والله ما في هذه الدنيا لك من اشتياق العبد للرحمن هم يسمعون كلامهم. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. وبعد، أيها الأحبة، فحياكم الله وبياكم، وسدد على طريق الحق خطانا وخطاكم. ونسأل الله العظيم رب العرش العظيم الذي جمعنا في هذا المكان وفي هذا المجلس أن يجمعنا عنده في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وهذا مجلس جديد في شرح رسالة المسترشدين لكل من يطلب طريق الرشاد إلى رب العالمين. هذه الرسالة المباركة للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، والتي نظمها أو كتبها في علم السلوك لكل من يريد أن يعرف كيف السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، فنسأل الله أن يرزقنا رعايتها بعد درايتها. آمين. قال رحمه الله تعالى: وابذل النصيحة لله ولرسوله وللمؤمنين، وشاور في أمرك الذين يخشون الله. قال الله عز وجل: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة.
واعلم أن من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشك، ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخ لك. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا خير في قوم ليسوا بناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين. إذاً النصيحة أيها الأحبة معلم جديد من معاني المسترشدين، وسمة بارزة لا تنفك عنهم. وفيها جماع الخير كله، وعليها مدار الإسلام كما ذكر الإمام النووي رحمه الله تعالى. وابتداءً نقول أيها الأحبة، النصيحة في اللغة مأخوذة من نصحت العسل إذا خلصته من الشوائب؛ فهي إذاً بمعنى الإخلاص وبمعنى التنقية وبمعنى التصفية. هذا أصل كلمة النصيحة في اللغة، لذلك يقول الإمام المازني رحمه الله تعالى: النصيحة مشتقة من نصحت العسل إذا صفيته.
قالوا: نصح الشيء مثل نصح العسل إذا خلص ونقي، ويقال نصح له القول إذا أخلصه له؛ فهذا مدار كلمة النصيحة في اللغة من الإخلاص ومن التنقية ومن التصفية. ومنه جاء قوله تعالى: لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ. قال العلماء: أي إذا أخلصوا محبتهم وولايتهم ونصرتهم لله ورسوله ولم يوالوا المنافقين. ومنه كذلك قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا. ما معنى نصوحاً؟ قال العلماء: أي توبة عازمة على عدم العودة إلى المعاصي. فإن يتوب الإنسان هذه التوبة التي يخلص فيها، يخلص فيها ماذا؟ قالوا: فيها الإرادة بألا يعود إلى اقتراف المعصية مرة أخرى. فهذا إذاً هو مدار النصيحة؛ مدارها على الإخلاص وعلى التنقية وعلى التصفية والصدق.
من خلال هذا المعنى للنصيحة أيها الأحبة، سننطلق إلى فهم منزلتها في الشريعة الإسلامية، وما هي المرتبة السامية التي احتلتها؟ فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. صدق صلى الله عليه وسلم. يقول الإمام النووي رحمه الله تعالى: هذا حديث عظيم الشأن، وعليه مدار الإسلام. ثم يتبع فيقول: وما قاله جماعات من العلماء أنه أحد أرباع الإسلام، يعني أحد الأحاديث الأربعة التي يدور عليها الإسلام، قال: فليس كما قالوا، بل هو المدار وحده؛ هو إذاً يرفض القول القائل إنه أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، يقول: بل المدار على هذا الحديث وحده فقط؛ الإسلام كله في هذا الحديث.
الآن أيها الأحبة ندخل في فهم هذا الحديث. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الدين النصيحة، وهذا عند البلاغيين أسلوب حصر؛ حصر النبي صلى الله عليه وسلم الدين في النصيحة، تعريف الجزئين يفيد الحصر عندهم، فكأنه قال: إنما الدين في النصيحة. الآن اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في فهم هذا الحديث وفي فهم هذا الحصر؛ فذهب طائفة من العلماء إلى أن هذا الحصر ليس على ظاهره؛ يعني هل الدين فقط هو النصيحة؟ هل الدين فقط محصور في مسألة النصيحة؟ طائفة من العلماء قالت: لا، ليس المراد بهذا الحصر المعنى الظاهري، الحصر الحقيقي، وإنما المراد بيان أهمية الدين، أهمية النصيحة في الدين، وأنها عماد الدين وأنها قوام الدين؛ فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قوام الدين وعماده في النصيحة. وهذا مشابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً: الحج عرفة. النبي صلى الله عليه وسلم عندما قال: الحج عرفة، هل أن الحج كله محصور في هذا الركن؟ أم أراد أن يبين أنه أهم ركن وأعظم ركن في الحج؟ أراد أن يبين أنه أهم ركن وأعظم ركن ولم يرد أن الحج فقط في عرفة. فهذا قول طائفة من العلماء كالخطابي وغيره من أهل العلم.
وذهبت طائفة أخرى أيها الأحبة إلى أن هذا الحصر على ظاهره، أي أن الدين محصور في النصيحة. قالوا بناءً على ماذا؟ قالوا بناءً على أن النصيحة كما سبق معناها ماذا؟ الإخلاص. النصيحة أصلها من الإخلاص، وكل فعل يصدر من القلب أو من اللسان أو من الجوارح إذا لم يكن فيه الإنسان مخلصاً لله فهذا الفعل ليس من الدين. النصيحة معناها الإخلاص، وكل فعل يصدر من القلب أو يصدر من اللسان أو يصدر من الجوارح فهو إن لم يكن خالصاً لله سبحانه وتعالى فهو ليس من الدين، إذاً صدق قوله صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، لأن كل الأفعال المعتبرة في الدين هي الأفعال التي تصدر خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى؛ فأي فعل لم يصدر على هذا الوجه فهو إذاً ليس من الدين، فكان قوله صحيحاً. وهذا أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما ابن حجر في فتح الباري رحمه الله تعالى.
إذاً ننطلق من هذا الفهم للحديث؛ يعني أقرب معنى يمكن أن تُفسر فيه النصيحة في هذا الحديث في الحقيقة هو الإخلاص، لأنه في الحديث ذكر أنواعاً متعددة للنصيحة، قال: النصيحة لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم. إن أقرب معنى يمكن أن نفسر به النصيحة بحيث تشمل جميع هذه الأنواع هو الإخلاص، فكأنه قال: الدين هو الإخلاص. نطبق على هذه الأنواع التي ذكرها ونحاول نفهم كيف النصيحة هي الإخلاص، بالاول قال صلى الله عليه وسلم: النصيحة لمن يا رسول الله؟ قال: لله. طيب ما هي النصيحة لله؟ كيف أنصح لله؟ قال أهل العلم: هو الإخلاص لله بالخضوع له سبحانه وتعالى، وبالرغبة في كل ما يحبه عز وجل ويرضاه من الطاعات، ورهبة من كل ما يبغضه سبحانه وتعالى من المعاصي والمنكرات، وأن توالي أولياءه وأن تعادي أعداءه. ويذكرون معان كثيرة تدخل في النصيحة لله، أي في الإخلاص لله عز وجل، وكلها يجمعها قولنا أن تكون بكليتك لله سبحانه وتعالى: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. هذا هو معنى النصيحة لله عز وجل، ومعنى الإخلاص لله الذي يتكلم عنه المحاسبي رحمه الله.
طيب، ننتقل إلى الثاني، قال النبي صلى الله عليه وسلم: النصيحة إذاً لمن؟ لله، ثم قال: ولكتابه. ما معنى النصيحة لكتابه؟ النصيحة دائماً نفسرها بالإخلاص، إذاً هو الإخلاص للقرآن الكريم. كيف أكون مخلصاً مع كتاب الله سبحانه وتعالى؟ قال أهل العلم: بأن تجرد عقلك وفكرك وروحك لتدبر معانيه، وللوقوف على قصصه وأمثاله، والاتعاظ بالأمثال والقصص والعبر التي يخبرنا الله عز وجل بها عن الأمم الماضية؛ فهكذا تكون مخلصاً مع كتاب الله عز وجل، ناصحاً لكتاب الله عز وجل. النصيحة لرسوله كيف تكون؟ النصيحة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم هو أن تخلص له. أخلص في ماذا؟ أن أخلص له في النصرة وفي الاتباع لسنته صلى الله عليه وسلم، وفي اتباع منهجه في الحياة في الأقوال وفي الأفعال في جميع مجالات الحياة؛ هكذا أكون ناصراً له، ناصحاً له، مخلصاً له.
ثم قال: ولأئمة المسلمين، كيف تكون النصيحة لأئمة المسلمين؟ وكلمة الأئمة هنا تشمل الأمراء وتشمل العلماء. فكيف يكون الإنسان ناصحاً لهم؟ قالوا: بأن يكون آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، يدلهم ويرشدهم إلى ما فيه الصلاح، ويكف ظلمهم عن الناس؛ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً. فقالوا له: كيف ننصره ظالماً؟ قال: تأخذ على يده، تأخذ على يده وتمنعه من الظلم؛ فهذه هي النصيحة، أي الإخلاص لأئمة المسلمين الأمراء والعلماء.
ثم ختم النبي صلى الله عليه وسلم بمفهوم النصيحة الذي هو الدارج عندنا: النصيحة لعوام المسلمين ولأئمة المسلمين وعامتهم. ما معنى النصيحة لعوام المسلمين؟ قال العلماء: أن يكون مخلصاً في إرادة الخير لهم. لأن هناك من يظهر الخير للناس لكن هناك غش في قلبه، وفي الحقيقة لا يريد بالتوجيه والإرشاد الخير لهم؛ ما زال القلب، يعني ربما هناك حسد، هناك يريد أن يوقف الناس على، يريد أن يذمهم، يريد أن يسقطهم؛ هذا هو مقصده في النصيحة، فهذه لا تسمى نصيحة، لأن النصيحة فيها إخلاص وتنقية. فقط تريد إرشاد الناس وبدلالتهم على الخير وبالأخذ بأيديهم إلى طريق السعادة، فقد تريد لهم وجه الله سبحانه وتعالى، وتريد لهم الخير والنصح والسداد. إذاً هكذا نفهم توجيه النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا نفهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم: الدين النصيحة، إخلاص لله، وإخلاص لكتابه، وإخلاص لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولأئمة المسلمين وعامتهم.
الآن أيها الأحبة نتكلم عن الإخلاص لعامة المسلمين، لأن هذا هو ربما المعنى الدارج الذي يدور بيننا. الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، صالح نأخذ صالحاً على سبيل المثال، عندما أهلك الله عز وجل قومه بالعذاب، ماذا قال لهم؟ تولى عنهم كما جاء في سورة الأعراف: فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ. أي أخلصت لكم، وهكذا الأنبياء وهكذا الدعاة، أخلصوا لأقوامهم في ماذا؟ في إرادة نزعهم من الشرك، وفي إرادة الأخذ بأيديهم إلى طريق السعادة. نصحت لكم، أخلصت لكم، أنا لم أرد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه، لم أرد لكم الشر عندما دعوتكم إلى الصلاح. نصحت لكم ولكن لا تحبون الناصحين، لا تحبون المخلصين. كذلك شعيب عندما أهلك الله قومه ماذا قال؟ قال جملة قريبة، قال: فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ. ليس رسالة واحدة، رسالات ربي ونصحت لكم، يعني أخلصت لكم في النصيحة، فكيف آسى على قوم كافرين؟ يعني أنا فعلت الذي أستطيع أن أفعله وأسديت الخير لكم، وبينت لكم رسالة الله سبحانه وتعالى، المنهج الذي يرضاه الله عز وجل واختاره لكم، ولكن أنتم الذين أصررتم على الكفر، فكيف آسى على قوم كافرين؟
لذلك المسلم أيها الأحبة دائماً أن يكون ناصحاً للمسلمين، أن يكون مخلصاً في إرادة الخير لهم، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، يريد دائماً أن يأخذهم من الشرور ومن الضلال ومن الشك ومن الحيرة إلى طريق السعادة، إلى سلوك درب الله عز وجل بقلب صافٍ صادق موجه إلى الله عز وجل فقط، ولا يريد شيئاً من متاع هذه الحياة الدنيا. لذلك جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وعلى النصح لكل مسلم. قال: وعلى النصح لكل مسلم.
والنبي صلى الله عليه وسلم أيها الأحبة بين أن أعظم حقوق المسلم على المسلم النصيحة. هذا كما جاء في الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حق المسلم على المسلم ست، ومنها: وإذا استنصحك فانصح له. وانظروا كلمة الحق، كثير من العلماء يفسرها بمعنى الواجب، فتكون هذه المسألة واجبة إذا استنصحك أخوك أن تنصح له وتبين له وجه الصواب؛ هذا من قبيل الواجبات عند جماهير أهل العلم وعند كثير من أهل العلم، قالوا لأن الحق هنا بمعنى الواجب.
والحارث المحاسبي رحمه الله تعالى في الحقيقة يبين أمراً، يبين من الطرف الآخر، الطرف الآخر الذي يطلب النصيحة، الذي يطلب النصيحة يرشده الحارث المحاسبي إلى قضية مهمة، يقول له: شاور في أمرك من يخشى الله، شاور في أمرك من يخشى الله سبحانه وتعالى. يعني الإنسان عندما يطلب النصيحة من الآخرين، الطرف المقابل ينبغي عليه أن لا يطلب نصيحة من سقط الناس ومن سفهاء الناس. أنت الآن تطلب النصيحة في شيء يعود على قلبك بالصلاح والمعافاة، هل تطلبه من أناس منغمسين في ملذاتهم؟ هل تطلب النصيحة في أمر دينك من أناس منغمسين في شهواتهم مقبلين على هذه الدنيا وملذاتها؟ لا يمكن ذلك، إن هذا الإنسان هو ليس ناصحاً لنفسه، فكيف سينصحك؟ الإنسان المنغمس في شهوات الدنيا وأهوائها وملذاتها، حتى ولو كان كبيراً، حتى ولو أخذ الشهادات العليا، إذا رأيته منغمساً في أهوائه وشهواته معرضاً عن الله سبحانه وتعالى، هو ليس ناصحاً لنفسه، فكيف يكون ناصحاً لغيره؟
لذلك الحارث المحاسبي يرشد الإنسان الذي يطلب النصيحة، يقول له: شاور في أمرك من يخشى الله عز وجل. ثم بين من الذي يخشى الله، هو نفسه بين الحارث المحاسبي بقوله تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. فكأنه قال لك: شاور في أمرك العلماء، لأنه قال: شاور في أمرك من يخشى الله، والذي يخشى الله هم العلماء العارفون. إذاً شاور في أمرك العلماء الذين يعرفون الله سبحانه وتعالى، لأن هؤلاء هم الذين سيخلصون لك في النصيحة وسيأخذون بيدك إلى درب السعادة والنجاح والفلاح.
بإذن الله. ولكن أيها الأحبة، قبل أن أدخل في بعض التنبيهات التي تتعلق بالنصيحة، يعني هناك لفتة سريعة في معنى المشورة. يقولون: المشورة مما أخذت في اللغة، قلنا نصيحة أخذت من نصحت العسل إذا أخلصته ونقيته. المشورة يقول العلماء أخذت كذلك من شارة العسل إذا استخلصته من محله، فانظروا الشورى والنصيحة كلاهما تتعلق بالعسل. النصيحة تصفية العسل وتنقيتها من الشوائب، الشورى أخذت من شارة فلان العسل أو شارت العسل إذا ماذا؟ إذا استخرجته من محله.
فكأن الإنسان الذي يطلب النصيحة من الآخرين يستخرج منهم الخير الذي هو مثال العسل. وعلى الآخرين الذين يسدون النصيحة أن يخلصوا هذه النصيحة من الشوائب كما يخلص العسل من الشوائب. فالنصيحة والمشورة كلاهما في وسط عسلي كما يقولون، وكلاهما مراد بهما الخير للناصح وللمنصوح. فنسأل الله أن يعيننا على هذه الأمانة.
تنبيهات سريعة تتعلق في النصيحة قبل أن ننتقل إلى معلم آخر. التنبيه الأول: النصيحة أيها الأحبة ينبغي عليك أن تدرك أنها مرة على النفس. كثير من النفوس تأبى النصيحة وتعرض عنها لأن فيها يعني إفصاحًا بعيوب الآخرين، وفيها تدليلًا على عوراتهم. لذلك النفس في العادة ربما تعزف عن النصيحة ولا تتقبلها. المؤمن الصادق الذي يريد السعادة هو يريد أن يقف على عيوبه، عليه أن يدرب نفسه وعليه أن يهيئها لقبول النصح من الآخرين.
يعني هذا شيء عالجه في نفسك. إذا جاءك إنسان صادق أراد أن يبين لك عيبًا، فعليك أن توطن النفس على القبول؛ لأنك إذا لم تقبل هذا البيان فستخسر كثيرًا، ستخسر ماذا؟ ستخسر بيان العيوب. قدمنا في الدروس الماضية أن الإنسان كيف يقف على عيوبه؟ إما أن يختار شيخًا يبين له العيوب، أو يختار صديقًا نصوحًا يبين له العيوب. فإذا الشيخ سينصح وسيبين لك عيوبك، إذا لم تتقبل من الشيخ ممن ستتقبل؟ إذا كان لك أخ نصوح صادق إذا لم تتقبل منه النصيحة في بيان العيوب كيف ستقف على عيوبك؟ لن تقف.
لذلك هناك نوع مجاهدة في هذه القضية. النصيحة نحن نقر أنها مرة لأن فيها الوقوف على عيوب النفس، ولكن لابد منها. لابد للإنسان أن يوطن قلبه عليها إذا أراد السعادة. الدنيا في النهاية أيها الأحبة ستنتهي وستنقضي هذه الصفحات. لا يهمك فلان وقف على عيب مني أو لم يقف. الذي يهمك أن الله سبحانه وتعالى هل هو راض عني؟ وهذا الرضا يحتاج إلى تنقية وإلى تصفية للقلب، وتصفية القلب تحتاج إلى الخلاص من العيوب، وطريق الخلاص من العيوب هو بقبول النصيحة من الآخرين.
التنبيه الثاني هو ينبني على التنبيه الأول: إذا عرفنا أن النصيحة مرة على النفس صعبة القبول، على الناصح كذلك أن يتحرى المكان والزمان والأسلوب. على الناصح أن يتحرى المكان المناسب للنصيحة، والزمان المناسب، والطريقة فيها. لذلك يقولون: دخل رجل على المأمون، دخل رجل على الخليفة العباسي المأمون فأغلظ عليه في النصيحة، شدد عليه، فقال له: عمومًا لقد نصح من هو خير منك من هو شر مني. يعني جاء أناس خير منك نصحوا رجلاً هو شر مني، من؟ قال: موسى وهارون. الله عز وجل قال لموسى وهارون عندما ذهبا إلى فرعون: فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى. لم يقل لموسى وهارون قولاً له قولاً غليظًا شديدًا، هذا فرعون الذي ادعى الألوهية والربوبية، الله عز وجل يأمر موسى وهارون أن يقولا له قولاً لينًا.
لماذا الله عز وجل يبين الحكمة؟ لأن ما المقصد من النصيحة؟ هذا المقصد هو بيان العيوب للآخرين، هذا المقصد هو الإسقاط، هذا المقصد فقط النصيحة من أجل النصيحة، أم المراد الأخذ بيد هذا الإنسان نحو درب السعادة، نحو طريق الرشاد؟ المراد الأخذ بيده إلى طريق الرشاد، فإذا كان القول اللين هو الذي سيأخذه فالأولى أن يبدأ به، فإذا بدأ الله عز وجل به مع فرعون الطاغية. والله عز وجل دائمًا أيها الأحبة عندما ينص على شيء في كتابه فاعلموا أن هذا الشيء له خطر، الله عز وجل عندما يتكلم عن الحوارات التي تحدث بين الأنبياء وبين أقوامهم، أو عندما يذكر في أحداث قصة مسألة بحد ذاتها، يجب عليك أن تتنبه أن هذه المسألة مقصودة. الله عز وجل ما ذكرها عبثًا، ما فقط من باب تتميم عناصر القصة كما يقولون، لا، هناك شيء يريد التنبيه عليه؛ أن القول اللين هو بداية النصيحة. فإذا ابتلي به مع فرعون الطاغية المتجبر، فمن دون فرعون من باب أولى أن يبدأ معه بهذا الأسلوب الذي هو أدعى للقبول.
لذلك يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى في قضية النصيحة قال: اعلم أن من نصحك فقد أحبك، ومن داهنك فقد غشك. يعني ليس الإنسان الصادق، ليس الصديق الذي تحبه هو الذي يسكت عن عيوبك، لا، الصديق الذي يسكت عن عيوبك هذا غشك، لم يرد لك الخير. ومن نصحك فهذا هو الذي يريد أن يأخذك إلى طريق السعادة، وإن أوقفك على عيوبك، ثم قال: ومن لم يقبل نصيحتك فليس بأخ لك. يعني الإنسان أنت صادقت إنسانًا، إذا أوقفته على أمر، أرشدته بأسلوب صحيح هادئ واضح إلى عيوبه، عاند واستكبر وأبى ونفر، هذا الإنسان ليس بأخ، لا يصلح أن يكون في درب السعادة وفي الطريق إلى الله سبحانه وتعالى لأنه سيتعبك.
التنبيه الثالث والأخير فيما يتعلق بالنصيحة، أن الإنسان يجب أن ينظر إلى تأصيل النصيحة. النصيحة أخذت من الإخلاص، إذًا مفهومها أن الإنسان عندما يسدي إلى الآخرين نصيحة يجب أن يكون همه إرادة الخير لوجه الله سبحانه وتعالى، ليس الهم من النصيحة فضح الناس، وليس الهم من النصيحة إبداء العيوب. لذلك الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى، الإمام العارف، يقول: المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويفضح. يعني الفاجر العكس؛ المؤمن هدفه الستر والنصيحة، والفاجر الفاسق عندما حتى لو كان يظهر بمظاهر أهل الصلاح لكن فاجر في نصيحته ما مقصده؟ قال: يهتك ويفضح.
لذلك الإنسان عندما ينصح ينبغي عليه أن يكون هذا المقصد أمامه: أنا أريد أن أستر على هذا الشخص، أنا لا أريد أن أوقفه على عيبه فقط من أجل أن أوقفه على عيبه، أنا لا أريد أن أعيره، أنا لا أريد أن أذكره بذنب فعله عندما أنصحه، أنا أريد فقط وجه الله سبحانه وتعالى. وهذا الأمر في الحقيقة يعني كما أن المنصوح يجب عليه أن يهيئ نفسه لقبول النصيحة ويعالج نفسه، كذلك الناصح عليه أن يعالج قلبه: إني لا أريد بهذه النصيحة إلا الخير لهذا الشخص، لا أريد أن أوقفه على عيوبه لأن هنا يعني الشيطان يدخل والنفوس تدخلها الأمراض والشيطان يعرف هذه المداخل.
لذلك يعني مما ابتلينا به في هذا الزمان وسائل التواصل الاجتماعي، الكل ينصح أصبح على العلن. الداعية الفلاني ينصح الداعي الفلاني، يقول: وقد رددت على فلان الفلاني، قيمت له عيوبه. يعني ما الداعي إلى أن تكتب هذه الجملة على وسائل التواصل؟ ما الهدف؟ هذا الهدف النصيحة وبيان الخير أم الهدف هو إسقاط الآخرين؟ أم بيان العيوب للآخرين وبيان أن فلان الفلاني هو على الصواب وليس فلان الفلاني. الآن الإنسان يحذر حقيقة من هذه المداخل أيها الأحبة، يعني وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت بابًا مفتوحًا للشهوات وبابًا مفتوحًا لأمراض القلوب، خاصة في الوسط العلمي. يعني ربما العوام أمرهم آخر يتخاطبون بخطاب آخر، بما أن نتكلم مع طلبة العلم، على طالب العلم أن يتحرز عندما يستخدم هذه الوسائل؛ لا يتكلم عن الآخرين، لا يذكر أسماء بأعينها، لا يذكر: فلان الفلاني نصحته، رددت عليه، بينت وجهة نظره الخاطئة، أردت أن أفعل كذا وكذا؛ لأن هذا مدخل كبير من مداخل الشيطان، تشعل به فتن وتقوم به حروب، كلمة تلقيها ولا تلقي لها بالًا فقد تهوي بك في نار جهنم سبعين خريفًا، فعلى الإنسان خاصة في وسائل التواصل أن يكون حذرًا.
يوم القيامة أيها الأحبة سنقف جميعًا بين يدي الله، هؤلاء الذين كانوا يزعمون أنهم يريدون الإصلاح ويبينون عيوب الآخرين، سيقفون بين يدي الله عز وجل وسيظهر ما في القلوب. هل فلان الفلاني، هل الداعية الفلاني، هل المصلح الفلاني كان صادقًا مع الله عز وجل عندما نصح فلانًا على العلن؟ هل أراد وجه الله عز وجل أم أراد أن يسقطه؟ أم أراد فقط أن يوقف الناس على عيوبه؟ أم أراد أن ينصر طائفته؟ هذا كله سنشهده عند الله سبحانه وتعالى. هناك موقف ستشهده الأمم أمام الله لهؤلاء، الكل سيحاكم أمام الله عز وجل على الكلمات التي قالها، وعلى النصيحة التي أسداها، هل كانت خالصة لوجه الله عز وجل أم كانت مشوبة بأهواء النفس؟
ننتقل إلى معلم آخر من معالم الطريق التي ذكرها الحارث المحاسبي، فقال رحمه الله: وأثر الصدق في كل موطن تغنم، واعتزل الفضول تسلم، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى رضا الله، والكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يورث سخط الله. وقال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: لا تتكلم فيما لا يعنيك، ودع كثيرًا مما يعنيك، ولا تمارِ سفيهًا ولا حليمًا، واذكر أخاك بما تحب أن يذكرك به.
هنا رحمه الله تعالى تكلم عن معلمين من معالم طريق المسترشدين: الصدق وترك فضول الكلام. نبدأ بالصدق أيها الأحبة، كذلك معلم مهم من معالم المسترشدين، بل هو من أبرز معالم المسترشدين. والصدق يشمل أنواعًا عديدة من الفضائل، وله صور وأشكال كثيرة، مدارها كلها على إيقاع الشيء على وجه الحق والكمال. الصدق بأنواعه مداره كله على ماذا؟ على إيقاع الشيء على وجه الحق والكمال. فمن أنواع الصدق: الصدق في اللسان عندما تخبر بشيء، فالإنسان إذا أخبر بشيء يجب عليه أن يخبر به على ما هو عليه في الواقع، لا يجوز لك أن تغير الحقائق في الواقع وتكذب على الآخرين. فهذا أشهر أنواع الصدق: الصدق في اللسان، بأن يخبر الإنسان بالشيء على ما هو عليه من دون زيادة ولا نقصان.
هناك أنواع دقيقة حقيقة في الصدق يبحثها علماء السلوك: الصدق في الإرادة. الصدق في الإرادة ألا يكون هناك باعث للعمل إلا وجه الله سبحانه وتعالى، هذا يسمى صدقًا في الإرادة، من تريد؟ أريد وجه الله عز وجل، لا يكون لك حب للدنيا إلا لأنها تقربك من حبيبك سبحانه وتعالى. كما يروى عن أحد الصحابة أنه كان يقول: اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب هذه الدنيا من أجل الأشجار ولا لكري الأنهار، وإنما كنت أحبها لظمأ الهواجر، ولمكابدة هذا الليل. إذًا هذا الإنسان نظرته للدنيا، إرادته من في هذه الدنيا، إرادته وجه الله سبحانه وتعالى، فهذا نوع آخر من أنواع الصدق. الصدق في الإرادة أن يكون الإنسان في هذه الحياة الدنيا إنما يريد وجه الله عز وجل، وهذا كان حال حبيبنا صلى الله عليه وسلم وحال سلفنا الصالح.
نوع آخر من أنواع الصدق: الصدق في العزيمة، والعزيمة هذا نوع أرفع من الإرادة. الإنسان يجب أن يكون صادقًا في عزيمته، أي أن يكون ثابتًا جادًا في حياته، في علاقته، في عبادته، في طلبه للعلم، في فعل ما يصلحه ويعود عليه بالصلاح والمعافاة، ولا يكون كسولًا كثير العجز والتكاسل والتباطؤ. يعني الإنسان قد يكون عنده صدق في الإرادة، يعني هو يريد وجه الله، ولكن العزيمة لا تسعفه، أي في العزيمة نفسه لا تعينه على طاعة الله سبحانه وتعالى، فهذا نقول عنده صدق في الإرادة، ولكن لا يوجد عنده صدق في العزيمة؛ لأن الصدق في العزيمة يحتاج إلى ماذا؟ كما قلنا، إلى جد وإلى حرص وإلى مثابرة واستمرار والابتعاد عن الملل والعجز والتكاسل. إنسان، الدنيا اليوم برد قالوا ما في درس، اليوم أثلجت الدنيا قالوا لنتهرب من الدرس، هذا لا يصلح. الإنسان يجب عليه أن يكون صاحب عزيمة قوية في كل شيء يقربه من الله سبحانه وتعالى، ولا يكون كثير التململ كثير التنقل والتغير عن الله عز وجل.
وهؤلاء هم الذين صدق فيهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه. يعني إنسان عنده عزيمة صادقة في طلب الشهادة، يريد أن يموت شهيدًا لينال المنزلة العظيمة عند الله، ولكنه لم ينلها، لم يقدر الله عز وجل له الموت في ميادين المعارك، فالله عز وجل يبلغه هذه المنازل، لماذا؟ لأنه كان صادقًا في عزيمته.
النوع الرابع من أنواع الصدق، ذكرنا الصدق في اللسان وذكرنا الصدق في الإرادة، ثم ذكرنا الصدق في العزيمة وهذا نوع أرفع من الصدق في الإرادة. النوع الرابع والأخير: الصدق في الوفاء، وهذا أرفعها؛ الصدق في الوفاء بالعزيمة. يعني الإنسان الآن عزم على فعل شيء وكان صادقًا، جاء وقت الوفاء، جاء وقت العمل والوفاء، كثير من الناس قد يكون عازمًا على شيء، ولكن عندما يأتي وقت الوفاء ويرى المشقة التي سيبذلها ويرى الضريبة التي ستدفع نتيجة الفعل الذي سيفعله والذي عزم عليه، ينتكس على عقبيه. هذه المرتبة هي أشرف المراتب التي يريدها الله عز وجل من العبد: الصدق في الوفاء بالعزائم وفي الوفاء بالعهد مع الله سبحانه وتعالى. لذلك الله عز وجل في غزوة أحد ذم طائفة ومدح طائفة، الآن كثير من الصحابة تخلفوا عن غزوة بدر لأنهم لم يكونوا يعلموا أن سيحدث قتال، كثير منهم كان منشغلًا في تجارته ومنهم من كان ذاهبًا إلى أهله، لم يعلموا أن هناك قتال سيحدث. فعندما عرفوا بيوم بدر وبما أعز الله عز وجل به الإسلام، كلهم أصبحوا يتمنون لقاء آخر مع المشركين حتى يشاركوا في القتال، فقالوا: لئن أشهدنا الله لقاء آخر ليرين الله ما نصنع. الآن جاء اللقاء الآخر في...
غزوة أحد، وعندما بدأ وطيس المعركة يشتد، وعندما التف خالد بن الوليد وبدأت المعركة الحقيقية، وبدأ القتل في المسلمين يكثر، كثير من هؤلاء ذهبوا وفروا. كثير منهم ذهبوا وفروا من المعركة، وذاك موقف يثبت الله عز وجل به من يشاء من عباده.
الآن هؤلاء عاتبهم الله سبحانه وتعالى لأنهم لم يكن عندهم صدق في الوفاء في تلك اللحظة، فقال عز وجل في سورة الصف: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ. قال العلماء نزلت في هذه الطائفة. وكذلك في سورة آل عمران: وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ. وَلَقَدْ كُنتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. هذا كذلك قيل نزلت في هؤلاء أنهم تمنوا الموت وبذل الروح في سبيل الله، ثم رأوا المعركة وعندما جاء وقت الوفاء كثير ضعفوا في هذه المرحلة، فنسأل الله الثبات. هؤلاء صحابة كرام، والله عز وجل عفا عنهم: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ، فرحمهم الله وأجزل لهم المثوبة.
لكن الكلام عن الطائفة الأخرى التي صدقت الوفاء مع الله عز وجل. من هذه الطائفة ومن هذه النماذج الرفيعة أنس بن النضر رضي الله تعالى عنه. يقول أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه إن أنس بن النضر تخلف عن غزوة بدر، فقال: لأن أشهدني الله مشهداً آخر ليرين الله ما أصنع. فلما جاءت غزوة أحد وانكشف المسلمون وخالد بن الوليد التف عليهم، الصحابة كلهم الآن أو كثير من الصحابة عاد أدراجه، وأنس بن النضر جاء مقبلاً إلى الميدان، فرآه سعد بن معاذ فقال له: أين يا أنس بن النضر؟ يعني أين تذهب؟ الناس فرت، أين تذهب أنت؟ فقال: واهاً لريح الجنة إني لأجد ريحها دون أحد. هذا إنسان صادق في الوفاء مع الله عز وجل، فأنزل الله فيه: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. هذا هو الصدق، الصدق في الوفاء: صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ -أي: وفى عهده- وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا.
فابتلى الله عز وجل ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. هنا النفاق في الآية أيها الأحبة ليس النفاق الاعتقادي، النفاق في هذه الآية يعني ذكر كثير من العلماء أنه يطلق على من لم يثبت وفر وانهزم، لأن الله عز وجل قال: أو يتوب عليهم. النفاق الاعتقادي هذا كفر، الله عز وجل لا يتوب على الكفار: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ. أما هذا النفاق المذكور في الآية الذي خير الله عز وجل فيه أن يتوب أو يعذب هذا نفاق عملي أي فيمن ضعف وابتعد عن الميادين، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. هناك الثابتون الصابرون وهناك من يضعفون وهناك أصحاب الإيمان الضعيف، فنسأل الله أن يزيدنا إيماناً وثباتاً.
الآن أيها الأحبة هناك شيء ينبغي أن أتكلم به في الصدق، وهي الصدق في شهادة أن لا إله إلا الله، لأنه أمر مهم. ذكر العلماء أن لا إله إلا الله من شروطها الصدق، لها شروط حتى تقبل عند الله عز وجل: العلم، واليقين، والقبول، والانقياد، والصدق، والإخلاص، والمحبة. فهذه هي شروط شهادة أن لا إله إلا الله حتى تكون مقبولة عند الله سبحانه وتعالى. من شروطها الصدق، كما جاء في الحديث الذي رواه أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله صدقاً من قلبه إلا حرمه الله على النار. إذاً لا إله إلا الله حتى تكون مقبولة عند الله تحتاج إلى ماذا؟ إلى صدق. طيب، ما هي علامة هذا الصدق؟ حتى نعرف هل نحن صادقون مع الله في لا إله إلا الله أم لسنا بصادقين؟
هناك علامتان أساسيتان. العلامة الأولى: أن يظهر أثر لا إله إلا الله على الجوارح. الآن هل يعقل إنسان يكون صادقاً في قلبه في توحيده لله عز وجل، ولا يظهر أثر لذلك على جوارحه؟ هذا لا يقبل ولا يعقل. يقول لك أنا صادق أشهد أن لا إله إلا الله، يعني لا معبود بحق إلا الله. هذه الكلمة إذا كانت خارجة من القلب، من قلب صادق موحد، يجب لزوماً أن يظهر لها أثر على جوارح العبد. لذلك الله عز وجل عندما وصف عباده الموحدين، عندما وصف المؤمنين ماذا قال؟ قال: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، فقط يعني هل هم فقط الذين آمنوا وصدقوا بقلوبهم بالله ورسوله؟ لا، قال: ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ. فبين الله عز وجل من هو الصادق؟ الصادق ليس هو فقط من يكتفي بصدق القلب، لأن هذا غير صحيح أصلاً. لا يمكن للإنسان أن يكون صادقاً في قلبه ولا يظهر أي أثر على الجوارح، هذا محال عند أهل السنة والجماعة للزوم الظاهر والباطن. لذلك الله عز وجل في هذه الآية بين أن من كان قلبه موحداً لله عز وجل بصدق لا بد وأن يظهر أثر ذلك على جوارحه ببذل المهج والأموال رخيصة في سبيل هذه الكلمة وفي سبيل التوحيد.
كذلك هناك معلم آخر من معالم الصدق في لا إله إلا الله. المعلم الثاني: أن يكون هذا الأثر الذي ظهر على الجوارح منقاداً لشرع الله سبحانه وتعالى، وهو ما نسميه الاتباع. يعني هناك أناس يريدون أن ينقادوا بلا إله إلا الله، يقولون نحن ننقاد لا إله إلا الله لكن بأهوائنا، يتبعون عبادات يصنعونها بأهوائهم وبأذواقهم. هل هذا الاتباع أو هل هذه أصلاً المحبة صادقة؟ وهل هذا التوحيد صادق؟ لا إله إلا الله معناها لا معبود بحق إلا الله، إذاً العبادة لله عز وجل تتضمن اتباعاً في التشريع، يعني أنت يجب عليك أن تتقبل شرع الله سبحانه وتعالى، هو الذي يجب أن يقصد بالعبادة، وهو الذي يحدد نوع العبادة التي يتقرب بها، ليس على هواك وليس على ذوقك ولا على وجدك. فهذا شرط آخر أو هذه العلامة الثانية من علامة الصدق في شهادة أن لا إله إلا الله، أن تكون في أحوالك وتقلباتك وأفعالك تختار شرع الله سبحانه وتعالى، تنظر ماذا يقول الله؟ ماذا يريد؟ اتبعه. أما بعض الناس إذا رأى الأمر سهلاً اختاره واتبعه، قال أنا أتبع شرع الله، وإذا رأى الأمر فيه نوع عسر ونوع ثقل على النفس تركه، فهو يختار في الحقيقة ليس شرع الله وإنما يختار ماذا؟ هواه، هو يختار ما وافق من الشرع هواه اتبعه، وما لم يوافق هواه وجد فيه مشقة تركه، فهذا نوع مذموم لا يصلح.
الآن الحارث المحاسبي أيها الأحبة تكلم قال: واحذر الصدق في كل موطن تغنم. هذه هي الكلمة التي قادتنا إلى كل هذا الكلام عن الصدق، وهنا في الحقيقة أريد أن أختم الكلام عن الصدق بقصة تبين لنا أثر هذه الكلمة التي قالها المحاسبي رحمه الله، ثم ننتقل إلى الكلام عن المجلس الأخير أو المعلم الأخير في هذا المجلس وهي ترك الفضول. القصة التي يختم بها الكلام عن الصدق قصة طويلة، لكنها في الحقيقة مثمرة، وتبين أثر الصدق ومعنى كلمة المحاسبي رحمه الله وأثر الصدق تغنم. قصة معروفة، قصة كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك. ننقلها كما ذكرها الأئمة رحمهم الله تعالى، نقف على أفياء هذه القصة. بعض الناس يظن أنه إذا صدق وكان صادقاً يجب عليه مباشرة أن يأخذ من الله عز وجل الهدية والجائزة من دون تكاليف. لا، أحياناً الصدق قد تقوله وتدفع الضريبة على قوله، ولكن العبرة في النهاية أن تفلح وتنجح، فالله عز وجل يختبر العبد هل هذا العبد عندما قال الصدق هل يريد وجه الله سبحانه وتعالى؟ لأن بعض الناس يظن أننا بالصدق إذا كنت صادقاً يجب مباشرة أن تأتي الهدية والجائزة في الدنيا، لا.
ننظر في قصة كعب بن مالك ونقف في أفيائها فنرى الضريبة التي دفعها كعب بن مالك، لكنها في الحقيقة ثمينة، لأنه دفع ضريبة ماذا؟ الخروج من النار، وإلا كان مع المنافقين ونسأل الله السلامة والعافية. يقول كعب بن مالك يروي قصته قال: كان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة، كنت رجلاً موسراً في تلك الغزوة، كان عنده بعيران كما ذكر رضي الله تعالى عنه، قال: والله ما جمعت قبلها راحلتين قط، يعني أول غزوة يكون فيها راحلتان عند تلك الغزوة. ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يريد غزوة إلا ورّى بغيرها، النبي صلى الله عليه وسلم في العادة إذا أراد غزوة من الغزوات يوري بغيرها حتى لا يصل الأمر إلى الأعداء فيتهيأوا، إلا في غزوة تبوك لأنها غزوة شديدة تحتاج إلى إحسان في الإعداد، النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة في البداية أين الوجهة حتى يستعدوا جيداً، جميل. كان يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة هي غزوة تبوك، فغزاها النبي صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفراً بعيداً. يعني السفر إلى تبوك من المدينة في فصل الصيف على الأحصنة وعلى الجمال، وكان كثير من الصحابة حتى لا يوجد عنده لا حصان ولا جمل كان أمراً شديداً عليهم، فجلى للمسلمين أمرهم أن يبين لهم مقصد الغزوة ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، يعني لا يوجد ديوان يجمع أسماء الجنود كما هو الآن في الدول المنظمة.
قال كعب: فقلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به، يعني الرجال اللي كان بده يهرب وما يريد يخرج قال هذا يخفى على النبي لأن العدد كثير كان في غزوة تبوك، الصحابة كثروا. فقال كل واحد يريد أن يتخلف حدث نفسه بذلك، لكن مما كانوا يخشون أن ينزل فيهم وحي من السماء أن ينزل وحي أن فلاناً تخلف عن هذه الغزوة، قال: إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله. وغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال. يعني الإنسان في الحقيقة أيها الأحبة لو كان في تلك المرحلة لا يأمن نفسه، يعني لا يظن الإنسان أن شاء الله هداه الله تخلف عن غزوة تبوك، أنت لو كنت في تلك الأجواء وفي تلك الأمور الصحراء وفي ذاك الحر وفي طيب الثمار وعندك الزوجة ربما تفعل أفضل مما فعل كعب بن مالك، فنسأل الله الثبات، دائماً الإنسان يسأل الله الثبات والعافية. قال: وغزاها حين طابت الثمار والظلال، فأنا إليها أصعب، أي أميل إليها، يعني أنا أحب أن أبقى في الظلال وفي الثمار، يعني العزيمة كما نقول ضعفت عنده.
فتجهز النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئاً، يعني الصحابة يتجهزون أذهب في الصباح معهم، لكن أن العزيمة لم تكن متينة كان يعود ولم يفعل شيئاً، لم يشترِ الحصان ولم يشترِ السلاح ولم يشترِ المتاع، وإذا لم يهيئ نفسه لأن العزيمة كانت تذهب وتعود، وهو يقول: كنت إلى الثمار وكنت إلى الشجر أصعد يعني أميل إليها، وأقول في نفسي انظروا التسويف، هذا أثر الإنسان عندما يقرأ هذه القصة يتأمل، قال: وكنت أقول في نفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، يعني عند مباشرة تتهيأ الأمور دون أن يذهبوا مباشرة أذهب وأحضر السلاح. انظروا الشيطان كيف يجعل الإنسان يسوف في فعل، قال: فلم يزل يتمادى بي حتى استمر الناس بالجد، فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غادياً والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئاً.
يعني بدأ المسلمون بالزحف إلى تبوك وأنا ما زلت بعد لم أتهيأ، قال: ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئاً، ما زال يذهب ويعود ولا يفعل شيئاً، فلم يزل يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، خلصنا ذهبوا إلى الغزوة وأنا تخلفت في المدينة. فهممت أن أرتحل فأدركهم، يعني هذا آخر أمل وآخر خيط بقي عند كعب بن مالك في اللحظات الأخيرة يعني أني ألحق هذا الركب، فطفقت إذا خرجت في الناس قال: فهممت أن أرتحل فأدركهم فيا ليتني فعلت، تندم على أنه لم يفعل هذا الهم ولم يستجب لهذا النداء الأخير، قال: ثم لم يقدر ذلك لي، يعني قدر الله وما شاء فعل، فطفقت إذا طفت في الناس بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم يحزنني أني لا أرى لي أسوة إلا رجلاً مغموصاً في النفاق، يعني يخرج في المدينة يسير في شوارعها يرى إلا إنساناً معلوماً أن هذا منافق لأن من تخلف هم المنافقون، أو رجلاً ممن عذر الله من الضعفاء، ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك.
فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ أين كعب بن مالك؟ الآن الإحراج. فقال رجل من بني سلمة، سلم سلم بكسر اللام. طبعاً انظروا الآن النفسيات كيف تختلف، رجل من بني سلمة في الحر وتعبان قال لك كعب بن مالك الآن قاعد في المدينة: قال هذا رجل شغله أكفاه، والنظر في برديه. يعني شغلته الدنيا.
كلمة إنسان مهموم جيد. الآن سعد بن معاذ، أو عفواً معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه، قال: بئس ما قلت! شف الرجل معاذ بن جبل العالم بالحلال والحرام، أفقه هذه الأمة بالحلال والحرام، وجه للرجل كلمة مباشرة، قال: بئس ما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيراً. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم.
فبينما هو على ذلك رأى رجلاً مبيضاً يزول به السراب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة. أبو خيثمة كان متأخراً ولكنه أدرك المسلمين وذهب إلى الغزوة، فكتب له أجرها والحمد لله. فالنبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً من بعيد من السراب، فقال: كن أبا خيثمة. فكان هو أبا خيثمة. قال: فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري، وهو الذي تصدق بصاع التمر.
قال كعب: فلما بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلاً، وأنت جئت وانتهت المعركة ولم يحدث قتال كما تعلمون النبي الآن عاد إلى المدينة، قال: حضرني بثي، أي حضرني حزني، اشتد حزني وخوفي من النبي صلى الله عليه وسلم. فطفقت أتذكر الكذب، إني أصبحت نفسي أكذب أم لا أكذب؟ ماذا أقول؟ كيف أجيب النبي صلى الله عليه وسلم؟ وأستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي، أصبح يشاور الأهل الزوجة الأبناء ماذا أفعل؟ فلما قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد ظل قادماً، زاح عني الباطل حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبداً. الآن هذا هو الإيمان، هذا رجل من الصحابة الكرام، رجل مؤمن يعلم أن هذا النبي مؤيد من السماء. قال: فعرفت أني لن أنجو أبداً، لا بد من الصدق في هذا الموطن. قال: فأجمعت صدقه، وأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادماً.
الآن النبي صلى الله عليه وسلم وصل، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك من بدأ جاءه المخلفون المنافقون، جاءوا يعتذرون بأنواع المعاذير: أنا أشغلني كذا، أنا حبسني كذا، النبي صلى الله عليه وسلم يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله عز وجل. وكانوا بضعاً وثمانين رجلاً، فقبل منهم علانيتهم حتى جئت. فلما سلمت تبسم تبسم مغضب، يعني ابتسامة إنسان غضبان، فقال له: الآن هذا سيد ولد آدم محمد صلى الله عليه وسلم وهذا رجل عصاه وخالف أمره، فقال له: تعال. قال: فلما جئت أو فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن هذا الرجل مستطيع. قلت: يا رسول الله، إني والله، الآن أعطاه إياها مباشرة كما يقول، إني والله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني سأخرج منه بعذر، يعني سأستطيع أن أعتذر. لكن عند غيرك من أهل الدنيا، لقد أعطيت جدلاً، أنا رجل صاحب جدل ونقاش، ولكني والله لقد علمت لأن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي. والله يا رسول الله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك. يا نعطاها إياه واضحة بينة وصدق مع النبي صلى الله عليه وسلم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: أما هذا فقد صدق، اذهب حتى يقضي الله فيه. المخلفون النبي بايعهم وقبل منهم وابتسم في وجههم، لكنه يعلم أن هؤلاء منافقون لن يقبل الله منهم شيئاً. أما كعب بن مالك فالنبي صلى الله عليه وسلم يعلم صدقه، وعندما تعلم صدق إنسان ويخطئ تؤنبه تزيد عليه في الكلام حتى لا يعود إلى هذا مرة أخرى. فقال: أما هذا فقد صدق، فاذهب حتى يقضي الله في أمرك.
قال: وصار رجال من بني سلمة فاتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك أذنبت ذنباً قبل هذا، لقد عجزت في ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله كما اعتذر له المخلفون. فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك. قالوا: خلاص اكذب هذه الكذبة، والنبي صلى الله عليه وسلم يستغفر لك وتنتهي القضية. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني. انظر الآن بدأت الفتن. الآن هو صدق، انظروا الضريبة التي سيدفعها نتيجة هذا الصدق والأجر الذي سيناله بعد ذلك. قال: فوالله ما زالوا يؤنبونني، لأن الشيطان بدأ المعركة النفسية مع قلب كعب بن مالك. والله ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله فأكذب نفسي. يعني هممت أن أرجع فأبدأ أعتذر له بالمعاذير. ثم قلت: هل لقي هذا معي من أحد؟ يعني هل هناك أناس صدقوا مثلي؟ قالوا: نعم، لقيه رجلان مرارة بن الربيع وهلال بن أمية. قال: فذكروا لي رجلين صالحين، يعني هذان الرجلان ممن شهد بدراً، فهما رجلان قال فمضيت حين ذكروهما لي حين عرفت أني معي في هذه المصيبة من يسليني، مضيت ولم أرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقلت: يعينني الله سبحانه وتعالى.
فاجتنبنا الناس حتى تنكرت لي في نفسي الأرض. النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكلموا هؤلاء الثلاثة، نهاهم أن يكلموهم أبداً. قال: فتنكرت لي الأرض، ما عدت أعرف الأرض، تصور كل الناس يهجروك ولا يكلمونك. قال: فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، إلى ابن أمية ومرارة بن الربيع جلسا يبكيان في بيوتهما. قال: وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم، يعني ما كنت شاباً، هلال بن أمية كان رجلاً كبيراً في السن وكذلك مرارة بن الربيع، قال: فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد. وآتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، أقول في نفسي، يعني هو الآن جاء يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ينظر هل حرك شفتيه بالرد عليه أم لم يحرك؟ انظروا الآن كيف ضاقت عليه الدنيا بما رحبت كما وصف الله عز وجل في كتابه. مهموم، النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم لا أكلمه وهو غضبان منه، ليس أي رجل هو الذي غضب منه محمد صلى الله عليه وسلم غضب منه.
قال: ثم أصلي قريباً منه، يصلي بقرب النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة قال: أسارق النظر. لا ينظر في مصلاه يحاول أن ينظر إلى النبي، هل سينظر عليه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم لن ينظر؟ قال حتى إذا قال: فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، يعني إذا خشعت في الصلاة ونظرت لموضع السجود ينتبه أن النبي صلى الله عليه وسلم ينظر، إذا التفت في الصلاة قلت أن أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه. انظروا إلى الهم والحزن الذي كان يكتنفه رحمه الله.
حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة. جدار حائط أي جدار بستان لأبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي. أبو قتادة من الصحابة العظام وكان ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك. قال كعب بن مالك: لما اشتد الأمر ذهبت فدخلت، يعني تسلقت على الجدار حتى دخلت؛ لأنه يعلم إذا دق الباب لن يفتح له. قال فتسلقت على الجدار حتى دخلت إلى هذا البستان فجلست مع أبي قتادة فسلمت عليه، فوالله ما رد السلام، الآن في أمر من النبي صلى الله عليه وسلم لا أحد يتكلم. وانظروا كيف الصحابة ينقادون مباشرة، ابن العم قبل البعيد. فقلت له: يا أبا قتادة أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت. فعدت فناشدته فسكت، فعدت فناشدته، قال كلمة واحدة: قال الله ورسوله أعلم. انتهى النقاش. قال ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، يعني ذهبت مرة أخرى تسلقت الجدار وانصرفت.
فبينما أنا أمشي في سوق المدينة إذ انظروا البلاء الجديد، إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بالطعام، من نصارى الشام نبطي من الأنباط، جاءوا إلى المدينة يريدوا أن يبيع طعاماً ويتاجر. فقال: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إليه، حتى جاءني فدفع إلي كتاباً من ملك غسان، ملك الغساسنة سمع بما حدث مع كعب بن مالك، والظاهر كان هناك علاقة قديمة بينهم، سمع بما حدث فبعث إليه بكتاب، وكان كعب بن مالك من الصحابة الذين يكتبون. قال: فقرأته فإذا فيه: أما بعد، إنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك. يعني الحق بنا واترك محمد صلى الله عليه وسلم.
كان الإنسان ضعيف الإيمان عندما ينظر كل الدنيا هجرته في هذه البلدة، الإنسان لو يحدث عنده مشكلة صغيرة في مسجد ربما لا يصلي مرة أخرى في الصلوات جميعاً. الآن كعب بن مالك هجره الناس وهجره محمد صلى الله عليه وسلم، تأتيه رسالة ممن؟ من ملك الغساسنة، يقول له تعال إلى مجلسه، والله عز وجل لن يجعلك في دار هوان ولا مضيقة، هذا طبعاً كافر ولكنهم كانوا يؤمنون بوجود إله ولكنهم كانوا مشركين. قال: فالحق بنا نواسك. فقلت حين قرأتها، هذا أيضاً من البلاء، فهم رحمه الله تعالى أنه إنسان مؤمن صادق مع الله عز وجل عرف أن هذا من بلاء الله سبحانه وتعالى وأن هذه ضريبة الصدق: تيممت بها التنور فسجرتها، يعني وضعت هذا الكتاب في تنور وأحرقته.
حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، الآن مضى أربعون يوماً على هذا البلاء وبقي العشر الأخيرة لأن البلاء استمر معهم خمسين يوماً، قال: واستلبث الوحي، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، فقال: إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني، يعني أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رسولاً، أي برسالة إلى كعب بن مالك أن يترك زوجته، هو يهجرها في العشرة أيام الأخيرة، بعث إليه رسالة عن طريق الرسول بعث رجلاً ينبئه بأن ماذا يفعل؟ أن يترك زوجته. الآن البلاء يشتد، كعب بن مالك يظن أن البلاء الآن سينفرج، الأمور تشتد أكثر فأكثر. قال: وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك. فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، هو لم يطلقها، قال: اذهبي إلى بيت أهلك حتى يقضي الله في هذا الأمر. فجاءت امرأة هلال بن أمية، هلال بن أمية كان رجلاً كبيراً كما قلنا لا يستطيع القيام بشأنه، فجاءت امرأته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذنته أن تخدمه، فالنبي صلى الله عليه وسلم أذن لها. فجاء أهل كعب بن مالك إليه؟ فقالوا له: لو استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم في زوجتك فقد أذن لهلال بن أمية في امرأته. فقال لهم: أنا رجل شاب وإذا استأذنت النبي صلى الله عليه وسلم فلا أدري ماذا يقول لي؟ إذا قالوا: ما يدريني ماذا يقول لي رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال فلبثت بذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا.
قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، يعني كان على سطح المنزل صلى صلاة الفجر في صباح اليوم الخمسين. قال فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله منا، أي الحالة التي ذكرها الله في كتابه: حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ. قد ضاقت قال لي نفسي وضاق علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع، هذا جبل سلع في المدينة، سمع صوت صارخ من هذا الجبل ينادي: كعب بن مالك أبشر، فالآن كعب بن مالك يصف هذه الأجواء، قد يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر. قال: فخررت ساجداً وعرفت أن الله قد جاء بفرج، فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس بتوبة الله علينا، أي أعلمهم بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر.
فذهب قبل صاحبي مبشرون، وركض رجل إلي فرساً وسعى ساع من أسلم قبلي، يعني أشوف الصحابة فرحوا بهذا الانفراج، فجاء رجل على فرس وجاء رجل يركض من يسبق أن يبشر كعب بن مالك بهذه البشارة؟ فكان الصوت أسرع من الفرس. الآن الذي على الأقدام قال هذا الركض بالفرس سيسبق. فماذا فعل؟ صعد على الجبل وصرخ بأعلى صوته، فالصوت كان أسرع من الحصان، لأنه قال إذا أنا على حصان وأنا أمشي على أقدامي مستحيل أن أدرك كعب بن مالك، فصعد على جبل سلع ونادى بصوته فبلغ الصوت قبل الفرس. قال: فلما وصلني هذا الرجل الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته، نزع الثوبين وأعطاه إياهما وقال: والله ما أملك غيرهما يومئذ. لا أجد غير هذين الثوبين واستعرت.
فلبستهما، وانطلقت أتأمم أن يقصد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتلقاني الناس فوجاً بعد فوج يقولون لي: لتهنك توبة الله عليك. فدخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله الناس، فقام من قام من الصحابة؟ قام طلحة بن عبيد الله رضي الله تعالى عنه ليهنئ كعب بن مالك التوبة، قال: فوالله ما قام غيره، فكنت لا أنساها لطلحة. يعني هذا المشهد لا أنساه، الصحابة كلهم كانوا جالسين حول النبي صلى الله عليه وسلم، عندما دخلت المسجد الذي قام فقط طلحة بن عبيد الله جاء ليهنئني، فقال: هذا موقف لا أنساه لطلحة. قال: فلما سلمت على النبي صلى الله عليه وسلم قال لي: أبشر بخير من مر عليك منذ ولدتك أمك. فقلت: يا رسول الله، منك أم من الله سبحانه وتعالى؟ قال: بل من الله عز وجل. يعني هل هذه البشرى منك فقط أم من الله عز وجل هو الذي أعلمك بتوبته علينا. انظروا يعني الضيق الذي كانوا يشعرون به والحرقة، كان همه أن يتوب الله سبحانه وتعالى عليه لأنه شعر بمرارة الذنب. قال: وكان صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه حتى كأن وجهه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه صلى الله عليه وسلم.
فقلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنفق مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال: أمسك عليك بعض مالك. ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: وإن من توبتي، انظر ماذا قال، قال: وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. الآن لأنه نتيجة الصدق، لما صدق مع الله عز وجل وصدق في توبته واعترف، الله عز وجل سمعه وعفا عنه، لأنه هو سمع ما نزل في المنافقين، نزل في المنافقين: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ. يعني الكلام المهول الله عز وجل يقول مأواهم جهنم. الآن لو كذب لكان هو مع زمرتهم، فهو فرح بهذه التوبة من الله عز وجل عليه، فقال: إن من توبتي ألا أحدث إلا صدقاً ما بقيت. قال: فأنزل الله عز وجل: لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ حَتَّى بلغ، وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ.
يعني كثير منا عندما يقرأ هذه الآية: اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ، يقول: إيش سياقها مع الآيات؟ الآن الآيات تتكلم عن غزوة تبوك، نعم الله عز وجل ينبه أن كعب بن مالك وأصحابه إنما نجوا من غضب الله عز وجل لأنهم صدقوا، اعترفوا بذنبهم، اعترفوا بتقصيرهم. الإنسان عندما يفعل ذنباً لا يكابر، بل يعترف ويخضع للحق كما أخذنا في الدرس الماضي، ويصدق مع الله عز وجل، والله عز وجل متكفل بأن يخرجه من مآزق الدنيا والآخرة، ولكن ستبتلى، ستبتلى قبل أن تصل إلى نتيجة الصدق لأن الله يريد أن يختبرك، هل أنت ممن صدق الله عز وجل بحق؟ أم أنت فقط تنتظر الجوائز الدنيوية وتظن أن النتائج ستكون مباشرة؟ فهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.
المعلم الأخير الذي نختم به المجلس اليوم ما قاله المحاسبي: واعتزل الفضول تسلم. هذا هو المعلم الأخير، لو اعتزلت الفضول تسلم. ثم ذكر قول ابن عباس رضي الله تعالى عنه: لا تتكلم فيما لا يعنيك. هذا دليل على أن الإنسان يترك الفضول، قال: لا تتكلم فيما لا يعنيك، ودع كثيراً مما يعنيك ولا تمار سفيهاً ولا حليماً، واذكر أخاك بما تحب أن يذكرك به. طبعاً هذا تكملة الأثر، وإنما المقصود منه الجملة الأولى والثانية: لا تتكلم فيما لا يعنيك، ودع كثيراً مما يعنيك؛ لأنك إذا تركت كثيراً مما يعنيك تجتنب ما لا يعنيك. والآن قبل أن نتكلم أو نخوض في قضية ترك فضول الكلام، يجب علينا أن نجمع شتات كلام المحاسبي رحمه الله في هذه الرسالة، حتى نفهم وجهة نظره كاملة عن قضية ترك الفضول، لأن مسألة ترك الفضول في الحقيقة لها منزلة عظيمة عند علماء السلوك، بل بعضهم كما سيأتي معنا جعل التصوف والسلوك قائماً على قضية ترك الفضول.
فنذكر المواطن التي ذكر فيها الحارث المحاسبي رحمه الله مسألة ترك الفضول في كتابه، في صفحة مئة وأربعة وستين يقول الحارث المحاسبي رحمه الله: واعلم، وسع الله بالفهم قلبي وقلبك، وأنار بالعلم صدري وصدرك، وجمع باليقين همي وهمك، إني وجدت أصل كل بلاء داخل على القلب، انظر للكلام الدقيق، إني وجدت أصل كل بلاء داخل على القلب، ضرورة أي يقيناً وقطعاً، من نتائج الفضول، وأصل ذلك الدخول في الدنيا بالجهل، ونسيان المعاد بعد العلم، والنجاة من ذلك ترك كل مجهول في الورع، وأخذ كل معلوم في اليقين.
وقال في صفحة مئة وثمانية وستين قال: ووجدت أصول الفضول المتحركة من القلب تظهر السمع والبصر واللسان والغذاء واللباس والمسكن. ففضول السمع يخرج إلى السهو والغفلة، وفضول البصر يخرج إلى الغفلة والحيرة، وفضول اللسان يخرج إلى التزيد والبدعة، وفضول الغذاء يخرج إلى الشره والرغبة، وفضول اللباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء، وفضول المسكن يخرج إلى الإسراف والفخر، واعلم أن حفظ الجوارح فريضة، وترك الفضول فضيلة. ويقول في صفحة مئة وستة وسبعين، وقال صلى الله عليه وسلم: أنذركم فضول الكلام، حسب أحدكم ما يبلغ به حاجته، فإن الرجل يسأل عن فضول كلامه كما يسأل عن فضول ماله. والصحيح أن هذا أثر عن ابن مسعود وليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي صفحة مئة وتسعة وسبعين قال داود الطائي لرجل وقد أمعن النظر إلى بعض من ينظر إليه، فقال: يا هذا، اردد نظرك إليك؛ فإنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضول نظره كما يسأل عن فضول عمله. والموضع الأخير في صفحة مئتين وخمسة وعشرين: وما رأيت أنفى للوسواس من ترك الفضول. انظروا يعني الأماكن الكثيرة التي كرر فيها رحمه الله عز وجل الكلام عن مسألة الفضول. وأصل الفضول أيها الأحبة كتقعيد أصل الفضول جمع فضل، والفضل ما هو؟ هو الزيادة في الشيء. الفضل هو الزيادة في الشيء، فالفضول في الأصل هي الجمع، ولكنها بعد ذلك استعملت استعمال المفرد في دخول الإنسان في كل ما لا يعنيه، استعملت استعمال المفرد، أصبحت عالماً، يعني نستطيع أن نقول كأنها علم على دخول الإنسان وتدخله وتشوفه إلى ما لا يعنيه.
تطلعه إلى ما لا يعود على قلبه بالصلاح والمعافاة، لذلك علماء السلوك أيها الأحبة يجعلون مرتبة ترك الفضول من أهم المراتب التي يجب على السالكين على الله عز وجل أن يلتزموا بها. ابن الأعرابي رحمه الله تعالى، الإمام ابن الأعرابي أحد رواد سنن أبي داود وأحد الأئمة الكبار، يقول: التصوف في ترك الفضول. يعني السلوك إلى الله الصحيح يكون على ترك الفضول في جميع الأمور، لأن الفضول أيها الأحبة في الحقيقة هو داء خطير عضال، الفضول داء خطير عضال يبتلى به الإنسان في هذه الحياة الدنيا، ولا يتركه إلا من جاهد نفسه مجاهدة شديدة حثيثة، ويحتاج كذلك إلى توفيق من الله سبحانه وتعالى.
لماذا كل هذه الأمور عن الفضول؟ قالوا: لأن النفس بطبعها مجبولة على التشوف والتطلع، النفس جبلها الله عز وجل أنها تحب الزيادة وتحب التشوف وتتطلع، إذا لم يحكم الإنسان قيادها فإن هذه النفس تفلت منه وتوقعه في المهالك التي منشأها الفضول، فهذا أمر النفس جبلت عليه، والأمور التي جبلت عليها النفوس في الحقيقة التخلص منها لا يمكن، وإنما كما سيأتي معنا إن شاء الله ينبغي أن نوظفها ونوجهها إلى الخير. عندما تكون النفس مجبولة على شيء هذا يصعب التخلص منه، بل إذا قلنا لا يمكن التخلص منه يكون الكلام صائباً، طيب كيف أفعل بالفضول؟ هذا ما سنتكلم عنه إن شاء الله، ولكن أنا فقط أردت أن أنظر ابتداءً لقضية لماذا الفضول؟ لماذا ترك الفضول؟ قال العلماء لأنها مجبولة عليه، فإذا الإنسان أعطى لنفسه العنان في أن تنطلق في ميادين الفضول فإنه سيهلك.
يقول رباح اللخمي أحد العباد الزهاد، انظروا لهذه مرتبة الفضول ما أصعبها على النفس، قال: ربطت نفسي على ترك المآثم حولاً بعد حول فتربت، يعني كنت أعود نفسي على ترك المعاصي حولاً بعد حول، الحمد لله انتهت، قال: وربطت لساني على ترك ما لا يعنيني فبعد خمس عشرة سنة ضبطته. انظروا لهذه المرتبة، بعد خمس عشرة سنة استطاع أن يضبط لسانه فلا يتكلم فيما لا يعنيه، المآثم تركها، أما ترك الكلام فيما لا يعني وهو فضول الكلام، بعد خمس عشرة سنة من المجاهدة استطاع أن يحصل هذه المرتبة، نحن اليوم لا نجاهد أنفسنا في شهر أو شهرين، نسأل الله السلامة والعافية.
إذاً أصل كل مرض من أمراض القلوب أيها الأحبة، وأصل كل مأثم من مآثم القلوب منشأه الفضول، لأن الفضول كما قلنا ما هو منبع من النفس؟ نابع من نفس الإنسان، وإذا لم يحكمه الإنسان فإن أثره يظهر على جميع تصرفات الإنسان. إذا لم تحكم ولم تقنع ولم تعود نفسك على القناعة في كل الأمور وترك الاشتغال فيما لا يعنيك، فإن أثر الفضول سيظهر على كل الجوارح وعلى كل التصرفات فيوقعك في المهالك.
فالفضول مثلاً في السمع أن تصغي إلى ما لا يرضاه الله عز وجل من الأقوال ومن الغيبة والنميمة والبهت، وكذلك أن تسمع إلى الغناء المحرم، وتسمع إلى المعازف، وتسمع أقوال أهل البدع، وتسمع أقوال أهل الشبهات، نفسك في جميع المال، أي مجلس من المجالس تجلسه وتلقي وترخي هذا السمع، فيأتي إلى هذا السمع من المحرمات ومن الخوض في أعراض الناس، ومن النميمة ومن الطعن في أهل العلم، ومن اللمز ومن الخوض في فلان وفلان، وبالجماعة الفلانية والجماعة الفلانية، الآن السمع أرخيته فدخلت فيه كل هذه الأوبئة، هذا فضول في السمع.
الأصل في الإنسان أن يقصر سمعه على ماذا؟ على كتاب الله عز وجل، وعلى طلب العلوم الشرعية، وعلى كحضور مجالس الذكر، وعلى سماع ما يقربه من الله سبحانه وتعالى، كل سماع بعد ذلك يعتبر من ماذا؟ من الفضول، ولك أن تتخيل الفرق بين قلب إنسان أرخى سمعه لكل هذه الأوبئة وإلى قلب إنسان كان سمعه خالصاً لوجه الله عز وجل لا يسمع إلا ما يعود عليه بالمعافاة.
نذهب إلى فضول البصر، متى يكون هناك فضول في البصر؟ إذا أطلق الإنسان العنان لبصره ينظر إلى محارم الله سبحانه وتعالى، ويترك قوله عز وجل: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما لك الأولى وليست لك الآخرة، يعني النظرة الأولى لو جاء شيء في القلب الله عز وجل يعينك على أن تهجره أو أن يخلص من قلبك، لكن المشكلة في النظرة الثانية إذا أعطيت العنان للنظرة الثانية ولا يقدرك الله عز وجل ويدعوك إلى نفسك، لأن الله عز وجل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أخبرنا: الأولى لك، فحتى لو الإنسان علق فيه شيء الله عز وجل يعينه لأنه التزم ووقف عند الأولى، لكن المشكلة في من ينتقل إلى الثانية.
فعندنا يعني بعض الناس أيها الأحبة عندما نخاطبهم بقضية غض البصر يظن أنه يعني الله عز وجل عاصمه من الفتن، يقول: أنا متزوج، أو أن هذا المشهد ربما لا يغريني، أو أجد في قوة على مدافعة هذه المناظر، فيطلق العنان للبصر، وما درى هذا المسكين أن النظرة سهم مسموم من سهام إبليس قد تقع في مقتل وهو لا يشعر، وكم من إنسان أيها الأحبة خسر دينه، لم يخسر فقط الالتزام، خسر دينه بسبب نظرة ألقاها إلى المردان والعياذ بالله فأوبقه في دينه ودنياه، فالإنسان لا يأمن على نفسه الفتن، لا تقل أتخير والله هذه المرأة أنظر إليها يعني ليست بذاك المنظر، لا، هذه المرأة لا أنظر إليها، الله عز وجل قال: قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ، انتهى الأمر.
فالإنسان يلتزم هذا الأمر، وكل إنسان أسرف في هذا الأمر أعطى الفضول للنظر فإنه سيوقعه في المهالك. يقول أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه، الآن النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم، فضول النظر لا يتعلق فقط كما قلنا بقضية النظر إلى مثلاً النساء أو النظر إلى المردان، كذلك من ينظر في بيوت الناس، هذا فضول في النظر، والنبي صلى الله عليه وسلم يعطينا عقوبة دنيوية قال: لو أن امرأً في بيت قوم بغير إذنهم حل لهم أن يفقؤوا عيناه. لماذا؟ هذا فضول في النظر لا يحل لك أن تنظر في بيوت الناس من غير إذنهم، وهذا حكم ثابت شرعاً، يعني ليس فقط للتهويل، الفقهاء يقولون: لو أن إنساناً فقأ عين إنسان لأنه في بيته فلا دية لهم، لماذا؟ لأن هذا الإنسان فعل شيئاً اشتهر وحكم فيه بعدم الدية وبعدم القصاص، فانتهى الأمر. انظروا إلى العقوبة التي غلظ فيها الشرع على من يعطون الفضول لأبصارهم.
أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه كما ذكر المحاسبي يقول: من غض بصره عن النظر الحرام زوجه الله من الحور العين حيث أحب، يعني انظر هذه الجائزة، والجزاء من جنس العمل، أنت غضضت بصرك في هذه الدنيا، الله عز وجل يعطيك الجائزة يوم القيامة، قال: ومن اطلع فوق بيوت الناس، الذي ينظر داخل بيوت الناس قال: حشره الله يوم القيامة أعمى، وهذا إذا صح عن أبي الدرداء لا يكون إلا بتوقيف.
لا يعني أبو الدرداء كيف عرف بذلك؟ هو لا يتكلم من عنده، لابد أن يكون وقف على شيء من ذلك، إما عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يعرف بأبي الدرداء فيما أعلم أنه يأخذ من الإسرائيليات؛ فإذا صح هذا الأثر عنه فهذا يكون عن النبي صلى الله عليه وسلم.
انظروا كذلك المشهد الذي ذكره الحارث المحاسبي؛ يعني كيف السلف كانوا يدربون أنفسهم على ترك فضول النظر حتى ولو كان مباحاً. داوود الطائي أحد أئمة السلوك ينظر إلى رجل، والرجل يحد نظره في رجل آخر أمامه، فقط ينظر إلى رجل آخر أمامه بحدة، قال له: اغضض بصرك. يعني لماذا تنظر بحدة إلى هذا الرجل؟ قال له وقد حد النظر إلى بعض من ينظر إليه: يا هذا، اردد نظرك إليك. لماذا تنظر هذا الإنسان وتتأمل فيه؟ فإنه بلغني أن الرجل يسأل عن فضول نظره كما يسأل عن فضول عمله. يعني كما أنك يوم القيامة ستحاسب على فضول العمل وستسأل عن كل الأعمال، ستحاسب كذلك على فضول النظر.
طبعاً هذه مرتبة عالية من مراتب السلوك. نحن نريد من أنفسنا الآن أن نوطن أنفسنا لا على غض النظر عن الحرام، فلكن أنا أريد أن أعطي النماذج السامية حتى الإنسان يحاول أن يلتزم بالأمور الواجبة. أحياناً بعض الأمور يعني أنا لا أحب كثيراً أن نعطي نماذج مثالية جداً، لأن النماذج المثالية جداً قد تتعب الإنسان؛ يقول هؤلاء مرتبة عالية نحن لا نصل. لا، دائماً الواحد أن يضع نماذج واقعية يمكن التعامل معها. لكن ذكر بعض الأمثلة على ترويض النفس وإن كانت منزلة رفيعة كذلك فيه نوع فائدة للإنسان حتى يروض نفسه ويعلمها ويسير على منهج السلف.
ننتقل مثلاً إلى فضول اللسان. فضول اللسان هذه هي الداء الكبير في هذا العصر. فضول اللسان أن يطلق الإنسان العنان للسانه ليتكلم بما يعنيه وبما لا يعنيه، يتكلم في كل شيء من أمور الدين والدنيا. لو تأملنا الآن في الناس أيها الأحبة نجد الناس يتكلمون ويخوضون في مسائل عظيمة، وهذا من أكبر المصائب التي بلينا بها في هذا العصر. تجد يتكلمون في السياسة وفي الاقتصاد وفي مسائل الشرع وفي مسائل الدين، خاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي؛ هذه كانت فتنة من الفتن، كثير من طلبة العلم من الدعاة فتنوا بها، تجدهم في كثير من الأحوال على الفيسبوك على تويتر تغريدات أربعة وعشرين ساعة، وهذا يقول كلمة وهذا يثير فتنة وهذا يثير بلبلة، وفلان رد على الشيخ الفلاني، وفلان نصح الشيخ الفلاني، وهذا الكلام الكثير والغثاء الذي لا يعود قلوب الناس بالخير ولا بالصلاح.
ففتنة هذا العصر من أبرز الفتن التي وقعت في هذا العصر فتنة كثرة الكلام وفضول الكلام، أن يشغل الإنسان لسانه بالتنظير وبالكلام الذي لا ينفع الناس والأمم، بل بالعكس كثير من الكلام أدى إلى فتن وأدى إلى قلاقل وأدى إلى نشوب خلاف بسبب بماذا؟ فلان يريد أن يتكلم، فلان يريد أن يبدي وجهة نظره. هل كل الناس لهم الحق في أن يتكلموا في شرع الله؟ هل أنت مجبر أيها العبد أن تبين وجهة نظرك في كل شيء؟ هل هناك شيء يجبرك أن تتكلم على وسائل التواصل الاجتماعي؟ في الحقيقة هو فقط داء النفس، داعي حب الظهور عند الناس، بل حتى عند كثير ممن يرفعون شعار الإصلاح، حب الشعور أن هناك من يصفق، هناك من ينظر، هناك من يثير، وهناك من يشجع.
يجب عليه أن يقف وقفة صادقة مع نفسه، هذا اللسان أين ألقيه؟ وأين أبعثه؟ وأين أرسله؟ هل الكلمات التي تصدر هل أريد بها وجه الله عز وجل؟ لذلك عطاء بن أبي رباح يقول: كانوا يعدون فضول الكلام. انظر كيف كان السلف يفهمون فضول الكلام؛ كانوا يعدون فضول الكلام ما عدا ذكر الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والكلام في حاجتك؛ يعني في أمور معيشتك التي لابد منها. فقط هذا هو الكلام الذي تتكلم به: الذكر، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما تحتاج إليه في معيشتك، بيع شراء وانتهى الأمر. ما سوى ذلك من الكلام يعتبر من الفضول.
لذلك تلاميذ عطاء بن أبي رباح قالوا: كنا إذا جلسنا مع عطاء بن رباح يطيل الصمت، فإذا تكلم كأنه يؤيد؛ يعني كأن الله يؤيده من السماء؛ لأن هذا الرجل حفظ لسانه كما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم الوصية، النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ. وضعك بين خيارين؛ لا تتكلم بالخير أو تصمت، لا يوجد هناك حل ثالث أن تتكلم بفضول الكلام، فهذا مما يجب التنبيه عليه ومما يجب على الإنسان أن يضبطه.
كذلك الحارث المحاسبي تكلم عن الفضول في الغذاء وكيف يؤدي إلى الشره والنهم. ثم إذا زاد الإنسان أكثر من المآكل والمطاعم وأصبح عنده شره ونهم، هذا ربما يقوده إلى الرغبة في المحرمات، يصبح عندك رغبة وتشوف كذلك إلى تذوق المحرمات. لذلك ماذا قال؟ إن فضول الغذاء يقود إلى الشره وإلى الرغبة؛ شره الطعام هذا الشره في الطعام يؤدك أو يعودك على الرغبة فيما يعصي الله عز وجل به العبد من المطاعم والمشارب.
كذلك ذكر رحمه الله تعالى الفضول في الملبس، الفضول في الملبس يعود الإنسان على الفخر والخيلاء. الإنسان الذي يحاول دائماً أن تكون الملابس دقيقة ومن ماركات معينة كما يقولون ومن الأسعار المرتفعة، هذا فضول أيها الأحبة، لا داعي له في دين الله عز وجل. أن تلبس ملابس نظيفة جميلة هذا مقصد شرعي، ولكن من كثرة الفضول في دفع المصروفات في هذا الأمر تعود الإنسان على الفخر والخيلاء وهذا مشاهد.
كذلك الفضول في المساكن، الفضول في المساكن تجد إنساناً يبني طوابق كثيرة لا يسكن فيها إلا هو وزوجته؛ ما الداعي إلى هذا؟ هل المقصد أن يقال فلان ما شاء الله عنده قصر جميل؟ الآن جميل أن الإنسان إذا رزقه الله مالاً أن يبني بيتاً حسناً ولكن لا تتزود، إذا كانت الغرف في هذا البيت لن يسكنها أحد ما الفائدة منها؟ لو تبني بيتاً جميلاً ولكنه معتدل يناسب الحال هذا جيد. والأدهى من هذا أيها الأحبة أننا نجد بعض الناس يأخذ قروضاً من البنوك حتى ولو كانت قروضاً ليست ربوية من أجل أن يوسع على نفسه من ملذات الدنيا؛ يريد أن يشتري سيارة فخمة، يريد أن يشتري بيتاً، يريد أن يشتري ما شاء من ملذات الدنيا.
ثم عندما يموت هذا الشخص من يتابع خلف هذه الديون؟ الورثة، فهل هذا يقبل؟ وإذا كان هذا القرض ربوياً فكثير في الأحوال في أحوال كثيرة أيها الأحبة لا يستطيع الورثة أن يؤدوه، فهذا الرجل لا هو عاش في هذه الدنيا سليماً ولا هو مات سليماً، الورثة يلعنونه من ورائه لأنه ورطهم في هذه الديون. وكذلك الإنسان حتى لو كنت صاحب مال يعني يخشى من دوائر الدهر كما يقولون، يعني احفظ جزءاً من مالك، حافظ على المال، لا تعرف الدنيا كيف تسير بهذه الأمة؟ غداً قد تحتاج إلى المال، هذا المال الذي صرفته في خمسة طوابق أو صرفته في سيارة بتكلفة عالية جداً أو في شيء من متاع الدنيا كان بإمكانك أن توفره لحوادث الدهر. فكل هذه الأمور من الفضول الذي يتكلم عنه المحاسبي يدل على أن الفضول من أشد الأمراض التي يتعرض لها السالك إلى الله، وأنه يوقعه في المهالك في سمعه في بصره في قلبه في أعماله في تصرفاته وفاته في الحياة، وأن من ترك ما لا يعنيه رزقه الله عز وجل نوراً وبصيرة يلقاه به.
إذا عرفنا ذلك نختم بقولنا: الفضول كما ذكرنا هذا أمر نفسي جبلت عليه النفس، فإذا روضته لا يمكن أن تقطعه من جذوره. طب ما الحل مع الفضول؟ الحل هو أن توجه الفضول إلى ما فيه النفع. ما هو النفع؟ كما ذكر العلماء يوجه الإنسان فضوله إلى أمرين: إلى الفضول في طلب العلم، وإلى الفضول في العبادة؛ لأن الإنسان دائماً الأمور المجبولة عليها النفس لا يمكن قطعها، فدائماً يصرفها الإنسان إلى ما فيه الخير، لأنه إذا لا يمكن القطع مهما حاولت أن تقطع ربما توقع نفسك في المهالك بالشد على نفسي فوق الطاقة.
فنقول لك اصرف هذه الطاقة وهذه القوة فيما ينفع، مثل المحبة الآن؛ النفس تحب، النفس تريد، فنقول اصرف المحبة والإرادة إلى الله عز وجل، لا نقول للإنسان لا تحب ولا تريد، لا يمكن ذلك، أنت تخالف طبائع الناس، النفس تريد بطبعها تحب بطبعها، فنقول اصرف ووجه هذه الطاقة إلى الله عز وجل. الغضب؛ النفس تغضب بطبعها جبلت على الغضب، هل نقول له لا تغضب؟ لا، ولكن نقول له اصرفها هذه الطاقة إلى الغضب لله عز وجل. وكذلك كما قال ابن عباس: من هما لا يشبعان: طالب علم وطالب مال؛ طالب العلم نهمه وفضوله مرغوب، وطالب المال نهمه مرفوض. هذا نهاية المجلس وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل