والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن هم يسمعون كلامه. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأصلي وأسلم على خير البرية وعلى أزكى البشرية، على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، ممهداً لقواعد الفقه في الدين، محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين.
حيّاكم الله أيها الأحبة في مجلس جديد في شرح هذه الرسالة المباركة، رسالة المسترشدين لكل من يطلب طريق الرشاد إلى رب العالمين، للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، وكنا قد انتهينا إلى قول المصنف رحمه الله تعالى: وكل أمر اشتبه عليك فيه الحق، فاعرضه على الكتاب والسنة والآداب الصالحة، فإن خفي عليك أمر، فخذ فيه رأي من ترضى دينه وعقله، واعلم أن على الحق شاهداً، قبول النفس له، ألا ترى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك، وقيد الجوارح بأحكام العلم.
أيُّها الأحبة، الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى في هذا المقطع يتكلم عن قاعدة مهمة، وعن منهجية واضحة لكل مسترشد يسلك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. هذه القاعدة أيها الحبيب هي: كيف تتعامل مع المسائل التي يشتبه فيها وجه الحق؟ كيف نتعامل مع المسائل التي يشتبه فيها وجه الحق علينا؟ وهذه مسألة مهمة خاصة في هذه الأزمان.
فالحارث المحاسبي رحمه الله في هذا النص يبين أن الناس أحد رجلين: إما أن يكون رجلاً مجتهداً، وهذا الاجتهاد لا يأتي إلا بأن يبذل الإنسان جهده ووقته في طلب العلم، يفني ساعات العمر في تحصيله ومعرفة علومه، فإذا كان مجتهداً يستطيع النظر في الأدلة الشرعية، ويستطيع أن يستنبط الأحكام منها، فهذا فرضه أن يعود إلى مصادر التشريع الأصيلة التي تكلم عنها المحاسبي. تعرض في عرض هذه المسألة التي اشتبه فيها وجه الحق على كتاب الله عز وجل، وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قال: وعلى الآداب الصالحة، أي على منهج السلف رحمهم الله تعالى، فما وجده موافقاً لكتاب الله، ولسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولمنهج السلف فهو الحق يأخذ به، وما وجده مخالفاً لهذه المصادر التشريعية فهو باطل، يرمي به عرض الحائط ولا كرامة. فهذا فرضه، هذا فرض المجتهد الذي أفنى عمره في طلب العلم، هذا لا يجوز له أن يقلد، فرضه أن يذهب إلى مصادر التشريع فيبحث حتى يصل إلى وجه الحق في هذه المسائل.
ولكن أيها الأحبة نقول لهذا الباحث ولهذا الناظر ولكل طالب علم سيتأهل إلى هذه المرتبة: عليك عندما تنظر في الكتاب وفي السنة وفي سيرة السلف الصالح أن تتجرد من الهوى، وأن تتجرد من تعصبي للرأي أو للشيخ أو للطائفة أو الفرقة التي تنتمي إليها أو تنسب نفسك إليها، لأن الانتساب أو عندما الإنسان وهو متعصب لرأيه أو لشيخه أو لطائفته فإنه لا يوفق إلى الحق. ومن يبحث بهذه الطريقة يعني هو ابتداءً أخذ رأياً ثم يريد أن يبحث ليجد ما يوافق هذا الرأي، هذا تمحق بركة علمه، ويخذله الله عز وجل في أحوج الأوقات التي تحتاج فيها إلى توفيق ربه سبحانه وتعالى.
لذلك يعني مر معنا قول ابن القيم رحمه الله تعالى في المجلس السابق عندما قلنا: من عرض عليه حق فردّه، عوقب بفساد عقله وقلبه ورأيه. فنقول عليك إذاً أولاً أن تتجرد من التعصبات التي لا تغنيك في بحثك عن الحق، ثم بعد ذلك إذا عرض عليك حق وعرف الحق وكان هذا الحق مخالفاً لما كنت تهواه، أو مخالفاً لشيخك أو لطريقتك، فيجب عليك أن تتقبله. إذا كان الإنسان يبحث بمنهجية الذي يريد أن ينصر قوله وليس بمنهجية الذي يريد أن يصل إلى الحق فهذا سيعاقب من الله سبحانه وتعالى كما ذكر ابن القيم بفساد العقل والقلب والرأي، ولن يصل إلى نتيجة مرجوة وإلى ثمرة نافعة من هذا البحث.
لذلك يعني بعبارة أخرى نستطيع أن نقول: عندما تنظر في الأدلة الشرعية عليك أن تتجرد من كل شيء إلا من التعصب إلى الحق. كثير من الباحثين عندما يبحث هو يأتيك يعني بثوب المتجرد في بدنه، المتعصب فيما يظهر للناس أنه متجرد للحق وأنه يبحث المسألة من أدلتها ويحاول أن يجمع أطرافها، ولكن في نيته وفي عزيمته أن يبحث عن شبهة دليل أو عن خيال دليل يوافق رأيه، هذا الذي هو يريد البحث عنه ولا يريد أن يصل إلى الحق، ففي نيته وفي عزيمته أن ينصر القول الذي تبناه من دون وجه دليل.
لذلك أيها الأحبة هذه الطريقة في البحث وهذه النظرة في البحث الذي يكون فيه الإنسان قد تبنى رأياً سابقاً ثم بعد ذلك ينظر في الدليل، هذا عندما يأتي للأدلة التي تتعلق بمسألته يبحثها ويستوفيها ويعطيها حقها، وعندما ينظر في أدلة المخالف والمعارض فإنه يأخذها جملة من غير تحر، لماذا؟ هو فقط يريد أن يلوي نصوص أو يلوي أعناق النصوص التي تدل بها المخالف لما يوافق رأيه، وهو لا يريد النص، هو يريد إذاً الرأي والهوى، ما وجد من الأدلة موافقاً لرأيه يتشبث به ويحاول أن يوضحه ويستوعبه، وما يأتي من المخالف من الأدلة فابتداءً قبل أن ينظر فيه يبدأ يعرض عليه التأويلات، يبدأ يجد له المصارف التي تصرفه عن وجوهه الظاهرة مقابل أن يبقى الرأي الذي يتبناه أو الطريقة أو الطائفة التي يتبناها رأيها هو الصواب ورأيها هو الذي يقوم عليه الأدلة ويزهد في الرأي المقابل.
إذاً هذه منهجيات في البحث فاسدة، لا ترضي الله سبحانه وتعالى ولا هذه الأمة إلى نتيجة مثمرة. نحن ابتداءً وفي النهاية ماذا نريد؟ ابتداءً وفي النهاية نريد الوصول إلى الحق الذي تجتمع عليه الكلمة ويلتئم الصف، فيجب إذاً على الباحث وعلى العالم وعلى طالب العلم الذي سيؤتيه الله عز وجل قدرة على البحث أن يحترز من هذه الصفات. الصفة الأولى: إذا عرض عليه الحق أن يتقبله، إذا وصل إلى الحق بالأدلة الشرعية عليه أن يتقبله مع من كان ومع أي طائفة كانت. ثانياً: عندما ينظر في النصوص الشرعية في أدلة الاجتهاد عليه أن ينظر في جميعها، فيما يتعلق بالرأي الذي قد يميل إليه وفيما يتعلق برأي المخالف، ويستوفي الجميع حقه، فما وجده من صواب بعد أن يستوفي النظر هو الذي يختاره، وعليه أن يكون صادق العزيمة مع الله سبحانه وتعالى في بحثه وفي اجتهاده، ولا يكون عازماً على رأي ابتداءً هو الذي يريد أن ينصره مهما كانت النتيجة التي سيؤدي إليها.
لحظة طيب، الآن هذه الحالة الأولى أو الطرف الأول هو من كان أهلاً للنظر في الأدلة الشرعية. ننتقل الآن إلى الطرف الثاني لأن المحاسبي رحمه الله تكلم عن رجلين، الرجل الأول قلنا هو المجتهد الذي له أهلية النظر في الأدلة الشرعية، هذا عرفنا فرضه وكيف يبحث المسألة. ننتقل الآن إلى الرجل الثاني وهم أغلب الناس، وهم عوام المسلمين المقلدون، لأن القسم ثنائي، إما رجل عالم وإما رجل مقلد، لا يوجد عندنا كما يقولون منزلة بين منزلتين، فالناس إما عالم له أهلية النظر وإما مقلد. فنأتي إلى المقلد فنقول ما فرضه؟ هذا الإنسان العامي الذي لم يؤته الله عز وجل قدرة على الاجتهاد والاستنباط، نقول فرضه ابتداءً أن يعود إلى العلماء الربانيين، وهذا أوجبه الله عز وجل في كتابه فقال: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وأُبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه يقول: ورد علم ما اشتبه عليك إلى عالمه، ورد علم ما اشتبه عليك إلى عالمه، هذا خطاب من أبي بن كعب للمقلدين ولعوام المسلمين، ما اشتبه عليك وجه الحق فيه وأنت لست أهلاً للنظر في الأدلة ترده إلى عالمه.
ابن القيم رحمه الله تعالى يقول في إعلام الموقعين معلقاً على جملة أبي بن كعب: يقول رحمه الله تعالى: قال هذا حق، وهو الواجب على من سوى الرسول. كل من سوى الرسول فالأصل أن يرد الحق إلى عالمه، قال: فإن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبه عليه بعض ما جاء به، يعني حتى العالم أيها الأحبة هل يوجد عالم يعرف الحق في جميع المسائل؟ العالم ستخفى عليه بعض المسائل، لا يوجد عالم مطلق عنده المعرفة في جميع المسائل، فالعالم الذي جهل بعض المسائل حكمه هو حكم المقلد، عليه أن يعود إلى من هو أعلم منه في هذه المسألة، لذلك يقول ابن القيم: وهو الواجب على من سوى الرسول أن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبه عليه بعض ما جاء به، وكل من اشتبه عليه شيء وجب عليه أن يكله إلى من هو أعلم، فإذا تبين له هذا الشيء صار عالماً، وإلا وكله إليه ولم يتكلف ما لا علم به، فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم وأقوال الصحابة، وقد جعل الله عز وجل فوق كل ذي علم عليم، فمن خفي عليه بعض فوكله إلى من هو أعلم منه فقد أصاب.
إذاً هذا هو وجه الصواب ابتداءً، وهذه القاعدة مهمة عليك يا أخي الحبيب أن تعرفها، إذا اشتبه عليك وجه الحق ما الخطوة الأولى التي تتبعها؟ نتكلم الآن عن المرحلة الأولى، أن ترد الأمر إلى من هو أعلم منك، لا تتتابع في هذه الفتن ولا تدخل في مسائل أنت لست مؤهلاً لأن تقتحم فيها.
جيد، الآن المحاسبي رحمه الله تعالى عندما أرشدك إلى أن تعود إلى من هو أعلم منك، هل أطلق الأمر أم حدد صفات معينة في العالم الذي يُستفتى؟ حدد صفات معينة في العالم الذي يُستفتى لأنه يعلم أن هناك من يتصنع العلم ويتزين بالعلم، فمن الذي يُستفتى؟ إذاً المقلد عليه أن يستفتي العالم فيما اشتبه عليه من الحق. ما هي صفات العالم الذي يُستفتى ويتجه إليه العامي ويتجه إليه المقلد؟ فقال رحمه الله: فخذ فيه رأي من ترضى دينه وعقله، فخذ فيه رأي من ترضى دينه وعقله، إذاً المحاسبي رحمه الله تعالى يذكر شرطين للعالم الذي يجب عليك أن تستفتيه.
الشرط الأول: أن ترضى دينه، فيكون هذا الرجل ديناً ورعاً تقياً لا يأكل بعلمه، وليس ممن يطلب بعلمه وجه الدنيا، وليس ممن يطلب المناصب، وإنما يريد وجه الله سبحانه، العالم الذي يتعصب للحق ويتعصب للدليل ولا تأخذه في الله لومة لائم، هذا هو العالم الدين، إذاً هذه الصفة الأولى أن تكون عالماً ديناً.
طيب، الصفة الثانية التي يجب عليك أن تتحراها قال: أن يكون عاقلاً، إذاً هذه صفة أخرى، يعني مع وجود الديانة ينبغي أن يكون هذا العالم الذي اخترته لتستفتيه أن يكون عاقلاً حكيماً حليماً متزناً هادئاً، يعرف متى يسكت ويعرف متى يتكلم، يعرف متى يقدم ويعرف متى يحجم، إذاً هاتان صفتان: العقل والديانة. إذا فقدت هاتان الصفتان أو فقد إحداهما فهذا الرجل لا يصلح لأن يُستفتى في دين الله عز وجل.
لذلك مثلاً إذا فقدت الديانة فكان هذا الرجل يتصنع العلم ولكنه يأكل بعلمه، ممن يطلب بعلمه الدنيا ويطلب المناصب ويطلب الأموال، وممن إذا أتت المآزق تجده يعود ويتراجع في أدراجه، فمثل هذا الشخص الذي لا توجد عنده ديانة، رجل يطلب بعلمه عرض هذه الحياة الدنيا وقل نظره إلى مولاه، لا يصلح أن تعلقه أمر دينك ولا يصلح أن تثق به، بل إذا استفتيته فلا تظن أن هذه الفتوى ستنجيك أمام الله سبحانه وتعالى، أنت ستسأل. متى؟ طبعاً هذا إذا عرفت حال هذا الرجل، إذا عرفت حال هذا الإنسان الذي يدعي العلم أنه ممن يطلب متاع الحياة الدنيا بعلمه ويطلب وجه الناس، فلا تظن أن هذه المسألة ستخرج من رقبتك بمجرد أن وضعتها في رقبة فلان، كثير من العوام يظن أنه مجرد سأل أي شخص انتهت القضية، برئت الذمة وهذا الرجل هو الذي سيتحملها، لا، إذا كنت تعلم أن فلاناً ليس تقياً، وهذا شيء بينك وبين الله، الله عز وجل يعلم أنك تعلم أن فلاناً ليس تقياً، قد تضحك على البشر ولكنك لن تضحك على الله سبحانه وتعالى، فلا تظن إذاً أن الذمة ستبرأ بسؤالك لهذا الشخص، فعليك أن تحرص إذاً على الصفة الأولى أن يكون هذا الإنسان تقياً لله عز وجل.
كذلك فقد الصفة الثانية إشكال أيها الأحبة، لأن الإنسان قد يكون ديناً ورعاً تقياً يريد وجه الله عز وجل لكنه لا يكون عاقلاً، قد لا يكون حكيماً، قد لا يكون متزناً في فتياه، لم يبلغ في العلم درجة يعرف فيها متى يتكلم ومتى يسكت، قد تجده في كلامه متعجلاً أو قد تجده متأخراً، فهو ليس بحكيم، هو تقي، هو ورع، هو يخشى الله عز وجل ولكن لم يُؤت الحكمة، والفتوى في دين الله عز وجل والتصدر للكلام والخوض في المسائل الكبرى يحتاج إلى رجل عاقل، يحتاج إلى رجل حكيم، لأن الحق أيها الأحبة أنت تريد أن تعرف وجه الحق فيما اشتبه عليك، فالحق قد يختلف من زمان إلى زمان، قد يكون في هذا الزمان الحق كذا وفي زمان آخر الحق يختلف ويصبح كذا، وقد يختلف الحق من مكان إلى مكان، وقد يختلف الحق من شخص إلى آخر، فمثلاً ابن عباس رضي الله تعالى عنهما القصة المشهورة عندما جاءه رجل فقال له: هل للقاتل من توبة؟ فقال: نعم، ثم بعد قليل جاء رجل آخر.
فقال أو فسأله هل للقاتل من توبة؟ فقال: لا. فسأله من حضره في المجلس، قال: جاءك الرجل الأول فقلت نعم للقاتل توبة، ثم جاءك الرجل الثاني فقلت ليس للقاتل توبة، يعني كيف اختلفت الفتيا في مجلس واحد؟ فقال: جاءني الرجل الأول وقد أذنب وفعل هذا الذنب قد قتل، يبحث عن باب التوبة ففتحناه له؛ لأن الله عز وجل يفتح، إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ. فقلت له نعم هناك باب للتوبة. أما الرجل الثاني الذي جاء، جاء قبل أن يقدم على هذه الفعلة، فهو يريد أن يقتل ولكنه يسأل قبل أن يقتل هل لي من، إذا قتلت فهل أستطيع أن أتوب وأرجع إلى الله عز وجل؟ فهنا أنا أغلقت عليه باب التوبة حتى لا يقوم بارتكاب هذا الفعل القبيح.
يعني انظروا إلى الفقه، أين العقل وأين الحكمة في الفتيا؟ هذا قد لا يقدر عليه كثير من الناس الورعين التقيين، لكنهم لم يؤتوا قدرة على تقدير الموقف المناسب، وأين يوضع الحق. لذلك كما قلنا هناك شرطان يجب عليك أن تراعيهما في الإنسان الذي اخترته لتستفتيه فيما يشتبه عليك الحق من أمور هذه الأمة ومن أمور دينك: أن يكون ورعاً عالماً ديناً تقياً في علاقته مع الله سبحانه وتعالى، والشرط الثاني أن يكون عاقلاً حكيماً، وهذا يظهر أيها الأحبة من اللسان ويظهر من التصرفات، وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا.
ولكن أقول لك إياك أن تحكم الهوى في اختيار الرجال، إياك أن تحكم الهوى في الحكم على العلماء؛ بمعنى قد يكون الإنسان عاقلاً وقد يكون عالماً وقد يكون تقياً، ولكن لأن رأيه يخالف هواك أنت ترميه بماذا؟ بأنه ممن يطلب وجه الناس أو ترميه بأنه قليل الحكمة ضعيف العقل. لماذا؟ لأنك عندما حكمت عليه باعتبار الديانة وباعتبار العقل لم تحكم الإنصاف، وإنما حكمت: هل فلان، هل هذا العالم الفلاني يوافق في رأيه رأيي الذي أنا أختاره؟ طبعاً أنت مقلد، أنت لست ليس لك رأي في الواقع، ولكن نفرض أنك اتبعت رأياً فتنظر في هذا العالم تقول: هل وافق هذا العالم في رأيه رأيي؟ هل يتبع المسلك الذي أسلكه؟ إذا كان لا يتبع إذاً هو ليس ديناً، وترميه بأسوأ الأوصاف؛ هذا رجل باع دينه بعرض من الدنيا، هذا الرجل يريد وجه الناس، وهكذا تسمع الألقاب الكثيرة، أو في أقل الأحوال وفي أقل المراتب إذا كنت مؤدباً أن تصفه بقلة البضاعة في العلم وقلة العقل وما شابه ذلك من الأوصاف الرعناء، بسبب ماذا؟ ليس بسبب في الحقيقة أنه ليس عالماً أو ليس تقياً أو ليس حكيماً، بل لأنه فقط لم يوافق في رأيي هواك ولم يوافق المسلك الذي تريد أن يسلكه.
لذلك هذه الأمور كلها أيها الأحبة التي نذكرها تحتاج إلى قلب تقي يتقي الله سبحانه وتعالى؛ فمعرفتك للعالم الدين والعالم العاقل كذلك يحتاج إلى مراقبة للقلب، أني عندما اخترت وعندما حكمت، حكمت على أصول علمية وليس على الهوى النفس أو ما يتعصب إليه الإنسان في هذه الحياة الدنيا. جيد، إذاً هذه الخطوة الأولى أيها العامي وأيها المقلد، اخترت العالم العاقل الورع. الخطوة الثانية، اخترت شخصاً، عندما تأتي إلى هذا العالم العاقل الورع الذي يخشى الله عز وجل والحكيم، لا تأتي لتسأله سؤال المتعنت أو سؤال من يعزم على قول معين وهو يريد أن يرى هل سيوافق رأيي أو لن يوافقه؟ بمعنى قد تأتي أنت على شخص ترى فيه أنه عالم تقي ورع حكيم عاقل، لكنك عندما تأتي للسؤال في لحظة السؤال لا تأتي مستفسراً تطلب طريق الرشاد، وإنما تأتي فقط لتنظر: هل هذا العالم سيعطيني رأياً يناسبني، يناسب ما أهواه؟ إذا أعطاك هذا الرأي نعم قلت: ما شاء الله، إذاً الأوصاف مطابقة. إذا أعطاني رأياً يخالف ما تميل إليه النفس تقول: هذا إذاً هذا العالم الظاهر أنه ليس جيداً في هذا الباب، ننتقل إلى عالم آخر.
ثم تنتقل إلى العالم الآخر فتذهب يعني أنت في الحقيقة عندما تذهب للسؤال لا تذهب لتسأل لتصل إلى الحق، أنت تريد أن تصل إلى من يتكلم بالشيء الذي تريده. عندما وصلت إلى الثاني أجاب يخالف هواك فتركته قلت: هذا العالم إذاً لا يصلح، نحتاج إلى عالم آخر، حتى وصلت إلى العالم الذي أفتى بما يوافق هواك، فحينئذ إذاً هذا هو العالم العاقل والحكيم والورع. إذاً في الحقيقة يعني هذا الشخص السائل الذي هذا حاله، العالم الورع عنده هو الذي يوافق هواه فقط، يعني هو الذي يوافق قوله، صحيح هذا مفهومه للعقل وللحكمة، إذا وافق قولي وإذا وافق عقلي وإلى ما أهواه فهذا هو العالم الورع العالم الحكيم العاقل، إذا لم يوافق قولي وما أهواه وما أنحاه من هذه المسائل إذاً هذا ليس ورعاً ولا عالماً ولا تقياً، وهل هذا هو ميزان أهل السنة والجماعة؟ وهل هذا هو الميزان الذي توزن به الرجال؟ فهذا الإنسان محروم أيها الأحبة والموفق من وفقه الله سبحانه وتعالى.
يعني كما أن العالم يعني ذكرنا قبل قليل أن العالم عند نظره في الأدلة الشرعية يجب عليه أن يتجرد من التعصب للرأي أو للطائفة أو للشيخ، يكون متجرداً لله، فهذا في المجتهد، وكذلك في السائل؛ عندما يسأل يسأل سؤال المسترشد ويتجرد من التعصب ومن الهوى للشيخ أو للطريقة أو للطائفة، وإلا لن نصل إلى نتيجة. أنت تريد أن تعرف وجه الحق فيما اشتبه عليك، فكيف تعرفه وأنت متعصب لرأي ابتداءً؟ وأنت تريد شيئاً معيناً تريد أن تصل إليه، فهذا مما ينبغي أن يحترز منه طالب العلم. الآن أيها الأحبة سؤال مهم وردنا من إنسان عامي يسأل فيقول: وجدت مجموعة من العلماء الأفاضل الثقات، وهؤلاء الأفاضل الثقات كلهم علماء أتقياء وكلهم حكماء عقلاء، ولكن اختلفت الآراء، فهذا أخذ منحى اليمين وهذا أخذ منحى الشمال، فماذا أفعل؟ إن قلت لي اختر العالم التقي الورع العاقل الحكيم فاخترته، فوجدت مجموعة من العلماء يتصفون بهذه الصفات، ثم عندما سألت سؤال مسترشد فوجدت الأقوال تباينت، هذا يقول بكذا وهذا يقول بكذا، فما الذي أفعله في هذه الحالة؟
نقول الحارث المحاسبي رحمه الله كذلك لم يدع هذه المسألة وذكرها بإشارة سريعة، فقال رحمه الله تعالى: واعلم أن على الحق شاهداً بقبول النفس له، ألا ترى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك. إذاً أيها الحبيب يقول لك الحارث المحاسبي إذا وصلت إلى هذه المرحلة، مرحلة وجود العلماء الأفاضل الذين اختلفوا وكلهم عندك في مرتبة واحدة فيما يظهر لك، نقول ابتداءً إذا عرفت من هو الأعلم ومن هو الأورع ومن هو الأحكم والأتقى ومن بلغ في العلم باعاً طويلاً، فيجب عليك أن تعود إليه، قد يكون هناك تفاوت في العلم فيجب عليك ابتداءً أن تعود إلى الأعلم وإلى الأورع وإلى الأتقى وإلى صاحب التجربة، ولكن كثير من العوام لا خبرة له بذلك، لا يوجد عنده قدرة أن يفاضل فيعرف من هو الأعلم والأتقى، يقول كلهم على خير فيما أعلم، فنقول في هذه الحالة أيها الحبيب للحق نور وللحق شاهد كما يقول المحاسبي، يشهد عليه، ما هو شاهد الحق الذي يشهد عليه؟ قال شاهد الحق هو اطمئنان النفس وقبولها له، هذا شاهد يشهد على الحق.
كيف الشاهد الذي يشهد في المحكمة على إنسان، كذلك الحق له شاهد يشهد له، ما هو هذا الشاهد الذي يشهد بأن هذا الأمر وهذا القول وهذا الفعل هو الحق؟ الشاهد قال هو قبول النفس واطمئنانها؛ لأن الله عز وجل أيها الأحبة فطر النفس السوية على أنها تقبل الحق وتنقاد إليه وتطمئن إليه وينسجم معها، وأما الباطل فإن النفس والفطرة السوية تنفر عنه. النفس السوية أيها الأحبة والفطرة السوية والقلب السوي فإن دائماً يميل إلى الحق، ينسجم معه، يطمئن إليه، يرتاح، والباطل ينفر منه ويبتعد عنه. لكن لاحظ إلى قولنا النفس السوية، إذاً هناك شرط حتى يصل قلب العبد إلى هذه المرحلة، إلى مرحلة التوافق مع الحق والاطمئنان إليه والسكون معه والنفرة من الباطل والابتعاد عنه، ما هو هذا الشرط؟ قالوا هذا الشرط أن يكون القلب نقياً صافياً مثل كأس الزجاج أيها الأحبة، كأس الزجاج بسبب صفائه تستطيع أن ترى ما خلفه، وكذلك يقولون مثل المرآة المجلوة، يعني المرآة المنظفة تماماً، لأنها مرآة منظفة تماماً مجلوة لا يوجد عليها أي بقعة سوداء فإنها تعكس الصور الحقيقية للأشياء، ترى الأشياء على حقيقتها.
كذلك هذه النفس وهذا القلب، العبد إذا عصى الله عز وجل نكت في قلبه نكتة سوداء، ثم إذا عصى أيضاً وفعل معصية أخرى نكتت نكتة سوداء أخرى، ثم يعصي ولا يتوب، يعصي ولا يتوب، فتكثر هذه السوداء في القلب، الآن هذا القلب لم يعد نقياً، لم يعد طاهراً، لم يعد صافياً، فإذا جاء يبحث عن الحق، يريد أن يعرف دليل الحق فيما اختلف فيه العلماء الأفاضل، كيف يبحث عن الحق وكيف يريد أن يهتدي بقلبه إلى الحق وهذا القلب مليء بالنظر الحرام والسمع الحرام والقول الحرام وكل الأفعال التي تغضب الله عز وجل موجودة ومستوطنة في هذا القلب، ثم يأتي بهذا القلب الرديء الخبيث يريد أن يطلب به الحق ويقول استفت قلبك، هل يعقل أن يصل إلى الحق؟ لذلك أيها الأحبة الله عز وجل ماذا قال؟ قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا. قال العلماء فرقاناً أن يميزوا به بين الحق والباطل، ما قال يا أيها العلماء إن تتقوا الله، خطاب للأمة يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كل مؤمن، إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا يعني نوراً تميزون به بين الحق والباطل، لكن هذا النور هذه البصيرة هذا القلب الذي يميز بين الحق والباطل، الذي يطمئن للحق ويسكن إليه وينفر من الباطل، لا بد فيه إذاً من تقوى الله، إِن تَتَّقُوا اللَّهَ، وتقوى الله عز وجل هي الابتعاد عن المعاصي التي تسبب النكت السوداء في هذا القلب.
القلب عندما يصبح أسود أيها الأحبة خبيث، الرؤية لا تعود واضحة، الرؤية لا تكون واضحة، فيأتيك العامي يقول لك يا شيخ اشتبه علي الحق ولم أعرفه، فنقول طبعاً لن تعرفه لأن هذا القلب غير مهيأ لأن يعرف الحق، الحق لن يسكن في قلب رديء خبيث، القلب لا يسكن الحق لا يسكن إلا في قلب طاهر نقي مهيأ لأن يحل فيه، فهذا إذاً شرط لما ذكره الحارث المحاسبي، فالمحاسبي عندما قال لك إذا لم تجد أو إذا اختلف عليك الحق واختلف العلماء الأفاضل واختلف الثقات فإنه استفت قلبك وتجد للحق شاهداً يدل عليه، نقول استفت قلبك وتجد للحق شاهداً يدل عليه، هذا لا يكون لعموم الناس وبهذا الإطلاق، ينبغي علينا أن نعرف ما هو القلب الذي أن يستفتي نفسه، من هو الإنسان الذي يستطيع أن يتوجه إلى قلبه فيعرف الحق ويميل إليه؟
لذلك هذا الحديث الذي أورده قلبك هذا جاء من حديث وابصة بن معبد رضي الله تعالى عنه كما رواه الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن، جاء وابصة بن معبد إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: لو أخبرك بما جئت تسأل عنه، يعني قبل أن يسأل، فوابصة بن معبد جلس مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: جئت تسأل عن البر وعن الإثم. فقال، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بأصابعه الثلاث فنكتها في صدري وقال: استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب، والإثم ما حاك في القلب وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك. إذاً النبي صلى الله عليه وسلم قال لوابصة بن معبد ماذا قال له؟ استفت قلبك، الآن يقول العلماء في شرح هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف وابصة وكان يعرف من حاله أنه مهيأ لأن يعود إلى قلبه، هذا القلب النقي الطاهر من هذا الصحابي الجليل فيه بصيرة يستطيع أن يميز به بين الحق والباطل، لذلك الغزالي رحمه الله تعالى في إحياء علوم الدين يقول: ما أعز هذا القلب. يعلق على هذا الحديث يقول: ما أعز هذا القلب، يعني القلب مثل قلب وابصة هذا قلب عزيز، لا يظن كل إنسان أنه امتلك هذا القلب الذي يعود إليه في الاستفتاء، قال: ما أعز هذا، لذلك لم يرد النبي صلى الله عليه وسلم كل أحد إلى فتوى قلبه، وإنما قال ذلك لوابصة لما كان عارفاً بحاله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم هل وجه هذا التوجيه استفت قلبك إلى غير وابصة؟ هل تكلم به مع كل الناس أم وجه الكلام لوابصة بن معبد ولمن كان في حاله؟ إذاً هو يوجه الكلام إلى هذا الرجل لأنه صلى الله عليه وسلم يعرف من حاله ومن بقاء سريرته ومن وضوح الرؤيا عند هذا الإنسان بأنه يصلح لأن يعود إلى القلب فيما يشتبه عليه من أقوال أهل العلم.
يقول ابن رجب كذلك معلقاً على هذا الحديث في جامع العلوم والحكم، ابن رجب يؤصل لأصل الفكرة التي تكلمنا عنها أن الحق تنجذب إليه النفس وتطمئن له، أن الباطل تبتعد عنه وتنفر منه إذا كانت النفس سوية، يقول ابن رجب معلقاً على هذا الحديث، على حديث استفت قلبك: قال هذا يدل على أن الله فطر عباده على معرفة الحق، إذاً هناك فطرة فطر الله الناس عليها وهي ماذا؟ معرفة الحق، إذاً هذا على أن الله فطر عباده على معرفة الحق والسكون إليه وقبوله، وركز في الطباع محبة ذلك والنفور عن ضده.
إذا أنت أيها الحبيب فيك فطرة فطرك الله عليها، إن الحق تطمئن إليه وتسكن إليه، وإن الباطل تنفر عنه. طيب، إذا لماذا نرى كثيرا من الناس يذهبون إلى الباطل إذا كانت معرفة الحق مفطورة عليها النفس؟ قال: وقد يدخل هذا في قوله صلى الله عليه وسلم في حديث عياض بن حمار: إني خلقت عبادي حنفاء مسلمين، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم. إذا هناك أيها الأحبة مؤثرات هي التي تمنع القلب وتمنع النفس عن الرؤية الواضحة التي فطرها الله عز وجل عليها؛ الشياطين الذين يوقعونك في المعاصي فتأتي النكت السوداء فتحل في قلبك. إذا فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، فحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به، لذلك يكمل فيقول: فالقلب الذي دخله نور الإيمان وانشرح به وانفسح يسكن للحق ويطمئن به ويقبله، وينفر عن الباطل ويكرهه ولا يقبله.
وقال معاذ بن جبل -انظروا لي كلمة معاذ بن جبل كيف تخرج من إنسان عالم فقيه، أعلم هذه الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل- يقول معاذ بن جبل رضي الله عنه: احذروا زيغة الحكيم. يعني الإنسان قد يكون رجلا فاضلا تقيا ولكنه قد يزيغ، قد يصدر منه قول ليس بصحيح، قال: احذروا زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم. يعني الإنسان العالم الورع التقي الشيطان قد ينطق على لسانه بكلمة باطل، لذلك أنا أقول لك الإنسان قد ينظر، العامي ينظر إلى علماء أفاضل وعقلاء اشتبه، هذا يقول شيء وهذا يقول شيء، إذا قطعا هناك مصيب وهناك من قال بالخطأ يعني بالضلال بالمعنى العام الخطأ وقد لا يتقصده العالم. قال: فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلال على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق. يعني الإنسان المنافق ليس فقط العالم قد تصدر منه كلمة الحق.
فقيل لمعاذ، فجاء رجل أحد السائلين قال لي: معاذ، طيب ما يدريني؟ قال ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة؟ يعني أنا إنسان كيف أعرف أن هذا الحكيم في هذه الجريمة التي قالها قال كلمة الضلالة؟ يعني أخطأ ولم يصب وجه الحق. قال: اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال ما هذه؟ يعني اجتنب من كلام الحكيم الأشياء الغريبة التي تستغربها ولا يتوقع أن تصدر من هذا الرجل. يعني إنسان حكيم إذا أنت تتوقع في فتوى أن تكون باتجاه معين بنسق معين، إذا رأيت شيئا في كلامه شاذا، رأيت قولا غريبا وأنت كإنسان عامي نقي الفطرة سليم الفطرة استغربته وتعجبت صدوره منه، فاعرف أن هذا الحكيم قد أخطأ أو ابتعد عن الصواب، وهذا طبعا قاعدة مجملة وليست قاعدة كلية تنطبق في جميع جزئياتها.
ثم قال: إذا اجتنب من كلام الحكيم المشتبهات التي يقال ما هذه؟ قال: ولا يثنيك ذلك عنه. يعني إذا وجدت من كلام الحكيم خطأ زللا، لا يثنيك ذاك عن أن تقبل منه غير ذلك، لا يوجد عندنا إسقاط مباشر، إنسان أخطأ في مسألة يسقط تماما ولا عبرة بقوله، لا، كلنا بشر وكلنا نخطئ ونصيب، والعالم قد يخطئ وقد يصيب، هذا من بعد محمد صلى الله عليه وسلم المعصوم من الصحابة ومن بعدهم الكل يخطئ ويصيب، ولا يوجد إنسان يوفق للحق في جميع المسائل إلا ما شاء الله. يكمل ابن رجب فيقول: قال وهذا يدل على أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير.
لننظر إلى هذا الكلام وهذا التقعيد المهم، هو يقول لك هذا يدل على أن الحق والباطل لا يلتبس أمرهما على المؤمن البصير. إذا الأصل أن المؤمن حتى ولو لم يكن عالما، المؤمن المقلد العامي الأصل إذا كان بصيرا أنه لا يلتبس عليه الحق من الباطل، قال: بل يعرف الحق، كيف يعرف الحق؟ قال بالنور الذي عليه، وهو الذي ذكرناه قبل قليل، اطمئنان النفس وقبولها لهذا الحق، قال فيقبله قلبه وينفر عن الباطل فينكره ولا يعرفه؟ قال فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلب، ها انظر ماذا يقول يختم؟ قال فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلب عند الاشتباه، فما إليه سكن القلب وانشرح إليه الصدر فهو البر، فهو البر وهو الحلال، وما كان خلاف ذلك فهو الإثم وهو الحرام.
إذا أيها الأحبة، إذا جمعنا كلام الغزالي مع كلام ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم، نجد متوافقين على أن القلب النقي الطاهر المهيأ لقبول الحق هذا الذي يعود إليه، وأن من أراد أن يصل إلى هذه المرتبة، إلى مرتبة استفت قلبك في اشتباه الأمور وعندما تدلهم الخطوب وتتفرق الكلمة، عليه أن يهيئ هذا القلب وعليه أن يزكيه وأن ينقيه ليكون مستعدا لقبوله. لذلك عندما يأتينا أحد عوام المسلمين المنغمس في المعاصي من رأسه إلى أخمص قدميه ويقول لك أنا أستفتي قلبي ولا أحتاج إلى سؤال العلماء، هذا ماذا نقول له؟ تقول أنت تستفتي شيطانك وهواك وأنت لا قلب لك، إنسان منغمس في المعاصي من رأسه إلى أخمص قدميه ولا يسأل العلماء ثم يقول أنا أستفتي القلب، هذا لا يعقل.
وهذا يكثر أيها يعني عندما يأتي الناس يسألون في المسائل المعاصرة تتعلق مثلا بالاقتصاد، الاقتصاد الإسلامي، يأتي شخص يسألك في مسألة، هو يريد أن يأخذ قرضا ربويا، يريد أن يأخذه، جيد؟ فإذا قال له الشيخ إن هذا لا يصح ذلك وهذا لا يجوز ويغضب الله سبحانه وتعالى، يقول لك أنا يا شيخ استفتيت قلبي في هذه المسألة سابقا ووجدت أن هذه المسألة الله عز وجل يعذرني فيها لأنها ضرورة، أريد أن أشتري سيارة، أريد أن أشتري بيتا ملكا، لا أريد أن أبقى في إيجار، الحمد لله استفتيت قلبي ووجدت أن هذا القول يتناسب بإذن الله مع الشرع والله غفور رحيم، وتنطوي القضية في كلمة واحدة: استفتيت قلبي. وهذا يسأل أمام الله عز وجل، أين استفتيت قلبك؟ إنسان عامي تريد أن تأخذ قرضا ربويا، تريد أن تفعل إيداعا حراما في استثمارات أو ما شابه ذلك تغضب الله عز وجل، ثم تقول بعد ذلك استفتيت قلبي في أخذ هذا المال وفي أخذ هذا الشيء وفي الدخول في هذه المعاملة من دون أن تعود إلى كلام العلماء.
إذا نعود فنؤصل ونختم الكلام عن هذه الجزئية، التأصيل أن العامي أيها الحبيب يعود ابتداء إلى كلام العلماء الربانيين، هذه الخطوة الأولى، العالم كما قلنا المتدين العاقل، ثم عندما يختار هذا العالم، الخطوة الثانية عندما يأتي ليستفتيه، يستفتيه بسؤال الطالب للحق وليس بسؤال المتعنت المتعصب الذي يريد أن يوافق هذا الشيخ هواه. إذا اشتبه الحق فوجدت مجموعة من العلماء الأفاضل اختلفوا في الحق، هذا يقول برأي وهذا يقول برأي آخر، فعليك أن تعود إلى رأي الأعلم والأورع والأتقى والأفقه. إذا التبس ذلك عليك ولن تجده فهنا المرحلة الأخيرة نقول يجب عليك أولا أن تهيئ قلبك، أن تهيئ قلبك، لا أقول لك عد إلى قلبك، لا، أقول أولا يجب عليك أن تهيئ قلبك وأن تزكي نفسك وتطهرها من الأدران والمعاصي، وعليك أن تجدد التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وعليك أن تنطرح بين يديه منكسرا ذليلا، تظهر الفقر والحاجة إلى الله عز وجل.
وتقول كما كان النبي صلى الله عليه وسلم وتدعو كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في قيام الليل: اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم، وتستمر بالدعاء والابتهال إلى الله عز وجل أن يري قلبك وجه الحق، نعم بهذه التزكية القلبية وبهذا الدعاء والالتجاء والابتهال والانكسار والاستحضار لعظمة الله عز وجل، نعم تستحق الآن أن يقذف الله عز وجل في قلبك النور فيبين لك وجه الصواب من كلام هؤلاء العلماء الأفاضل فتميل النفس بعد ذلك، أما قلب ليس مهيأ بهذه التربية الإيمانية وليس منكسرا ولا يهتم بالبحث عن الحق ولا يدعو الله عز وجل وليس حريصا على معرفة حكم الله، ثم نقول له استفت قلبك، هذا لا يقوله عاقل. فينبغي علينا أن نعرف فقه قوله صلى الله عليه وسلم: استفت قلبك، وإن أفتاك الناس وأفتوا.
ثم قال المحاسبي رحمه الله تعالى: وقيد الجوارح بأحكام العلم، وقيد الجوارح بأحكام العلم. المحاسبي أيها الحبيب يطلب منك في هذه الفقرة أن تحافظ على جوارحك وعلى أعضائك، هذه الجوارح أمانة استأمنك الله عز وجل إياها، فلا يجوز لك أن تطلق العنان لها لتتصرف كيفما تشاء وكيفما تهوى، بل كل شيء تفعله بجوارحك لله عز وجل فيه حكم، وهذا ذكره الشافعي ثم ذكره الغزالي، أجمع العلماء على أنه لا يصدر من العبد إلا ولله عز وجل فيه حكم، لا يجوز للعبد أن يقدم عليه قبل أن يعرف حكم الله فيه، هذا إجماع للعلماء، لا يوجد شيء من اليد من الأقدام من اللسان من الفرج من أي شيء، أي عضو من أعضائك يفعل تصرفا باختياره، هذا التصرف لله عز وجل فيه حكم.
لا تظن أن الله عز وجل خلقنا سدى لا نؤمر ولا ننهى، كل شيء له حكم لله سبحانه وتعالى، فيجب عليك أن تبادر إلى معرفة هذا الحكم قبل أن تقدم على التصرف، خاصة إذا عرفت أن هذا الجسد وهذه الجوارح لم تخلقها أنت، لست أنت من أوجد هذه الجوارح، الله عز وجل هو الذي خلقها وهو الذي استأمنك واستحفظك عليها وهو الذي وضع حدودا لتصرفات هذه الجوارح. قال هذه اليد لا يجوز أن تفعل كذا وكذا، وهذا البصر لا يجوز أن يفعل كذا وكذا، وهذا السمع لا يجوز لك أن تضعه كذا وكذا، إذا الأمر ليس لك أيها الحبيب، لا تظن أنك الذي تملك جسدك، أنت الذي تملك عينك وبصرك، وأنت الذي تملك يدك وقدمك تفعل بها ما تشاء، لا، هذه ملك لله سبحانه وتعالى، أمانة عندك.
فوظيفة المسلم في هذه الحياة أن يعرف هذه الحدود التي حدها الله عز وجل من خلال ماذا؟ من خلال أن يتعلم العلوم الشرعية، يعرف ما يرفع به الجهل عن نفسه، وإلا إذا أسرفت على نفسك وأطلقت العنان ولم تكن مهتما بمعرفة أحكام الله وحدوده في هذه الجوارح، فإن هذه الجوارح ستأتي أمام الله عز وجل، قال: حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا؟ لماذا فضحتونا؟ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ، ها ما كنتم تستترون، يعني كنتم تجاهرون بالمعاصي بهذه الجوارح ولا تبالون بنظر الله عز وجل، ولا تهتمون بمعرفة الأحكام الشرعية ومعرفة حدود الله عز وجل في هذه الجوارح.
وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون، وذلكم ظنكم ظننتم بربكم، يعني ظنكم أن الله لا يعلم هذه التصرفات وأنها مرت، هذا الظن الرديء ماذا حدث؟ قال: وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ. واما من حفظ هذه الجوارح في هذه الدنيا ومن راقب الله عز وجل فيها فإن الله عز وجل يحفظها له في الدنيا وفي الآخرة. لذلك يعني كما يروى في القصص وفي التاريخ كان هناك فقيه من فقهاء الشافعية الكبار اسمه أبو الطيب الطبري رحمه الله تعالى، هذا أبو الطيب الطبري عاش مئة سنة، وكان إلى المئة سنة يفتي ويشتغل بتعليم الناس العلم ويذهب ويأتي وحفظ الله عز وجل عليه عقله وفهمه وإدراكه وصحته.
فرآه أحد الرجال مرة يقفز من سفينة ويثب وثبة شديدة على عمر المئة وعلى عمر التسعين وهو كبير جدا في السن، فقال له ما هذا يا أبا الطيب؟ يعني كيف تقفز وتثب هذه الوثبة وأنت في هذا السن؟ فقال هذه جوارح حفظناها في الشبيبة فحفظها الله عز وجل لنا في الكبر. هذه الجوارح حفظناها في الشبيبة، فلما كنا في زمن الشباب حفظناها عن المحرمات، قال فحفظها الله عز وجل لنا في الكبر. فكان وهو كبير يقفز ويذهب ويأتي وصحته ما شاء الله لأن الله عز وجل حفظ له هذه الجوارح، لما راقب الله عز وجل في شبابه الله عز وجل أكرمه بهذه الكرامة عند شيوخه وعند شيبته. إذا يعني باختصار نختم هذه الفقرة نقول لو لم يكن أيها الأحبة للعلم الشرعي شرف سوى أن ترفع الجهل عن نفسك وأن تقيد جوارحك بحدود الله عز وجل كفى به شرفا.
يعني هذا العلم الشرعي الذي تطلبونه في الفقه أو في التزكية أو ما يطلب في العقيدة أو التفسير، لو لم يكن له شرف إلا أن يحكم العبد جوارحه فلا يجعلها تنطلق إلى تصرف قبل معرفة حكم الله عز وجل فيه، لكفى بالعلم الشرعي شرفه وبه سعادة الدنيا والآخرة وراحة هذه الدنيا وراحة الآخرة، فلا يصلح للإنسان أن يزهل في تعلم العلوم الشرعية. ثم قال المحاسبي رحمه الله تعالى: وراع همك بمعرفة قرب الله منك، وقم بين يديه مقام العبد المستجير تجده رؤوفا رحيما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل ينزل العبد من نفسه بقدر منزلته منه. طبعا هذا الحديث أيها الأحبة يعني هذا الحديث الذي ذكره الحارث المحاسبي ضعيف، صححه الحاكم ولكن لم يوافقه الذهبي على تصحيحه رحمه الله، ثم أتبع بعد ذلك قال وذلك.
على قدر الخشية لله. يعني قال صلى الله عليه وسلم: إن الله عز وجل ينزل العبد من نفسه بقدر منزلته منه. وذلك على قدر الخشية لله والعلم به والمعرفة له. واعلم أنه من آثر الله آثره الله، ومن أطاعه أحبه، ومن ترك له شيئاً لم يعذبه به. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله، وهذا المقطع الأخير فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله هذا من كلام القاضي شريح وليس من لفظ الحديث النبوي.
إذاً أيها الأحبة، في هذا النص يخبرنا الحارث المحاسبي أن على العبد أن يعظم قدر الله سبحانه وتعالى في قلبه، وأن يستحضر مولاه منه سبحانه وتعالى، وأن الله يطلع على ما في هذا القلب، ويعرف هذه الخطرات، ويعرف ما الذي يشغل القلب وما الذي به. فعلى العبد إذاً أن يستحي من الله سبحانه وتعالى أن ينظر في هذا القلب فيجد غيره، ويستحي من الله عز وجل أن ينظر في هذا القلب فيجد الخطرات القبيحة، ويجد النيات السيئة. يعني هل ترضى أن يطلع مخلوق على قلبك؟ فيجد فيه الخطرات القبيحة؟ لا يرضى هذا عاقل أن يطلع مخلوق على قلبه وهو يفكر بما يغضب الله سبحانه وتعالى.
فما بالك بالله عز وجل وهو ينظر وأنت تعلم أنه ينظر إلى قلبك؟ فكيف يجب أن يكون هذا القلب؟ هل يكون مليئاً بالخطرات التي تغضب الله سبحانه وتعالى، أو يكون مليئاً بما يرضي الله عز وجل من الخطرات ومن الهمم ومن الإرادات؟ لذلك أيها الأحبة، كلما كان القلب ممتلئاً من خشية الله سبحانه وتعالى كما قال المحاسبي، كلما كان ممتلئاً من خشية الله، ومن معرفة الله، ومن العلم بالله عز وجل، ومن تعظيم قدر الله، ومن محبة الله؛ كلما كان هذا القلب مكرماً عند الله سبحانه وتعالى.
فأنت كيف تجعل الله عز وجل في قلبك في المحبة والمعرفة والعلاقة به يجعلك الله عز وجل؛ فمن كان الله معظماً في قلبه يحبه ويتعلق بمولاه، حريصاً على معرفته، على التعرف على أسمائه وصفاته وأفعاله، حريصاً على أن الله عز وجل في خطراته يستحي من الله أن ينظر في قلبه فيجد شيئاً يغضبه. إذا كنت هذا العبد فالله عز وجل يرفع هذه المنزلة، ويعظمك عنده في ملئه الأعلى. وإن كنت ممن تستهين بنظر الله سبحانه وتعالى ولا تلتفت ولا تبالي نظر الله إلى قلبك أو لم ينظر الله إلى قلبك، فأنت وضيء والله عز وجل.
واعلم أيها العبد أن قلوب العباد ابتداء هي كالأوعية، نحاول أن نشبهها بالوعاء. هذا الوعاء إما أن تملأه بمحبات هذه الحياة الدنيا، وإما أن تملأه بالتعلقات بالمال وبالزوجة وبالمحرمات وبالمباحات، لا يشترط أن تملأه بالحرام؛ المهم قد تملأه وقد تتعلق بكثير من المحرمات ومن المباحات. فهذا الوعاء يمتلئ، عندما تأتي المعارف الإلهية وعندما تأتي محبة الله وعندما يأتي العلم بالله ليدخل إلى هذا القلب وإلى هذا الوعاء يجده ممتلئاً، يجده ممتلئاً لا مكان له، فتغادر هذه المعارف اللذيذة وهذه العلاقة الطيبة مع الله عز وجل، لا تسكن في هذا القلب.
أما إذا كان هذا الوعاء -وهو القلب- فارغاً أصلحه العبد وطهره وزينه استقبالاً لتلك المعارف الإلهية من المحبة والخشية والتعلق بالله، فعندما تأتي هذه الأنوار وهذه المعارف على هذا الوعاء يجده مهيأً صالحاً مزيناً، فإنها تسكن فيه وتستوطنه؛ لأن هذه المعارف، المعرفة بالله، هي أطهر المعارف أيها الأحبة وأنقاها. لذلك لا ترضى أن تسكن قلباً نجساً خبيثاً، وهي كذلك عزيزة عندها أنفة، لا ترضى أن يشاركها غيرها، هي تريد أن تستقل بهذا القلب، وتريد أن تسكن قلباً طاهراً نقياً لهذه العلاقة الطيبة بين العبد وبين ربه سبحانه وتعالى.
أما قلب دنس مليء بشهوات هذه الحياة، مليء بالتعلقات، قلب يتعلق بفتاة وقلب يتعلق بمال وقلب يتعلق بشهرة وقلب يتعلق بثناء الناس، هذا كيف تسكن فيه المعارف الإلهية؟ وأنت الذي هذا القلب ما الذي سيسكنه؟ لذلك من أعظم الوظائف التي يقوم بها العبد في هذه الحياة الدنيا أن يحرص على تنظيف قلبه بشكل مستمر؛ لأن الإنسان هو أحد رجلين، إما إنسان لم يذق طعم معرفة الله عز وجل ولم يذق لذة به عز وجل ومحبته والعلاقة معه. إذا كان من هذا النوع، إذا كان الشخص ممن لم يذق هذه المعرفة ولم يذق طعمها، فهذا إنسان مخذول ابتداءً.
نقول هذا إنسان مخذول لم يذق طعم هذه المعرفة، عليه أن يتدارك نفسه وأن يهيئ هذا القلب وأن يصلحه قبل أن يفوت الأوان. إذا تدارك نفسه وهيأ هذا القلب ونظفه بالتوبة والإنابة ورفع هذه النكت السوداء التي بها القلب، نعم هنا تأتي هذه المعرفة الإلهية. لذلك يقول العلماء: هناك جنة من لم يدخلها في الدنيا لم يدخل جنة الآخرة، هناك جنة من لم يدخلها في الدنيا لن يدخل جنة الآخرة. ما هي هذه الجنة؟ قالوا هي معرفة الله عز وجل؛ لأن معرفة الله ومحبة الله هذه شيء لذيذ وبستان في القلب، إذا أثمر في هذا القلب وأزهر وأثمر يجد الإنسان راحة وجنة في هذه الحياة الدنيا.
يرضى بتصاريف هذه الحياة أينما وضعه الله وأينما أراده الله وكيفما كان حاله من الفقر ومن الغنى ومن الصحة ومن المرض، هو مرتاح راضٍ بالله عز وجل ما عنده إشكال، فهذه هي جنة الدنيا، من لم يدخل هذه الجنة لن يدخل جنة الآخرة؛ لأنك لن تكون عارفاً بالله على وجه الحقيقة. لذلك إذاً هذا النوع الأول، إنسان لم يذق طعماً ولم يذق شيئاً من معرفة الله سبحانه وتعالى، فهذا يجب عليه أن يصلح هذا القلب وأن يتدارك قبل أن يكون من المحرومين.
الإنسان الآخر هو إنسان ذاق شيئاً من معرفة الله عز وجل، هل هذا الإنسان يأمن على نفسه؟ ما تحتاج إلى مراقبة للقلب خلاص يقول أنا ذقت شيئاً من معرفة الله؟ نقول لا، حتى هذا الإنسان يجب عليه أن يستمر في مراقبة القلب؛ لأن الوساوس والخطرات الشيطانية وتعلقات هذه الحياة هي أيها الأحبة كالذئب المفترس يحوم حول هذا القلب، يحاول أن يجد مدخلاً. نعم القلب الآن سكنته معرفة الله عز وجل، سكنت العلاقة الطيبة ومحبة الله، لكن الخطرات وإبليس لن يقف، ستبقى تحوم حول هذا القلب تنتظر لحظة غفلة من هذا العبد لتدخل وتقتحم القلب.
إذا اقتحمت القلب هذه الوساوس وهذه الخطرات من جديد، ورأت المعارف الإلهية أن الإنسان لم يقم بتطهير هذا القلب من هذه الخطرات الشيطانية ولم يعد مهتماً، فكذلك هذه المعارف ستزول. وكثيراً هم من ذاقوا طعم معرفة الله وطعم محبة الله ثم سلبت منهم هذه المحبة وهذه المعرفة، ما السبب؟ أنهم لم يراقبوا القلب؛ كان عندهم مراقبة ابتداءً، ثم عندما جاءهم شيء وطرف من معرفة الله عز وجل ظنوا أنهم وصلوا إلى المراتب العالية فأهملوا هذا القلب، هنا جاءت الخطرات وجاءت الوساوس وجدت مدخلاً ووجدت غفلة من الحراس فدخلت إلى هذا القلب، فاختارت المعارف الإلهية أن تغادر لما ذكرنا أنها عزيزة تأنف أن غيرها في هذا القلب.
لذلك يقولون: الأمارة والعلامة على وجود المعرفة الصحيحة بالله عز وجل وأمارة وجود المحبة الصحيحة لله عز وجل، هي أن تؤثر الله عز وجل على ما سواه. لذلك المحاسبي رحمه الله عز وجل ماذا قال: ومن آثر الله آثره الله. هذا الإيثار لماذا ذكره المحاسبي في هذا الموضع؟ لينبه على أن المعرفة الصحيحة وعلى أن المحبة الصحيحة علامتها ماذا؟ علامتها الإيثار، أن تؤثر الله عز وجل على كل من سواه. فمن وجد عنده خلق الإيثار لله عز وجل، عنده محبة صادقة ويوجد عنده معرفة صحيحة.
ابن القيم يبين هذه العلاقة بين الإيثار وبين محبة الله عز وجل وبين معرفته في طريق الهجرتين، فيقول الإيثار إما أن يتعلق بالخلق وإما أن يتعلق بالخالق. يعني الإنسان إما أن يؤثر المخلوقين أو إما أن يؤثر الخالق سبحانه وتعالى. قال: فإن تعلق الإيثار بالخلق فكماله أن تؤثرهم على نفسك. وانظروا إلى الكلام الدقيق: كماله أن تؤثرهم على نفسك بما لا يضيع عليك وقتاً، ولا يفسد عليك حالاً، ولا يهدم لك ديناً، ولا يسد عليك طريقاً، ولا يمنع لك وارداً.
يعني عندما تؤثر الخلق أنت تؤثرهم في ملذات الحياة الدنيا، لكن لا تؤثرهم بوقتك، ولا تؤثرهم بدينك، لا تؤثرهم بعلاقتك مع الله عز وجل، ليس هذا موطن الإيثار، هذه مضيعة للأعمار. الإنسان الذي يجلس في المجالس العامة الساعات ويتكلم ويخوض، هذا يقول لك أنا يا شيخ أحرجوني جلست معهم فقط من هذه الليلة أو هذا الشهر، نقول هذا ضاع من عمرك، لا تظن أن هذا حسن في الخلق، بل هذا ليس الإيثار المحمود. الإيثار المحمود الذي يرضي الله عز وجل أن تؤثرهم في متاع الحياة الدنيا، في أموالها في شهواتها تؤثرهم وتدعها للناس، أما الأوقات فإنك تكون شحيحاً بها.
لذلك يتبع فيقول: ولا يمنع لك ذلك وارداً، فإن كان في إيثارهم -يعني إذا كان في إيثار الناس شيء من ذلك، أي من مضيعة الأوقات- فإيثار نفسك عليهم أولى؛ فإن الرجل من لا يؤثر بنصيبه من الله أحداً كائناً من كان. فإن الإيثار المحمود الذي أثنى الله على فاعله الإيثار بالدنيا لا بالوقت والدين وما يعود بصلاح القلب. فقال الله تعالى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ، وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ.
فأخبر سبحانه أن إيثارهم إنما هو بالشيء الذي إذا وقي الرجل الشح منه كان من المفلحين، وهذا إنما هو في فضول الدنيا لا في الأوقات المصروفة في الطاعات؛ فإن الفلاح في الشح بها، أي في الشح بالأوقات وبالطاعات. فمن لم يكن شحيحاً بوقته تركه الناس على الأرض عرياناً مفلساً، فالشح بالوقت هو عمارة القلب وحفظ رأس ماله، ومما يدل على هذا أنه سبحانه أمر بالمسابقة في أعمال البر والتنافس فيها. هذا فيما يتعلق بإيثار الخلق، أعطاك فقهه هو باختصار؛ الإيثار الشرعي الذي يريده الله عز وجل مع الخلق أن تؤثرهم بمتاع الحياة الدنيا، تؤثرهم بالشيء من اللذائذ، تؤثرهم بشيء من المال، تفضلهم على نفسك، هذا هو الإيثار المحمود.
لذلك آثر الأنصار المهاجرين عندما أتوا عليهم وقاسموهم أموالهم ومتاعهم، هذا هو الذي نتكلم عنه. أما أن يؤثر الإنسان بدينه، يبيع دينه من أجل صديقه من أجل أمه من أجل عشيرته، هذا ليس إيثاراً، هذا قبح. وليس الإيثار أن تؤثر الناس بأوقاتك وبصلاح قلبك؛ إذا وجدت صديقاً لا يقربك من الله عز وجل فلا تؤثره على نفسك، بل آثر نفسك عليه، لا تريده ولا تستحِ أن تقول له أنا لا أريدك لأنك تبعدني عن الله سبحانه وتعالى؛ لأن الإيثار ليس فهذا موضعه.
كثير من الناس يجعل هناك الاحتراميات ما نسميها نحن في عرفنا، يعني احترامات جاء قوم جلسوا مجلساً، اليوم الثاني جاء وجلس مجلساً آخر، الآن هذه المجالس تقضي الأعمار وتأخذ الأعمار وتذهب بعمرك أيها العبد من دون أن تعود عليك بالصلاح، وتستحي أنت أن تقول لهم قوموا، لست من أهل هذه المجالس فتضيع عليك الأعمار وأنت تظن نفسك محسناً. فهذا الذي أراد ابن القيم أن يبينه أن الإيثار إنما هو بالمال وملذات الدنيا وليس بالأوقات والأعمار. قال أما الإيثار -وهذا الذي يهمنا- قال أما الإيثار المتعلق بالخالق فهو أجلّ من هذا وأفضل، وهو إيثار رضاه على رضا غيره، وإيثار حبه على حب غيره، وإيثار خوفه على خوف غيره ورجائه على رجاء غيره، وإيثار الذل له والخضوع والاستكانة والضراعة والتملق على بذل ذلك لغيره.
وكذلك إيثار الطلب منه وهو السؤال وإنزال الفاقات به، لذلك الحارث المحاسبي ماذا قال قبل قليل؟ وقم بين يديه مقام مستجير، هذا يقوم العبد بين يدي الله سبحانه وتعالى ولا يذل نفسه للعبيد، وكذلك إيثار الطالب منه وهو السؤال وإنزال الفاقات به على تعلق ذلك بغيره. فالأول آثر بعض العبيد على نفسه هذا الذي المخلوقين فيما هو محبوب له، أما هذا الذي آثر الله قال: وهذا آثر الله على غيره وعلى نفسه. وهذه ونفسه من أعظم الأغيار، عندما نقول يجب عليك أن تؤثر الله على غيره نفسك هي أحد هذه الأغيار التي يجب أن تؤثر الله عليها، فتبذل هذه النفس وهذه المهج وهذه الأرواح رخيصة في سبيل الله سبحانه وتعالى.
قال وعلامة هذا الإيثار الصادق مع الله شيئاً، ما علامة وجود هذا الإيثار صار عند العبد؟ قال: أحدهما فعل ما يحب الله سبحانه وتعالى إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه. يعني الآن هذا شيء عملي كيف تعرف هل أنا ممن يؤثر الله عز وجل بقلبه وبدنياه على كل التفاصيل التي ذكرها ابن القيم؟ قال له علامتان، ما هي العلامة الأولى؟ قال: فعل ما يحب الله إذا كانت النفس تكرهه وتهرب منه، يعني شيء أنت تكرهه نفسك لا تميل إليه ولكن تعرف أنه يحب الله سبحانه وتعالى. صلاة الفجر مثلاً، صلاة الفجر يأتي إنسان لصلاة الفجر في ظلمة الليل والجو بارد والأمطار غزيرة وفيها كراهة وشدة على النفس، لكن يعلم أن الله عز وجل يحب ذلك فتجده على ذلك، نعم هذه أمارة وجود الإيثار لله سبحانه وتعالى والمحبة له على الحقيقة.
الثاني قال: ترك ما يكرهه إذا كانت النفس تحبه وتهواه. يعني عكس النقطة الأولى، يعني الله عز وجل يكره شيئاً، يكره الله عز وجل السماع المحرم، سماع الأغاني، يكره الله عز وجل النظر المحرم.
يكره الله عز وجل المال المحرم، ويكره الأقوال التي تبغضه عز وجل من الغيبة والنميمة والبهت والطعن إلى غير ذلك. فتجد نفسك وإن كنت تهوى هذا السماع وذاك النظر أو هذه الشهوة، تنصرف عنها وتنكف عنها؛ لماذا؟ إرضاء لله سبحانه وتعالى. فهذه هي أمارة الإيثار؛ آثرت الله على هواك، وآثرت الله على ما تشتهيه هذه النفس. إذا رزقت ذلك فاعلم أنك عبد موفق بإذن الله.
طيب، الآن نحن نقلنا كلاماً كثيراً لابن القيم في هذا الباب، ولا أريد أن أطيل عليه أكثر في هذه القضية، لكن يعني أختم بما ذكره الحارث المحاسبي -رحمه الله تعالى- من ثمار الإيثار: من ترك شيئاً لله، من ترك شيئاً لله هذا إيثار. ما هي الثمار والنتائج التي يجنيها العبد إذا آثر الله عز وجل على هواه وعلى ملذاته وعلى جميع خلقه؟ ما هذه الثمار؟ الثمرة الأولى التي ذكرها الحارث المحاسبي أن من ترك شيئاً لله لم يعذبه به. من ترك شيئاً لله لم يعذبه به. الثمرة الثانية التي ذكرها: من ترك شيئاً لله، من ترك شيئاً لله لم يجد ألم فقده.
إذاً، العلامة الأولى أو الأثر أو النتيجة الأولى للإيثار: أنت اخترت الله وآثرت الله عز وجل على كل ما سواه فتركت محبوبات النفس. كنت تفعل معصية، كنت تدخن، كنت تفعل شيئاً من هذه المعاصي التي يفعلها العباد في هذه الحياة الدنيا -وكلنا أصحاب معاصي- ثم آثرت الله عز وجل فتركت هذا الشيء لله سبحانه وتعالى. الآن ما ثمار هذا الإيثار؟ هل هناك نتائج؟ هل هناك جوائز ستنالها من الله عز وجل؟ الحارث المحاسبي يقول لك الجائزة الأولى التي ستنالها من الله: أن من ترك شيئاً لله لم يعذبه به. الجائزة الثانية: أن من ترك شيئاً لله لم يجد ألم فقده.
وهذان -أيها الأحبة- أمران مهمان. كثير من الناس قد يترك شيئاً لغير الله سبحانه وتعالى، لمرض، لشيء حال بينه وبين ما يهواه من هذه المعاصي ومن هذه الملذات، لا يتركه لله؛ فهذا -أيها الأحبة- مبتلى ببلاءين. البلاء الأول: أن الله عز وجل سيعذبه على ما فاته من المعاصي التي فعلها مع هذا الشيء. إنسان كان يفعل معصية، مثلاً كان يدخن، هذا الإنسان الذي كان يدخن ويعصي الله عز وجل كان على علاقة محرمة مع فتاة يفعل هذه المعصية. الآن مثلاً هذا الدخان قال له الأطباء: أنت ستموت منه إذا أصررت عليه، أو سيسبب لك مرضاً عضالاً فاضطر أن يتركه. إذاً هل هو تركه لله؟ لم يتركه لله، وتركه لأجل مرض. أو هذه الفتاة التي كان يعشقها ذهبت وسافرت وانتقلت إلى بلد آخر وما عاد يستطيع أن يتواصل معها؛ إذاً حيل بينه وبين شهوته.
الآن هل تركه لهذه العلاقة المحرمة كان لله أم لعوارض الدنيا؟ العارض هي التي انتقلت، لو كانت موجودة لكان على علاقة معها. الآن هذا الإنسان الذي يترك المعصية والشهوة ولكن ليس لله سبحانه وتعالى ولكن لعارض من عوارض هذه الحياة الدنيا، سيحاسب، سيعذبه الله عز وجل على المعصية التي فعلها قبل أن يحال بينه وبينها، وسيحاسب كذلك على عزمه على أن يعود إلى المعصية متى سنح له ذلك. إن هذا الإنسان حيل بينه وبين شهوته لعرض دنيوي، فهو في قلبه لم يتب، عازم على أن هذه الفتاة إذا عادت سيعيد العلاقة معها. هذا العزم الموجود في القلب سيحاسب عليه وسيعذب، إلا أن يتغمده الله برحمته. ولكن الأصل أنه سيحاسب على هذه الخطرات وعلى هذه العزائم. لذلك أن تحال بينك وبين هذه المعصية وأنت في عزم على أن تفعلها، فستعذب على المعصية التي فعلتها قبل الترك، وستعذب كذلك وتحاسب على العزيمة على فعلها.
البلاء الثاني -وهو البلاء الأخطر كذلك أو الخطير الذي يمر به كثير من الناس ممن يحال بينهم وبين شهواتهم- أنه إذا حيل بينه وبين الشهوة لغير الله، الله عز وجل يعاقبه بألم في القلب وحسرة على فوات هذا المحبوب وعلى فوات هذه الشهوة. كثير من الذين يعشقون ويحبون ويسمعون ويبذلون في الحرام، إذا حيل بينه وبين محبوبه وبين شهوته وبين ما تعلق به، تجد قلبه دائماً متحسراً نكداً مهموماً مغموماً؛ لأنه فقد شيئاً يشعر أنه يتعلق به ويطلبه ويرغبه، ولم يتركه لوجه الله عز وجل، فالله عز وجل يورثه ألماً وحسرة ونكداً في هذا القلب. مثل العشاق، هم العشاق الذين ماتوا، مجنون ليلى وغير مجانين ليلى وهؤلاء الكثار مجانين ليلى؛ هؤلاء العشاق الذين ماتوا بسبب عشقهم ما السبب في ذلك؟ حيل بينهم وبين محبوباتهم، فأورثهم ذلك حسرة ونكداً وهماً في القلب، لم يستطيعوا أن ينسوا هذا التعلق وهذه المعصية، فالله عز وجل أورثهم حسرة في القلب.
إذاً، من ترك شيئاً لغير الله فإنه سيعذب عليه، وأنه سيجد ألم فقده. أما من تركه لله سبحانه وتعالى، تركه لوجه الله؛ لا يريد بترك هذا الدخان ولا يريد بترك هذه العلاقة المحرمة ولا يريد بترك هذا السماع المحرم إلا وجه الله سبحانه وتعالى، فإن الله لن يعذبه وسيتوب عليه بإذنه وحوله بسبب هذه العزيمة الصادقة في الإقبال عليه. وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى سيعينه على ترك التعلق به، فلن يجد ألم فقده؛ يأتيه عون إلهي من الله سبحانه وتعالى. كثير من الإخوة الذين نقول لهم أن يتركوا مثلاً هذه العادات السيئة من الدخان أو غير ذلك، يقول لك: لا أجد عندي العزيمة، لا أجد الهم أن يعينني، إذا تركه يوماً أو تركه يومين يجد نفسه تطلب هذا الشيء. لماذا؟ إذاً هناك ضعف في العزيمة. الله عز وجل إذا شعر منك صدقاً أيها العبد سيعينك، وستجد المدد من الله سبحانه وتعالى يأتيك يوماً بعد يوم حتى يذهب هذا الألم وهذا التعلق بهذا الشيء الذي ترغبه. ولكن اتركه لله، لا تتركه لمرض، لا تتركه يعني استعجل في تركه لله. ينتظر الإنسان حتى يبلغ الستين من العمر، يبتلى بمرض في قلبه، يخبره الأطباء أنه إذا استمر سيموت على هذا الدخان أو على هذه الشيشة وما شابه ذلك، بعد ذلك يترك ولا يجد العون من الله عز وجل؛ نعم، لن تجد العون من الله عز وجل لأن تركك لم يكن لوجه الله، وإنما خوفاً على حياتك.
في ترك المعاصي لله سبحانه وتعالى قبل أن تتركها رغماً عنك فلا تجد عوناً من الله، ويبقى هذا القلب مليئاً بحسرات هذه المعاصي وأهوائها. هناك شيء ثالث وأخير أختم به هذا المجلس من ثمرات ترك الشيء لله سبحانه وتعالى -أن تؤثر الله عز وجل على من سواه في هذا الشيء- هو أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. بل من ترك شيئاً لله حراماً، فإن الله قد يرزقه هذا الشيء على وجه الحلال. من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وقد يعوضه الله عز وجل ذات الشيء الذي تركه على وجه الحرام يعوضه الله عز وجل هذا الشيء على وجه الحلال.
وأختم بهذه القصة التي ذكرها الشيخ عبد الفتاح عن رجل، هذه قصة جميلة تبين أن من ترك شيئاً لله حراماً فإن الله عز وجل سيعطيه هذا الشيء حلالاً إذا كتب له ذلك. يقول الشيخ عبد الفتاح يعني في مطلع الصفحة ثمانية وثمانين، قال: حكى الأمير شجاع الدين محمد متولي القاهرة في أيام الكاملية في سنة ستمائة وثلاثين للهجرة قصة حدثت مع هذا الإمام. هذا الأمير اسمه شجاع الدين محمد، كان متولي القاهرة، أي كان أميراً على القاهرة في مصر في أيام حكم الكاملية في سنة ستمائة وثلاثين هجري. يقول: قال بينما أنا عند رجل ببعض بلاد الصعيد -كنت عند رجل في الصعيد- فضيفنا وأكرمنا، وكان الرجل أسمر شديد السمرة، وهو شيخ كبير، وحضر له أولاد حسان فيهم صفاء لون. قال هذا الشيخ الذي جلسنا عنده كان شيخاً أسمر اللون، وعندما جاء أبناؤه كانوا جميلين جداً هذا الشقار وهذا البياض، قال: فتعجبنا من ذلك، فقلنا: يا فلان، هؤلاء أولادك بيض وأنت شديد السمرة؟ فقال: هؤلاء أمهم إفرنجية -طيب يعني ليست من العرب، من بلاد الروم- أخذتها في أيام الملك الناصر صلاح الدين وأنا شاب نوبة حطين.
يعني هذا الرجل الذي زاروه في الصعيد كان في جيش صلاح الدين الأيوبي في غزوة حطين أو في معركة حطين عندما قاتلوا الصليبيين. قال فهذه المرأة الإفرنجية كانت من السبي فأخذها، وكانت من حصة هذا الرجل، طيب. فقال له الأمير: وكيف أخذتها؟ فقال لها حديث عجيب. فقلت: أتحفنا به. فقال: زرعت كتاناً في هذه البلدة -وكان من سكان الصعيد قديماً قبل ستمائة وثلاثين، كان من سكان الصعيد- قال فزرعت في هذه البلدة الكتان المعروف، الكتان يستخدم في صناعة الثياب، قال: وقنعته ونفضته فانصرف عليه خمسمائة دينار؛ يعني عُرض علي الآن أخذت هذا المحصول، أتيت لأعرضه في السوق، عُرض علي خمسمائة دينار. لكن الظاهر أنها لم توفِّ لذاك الموسم، جيد؟ فلم يبعها بهذا المبلغ، وجده زهيداً. قال فلم يجب من ذلك -يعني عرضت، عرضت لم يبلغ أكثر من خمسمائة دينار-. فأشير علي بحمله إلى الشام، قالوا: احمله إلى الشام، أنت الآن في مصر، اذهب إلى الشام بإذن الله ستحصل فيه على سعر جيد. قال: فحملته فلم يجب أكثر من ذلك؛ حمل هذه البضاعة من مصر إلى الشام وعرضها في الشام.
قال: لم تجب أكثر من خمسمائة دينار، هذا سعره. فقيل لي الآن في الشام، قال له أهل الشام: بعه صبراً، أي ديناً إلى أجل، لعله يرجع لك حق الطريق. الآن إذا بعت الشيء أنت إلى أجل ما يسمى الآن البيع مثلاً بالتقسيط أو ما شابه ذلك فإنه يعطيك سعراً أرفع بسبب وجود الأجل، صحيح؟ فقال له أهل الشام: بعه. الآن هو ذهب إلى الشام بهذه البضاعة عرضها، لم تأته بخمسمائة دينار؛ نفس ما كان يأتيه في الصعيد. حزن، قال: ذهبنا هذا المشوار إلى الشام أتعبنا الأقدام لنحصل على نفس المبلغ. فأهل الشام اقترحوا له، قالوا: هذه البضاعة التي أتيت بها لو بعتها إلى أجل ستحصل لك أكثر من خمسمائة دينار في أقل الأحوال. في أقل الأحوال ما دام حصلت لك سبعمائة دينار، هذه المائتان الزيادة توفي لك حق الطريق التي أتيت بها من مصر إلى الشام، تعود بهذا المبلغ الزائد.
طيب، قال فبعت بعضه صبراً، قال: فعلاً امتثلت هذه النصيحة التي نصحني بها أهل الشام فبعت بعض هذه البضاعة إلى أجل حتى أحصل منها على مبلغ زائد، والبعض الآخر بعته حاضراً، والمبلغ الذي أخذته اشتريت به حانوتاً، يعني اشترى دكانة لمحل حتى يبيع فيها، والبعض الآخر تركته عندي، واشتريت حانوتاً أبيع فيه على مهل إلى حين انقضاء الستة أشهر. إذاً ماذا فعل الآن؟ عنده بضاعة، قسم منها باعها إلى أجل، كان مقدار الأجل ستة أشهر، يعني بيع بالتقسيط بمقدار ستة أشهر، والنصف الثاني من البضاعة تركه حتى يبيعه في الحانوت الذي استأجره. قال: فبينما أنا أبيع قد مرت بي هذه المرأة الفرنجية. يعني هذا الرجل يبيع، مرت هذه المرأة الفرنجية الجميلة، وكانت زوج بعض الخيالة. في تلك الفترة كان الصليبيون يحتلون مناطق الشام، صلاح الدين لم يأتِ بعد، فكان الصليبيون يحتلون بلاد الشام والمسجد الأقصى تلك الفترة الزمنية، فهو يقول: كنت أبيع فمرت هذه المرأة الفرنجية الحسناء التي تشتري مني الكتان.
قال فرأيت من جمالها ما أبهرني، فبعتها وسامحتها، قلت: هذه البضاعة هدية لا نريد منك ثمناً. قال فبعتها وسامحتها، ثم انصرفت وعادت إلي بعد أيام. الفرنجية عرفت هذا الرجل، الظاهر عشقني وأحبني، إذاً هذا مدخل أن نبيع هذه البضاعة، أن نشتري منه البضاعة بالمجان. قال فعادت إلي بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من الكرة الأولى؛ يعني اشترت بسعر زيادة، عاد أحبتنا الذل له، أتت اشترت بسعر زيادة، قال فسامحتها، فتكررت إلي عندي وعلمت أني أحبها، إن كيدهن عظيم، عرفت أن هذا الرجل يعشقها ويحبها. فقلت للعجوز التي معها، هذه المرأة الجميلة كانت تصحبها عجوز، إما والدتها أو معاونة لها الله أعلم، فقلت للعجوز التي مع هذا الرجل، أخذ العجوز على جنب فقال لها، قال: إنني قد تعلقت بحبها، يعني بحب هذه الفتاة، فكيف تتخيلين لي؟ يعني أريد أن أصل إليها، أريد أن أصل إليها، يعني فدبري لي خدعة مكيدة حتى أصل إليها. فقالت لها ذلك؛ ذهبت العجوز إلى هذه الفتاة فأخبرتها أن هذا الرجل يريد أن يصل إليك، فقالت: تروح أرواحنا ثلاثة، أنا وأنت وهو، يعني إيش تقول؟
يعني عمره ما يصل، تطلع روحنا الثلاث بالعبارة العامية، تطلع روحنا أنا وأنت الختيارة وهو وما يصل إليَّ، فهي مرة يعني ابتداء تعززت. فقلت لها: إذا ذهبت روحي باجتماعي معه ما هو كثير، يعني انظروا العشق هذا، هذا الرجل يقول: لو أن روحي تذهب وأنا مع هذه المرأة الفرنجية أنا لا أحزن على ذلك، انظروا عندما يذهب عقل الإنسان في الشهوات. قال: وحكت لي كلاماً كثيراً يعني بدأ الأخذ والعطاء والرد في هذه القضية، واتفق الحال؛ الآن هذه النصرانية هي صليبية وأنا رخيصة، قالت: أعطني مبلغاً من المال وأنا أقضي لك بطرك. قال: واتفق الحال على أن أدفع لها خمسين ديناراً سورياً، صورياً نسبة إلى بلدة صور، بلدة صور الآن في لبنان في ذلك الوقت كانت الدراهم الظاهر أنها تضرب وتسك في تلك البلدة، فنسبوها إليها، خمسون درهماً صورياً نسبة إلى بلدة صور، طيب.
وتجيء إلي. يعني ادفع لها خمسين درهماً أو خمسين ديناراً صورياً وتجيء إلي في الموعد وفي المكان الذي نحدده لأخذ وطري منها. قالت: وزنت خمسين ديناراً صورية وسلمتها للعجوز في نفس المجلس، هذه خمسين ديناراً وأعطيناها للعجوز واتفقنا على الموعد. فقالت: هيئ لنا موضعك ونحن مين عندك؟ قالت: جهز الأمور ونهدي الليلة إن شاء الله نبيت عندك في المكان الذي تريد. قال: فمضيت وجهزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى، وكانت داري مطلة على البحر. في الشام الظاهر كان يسكن في لبنان هو، فكانت داراً مطلة على البحر أو كان في حالها، المهم كان داره مطلة على البحر. وكان الصيف، ففرشت لي على سطح الدار، يعني كان الدنيا صيف، قال: فرشت وأعددت العدة على سطح المنزل لنجلس في ذاك الموضع. قال: فجاءت الفرنجية فأكلنا وشربنا وجنّ الليل، فنمنا تحت السماء والقمر يضيء علينا، يعني الأجواء رومانسية تماماً.
قال: والنجوم تنظر في البحر. فقلت في نفسي، يعني انظروا لهذا الرجل في النهاية جاءه وازع الإيمان، جاءه وازع الدين، أيقظه الله عز وجل في لحظة، وهذا توفيق من الله عز وجل يمن به على عبيده. قال: فقلت في نفسي أما تستحي من الله؟ يعني هذا الرجل لم يطأها بعد لم الحرام، وإنما نعم بداية المجلس وهذه المقدمات محرمة ولكن لم يطأ، لم يفعل الزنا. فقلت في نفسي أما تستحي من الله وأنت غريب عن هذه البلدة وتحت السماء وعلى بحر وتعصي الله مع هذه النصرانية فتستوجب عذاب النار وعذاب الدنيا؟ اللهم إني أشهدك أني قد عففت عن هذه النصرانية في هذه الليلة حياء منك وخوفاً من عقابك، ثم نمت إلى الصبح. يعني عرضت عنها وما فعلت بها ونمت.
فقال: قامت السحر وهي غضبة، قامت النصرانية هذه الصليبية غضبة. قالت: إحنا جينا ودفعنا وتأذلنا عاد أنت تنام وما تفعل ما نريد، ما تفعل هذا المطر؟ لماذا فعلت هذا؟ القصة قال: فقامت في السحر وهي غضبة ومضت. ومضيت إلى حانوتي فجلست فيه. قال: هي مضت غضبة حزينة لأني لم ألبي لها وترها، وأنا المحل الذي أبيع فيه، وإذا هي قد عبرت علي هي والعجوز وهي مغضبة. مرت في ذاك الشارع، هي وهي قالت وهي مغضبة. كانت لأن هذا الرجل لم يفعل ما كانت تهوى. قال: وكأنها القمر، يعني انظر الرجل ما زال القلب يذهب ويأتي. قال: وكأنها القمر، فهلكت، يعني تعبت وقلت في نفسي: من أنت حتى تترك هذه الجارية؟ يعني يا شيخ مش فيها المرة هذي، يعني استحلت عليك أنك يعني ما تفعلها، خلص خلينا نعمل مرة ثانية موعداً آخر ونتفق.
قال: من أنجاني؟ كيف العوام يجي يقول لك هسا أنت بدك تسوق علينا المشيخة يعني عملتها حسن البصري، خلص فشيها شيخ، طيب، قال: من أنت حتى تترك هذه الجارية؟ هل أنت الجنيد؟ يعني هل وصلت مرحلة الجنيد؟ كيف نقول هسا أنت الشيخ فلان صرت؟ هل أنت أصبحت في مرحلة الجنيد هؤلاء الأئمة الكبار؟ ثم لحقت العجوز وقلت: ارجعي. فقالت: وحق المسيح، هي حلفت بالمسيح، ما نرجع إليك إلا بمئة دينار، يعني المرة الأولى خمسين ديناراً، المرة هذه مئة دينار. فقلت: نعم. عاد عادت الشهوة وعاد الشيطان، ومضيت إلى حانوتي وزنتها يعني وزنت مئة دينار، وجاءت إلي ثانية وجاءت إلي ثاني دفعة، فلحقتني تلك الفكرة الأولى وعففت عنها وتركتها لله. قال: إن الوجاعة ليتني دفعة يعني جاءت إلي هذه الفتاة وجلسنا تلك الليلة على سطح المنزل مع أجواء القمر، وعندما جلسنا وعندما اقترب الحرام تذكرت الله سبحانه وتعالى مرة أخرى فابتعدت وتركتها لله.
قال: ثم مضت ومضيت إلى موضعي، ذهبت المرأة غضبة ثم عدت إلى حانوتي، ثم عبرت علي وكلمتني وكانت مستغربة وقالت: وحق المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمداً. يعني جاءت عليه المرة الثالثة، قالت: ترى فلان ما راح أجيك مرة ثالثة إلا بخمسمائة دينار، المرة الأولى خمسين، ثانية مئة، خمسمائة دينار أو تموت إلا بهذا المبلغ. طيب، فارتعت لذلك، ارتعبت وعزمت أني أغرم ثمن الكتان جميعه وأفدي نفسي. يعني عزمت أن يبيع كل الكتان الذي عنده في المحل مقابل أن تأتيه الليلة الثالثة، يعني ما زالت النفس كما قلنا تذهب وتأتي. قال: فبينما أنا كذلك، يعني أراد أن يبيع حانوته والبضاعة حتى يوفي الخمسمائة دينار لهذه المرأة التي تعلق قلبه بها. قال: فبينما أنا أحاول أن أبيع هذه البضاعة لأوفي لهذه المرأة، إذا بمناد ينادي: معاشر المسلمين، إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت.
هذه البلاد قلنا كانت تحت سيطرة من؟ تحت سيطرة الصليبيين. فجاء، لأنه كان لماذا كان المسلمون يتاجرون فيها؟ كان الظاهر هناك هدنة بينهم وبين الصليبيين سمحوا لهم بالدخول. فجاء الآن منادي الصليبيين، حاكم القرية أو عن هذه القرية، فنادى أنه يا معاشر المسلمين انتهت الهدنة كل يذهب إلى بلده. قال: وخرجت من عكا إذا كان في عكا، إذا فبينما كذلك والمنادي منادي معاشر المسلمين إن الهدنة التي بيننا وبينكم قد انقضت وقد أمهلنا من هنا من المسلمين إلى جمعة، يعني فترة أسبوع جمعة كاملة ليقضوا أمورهم وينصرفوا إلى بلادهم. فانقطعت عني وأخذت أنا في تحصيل ثمن الكتان، خلاص انتهت الأمور الآن يجب أن يغادر، ما في وقت يقعد يفكر في تلك الفتاة. قال: حصلت ثمن الكتان والثمن الذي كان إلى أجل وانتهيت وانطلقت. قال: وأخذت معي بضاعة حسنة وخرجت من عكا إذا كان هو فيه عكا.
قال: وأنا في قلبي من الفرنجية ما فيه، يعني ما زال القلب متعلقاً. فوصلت إلى دمشق وبعت البضاعة التي لي بأوفى ثمن لانقطاع بسبب فراغ الهدنة، جيد، قال: ومنّ الله سبحانه وتعالى علي بكسب جيد، يعني ذهب إلى دمشق وباع البضاعة التي أخذها من عكا وحصل الله عز وجل له ثمناً جيداً. قال: وأخذت أتاجر في الجواري، يعني الرجالة هتغير موضوع التجارة، كان يتاجر في ماذا؟ كان يتاجر في الكتان، قال: خلينا عاد نتاجر في الجواري في النساء الآية السبع التي كان في ذاك الوقت، لعل الله عز وجل يعني يذهب ما في قلبه من التعلق بتلك الفتاة. قال: وأخذت أتاجر في الجواري عسى الله أن يذهب ما في قلبي من الفرنجية ولا التجارة فيهم.
قال: فمضى علي ثلاث سنين وجرى للسلطان الملك الناصر ما جرى. يعني أي الملك الناصر هو صلاح الدين الأيوبي؟ قال: بعد ثلاث سنوات ظهر صلاح الدين ودمع الأمور واجتمعت الأمة وبدأت الغزوة وأتمت غزوة حطين. قال: فجاءت وقعة حطين وأخذه جميع الملوك، وفتحه بلاد بإذن الله، يعني فتح عكا وفتح كل المناطق. قال: فطلب مني جارية للملك الناصر. هو الرجل أصبح يبيع ماذا؟ الجواري. فذهبوا وليه قانون ملك الناصر صلاح الدين يريد جارية من الجواري التي تبيعها، وكان عندي جارية حسنة، فاشتريت له بمئة دينار، فأوصى تسعين ديناراً. فاشتريت له بمئة دينار فأوصلوا لي تسعين ديناراً، يعني اشتري للملك الناصر صلاح الدين جارية من هذا الرجل، كم سعرها؟ مئة، وصلوا له تسعين، بقي له عشرة دنانير. قال: وبقيت عشرة دنانير فلم يجدوها في الخزنة ذلك اليوم، خزنة صلاح الدين الأيوبي ما وجد فيها عشرة دنانير حتى يؤدوا لهذا الرجل ما بقي من حقه.
قال: لأنه أنفق الأموال جميعها، فشاوروه على ذلك، فقال: امضوا به إلى الخزانة التي فيها السبي. يعني حاشية صلاح الدين الأيوبي ذهبوا إلى صلاح الدين، قالوا له فلان الفلاني التاجر الذي يبيع الجواري بقي له عشرة دنانير، والخزانة لا يوجد فيها أي شيء من الأموال النقدية، فصلاح الدين ماذا قال لهم؟ قال: اذهبوا إلى المكان الذي نضع فيه الجواري، الذين الجواري التي أخذها من الحرب أخذها من الساحل ومن المناطق التي فتح، قال: اذهبوا إلى خزانة الجواري التي فيها السبي من نساء الفرنج، فخيروه في واحدة منهن يأخذها بالعشرة دنانير التي له، بعشرة دنانير خيروه في جارية من الجواري من السبي الذي عندنا. قال: فأتيت الخزانة فنظرت إليها، قال: فعرفت الجارية الفرنجية.
قال: فعرفت الجارية الفرنجية غريمتي التي كانت تغرمني الأموال، فقلت: أعطوني هاتيك، يعني هاتوني هذه الفتاة، فأخذتها إلى خيمتي وقلت لها: أتعرفينني؟ قالت: لا. فقلت: أنا صاحبك التاجر في المكان الذي جرى له معك ما جرى، وأخذت من الذهب، هو الآن بدّي أذكرها بالذهب مية وخمسين وخمسمية آخر شي، بعشرة دنانير لآخر شي أخذها، طيب. فقلت: أنا صاحبك التاجر في المكان الذي جرى له معك ما جرى، وأخذت مني الذهب وقلت ما بقيت تبصرني إلا، وذكرها بالكلمة، ما بقيت تبصرني إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمداً كما قالت لها، وقد أخذتك ملكاً ليس فقط يعني بعزة بعشرة الدنانير فقط. فقالت: مد يدك، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله. عرفت عزة هذا الدين الذي يعيده للناس سبحان الله.
قال: وأن محمداً رسول الله، فأسلمت وحسن إسلامها، فقلت: والله لا وصلت إليها إلا بأمر القاضي، فرحت إلى ابن شداد وحكيت له ما جرى، دار هذا كان القاضي، قال: فعجب من هذه القصة كيف حدثت وعقد لي عليها. ماتت تلك الليلة فحملت، يعني الظاهر أنها بعد أن أسلمت ماذا فعل؟ أعتقها وتزوجها، قال: وعقد لي عليها، يعني هنا صار عقد نكاح وهذا لا يكون إلا بعد أن يعتقها، قال: وباتت تلك الليلة فحملت، يعني الحمد لله حملت بالحلال، وباتت تلك الليلة فحملت ثم فدخل العسكر فأتينا إلى دمشق فما كان إلا شهور قلائل وأتى رسول الملك بطلب الأسارى والسبايا باتفاق وقع بين الملوك. فرد من كان أسيراً من الرجال والنساء ولم يبق إلا امرأة الفارس التي عندي. الظاهر حدثت إذاً معارك بين صلاح الدين وبين الصليبيين وحدث مجموعة من الاتفاقيات التي حدثت بين صلاح الدين والروم أن كل يرد أسراه، والسبايا الذي أخذها من الآخر، فإذا صلاح الدين سيرد كل السبايا التي أخذها من الروم، ومن ضمن السبايا من كان؟ كانت هذه المرأة الفرنجية.
قال: فسألوا عنها، هذا الرجل خبأ هذه المرأة، الآن هي زوجته، خبأها. قال: قالوا عنها الكل يعرف أن هناك امرأة مفقودة هي امرأة أحد الخيالة. قال: فسألوا عنها وألحوا في السؤال والكشف، فوشي بها أنها عندي، وهذا دائماً في كل زمان، الظاهر أحد الجيران قال: يا جماعة الخير ترى المرأة عند فلان، طيب، فأوشي بها أنها عندي، فطلبت مني وحضرت أنا وأنا في شدة وقد تغير لوني. فقالت هذه المرأة، آه لي يعني زوجته الآن أصبحت، ما بدا لك وما الذي أصابك؟ قلت: جاء رسول الملك وأخذوا الأسارى جميعهم وطلبوني، يعني حتى آتي بك. فقالت: لا بأس، أحضرني إليهم وأنا أعرف الذي أقول لهم، أنا أخلصك من هذه القضية. قال: فأخذتها وأحضرتها قدام السلطان، يعني أمام السلطان الملك الناصر والرسول جالس عن يمينه، فقلت: هذه المرأة التي عندي. فقال له الملك والرسول: تروحين إلى بلادك أم إلى زوجك؟ فقد فك أسرك أنت وغيره.
فقالت للسلطان: أنا قد أسلمت وحبلت، يعني أنا أسلمت مش بس أسلمت، كما أنا حملت من هذا الرجل، وحملت وهو بطني كما وهذا بطني كما ترونه، وقد بقيت الأفرنج تنتفع بي. فقال لها الرسول يخيرها وما بقيت الأفرنج تنتفع بي؟ يعني أنا امرأة أسلمت وحملت من هذا الإنسان إيش بدهم مني أذهب إلى بلاد الصليب؟ ما عاد نفع. قال: فقال لها الرسول يخيرها، أيهما أحب إليك؟ هذا المسلم أم زوجك الفارس المقدام يعني من الروم؟ فلان؟ فقالت له كما قالت للسلطان، يعني قالت له باختصار يعني ما نكثر الحكي، أنا حامل وتزوجت وأسلمت وانتهى أمري لا علاقة لي إلا بهذا الإنسان الذي تزوجته. فقال الرسول لمن معه من الفرنج، الظاهر إذا كان هناك وفد من الأفرنج أتوا ليأخذوا الأسارى، فقال الرسول لهذا الوفد من الأفرنج: سمعتم ماذا قالت المرأة؟ يعني نحن لم نجبرها على أن تبقى عندنا هي التي تريد أن تبقى باختيارها. ثم قال الرسول: خذ امرأتك وامضي، خلاص الرسول رسول الملك قال لهذا التاجر: خذ امرأتك وامضي، فوليت بها وقد أرسل إلي عاجلاً وقال: إن أمها وصلت لها معي وديعة وقالت: إن ابنتي أسيرة وهي عريانة شعثة، وأشتهي أن ترسل لها هذا الجمدان، يعني الصندوق سلمه لها.
يعني امرأة أم هذه الفتاة والظاهر أنها العجوز التي كانت تأتي معها قديماً، ظنت أنها أسيرة عند المسلمين، يعني أنها في حالة ردية وشعثة ولا تجد لباساً وأنها عارية، لا تعلم أنها تزوجت وأسلمت وأصبحت تحيا مع هذا الإنسان، فبعثت إذاً هذه المرأة العروسة لابنتها بصندوق. قال: فتسلمت الجمدان، يعني هذا الصندوق ومضينا إلى الدار، ففتحته فوجدت قماشها بعينه، قال: فوجدت ماذا؟ قماشها بعينه، أي قماش؟ الذي كانت تشتريه من هذا الرجل من الحانوت مجاناً، وكان هو يعطيها هذا القماش مجاناً حتى تحبه وتتعلق به، قال: فوجدت هذا القماش، يعني الله عز وجل لم يرد علي فقط المرأة ورد عليه فقط كذلك القماش الذي كانت تشتريه منه بالمجان.
قال: ففتحته فوجدته قماشها بعينه وقد أصرته لها أمها ووجد كذلك ماذا؟ إيش وجد؟ الأموال التي كان يدفعها مقابلاً ليصل إليها، قال: ووجدت السرتين الذهب الخمسين ديناراً والمئة دينار كما هما بربطتي لم تتغيرا، يعني بنفس الربطة التي رفضتها وهؤلاء الأولاد عاد إلى الأجواء. قال: أيها الأمير وهؤلاء الأولاد الذين ترونهم منها وهي تعيش الآن وهي التي عملت لكم هذا الطعام، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل