً وفرحاً.
كما يقول الإمام العظيم أبو سليمان الداراني رحمه الله تعالى، يقول: جوع قصير، وعري قصير، وصبر قصير، وتنتهي أيام هذه الحياة الدنيا. يعني انظروا كيف نظرته للحياة. قال: نجوع قليلاً، ونصبر قليلاً، ونعرى قليلاً، كان فقيراً، ثم بعد ذلك تنتهي الحياة الدنيا. يعني هذه في كل الحياة الدنيا، ليس بذاك الأمر العظيم الذي يفزع الإنسان ويجزع على الفراغ وعلى ذهابه وأنه لم ينل منه شيئاً. فمن كان يتعامل مع هذه الحياة الدنيا في هذه النظرة السهلة الهينة يجد البلاء سهلاً هيناً. أما من كان يتعامل مع الدنيا بأنها كل شيء، أخذت عليه عقله وفكره وروحه، بمجرد أن يقع في بلاء صغير تجده جزعاً فزعاً حريصاً كأن الدنيا ذهبت كلها من يده، فنسأل الله السلامة والعافية.
ثم يقول الحارث المحاسبي رحمه الله: والزم الخلوة بالذكر. كذلك ذكر الله عز وجل، مر معناه الكلام عنه، تكلمنا الحارث يعيد كذلك أفكار، لكن أحياناً يعيدها بقالب آخر يريد أن يوصل إليك معنىً جديداً. فنقول أيها الأحبة: مر معنا أن الذكر هو شعار المحبين، فإن الإنسان إنما يكثر من ذكر من يأتي في خاطره وفي قلبه. فمن كان الله عز وجل هو الذي يملأ قلبه وفكره وروحه، تجد ذكر الله عز وجل دائماً على لسانه، ومن كانت الدنيا بأموالها بشهواتها هي التي تملأ قلبه تجد هذه الحياة الدنيا دائماً على لسانه، فاختر لنفسك أيها الحبيب من ترضى أن يساكن لسانك؛ هل تريد الله عز وجل أم تريد هذه الحياة الدنيا؟ الحارث المحاسبي في هذا يقول لك: ينبغي عليك أن تملأ الخلوات من ذكر الله عز وجل. عليك أن تملأ الخلوات من ذكر الله عز وجل. وفي الحقيقة أيها الأحبة من أصفى اللحظات التي يحياها العبد هي تلك اللحظات التي يختلي بها مع مولاه سبحانه وتعالى.
وسر الصفاء في تلك اللحظات ما هو؟ هو أن الإنسان يكون في حالة من الابتعاد عن الناس، ويكون في شعور من الإخلاص والتصفية لهذا القلب، نداء الرياء والنفاق في الساعات أو في الدقائق التي يخلو بها العبد مع ربه يكون ضعيفاً، لأنه لا يوجد ناس ينظرون إليك، أنت وحدك مع الله سبحانه وتعالى. لذلك ساعات الخلوات هذه من أصفى الساعات التي يجلس بها العبد مع مولاه عز وجل يتقرب إليه. والمسلم أن يخص نفسه في كل يوم ولو بربع ساعة، ولو بأوقات قصيرة، يختلي بها مع ربه عز وجل يديم ذكره، كما قال لك المحاسبي: الزم الخلوة بالذكر. هذه خلوة ينبغي أن تقتدي بها مع الله عز وجل تديم فيها ذكر الله. ومن كانت عنده هذه الخلوات وما عليها أيها الأحبة فأنا أضمن له أن تتغير حياته تماماً. هذا ضمان. من يوجد عنده هذه الخلوات يديم فيها ذكر الله عز وجل، هناك إدامة طبعاً، ليس خلوة فقط اليوم بعد نهاية الشهر ما في خلوة، خلوة مستمرة في كل يوم ولو ربع ساعة يديم الذكر مع الله، أنا أضمن أن تتغير الحياة تماماً، وأن يبدل همه سروراً، وأن يبدل ضنك وضيق قلبه سعادة وحضوراً. لابد؛ لأن هذا وعد من الله: أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ.
وهذا يصدق فيه قول الإمام الكبير الزاهد إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى عندما قال: في لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها. لذة العبادة والخلوة مع الله عز وجل، يقول: إننا في لذة لو علمها الملوك لجالدونا عليها. لأن اللذات في الحقيقة هي اللذات القلبية الروحية. ما معنى أو ما قيمة الشهوات الحسية إذا كان القلب ضيقاً ضنكاً؟ يعني حزيناً مكبوتاً لا يجد مكاناً للسرور، هذه شهوة حسية تنقضي، أما اللذات الحقيقية فهي اللذات الروحانية. لذلك من وجد طعم ذكر الله عز وجل في الخلوات يجد سحراً حلالاً ويجد لذة لا يعرفها إلا من ذاقها. ويكفي أيها الأحبة، يكفي لو أن الإنسان من كل ساعات الخلوات لم يجنِ إلا لحظة واحدة، هذه اللحظة الواحدة نزلت منه دمعة صادقة حارة شوقاً وخشية من الله عز وجل لكفى بهذه الخلوات وعزة. كل هذه الخلوات لم تستفد منها إلا لحظة واحدة نزلت فيها دمعة صادقة لله عز وجل لكفى بكل تلك الخلوات شرفاً.
لماذا أيها الحبيب؟ هل تعرف الجائزة التي ستنالها مقابل هذه الدمعة التي عصرت النفس وجاهدتها على إخراجها في الخلوة؟ ما هي الجائزة؟ هذا سؤال نحتاج إلى جواب. لكن هناك شيء يتعلق بمن؟ بكى خالياً. البكاء في الخلوة. أحسنت. يعني هناك جائزة عظيمة أعدها الله عز وجل لمن جاهد نفسه على دمعة في خلوة خوفاً وخشية من الله عز وجل وشوقاً إليه، وهي أن الله عز وجل لن ينسى لك أيها الحبيب هذه الدمعة، ستسجل لك، أنت تقول دمعة، الأمر هين، الله عز وجل لن ينساها، عظمها الله عز وجل لأنه يعلم أنها خرجت من قلب صادق محب. فيوم القيامة تجدها مسجلة، عندما يكون الناس في الحر والشمس قد دنت من العباد، ومن يكون العرق إلى ساقيه وإلى حقويه ومن يلجمه عرق الجمام، وتنادى: أنت يا فلان ابن فلان، أقبل إلى ظل الرحمن، أشرب دمعة واحدة فقط أنزلتها في خلوة من الخلوات.
إذاً الأمر يستحق دمعات، وليست دمعة واحدة، لذلك الموقف، ذلك الموقف أنت ستطير فرحاً عندما تسمع اسمك في ظل الرحمن سبحانه وتعالى والناس في ضنك الموقف وفي شدة حره. نعم، ابن تيمية أيها الأحبة من المواقف التي نذكرها، شخصية حقيقة تلفت النظر، عندما سجن في سجن القلعة يقول، يعني انظروا كيف النظرة الأخرى للحياة، لو كان واحد، نسأل الله السلامة، يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: يعني لا أعرف معنى كلامي، لا أعرف كيف أشكر خصومي وأعدائي الذين كانوا سبباً في سجني. لماذا؟ قال: أهدوا لي هدية وهي الخلوة مع الله سبحانه وتعالى في ذكر وعبادة وصلاة وما شابه ذلك. هو ينظر أن هذه الهدية من الخصوم والأعداء. الإنسان لو سأله شخص فسبب سجنه ينظر إليه بأنه عدو قاتل، ينتظر أن يخرج من السجن حتى يقضي عليه، ولكن أيها الأحبة ابن تيمية ينظر بنظرة أخرى، نظرة إنسان مؤمن، ينظر إلى أن هؤلاء أهدوا له هدية، وهي هدية الخلوة مع الله عز وجل يديم فيها الذكر.
لأن ذاك الرجل، نحسبهم الله حسيبهم، هؤلاء ناس عاشوا مع الله سبحانه وتعالى، يعني كان الذكر يشعر به بأنس وبلذة. نحن إشكاليتنا في فقد اللذة وفي فقد الأنس والاستحضار عندما نذكر الله عز وجل. لذلك كل ما أطرحه الآن من أهمية الذكر والخلوة ومن أهمية الجلوس مع الله عز وجل في ساعات تخاطبه وتناجيه، هي أمور جميلة نطرحها، لكن ستبقى أموراً نظرية إذا لم نترجمها إلى واقع عملي، نبقى نتكلم في أحلام جميلة وصور وردية، وفي النهاية الأثر سيكون ضعيفاً إذا لم يكن هناك تطبيق عملي على أرض الواقع، وابن تيمية جرب، ومن جرب ليس مثل من لم يجرب.
قال رحمه الله بعد ذلك: واصحب النعم بالشكر. وفيما سبق قال في مقطع أنا أخرته عمداً إلى هذا المقطع، قال فيما سبق: وأدم شكر الله. الحارث المحاسبي يركز أكثر من مرة على قضية الشكر على النعم. يقول: واصحب النعم بالشكر. ويقول فيما سبق: وأدم شكر الله. أيها الأحبة اتفق الحكماء ويقولون عرباً وعجماً على أن الشكر هو الذي يقيد النعم. وكما يقول السكندري رحمه الله تعالى: من لم يشكر النعم تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها. يعني النعم هذه كأنها تهرب، إذا شكرت الله عز وجل تقيدها، وإذا لم تشكر الله سبحانه وتعالى فإنها تذهب منك. والشكر أيها الأحبة يكون بالقلب، والشكر يكون باللسان، والشكر يكون كذلك بالجوارح والأركان.
فشكر الله عز وجل بالقلب أن يعتقد الإنسان اعتقاداً جازماً في قلبه أن كل ما به من نعمة فمن الله سبحانه وتعالى، ويتبرأ من نسبة هذه النعمة إلى نفسه، بل يتبرأ من ملاحظة دوره في إحداث هذه النعمة. نعم، قد تكون أنت سبباً جعلك الله، لكن في الأصل ينبغي عليك أن تتبرأ حتى من هذه النظرة إلى دورك في إحداث هذه النعمة، فهناك تبرؤ تام من الحول والقوة منك، واعتراف بالحول والقوة لله سبحانه وتعالى. لذلك نقول، يعني قارون هذا المثال يتكرر معي كثيراً، قارون أيها الأحبة عندما أنعم الله عز وجل عليه بالمال ماذا قال؟ قال: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي. يعني لم يعترف بهذه النعمة لله عز وجل، وأمثال قارون في هذا الزمن كثير، الذي يقول: هذا العلم حصلته بجهدي، وهذا المال تعبت فيه، وهذا الجاه أنا الذي حصلته وأنا الذي بنيت صرحاً شامخاً حتى أناله، إذاً هناك أمثال قارونية كثيرة، والله عز وجل أراك ما هي عاقبة قارون هذا الإنسان الذي لم يعترف ولم يشكر النعمة التي أنعم الله عز وجل عليه، نتيجته كانت: فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ. وهناك أمثلة كثيرة من هؤلاء القارونيين الذين سيخسف الله عز وجل بهم الأرض لأنهم لا يشكرون الله عز وجل على نعمه، وحالهم حال قارون: إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي. نسأل الله السلامة والعافية.
النوع الثاني كما قلنا هو الشكر باللسان، والشكر باللسان هو الحمد لله عز وجل، هما متساويان في هذا المعنى. السلف رحمهم الله تعالى كانوا يداومون على الشكر باللسان. يعني هذا أقل أحوالك أيها الحبيب، أن تشكر الله عز وجل بلسانك. ابن عمر رضي الله تعالى يقول: كنا نلتقي فيسأل بعضنا بعضاً عن حاله، ولا نريد بذلك إلا حمد الله سبحانه وتعالى. يعني يقول: إذا لقي بعضنا بعضاً فيسأل الإنسان صديقه: كيف حالك؟ فيقول: الحمد لله، وهذا يخاطب كيف حاله؟ فيقول: الحمد لله. قال: مقصودنا فقط من السؤال نحمد الله عز وجل. كذلك أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يروي أن عمر بن الخطاب جاءه رجل فسلم عليه، فقال له عمر: كيف حالك يا فلان؟ فقال: أحمد الله إليك. قال: هذا الذي أردت منك فقط، يعني أنا لم أرد أن أسأل عن حالك في الحقيقة، أنا فقط أردتك أن تحمد الله سبحانه وتعالى. تأمل الفرق بين حالنا وحالهم. إذا سأل الإنسان: كيف حالك؟ إيه منيح يا شيخ الحال، ماشي الأمور، ماشية الأمور جيدة. يعني لفظة حمد الله عز وجل ليست على اللسان، ماشي الأمور جيدة، بتسلق، يعني شوف العبارات التي نستخدمها والعبارات التي كان يستخدمها السلف، كانوا يتفقدون السؤال عن الحال لحمد الله مع أنهم.
يعني عمر ابن الخطاب أو الصحابة كانوا أغنياء كلهم؟ لا. هناك طبقة أغنياء وهناك طبقة فقراء، مثلهم مثل أي مجتمع آخر. ولكن العبادة والتربية هي التي اختلفت، فيحمدون الله عز وجل على القليل وعلى الكثير. ونسأل الله أن نقتدي بحالهم وبأحوالهم. كذلك عندنا الشكر بالعمل، النوع الثالث، وهناك شكر بالقلب بالاعتراف، وشكر باللسان يكون بالحمد والثناء على الله. وهناك شكر بماذا؟ بالعمل. الله عز وجل ماذا قال؟ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا. يعني اعملوا من أجل أن تشكروا نعمة الله عز وجل التي أنعمها عليكم. فهو إذاً الشكر يكون كذلك بالعمل.
وكل جارحة من الجوارح أيها الأحبة لها شكر خاص يتعلق بها. كل جارحة لها شكرها الخاص. انظر إلى أبي حازم عندما سئل عن شكر الجوارح ماذا يقول؟ سئل أبو حازم رضي الله تعالى عنه فقيل له: ما شكر العينين؟ قال: إذا رأيت بهما خيراً أعلنته، وإذا رأيت بهما شراً سترته. يعني هذا شكر هذه النعمة. العين إذا رأيت بها خيراً أعلنت وأخبرت الناس، وإذا رأيت عورة من العورات تستر الآخرين، هكذا تشكر نعمة العين. قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إذا سمعت بهما خيراً وعيته، وإذا سمعت بهما شراً دفنته.
قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لك، ولا تمنع حقاً هو لله فيهما. قال: فما شكر البطن؟ انظر شكر البطن، قال: أن يكون أسفله صبراً وأعلاه علماً. ما معنى هذا الكلام؟ أنت مسؤول عن شكر البطن، ماذا قال؟ قال: أن يكون أسفله صبراً، وأن يكون أعلاه علماً. يعني أسفله، ما هو الأسفل؟ ما هو أسفل؟ أحسنت، هذا الذي يظهر لي من معناه أن أسفل البطن هو الفرج، تصبر. لأن الإنسان قالوا: إذا شبع، إذا شبع الإنسان يبقى بعد ذلك شهوة الفرج. يعني شهوة الفرج تأتي بعد شهوة البطن. لذلك يقول: أسفله صبراً، تصبر على شهوة الفرج. وأعلاه علماً، أعلى البطن هو القلب، والقلب فيه العقل، فيكون فيه العلم. فقال: هكذا تشكر نعمة البطن.
ثم قال رحمه الله تعالى، قال: فما شكر الفرج؟ نص على الفرج بشكل مستقل. قال: فما شكر الفرج؟ قال: كما قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ. قال: فما شكر الرجلين؟ قال: إن رأيت شيئاً قبضته استعملتهما. يعني إن رأيت شيئاً أحببته ورأيت فيه خيراً استعملتهما، يعني ذهبت بهما إلى هذا، وإن رأيت شراً مقته إن كفيتهما ذلك.
الآن قبل أن أنهي الكلام عن الشكر بقصة معبرة في الحقيقة ذكرها حديث وردت في الحديث المتفق عليه، أن الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة أراد أن يبتلي ثلاثة نفر من بني إسرائيل. أظن القصة معروفة، قد ندلكم قصة النفر الذين أراد الله أن يبتليهم، فكان هناك رجل أبرص، وكان هناك رجل أقرع، وكان هناك رجل أعمى. أراد الله أن يبتليهم بالنعم، ينظر أن يشكروا على هذه النعمة أو لا يشكروا؟ فبعث إليهم ملكاً. فجاء الملك إلى الأول، جاء إلى الأبرص. فقال: أي شيء تريد؟ قال: أريد لوناً حسناً، وأن يذهب بي هذا الذي قذرني منه الناس. فمسح عليه فأذهب الله عز وجل قدره، وأعطي لوناً وجلداً حسناً. وانظر الزيادة الآن، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل. فأعطي ناقة عشراء، يعني ناقة حامل. وقال له الملك: بارك الله لك فيه.
ثم ذهب الملك إلى الرجل الثاني من هو؟ قالوا ذهب إلى الأقرع. فقال له: أي شيء أحب إليك؟ فقال: أن يذهب الله عز وجل عني هذا الذي قذرني الناس، وأن يرزقني الله شعراً حسناً. فمسح عليه فرزقه الله شعراً حسناً. فقال: أي المال أحب؟ فقال: البقر. فأعطي بقرة حامل. قال: بارك الله لك فيها. ثم ذهب إلى الثالث، ذهب إلى الأعمى. فقال له: أي شيء أحب؟ قال: أن يرد الله لي بصري فأبصر الناس. فمسحه فرد الله إليه بصره. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدة. وقال له: بارك الله لك فيها.
قال: فانتج هذان وولد هذا. الإنتاج يقولون في اللغة يكون للبقر وللإبل وللغنم، يقولون ولدت، وهذا طبعاً خلاف حتى بين اللغويين. المهم يقول: فانتج هذان وولد هذا. فكان لهذا وادٍ من الإبل، ولهذا وادٍ من البقر، ولهذا وادٍ من الغنم. فأتاهم الآن وقت البلاء. جاء وقت البلاء، انظروا هل يشكروا هذه النعم أو لا يشكرونها؟ فأتى الملك إلى الأول على صورته وهيئته التي كان عليها. يعني جاء إلى الأبرص على الصورة التي كان عليها الأبرص، إنسان مبتلى بمرض. فقال له -جاءه على صورة رجل مسافر انقطعت به السبل- فقال له: يا فلان، أنا رجل مسكين انقطعت بي الحبال في سفري، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال أن تعطيني بعيراً أتبلغ به في سفري. فقال له: الحقوق كثيرة.
انظر الآن، فقال: الحقوق كثيرة. وانظروا إلى هذا المثل الذي يتكرر كثيراً؛ إنسان فقير يعطيه الله عز وجل مالاً، عندما يأتي وقت الزكاة يبدأ يحصل في نفسه: والله هناك مصاريف جامعية، هناك مصاريف عائلية، هناك يعني تبدأ الحسابات كثيرة، إذاً أنا لست ممن يكلف بالزكاة وانتهى الأمر. وانظر إذاً هذا مثال يتكرر عندنا. الرجل قال: الحقوق كثيرة. فقال له هذا الملك ولم يعرف الملك: ألم تكن فلان الذي كنت أبرص، فرد الله عز وجل أو أعطاك الله عز وجل جلداً حسناً وكنت فقيراً فأغناك الله؟ قال: لا، انظر إلى الكفر والعياذ بالله، قال: إنما ورثت هذا كابراً عن كابر. كفر نعمة الله عز وجل عليه. والله عز وجل يقول: لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ. ولئن كفرتم النعم إن عذابي لشديد. قال: إن كنت كاذباً فصيرك الله إلى ما كنت. يعني إذا كاذب أنه هذا المال ولدته كابراً عن كابر أسأل الله أن يردك إلى ما كنت عليه.
ثم ذهب إلى الأقرع فقال له مثل ما قال للرجل الأول. فقال: للأسف والعياذ بالله كفر بنعمة الله، قال: إنما ورثته كابراً عن كابر. فقال: إن كنت كاذباً فردك الله إلى ما كنت. ثم جاء إلى الأعمى، كان رجلاً صالحاً وفقه الله سبحانه وتعالى. جاء إلى الأعمى فقال له: رجل مسكين انقطعت به السبل، أسألك بالذي رد عليك بصرك أن تعطيني شاة أتبلغ بها في سفري. فقال له: خذ ما شئت ودع ما شئت، ووالله لا أمنعك شيئاً أخذته لله عز وجل. يعني يريد أن يفعل هذا الفعل لله سبحانه وتعالى. فقال له الملك: احفظ مالك فإنما ابتليتم، فرضي الله عنك وسخط على صاحبيك.
انظر الأمر أيها الأحبة، إنسان عنده وادٍ من الإبل لا يتكرم أن يخرج بعيراً واحداً لفقير بعد أن رد الله عز وجل عليه نعمة الجلد الحسن وأتاه المال الزائد، يعني هو لو فقط أعطاه الجلد الحسن لكفى بذلك نعمة على هذا الإنسان. من الله عز وجل عليه بوادٍ من الإبل وبخل بماذا؟ ببعير واحد. كذلك الرجل الثاني بخل ببقرة واحدة. ولكن كما قلنا هناك من يوفق إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، وهناك من يكون مخذولاً من الله عز وجل. طيب، أنا أعمل الحد الأدنى من الشكر أيها الأحبة، يقول العلماء: ما هو الحد الأدنى من الشكر؟ ما هو الحد الأدنى من الشكر؟ يعني أنت تقول والله يا شيخ أنا لا أستطيع أن أفعل كل هذه النماذج المشرقة من الشكر أن أبقى مصلياً ذاكراً عابداً، يعني هذا شكر لا أطيقه. فنقول لك: الحد الأدنى من الشكر ألا تعصي الله بما أنعم عليك فقط، هذا الذي نريده، ألا تعصي الله بما أنعم عليك.
جاءك إنسان أهدى إليك شيئاً، هل يعقل في المروءات وفي الأخلاق أن تجعل هذا الشيء سبباً في أذية المهدي؟ يعني إنسان أهدى إليك شيئاً أنت وجهته في أذيته، هل يعقل هذا في المروءات؟ لا يعقل هذا، صحيح؟ طيب، الله عز وجل أنعم عليك بنعمة العين، أنعم عليك بنعمة الأذن، هل يعقل أن تستخدم كـ مروءة، وقبل أن نتكلم كديانة، كمروءة، هل يعقل أن تستخدم هذه العين التي منحك الله إياها في معصيته وفي مشاقته وفي مخالفة أمره؟ لذلك أيها الأحبة، لماذا كان الكفر عظيماً؟ لماذا نقول مسائل الكفر والإيمان من أعظم المسائل؟ هذا الشخص الذي أتاه الله عز وجل كل النعم من رأسه إلى أخمص قدميه، هذه نعم من الله، وهو يبذل هذه النعم ويصرفها في محادة دين الله عز وجل وفي المشاقة لله عز وجل وفي محاربة أوليائه، فهذا الأمر عظيم جداً.
لذلك قلنا أدنى مراحل الشكر ألا تستخدم نعمة أنعم الله عز وجل بها عليك في معصيته. وإذا فعلت ذلك، هل هناك شيء لم ينعم الله عز وجل به عليك تستطيع أن تستخدمه؟ عندما نقول أدنى، أدنى الشكر ما هو؟ ألا أستخدم نعمة في معصية الله. إذا وجدت هناك شيئاً لم ينعم الله عز وجل به عليك استخدمه في معصية الله. إذا وجدت شيئاً لم ينعم الله عز وجل به عليك استخدمه في معصية الله. عندما تبحث ستجد أن نعم الله عز وجل محيطة بك دائماً ومن كل اتجاه ومن كل صوب. فمن امتثل هذا الأمر الواجب وهو فقط يقول: أنا لن أفعل المعصية بنعمة أنعمها الله عز وجل علي، سيجد أنه انكف عن المعاصي تماماً. لأنه سيبحث لن يجد شيئاً واحداً ليس من نعمة الله عز وجل عليه.
طيب، الآن ننتقل إلى المقطع الأخير الذي نتكلم فيه. المحاسبي رحمه الله: واستعن بالله في كل أمر، واستخر الله عز وجل في كل حال، وما أرادك الله له فاترك الاعتراض عليه. كلامي الأخير أيها الأحبة يتعلق بقضية الاستعانة بالله سبحانه وتعالى وطلب الخير منه عز وجل. نقول ابتداءً: لماذا الإنسان يحتاج إلى الاستعانة بالله سبحانه وتعالى؟ لأن الإنسان كما يقول العلماء عاجز عن الاستقلال بنفسه في جلب المصالح لها ودفع المضار عنها، فهو يحتاج إلى الله سبحانه وتعالى في تحقيق مصالح دينه ودنياه. ومن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله الله عز وجل فهو المخذول.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز. من استعان بغير الله عز وجل وكله الله عز وجل إلى ما استعان به. الحسن البصري يكتب إلى عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي، يقول له: لا تستعن بغير الله، فإذا استعنت بغير الله وكلك إليه. وبعض السلف كان يقول: يا ربي عجبت ممن عرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت ممن عرفك كيف يستعين بغيرك. الإنسان أيها الأحبة يحتاج إلى معونة الله عز وجل في أنفاسه ولحظاته. لا أقول في أفعاله وتصرفاته، أقول تحتاج إلى الله في أنفاسك ولحظاتك وخطراتك؛ أن يكون الله عز وجل معيناً لك. خاطرة واحدة فقط ترد على العقل بعيداً عن الله قد تكون سبباً في هلاكك، خاطرة فقط، ليس فعلاً، ليس تصرفاً، خاطرة يكلك الله عز وجل فيها إلى نفسك قد تكون سبباً في هلاكك.
فنحن في الحقيقة نحتاج إلى معونة الله عز وجل في كل نفس وفي كل خاطرة وفي فعل الطاعات وفي اجتناب المعاصي، ونحتاج إلى الله عند الصبر على البلاء، ونحتاج إلى معونة الله عند قبض الروح، ونحتاج إلى معونة الله في القبر، ونحتاج إلى معونة الله في عرصات يوم القيامة، ونحتاج إلى معونة الله إلى أبد الآبدين. فأنت في طول عمرك وفي طول اللحظات تحتاج إلى معونة الله. ومن ظن أنه يستطيع أن يستغني بالله طرفة عين فهذا هو بداية الخذلان، هذا هو بداية الخذلان أيها الأحبة.
وأعظم ما تحتاج فيه إلى معونة الله في الحقيقة أعظم شيء هو أن تستعين بالله على سلوك الطريق إلى الله. نحن نتكلم عن طريق المسترشدين، طريق المسترشدين كيف تسلكه إذا لم يكن هناك عون من الله سبحانه وتعالى؟ إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يجني عليه اجتهاده. فأعظم شيء تحتاج فيه إلى الاستعانة هو أن تستعين بالله عز وجل على سلوك الطريق إليه. لأن الله عز وجل هو المقصود وهو المطلوب وهو الذي يعينك على الوصول إليه. يعني انظر الله عز وجل هو المقصد وهو الذي يعطيك الوسيلة كذلك. هذه من نعمته بعباده أنه هو المقصد وهو الذي يعطيك الوسيلة في الوصول إليه. لذلك من ظن أنه يصل إلى الله عز وجل من غير طريق الله سبحانه وتعالى أو من غير معونة من الله فهو المغرور.
على العبد أن يستحضر دائماً هذه الآية أمامه: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. إياك نعبد هي المقصد، وإياك نستعين هي الوسيلة. المقصد عبادة الله عز وجل، والوسيلة هي عون الله. فلذلك كانت هذه الآية القصيرة هي قصيرة في الحجم لكنها عظيمة الشأن. والحياة الدنيا تقوم على إياك نعبد وإياك نستعين، لأن الحياة إنما وجدت لعبادة الله سبحانه وتعالى. ولا يوفق العبد إلى عبادة الله عز وجل إلا بعون الله عز وجل؛ بأن يعينه على الطاعات وأن يدفع عنه المكروهات. لذلك لو نظرت في حياتك لوجدتها ملخصة في قوله: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
لذلك الحديث: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، عندما قال: وإذا قال العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإياك نعبد هذه لله، وإياك نستعين هذه لحق العبد، فالعبادة حق الله.
والاستعانة من الله هدية ومنة منه لعبيده. يعني ولا نريد أن نطيل أكثر من هذا في هذا المجلس. نسأل الله أن يعيننا على طاعته، أن نتحلى بهذه الأخلاق؛ لأن هذه جملة من الأخلاق، من الأفكار، من الأطروحات التي يقدمها الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى هي ومضات سريعة.
لكن أنصح كل طالب علم، كل مسلم، وكل إنسان يريد أن يحرص على الاهتمام بقلبه أن يبقي هذا الكتاب معه في مدارسه وفي خلواته. دائما هي عبارات سريعة، لكنها قصيرة ومختصرة وفيها كثير من الفوائد، قبل النوم لو قرأت سطراً، سطرين، ثلاثة أسطر قد تعيد الذاكرة، تنشط الهمة في مثل هذه الكتب المباركة.
يعني هذا الكتاب أيها الأحبة كتب قبل ألف عام، أكثر من ألف عام هذا الكتاب كتب، ووصل إلينا. هذا الكتاب مبارك أيها الأحبة فيه بركة من الله سبحانه وتعالى. إذا كتب قبل ألف عام ووصل إلينا إذاً هناك كثير ممن استفاد منه، وهناك كثير ممن اهتم بتقييده وكتابته حتى يصل للأجيال اللاحقة.
نسأل الله أن ينفعنا به، وأن يجعل هذه المدارس في ميزان أعمالنا يوم القيامة، وحجة لنا لا حجة علينا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل