بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
ما بدأنا فيه في المجلس الماضي في شرح رسالة الحارث ابن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، رسالة المسترشدين، وبدأنا بالمرة الماضية بشرح مطلع هذه الرسالة ومقدمتها، وقلنا إن المصنف رحمه الله تعالى بدأ رسالته بالبسملة، ثم بالحمدلة. فقلنا الحمد لله مدلولها هو الثناء بالجميل على المحمود، وذكر محاسنه مع محبته وتعظيمه عز وجل. ثم ذكرنا الكلمة الثانية التي ثنى بها رحمه الله، فقال الحمد لله الأول. وأنا في هذه المقدمة سأحرص أن أقف عند بعض الكلمات قبل أن تشرع الرسالة، سنأخذ على مستوى فقرات كما يقولون، أما في المقدمة هناك بعض الكلمات لا بد من الوقوف عليها؛ لأن منها ما فيه نظر ومنها لا بد للإنسان أن يعرف مدلوله. فنقول قال رحمه الله تعالى الحمد لله الأول القديم.
بعد أن ذكر اسم الله الأول ذكر القديم، هل القديم اسم من أسماء الله الحسنى؟ لا، القديم ليس اسماً من أسماء الله الحسنى، ولكن هذا اللفظ يستعمله علماء الكلام لتقريب معنى اسم الله الأول، فالقديم عندهم بمعنى الأول، وقال الحمد لله الأول القديم، هو مصطلح كلامي نشأ في عصور المتكلمين للتعبير ولتقريب معنى اسم الله الأول. ولكن عندما نأتي لمدلول كلمة قديم في لغة العرب وفي نصوص الكتاب والسنة، نجد أن القديم معناها لا يتلاءم مع معنى الأول؛ لأن الأول كما قلنا ما معنى الأول؟ قلنا في الدرس الماضي إن اسم الله الأول الذي ليس قبله شيء، فهل القديم تساوي أو ترادف معنى اسم الأول الذي ليس قبله شيء؟ القديم في لغة العرب أيها الأحبة كل متقدم على غيره، كل متقدم على غيره يسمى قديماً، وإن كان مسبوقاً بالعدم.
فمثلاً إنسان عنده مركبة، هذه المركبة أصبحت قديمة، اشترى مركبة جديدة، تصبح المركبة الأولى قديمة بالنسبة إلى المركبة الجديدة، وبعد عدة سنوات هذه المركبة الثانية أصبحت تحتاج إلى تجديد، فاشترى مركبة ثالثة، المركبة الثانية هي قديمة بالنسبة إلى المركبة الثالثة. إذاً فالقديم هو كل ما كان متقدماً على غيره، حتى ولو كان مسبوقاً بعدم أو كان مسبوقاً بشيء آخر هو يسمى قديماً، فالقدم هو باعتبار ما بعده وليس باعتبار ما قبله. أما الأول فمعناها كما فسره النبي صلى الله عليه وسلم الذي ليس قبله شيء، وكما جاء في البخاري من حديث عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه كان الله ولم يكن شيء قبله. لذلك نستعمل اسم الله الأول ولا يعبر بالقديم، وإن كان استعمله مجموعة من العلماء الأفاضل الأجلاء، ولكن كما قلنا هذا مصطلح كلامي لم يرد في كتاب الله ولا في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وليس اسماً من أسماء الله الحسنى واسم الله الأول يغني عنه، فلا حاجة إلى ذكره.
بعد ذلك قال رحمه الله تعالى الحمد لله الأول القديم الواحد الجليل. الواحد نعم اسم من أسماء الله الحسنى، والله سبحانه وتعالى عندما يسمى واحداً فمدلول وحدانيته أنه متفرد لا يشاركه شيء ولا يحتاج إلى أحد سبحانه وتعالى. واسم الله الواحد أيها الأحبة ورد في كتاب الله مفرداً وورد مركباً مع غيره من الأسماء، فاستعماله مفرداً كما في قوله تعالى: إِنَّمَا إِلَهُكُمْ وَاحِدٌ. نعم، إنما إلهكم إله واحد، رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق. أما استعماله مركباً في كتاب الله فقد ورد في ستة مواضع، واللفتة أنه في كل هذه المواضع استعمل اسم الله الواحد مقترناً مع اسمه القهار، فقال سبحانه وتعالى في سورة يوسف: أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. وقال سبحانه: اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ.
وقال سبحانه: وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. وقال بسورة ص: وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. وقالت: لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ. وقال في سورة غافر: لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ. هذه المواضع الستة هي التي ورد فيها اسم الله الواحد مقترناً مع غيره في كتاب الله، ونلاحظ في جميع هذه المواضع جاء اسم الله الواحد مقترناً بماذا؟ بالقهار. لأن مدلول أسماء الله الحسنى كما سيأتي معنا على نوعين، هي تدل بالكمال إذا جاءت مفردة، وإذا اقترنت مع غيرها من الأسماء فإنها تزداد كمالاً على كمال. فاسم الله الواحد إذا أخذناه وحده على ماذا يدل كما قلنا؟ يدل على المنفرد الذي ليس له ثانٍ.
فالله سبحانه وتعالى واحد في خلقه، واحد في تدبيره، واحد في رزقه، وفي تصرفه بهذا الكون، لهذا استحق سبحانه وتعالى أن يكون واحداً يقصده العباد، لأنه واحد في تصرفه وتدبيره وملكه وإحاطته، فينبغي أن يكون واحداً في القصد فنقصده سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. وعندما يتركب اسم الله الواحد مع القهار هنا نستفيد كمالاً فوق ذاك الكمال، ما هو؟ الوحدة بشكل عام أيها الأحبة ربما تؤدي في البشر إلى الضعف، الإنسان إذا كان وحيداً قد يؤدي ذلك إلى ضعفه وإلى افتقاره وإلى حاجته إلى غيره، أما الله سبحانه وتعالى فينبهنا أنه وإن كان واحداً ولكنه ليس ضعيفاً، بل هو قهار على أمره سبحانه وتعالى لا يغلبه شيء، فهو واحد متفرد وفي نفس الوقت هو قهار غالب لا يغلبه شيء، فاجتمعت الوحدانية مع الغلبة والقهر فازداد هذا الاسم كمالاً على كمال.
فمثلاً عندما يأتي اسم الله العزيز مقترناً بالغفور، هنا فيه كمال فوق الكمال؛ لأن العزة وحدها قد تكون في بعض البشر لكنها تؤدي إلى تسلط، أو المغفرة وحدها الإنسان قد يغفر ويعفو عن الناس لكنه من منطلق الضعف لأنه لا يستطيع أن يأخذ حقه، أما الله سبحانه وتعالى عزيز غفور، فإنه يغفر من منطلق قوة وليس من منطلق الضعف والهوان سبحانه وتعالى. إذاً هذا مدلول اسم الله الواحد. ثم قال بعد ذلك الواحد الجليل.
