تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 12

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي أنعم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. وأصلي وأسلم على خير البرية، وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين، وحجة للسالكين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.

حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه الرسالة المباركة، رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى. وكنا قد انتهينا إلى قول الإمام: "وكل عمل تحب أن تلقى الله به فالزمه نفسك، وكل أمر تكرهه من غيرك فاعتزله من أخلاقك، وكل صاحب لا تزداد به خيراً في كل يوم فانبذ عنك صحبته".

هذه أيها الأحبة الكرام ثلاث كليات جديدة من الإمام الحارث المحاسبي. ثلاث كليات، وقلنا كلية لأنها مصدرة بماذا؟ بكلمة "كل". سميتها كلية لأنها مصدرة بكلمة "كل"، وهي ومضات سريعة على طريق المسترشدين يعطيها الحارث المحاسبي لمن يقرأ هذه الرسالة، وإن كان مضمونها قد تكرر معنا في دروس سابقة، لذلك سنشير إليها سريعاً ولن نقف عندها طويلاً.

الكلية الأولى يقول فيها رحمه الله تعالى: "وكل عمل تحب أن تلقى الله به فالزمه نفسك". يقول لك الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى أيها المسترشد، اجلس وتفكر في نفسك؛ كل عمل تستطيع أن تقدمه ويدخل في طاقتك وتحب أن تلقى الله عز وجل به يوم القيامة، فتقول: يا رب فعلت هذا العمل ابتغاء وجهك؛ إذا كنت تريد أن تقف هذا الموقف الجليل بين يدي الله سبحانه وتعالى وتقابل الله عز وجل بهذا العمل، فعليك أن تلزم نفسك بالالتزام في هذه الحياة الدنيا، وإلا لن تنال هذه المرتبة وشرف المقام بين يدي الله عز وجل.

فمن رزقه الله عز وجل مالاً فأحب أن يبذل هذا المال في سبيل الله عز وجل وفي مرضاته، حتى يلقى الله عز وجل يوم القيامة فيقف بين يديه ويقول بصدق وبإخلاص: يا رب بذلت هذا المال ابتغاء وجهك وفي سبيل مرضاتك، فهذا عليه أن يلزم نفسه على التصدق وعلى بذل المال في هذه الحياة الدنيا في وجوه الخير. ومن رزقه الله عز وجل مثلاً فهماً وقدرة على تعلم العلم، وأن يكون عالماً يقود الناس في دياجير الظلام، يحب أن يلقى الله عز وجل بهذا العلم فيقول: يا رب تعلمت العلم من أجلك وكنت أعاني في قيادة هذه الأمة إلى بر الأمان؛ عليك إذاً أن تجتهد وأن تبذل حتى تحصل هذه المرتبة، إذا أردت أن تقف هذا المقام بين يدي الله سبحانه وتعالى.

كذلك الزوجة والمرأة والفتاة التي يرزقها الله عز وجل حرصاً على تعليم أبنائها وعلى تربيتهم، تحب أن تلقى الله عز وجل يوم القيامة فتقول: يا رب تعبت وأفنيت ساعاتي في العمر وساعات الحياة في تربية هذه الذرية ابتغاء مرضاتك، ليكونوا جنوداً لهذا الدين يحملون رايته ويرفعون شعاره. تلقى الله عز وجل يوم القيامة بهذا العمل وتفاخر أمام الله عز وجل بأنها أخلصت له هذا العمل ابتغاء وجهه الكريم. إذا أرادت أن تقف في هذا المكان وأن تحصل هذه المرتبة وأحبت أن تنال هذه المنزلة العظيمة، فعليها أن تلزم نفسها التعب في هذه الدار بالاستمرار على تربية أبنائها ومواظبتهم ومتابعتهم حتى تنال هذه المنزلة العظيمة، وكذلك كل عمل. هذا فقط مجرد تمثيل، هو يطلب منك المحاسبي رحمه الله كل عمل تحب أن تلقى الله عز وجل به وأن تقف بين يديه فتقول بإخلاص: يا رب فعلت هذا العمل من أجلك، عليك إذاً أن تبذل في هذه الحياة الدنيا حتى تحصل تلك المرتبة عند الله سبحانه وتعالى. وحاول أيها الحبيب أن تقدم شيئاً جديداً لهذه الأمة، حاول أن تضع بصمة في صفحاتها قبل أن تطوى صفحتك وتغرب شمسك وأنت لم تفعل شيئاً لدين الله عز وجل.

الكلية الثانية التي تكلم عنها يقول فيها: "وكل أمر تكرهه من غيرك فاعتزله من أخلاقك". كل أمر تكرهه من غيرك فاعتزله من أخلاقك. ما معنى هذا الكلام؟ هذه الكلية أيها الأحبة في جانب الأعمال السلبية؛ يعني الكلية الأولى كانت تتكلم عن الأعمال الإيجابية التي تحب أن تلقى بها الله سبحانه وتعالى، هذه الكلية الثانية في مقابلها تتكلم عن الأعمال السلبية، عن مساوئ الأخلاق وعن الأعمال. فيقول لك الحارث المحاسبي: إذا رأيت عملاً من غيرك فأبغضته وكرهته، الآن إنسان تصرف تصرفاً فأنت في نفسك كرهت هذا التصرف ولم تحب هذا التصرف الذي صدر منه، فعليك أن تكون أيها العبد أول المجانبين لهذا التصرف، ولا يصدر منك. يعني هل الإنسان العاقل هو الذي إذا رأى من غيره تصرفاً يكرهه ثم هو يبادر إلى القيام بهذا التصرف؟ هذا فاقد العقل في الحقيقة، إنسان غير متزن.

الإنسان العاقل أيها الأحبة ينظر في أحوال الناس، فما رآه مستهجناً في أذواقهم وفي أعرافهم مما هو مخالف كذلك لشرع الله خاصة، فينبغي عليه أن يكون أول المجتنبين له. وهذا مسلك جيد في معرفة مساوئ الأخلاق، وذكرناه عندما تكلمنا عن قضية العيوب، عندما تكلمنا كيف يعرف الإنسان عيوب النفس؟ ألم نقل إن أول الطرق أن يجلس عند شيخ يبين له العيوب؟ فإن لم يكن أن يجلس عند صديق، فإن لم يكن فأن يأخذ كلام الأعداء فيه. الطريق الرابع والأخير الذي ذكره الغزالي كان أن ينظر في أحوال الناس، فما كان عند الناس مستهجناً مكروهاً مبغوضاً إليهم يعرف أن هذا الخلق سيء هو يجتنبه، وما رآه عند الناس محبوباً مقرباً يحبون صاحبه ويقبلون إليه فإنه يمتثل هذا الخلق لأنه يعلم أنه خلق جيد.

طبعاً هذا ما لم يخالف شرع الله، لأن في بعض الناس قد تحب من يفعل المعاصي لأنه يسايرها في أعمالها وتبغض صاحب الطاعة، لا، الكلام الآن عن الأخلاق أيها الأحبة العامة التي لا يوجد عندك ضابط شرعي في معرفة هل هذا الخلق جيد أو ليس بجيد؟ أشكل عليك حاله فتنظر؛ إن رأيت نفسك تكرهه إذا ما صدر من غيرك فعليك أن تكون أول المجتنبين له، وإن رأيت نفسك تحبه إذا صدر من غيرك فعليك أن تكون أول الحريصين على امتثاله.

ثم يقول في الكلية الثالثة والأخيرة: "وكل صاحب لا تزداد به خيراً في كل يوم فانبذ عنك صحبته". هذه كذلك الكلية سبق الكلام عنها، وأشرنا الكلام عن قضية رفقاء الطريق في رحلة السلوك إلى الله سبحانه وتعالى. من يجالس الإنسان في سلوكه إلى الله عز وجل؟ من يصاحب؟ من يكون خليله يعينه على هذا الطريق؟ هل يصاحب الإنسان أي شخص؟ هل يجلس مع أي بشر؟ أم هناك صفات مميزة؟ تكلمنا عنه فيما سبق، وسيأتي الكلام كذلك عن شروط الصديق الذي ينبغي أن يلزمه الإنسان. ولكن كإشارة سريعة نذكر كلمة الإمام السكندري رحمه الله في الحكمة العطائية، حيث قال: "لا تصحب من لا ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله".

هذه هي الصفة الأساسية الجامعة؛ "لا تصحب من لا ينهضك حاله". هناك أناس إذا صحبتهم في رحلة المسير إلى الله عز وجل فإن همتك ترتفع؛ تنظر إلى عبادته فتجده متقدماً، تنظر إلى علمه فتجده متقدماً، تنظر إلى مداركه الدعوية فتجده متقدماً، هذا يرفع الهمم فهذا يصلح لأن يكون رفيقاً لك في سلوكك إلى الله عز وجل. وهناك أناس إذا جالستهم؛ كثير الاستغابة والنميمة، كثير القيل والقال، إذا جالسته وإذا سرت معه لا يزيدك قرباً من الله عز وجل، همته ضعيفة دنيئة، فهذا إذا صحبته في سيرك إلى الله عز وجل يكون عائقاً، لن يكون حجر أساس في سيرك إلى الله عز وجل بل يكون عائقاً عن سلوك هذا الطريق، فمثل هذا الشخص لا يصلح.

والذي يتشوف إلى صحبة الأشراف وإلى صحبة أصحاب الهمم العالية ويبتعد عن صحبة أصحاب الهمم الدنيئة الذين لا يذكرون بالله، هو في الحقيقة من يريد أن يصل إلى الله. يعني هذا الكلام الذي نتكلم به سيبقى نظرياً إذا لم تكن في قلبك عازماً على السير إلى الله عز وجل بصدق وإخلاص. من كان عازماً على السير بصدق وإخلاص هو الذي يفتش عن كل هذه الأمور التي يتكلم عنها المحاسبي من منازل الطريق ومن معوقات الطريق، أما الإنسان الذي لا تشتعل همته لسلوك الطريق إلى الله وإلى سلوك طريق المسترشدين فهذا يجالس من يجالس ويخالط من يخالط، هو لا يهمه، ويعيش في هذه الحياة الدنيا وينتظر انقضاءها، فقط هذا الذي يهمه.

أما المسترشد الذي تنطبق عليه رسالة المسترشدين هو الذي يهتم بالجزئيات الدقيقة التي يتكلم عنها الإمام الحارث المحاسبي، فيحرص من جملة الأمور على هذه القضية؛ قضية الصحبة ورفقاء الطريق، أن يكونوا على أعلى المستويات من التميز في العلاقة مع الله عز وجل، ومن الهمة العالية، وأن يكون منهضاً لحالك، وأن يكون لسانه دائماً يذكرك. هناك أناس إذا رأيت وجوههم تذكرت الله عز وجل وعرفت الطريق، وهناك أناس إذا رأيت وجوههم نسيت الطريق إلى الله عز وجل لأن وجوههم ملئت بهذه الحياة الدنيا، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل طاعته ومرضاته.

ثم قال بعد ذلك الحارث المحاسبي: "وخذ بحظك من العفو والتجاوز". هذا كذلك خلق جديد يتكلم عنه الإمام الحارث المحاسبي للمسترشد، فيقول له: ينبغي عليك أيها العبد أن يكون لك نصيب من كظم الغيظ، وأن يكون لك نصيب من صرف النظر عما يفعله الناس تجاهك. أنت الآن في طريقك إلى الله عز وجل سيأتي من يسيء إليك، سيأتي شخص صاحب أخلاق دنيئة يسيء إليك ويفعل تجاهك أفعالاً لا ترضاها، فيقول ينبغي عليك أن يكون لك نصيب من العفو والتجاوز، أن تغض الطرف عما يصدر من الناس تجاهك، أن يكون هناك كظم غيظ عما يفعله الناس؛ لماذا؟ لأمرين أيها الأحبة في الحقيقة. أو هناك أمران ينبغي على المسترشد أن يعيهما في هذا الطريق.

الأمر الأول: أن العفو والتجاوز عن الناس هو من صفات المكارم ومن صفات أصحاب المروءات. الدليل قوله تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. قال تعالى: وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. أي من يصبر على الأذى الذي يلقاه من الناس ويغفر ويسامح ويصفح ويكتم غيظه، قال فهذا من فعل أصحاب العزائم؛ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. هذا يحتاج إلى عزيمة، فلا يرتقي إلى هذه المرتبة إلا الأكارم أصحاب المروءات. إذاً هذه الخصلة الأولى التي تدعو المسترشد إلى التحلي بهذا الخلق، وهو كظم الغيظ؛ الخصلة الأولى أن كتم الغيظ هو من فعل الأكارم أصحاب المروءات، والإنسان الشريف هو الذي تتوق نفسه إلى هؤلاء الأكارم وإلى أن يتحلى بأخلاقهم.

لذلك يقولون ميمون بن مهران كان عنده ضيف جاء يتعشى عنده، استعجل الجارية بالعشاء، قال يا جارية أقبلي بالعشاء. الجارية تأخرت فاستعجلها، جاءت الجارية تحمل العشاء فأعاقها قدم ميمون بن مهران فسقط القدر على رأس ميمون بن مهران؛ بعد العشاء جاهز حار، فالجارية أتت به لتقدمه فأعاقها قدم ميمون بن مهران، فسقط العشاء على رأسه بهذه الحرارة. فقال لها: يا جارية أحرقتيني! يلومها وبدأ الغيظ ودرجة الحرارة ترتفع لميمون بن مهران، فسقط على رأسه، فقالت له -الآن عرفت أن هذا الرجل من العباد- فقالت: لا مجال لأن أنتهي وأخلص من هذه الورطة إلا أن أذكره بالله، فقالت له: يا معلم الخير ويا مؤدب الناس، يقول الله عز وجل: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ. وانظروا كيف كانوا وقافين عند كتاب الله عز وجل، يعني اليوم لو يقرأ إنسان عليك القرآن كاملاً لن ترتدع عن هذا الأمر، ستنزل به وتهل عليه سخطك وغضبك، قالت له هذه الكلمة: فيا معلم الخير ويا مؤدب الناس: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ. قال: كظمت غيظي. قالت: وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ. قال: عفوت عنك، وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ. قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله. يعني انظروا كيف زاد الأمر، هي فقط كانت تريد أن تنتهي من غضبه، فقال لها: أعتقك لوجه الله عز وجل عندما ذكرته بالله. فانظر كيف كان السلف يقفون عند كتاب الله عز وجل، كيف كان كتاب الله عز وجل يدخل في قلوبهم وفي وجدانهم، الآية إذا سمعها أو قرأت أذنه مباشرة يمتثل، لا يوجد عنده تجمت وتأتأة ورجوع وتقديم، لا، مباشرة: وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ.

كذلك أيها الأحبة الذي يدفع الإنسان إلى التحلي بهذا الخلق، وهو كظم الغيظ والتجاوز عن الناس، هو أن الحياة قصيرة، والرحلة في الحقيقة إلى الله عز وجل لا تحتمل الإطالة في الخصومات. يعني كم من قضية الآن مرفوعة في المحاكمات من سنوات، يذهب أصحابها القضية ما زالت في محلها، لا يريد أحد أن يسقط حقه، لا يريد أحد أن يتجاوز عن الآخر، تضيع الأعمار، تقطع الأرحام، تسيل دماء، تذهب الأموال، والمغزى ماذا؟ فقط إنسان يريد أن يأخذ لعاعة من لعاعات هذه الحياة الدنيا ولا يريد أن يتنازل وأن يصفح عن أخيه. لا، كما نذكر دائماً لا يوجد عنده وقت أيها الأحبة، الوقت يذهب سريعاً، أنا أريد السلوك إلى الله عز وجل غير متفرغ للخصومات والمنازعات. إذا أخطأ إنسان في حقي الشخصي فأنا أعفو عنه، وهذا كان دأب محمد صلى الله عليه وسلم، يأتي الأعرابي يجذبه، ويأتي فلان يسيء إليه، وهذا يطرح على ظهره.

وهذا يفعل ويفعل، ثم هو صلى الله عليه وسلم يعفو في حقه. وأما إذا انتهكت محارم الله فهنا النبي صلى الله عليه وسلم يغضب. فالإنسان إذا يعفو في حقه الشخصي ويصلح ويتجاوز، أما في حقوق الله عز وجل فلا مجال للتجاوز. فهذا ضابط ينبغي التنبه عليه؛ أن العفو والتجاوز النبوي في حقوقك التي لا تأتي على دينك بشر، وأما في حقوق الله عز وجل فإنه لا مجال لهذا الخلق. بل كان صلى الله عليه وسلم يحمر وجهه ويغضب إذا انتهكت حرمة من حرمات الله عز وجل.

إذا ننتقل الآن إلى نص جديد من كلام الحارث المحاسبي؛ يعني ليس كل نص نصنع قصة كبيرة كما يقولون، هناك أمر أريد أن أصل إليه، يعني الفقرة هناك فقرة مهمة اليوم من كلام الحارث المحاسبي هي التي سنقف عندها. الحارث المحاسبي كذلك يكرر قضية البلاء الذي سيبتلى به المسترشد في طريقه إلى الله، فيقول: واعلم أن المؤمن مختبر صدقه في كل حال. انظروا هذه الجملة المهمة من الحارث المحاسبي، يقول: واعلم أن المؤمن مختبر صدقه في كل حال، مطلب نفسه بالبلوى، رقيب بالله على نفسه، فاثبت على محجة الحق تأتيك مودة الخلق. وهذه الجملة الأخيرة من أجمل ما ذكر المحاسبي رحمه الله في هذه الرسالة، واثبت على محجة الحق تأتيك مودة الخلق.

الحارث المحاسبي هنا أيها الأحبة يعطي رسالة في الحقيقة ذهبية لأصحاب المبادئ والأفكار، لكل من يحمل مبدأ، لكل من يحمل منهجاً، لكل من يحمل فكراً؛ يقول له: أيها الحبيب، سنة الله التي لا تتبدل أن من حمل المبادئ فسوف يبتلى. فسوف يبتلى في دينه حتى ينظر؛ هل هذا الإنسان أهل حمل هذه المبادئ؟ هل هذا الإنسان حمل هذه المبادئ لوجه الله عز وجل؟ أم هو ممن حمل المبادئ مثلاً أو رفع الشعارات لأنها مطلب؟ المبادئ والأفكار أيها الأحبة التي يحملها الإنسان يعني ليست رحلة على شواطئ البحار، يقول الإنسان فيها ما يشاء ثم تنقضي الأمور ويعود إلى بيته، لا، المبادئ هي في الحقيقة معركة يحياها الإنسان في هذه الحياة الدنيا لتحيا هذه المبادئ، بل قد يموت الإنسان من أجل أن تحيا هذه المبادئ والأفكار.

وبغض النظر عن طبيعة هذا المبدأ، هناك أناس يعني عذبوا وماتوا من أجل مبادئ تافهة، هناك من عذب ومات من أجل مبادئ في الشيوعية، من أجل مبادئ في الإلحاد، رضي لنفسه أن يسجن سنوات من أجل أن يحيا هذا المبدأ وعاش للمبدأ، ولكنه مبدأ ساقط؛ فخسر دينه ودنياه، أتعب نفسه في هذه الدنيا بحمله هذه المبادئ التي تخالف منهج الله عز وجل وأضاع آخرته. أما المبادئ التي تستحق أن يحيا من أجلها وأن يعيش الإنسان في سبيلها هي مبادئ العقيدة الصحيحة التي ترضي الله عز وجل، ولكن كثير ممن يحملون هذه المبادئ الصحيحة يتساقطون في الطريق.

يتساقطون في الطريق سريعاً، لماذا؟ لأنهم لم ينتبهوا على هذه السنة التي يذكرها الحارث المحاسبي، قال: سيختبر صدقه في كل حال، الله عز وجل سيبتليك، يعرف هل أنت حملت هذه المبادئ بصدق؟ هل تريد أن تحيا من أجل هذه المبادئ وأن تموت لتحيا هذه المبادئ؟ أم أنت ممن حملتها ليصفق لك أو ليمدحك الناس أو ليثنوا عليك، ما شاء الله فلان يقول كلاماً جميلاً في هذه الأمور، ثم بعد ذلك في أول عقبة من عقبات الطريق سقطت، وبان فشلك وبان أن هذه المبادئ في الحقيقة لم تدخل في وجدانك، لم تسرِ في عروقك، لم تحيا من أجلها.

لذلك الحارث المحاسبي بعد ذلك يعطيك قاعدة، يقول لك: فاثبت على محجة الحق تأتيك مودة الخلق، يعني لا يهولنك أيها الحبيب في طريق المبادئ وفي طريق الأفكار أن تجد الوحدة، ابتداءً ستجد الوحدة، وهذا مسلك محمد صلى الله عليه وسلم، بدأ عليه الصلاة والسلام أمة وحده، بدأ في مكة المكرمة لا يوجد أي شخص، ذهب إلى خديجة، بدأت معه خديجة هو وزوجه، بدأ رحلة الدعوة وتغيير وجه هذه الأرض، ولكن عندما ثبت على محجة الحق لله سبحانه وتعالى بدأ الأصدقاء والأنصار يتكاثرون إلى أن أدخل الله عز وجل محبته في قلوب خصومه وأعدائه كما أدخلها في قلوب أنصاره وأحبائه.

لماذا؟ لأنه ثبت صلى الله عليه وسلم على مبدئه وعلى الحق الذي يرضي الله عز وجل، فآتاه الله عز وجل هذه الهدية أن قاد له قلوب العباد، مؤمنهم وكافرهم، كلهم أقبلوا على محمد صلى الله عليه وسلم، لماذا؟ لأنهم رأوا أن هذا الإنسان صاحب مبدأ، هذا إنسان صاحب عقيدة، ليس تاجراً من تجار الدنيا، عرضوا عليه الزوجات فلم يرضَ، عرضوا عليه الأموال فلم يرضَ، عرضوا عليه المناصب، يثبت، إذاً هو صاحب مبدأ، صاحب عقيدة، يستحق أن ينظر إليه بعين الاحترام، حتى الكفار الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم نظروا إليه بعين الاحترام والإجلال، أن هذا إنسان عاش لمبدأ عظيم. حتى في الوقت المعاصر كثير من هؤلاء الغرب يمدحون محمداً صلى الله عليه وسلم لأنهم علموا أنه إنسان جاء لمبادئ ولم يأتِ لمناصب ولا لشيء من عَرَض هذه الحياة الدنيا.

أنا فقط سريعاً أذكر بعض القصص التي يذكرها الحارث المحاسبي، لا أطيل في هذا الكلام عن قضية المبادئ والأفكار. قضية الإمام أحمد بن حنبل كمثال وكنموذج لقضية الثبات على المبدأ، يعني الإنسان إذا قلت له محمد صلى الله عليه وسلم يقول هذا مؤيد من الله رسول، أما إذا أتيت له بأمثلة من البشر الذين لم يوحَ إليهم من الصالحين قد يكون المثال أقرب. أحمد بن حنبل أيها الأحبة ثبت وحده في فتنة عظيمة، كان هناك نعم من العلماء ذهبوا في هذه الفتنة وقضوا نحبهم شهداء ولكن على مستوى الأمة أحمد بن حنبل ثبت وحده في فتنة خلق القرآن التي أتى بها المعتزلة والتي اعتنقها كثير من الخلفاء العباسيين، اعتنقوا هذه البدعة وعذبوا العلماء من أجل أن يقولوا بهذا القول الذي يغضب الله سبحانه وتعالى، وقال جل العلماء بكفره أن القرآن مخلوق.

أنا لا يهمني أن نعرف طبيعة البدعة، أنا يهمني أن نعرف كيف صبر الإمام أحمد وحده حتى رفع الله عز وجل ذكره وجعله إماماً لأهل السنة والجماعة. من القصص التي تذكر مع الإمام أحمد بن حنبل في هذه الفتنة تدل على صبره وعلى ثباته، القصة الأولى التي يذكرها ما خلاصته: قال لما أخذ أحمد بن حنبل إلى بغداد، بغداد عاصمة الخلافة العباسية، قال لما أخذ أحمد من بغداد ثم سُيِّر به إلى الرقة، في الرقة كان هناك تعذيب، علماء أُخِذ بهم وسُحِلوا إلى الرقة حتى يتم تعذيبهم في تلك المنطقة. لما أخذ أحمد من بغداد وسافروا به إلى الرقة حيث كان المأمون، فحبس فيها.

المأمون هو من حمل لواء هذه البدعة ابتداءً، أحد الخلفاء العباسيين، الآن أحمد بن حنبل حمل إلى الرقة ليعذب، الآن من دخل عليه؟ دخل عليه من يريد أن يضعف همته ومن يريد أن يثنيه عن هذا الطريق، أحمد أصر على الصبر وأصر على الثبات على الحجة الحق لله عز وجل حتى يظهر الحق للناس جميعاً. قال دخل عليه بعض العلماء يذاكرونه فيما يروى من الأحاديث في العمل بالتقية، يعني قالوا له: يا إمام، لو أخذت بالتسهيل في هذه القضية وأرضيت هذا السلطان فقلت بهذه البدعة ثم بعد ذلك تفلت من العقاب وتقول ما تشاء، يعني خففوا عليه، قالوا: لا في داعي أنك تصبر وتعذب نفسك من أجل هذا الموضوع، فأبى أحمد أن يسلك التقية قائلاً لهم، انظر كيف العالم الثابت صاحب المبدأ: كيف تصنعون بحديث إن من كان قبلكم كان ينشر أحدهم بالمنشار ثم لا يصده ذلك عن دينه؟

يعني انظر، هذا حديث خباب ورد في أناس يفتنون في الإيمان، يفتنون في مسائل الكفر والإيمان، يطلب منهم أن يعودوا إلى الكفر، أحمد بن حنبل طلب منه أن يتكلم في بدعة، بغض النظر أكفر أو غير مكفرة وإن كان أمره أقل من الكفر بالله عز وجل صراحة، ولكن حمل ذاك النص الذي ورد في أناس عذبوا من أجل أن يفتنوا في دينهم على حاله، قَهره على نفسه، قال: أين نذهب بهذا النص؟ إذا كان العالم سيأخذ بالتقية متى يظهر الحق؟ إذا كان العالم يأخذ بالتقية متى يظهر الحق؟

انظروا إلى التي تليها، وقال في الحبس وهو مهدد بالضرب والقتل: إذا سكت الجاهل بجهله، هذا فهمناه يعني الجاهل سيسكت في الفتن لأنه جاهل، قال: وأجاب العالم تقية، فمتى تقوم لله حجة؟ إذا كان الجاهل سيسكت وهذا فهمناه وعقلناه، عالم سيسكت تقية، متى تقوم حجة الله عز وجل على الخلق؟ لذلك أحمد بن حنبل كان يرى أن العالم لا يترخص، الذي يترخص بالتقية عوام الناس يمكن، طالب العلم، أما العالم الذي نصب نفسه للناس فهذا لا يأخذ بالتقية لأن أخذه بالتقية فيه فتنة لخلق الله عز وجل.

القصة الثالثة قال أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أي في هذا البلاء الذي وقعت فيه أقوى من كلمة أعرابي كلمني في رحبة طوق، منطقة، فقال لي: يا أحمد، إن يقتلك الحق مِتَّ شهيداً، وإن عشت عشت حميداً. انظروا كيف الله عز وجل يعني تكون وحدك، لكن تأتيك المثبتات من الله عز وجل في خضم هذا البلاء.

كذلك يقول الإمام أحمد، كان قال ابنه عبد الله بن الإمام أحمد: كنت كثيراً أسمع والدي أحمد بن حنبل يقول: رحم الله أبا الهيثم، غفر الله لأبي الهيثم، عفا الله عن أبي الهيثم. فقلت له: يا أبتِ، من أبو الهيثم هذا؟ كثير تذكره، تترحم عليه، تستغفر له، من أبو الهيثم؟ فقال: ألا تعرفه؟ قلت: لا، فقال: أبو الهيثم الحداد، اليوم الذي أخرجت فيه للسياط ومُدَّت يدي للعقابين، وهما خشبتان يشب فيهما الرجل بينهما، يعني يقول في اليوم الذي أخرجني به المأمون أو المعتصم كما سيأتي معنا، المعتصم في فتنة المعتصم، كان المأمون مات ثم جاء المعتصم.

اليوم قال الذي أخرجت فيه لأن أضرب بالسياط وعلقت على خشبة وصلبت عليها، جاءه أبو الهيثم، قال: إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي. الآن الإمام أحمد علق على خشبة وصلب عليها ليعذب وليضرب بالسياط حتى يقول بفتنة خلق القرآن، الآن يقول: وأنا معلق على هذه الخشبة مصلوب عليها، جاءني إنسان جذبني من ثوبي، فقال لي: أتعرفني؟ فقلت له: لا أعرفك، يعني هو أنا وقت أعرفك، الدنيا مصلوبة والسياط نازلة، قال: ألا تعرفني؟ فقال له: أنا أبو الهيثم العيار.

أبو الهيثم العيار قال: أي نشيط في المعاصي هذا معنى العيار عندهم، كان إنسان معروف بالمعاصي، قال: أنا لست الضرار، يعني أنا إنسان حرامي سراق، أنا هكذا معروف بين الناس، أي النشار من الجيوب؟ قال: مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أني ضربت ثمانية عشر ألف سوط، يعني هذا الإنسان لكثرة سرقته سجل في ديوان الخلافة، يعني في ديوان الحدود، أن هذا الرجل إلى الآن ضرب ثمانية عشر ألف سوط، انظر للعدد الضخم من أجل أن يسرق ويعود إلى السرقة.

جيد، قال: وصبرت في ذلك على طاعة الشيطان، يعني وتحملت هذه السياط مقابل أن أطيع الشيطان في السرقة لأجل الدنيا، فاصبر يا أحمد بن حنبل في طاعة الرحمن لأجل الدين. انظر كيف هذا إنسان عاصي فاجر كثير السرقة ولكن جاء إلى أحمد بن حنبل، بعثه الله عز وجل، الله عز وجل هو الذي أرسله ليعظه بهذه الموعظة القصيرة، قال: اثبت في طاعة الرحمن لأني أنا ثبتُّ على طاعة الشيطان وصبرت، فأنت أولى بأن تصبر على طاعة الرحمن.

قال أحمد: فأمر بي فأقمت بين العقابين، صلبت على الخشبة، وجيء بكرسي فأقمت عليه، وأمرني بعض من حضر خلفي فقال: خذ نائية الخشبتين، فلم أفهم، يعني هذه عبارة رمزية عندهم، خذ نائية الخشبتين أي ما خرج عن الخشبتين، يقصد خذ بمنكبيه، يعني ارفعه إلى الأعلى. قال: فلم أفهم، فإذا برجل يأخذ بيديه، أخذ بيد أحمد بن حنبل، قال: فتخلعت يده، انخلعت يداه من أماكنها، قال: فتخلعت يداي، وجيء بالضرابين ومعهم السياط، فجعل أحدهم يضربني سوطين، ويقول له المعتصم: شد، قطع الله يديك، يعني انظر للمعتصم هذا الخليفة العباسي، يقول لضارب السياط: شد على أحمد بن حنبل السياط، قطع الله يديه، يعني شد عليه.

قال: ويجيء الآخر، كل شوي يتناوبون في ضرب أحمد بن حنبل، يأتي الأول يضرب حتى يتعب ثم يأتي الذي يليه يضرب، قال: فيضربني سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطاً فأغمي علي وذهب عقلي مراراً، فإذا سكن الضرب تعود إليَّ عقلي، وقام المعتصم إلي يدعوني إلى قولهم، يعني يقوم الخليفة إلي يقول: يا أحمد، قل بخلق القرآن، فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك، الخليفة على رأسك، فلم أقبل، وأعادوا الضرب، ثم عاد المعتصم إلي فلم أجبه، فأعادوا الضرب، ثم جاء إلي الثالث فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي، فلم أحس بالضرب.

يعني من شدة الضرب الآن ذهب العقل، فأصبحوا يضربون وهو لا يشعر بألم الضرب، لماذا؟ انتهى الأمر، كل الخلايا العصبية ماتت من شدة الضرب. قال: فأُطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيتي، يعني أطلقوه في النهاية وألقوه في حجرة، دخلوه سجن في أيامه في حجرة من بيت، قال: وقد أُطلقت الأقياد من رجليه، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان، فقال رجل ممن حضر.

أنا كببناك على وجهك، يعني أحد الذين ضربوه دخل عليه هذه الحجرة، فقال له: يعني تعرف ماذا حدث بك؟ قال له: ما أعرف إيش حدث بي. قال: أنا كببناك على وجهك، وطرحنا على ظهرك بارية أي حصيرة، ودسناك، يعني حطوا عليه الحصيرة ودعسوا عليه، يعني بهدلوه. قال: فما شعرت بشيء من ذلك. أحمد بن حنبل يقول: ما شعرت.

هذا كله، فأتوني بسويق لأفطر من الضعف، يعني ما استطاع أن يكمل صيام هذا اليوم من رمضان. قال: فامتنعت من ذلك، يعني أصر أن يكمل صيامه وأتممت صومي. قال: وحين حضرت صلاة الظهر تقدم القاضي ابن سماعة فصلى، فلما انفتل من الصلاة قال لي: صليت والدم يسيل في ثوبك، يعني بدأ يطرح عليه مسائل فقهية الآن. قال: صليت عليك دم يا أحمد بن حنبل؟ قال: صلى عمر رضي الله تعالى عنه وجرحه يثعب دماً أي يسيل دماً.

ولما رجع أحمد إلى منزله جاءه الجرائحي، يعني الذي يصلح الجروح المفتوحة، أي طبيب، فقطع لحماً ميتاً من جسده؛ الآن اللحم كثير منه مات بسبب شدة الضرب، جيد، فجاء هذا الإنسان المطبب جاء ليقطع هذا اللحم الميت، وجعل يداويه حتى عوفي. الآن انظروا إلى ما يصدق عليه كلمة المحاسبي: يثبت على محجة الحق تأتيك مودة الخلق. انظر من الذي كان يتمنى أن يشفى أحمد بن حنبل؟ من الذي كان يتمنى أن يشفى أحمد بن حنبل؟ قال: ولما شفاه الله بالعافية، المعتصم، مين المعتصم؟ الخليفة الذي كان يضربه، فرح المعتصم بذلك.

المعتصم طبعاً فرح فيما يظهر، لماذا؟ لأنه كان يخشى أن يموت أحمد بن حنبل فيظهر ماذا؟ قوله، يعني الناس تعرف أن هذا إنسان مات من أجل مبدأ، وهذا أحمد بن حنبل كل الناس تعرفه، فالمعتصم فرح لأن الإمام أحمد شفي لهذا المأخذ؛ لأنه ماذا خاف أن يموت أحمد بن حنبل، ويمكن أن يقال إنه فرح حباً لأحمد بن حنبل؛ أحياناً العدو والخصم قد يؤذيك ولكنه قد يحبك في النهاية؛ لأنه يرى أن هذا الإنسان آذيته وعذبته وطرحت عليه وفعلت، ومع ذلك يصبر، إذاً هذا إنسان صاحب مبدأ. قد تبيع دينك بعرض من دنيا بخس وتظن أنك أرضيت فلاناً وفلاناً، ولكنهم في الحقيقة لن يرضوا عنك، ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، ولكن إذا رأوك صاحب عقيدة وصاحب مبدأ فإن الله عز وجل يقود قلوبهم إليك.

قال: ولما شفاه الله بالعافية فرح المعتصم، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندماً كثيراً، فهذا يدل على أو يرجح الجانب الثاني أن المعتصم كما قلنا الظاهر أنه يعني تأثر لما فعل بأحمد بن حنبل، ورزقه الله عز وجل محبة لأحمد بن حنبل لصبره ولثباته. إذاً هذه قصص تذكر. أحمد بن حنبل ثبت وحده رحمه الله تعالى في هذه الفتنة، فرفع الله عز وجل شأنه، فأصبح في أقطار الدنيا يسمى إمام أهل السنة والجماعة، هذا اللقب من به على أحمد بن حنبل على الإطلاق، لماذا؟ لأن الله عز وجل رفع ذكره في هذه الدنيا، وقاد العلماء جميعاً من جميع الطوائف والمذاهب إلى محبته، لما ثبت على الحق لوجه الله عز وجل.

الآن ننتقل إلى الفقرة المهمة في هذا الدرس، وهو قول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: واصدق في الطلب ترث علم البصائر، وتبدو لك عيون المعارف. الفقرة متعبة تحتاج إلى تحليل ونظر، لذلك سنقف عندها ونحتاج أن الطالب يتأمل في هذا الكلام. كلام جميل، كلام إبداعي من الحارث المحاسبي ولكنه دقيق، اكتفى بالإشارة وعليك العبارة. قل: واصدق في الطلب ترث علم البصائر، وتبدو لك عيون المعارف، وتميز بنفسك علم ما يرد عليك بخالص التوفيق، فإنما السبق لمن عمل، والخشية لمن علم، والتوكل لمن وثق، والخوف لمن أيقن، والمزيد لمن شكر.

واعلم أن ما يصل العبد إليه من الفهم بقدر تقويم عقله، وموجود علمه، وتقواه لله وطاعته. هذا تعديل أيها الأحبة في الحقيقة؛ يعني أنا تأملت النص، النص لا يقبل إلا هذا التعديل، فنعدل النص. قال: بقدر تقويم عقله وموجود علمه وتقواه لله وطاعته، فمن وهب الله له العقل وأحياه بالعلم بعد الإيمان، وبصره باليقين، وعرفه عيوب نفسه، فقد نظمت له خصال البر. فاطلب البر في التقوى، وخذ العلم من أهل الخشية، واستجلب اليقين بمباحث الصدق في مواطن التفكر، قال الله عز وجل: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تعلموا اليقين فإني أعلمه.

واعلم أن كل عقل لا يصحبه ثلاثة أشياء فهو عقل مكيد: إيثار الطاعة على المعصية، وإيثار العلم على الجهل، وإيثار الدين على الدنيا. وكل علم لا يصحبه ثلاثة أشياء فهو مزيد في الحجة: كف الأذى بقطع الرغبة، وجود العمل بالخشية، وبذل الإنصاف بالتبادل والرحمة. واعلم أنه ما تزين أحد بزينة في العقل، ولا لبس ثوباً من العلم؛ لأنه ما عرف الله إلا بالعقل، ولا أطيع إلا بالعلم. هذا النص أيها الأحبة كاملاً ينبغي عليك أن تقرأه كوحدة موضوعية، هو يتكلم عن فكرة واحدة، وإذا لم تقرأه كاملاً ربما الأفكار تضيع عليك، خاصة أنه يكرر اللفظ بصيغة أخرى ويأتي لمقصد ثم يكررها ثم يعود، فإذاً هذا وحدة موضوعية كاملة ندرسه متكاملاً.

هنا الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى يتكلم في هذا النص عن المسلك الذي ينبغي على العبد أن يسلكه إذا أراد أن يحصل البصيرة في الدين. البصيرة في الدين هي وسيلة إلى فهم مراد الله عز وجل من العبد في هذه الحياة الدنيا حق الفهم، ومعرفة مراد الله عز وجل من الإنسان حق المعرفة. يعني هذه الفكرة العامة لهذه الفقرة، تتكلم ما هي الطريقة وما هو المسلك وما هو التصور الذي يتصوره المحاسبي حتى ينال العبد البصيرة في الدين، والبصيرة تكلمنا عنها سابقاً هي الطريق لفهم مراد الله عز وجل من العبد في هذه الحياة الدنيا.

كلمة في الدين أيها الأحبة هي سعادة الإنسان في هذه الدنيا. العبد الذي يفقد البصيرة يفقد كل شيء، والعبد الذي ينال البصيرة في الدين نال كل شيء؛ لأنه يعرف متى يقدم ومتى يحجم، وما الذي يرضي الله عز وجل وما الذي يرضيه، وما هو الحق وما هو الباطل، فلا يضيع في متاهات الفتن وفي متى هذه الحياة الدنيا. فإذاً الحارث المحاسبي كما قلنا يريد أن يبين لك ماذا يجب عليك أن تفعل حتى تصل إلى البصيرة التي بها تفهم عن الله عز وجل، فيقول: أساس تحصيل البصيرة في الدين الصدق في الطلب.

الصدق في الطلب، ماذا قال في الفقرة؟ واصدق في الطلب. طيب طلب ماذا؟ قال: واصدق في الطلب. أطلق، لم يقل شيئاً معيناً. في الحقيقة عندما نتأمل النص كاملاً يقصد بالطلب طلب ثلاثة أمور. الطلب الأول هو طلب الله عز وجل، هذا أول طلب ينبغي عليك أن تصدق في طلبه، أن تطلب الله سبحانه وتعالى. والمعنى الكامل الشامل لطلب الله عز وجل أن تطلب اليقين بوجود الله عز وجل وتدبيره لهذا الكون، وهذا مقام الربوبية؛ أن تتيقن في قلبك أن الله عز وجل موجود، يدبر ويسيطر وهو مالك الملك. وكذلك يدخل في طلب الله عز وجل طلبه بطاعته وتقواه، وهذا مقام ماذا؟ هذا مقام الألوهية، فهناك مقام للربوبية ومقام للألوهية كلاهما يدخل في طلب الله عز وجل. إذاً هذا أول شيء ينبغي عليك أن تصدق في طلبه، طلب الله.

ما معنى طلب الله؟ أن تطلب اليقين بوجود الله عز وجل في هذه الحياة الدنيا، موجود مسيطر مدبر مالك الملك، وهذا مقام، وأن تطلب طاعة الله عز وجل وتقواه وامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وهذا هو مقام الألوهية. فهذا هو المطلب الأول، ويجمعه قوله تعالى في سورة الأنعام: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. الحياة كلها في طلب الله عز وجل، الصلاة والنسك والمحيا والممات لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمرت. إذاً هذا أولاً احفظ: طلب الله عز وجل.

الأمر الثاني الذي ينبغي عليك أن تصدق في طلبه: طلب العلم. طلب العلم الذي يقربك من الله سبحانه وتعالى، فتأخذ العلم بجد واجتهاد وحرص، وليس بتكاسل وليس بملل، وأن تكون دائماً ترى العلم الشرعي أمامك في ساعات العمر، وتبادر العمر في تحصيل هذه العلوم حتى يمتزج العلم بقلبك وروحك ووجدانك. أما الإنسان الذي يصرف ساعات العمر في الجلوس أمام وسائل التواصل الاجتماعي ثم بعد ذلك يقول: أنا أطلب العلم، ويعطيه فضالة الوقت، هذا لم يصدق في الطلب. الحارث المحاسبي دقيق، عالم كبير محرر، يقول: اصدق في الطلب، ليست القضية أن تطلب، القضية أن تصدق في الطلب، أنك قد تطلب العلم ولكنك لا تصدق في ذلك، إذاً ينبغي عليك أن تصدق في طلب العلم. هذا هو الأمر الثاني.

الأمر الثالث والأخير الذي ينبغي عليك أن تصدق في طلبه: أن تصدق في طلب إصلاح العقل وتقويمه. أن تصدق في إصلاح العقل وتقويمه حتى تنظر بعين عقلك في الأمور، وليس بعين هواك، لأن عين العقل هي التي تجعل الإنسان يقرب عوائد الأمور والمصالح إلى نفسه، ويبعد عنها المساوئ ومباني الأمور. هذا هو العقل، والهوى بخلاف ذلك، يقرب إلى الإنسان ويبعد عنه المصالح. الآن ربما تقولون لي: من أين أتيت أنت بهذا الكلام؟ أنت تقول إن الحارث المحاسبي يقصد بقوله واصدق في الطلب طلب الله عز وجل، وطلب العلم، وطلب تقويم العقل. أقول: هذا يظهر من كلامه في مطلع الفقرة التي تليها، عندما قال: واعلم أن ما يصل العبد إليه من الفهم. أنا أريدك أن تفهم العبارة أيها الحبيب، فتأمل فيها، قال: واعلم أن ما يصل العبد إليه من الفهم، أي أي طريق الوصول إلى الفهم عن الله عز وجل كيف يكون؟ قال: بقدر تقويم عقله، تقويم العقل أن يسير على الجادة الصحيحة، بقدر تقويم وموجود علمه، هذا الأمر الثاني أن يوجد عنده العلم، قال: وتقواه لله وطاعته، هذا الأمر الثالث. هكذا يصل العبد إلى الفهم، وهكذا إذاً يصل العبد إلى البصيرة بعقل قويم، وعلم شرعي صحيح، وتقوى لله عز وجل وطاعته.

العقل القويم أن يطلب تصحيح العقل، والعلم أن يطلب تصحيح العلم، والتقوى لله عز وجل وطاعته أن يطلب الله سبحانه وتعالى. هو يقول لك: هذا هو المسلك حتى يصل العبد إلى الفهم عن الله عز وجل. الآن إذا وصل العبد إلى الفهم عن الله عز وجل بتقويم عقله، قوم عقله وصحح علمه وطلب العلم الشرعي وطلب الله بجد، فما هي الثمرة التي سينالها مقابل هذا المجهود؟ ترى هذا مجهود كبير أيها الأحبة، أن يطلب الإنسان العلم الشرعي وأن يراقبه ويصححه، وأن يكون مقصده الله عز وجل، وأن يتيقن بوجود الله ويحاول أن يحصل اليقين فيما يتعلق بوجود الله وتدبيره وفي طاعته وامتثال أوامره، هذا مجهود كبير تفنى فيه ساعات العمر. فما الهدية التي ستنالها إذا صدقت في الطلب؟

قال المحاسبي: واصدق في الطلب. نعود للفقرة السابقة: واصدق في الطلب، فما النتيجة؟ قال: ترث علم البصائر. أي تحصل البصيرة، ترث علم البصائر، أي تحصل البصيرة، يرزقك الله عز وجل علم البصيرة، يصبح عندك بصيرة قلبية، لا تنظر بنور عينك وإنما تنظر بنور قلبك إلى الأمور وإلى المسائل. جيد، قال: ترث علم البصائر، إذاً أورثك الله عز وجل علم البصائر من خلاله تنتقل. قال: وتبدو لك عيون المعارف. العيون جمع عين، والمعارف جمع معرفة، فيقول لك من خلال علم البصيرة الذي سيعطيك الله عز وجل إياه، تستطيع أن تصل إلى عين المعرفة، وهو عين مراد الله عز وجل. هذه عين المعرفة، عين المعرفة هو عين مراد الله عز وجل وإدراك ما يريد الله عز وجل منك على وجه الحقيقة.

فهو كلام إذاً ينبني بعضه على بعض، وهذا كلام الأئمة الكبار، كلامهم قد يكون فيه إشارات سريعة، أنت ينبغي عليك أن تستنطق النص، وأن تعرف ما خلف النص وما خلف هذه الإشارات. كلمة قصيرة يعطيها المحاسبي لكن خلفها مضمون كبير يحتاج الإنسان أن يتدبر وأن ينظر ما الذي يقصده المحاسبي بهذا الكلام. يقول لك: إذا أورثك الله عز وجل بصيرة في القلب، فهذه البصيرة تجعلك تنظر إلى عين المعارف وتصل إلى عين المعارف. ما معنى تصل إلى عين المعارف؟ يعني إلى حقيقة المعرفة، وما هي المعرفة المطلوبة؟ هي معرفة مراد الله عز وجل من العبد، هذه هي المعرفة التي نريد أن أعرف ما الذي يريده الله مني في هذه الحياة، أنني ماذا وجدت في هذه الحياة؟ هل هذا التصرف يريده الله مني؟ هل هذا التصرف الآخر يريده؟ الآن هذا مهم، فلن تنالوا إلا ببصيرة، هذه البصيرة تجعلك تنظر في عين المعرفة. الآن كذلك هذه البصيرة لها دور آخر، ما هو؟ قال: وتميز بنفسك علم ما يرد عليك بخالص التوفيق. أي هذه البصيرة كذلك تعينك على أن تميز ما يرد على عقلك من الخواطر، وما يرد على عقلك من الشبهات والأفكار. أنت في حياتك اليومية ترد عليك خواطر كثيرة، ترد على هذا القلب وعلى هذا العقل، تأتيك أفكار كثيرة، أشياء كثيرة تطرح عليك، كيف السبيل إلى معرفة ما هو الصحيح وما هو النافع؟ وما هو الضار الذي ينبغي عليك أن تجتنبه؟ وما هو الخاطئ الذي لا يرضي الله؟ ما هي...

الصحيحة التي يرضاها الله عز وجل وما هي المناهج الخاطئة؟ هذا يحتاج فيه إلى بصيرة في الدين. لو درست الكتب كلها ولم يؤتك الله عز وجل بصيرة لن تستطيع أن تميز الصحيح من الخاطئ. فالبصيرة في الدين كما أنها توصلك إلى عين المعرفة، يعني إلى عين مراد الله عز وجل، كذلك ترزقك التمييز بين الأمور التي ترد على خاطرك وعلى قلبك من الأفكار والخواطر والشبهات؛ فتميز صحيحها من غيرها.

أيّها الأحبّة، هل هذه المرتبة سهلة المنال في الحقيقة؟ ليست سهلة المنال. هذه المرتبة صعبة؛ أن يصل الإنسان إلى البصيرة، لذلك في الحقيقة قليلون هم الذين يرزقهم الله عز وجل هذه البصيرة، لأنها تحتاج إلى جهد وإلى تعب متواصل، وهذا لا يقدر عليه إلا من وفقه الله عز وجل لذلك، ماذا قال؟ قال بخالص التوفيق. فإن يرزقك الله عز وجل البصيرة في الدين هذا خالص توفيق الله عز وجل وامتنانه واصطفائه لعبده، أن يختاره الله عز وجل لأن يبذل الأسباب في تقويم العقل وطلب العلم وطلب الله، إذا بذل هذه الأسباب بصدق يرزقه الله عز وجل البصيرة في دينه بخالصه.

ثم قال بعد ذلك المحاسبي، قال: فإنما السبق لمن عمل، والخشية لمن علم، والتوكل لمن وثق، والخوف لمن أيقن، والمزيد لمن شكر. ما الذي يريده بهذا الكلام؟ أو ما علاقة هذا الكلام بالقضية التي نتكلم عنها؟ أيّها الأحبّة، نحن نتكلم عن قضية، ما هي؟ أن نيل هذه الجائزة وهي البصيرة في الدين يحتاج إلى بذل سابق، بذل في صدق في طلب الله، والصدق في طلب العلم، والصدق في طلب إصلاح العقل. صحيح؟ إذاً هذه المناقب الشرعية، هذا الذي يريد أن ينقله. المناقب والخصال الدينية لا تنال إلا ببذل المجهود من العبد، لا ينالها العبد براحة الجسد وهو متكئ في بيته، لا يريد أن يبذل، لا يريد أن يعمل، هذا دأب المناقب الشرعية والمصالح. المناقب الشرعية والخصال الدينية لا تنال إلا بجهد وبذل من العبد.

لذلك هو يريد أن ينظر على هذه الفكرة بذكر هذه الأمثلة. يعني فكما أن السبق في المضمار إلى الله عز وجل لا يكون إلا بعمل، وكما أن الخشية من الله عز وجل لا تكون ولا تحصل للعبد إلا بعد جهد في العلم، وكما أن التوكل لا يناله العبد، حقيقة التوكل حتى يتعب نفسه في زيادة ثقته بالله سبحانه وتعالى، وكما أن الخوف والخشية الحقيقيين من الله هو ثمرة تيقنه وإيقانه بالله، وكما أن المزيد من النعم هو ثمرة الشكر السابق؛ فكذلك البصيرة في الدين والفهم عن الله عز وجل هو ماذا؟ هو نتيجة للصدق في الطلب. فهذا تنظير فقط، ولم يقصد هذا النص بحد ذاته، وإنما أراد أن يقعد لك قاعدة أنك أيّها الحبيب لن تصل إلى المعالي ولن تصل إلى الخصال الشريفة إلا بدفع ضريبة قبل ذلك.

لا تظن أنك ستنال السبق من دون عمل، ولا تظن أنك ستنال الخشية من الله من دون علم، ولا تظن أنك ستنال التوكل من دون ثقة بالله، وأنك ستنال الخوف من دون يقين، وأنك ستنال المزيد من النعم من دون شكر. فكذلك لا تظن أنك ستحصل البصيرة في الدين وأنت لا تصدق في طلب الله ولا في طلب العلم ولا في طلب إصلاح العقل وتقويمه. هذا بناء على هذا وتنظير لهذا المبدأ الذي يريده أن يركزه بعد ذلك في الفقرة التي تليها كما قرأنا: واعلم أن ما يصل العبد إليه من الفهم وبقدر تقويم عقله ووجود علمه وتقواه لله وطاعته. هذه الفقرة هي التي أوضحت لنا ماذا قصد في قوله: واصدق في الطلب.

ثم بين بعد ذلك، يعني إذا حصلت البصيرة في الدين أيّها الحبيب ماشي، تقول لي أنا صدقت في الطلب، في طلب الله وفي طلب العلم وفي طلب إصلاح العقل فنلت البصيرة. طيب إذا نلت البصيرة في الدين التي أعرف بها مراد الله، وإذا نلت البصيرة في الدين التي يميز بها الصحيح من الفاسد في الأحكام والشبهات والأمور؟ قال إذا نلت هذه الأمور، قال فانت نلت البر وجمعت خصال الخير كله. وهذا هو خصال الخير كله في هذه الحياة؛ أن يعطيك الله عز وجل بصيرة تفهم بها مراده، وتميز بها الصحيح من الفاسد، إذا اجتمع لك ذلك فقد جمعت خصال الخير كله واكتمل عقدها لك.

لذلك قال: فمن وهب الله له العقل وأحياه بالعلم، وأعطاه الله عز وجل ماذا ابتداء؟ العقل، وهذا يحتاج كما قلنا إلى صدق في الطلب، وكذلك أحياه بالعلم وهذا يحتاج إلى صدق الطلب، قال بعد الإيمان وهذا يكون بطلب الله عز وجل، فأثمرت النتيجة ماذا؟ أثمرت النتيجة أن رزقه الله عز وجل بصيرة، تبصره باليقين، وكذلك بصيرة تعرفه الأمور الجيدة فيأتي بها، وتعرفه العيوب فيجتنبها. هذه الأمور التي سبق تقريرها إذا اجتمعت للعبد، قال فقد نظمت له خصال البر، البر هو الخير. إذا اجتمعت لك، يعني ماذا تريد أكثر من أن يعطيك الله عقلاً ويعطيك علماً ويعطيك إيماناً ويعطيك بصيرة في دينك؟ إذا اجتمعت هذه الأمور فهذا هو عقد الخير، اكتملت الأمور لهذا العبد.

فيحيا حياة هنيئة سعيدة بمراد الله عز وجل، يعرف ما الذي يرضاه مولاه فيقبل إليه، ويعرف ما الذي يبغضه ويسخطه فيبتعد عنه، فيجتمع لك الخير إذا جمعت هذه الخصال، ورأس هذه الخصال وأساسها هذا الذي يركز عليه المحاسبي وعن عمدتها أن تصدق في طلب الله وهو تقوى الله وطاعته. لذلك أكد على هذه الفكرة، نحن ذكرنا الصدق في طلب الله والصدق في طلب العلم والصدق في طلب إصلاح العقل وتقويمه، وأساسها ورأسها هو الأول؛ الصدق في طلب الله عز وجل بتقواه وطاعته، وهذا هو مقام الألوهية، وهو أكد عليه أكثر من تأكيده على مقام الربوبية.

ثم بين لك، قد أنا أريد أن أحصل العلم، أنت تكلمت كثيراً عن تحصيله العقلي وأن تصدق في طلب العلم، فكيف أحصل؟ دائماً المحاسبي يعطي إشارات سريعة، وليس كتاب شرح، ومضات سريعة على الطريق. يقول لك العلم تريد أن تحصله وتصدق في طلبه؟ انظر إلى أهله، قال أهل الخشية. لذلك قال: وخذ العلم من أهل الخشية، هذا هو المسلك الصحيح في أخذ العلم. وهذا تنبيه على أن المحاسبي دائماً توجيهاته نصائحه قرآنية ربانية، ما الذي عرف المحاسبي رحمه الله أن أهل العلم هم أهل الخشية؟ من أين أتى بذلك؟ من قوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. فعندما قرأ هذه الآية عرف أن أهل الخشية في مفهوم الله عز وجل هم العلماء، والعلماء هم أهل الخشية، لا يوجد انفكاك. في حياتنا المعاصرة قد يوجد انفكاك، تجد إنساناً يلبس لباس العلم ولا يوجد عنده خشية لله، لكن في المفهوم الشرعي الصحيح الذي قرره الله في كتابه، العالم هو الذي يخشى الله. فمن وجدته لا يخشى الله عز وجل وإن حمل الشهادات العليا وإن قال وقال، هذا ليس أهلاً أن تأخذ العلم منه، لأن العلم الحقيقي هو العلم الموصل إلى الله، وأهله هم أهل الخشية لله عز وجل.

ثم بعد ذلك بين الطريق الذي تحصل به اليقين بالله عز وجل. نحن ذكرنا أن أول مطلب هو طلب الله، وطلب الله يكون طلبه في التيقن وجوده في هذه الحياة الدنيا وهذا مقام الربوبية، وطلبه بطاعته وتقواه وهذا مقام الألوهية. فكيف النوع الأول من طلب الله وهو طلبه أو طلب الإيقان بوجوده في هذه الحياة الدنيا؟ قال عليك أن تستجلب اليقين، أي اليقين بوجود الله عز وجل، بمباحث الصدق في مواطن التفكر. بمباحث الصدق في مواطن التفكر، ما معنى هذه العبارة أيّها الأحبّة؟ عبارة فيها تقديم وتأخير، يعني ينبغي عليك بمباحث الصدق، يعني أن تصدق البحث، هذا التقدير ما مباحث الصدق، تقديم وتأخير، يعني عليك أن تصدق البحث في مواطن التفكر والاعتبار. بمعنى بعبارة أخرى أسهل، أن ينبغي عليك أن تتأمل وتتدبر.

إذا مر بك في هذه الحياة موطن اعتبار وتفكر وتأمل، لا تكن غافلاً، تمر على مواطن التفكر والاعتبار وأنت لاهٍ وساهٍ عنها لن تحصل اليقين. لذلك قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. هناك تفكر في هذا موطن تفكر، عندما تنظر في السماء فترى نجومها وكواكبها وترى القمر، هذا موطن تفكر، ينبغي عليك أن تصدق البحث والتأمل والتدبر عندما تمر في هذه المواطن مواطن التفكر. وهذا حال سيدنا إبراهيم، كما قال الله عز وجل عنه: وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. يعني الله سبحانه وتعالى أرى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض حتى يصل إبراهيم إلى درجة الإيقان.

إذاً هنا الحارث المحاسبي من هذه الآية اقتطف شيئاً سريعاً، ما هو؟ أن الوصول إلى درجة الإيقان طريقه في ملكوت السماوات والأرض، لأن ربنا سبحانه وتعالى هو الذي نص على هذا المسلك. فنقول أيّها الأحبّة إذا أردت أن تصل إلى درجة اليقين، أغلبنا نسأل الله السلامة والعافية نقول نحن مؤمنون بالله، ولكن هل تشعر بالله عز وجل في قلبك حقيقة؟ هل تشعر في صلاتك وفي حياتك تعاملاتك هل تشعر بوجود الله؟ أم هي كلمة نكررها نشأنا عليها؟ ولكنها لا تعيش في وجداننا حق المعيشة. يعني لماذا نجد هناك أناساً يبذلون الغالي والنفيس من أجل دين الله ونجد أنفسنا مقصرين عن بذل ذاك المجهود؟ لأن هناك فرقاً حقيقة في اليقين، هذا هو الفرق. لذلك أبو بكر الصديق لم يسبقنا بكثرة صلاة ولا صيام، وإنما لشيء وقر في قلبه هو اليقين. يقينه كان أعلى يقين في هذه الأمة، وكذلك العبد عندما ازداد يقينه كلما هان عليه البذل وهانت عليه التضحية في سبيل الله عز وجل.

لذلك كما قلنا اليقين هناك طريقان، هناك الطريق المباشر وهو ما ذكره ابتداء، أن تصدق البحث في مواطن التفكر، إذا مررت بآية إذا مررت بعبرة وآيات الله عز وجل أيّها الأحبّة لا تنفك عن العبد. العبد منغمس في آيات الله من رأسه إلى أخمص قدميه، في آياته الجسدية وفي آياته الكونية، في نصرته أوليائه وفي خذلانه لأعدائه. الآيات التي ننظر فيها آيات كونية وآيات معنوية كلها تشهد بأن الله عز وجل موجود، وفي كل شيء له آية يدل على أنه واحد. كل شيء في هذا الكون ينطق بأن هناك إلهاً خالقاً مدبراً موجوداً يسيطر على هذا الكون وهو الذي يحركه ويدير شؤونه. هذه المرتبة لن تصل إليها كما قلنا إلا بالتفكر في مواطن الاعتبار، فهذه طريقة مباشرة لتحصيل اليقين.

الآن هناك طريقة غير مباشرة، يعني من ضعف عن مرتبة التفكر والنظر في الآيات له طريقة مساعدة. نسب الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: تعلموا اليقين فإني أتعلمه. هذا الحديث نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والشيخ عبد الفتاح نص على أنه عن النبي صلى الله عليه وسلم. حديث تعلموا اليقين فإني أتعلمه لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد ضعيفاً من طريق مرسل، وإنما المشهور أنه من كلام خالد بن معدان أحد التابعين، رواه ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين، ولكن هذا كلام صحيح، يقول العلماء هذا كلام صحيح: تعلموا اليقين. الآن الغزالي رحمه الله تعالى كما يذكر الشيخ عبد الفتاح يفهمنا ما معنى هذه الجملة من هذا التابعي: ما معنى تعلموا اليقين فإني أتعلمه؟ يقول الشيخ الغزالي رحمه الله: أي جالسوا الموقنين. يعني جالسوا أهل الإيقان، يعني أنت ضعفت أن تنظر بنفسك فتصل إلى اليقين، أقل الأحوال أن تجالس العلماء أهل الإيقان، قال جالسوا الموقنين واستمعوا منهم علم يقين وواظبوا على الاقتداء بهم، يعني هذا أقل حالك، إذا رأيت إنساناً رزقه الله عز وجل اليقين اقتدِ به، اجلس معه اسمع كلامه وحاول أن تتبعه فهذا يقودك، إن لم تصل إلى درجة اليقين فلا أقل من أن تتشبه بأحوال الموقنين. فهذه إذاً طريقة غير مباشرة لتحصيل اليقين.

الطريقة الأولى كما قلنا أن تحصله بنفسك ابتداءً، ولا تكن من الغافلين. الله عز وجل ذم الذين يمرون عن آيات الله عز وجل هم عنها غافلون، ماذا قال؟ وَكَأَيِّن مِّنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. يمرون على آيات الله، ونسأل الله السلامة والعافية، كم من آية مرت علينا ونحن غافلون عنها؟ لا نلتفت ولا ننظر، كم من بلاء حل بنا ولم نفهم مراد الله عز وجل منه، كم من شيء فقدناه ولم نفهم مراد الله، كم من آية كونية كم من آية جسدية نحيا بها ولا نلتفت إليها ونحن عنها غافلون نسأل الله السلامة والعافية. إذاً هذه الطريقة لتحصيل اليقين طريقة مباشرة، كما قلنا هناك طريقة غير مباشرة.

ثم بعد ذلك أكمل، وإلى أن ما زال يكمل الأفكار، يقول لك طيب الآن أنت تقول لي أنه ينبغي علي أن أصدق في طلب الله وينبغي علي أن أصدق في طلب العقل وينبغي علي أن أصدق في طلب.. طيب ما هي العلامات التي تدل أني وصلت إلى درجة العقل القويم؟ ما هي العلامة التي تدل على أني ملكت القويم وأنا صدقت في طلب العقل وفي إصلاحه وفي تقويمه؟ ما هي العلامات والأسس التي تعطيني علامة النجاح؟ أنا الآن فعلاً أصلحت العقل، ذكر ذلك، فيقول: واعلم أن كل عقل لا يصحبه ثلاثة أشياء فهو عقل مَكِيت، وفي نسخ أخرى فهو عقل ماكر، يعني عقل في النهاية.

أيها الأحبة، لم يصل إلى الحقيقة من العقل، ولم يصل إلى العقل الرشيد. الآن هذه علامات ثلاث للعقل الرشيد، ما هي علامة العقل القويم؟ إذا العبد يحكم على عقله أنه قوي، قال: إيثار الطاعة على المعصية، هذا الأول. ثم إيثار العلم على الجهل، ثالثًا إيثار الدين على الدنيا. هذه ثلاث علامات، انظر نفسك وانظر مقامها فيك، إذا رأيت عبدًا مؤثرًا لطاعة الله على معصيته، مؤثرًا للعلم على الجهل، مؤثرًا للدين على الدنيا، فاعلم أنه أُقيم عقله فالزم غرسه.

لماذا أيها الأحبة؟ يعني في الحقيقة فالعقل ما وظيفته في الإنسان؟ العقل سمي عقلًا لأنه يعقلك، يعني يربطك ويمنعك عن سفاسف الأمور. فوظيفة العقل أن يجلب له معالي الأمور ومحاسنها، ويصرف عنه مساوئها، هذه وظيفة العقل. فلو أتينا من ناحية عقلية بحتة، لا نريد أن ننظر من ناحية، إذا أتينا من ناحية عقلية، فقيل لهذا العقل: هناك طاعة إذا بذلتها وفعلتها تنال رضا الله سبحانه وتعالى، وهناك معصية إذا فعلتها سيسخط الله عز وجل عليك ويعذبك. فقط بهذه الحسبة البسيطة العقل بمنظوره سيقدم ماذا؟ سيقدم الطاعة على المعصية. طيب لماذا نجد أكثر الناس يقدمون المعاصي على الطاعات؟

هذا يدل على أن النضوج العقلي عندهم ليس كاملًا، لا يوجد عندهم نضوج عقلي، العقل القويم إذا نظر بين طاعة تقربه من مولاه، وبين معصية تبعده وتحل به سخط الله، بحسبته العقلية السريعة يقول: لا، نذهب إلى الطاعة، لماذا أتعرض لسخط الله؟ ولكن لا يوجد هناك عقل قويم عند أكثر الناس، لأنهم يفضلون المعاصي على الطاعات، وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ.

كذلك العلامة الثانية: إيثار العلم على الجهل، لو قيل للعقل: خيّر العقل بين علم يقربه من الله عز وجل ويزيده معرفة به، وبين بقائي على الجهل والشك والحيرة والضياع في هذه الحياة الدنيا، ما الذي يقدمه العقل القويم؟ يقدم العلم على الجهل. هذه هي الحسابات العقلية السهلة، ولكن أكثر الناس في الحقيقة لم يصلوا؛ لماذا؟ لأنهم لم يصدقوا الطلب في إصلاح العقل، من صدق الطلب في إصلاح العقل يجد هذه الأمور سهلة هينة. يعني أنت الآن تنظر إليها بعينها تقول: هذا الأمر سهل، إيثار الطاعة للمعصية أمر هين، لكن عندنا الإشكال في التطبيق. والتطبيق هو الذي يبين هل عقلك مؤمن بهذه القضية إيمانًا صحيحًا أو ليس مؤمنًا بها إيمانًا حقيقيًا.

كذلك إيثار الدين على الدنيا، لو قيل للعبد: أنت بين أن تختار دينك وتتعب في هذه الدنيا وتصبر أيامًا قليلة والعقبى راحة طويلة، وبين أن تبيع دينك ولكنك تحصّل ملذات هذه الحياة الدنيا ولكن بعد ذلك تعقبها حسرة الأبد، ما الذي يختاره العاقل؟ هل يختار لذة قصيرة ثم يعقبها بعد ذلك حسرة الأبد، أو يختار التعب القليل الذي يعقبه سعادة؟ يختار أكيد الدين الذي هو سبب في سعادة الأبد، وإن أدى ذلك إلى صبر هذه الأيام القليلة. لذلك هذه قضايا عقلية، لكن العبد لا يؤمن بها عقله حق الإيمان إلا بعد أن يصدق في طلبها كما يريد الله سبحانه وتعالى، وذلك بعد توفيق الله.

كذلك يبين لك العلم، ما هو العلم الصحيح الذي إذا صدقت في طلبه وتوصلت إليه نقول: أنت فعلًا حصلت العلم الذي تنال به البصيرة في الدين؟ هناك كذلك علامات للعلم الصحيح، عرفنا علامة العقل وعرفنا كيف نحصل اليقين، الآن بقي علينا أن نعرف ما هي علامة العلم، نقول: إني وصلت إلى العلم. فذكر رحمه الله تعالى ثلاث علامات للعلم، هي العلامات التي إذا حلت بصاحبها يعرف أنه وصل إلى مرحلة العلم. العلامة الأولى، يعني انظروا إلى غرابة هذه العلامات، يقول الإنسان: ما علاقة هذا بالعلم؟ ذكر علامات تدلك على فهم السلف، كيف كانوا رحمهم الله يفهمون العلم، ما هو منظورهم للعلم الشرعي.

قال: وكل علم لا يصحبه ثلاثة أشياء فهو مزيد في الحجة، يعني أنت فقط تزيد بحجة الله عليك، تزيد من حجج الله عز وجل عليك. كل علم لا يصحبه ثلاثة أشياء فهو مزيد في الحجة، ما هي هذه الأشياء الثلاثة؟ يعني هذه الأمور الثلاثة أيها الأحبة يورثها العلم، إذا إنسان ادعى أنه عالم ولم يرث هذه الأمور ففي كلمة عالم علامة استفهام عليه. ما هي هذه الأمور؟ أولًا قال: كف الأذى بقطع الرغبة، ونشرحها بإذن الله، ووجود العمل بالخشية، وبذل الإنصاف بالتبادل والرحمة. هذه ثلاث صفات، كل إنسان طلب العلم بصدق ينبغي أن يتحلى بها، يعني أن يثمرها العلم عنده. إذا إنسان يدعي أن العلم وصل إليه بحق ولم يثمر هذه الصفات لديه، يعلم أنه ينبغي عليه أن يراجع الحسابات مرة أخرى، فلم يصل إلى حقيقة العلم، لأن حقيقة العلم هو الذي يجعل الإنسان يكف الأذى بقطع الرغبة.

ما معنى هذا الكلام؟ كف الأذى بقطع الرغبة، هذه أول علامة يورثها العلم. يقول أيها الأحبة: إن من كان عنده علم رزقه الله عز وجل علمًا وفهمًا فإنه يكف أذاه عن الناس؛ بسبب ماذا؟ بسبب أنه يقطع رغبته في هذه الحياة الدنيا، وقاطع رغبته ما في أيدي الناس. الآن أذية الناس والخصومات والمنازعات ما سببها في الحقيقة؟ سببها أن الإنسان يتطلع ويرغب إلى ما في الناس، فهذا ينشئ خصومة وينشئ مدافعة، كل يريد أن يأخذ ما في يد صاحبه، هذا منشأ الخصومات، الرغبة في هذه الحياة الدنيا، التطلع إليها، التعلق بها، الرغبة والتطلع إلى ما في أيدي الناس.

الإنسان إذا وصل لدرجة العلم الحقيقي الشرعي، أن علمه بالله وبما عند الله عز وجل، هذا العلم الذي أورثه الله عز وجل إياه يجعله يقطع الرغبة في هذه الحياة الدنيا، يزهد في هذه الحياة الدنيا وبما في أيدي الناس. إذا قطع الرغبة فهذا يورثه كف الأذى، لماذا يؤذي الناس إذا هو زهد في هذه الحياة الدنيا؟ إذا هو منشغل بربه، فكف الأذى إذا هو ثمرة قطع الرغبة. فمن وجدته يتزين بزي العلم ولكنه يؤذي الناس بلسانه بتصرفاته، يتتبع عورات الناس، يقول فيهم في عيوبهم، وينزل بهم، اعرف أن هذا الإنسان وإن قال وقال، وإن ادعى العلم، فهذا طالب للدنيا. الإنسان الذي يؤذي الناس بكلامه على سبيل المثال، وإن زعم أنه عالم، فهو إنما أذيته للناس بسبب أن الرغبة عنده في الحياة الدنيا لم تقطع؛ هو يريد أن يصرف وجوه الناس إليه من خلال إسقاط الآخرين، هو يريد أن يجد من يصفق له ومن يمدحه ومن يثني عليه من خلال أذية الآخرين حتى يخلو له الميدان وتخلو له الساحة. إذا هذا علمه في الحقيقة لم يورثه قطعًا في الرغبة عن الدنيا، بل رغبته في الدنيا سلطت لسانه على خلق الله. فإذا العلامة الأولى، انظر للمحاسبي، أنا في الحقيقة يعني ألتفت أحيانًا إلى نظرة المحاسبي للموضوع، كيف ينظر للعلم بهذه النظرة البعيدة، أن العلم الحقيقي يورثك قطع الرغبة في هذه الحياة الدنيا فتكف أذاك عن الناس، وتأمل أنت في منزلك هذه الخصلة.

الخصلة الثانية قال: وجود العمل بالخشية، يعني العلم يورث العمل، هذا الذي يريد أن يقوله، لماذا؟ لأن العلم يورث خشية من الله سبحانه وتعالى، وإذا رزقك الله عز وجل الخشية والخوف منه فإن ذلك دافع لك إلى أن تعمل، العلم كما قال تعالى يورث الخشية، إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. فإذا رزقك الله عز وجل الخشية التي يورثها العلم فإن هذه الخشية والخوف هي التي ستدفعك إلى العمل، فلا يمكن أيها الأحبة أن يوجد عالم لا يعمل، طالب علم طالب علم لا يعمل، يستحيل. طالب العلم والعالم هو الذي يعمل، يبذل، يقدم. أما من تزين بشعار العلم ودائمًا هو مقصر في طاعة الله، مسرف على نفسه بالمعاصي، فهذا يعرف أنه لم ينل من العلم شيئًا، وإنما نال ظاهره ولم يصل بعده إلى باطنه، هذا قشور ما عنده، أما باطن العلم ولب العلم لن يصل إليه بعد.

كذلك بذل الإنصاف والرحمة، وهذا الخلق في الحقيقة من أهم الأخلاق التي أشار إليها المحاسبي، يعني ينظر يقول لك: العلم يورثك الإنصاف، العلم يورثك ماذا؟ يورثك الإنصاف، إذا رزق الله عز وجل العبد علمًا صحيحًا شرعيًا وفق منهج الله عز وجل فإن هذا العلم يجعله ينظر إلى خصومه وإلى مخالفيه بنظرة الرحمة، ولا يحمل كلام الخصوم ما لا يحتمل، قال تعالى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا. فمن أهم علامات العالم الشرعي الرباني أنه منصف، أما الإنسان الذي إذا خاصم إنسانًا في مسألة شرعية خالفه في منهج علمي، في منهج، في طريقة، في شيخ، في طائفة، فيرمي الطائفة الأخرى وينزل بها ويذمها ويذكر سلبياتها ولا يذكر أبدًا شيئًا من إيجابياتها، فهذا إنسان في الحقيقة لا يتحلى بالإنصاف، وعلمه ليس ناضجًا ليس كاملًا.

لذلك يعني أقول: الناظر في كلام ابن تيمية لو لم يتعلم من ابن تيمية إلا فقط الإنصاف مع الخصوم لكفى بذلك علمًا. تنظر في كلامه عندما يتكلم مع مخالفيه من الأشاعرة من المعتزلة من كل إنسان خالفه وعاداه، كيف يتعامل معهم بإنصاف؟ جاء إليه ابن القيم يومًا من الأيام فقال له: يا إمام فلان الذي يخاصمك واستعدى عليك السلطان قد مات، أحد الذين كانوا يستعدون عليه السلطان، رجل من كبار مخالفيه. فغضب ابن تيمية رحمه الله غضبًا شديدًا وقد تفرح لموت فلان! وحمل نفسه وذهب إلى أهل هذا الميت فطيب خاطرهم وقال لهم: أنا بمنزلة الوالد لكم، ماذا تريدون؟ ماذا تحتاجون؟ يعني انظروا إلى القضية، الخلاف حجمه في حجمه، نعم هناك خلاف لكن نزله في منزله وأعطى المسألة حجمها الطبيعي. أما الكاتبون الذين ينزلون في الناس ويذكرون سلبياتهم ولا يلتفتون أبدًا إلى إيجابياتهم فهذا كاتب ناقص العقل وناقص العلم.

لذلك من أصعب المعوقات التي تصيب الساحة الإسلامية والدعوية والعلمية الآن هي قضية الإنصاف، كل من خالف شخصًا فإنه يهتك ستره ويذكر ساحته وينزل في ساحته وفي عيوبه، وهذا الشيخ اذكروا عيوب فلان، وهذه هي الطائفة تذكر عيوب الطائفة الأخرى، وهكذا تتفرق الأمة ويتشتت الصف. أما لو أن كل إنسان حجم الخلاف في حجمه الحقيقي، يعني للأسف أحيانًا كثرة الخلاف وعدم الإنصاف توقع في ماذا؟ توقع في التبديع، توقع في التفسيق، وقد تنتهي في النهاية إلى التكفير، كل طائفة تكفر غيرها، وهذا ذكره العلماء الكبار، وهذا كله بسبب غياب الإنصاف وإعطاء المسائل الحجم الحقيقي لها.

العلماء المصلحون إذا تتبعنا التاريخ، العلماء المصلحون الذين قادوا الأمة إلى بر الأمان، أكبر ميزة لهم أنهم كانوا يأخذون من كل طائفة الخير الموجود فيها ينموه ويظهروه ويبرزوه، والسلبيات والأخطاء الموجودة فيها ينصحونهم فيها، يعني لا يعني وجود الأخطاء أن نغض الطرف عنها، نحن ننصح المخطئ ونقول له: هذا خطأ ونأخذ على يديه، ولكن لا يمنعنا ذلك من أن نظهر الجانب الإيجابي وأن نتعاون فيما يحقق لهذه الأمة مصلحتها العليا. ينبغي علينا أن نعرف أولويات هذه الأمة، ما الذي تحتاجه الأمة الآن في هذا الموضع، الخلافة في حجمه، ونحاول أن نتفق فيما نستطيع أن نقدمه وأن نبذله من الخير لهذه الحياة. لذلك قال: وبذل الإنصاف بالتبادل والرحمة، فانظر لفظة التبادل، كأن كل داعية يبذل من عنده، كل إنسان يحاول أن يقرب وجهة النظر من طرفه، هذا يبذل القرب وذاك يبذل القرب وذاك يبذل القرب حتى تجتمع الكلمة ويتآلف الصف وتنتشر الرحمة بين المسلمين.

ثم ختم هذه الفقرة فقال: واعلم أنه ما تزين أحد بزينة كالعقل. الآن أراد أن يختم ببيان فضيلة العقل، إذا عرفت العقل وعرفت العلم فاعلم أن أعظم زينة يمكن أن تتزين بها أيها العبد هي ماذا؟ هي العقل، وأجمل ثوب يمكن أن تتجمل به هو ثوب العلم. لماذا؟ قال: لأنه ما عُرِف الله إلا بالعقل، ولا أُطِيع إلا بالعلم. لماذا العقل أعظم زينة؟ لأن الله سبحانه وتعالى لا تعرفه إلا بالعقل، ولا تصل إليه أو ولا تطيعه إلا من خلال العلم. والشيخ عبد الفتاح أبو غدة بناءً على هذا التعليل يقول: العقل أفضل من العلم. لماذا؟ قال: لأن العقل تعلقه معرفة الله سبحانه وتعالى، العقل يعرف الله، أما العلم فمتعلقه طاعة الله، ومعرفة الله أفضل من طاعة الله. أيهما أسمى؟ أن تعرف الله عز وجل أو أن تطيعه؟ كلاهما مطلوب، لكن المعرفة أسمى. ولما كانت معرفة الله مرتبطة بالعقل وطاعة الله مرتبطة بالعلم، كان العقل أسمى من العلم.

لكن الحقيقة أنا لا أنظر بهذه النظرة التي ينظر بها؛ العقل والعلم متكاملان، يعني معرفة الله هي صحيح بالعقل، لكن العقل يحتاج إلى علم حتى يعرف الله سبحانه وتعالى، وكذلك الطاعة بالتأكيد تحتاج إلى علم، لكن العلم لا تصل إليه إلا بالعقل. ففي الحقيقة هما متكاملان، لا يمكن أن ينظر إلى عقل من دون علم ولا إلى علم من دون عقل، فهو إذًا نظام متكامل وليس نظامًا منفصلًا يعني يفضل أحدهما على الآخر، والمسألة في ذلك فيها وسع، كما ذهب من بحث، شيخ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.