تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 9

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد من شرح رسالة المسترشدين للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى. وكنا قد انتهينا إلى قوله: وادم شكر الله تعالى، وأقصر من أملك، وزر القبور بهمك، تذكرك الموت، وجل في الحشر بقلبك.

وقال أبو ذر رضي الله تعالى عنه: اعمل كأنك ترى، وعد نفسك في الموتى، واعلم أن الشر لا ينسى، والخير لا يفنى، واعلم أن قليلاً يغنيك خير من كثير يطغيك، وإياك ودعوة المظلوم؛ انتهى كلام أبي ذر. ثم رم جهازك، وأفرغ من زادك، وكن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك، واعقل أمرك، وتيقظ من سنتك، فإنك مسؤول عن عمرك.

قال أبو أمامة رضي الله عنه: لو عقل ابن آدم عن ربه كان خيراً له من جهاده. واعلم أن من جعل همه الآخرة كفاه الله أمر دنياه، كما ذكر في الحديث المروي: تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله عليه ضيعته، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أمره، وجعل غناه في قلبه. وما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالرحمة والمودة.

المحاسبي رحمه الله تعالى أيها الأحبة في هذا الموطن يقول باختصار: احزم الأمتعة واستعد إلى الرحيل إلى الدار الآخرة. هذا الذي يريده المحاسبي رحمه الله تعالى في هذا المقطع. هذا الإمام العارف رحمه الله تعالى الذي عرف أن هذه الرحلة قصيرة، وعرف كذلك ضعف البصيرة من الإنسان في هذه الأمور، ماذا يقول لك؟ يقول لك أيها الحبيب: لا تطل أملك كثيراً بهذه الدنيا، فإنه وفي لحظة واحدة سينتهي كل شيء.

ستنتهي أيها الحبيب الأحلام الوردية التي عشت من أجلها، وستنتهي الشهادات الجامعية، وستنتهي الجلسات العائلية، وستنتهي كذلك الاستثمارات التجارية. أيها الحبيب في لحظة واحدة، بل في أقل من غمضة، ستفقد زوجتك، وستفقد أبناءك، وستفقد الأخلاء، وستفقد الأنصار، وستكون وحدك في ظلمة القبر.

هي لحظة واحدة ستصبح فيها ذكرى من الماضي، وصفحة تطوى من صفحات هذه الحياة الدنيا. أنت الذي ستسجل كيف ستطوى هذه الصفحة: هل ستختم هذه الصفحة بخير؟ أم ستختم بشر؟ هل هذه الصفحة سيعود إليها الناس ليقرؤوا ما فيها من التجارب الخيرة ومن الأعمال؟ أم هي صفحة سيتمنى الناس ألا تعود مرة أخرى وألا يعود أمثالها إلى هذه الحياة الدنيا؟

الحارث المحاسبي أيها الحبيب ينصحك كنصيحة فيقول لك: لا تتأخر في إعداد العدة إلى الدار الآخرة. ويقول لك الحارث المحاسبي: عليك أن تفرغ من جهازك سريعاً قبل أن تغرب شمسك وقد اقتربت من ذلك. تزود من التقوى فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر؟ فكم من عروس هيؤوها لزوجها وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر، وكم من صغار يرجى طول عمرهم وقد أدخل أجسادهم ظلمة القبر، وكم من صحيح مات من غير علة، وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر.

الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى ينصحك بأن تكون وصي مالك، فيقول لك: لا تجعل الرجال أوصياء على المال. إذا مت أيها الحبيب من سيأخذ المال؟ هم سيقومون بتوزيعه على الورثة وعلى من شاؤوا. فيقول لك: بادر أيها الحبيب فكن أنت وصي مالك في هذه الحياة الدنيا، بادر بإنفاقه في سبيل الله عز وجل ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً. فإنك في لحظة واحدة ستنقل هذا المال إلى ورثتك، في لحظة واحدة أيها الحبيب هذا المال الذي جلست سنوات طويلة وأنت تجمعه، هذه الأرصدة البنكية التي خلفتها سنوات طويلة وأنت تجمعها، في كم ستنتقل إلى الورثة؟ في لحظة واحدة ستنتقل كل هذه الأرصدة البنكية إلى من بعدك.

الحارث المحاسبي كذلك يقول لك: استيقظ من هذا الحلم ومن هذه السنة التي تعيشها في هذه الحياة الدنيا قبل أن تأتيك سكرات الموت. قال تعالى: وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ، وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ، وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ، لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ.

إذاً هي لحظة أيها الأحبة وسينكشف فيها الغطاء، فترى فيها ما كنت غافلاً عنه في هذه الحياة الدنيا. وهناك سنقف جميعاً بين يدي جبار السماوات والأرض، وسنسأل هذا السؤال العظيم الذي أورده المحاسبي رحمه الله، سنسأل عن العمر. ساعات العمر هذه أين ذهبت؟ وكيف قضيتها يا فلان بن فلان؟ هل كنت ممن قضى ساعات العمر في قيام الليل وفي الصيام؟ هل كنت تقضي ساعات العمر في البذل والتضحية في سبيل الله عز وجل؟ هل كانت سنوات العمر في حلقات طلب العلم الشرعي وفي المواعظ والتذكرة بالدار الآخرة؟ هل كنت محسناً؟ هل كنت باراً؟ هل كنت واصلاً لرحمك؟ أم ذهبت ليالي العمر في الليالي الحمراء؟ وذهبت ليالي العمر في الجلسات التي تغضب الله سبحانه وتعالى؟

هل كنت ممن إذا خلا بمحارم الله عز وجل انتهكها؟ هل كنت عاقاً لوالديك؟ هل كنت قاطعاً لرحمك؟ هل كنت مؤذياً لخلق الله عز وجل؟ هل كنت مثلاً في علاقة محرمة لم يعلمها الناس؟ ولكن الله سبحانه وتعالى الذي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار قد علمها وأحاط بها علماً وستسأل عنها. إذاً هذا هو السؤال العظيم الذي ينبغي علينا أن نعد له الجواب: أين ذهبت ساعات العمر؟ والجواب أنت الذي تصنعه في هذه الحياة الدنيا. اسأل هذا السؤال لنفسك أيها الحبيب في هذه الدنيا، اسأله الآن ستعرف الإجابة، ولكن احذر أن تموت قبل أن توجه لنفسك هذا السؤال لأنك ستندم ندماً عظيماً.

الحارث المحاسبي رحمه الله يعطيك حلولاً عملية حتى تتذكر الرحلة إلى الدار الآخرة. يعطيك رحمه الله تعالى مجموعة من الحلول. الحل الأول الذي قاله قال: زر القبور بهمك. حتى تتذكر هذه الرحلة التي ينبغي عليك أن تعد العدة لها ولا تكن من الغافلين، يقول لك أولاً: زر القبور بهمك، أي بحضور قلبك. لا تزر القبور وأنت غافل، وأنت لا تستحضر أن هذا الموضع هو موضعك في يوم من الأيام.

لذلك لماذا ينصحنا بزيارة القبور؟ قال: لأنها تذكرك بالدار الآخرة. وهذا صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه الإمام مسلم من حديث بريدة: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة. إذاً هذا هو المقصد الأساس الذي من أجله شرعت زيارة القبور: التذكرة بالدار الآخرة، وأن يوطن الإنسان نفسه أنه في لحظة من اللحظات سيكون من سكان هذه الديار ولا بد.

لذلك الدينوري الإمام الدينوري في المجالسة يرويه بإسناده عن مالك بن دينار أحد الزهاد العباد، مالك بن دينار ذهب إلى أهل القبور، قال: أتيت القبور فناديتها، فأين المعظم والمحتقر؟ وأين المدل بسلطانه؟ أين أصحاب السلاطين الذين الآن أصبحوا تحت التراب؟ وأين المزكى إذا ما افتخر؟ وأين الشخص الذي كان يبحث عن المدح والثناء في هذه الحياة الدنيا والتزكية من الناس والتصفيق والجماهير؟ قال مالك بن دينار: قال فسمعت صوتاً من بين القبور، لا أدري من أين أتى، أجابني فقال: تفانوا جميعاً فما مخبر، وماتوا جميعاً ومات الخبر، تروح وتغدو بنات الثرى -بنات الثرى هي الدود الذي يأكل جسد الإنسان- فتمحو محاسن تلك الصور، فيا سائلي عن أناس مضوا، أما لك فيما ترى معتبر؟ قال هذا صوت سمعته ولا أدري من أين أتى ولكنه صوت واعظ صادق.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم كذلك حثنا على تذكر الموت وليس فقط زيارة القبور، فقد روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه كما عند النسائي والترمذي قال صلى الله عليه وسلم: أكثروا ذكر هادم اللذات: الموت. وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يمتثل هذه الوصية، فدائماً ماذا كان دأبه؟ كفى بالموت واعظاً يا عمر. إذاً هذا هو الحل الأول الذي أتى به المحاسبي حتى يتيقظ الإنسان ويتذكر أنه في رحلة قصيرة تنتهي: زر القبور بهمك.

الحل الآخر الذي أتى به المحاسبي رحمه الله تعالى يقول: وجل في الحشر بقلبك. ما معنى وجل في الحشر بقلبك؟ أي وأنت في هذه الحياة الدنيا أيها الحبيب ينبغي عليك أن تستحضر تلك اللحظات التي ستكون فيها فرداً من أفراد الحكاية، لن تكون في هذه الدنيا ولكن عند الله سبحانه وتعالى. أنا أيها الأحبة لن أكثر في جل الحشر، جل في الحشر بقلبك، ولكن سأنقل كلاماً للإمام الحارث المحاسبي رحمه الله ولو طال قليلاً في رسالة التوهم له، هذه الرسالة التي يصف فيها رحلة الإنسان إلى الدار الآخرة، لعلنا في هذه الدقائق نجول في الحشر بقلوبنا.

يقول الإمام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى في رحلة التوهم -هذه رسالة له بإذن الله تكون شوقاً لقراءتها وإتمامها، أنا سأقتصر على لقطات مهمة من كلامه- يقول رحمه الله تعالى: عجبت كيف تقر عينك؟ أو كيف يزايل الوجل والإشفاق قلبك؟ وقد عصيت ربك واستوجبت بعصيانك غضبه وعقابه. نريد الاستحضار أيها الأحبة وكل إنسان يطبق على نفسه، هذا هو الحل العملي حتى نجول بقلوبنا في الدار الآخرة. وقد عصيت ربك واستوجبت بعصيانك غضبه وعقابه، والموت لا محالة نازل بك بكربه وغصصه ونزعه وسكراته، فكأنك قد نزل بك وشيكاً سريعاً.

توهم نفسك وقد صرعت للموت صرعة لا تقوم منها إلا إلى الحشر إلى ربك. توهم نفسك في نزع الموت وكربه وغصصه وسكراته وغمه وقلقه، وقد بدأ الملك يجذب روحك من قدمك، فوجدت ألم جذبه من أسفل قدمك، ثم تدارك الجذب واستحث النزع، وجذبت الروح من جميع بدنك، فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى أعلاك، حتى إذا بلغ منك الكرب منتهاه وعمت آلام الموت جميع جسمك، وقلبك وجل محزون مرتقب منتظر للبشرى من الله بالغضب أو الرضا. والبشرى أيها الأحبة هو كل ما تتغير به البشرة، سواء كان بالخير أو بالشر، وإن كثر استعمالها في الخير وهذا منحى كثير من العلماء.

منتظر للبشرى من الله بالغضب أو الرضا، وقد علمت أنه لا محيص لك دون أن تسمع إحداهما من الملك الموكل بقبض روحك. فبينما أنت في كربك وهمومك وألم الموت بسكراته وشدة حزنك لارتقابك إحدى البشرى من ربك، إذ نظرت إلى صفحة وجه ملك الموت إما بأحسن صورة وإما بأقبحها، ونظرت إليه ماداً يده إلى فيك ليخرج روحك من بدنك، فذلت نفسك لما عاينت ذلك، وعاينت وجه ملك الموت، وتعلق قلبك بما جاءك من البشرى منه.

إذا سمعت صوتاً بنغمته: أبشر يا ولي الله برضا الله وثوابه، أو أبشر يا عدو الله بغضبه وعقابه. يعني أنت أحد الشخصين لا ثالث لهما، فتستيقظ حينئذ بنجاتك وفوزك ويستقر الأمر في قلبك فتطمئن إلى نفسك، أو تستيقن بعطبك وهلاكك ويحل الإياس قلبك، وينقطع من الله عز وجل رجاؤك وأملك، فيلزم حينئذ الهم والحزن أو الفرح والسرور، حين انقضت من الدنيا مدتك وانقطع منها أثرك، وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك.

فتوهم نفسك حين استطال قلبك فرحاً وسروراً أو ملئ حزناً وعبرة، بفترة القبر وحول مطلعه، وروعة الملكين سؤالهما فيه عن إيمانك بربك، فمثبت من الله جل ثناؤه بالقول الثابت، أو متحير شاك مخذول. توهم أيها الحبيب أصواتهما حين يناديانك لتجلس لسؤالك إياك. فتوهم جلستك في ضيق لحدك، قد سقطت أكفانك على حقويك، أي على خصرك، والقطنة من عينيك عند قدميك. توهم ذلك ثم شخوصك ببصرك إليهما وعظم أجسادهما، فإن رأيتهما بحسن الصورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة، وإن رأيتهما بقبح الصورة أيقن قلبك بالهلاك والعطب.

توهم أصواتهما وكلامهما وسؤالهما، ثم هو تثبيت من الله أو خذلان لك. حتى إذا حملت عدة الموتى وخلت من سكانها الأرض والسماء، فصاروا خامدين بعد حركاتهم فلا حس يسمع ولا شخص يرى، وقد بقي الجبار الأعلى كما لم يزل أزلياً واحداً منفرداً بعظمته وجلاله، ثم لم يفجأ روحك إلا بنداء المنادي لكل الخلائق معك للعرض على الله سبحانه وتعالى بالذل والصغار منك ومنهم. توهم كيف وقع الصوت في مسامعك وعقلك، وتفهم بعقلك بأنك تدعى إلى الملك الأعلى، فطاش فؤادك وشاب رأسك للنداء؛ لأنها صيحة واحدة بالعرض على ذي الجلال والإكرام والعظمة والكبرياء.

فبينما أنت فزع للصوت إذ سمعت بانفراج الأرض عن رأسك، فوثبت مغبراً من قرنك إلى قدمك، أي من رأسك إلى قدمك بغبار قبرك، قائماً على قدميك شاخصاً ببصرك نحو النداء، وقد ثار الخلائق كلهم معك ثورة واحدة وهم مغبرون من غبار الأرض التي طال فيها بلاؤهم. فتوهم ثورتهم بأجمعهم بالرعب والفزع منك ومنهم، وتوهم نفسك بعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك في زحمة الخلائق عراة حفاة، وهم صمود أجمعون بالذلة والمسكنة والمخافة، فلا تسمع إلا همس أقدامهم، والخلائق مقبلون نحو الصوت وأنت فيهم مقبل نحو الصوت، ساع بالخشوع والذلة، حتى إذا وافيت الموقف ازدحمت الأمم كلها من الجن والإنس عراة حفاة، قد نزع الملك من ملوك الأرض ولزم.

الذلة والصغار فهم أذل أهل الجمع وأصغرهم خلقة وقدراً بعد عتوهم وتجبرهم على عباد الله عز وجل في أرضه، حتى إذا وافى الموقف أهل السماوات السبع والأراضين السبع. كسيت الشمس حر عشر سنين وأدنيت من رؤوس الخلائق قاب قوسين أو أدنى، ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين. فمن بين مستظل بظل العرش وبين مضحو بحر الشمس، قد صهرته بحرها واشتد كربه وقلقه من وهجها.

ثم ازدحمت الأمم وتدافعت، فدفع بعضهم بعضاً وتضايقت فاختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من العطش، واجتمع حر الشمس ووهج أنفاس الخلائق وتزاحمت أجسامهم، ففاض العرق منهم سائلاً حتى وقع على وجه الأرض ثم على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند الله بالسعادة والشقاء. فبينما أنت مع الخلائق في هول القيامة وكربها، منتظراً متوقعاً لفصل القضاء والحلول في دار النعيم أو الأحزان، إذ سطع نور العرش وأشرقت الأرض بنور ربها، قلبك بقدوم الجبار وقد أتى لعرضك عليه، حتى كأنه لا يعرض عليه أحد سواك ولا ينظر إلا في أمرك.

عن حميد بن هلال قال: ذكر لنا أن الرجل يدعى يوم القيامة إلى الحساب، فيقال: يا فلان ابن فلان، هلم إلى الحساب، حتى يقول: ما أحد غيري؟ مما يحضر به من الحساب. ثم ينادى: يا جبريل، ائتني بالنار، فتوهمها وقد أتى جبريل بها فقال لها: يا جهنم، ائتيني. فتوهم اضطرابها وارتعادها بفرقها أن يكون الله عز وجل خلق خلقاً يعذبهم بها. فتوهمها أي تخيلها حين اضطربت وفارت وثارت ونظرت إلى الخلائق من بعد مكانها، فشهقت إليهم وزفرت نحوهم وجذبت خزانها متوثبة على الخلائق غضباً لغضب ربها على من خالف أمره وعصاه.

توهم صوت زفيرها وشهيقها وقد امتلأ منه سمعك وارتفع له فؤادك وطار فزعاً ورعباً. ففر الخلائق هرباً من زفيرها على وجوههم، وذلك يوم التنادي لما سمعوا بدوي زفيرها ولوا مدبرين وتساقطوا على ركبهم جثاة حول جهنم، فأرسلوا الدموع من أعينهم. توهم اجتماع أصوات بكاء الخلائق عند زفيرها وشهيقها، وينادى الظالمون بالويل والثبور، وينادي كل مصطفى وصديق ومنتخب وشهيد ومختار وجميع العوام: نفسي نفسي. توهم أصوات الخلائق من الأنبياء فما دون، كل عبد ينادي نفسي وأنت قائلها.

فبينما أنت مع الخلائق في شدة الأهوال ووجل القلوب، إذ زفرت الثانية فيزداد رعبك ورعبهم وخوفك، ثم زفرت الثالثة فتساقط الخلائق لوجوههم وتشخص أبصارهم ينظرون من طرف خاشع خفي خوفاً من أن تتلفهم النار. فبينما أنت في ذلك إذ ارتفعت عنق من النار، فنطقت بلسان فصيح بمن وكلت بهم من الخلائق بغير حساب. ثم أقبل ذلك العنق يوم القيامة يخرج عنق من النار يأخذ خلائق معينين، يأخذون إلى جهنم من غير حساب. قال: ثم أقبل ذلك العنق فيلتقطهم لقطة طير الحب، أي كما يلقط الطير الحبوب من الأرض، يعني تخيل نفسك أحد هؤلاء الذين ستلقطهم هذه النار، نسأل الله السلامة والعافية.

ثم انطوت عليهم فألقتهم في النار فابتلعتهم، ثم خرست بهم في جهنم يفعل ذلك بهم. ثم ينادى مناد: سيعلم أهل الجمع من أولى بالكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم يفعل ذلك بأهل قيام الليل، ثم بمن لم تشغله تجارة الدنيا ولا بيعها عن ذكر مولاه. حتى إذا دخلت هذه الفرق من أهل الجنة والنار، تطايرت الكتب في الأيمان والشمائل ونصبت الموازين. فبينما أنت واقف مع الخلائق إذ نظرت إلى الملك سبحانه وتعالى وقد أمر أن يحضر بالزبانية، فأقبلوا بأيديهم مقامع من حديد عليهم ثياب من نار، فلما رأيتهم فهبتهم طار قلبك فزعاً ورعباً.

فبينما أنت كذلك إذ نودي باسمك، فنوديت على رؤوس الأولين والآخرين: أين فلان ابن فلان؟ هلم إلى العرض على الله عز وجل، وقد وكل الملائكة بأخذك حتى يقربوك إلى ربك، فلم يمنعها اشتباه الأسماء باسمك أن تعرفك. فتوهم حين وقفت بالاضطراب والارتعاد يرعد قلبك، وتوهم مباشرة تأيديهم على عضديك وغلظ أكفهم حين أخذوك، فتوهم نفسك محثوثة في أيديهم، وتوهم تخطيك الصفوف طائراً فؤادك مختلعاً قلبك، فتوهم نفسك في أيديهم كذلك حتى انتهوا بك إلى عرش الرحمن سبحانه، فقذفوك بين يديه عز وجل.

وناداك الله بعظيم كلامه: ادنُ مني يا ابن آدم، فغيبك في نوره، فوقفت بين يدي رب عظيم جليل كريم كبير بقلب خافق محزون وجل مرعوب، وطرف خائف خاشع ذليل، ولون متغير وجوارح مضطربة كالحمل الصغير حين تلده أمك. ترتعد بيدك صحيفة محضرة لا تغادر بلية كسبتها ولا مخبأة أصررتها، فقرأت ما فيها بلسان كليل وحجة داحضة وقلب منكسر أمام الله عز وجل. فكم لك من خزي وخجل وجبن من المولى الذي لم يزل إليك محسناً وعليك ساتراً، فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك وعظيم جرمك؟ وبأي قدم تقف غداً بين يديه؟ وبأي نظر تنظر إليه؟ وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه؟

توهم نفسك بصغر جسمك وارتعاد جوارحك وخفقان قلبك، وقد سمعت كلامه تذكير ذنوبك وإظهار مساوئك وتوقيفك وتقريرك بمخبآتك، توهم نفسك بهذه الهيئة والأهوال بك محدقة من خلفك. فكم من بلية قد نسيتها قد ذكرك الله إياها، وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد أظهرها وأبداها، وكم من عمل قد ظننت أنه قد خلص لك وسلم بالغفلة منك إلى ميل الهوى عما يفسده، قد رده في ذلك الموقف العظيم وأحبطه عندما كان تأملك فيه عظيماً. فيا حسرات قلبك وتأسفك على ما فرطت في طاعة ربك، حتى إذا كرر عليك السؤال ذكر كل بلية ونشر كل مخبأة، فأجهدك الكرب وبلغ منك الحياء منتهاه، لأنه الملك الأعلى فلا شيء يكون عند أحد أعظم من الحياء منه سبحانه وتعالى.

إذاً أيها الأحبة، هذه مواقف سريعة نجول فيها بقلوبنا في الدار الآخرة، من لم يستحضر هذه المواقف في الدنيا فإنه سيفاجأ بها في الآخرة ولا بد، فنسأل الله السلامة والعافية، وأن يجعلنا ممن يظل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله. بعد ذلك أيها الحبيب، يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: واعلم أن من جعل الآخرة كفاه الله أمر دنياه. ثم ذكر حديثاً نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم: تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فإن من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله عليه ضيعته، يعني أكثر الله من أشغاله التي تضيع عليه حياته.

نعم، هذا معنى أفشى الله عليه ضيعته، أي كثر من أعماله وأشغاله، وجعل فقره بين عينيه، ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له شمله، وجعل غناه في قلبه، وما أقبل عبد بقلبه إلى الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تنقاد إليه بالرحمة والمودة. هذا الحديث الذي نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أولاً ومن الناحية الإسنادية ضعيف، لا يثبت عن محمد صلى الله عليه وسلم وفيه من الضعاف، ولكن المعنى صحيح. يعني أحياناً نشير، لابد أن نشير إلى ضعف الأحاديث حتى لا يعتقد ثبوتها عن النبي صلى الله عليه وسلم، خاصة في علم التزكية تكثر الأحاديث التي فيها الضعف، ولكن المعنى الذي يشير إليه صحيح.

فالإنسان الذي يجعل لقاء الله عز وجل ويجعل الآخرة نصب عينيه تقل أشغاله في هذه الحياة الدنيا ولا بد، ومن قلت أشغاله قلت همومه وقلت نزاعاته وقلت خصوماته مع بني جنسه، لأن الهموم والأكدار والنزاع والخصومة إنما سببها كثرة الأشغال في هذه الحياة الدنيا. والحسن البصري رحمه الله تعالى يقول أيها الأحبة -والحسن البصري كما تقول سيدتنا عائشة قالت: هذا رجل كلامه يشبه كلام الأنبياء من شدة دقته وتعبيره، رحمه الله تعالى-: إن هذه الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل إلا وأوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب.

يقول الحسن البصري: إن هذه الدنيا بطبيعتها تشغل الإنسان، إذا فتح الإنسان على نفسه باباً جديداً من أبواب الاشتغال، فهذا الباب يوشك أن يفتح عشرة أبواب. لذلك الإنسان الذكي الحصيف يأخذ من هذه الدنيا البلغة، لا يستكثر من فتح الأبواب التي تضيع عليه علاقته مع الله، وجدت رزقاً يكفيك قف عنده، اشتغل واعمل للدار الآخرة، لا يكن همك في هذه الدنيا أن تفتح الأعمال والاستثمارات والأمور التي فقط هدفها ادخار الأموال والتكاثر منها، فإن هذه الأموال لا بد وأن تشغلك عن لقاء الله عز وجل وعن الدار الآخرة.

الحسابات التجارية والأموال المصرفية وفلان ذهب وفلان أتى وفلان أضاع البضاعة، وهكذا تذهب ساعات الحياة الدنيا وأنت مشغول وفي هذه الاستثمارات، فيفجأك الموت في لحظة، وكل هذه الاستثمارات وكل هذا التعب يذهب لمن؟ إلى الورثة، وأنت أيها المسكين تخدم ببضاعة على ربك سبحانه وتعالى. فمن جعل لقاء الله همه وكان حريصاً على الاستعداد له، فالله عز وجل بكرمه يتولى مؤنة هذه الحياة الدنيا ويرزقه من حيث لا يحتسب، وكفاك رزقاً أن يرزقك الله القناعة، فإن القناعة هي لقمة القلب وهي الغنى الحقيقي.

أن يرزق الله هذا الإنسان القناعة فيما آتاه وفيما قسمه له من حظوظ هذه الحياة الدنيا، فلا يلتفت الإنسان إلى ما عند غيره، ويرضى بما قسمه الله عز وجل له، بخلاف عباد الدنيا. عباد الدنيا الذين لم يستعدوا للقاء الله عز وجل ولم تكن آخرته نصب أعينهم، هذا الإنسان إذا فاته لعاعة من لعاعات هذه الحياة تجد قلبه ضيقاً حرجاً كأنما يصعد في السماء، إذا خسر في تجارة دنيوية أو خسر مبلغاً من المال أو فاته حظ من هذه الدنيا، تجد قلبه ضيقاً مهموماً حزيناً، حزيناً على فقد بضاعة، أو أنه ذهبت عليه تكبيرة الإحرام أو الصف الأول، لا، هو حزين على شيء من لعاعات هذه الحياة الدنيا، فنسأل الله السلامة والعافية.

يكفي تعليق على هذا المقطع، ننتقل إلى المقطع الجديد من كلام المحاسبي، يقول رحمه الله تعالى: واحذر يا أخي المراء في الدين، واحذر يا أخي المراء في القرآن والجدال في الدين والكلام في التحديد، وكن من الذين قال الله عز وجل فيهم: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا، وألزم الأدب. هنا ينتهي المقطع الثاني من كلام الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى. وفي هذا المقطع يتكلم الحارث المحاسبي -أيها الأحبة- عن أمراض خطيرة يتعرض لها السالكون إلى الله عز وجل، فتشغلهم في طريقهم إلى الله وتضيع عليهم وتورثهم قسوة في القلب ووحشة في النفس وسوءاً في الأدب والأخلاق.

ما هي هذه الأمراض؟ يقول هي الجدال والمراء في الأحكام الشرعية وفي الآيات القرآنية وفي أمر الدين جملة. أيها الأحبة، هذا المرض -الجدال والمراء- من أخطر الأمراض خاصة في هذه الأزمنة المتأخرة، نجد عوام المسلمين بل كثيراً من الدعاة في مجالسهم في محاضراتهم في منتدياتهم يخوضون في أحكام الشريعة، يخفضون ويرفعون، يصححون ويضعفون، يأتون بما شاءوا، يفسرون القرآن على أهوائهم ويسقطونه على من يريدون. إذا نزلت بالمسلمين نازلة من نوازل هذه الحياة، لو كانت في أيام عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر، نجد عوام والمبتدئين في طلب العلم وممن ليس من أرباب العلوم الشرعية يخوض في المجالس وفي المنتديات وعلى وسائل التواصل الاجتماعي.

هذا وهذا يعلق وهذا ينقح، كل يريد أن يبدي وجهة النظر، الكل يريد أن يعلق ويجادل ويحاور ويرد ويتكلم، يقول: أريد أن أبدي وجهة نظري في هذه المسألة، أليس هناك ما يوجد حرية التعبير؟ حرية الرأي؟ لأتكلم ولأخوض في هذه المسائل؟ ماذا نقول؟ ماذا نجاوب هؤلاء الذين ملؤوا هذه الأمة ضجيجاً بأصواتهم وأشعلوا الفتن وأشعلوا كثيراً من المناطق بسبب كلمة ألقوها هنا وهناك، من دون أن يخشوا فيها الله سبحانه وتعالى؟

أيها الأحبة، نقول لهؤلاء: لا يحق لكم أن تتكلموا في الأحكام الشرعية، هذا الجواب الواضح. من أنتم حتى تخوضوا في دين الله عز وجل؟ من أنتم حتى تتصدروا للفتيا في دين الله عز وجل، وتفسروا وتنقحوا وتتكلموا عن الله عز وجل وتوقعوا عنه في هذه الحياة الدنيا؟ هذا هو السؤال، من أنتم؟ ماذا وصلتم في العلوم الشرعية؟ ماذا حزتم من علوم الشريعة العظمى من الفقه والعقيدة والتفسير وعلوم المقاصد والوسائل؟ ماذا بلغتم في هذه الأمور؟ حتى تعطوا لأنفسكم الأحقية في الخوض والجدال والمراء في دين الله.

أبو بكر الصديق، ثاني اثنين في الغار -أيها الأحبة-، ثاني رجل في هذه الأمة بعد محمد صلى الله عليه وسلم، يقول: أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله عز وجل ما لا أعلم؟ وهؤلاء يتدافعون للخوض في تفسير كلام الله عز وجل وفي الأحكام الشرعية. يتعاملون -أيها الأحبة- مع النص القرآني كأنه نص أدبي، كأنه نص من النصوص الأدبية لهم الحق في توجيه النقد إليه وتحليل العبارة والتوجيه والتنقيح، كأنه نص أدبي من نصوص هذه الحياة الدنيا، ولا يعرفون أنهم يتكلمون عن الله سبحانه وتعالى.

بل بعضهم والعياذ بالله تجده في النصوص الأدبية يتورع عن الكلام ويقول: هذه لأهل التخصص الأدبي، وإذا جاء إلى كلام الله عز وجل لا يتورع، ويخوض فيه ويقول: لي الأحقية، ألست مسلماً أتكلم في دين الله عز وجل؟ أليس هذا أيها الأحبة من سوء الأدب مع الله عز وجل؟ لذلك ماذا قال لك المحاسبي: وألزم الأدب؟ تأدب مع الله عز وجل عندما تتكلم في الأحكام الشرعية، تأدب مع كلام الله عز وجل، تأدب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تفتري عليهما بما ليس لك به علم، تأدب مع العلماء الربانيين الذين بذلوا أعمارهم وجهودهم حتى ينقحوا هذه الشريعة ولا تدخل في نياتهم.

ولا في قلوبهم لأنك لم تفهم كلامهم، بل يحمل كلامهم على السلامة إلا أن يظهر أمر خلاف ذلك جلي. وهذا لا يسند إلى عوام الناس، بل الإنسان الأصل فيه أن يقف عند كلام علماء هذه الأمة الربانيين الذين بحثوا والذين نقحوا والذين بذلوا من أجل أن يوصلوا إليك هذه الشريعة، ولا يجعلك تدخل في نياتهم عدم فهمك لمقاصدهم في كلامهم؛ فهذا أمر مما ينبغي التنبيه عليه.

لذلك أقول لك أيها الحبيب حتى تستريح في هذه الحياة الدنيا، كن لبنة بناء في هذه الأمة، كن دليل خير في هذه الأمة تساعد على إعادة الأمور إلى موازينها في زمن اختلت فيه الموازين، ولا تكن وقوداً للفتن؛ لأنك إذا كنت وقوداً للفتن ستشتعل فيك هذه الفتن وستنتهي، وستصبح من الماضي من دون أن تقدم شيئاً لهذه الأمة.

أيها الحبيب، والله لو سكت كثير من الناس الذين لا يعرفون لهدأت الفتن ولا اقترب الصف نوعاً ما، ولا وقفت هذه القلاقل وهذه البلايا التي تمر بها هذه الأمة، ولكن شهوة الكلام وشهوة إظهار النفس وحب الجمهرة وأن يصفق الناس، هذا داء خطير يعصف بعوام المسلمين وطلبة العلم وبالدعاة المصلحين، فنسأل الله أن يعيننا على ضبط لساننا.

أنا أقدم لك باختصار إجابة واضحة عن قضية هل يوجد هناك ما يسمى حرية التعبير؟ هل يوجد عندنا في الإسلام هذه الثقافة الغربية حرية التعبير، أن يتكلم الإنسان بما شاء على من شاء على وسائل التواصل في المنتديات؟ أيها الحبيب، لا يوجد عندنا في الإسلام قضية حرية التعبير، وأنا لا أستحي من هذا الكلام. عندنا في الإسلام عالم تعلم، تعرف ماذا يتكلم؟ هذا الذي يتكلم، أما من لم يتعلم ولم يصل في العلوم الشرعية إلى شيء فهذا عليه أن يلزم الصمت تماماً، وعليه أن يلزم حده وأن يعرف قدره، وما سوى ذلك فهو مشعل من مشاعر الفتن مهما كان وفي أي أرض كانت.

هذا في الإسلام، عندنا حرية الكلام ضمن الحدود المعقولة، أن تتكلم بإطفاء خير، بأمر بالمعروف، بنهي عن المنكر. أما أن تتكلم في قضايا الكبار وتقول حرية التعبير، بل هذه الدعاية حرية التعبير التي يتكلم بها الغرب هم أنفسهم لا يطبقونها؛ إذا جاء الإسلام ليتكلم يلجمون الأفواه ولا يجوز له أن يتكلم، فقط الذي يتكلم هو الصوت الذي يريدونه. ثم بعد ذلك يرفعون هذه الشعارات البراقة ليأتي سفهاء المسلمين يأخذوها وينطلقون بها أننا نريد أن نتكلم وأن نخوض، إذاً احفظ هذه القاعدة: لا تتكلم، لا تتكلم إلا إذا أضفت شيئاً جديداً إلى هذه الأمة وإلا إذا بذلت خيراً لها، وإلا هذا اللسان أيها الحبيب سيأتي يوم القيامة وسيشهد عليك كل كلمة قلتها حتى المباحات.

قال العلماء: المباح سيسجله رقيب وعتيد، ثم يوم القيامة تأتي تجد سجلات من الأمور بين يديك، كلام كثير ظننت أنه نسي ولكن رقيب وعتيد سجلاه عليك. لذلك من جميل ما قاله الإمام الوراق رحمه الله: قال لو كنتم تشترون الكاغد للحفظة -الكاغد هي الأوراق- لو كنتم تشترون الكاغد للحفظة لسكتتم عن كثير من الكلام؛ يعني لو كنتم تشترون لرقيب وعتيد الأوراق حتى يكتبوا لسكتتم عن كثير من الكلام لأن الأوراق ستكون سجلات كثيرة، نسأل الله السلامة والعافية.

فأنا أقول لطلبة العلم -يعني هي رسالة لعوام المسلمين ولطلبة العلم خاصة لأن هذا الباب تشرئب فيه أعناق طلبة العلم لأن يخوضوا فيه- لا تستهوك هذه الساحة المفتوحة، ولا يغرنك تصفيق المصفقين، ولا تستحي من أن تسكت، وإن اتهمك الناس بالعي والحصر وبأنك لا تعرف في أمور السياسة، نعم، أنا لا أريد أن أعرف السياسة إذا كانت السياسة ستجرني إلى النار، دع الناس يتهمونك بما شاءوا ولكن عند الله عز وجل ستظهر البضاعة.

لذلك المحاسبي استشهد بقوله تعالى: وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا. الجاهل هم عوام المسلمين الذين يظنون أن التميز الإنسان المبدع هو الذي تجده في كل ضائقة وفي كل حادثة يتكلم ويحلل وينظر ويرد على فلان ويعطي الحجة على فلان ويخوض في هذه الفتن ويشهد الأمور، يقول: ما شاء الله فلان يتكلم ويخوض، والحقيقة المتميز هو المتميز عند الله سبحانه وتعالى، هذا هو التميز الحقيقي، أن تعرف متى تتكلم وأن تعرف متى تسكت وأن تعرف كيف تكبح جماح شهوة اللسان؛ اللسان له شهوة أيها الأحبة يريد أن يتكلم، الإنسان المتميز هو الذي يستطيع أن يسيطر عليه ولا يلتفت إلى الوسط الاجتماعي أو النظرة الاجتماعية مهما كانت، فيطلب السلامة والعافية.

لذلك يوم القيامة كثير من الناس سيأتون ويجدون سجلات كثيرة مدونة، من هذه السجلات ستكون الرسائل والتغريدات على وسائل تويتر والفيس والواتساب، ستجدها مكتوبة في النهاية، هل تظن أنها ذهبت؟ هي فقط تغريدة وانتهت، كلام على الفيس أحدث فتناً وقلاقل وانتهى، رسالة بعثتها على الواتساب من دون أن تحررها وتعرف ما فيها من الإشكالات انتهت؟ لا، ستسأل، ستقف بين يدي الله عز وجل، والله عز وجل يعلم هذه الرسالة من أين انطلقت وما الباعث لانطلاقها، هل كان لوجه الله أم كنت فقط تريد نصرة فلان أو فلان أو نصرة النفس أو تريد الرياء وأن يشار إليك بالبنان، فنسأل الله السلامة والعافية وألا يهلكنا بذنوبنا ونياتنا.

طيب، ننتقل إلى نص جديد أيها الأحبة من كلام المحاسبي، لكن قبل أن أنتقل إلى النص الجديد، يعني هناك جملة قالها الحارث المحاسبي أقف عندها سريعاً، قال: واجتنب الكلام في التحديد. هذه العبارة أنت ستقرأها، ما معنى الكلام في التحديد؟ لفظ التحديد أيها الأحبة هذا لفظ كلامي عند علماء الكلام، يقصدون بالتحديد الحد، فيقول لك لا تتكلم في الحد، ما هو الحد؟ تحد الله عز وجل بحد، تقول إنه محدود في اتجاه معين أو جهة معينة أو ما شابه ذلك، والحقيقة لفظة الحد لفظة مجملة، ما معنى مجملة؟ أي لم ترد في نصوص الكتاب والسنة لا بالإقرار ولا بالإبطال.

فعندما نحللها وعندما نتعامل نقف مع مقصد قائلها، إذا أردت بالحد ألا نتكلم في ذات الله عز وجل التي لا نعرف كنهها، ولا نتكلم في كيفية اتصاف الله بصفاته وكيفية استوائه على عرشه فنعم، إذا قصدت أننا لا نتكلم في التحديد بهذه المعاني فهذا كلام صحيح، وأما إذا قصد بنفي التحديد ألا تتكلم بأن الله عز وجل في العلو فوق سماواته على عرشه، وقصد بذلك أن هذا النوع أنت تقول الله في السماء فوق عرشه وبعض أهل البدع يقولون هذا من التحديد لا يجوز، لا، هذه عقيدة أهل السنة والجماعة، أن الله عز وجل فوق سماواته مستو على عرشه.

والنبي صلى الله عليه وسلم عندما سأل الجارية: أين الله؟ أشارت بأصبعها إلى السماء بفطرتها السليمة بعيداً عن الهرطقات والمجادلات والمناظرات العقيمة، فالله عز وجل فوق سماواته على عرشه ينزل كل ليلة في ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا ويخاطب عبيده، فالله عز وجل أيها الأحبة هذا ينبغي عليك أن تعرفه فوق سماواته، فإذا قصد المحاسبي بالتحديد نفي الجهة فهذا ليس بصحيح لأن المحاسبي كما قلنا كان عنده في مقدمة هذه الدورة بعض الأمور الكلامية التي قد لا يوافق عليها، فهذه العبارة بشكل عام إذا وجدتها أو متكلماً يستخدم لفظة التحديد فاعرف مقصده، تفصل، تقول إن قصدت المعاني الصحيحة التي هي التكلم في ذات الله عز وجل وكيفية الاتصاف فنعم نحن ننفي التحديد، وإذا قصدت بنفي التحديد أن تنفي أن الله فوق سماواته على عرشه فهذا خطأ، ونحن نقول بأن الله عز وجل فوق على عرشه بعزته وجبروته بكيفية لا نعلمها ولا ندركها.

ولكن أنا أنتقل من هذا الكلام العلمي إلى كلام يتعلق بمرض قد يدخل على قلوب بعض الناس، وهو الكلام في ذات الله عز وجل على الطريقة الشيطانية الإبليسية، فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا في الحديث القدسي أن الله عز وجل قال له: إن أمتك لا يزالون يسألون ما كذا وما كذا حتى يقولوا هذا الله خالق كل شيء فمن خلق الله؟ هناك أيها الأحبة خطرات شيطانية، يعني طريقة الشيطان في الدخول على قلب العبد أحياناً يأتي من باب الشهوات المحرمة وأحياناً يأتيك من باب آخر باب الشبهات فيقذف في قلبك هذا السؤال الخطير، يريد أن تتسلسل مع هذه الخطرات وتفكر في ذات الله عز وجل، إذا سمعت هذا الصوت الشيطاني في عقلك مباشرة عليك أن تنتهي ولا تسترسل مع هذه الخطرات.

كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال صلى الله عليه وسلم: يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا؟ من خلق كذا؟ حتى يقول من خلق الله؟ قال صلى الله عليه وسلم: فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته. شف هذه النصيحة النبوية، النبي صلى الله عليه وسلم يعطيك الدواء فتمسك به، إذا بلغت هذه الخواطر ماذا تفعل؟ لا تجرب عقلك، لا تجرب عقلك، زلة واحدة أيها الحبيب قد ترتد بها عن دينك، لا تجرب عقلك في هذا الباب وألزم طريق السلامة، طريق السلامة والنجاة، افعل كما فعل صلى الله عليه وسلم أو كما نصح صلى الله عليه وسلم، أن هذه الخطرات من وجدها في نفسه يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وينتهي ولا يسترسل معها؛ لأن الاسترسال معها سلب دين كثير من شباب المسلمين وأوقعهم في متاهات من الإلحاد والخرافة في هذه الأبواب، فنسأل الله السلامة والعافية، فهذا مقصد ينبغي التنبه عليه، ألا يفتح لنفسه المجال في الشبهات العقلية التي يقذفها الشيطان لأنه قد يرتد على عقبيه من حيث لا يشعر.

المقطع الأخير من كلام الحارث المحاسبي الذي ننهي به اليوم قال رحمه الله تعالى: وباعد الهوى والغضب، واعمل في أسباب التيقظ والمراقبة، مراقبة غاية قصدك، واتخذ الرفق خدمة، والتأني صاحباً، والسلامة كهفاً، والفراغ غنيمة، والدنيا مطية، والآخرة منزلة. وقال الحسن البصري رضي الله عنه: إن الله تعالى لم يجعل للمؤمن راحة دون الجنة، انظروا إلى هذه الكلمة، يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى: إن الله لم يجعل للمؤمن راحة دون الجنة. ثم قال: واحذر مواطن الغفلة، ومداخل العدو، وضرواة الشهوة، وأمان النفس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك، وإنما صارت أعدى أعدائك لطاعتك لها.

أيها الأحبة، الإنسان في هذه الحياة الدنيا ينبغي عليه أن يعرف شيئاً، وهو أنه في معركة مستمرة، الإنسان في هذه الحياة الدنيا في معركة مستمرة لن تنتهي هذه المعركة إلا بخروج آخر نفس من الأنفاس، معركة مع من؟ مع الشيطان الذي أجلب بخيله ورجله، ومعركة مع هذه النفس الأمارة بالسوء، ومعركة مع الخواطر التي تأتي في العقل، ومعركة مع كل المعاصي التي تحاول أن تأخذ الإنسان بعيداً عن طريق السلامة والنجاة، ومن ظن للحظة واحدة أنه في مأمن من هذه المعارك فليعلم أنه في بداية المزالق، من ظن للحظة واحدة أني أنا مرتاح لا أشعر بهذه المعركة فاعلم أنك مغرور وأنك مخدوع وأنك محجوب عن الله عز وجل.

الله عز وجل أيها الأحبة فطر الإنسان على جبلة، هذه الجبلة هي هناك قوتان في الإنسان، جبر الله عز وجل عليهما الإنسان: هي القوة الشهوانية والقوة الغضبية، هناك قوة شهوانية في الإنسان وهناك قوة غضبية، هذه القوة الشهوانية والقوة الغضبية إذا لم يكبحها الإنسان ولم يلزمها بلجام الإيمان فإنها ستتفلت منه وتوقعه في المعاطب والمهالك، لذلك أنفس ما تصرف فيه ساعات العمر هي كبح هاتين القوتين، هاتان القوتان لا تسكنان أيها الحبيب حتى الموت، فينبغي فهي إذاً في معركة مستمرة، هي تريد أن تتفلت والإنسان يكبحها، هي تريد أن تنطلق في عالم الشهوات والغضب وما يورثه ذلك من المخازي والمعاصي والإنسان يجب عليه أن يحسن قيادها وزمامها.

في لحظة واحدة تنفلت فيه القوة الشهوانية والغضبية قد تهلك تماماً، لذلك قلنا الإنسان في معركة مستمرة في هذه الحياة مع هاتين الخصلتين أو مع هاتين القوتين اللتين جبل عليهما الإنسان، وقد اتفق أهل السلوك والتزكية أيها الأحبة أن مصدر المعاصي والذنوب من هاتين القوتين، أي معصية تصدر من الإنسان لو تأملت فيها فهي يا إما من القوة الشهوانية وإما من القوة الغضبية.

فمثلاً نأتي إلى القوة الشهوانية: شهوة الفرج تؤدي إلى الزنا والخنا والنظر المحرم وما شابه ذلك، شهوة البطن تؤدي إلى المطاعم والمشارب المحرمة، شهوة اللسان للتكلم تؤدي إلى الكلام فيما لا يرضي الله عز وجل، شهوة التملك تؤدي للإنسان أن يكسب المال الحرام، وانظر وتفرع على قوى الشهوانية. وانتقل إلى القوة الغضبية تجد الحقد والحسد والبغضاء والاعتداء على أموال الناس وأعراضهم وأذية الخلق سببه منشأه من ماذا؟ من هذه القوة الغضبية، إذاً القوة الشهوة والقوة الغضبية هي أساس المعاصي والذنوب في الإنسان، فعلى الإنسان أن يكبح جماحهما.

طيب الآن سؤال، كيف أكبح جماحهما؟ يأتيني سائل فيقول هل أستطيع أن أجتث القوة الشهوانية والقوة الغضبية من أصلها؟ يعني أن أنهيها تماماً من حياتي؟ فأقول لك أيها الحبيب هذا مستحيل أبداً؛ لأن الفطرة التي فطر الله عز وجل عليها الإنسان لا يمكن أن تلغى أبداً، ولكن الله عز وجل أعطانا من الطرق الشرعية التي تصرف فيها هذه القوة الشهوانية والقوة الغضبية ما يكفي الإنسان، فمثلاً لو أتينا إلى الشهوة، الله عز وجل في شهوة الفرج أذن لك بالمناكح، وإذا أتينا إلى شهوة البطن فقد أحل لك من الطيبات من...

والمشارب الشيء الكثير. وإذا أتينا إلى شهوة التملك وحب الاستئثار، أباح الله عز وجل من التجارات والمعاملات ما يغنيك عن غيرها من الحرام، ولكن المشكلة أين؟ المشكلة أيها الأحبة في شجرة آدم. يقولون آدم عليه السلام أباح الله عز وجل له كل الجنة. صحيح؟

فجاءه الشيطان من أين؟ من شجرة واحدة. فوسوس إليه الشيطان، أوهمه أن هذه الشجرة الواحدة من كل شجرة الجماهير التي سترزقه السعادة، وهذا حال الإنسان. أباح الله عز وجل له من الطيبات الكثير من الأموال والمناكح والمشارب والمطاعم ويتكلم في المباحات، وكثير من هذه الأمور، بل الأرض كلها سخرها الله عز وجل للإنسان. ولكن يأتي الشيطان على الإنسان فيوهمه أن الحرام ألذ، ويوهمه أن هذا الحرام إذا لم يتناوله فستفوته السعادة. هذه هي شجرة آدم، يأتيك على شيء بسيط هو الذي لا تأخذه وحرمه الله عز وجل عليك.

يوهمك أن كل السعادة في هذا الشيء البسيط، مع أن الله عز وجل قد أباح لك من اللذات ومن المطاعم والمشارب المباحة ما يغنيك عنها. كذلك كشهوة الغضب. وقبل أن أتكلم عن شهوة الغضب أيها الأحبة، في الحقيقة قضية القوة الشهوانية والقوة الغضبية هي ليست جانباً سلبياً في الإنسان، بل الله عز وجل بحكمته خلقها في الإنسان لتؤدي وظائف مهمة. هي مهمة في الحقيقة لا يمكن إلغاؤها من حياة الإنسان. تصور أيها الحبيب أنه يطلب منك أن تنجب وأن تنفق عليهم من دون وجود شهوة النكاح ومن دون وجود شهوة حب الأولاد، فقط مطلوب منك آلة صناعية تقوم بالزواج والأبناء. لا يوجد عندك شهوة للنكاح ولا يوجد عندك شهوة للولد ورغبة في الولد، لن يقوم أحد بهذه الوظيفة. هي في النهاية تصبح عبئاً على الإنسان؛ فقط سأقوم بالذهاب إلى الوظيفة أحصل المال أنفق على أولاد، لا رغبة لي في هذه المرأة ولا رغبة في الولد. لذلك هذا لا يعقل في حياة الإنسان. بل الله عز وجل حتى يظل البقاء والنسل على وجه هذه الأرض بحكمته خلق في الإنسان الشهوة. لأن الإنسان إذا اجتهد نكح، وخلق الإنسان في الأبناء لأنه إذا رغب في الأبناء حاول وبذل الأسباب الشرعية التي يأتي بها في الأبناء، فهكذا تعمر الأرض وهكذا يبقى النسل.

كذلك مثلاً لو أتينا إلى الأموال، كيف ستعمر الأرض بالتجارات والصناعات إذا كان الإنسان لا يوجد عنده شهوة للامتلاك؟ الإنسان بسبب شهوة الامتلاك وحب وجود المال يجعله يتصرف في التجارات والمصانع ويتبادل حتى تقوم هذه الأرض وتعمر كما يريد الله عز وجل. لذلك في الحقيقة القوة الشهوانية مهمة جداً، بل تقوم بوظائف مهمة في عمارة الأرض، ولكن المشكلة عندما تتجاوز حدها، وعندما يذهب بها الإنسان إلى مباعد وإلى مآخذ لم يأمره الله عز وجل بها أو يغضب الله سبحانه وتعالى.

لذلك مثلاً القوة الغضبية، ننتقل إلى القوة الغضبية. القوة الغضبية ما فائدتها؟ كيف يوجهها الإنسان في طاعة الله عز وجل؟ عندما تغضب إذا انتهكت محارم الله. تصور أنه لا يوجد فيه قوة غضبية، هذه القوة الغضبية لا توجد، إذا انتهكت محارم الله لن تغضب. طيب من سيدافع عن دين الله عز وجل وينصر الملة إذا لم يكن هناك أناس يغضبون لله عز وجل؟ لا بد إذاً من الغضب، ولكن الغضب في ذات الله سبحانه وتعالى كما كان محمد صلى الله عليه وسلم لا يغضب لنفسه، ولكن إذا انتهكت محارم الله تغير وجهه صلى الله عليه وسلم. من سيدافع عن الحرمات؟ الإنسان كيف يدافع عن شرفه وعرضه؟ إذا غضب إذا انتهك عرضه أو شرفه أو اعتدى عليه فإنه يغضب فيدافع. إذاً وجود القوة الغضبية مهم بها تقوم الحياة الدنيا، كذلك وجود القوة الشهوانية مهم بها تقوم الحياة الدنيا، ولكن أين تصرف هذه القوة الشهوانية؟ هنا تأتي الشريعة الإسلامية لتبين لك التي تصرف فيها القوة الشهوانية في الطيبات وفي المباحات وفي الحلالات التي ترضي الله سبحانه وتعالى، وكذلك أين تكون الشدة والغضب محبوب لله عز وجل. الله عندما وصف أولياءه الذين يحبهم ويحبونه، ماذا قال: أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ. والعزة على الكفار تحتاج إلى غضب لله عز وجل. فدائماً الإنسان يحرص أن يعرف كيف أفرغ هذه القوة الشهوانية وفق ما يريد الله سبحانه وتعالى، وكيف أفرغ القوة الغضبية وفق ما يريد الله عز وجل، لأنها إذا لم تفرغ بالاتجاه الصحيح فإنها لا بد وأن تقودك إلى الاتجاه الخاطئ.

طيب أعلق سريعاً على المحاسبي فيما يتعلق بهذه المعركة وأنهي الدرس بإذن الله. الآن الحارث المحاسبي، إذاً كل هذه التقدملة ليبين لك فائدة النص الذي جاء به الحارث المحاسبي، وماذا قال؟ قال باعد الهوى والغضب. الهوى ما يهواه الإنسان وهي الشهوة، والغضب هي القوة الغضبية. يقول لك الهوى والغضب، ثم بعد ذلك ذكر لك مجموعة من الأمور هي التي تستخدمها في التحكم بالقوة الشهوانية والقوة الغضبية. فقال اعمل في أسباب التيقظ، يعني يجب عليك أن تتيقظ لهذه القوة، القوة الشهوانية والقوة الغضبية، لأنك إذا لم تتيقظ أو لم تراقبها فإنها ستهلكك. طيب والمراقبة غاية قصدك. وكأن هناك يعني فعلاً محذوفاً فيما يظهر النسخ التي بين يديه لا يوجد فيها إلا والمراقبة غاية قصدك. لكن فيما يظهر أنه واجعل المراقبة غاية قصدك، والله أعلم. أنا لم أقف على النسخ، ولكن حتى يلتئم الكلام لأنه كله فعل أمر وأعمل وأفعل فهكذا المراقبة غاية قصدك كأن فيها نوع نشاز عن السياق والله أعلم.

جيد، قال والمراقبة غاية قصدك، إذاً عاد إلى قضية المراقبة والمحاسبة والتيقظ التي تكلمنا عنها في الدروس السابقة. ثم قال واتخذ الرفق خدمة والتأني صاحبة، وهذا توجيه نبيه أن الإنسان إذا أراد أن يكبح الشهوة الغضبية والقوة الشهوانية يجب عليه أن يكون رفيقاً تأنياً. يعني ننظر مثلاً عثمان بن مظعون هذا الصحابي الجليل أراد أن يقطع القوة الشهوانية، أراد أن يختصي ليتفرغ للعبادة، أتاه النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عن ذلك. وعندما كانت امرأته مبتذلة، يعني لا تهيئ نفسها ولا ترتب نفسها، فدخلت على عائشة فقالت لها مالك؟ قالت عثمان بن مظعون لا يريد الدنيا ولا يريد النساء، فالنبي صلى الله عليه وسلم، فأخبرت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم، فلقي عثمان فقال يا عثمان بن مظعون ما لك بنا من أسوة؟ يعني ينبغي عليك أن تتأسى بنبي محمد صلى الله عليه وسلم.

والصحابة النفرة الذين أتوا على أزواج النبي فسألوا عن عبادته، قال لا آكل اللحم، وقالوا بعضهم أصلي ولا أنام، وقال بعضهم أصوم ولا أفطر. قال النبي صلى الله عليه وسلم بين لهم، قال ما بال أقوام قالوا كذا وكذا، لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء. إذاً عندما يواجه الإنسان القوة الغضبية والقوة الشهوانية لا يواجهها بالإلغاء والقطع، لا يمكن ذلك أن تدافع الفطرة، فينبغي عليك أن تتخذ الرفق والتأني. يقول لك واتخذ الرفق خدمة أي صديقاً، وكذلك التأني صاحبة، فهذا فقط من اختلاف العبارات، فينبغي على الإنسان أن يترفق في قيادة هذه النفس. لا يحملها فوق الطاقة ساعة وساعة، ويجعل ساعة الراحة عوناً على ساعة الطاعة. هكذا الإنسان يقود نفسه بالرفق والتأني حتى يصل إلى ما يرضي الله سبحانه وتعالى. أما الذي يحاول أن أقضي على الشهوة ويكلف نفسه فوق الطاقة، فهذا أيها الحبيب ينقطع، هذا ينقطع ولا يمكن أن يكمل الطريق بهذه الشدة وبهذه القسوة.

ثم قال والسلامة كهفاً، يعني اتخذ السلامة كهفاً. إذا وجدت شيئاً من المعاصي، وجدت شيئاً من المشتبهات اشتبه عليك أمره فعليك، وجدت شبهة، وجدت فتنة، وجدت شهوة مما تتوهم وتظن أو اشتبه عليك أمره أنه يغضب الله عز وجل، مباشرة إلى كهف السلامة. السلامة السلامة هي شعارك في هذه الحياة. ثم قال والفراغ غنيمة، أن يتخذ الفراغ غنيمة. إذا جاءكم وقت فراغ أيها الحبيب لا تصرفه في المحرمات. إذا كنت وجدت نشاطاً أقبل على الله عز وجل، استغل الساعات في ذكر الله عز وجل، في طلب العلم، في القيام على الأهل، في خدمة الوالدين، في صلة الأرحام، أوجه الخير كثيرة، ولكن المهم أن تستغل ساعة الفراغ. نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، حتى الفراغ أي مخدوع فيهما، كثير من الناس إذا وجد ساعة فراغ يذهب فيها في المباحات يتوسع فيها بما لا يرضي الله سبحانه وتعالى في المآكل في المشارب أمام وسائل التواصل الاجتماعي أمام شاشات التلفاز، ماذا ينفعك هذا؟ لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، بل استغل ساعة الفراغ فيما يرضي الله سبحانه وتعالى.

ثم قال والدنيا مطية، أي اجعل الدنيا مطية، لا تظن أنها مطية أي دابة تركبها فقط تقطع بها الطريق، كما قال صلى الله عليه وسلم: حالي وحال هذه الدنيا كرجل جلس في ظل شجرة ثم ارتحل. هذه هي الدنيا باختصار، فلا تجعل الدنيا دار قرار وإنما اجعلها دار فرار إلى الله سبحانه وتعالى، قال والدنيا مطية والآخرة منزلاً. الآخرة هي المنزل الذي تصل به بهذه المطية. قال الحسن: إن الله لم يجعل للمؤمن راحة دون الجنة. هذه قاعدة احفظها، لا يوجد في هذه الدنيا راحة، وكما سئل الإمام أحمد بن حنبل متى الراحة يا إمام؟ قال عند أول قدم تضعها في الجنة. من كان يظن أن في هذه الدنيا راحة، وأن هذه المعركة بينه وبين الشهوات والقوة الغضبية وبينه وبين الشيطان تنتهي وسيشعر بالأمان فهذا مخدور ومحروم ولم يعرف طبيعة الطريق إلى الله. الراحة ليست في هذه الدنيا، فنسأل الله أن يوصلنا إليه.

ثم قال احذر مواطن الغفلة، هو يكمل الآفة، إتمام هذه المعركة كيف تقضي على شهواتك بمعنى أي كيف توجهها إلى ما يصلحك. قال واحذر مواطن الغفلة، الإنسان إذا غفل عن هذه النفس انتهى. ومخاتل العدو أي خدع العدو، ومخاتل العدو أي خدعه فالشيطان أيها الأحبة صاحب خبرة ويعمل من ملايين، يعمل من آلاف مؤلفة من السنوات. صاحب خبرة يعرف كيف يأتي لفلان وفلان يصلح له طريقاً آخر. فهنا هو صاحب خدع، يظهر لك الباطل في صورة الحق فتتوهمه لضعف بصيرتك بأنه حق وهو باطل، فينبغي عليك أن تكون متيقظاً لخدع الشيطان وجنده.

ثم قال وضربات الهوى، يعني احذر من هجمات الهوى. الإنسان أيها الأحبة لا يعرض نفسه لشهوة من الشهوات، لا تعرض نفسك مع النساء، لا تعرض نفسك لمشاهدة التلفاز، لا تعرض نفسك لكثير من المحرمات، فقد تهجم عليك الشهوة هجوماً لا تستطيع أن تنفك عنه. لذلك من الذي يعينه الله عز وجل؟ يوسف عليه السلام تعرض لشهوة شديدة جداً، ولكن لأنه مؤمن بالله عز وجل جاءه المدد الإلهي. فأنت هل أنت مستعد؟ وهل أنت في علاقة طيبة مع الله عز وجل حتى يعينك الله عز وجل في لحظات فوران الشهوة وفي لحظات المآزق الشهوانية؟ فعلى الإنسان أن يحذر إذاً من ضربات الهوى أي الهجمات الشرسة للهوى عليك. ستأتيك لحظات تشعر أن الهوى يهجم عليك هجوماً، يريد أن يجعلك في هذه الشهوة أو في هذه المعصية، وتشعر أن القوة الإيمانية التي تدافع هذه الهجمة الشرسة ضعيفة. يعني الشيطان أيها الأحبة يراقب إنساناً يعرف أنه في لحظة من اللحظات، فترة من الفترات عنده فتور إيماني، في هذه اللحظة الشيطان يسعى إلى أن يأتي بدفعة قوية جداً من الشهوة ومن الخيال حتى يسقطك. الآن إذا كان الإنسان ضعيفاً جداً في العلاقة مع الله عز وجل إيمانه لن يثبت، إيمانه لن يثبت أمام هذه الهجمة الشرسة، ينبغي عليك أن تتحصن.

ثم قال وضربات الهوى وضراوة الشهوة، أي شدة الشهوة، قال وأماني النفس. يحذر الإنسان كذلك من الأماني، تمني النفس بأن يعيش في هذه الحياة الدنيا، النفس تمني الإنسان أنه يدخل الجنة من دون عمل يبذله، النفس يرحمك الله، النفس تمني الإنسان كما قال تعالى: لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ. موضوع الجنة وموضوع السعادة وموضوع الأعمار وموضوع الحياة وموضوع الرزق وكثير من المواضيع ليست بالأماني، فالإنسان يحذر من الخدع النفسية. النفس تعطي الإنسان مجالاً أن يفكر ويحلم ويبني القصور الوردية في الدنيا وفي الآخرة من دون أن يبذل، فعلى الإنسان أن يحذر من هذه الأماني ومن هذه المطامع لأنها هواء فارغ. قال صلى الله عليه وسلم: أعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك. طبعاً هذا الحديث مختلف في صحته، من العلماء من قال وحسنه بشواهده ومنهم من ضعفه، ولكن المعنى صحيح أن أعدى أعداء الإنسان هي النفس الأمارة بالسوء والتي توجه الإنسان نحو الشهوات والأهواء. قال وإنما صارت، هذا إكمال من الحارث المحاسبي، وإنما صارت أعداءك لطاعتك لها. لماذا هي من أشد الأعداء؟ لأن العدو في العادة أنت تهرب منه وتنازعه، إلا النفس فهي عدو لك أنت تتبعها. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.