اسم الجليل، هل الجليل من أسماء الله الحسنى؟ الآن ذهب بعض أهل العلم إلى أن الجليل من أسماء الله الحسنى بناءً على ما ورد في حديث البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، الآن في غير البخاري ومسلم في بعض الروايات عند الترمذي وابن حبان رحمهم الله تعالى ذكرت هذه الأسماء التسعة والتسعون ونسبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن المحققون من علماء الحديث يقولون إن ذكر الأسماء الحسنى في هذا الحديث ونسبتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بصحيح، بل هو من إدراج بعض الرواة في الحديث، يعني بعض رواة هذا الحديث هو الذي اجتهد، استنبط هذه الأسماء باستقراء الكتاب والسنة وأدخلها في الحديث. بغض النظر عن المقصد من إدخالها هل هو وهم أو ما شابه ذلك؟ الله أعلم، ولكن نسبة الأسماء التسعة والتسعين الواردة في الترمذي وابن حبان إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليست بصحيحة وليست بثابتة كما نص عليه أهل العلم.
الآن في سياق الترمذي وابن حبان الذي ذُكر فيه الأسماء ذكر من هذه الأسماء اسم الجليل، وبناءً على هذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن من أسماء الله الحسنى الجليل. ولكن إذا استقرأنا الكتاب والسنة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم نجد أن اسم الجليل لم يرد، لم يرد في أسماء الله الحسنى، وإنما الذي ثبت ما هو؟ ذو الجلال والإكرام: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ. فهذا الذي استُعمل في الكتاب والسنة الصحيحة، والذي عليه جماهير أهل العلم أن أسماء الله الحسنى توقيفية. ما معنى توقيفية؟ أي لا مجال للاجتهاد فيها، لا يمكن للإنسان أن يأتي إلى فعل لله سبحانه وتعالى فيشتق منه اسماً، مثال ذلك ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ربنا سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر، ينزل، الآن هل يجوز أن نشتق من هذا الفعل اسماً من أسماء الله الحسنى فنقول النازل؟ هذا لا يجوز، لماذا؟ لأنه لم يثبت، أسماء الله الحسنى نتوقف فيها حيثما توقف النص، فأي اسم ورد في كتاب الله أو في السنة الصحيحة نثبته، وما لم يرد كاسم من أسماء الله الحسنى لا نثبته، وإن كنا نثبته كوصف من أوصافه أنه سبحانه وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في ثلث الليل الآخر.
وكذلك الحال في هذا المقام، فقوله سبحانه: تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، هل يجوز أن نشتق من لفظ ذي الجلال والإكرام اسماً من أسماء الله الحسنى فنقول الجليل تقوى من ذي الجلال؟ لا، لماذا؟ للقاعدة التي قررناها أن أسماء الله الحسنى توقيفية لا مجال للاجتهاد فيها، وإنما يوقف فيها حيثما وقف النص، لذلك اسم الله ما هو؟ ذو الجلال والإكرام، نعم هذا اسم من أسماء الله الحسنى ولا ضيق أن تكون أسماء الله الحسنى مركبة، بعض الناس ربما يظن أن اسم الله ينبغي أن يكون مفرداً، لا، يمكن أن تكون أسماء الله مركبة، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، فهذا الذي نثبته لأنه الذي أثبته النص. لذلك ما درج عند مثلاً بعض الناس أن يسمي ابنه عبد الجليل أو ما شابه ذلك، يعني هذا ربما يُتسامح فيه، لكن الأصل أن الجليل ليس اسماً من أسماء الله الحسنى، قررنا أنه ذو الجلال والإكرام.
ثم قال رحمه الله تعالى: الذي ليس له شبيه ولا نظير. الحمد لله الأول القديم الواحد الجليل الذي ليس له شبيه ولا نظير، استخدم المصنف رحمه الله تعالى نفي الشبه عن الله سبحانه وتعالى، والأوفق والأولى في هذا المكان أن يقول ليس له مثيل وليس شبيه، لماذا؟ لأمرين، الأمر الأول أن لفظ المثل هو الذي نفاه الله سبحانه وتعالى عن نفسه في كتابه، فقال عز وجل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، ولم يقل ليس كشبه شيء، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ. الأمر الثاني أن نفي الشبه عن الله سبحانه وتعالى أو القول ليس يشبهه شيء أو ليس له شبيه، هذا أصبح شعاراً للفرق التي تنفي الصفات الثابتة عن الله سبحانه وتعالى. هناك بعض الفرق تنفي صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة ولا تثبتها له كالرحمة والغضب والضحك والنزول وما شابه ذلك من الصفات الثابتة في السنن الصحيحة، فهذه الفرق استخدمت لقب نفي الشبيه عن الله سبحانه وتعالى لتعبر عن ماذا؟ عن نفي الصفات.
لماذا استخدموا هذا اللفظ؟ يعني يقولون الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يشبه خلقه، فيظنون أن إثبات صفات الحياة والقدرة وما شابه ذلك من صفات الله سبحانه وتعالى يقتضي مشابهته للمخلوقين، وهذا من الفهم السقيم لهذه القضية، بل إثبات الحياة لله، الله عز وجل فيه حياة، نعم، وكذلك المخلوق فيه حياة، لكن هل حياة الله سبحانه تشابه حياة المخلوقين؟ حاشاه، بل حياته على صفة الكمال والجلال، وكذلك كل الصفات، القدرة، الله سبحانه وتعالى قدير، وكذلك العبد يوصف بالقدرة، عنده قدرة، لكن هل قدرة الله سبحانه كقدرة العبد؟ حاشاه سبحانه وتعالى، فإثبات أصل الصفات المشتركة بين الخالق والمخلوق هذا لا يعني التشبيه بين الله سبحانه وتعالى وبين المخلوق فيما يختص به الله وفيما يختص به المخلوق، نعم أصل الحياة كمعنى موجود في الخالق وموجود في المخلوق، ولكن الصفة الحقيقية أو كيفية اتصاف الله سبحانه وتعالى بهذه الصفة لا تشابه بين الخالق والمخلوق.
فالفرق التي تريد أن تنفي الصفات تقول خلاص حتى نسد هذا الباب لا يتوهم العقل أن هناك تشابهاً عاماً بين الخالق والمخلوق ننفي كل الصفات، وهذا ليس بصحيح كما قررناه، لأن إثبات الصفات لا يقتضي التشبيه، لأن الصفات تثبت لله سبحانه وتعالى كما يليق بجلاله وعلى كيفية لا نعلمها. لذلك الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى جاءه رجل فقال له يا إمام الله سبحانه وتعالى على عرشه، يعني يسأله عن صفة الاستواء على العرش، هي ثابتة في كتاب الله: الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ، فقال له الإمام مالك جملة بقيت وخلدها التاريخ لتدل على فقه السلف بأسماء الله الحسنى ولصفاته العلى، قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، يعني أي معنى الاستواء نعلمه، والكيف مجهول، يعني كيف استوى الله؟ الله سبحانه وتعالى أعلم، لا نعلمه لأننا لا نعلم ذاته سبحانه وتعالى، قال: والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
يعني يجب عليك أن تؤمن بأن الله قد استوى على عرشه، ولكن يحرم عليك أن تفكر وتتدبر كيف استوى على عرشه وما الطريقة التي استوى بها على عرشه، لا، هنا قف؛ لأن تصور استوائه على عرشه يستلزم تصور ذاته سبحانه وتعالى، والمخلوق عاجز ضعيف عن تصور هذه الأمور، لذلك اللفظة الأولى أن يُستخدم في هذا المكان قوله ليس له مثيل، ولا يُستخدم ليس له شبيه حتى لا ننفي الصفات عن الله سبحانه وتعالى. قال ليس له شبيه ولا نظير، والنظير بمعنى المثيل والشبيه. ثم قال: أحمده حمداً يوافي نعمه ويبلغ مدى نعمائه. وهنا أيضاً وقفة سريعة مع هذه الجملة في الحمد، يقول الحارث المحاسبي رحمه الله: أحمده حمداً يوافي نعمه، ما معنى هذا الكلام؟ إنه يحمد الله حمداً هذا الحمد يساوي نعم الله عليه، ويستطيع أن يبلغ مدى كل نعمة يجددها الله سبحانه وتعالى عليك فهو يحمد الله حمداً يستطيع أن يبلغها، هل هذا المعنى صحيح؟ هل يستطيع العبد أن يحمد الله ويثني عليه حمداً يساوي نعم الله عليه؟ لا، هنا يجب أن نقف فنقول.
إن هذه الصيغة التي استخدمها رحمه الله تعالى في هذا الكتاب وردت في أثر ذكره الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأذكار عن أبي التمار عن محمد بن النضر رحمه الله تعالى قال، الآن شوف محمد بن النضر من أتباع التابعين، يعني ليس صحابياً، يروي هذا الأثر، إيش يقول؟ قال:
قال آدم عليه الصلاة والسلام: يا ربي شغلتني بكسب يدي، فعلمني شيئاً فيه مجامع الحمد والتسبيح، فأوحى الله تبارك وتعالى إليه: يا آدم إذا أصبحت فقل ثلاثاً وإذا أمسيت فقل ثلاثاً: الحمد لله رب العالمين حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، فذلك جامع الحمد والتسبيح. حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده؛ لفظة مشابهة للفظة التي استخدمها الحارث المحاسبي رحمه الله في كتابه، لكن هذا الأثر أيها الأحبة ضعيف منقطع؛ لأن مثل هذا الأمر يعني كيف أدرك محمد بن النضر هذه القصة؟ من علمه إياها؟ هذه القصة من أمور الغيب. أما أن يكون أخذها بسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر عمن أخذها وهذا ضعف من الناحية الإسنادية، وإما أن يكون أخذها من كتب أخرى من كتب الإسرائيليات التي تذكر قصص التاريخ.
وهذا هو الأقرب لما ذكر أبو نعيم في حلية الأولياء في ترجمة محمد بن النضر رحمه الله تعالى أنه كان يأخذ من الكتب الإسرائيليات، يعني الكتب التي تروي قصصاً من قصص بني إسرائيل، والنبي صلى الله عليه وسلم علمنا المنهج في التعامل مع هذه القصص التي تروى عن بني إسرائيل أن لا نصدقها ولا نكذبها، بل نتوقف فيها إلا إذا ماذا؟ إلا إذا عارضت ما ثبت في الكتاب والسنة الصحيحة؛ فهنا نرد هذه القصة التي وردت عن بني إسرائيل.
وعندما نتأمل هذه الصيغة هل يستطيع أيها الأحبة من حيث المعنى لنفكر من حيث المعنى، وهذا الذي ينبغي على طالب العلم أن يسلكه في قراءة الكتب، يعني أنت هذه المقدمة وردت أمامك، يعني لا قبولاً سريعاً حاول أن تفكر هل الكلمة التي تكلم بها الحارث المحاسبي صحيحة أم تحتاج إلى تدبر وتأمل؟ عندما قال: أنا أحمد الله حمداً تساوي نعمه، هل يستطيع العبد من حيث المعنى أن يحمد الله حمداً يساوي نعمه؟ بل لو جلس العبد طوال عمره وهو يحمد الله سبحانه وتعالى لن يبلغ حمده مقدار نعمة من نعم الله سبحانه عليه، فضلاً أن يساوي جميع نعم الله عليه. يعني عرفنا أين الإشكال؟ هو يقول: حمدي يساوي نعم الله سبحانه وتعالى أو يبلغ نعمه عليه، ويكافئ مزيده، أي كل نعمة تتجدد من الله فإنه يجدد حمداً.
هذا المعنى أيها الأحبة فيه نظر، لذلك ابن القيم رحمه الله تعالى في عدة الصابرين بين فساد هذا المعنى وقال: هذا يتعارض مع ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في السنة الصحيحة، النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول؟ كان يقول في قيام الليل: لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، والحمد كما قصرناه هو الثناء، فعندما يقول النبي صلى الله عليه وسلم لا أحصي ثناءً عليك، إنه يقول لا أحصي حمداً عليك، فإذاً الثابت بالسنة الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لا أحصي الثناء والحمد عليّ يا رب، فالقول بأني أحمد الله حمداً يوافي يعني يساوي، هذا المعنى يحتاج إلى مضغ، لذلك أبطله الأئمة الكبار كابن القيم ومجموعة من المصنفين علقوا على هذه المقالة، فتحتاج كما قلنا إلى عمر، فالعبد لو جلس كما قلنا ساعات العمر وهو يحمد الله لن يحمد نعمة أو لن يبلغ ثناؤه إلى مقدار نعمة من نعمه سبحانه وتعالى المتجددة المتكررة على عباده.
بعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى من الحمد انتقل إلى شهادة أن لا إله إلا الله فقال: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة عالم بربوبيته، عارف بوحدانيته. أيها الأحبة لو سألنا الإنسان، لو سأل كل واحد منا نفسه: ما معنى لا إله إلا الله؟ أي لا معبود بحق إلا الله، يعني يقبح بالمرء يعني كلنا نسأل أناساً كباراً لا يعرفون مدلول لا إله إلا الله. يعني أنت هذه الشهادة بها قوام الدين، وعليها أن نقاتل، وبها أسلمنا، وبها نلقى الله سبحانه وتعالى، هل يتصور بالانسان المسلم المؤمن أن لا يعرف مدلول هذه الكلمة العظيمة؟ هذا حقيقة من المعايب وهذا فيه خلل في الإيمان؛ لأنه من لا يعرف مدلول لا إله إلا الله أن معناها لا معبود بحق إلا الله كيف يعبد الله سبحانه وتعالى؟ وعلى ما يعبده؟ وفيما يقصده؟ إذاً معرفة معنى لا إله إلا الله من أساسيات الدين الذي لا يعذر الإنسان بجهلها إذا أمكنه التعرف على معناها.
لذلك قال المحاسبي: وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم بين طبيعة هذه الشهادة التي يشهدها، يعني هل هو يشهد هذه الشهادة كما يشهدها عوام المسلمين التقليدي على ما وجدوا عليه الآباء؟ أغلب الناس يقول: أشهد أن لا إله إلا الله لأن أباه أنشأه عليها، لكن الحارث المحاسبي رحمه الله يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله شهادة عالم بربوبيته، عارف بوحدانيته. فهو قد توصل إلى أنه لا معبود بحق إلا الله باليقين من خلال ماذا؟ من خلال النظر في مخلوقات الله سبحانه وتعالى وإدراكه لربوبية الله، ما معنى ربوبية الله؟ ربوبية الله هذا أيها الأحبة مصدر صناعي مأخوذ من الرب، والرب هذه من المعاني المهمة التي ينبغي على كل مسلم أن يعرف معناها، الرب هو المالك المدبر المربي، هذه معان أساسية لمعنى كلمة الرب، عندما نقول: الحمد لله رب العالمين، ما معنى رب العالمين؟ الرب هو المالك المدبر المربي، لذلك لا يجوز إطلاق كلمة رب هكذا على إطلاقها إلا على الله سبحانه وتعالى، أما مخلوق هل نقول له إنه رب؟ نقول له رب، بالإضافة، نقول مثلاً فلان رب البيت، لا بد أن تضيف الشيء الذي هو يملكه؛ لأنه لا يوجد مخلوق رب لكل شيء هكذا على الإطلاق، أما الله سبحانه وتعالى هو الوحيد الذي يطلق عليه كلمة رب هكذا بالإطلاق؛ لأنه المالك لهذا الكون على إطلاقه سبحانه وتعالى.
إذاً فيقول المحاسبي: أنا أشهد أن لا إله إلا الله شهادة عارف بربوبيته، عالم بوحدانيته، إذاً فالشهادة التي توصل إليها الحارث المحاسبي شهادة يقين، شهادة إنسان علم بحق أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يجب أن تغليه القلوب وتتوجه إليه بالمحبة والإنابة وجميع التصرفات القلبية والقولية. طيب كيف توصل إلى هذا اليقين؟ كما قلنا بالتأمل في مخلوقات الله سبحانه وتعالى وفي ربوبيته لخلقه، كذلك التأمل في وحدانية الله سبحانه وتعالى في هذا الكون وفي تصرفه وحده لا شريك له.
ثم بعد ذلك أتبعها بالشهادة التي لا يكمل إيمان المرء إلا بها فقال: وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، والعبودية هي من أشرف الأوصاف التي وصف بها نبينا صلى الله عليه وسلم، لذلك وصفه الله بها في مقام الإسراء والمعراج فقال: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قال عبده ورسوله، أي اختاره لوحيه وختم به أنبيائه، محمداً رسول الله وخاتم النبيين، وجعله حجة على جميع خلقه. ما معنى وجعله حجة على جميع خلقه؟ الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة لا يعذب عبيده وإن ضلوا وأشركوا وكفروا حتى يقيم عليهم الحجة، والحجج إنما تقام بالأنبياء والرسل، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ، فالمقصد من بعثة الرسل ما هو؟ إقامة الحجج على العبيد، الإنسان الله سبحانه وتعالى وضع في فطرته أن الرب واحد وأن الإله واحد، ولكن الله سبحانه وتعالى من رحمته لا يعذب الإنسان على ما في فطرته ووجدانه، ولكن الله أولاً يبعث إليك رسولاً ويبعث إليك وحياً من خلال رسله كالقرآن الكريم.
هذا الوحي إذا بلغ العبد ثم أعرض عنه العبد بعد ذلك وتركه فهو اختار لنفسه، هو الذي اختار لنفسه الهلاك وهنا يستحق العذاب من الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا، فسنة الله سبحانه وتعالى في الأمم والأقوام المشركة أنه يبعث إليها رسلاً، هؤلاء الأنبياء والرسل يقيمون الحجة على الخلق حتى الإنسان في كفره على بينة، كما قال سبحانه وتعالى: لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ، فكل من سيهلك عند الله سبحانه وتعالى يوم القيامة إنما يهلك بعد وضوح البينة والحجة عليه. أما من لم تصل إليه الأنبياء ولم تصلهم الدعوات فهؤلاء يسمون عند أهل العلم أهل الفترات، بعد الفترات لهم حكمهم عند الله، وأغلب أهل العلم أو أكثرهم على أنهم يمتحنون عند الله يوم القيامة امتحاناً خاصاً بهم، أما الذين يعذبون فهو كل إنسان بلغته دعوة التوحيد وقامت عليه حجة الله على خلقه ثم بعد ذلك اختار لنفسه طريق الشقاء والضلال والعياذ بالله.
الآن انتهى رحمه الله تعالى من هذه المقدمة وشرع في مطلع رسالته فقال رحمه الله تعالى: اعلم أن الله عز وجل اجتبى من عباده المؤمنين ذوي الألباب العالمين به وبأمره، فوصفهم بالوفاء والأخلاق الفاضلة والخوف والخشية، فقال عز وعلا: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ * وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ... يخشون ربهم ويخافون سوء الحساب. شرع المصنف رحمه الله تعالى في مطلع رسالته في بيان صفات عباد الله المخلصين الذين سلكوا درب الرشاد الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى واختارهم لطريق السعادة والولاية، فبين طبعاً هؤلاء العباد كما ذكر هم عارفون بالله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه وأوامره ونواهيه. هؤلاء الصفات، هؤلاء العباد أهل الرشاد المخلصين الذين اجتباهم الله سبحانه وتعالى لولايته ولطريق السعادة، ما هي صفاتهم؟ لماذا نذكرها؟ حتى نتأسى بهم ونحاول أن نلحق بركبهم. فبين رحمه الله تعالى أنهم يتصفون بثلاث صفات أساسية، هذه الصفات ينبغي أن يتحلى بها كل من أراد أن يسلك سبيل الراشدين، الصفة الأولى هي الوفاء بالعهد مع الله سبحانه وتعالى، والصفة الثانية هي التحلي بالأخلاق الفاضلة النبيلة، والصفة الثالثة هي الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف من سوء الحساب.
وقبل أن نتكلم عن هذه الصفات ينبغي أن نقول فالمحاسبي رحمه الله تعالى هل اختار هذه الصفات بتحكمه وبرأيه؟ يعني هل هذه الصفات توصل إليها بذوقه أو بتجربته الشخصية أو كما يقولون أو من بنات أفكاره، أم حدد لنا المكان والمصدر الذي استنبط منه هذه الصفات؟ حدد لنا المصدر اللي استنبط منه هذه الصفات وهو كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا ينبه أيها الأحبة على منهج المحاسبي رحمه الله تعالى أنه منهج في التزكية والسلوك على طريقة السلف؛ لأن المنطلق الذي كان ينطلق منه هو كتاب الله سبحانه وتعالى وليس الوجد والذوق وغير ذلك من الخرافات التي يأتي بها أرباب الغلو في التصوف وما شابه ذلك، إذاً المنطلق ما هو؟ هو كتاب الله سبحانه وتعالى الذي أنزله دستوراً للسالكين ومنهجاً لكل من يريد أن يعرف الطريق لرب العالمين.
فمن أين أخذ المحاسبي رحمه الله تعالى هذه الصفات الثلاث؟ هذه الصفات الثلاث أخذها المحاسبي من قوله تعالى في سورة الرعد: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ. هذه هي الصفة الأولى لأولي الألباب وللسالكين سبيل الرشاد، أولاً قال سبحانه وتعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وهي الصفة الأولى التي تكلم عنها الوفاء بالعهد مع الله، أيها الأحبة بمجرد نطقك بلا إله إلا الله محمد رسول الله أنت بذلك تنشئ عهداً وعقداً بينك وبين الله سبحانه وتعالى بالانقياد المطلق لأوامره ونواهيه، فهذه الشهادة كلمة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى لها مقتضيات، لها التزامات ينبغي أن توفي بحقها وإلا كنت خائناً لهذا العهد مع الله سبحانه وتعالى وكنت مكذباً بمدلول هذه الشهادة. فالمؤمن أيها الأحبة بمجرد أن رضي بالله سبحانه وتعالى رباً، وبمجرد أن رضي بمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، ورضي لنفسه أن يكون عبد طوع واختيار لله سبحانه عليه أن يبادر إلى كل ما يحبه الله ويرضاه، ويبتعد عن كل ما مقته سبحانه ويأباه.
قال سبحانه في مطلع سورة المائدة: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، وأي عقد أعظم من عقد التوحيد والإيمان بينك وبين الله سبحانه وتعالى؟ وأي خيانة وأي غدر أعظم من خيانة هذا العقد الذي أنشأته مع ربك سبحانه وتعالى؟ لذلك عندما وصف الله الفاسقين بماذا وصفهم؟ قال سبحانه: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ، إذاً عليك أن تراعي هذا العهد، لا تظن أنك قلت لا إله إلا الله محمد رسول الله ومشت هذه الحياة، لا، هناك عهود وهناك عقود ستسأل عنها عند الله سبحانه وتعالى، هل أنت ممن قام بهذا العهد ووفاه وأدى حقه؟ أم أنت من المقصرين المفرطين؟ قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ، أي خيانة أعظم من أن يقول الإنسان لا إله إلا الله وعندما تنظر في تصرفاته في هذه الحياة تجدها مخالفة في سلوكه في أقواله في أعمال قلبه كلها مخالفة لمعنى لا معبود بحق إلا الله، فتجد من يعبد الدينار ومن يعبد الدرهم ومن يعبد الشهوة ومن يعبد الدنيا بأسرها، تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش، لذلك أيها الأحبة ينبغي على العبد المؤمن أن يراعي هذا العهد، ويراعي أن هناك عقداً وهناك وفاء وهناك حساب.
على هذه العهود. إذاً هذه أول صفة من صفات أهل الرشاد السالكين. ما هي؟ الوفاء بالعهد مع الله سبحانه وتعالى. الصفة الثانية هي التحلي بالأخلاق الفاضلة النبيلة، أخذها المحاسبي رحمه الله تعالى من قوله في سورة الرعد، ماذا قال سبحانه؟ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ. ثم إيش؟ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ.
الآن عندما نقرأ كلام أكثر المفسرين عندما يفسرون قوله تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ، يقولون هي صلة الرحم. ولكن في الحقيقة صلة الرحم هي نموذج ونوع من أنواع الأخلاق الفاضلة النبيلة التي أمر الله بوصلها، وهي نوع من أنواع ما أمر الله به أن يوصل بالمعنى العام. وإلا فالنص الحقيقة الذي معنا: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ، مدلوله أعم من أن يحصر فقط في صلة الرحم كما ذكر ذلك أبو حيان الأندلسي رحمه الله تعالى في البحر المحيط.
الآية أيها الأحبة والنص أتى الله عز وجل فيه بصيغة العموم، قال: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ. وهذه ما تدل على العموم عند الأصوليين، وتدل على الإبهام، فكل ما أمر الله به أن يوصل وأمرك أن توصله إلى العباد من الأخلاق الفاضلة النبيلة فهو داخل في عموم هذه الآية. ومن هنا أخذ المحاسبي رحمه الله دلالتها على الأخلاق الفاضلة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ، أي كل ما أمر الله به أن توصله إلى العباد في الأخلاق أو من الأخلاق الفاضلة النبيلة ومن محاسن العادات فيجب عليك أن تتصف به إذا أردت أن تكون من الراشدين.
لذلك ربنا سبحانه وتعالى عندما وصف حبيبنا صلى الله عليه وسلم ماذا قال؟ قال: وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ. والنبي صلى الله عليه وسلم دائماً ما كان يربط بين كمال الإيمان وكمال الأخلاق، فقال صلى الله عليه وسلم: أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وقال: ما من شيء في الميزان أثقل من حسن الخلق، وقال صلى الله عليه وسلم: اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن، وقال صلى الله عليه وسلم: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق.
ومن تتبع نصوص الكتاب والسنة يقطع بما لا شك فيه أن التحلي بالأخلاق الفاضلة النبيلة من أهم الصفات التي تحلى بها السالكون إلى الله سبحانه وتعالى. بل هل بلغت دعوة محمد صلى الله عليه وسلم للعباد؟ وهل ملكت قلوبهم إلا بعد أن هذبهم الله سبحانه وتعالى ونقاهم من مساوئ الأخلاق؟ لذلك قريش هل استطاعت أن تجد على النبي صلى الله عليه وسلم مغلبة من الأخلاق؟ لو وجدت طلبة واحدة لطالت بها فرحاً، لكن الله سبحانه وتعالى هذبه ونقاه وأعده لحمل هذه الرسالة العظيمة وهذه الدعوة التي لا يحملها إلا أصحاب الأخلاق الفاضلة النبيلة.
لذلك عندما نقرأ السيرة، كل من لقي النبي صلى الله عليه وسلم وكل من عاشره أحبه وأحب دعوته لحسن خلقه وحسن عشرته صلى الله عليه وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم يمثل أنموذجاً كاملاً حقيقة، لذلك تجده خلوقاً مع أسرته ومع بيته، قال صلى الله عليه وسلم: خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي. كذلك تجده خلوقاً مع قومه ومع مجتمعه الذي يقطن فيه، كذلك تجده خلوقاً في سلمه وحربه.
بل صلى الله عليه وسلم تتجلى أخلاقه الرفيعة في أحلك اللحظات وفي أصعب المواقف، فعندما أدموه قومه في غزوة أحد كان يمسح الدم عن وجهه صلى الله عليه وسلم ويقول: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون. انظر سلامة الصدر التي يمتلكها صلى الله عليه وسلم، وبهذا استحق أن يكون أعظم البشرية واستحق أن يكون إماماً للسالكين وإماماً للمسترشدين.
الصفة الثالثة أيها الأحبة التي تكلم عنها المحاسبي هي الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف منه، وهذه الصفة أخذها المحاسبي من قوله بعد ذلك: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. يعني: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، هذه الصفة الأولى. الصفة الثانية: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ، هذه التحلي بالأخلاق الفاضلة. الصفة الثالثة قال: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ.
هذه الصفة الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف من سوء عقابه، وهي في الأصل أيها الأحبة عمل من أعمال القلوب، ولكن آثارها تظهر في جوارح الإنسان وفي تصرفاته وفي سلوكه في هذه الحياة الدنيا. وإنما كانت الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف من عقابه من أهم صفات السالكين ومن أهم صفات المسترشدين، لأن الخشية أيها الأحبة لا تنبت إلا من قلب عرف مولاه.
لذلك ربنا سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. ما قال المؤمنين، علق الخشية بمن؟ بالعلماء، قال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. فمن كان عالماً بالله سبحانه وتعالى، عارفاً به، بقهره وجبروته وعزه وملكوته، من كان عارفاً بسعة علمه وقدرته وكبريائه سبحانه وتعالى، من تعرف على الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى هو الذي ينصدع قلبه وجلاً من ربه سبحانه وتعالى.
بل إنه سبحانه وتعالى أيها الأحبة كشف لنا عن عظمة بعض مخلوقاته لينبهنا على عظمة ذاته. عقولنا لا تستطيع، عقولنا عاجزة ضعيفة، لا تستطيع أن تدرك عظمة ذات الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يعلم ضعف هذه العقول فنبهنا على عظم ذاته من عظم مخلوقه. فعندما وصف كرسيه ماذا قال؟ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وكرسيه كما قلنا هو موضع قدميه سبحانه وتعالى، فإذا كان كرسيه وسع السماوات والأرض، فما بالكم بذاته؟
والنبي صلى الله عليه وسلم يخبرنا أنه أذن له أن يتكلم عن ملك واحد فقط من حملة العرش، فيقول: ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة عام. يعني انظر إلى هول أن هذا الشيء لا يتصوره الإنسان في هذا الملك، فهذا الملك هو فقط من الملائكة الذين يحملون عرش الرحمن سبحانه وتعالى، فما بالكم وما ظنكم برب العالمين؟ لذلك أيها الأحبة، من تكون الأرض في قبضته يوم القيامة، ومن تكون السماوات مطويات بيمينه، مجرد تفكير الإنسان في هذا النص يورثه خشية ومهابة من الله سبحانه وتعالى.
ألا يستحق هذا الرب العظيم الجليل خالق هذا الذي هو بهذه العظمة وبهذه المهابة وله هذه المخلوقات، يعني الإنسان إذا تصور نفسه في هذا الكون ربما لا يظهر بالمجاهر الدقيقة إذا قارناه بهذه التي يتكلم عنها الله سبحانه وتعالى، فلماذا يعصي الإنسان ربه؟ لذلك أيها الأحبة، ما من عبد يقدم على معصية الله سبحانه وتعالى إلا وهو أحد رجلين؛ إما إنسان لم يتعرف على الله سبحانه وتعالى، لم يعرفه وإن ادعى أنه مؤمن، وإن صام وصلى كما زعم أنه مسلم.
هذا هناك إذا هو أحد رجلين؛ إما عبد لم يعرف الله سبحانه وتعالى حق المعرفة، ولم يتصور هذه العظمة وهذه المهابة الكبيرة. وأما عبد يعرف هذه المهابة لكنه غفل، جاءه الشيطان واختلسه في لحظة ضعف فحجبه عن رؤية هذه العظمة وهذا الجلال لله سبحانه وتعالى، وإلا كيف يتجرأ قلب على معصية الله سبحانه وتعالى؟ وعلى معصية من هذا علمه وبطشه وقهره؟ كيف يجترئ على معصية من حياته وسعادته وشقاؤه، فالحياة كلها وأنفاسه بين يديه سبحانه وتعالى؟
نعم، كما قال أهل العلم، لا تصدر هذه المعاصي إلا من إنسان جاهل، لا تصدر إلا من إنسان جاهل؛ إما جاهل بحق الله سبحانه وتعالى وقدره، وإما جاهل بأن اختلسه الشيطان فحجبه عن ربه في لحظة غفلة.
وعباد الله المخلصين كما يخشون ربهم أيها الأحبة كذلك يخشون من سوء الحساب. لذلك تجدهم إلى الله سبحانه وتعالى يستعدون إلى لقاء الله عز وجل، لماذا؟ لأنهم يخشون في الحقيقة من أن تكون النتيجة كما يقولون مخيبة للآمال. في النهاية هو موقف صعب وهي ساعة حرجة سنقف فيها كلنا بين يدي الله سبحانه وتعالى، وسيحدد لنا هذا الموقف مصيراً، أنت الآن تتكلم عن أبد، لا تتكلم فقط كما يقول عن موقف وسينتهي أو عن لحظة ستنقضي، أنت تتكلم عن الأبد. هل سيكون السعادة الأبدية عند الله سبحانه وتعالى أم سيكون الشقاء الدائم؟
يعني الإنسان إذا فقط فكر في كلمة الأبد بغض النظر عن كلمة الشقاء والسعادة، شيء مهول شيء لا ينتهي تتكلم عنه. هل أنت ستختار فيه طريق السعادة؟ أم ستختار فيه طريق الشقاء؟ لذلك السالكون إلى الله هم الذين سيحددون اختيارهم في هذه الدنيا، أنت الذي سترسم معالم الحياة الأبدية، هل ستكون في رضا الله سبحانه وتعالى وفي نعيم وفي لذة دائمة مستمرة؟ أم ستكون في سخط وعذاب أليم لا ينقطع؟
يعني أشد شيء وصف الله عز وجل به عذاب الكافرين أنه لا يخفف عنهم العذاب ولا ينقضي، هذا أشد وصف، لأنه لو كان العذاب مهما بلغ إذا عرف الإنسان أنه سينقضي يعني ربما يكون هذا النوع من أنواع التخفيف. أعظم وصف وصف الله به عذاب الكافرين في نار جهنم والعصاة أنه ماذا؟ لا ينتهي. أما عصاة الموحدين لهذا للتنبه فهم يعذبون في نار جهنم ثم يخرجون بعد ذلك، ولكن من يقوى على نار الدنيا لحظة حتى يقوى على نار جهنم أقل من لحظة؟ نسأل الله السلامة والعافية.
لذلك أيها الأحبة، ينبغي على الإنسان أن يحترز من هذه يعني يستعد في هذه الدنيا للقاء الله سبحانه وتعالى، لا يظن أن الأمر هزل، لأنه لقول فصل وما هو بالهزل. ولذلك يقول أحد السالكين: ما والله لو علم الأنام لما خلقوا لما غفلوا وناموا لقد خلقوا لما لو أبصرته عيون قلوبهم تابوا وهاموا ممات ثم قبر ثم حشر وتوبيخ وأهوال عظام ليوم الحشر قد عملت رجال فصلوا من مهابته وصاموا ونحن إذا أمرنا أو نهينا كهل الكهف أيقاظ نيام ونسأل الله السلامة والعافية.
لذلك لما كانت لما كان الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف من سوء الحساب هي سيما أهل السلوك إلى الله سبحانه وتعالى، أبدلهم الله عز وجل بهذا الخوف يوم القيامة أمناً وأماناً، قال سبحانه: بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. نفى الله عنهم الخوف، لماذا؟ لأنهم في هذه الدنيا أخذوا نصيبهم من الخوف، إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا. إذاً انتهى الخوف في تلك اللحظة، لأنهم كما قلنا كانوا في هذه الدنيا في وجل وخوف واستعداد دائم للقاء الله سبحانه وتعالى.
فأكرم بها من خصلة، تلك الخصلة أيها الأحبة التي تجعل الإنسان دائماً في أهبة الاستعداد. وأكرم بها من خلّة، تلك الخلّة التي تجعل الإنسان زاهداً في هذه الحياة الدنيا مقبلاً على ربه سبحانه وتعالى معتكف القلب على محبوباته وعلى مراضيه عز وجل. هذه خلّة عظيمة، الأشياء من الله سبحانه وتعالى من وصلها.
وكذلك من أهم آثار هذه الخشية وينبغي التنبّه عليها، أن الإنسان يتحرر من الخوف من البشر، يتحرر من الخوف من المخلوقين. عندما تخشى الله سبحانه وتعالى فأنت عرفته، ومن عرف الله هان عليه الخلق، لذلك قال سبحانه وتعالى: فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ.
يعني هو يحصل هنا يعني ننقل نقلاً عن ابن تيمية رحمه الله تعالى يقول: على العبد أن يخاف الله وحده ولا يخاف أحداً. لماذا؟ قال: فإن من يخاف الله... أي إنسان تخشى منه وهذا الإنسان لا يخاف الله سبحانه وتعالى، فإن من لا يخاف الله أذل من أن يخاف؛ فإنه ظالم وهو من أولياء الشيطان، فالخوف منه قد نهى الله سبحانه عنه، قال سبحانه: إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ.
فإذا قيل: قد يؤذيني؛ لأن الإنسان يقول يعني هذا الظالم وهذا المتسلط قد يؤذيني ويوقع بي الأذى، فيقول ابن تيمية: إنما يؤذيك بتسليط الله له، إذا أراد الله دفع شره عنك دفعه فالأمر لله، وإنما يسلط على العبد بذنوبه، يعني إذا سلط الله عليك الظالم فاعرف أن هذا بسبب ذنب أذنبته وتقصيراً فرطته في حق ربك سبحانه وتعالى، وأنت إذا خفت الله فاتقيته وتوكلت عليه كفاك كل شر ولم يسلطه عليك، فإنه قال: وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.
إذاً هذه هي خشية الله أيها الأحبة، وهذه هي الصفات الثلاث التي نظمها الحافظ المحاسبي رحمه الله تعالى وجعلها سيما للعارفين: الوفاء بالعهد مع الله، والتحلي بالأخلاق الفاضلة النبيلة، والخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف من سوء الحساب.
ولكن هناك يعني قضية أحب أن أنبه عليها؛ لماذا فرقت الآية؟ الله عز وجل ماذا قال: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. هل هناك فرق بين مصطلح الخشية ومصطلح الخوف؟ الله عز وجل قال: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. يعني مثلاً لماذا لم يقل: ويخافون ربهم ويخشون سوء الحساب؟ لماذا جاء التركيب القرآني: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ؟ فعلق الخشية بالله سبحانه وتعالى، وعلق الخوف بماذا؟ بسوء الحساب.
يعني اختلف أهل العلم في ذكر ذلك، كابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الخشية مرتبة أعلى من مراتب من مرتبة الخوف، فالخشية هي خوف مع معرفة، الخشية هي خوف مقرون بمعرفة. لذلك الله سبحانه وتعالى قال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ؛ لأن العالم بالله سبحانه وتعالى هو يخافه مع ماذا؟ مع معرفته بربه. أما الإنسان الجاهل بالله سبحانه وتعالى هو قد يخاف من الله سبحانه وتعالى لكن خوفه لم يصل إلى درجة الخشية بعد، لأنه يخافه ربما يعني من النصوص العامة أو ما يخوفه به والده أو أهله هناك عذاب وعقاب وجهنم وما شابه ذلك، هو لا.
يخاف الله؛ لأنه الله بجلاله وأسمائه وصفاته. هو يخاف الله لما يعني نشأ عليه في مجتمعه. فالخوف مرتبة أدنى من مرتبة الخشية، أما الخشية فهي مرتبة أعلى، لذلك لم يتصف بها إلا العالمون. الله سبحانه وتعالى لم يقل كما قلنا إنما يخشى الله من عباده المؤمنون، لا، قال: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. العلماء مرتبة أعلى من مرتبة المؤمنون. فعوام المؤمنين عندهم مرتبة الخوف، أما العلماء، طبعاً العلماء لا يشترطون أن يكون من أصحاب الدراسات الشرعية؛ قد يكون رجلاً عامياً مغموراً لا يعرفه أحد من الناس ولكنه أوقف قلبه ولحظات حياته على التعرف على الله سبحانه وتعالى فنال درجة العلم بالله سبحانه وتعالى. إذاً فالخشية مرتبة أعلى من مرتبة الخوف.
وأما أبو هلال العسكري رحمه الله تعالى في الفروق اللغوية فيقول: الخشية والخوف إذا اقترنا، فإن الخشية ترتبط بمن يوقع الشيء المحذور. يعني الذي يوقع العذاب أو يوقع الشيء المخوف للإنسان هذا يُخشى، والشيء المخوف نفسه هذا يُخاف. فمثلاً تقول: أنا أخشى السلطان وأخاف عقابه، فالخوف يتعلق بماذا؟ بالشيء المخوف نفسه الذي هو العقاب، والخشية تتعلق بمن يوقع هذا الشيء المخوف. لذلك الله سبحانه وتعالى ماذا قال: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ. فالذي يوقع سوء الحساب والذي يوقع العذاب من هو؟ الله سبحانه وتعالى فتعلقت الخشية به، والشيء المخوف بذاته ما هو؟ هو سوء الحساب والعقاب. وإن كان هذا طبعاً يحتاج إلى تقرير في محله، ولكن هذا الفرق بينهما في حالة الاجتماع فيما يظهر على طريقة أبي هلال العسكري. أما إذا افترقا يعني ورد كل واحد في نص، فإن الخشية تستعمل بمعنى الخوف، والخوف يستعمل بمعنى الخشية. لذلك قال سبحانه وتعالى مثلاً في سياق آخر قال: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِن فَوْقِهِمْ، فعلق الخوف بالله سبحانه وتعالى، هذا فقط من باب التنبيه.
هناك في الحقيقة أيها الأحبة يعني كما قلنا الحارث المحاسبي اختصر فقال هذه صفات السالكين، ولكن عندما نتأمل الآية أن الآية ذكرت صفة رابعة، وحقيقة كنت أتمنى أن الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى ذكرها. هذه الصفة الرابعة كما قال سبحانه، قال بعد أن قال: وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ، ماذا قال؟ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ. هذه الصفة أيها الأحبة من أهم صفات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى؛ لأن الطريق إلى الله سبحانه وتعالى طريق صعب في الثبات عليه، يحتاج إلى القبض على الجمر، الماشي فيه والقابض فيه على دينه كالقابض على الجمر. لذلك فالتكلم أو هذا المقطع من الآية أيها الأحبة يعني له في الحقيقة وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ له تأثير هذا المقطع من الآية، يعني ربما لا تستطيع الكلمات أن تختزله أو المختصر في عبارات، لكن وباختصار هو محض التوفيق من الله سبحانه وتعالى لعبده أن يرزقه الصبر ابتغاء وجه ربه.
خاصة يعني إذا استشعرت من المتكلم بهذه الصفة؛ يعني الله سبحانه وتعالى هو الذي يخبرنا يقول لنا: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ، يعني صبروا على ظمأ الأيام، وصبروا على قيام الليل والناس نيام، وصبروا على البلاء في ذات الله سبحانه وتعالى. وصبروا كذلك يعني أياماً قليلة كما يقول علي بن أبي طالب لعقبة راحة طويلة. فهذه الدنيا ليست همهم وليست شغلهم، والشيطان لم يستطع أن ينحيهم وأن يبعدهم عن ربهم سبحانه وتعالى. رأوا كثرة في الهالكين ورأوا قلة في السالكين ومع ذلك أصروا وثبتوا حتى يصلوا إلى الله سبحانه وتعالى. كل هذه المعاني نستطيع أن تدل على هذه الجملة: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ. يعني هم عندما صبروا أيها الأحبة لم يصبروا من أجل أن الدنيا ضاقت بهم، أحياناً الإنسان قد يوقع في قدر فهذا القدر يلجئه إلى الصبر؛ يعني لا يوجد مكان لا يوجد حيلة إلا أن تصبر أصلاً. لكن لا، السالكون إلى الله هم صبروا بإرادتهم عندما اختاروا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، وعرفوا مرارته وعرفوا ما سيلقونه فيه من الأذى لكنهم صبروا على هذا الطريق ابتغاء وجه ربهم، لم يريدوا شيئاً من هذه الدنيا وإنما أخلصوا لله سبحانه وتعالى.
ومن نماذج هؤلاء الصابرين يعني كما يقول خباب: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة له في ظل الكعبة، فقلت يا رسول الله، إنه قال وقد لقينا من قريش ما لقينا من الأذى، فقلت يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه لا يصده ذلك عن دينه. انظروا لأمثلة السالكين هؤلاء الصابرين، يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقول لخباب يعني وين أنتم؟ لسا ما صار فيكم اللي صاروا متقدمين. انظروا إلى حال هؤلاء السلف رحمهم الله تعالى الذين كانوا قبل النبي صلى الله عليه وسلم، أوذوا وعذبوا في ذات الله سبحانه وتعالى ولكنهم ابتغاء مرضات ربهم، عرفوا أن الثمن الذي سينالونه عند الله سبحانه وتعالى غالٍ وأنه يستحق هذا البذل ويستحق هذا الصبر، فوطنوا أنفسهم من أجل أن ينالوا هذه المرتبة العظيمة.
إذاً فصفات السالكين إلى الله سبحانه وتعالى أيها الأحبة هي وفاء وأخلاق، خشية من الله سبحانه وتعالى وصبر نالوا بها تلك المرتبة العالية واستحقوا بها أن ينالوا هذه الصفة صفة أهل الرشاد. ثم بعد ذلك ينتقل الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى إلى نص آخر ونختم بالكلام عن هذا النص، قال: فمن شرح الله صدره للإيمان، ووصف التصديق إلى قلبه، ورغب الوسيلة إليه، لزم منها جذب الألباب برعاية حدود الشريعة من كتاب الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وما اجتمع عليه المهتدون من الأئمة. وهذا هو الصراط المستقيم الذي دعا إليه عباده، فقال جل: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ.
بين رحمه الله تعالى في النص السابق صفات السالكين إلى الله وأهل الرشاد، جاء في هذا النص ليبين المنطلق والمنهج والطريق الذي يسلكه أهل الرشاد. فهناك صفات لهم وهناك منهج وطريق ينبغي علينا أن نعرفه ونعرف منطلقاته حتى نسلكه. فالطريق إلى الله أيها الأحبة هناك منطلقات وموارد ينبغي عليك أن تردها لتعرفه وتتعرف عليه. وقبل أن نتعرف هذه الموارد التي ارتكبها المحاسبي يعني ننبه أنه استخدم كلمة المنهاج؛ وطريق السالكين وطريق الراجين إلى الله سبحانه وتعالى استحق أن يسمى منهاجاً؛ لأن كلمة المنهاج والمنهج لها ثلاثة معانٍ في اللغة العربية، كل هذه المعاني توجد في طريق السالكين، ما هي هذه المعاني؟ يقول أهل اللغة إن المنهج أو المنهاج هو الطريق الواضح، هذا أول معنى من معاني كلمة المنهاج في اللغة، الطريق الواضح. وتأتي بمعنى كذلك الطريق الواسع وتأتي كذلك بمعنى الطريق المستمر، وكل هذه المعاني الثلاث موجودة في طريق السالكين أهل الرشاد.
فطريقهم إلى الله سبحانه وتعالى واضح المعالم إذا أُخذ من مصادره الأصيلة من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي معنا. فهو طريق واضح المعالم لمن أحسن الأخذ، أما لمن ضل وأخذ من غير المصادر الأصيلة فلن يكون واضح المعالم لديه. ثانياً هو كذلك طريق واسع؛ فطريق لا يوجد فيه حرج على المكلفين ولا يوجد فيه ضنك وتعب، بل العبادة فيه ليست تكليفاً بل هي تشريف وجمال وعلاقة مع الله سبحانه وتعالى يرتدي الإنسان في قلبه وروحه وجسده حتى يلقى الله سبحانه وتعالى. وهو كذلك يعني من معاني الوسع في طريق السالكين أنه لا يضيق بأحد، الطرق في الدنيا ربما تضيق تسع شخصاً لا تسع شخصاً، أما الطريق إلى الله فيسع كل الناس، ولكن وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ. والمعنى الثالث قال طريق مستمر، وهكذا الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، هو طريق مستمر. هل انقطع الطريق إلى الله سبحانه وتعالى بشخص؟ هل عرفتم شخصاً سلكت طريقه إلى الله بحق ثم انقطع به الطريق والله سبحانه وتعالى توعده بجهنم؟ حاشاه سبحانه. فالطريق إلى الله هو طريق مستمر يوصل في نهايته إلى المقصود وهو الله سبحانه وتعالى، أما الطرق الملتوية الذين يبغونها اعوجاجاً فطرقهم كلها لا توصل إلى الله سبحانه وتعالى ولا توصل إلى السعادة الأبدية.
لذلك يقول المحاسبي رحمه الله تعالى: فكل من شرح الله صدره للإيمان، فدخل هذا الإيمان والتصديق إلى قلبه وخالطه ومازجه واستقر في قلبه، ورغب وطمع هذا العبد في أن يقتحم كل وسيلة تقربه إلى الله. وسيلة أيها الأحبة مدلولها في الشرع هي كل الأفعال الواجبة والمستحبة التي تقرب العبد من الله، هذا معنى الوسيلة. فعندما قال الله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ، ما المراد بالوسيلة؟ الوسيلة كما قال أهل العلم هي كل الأفعال الواجبة والمستحبة التي توصلك إلى الله، فهي وسائل، يعني الوسيلة معروفة بحياتنا اليومية، الوسائل التي توصلنا إلى المقاصد، والله سبحانه هو المقصد، وهو الذي كذلك بين لنا الوسائل التي توصلنا إليه.
إذاً فمن شرح الله صدره بالإيمان ودخل الإيمان في قلبه واستقر فيه وطمع في أن يرتكب ويقتحم الوسائل التي تقربه من الله سبحانه وتعالى فعليه أن يلزم من هذا السائلين ومن هذا المسترشدين. ما هو هذا المنهاج؟ وما الأسس التي يقوم عليها؟ في بين الحارث المحاسبي أن منهاج الراشدين يقوم على أربعة أسس لا يمكن للإنسان أن يسلك إلا من خلالها. الأساس الأول الذي تقوم عليه هو الالتزام بحدود الله، كما ذكر الحارث المحاسبي فينبغي أولاً الالتزام بحدود الله سبحانه وتعالى أمراً ونهياً، فكل ما يحبه الله ويرضاه تبادر إليه، وكل ما يبغضه ويأباه تبتعد وتنصرف عنه، فالالتزام بحدود التكاليف هذا أول أساس ينبني عليه طريق السالكين. الأساس الثاني هو التمسك بكتاب الله عز وجل، والأساس الثالث هو اتباع سنة خير المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً وهدياً وسلوكاً، والأساس الرابع هو الأخذ بما أجمع عليه سلف الأمة رحمهم الله تعالى.
نحن إذا تأملنا يعني الثاني والثالث والرابع من الأساسات هي في الحقيقة تمثل لنا مصادر التشريع: الكتاب والسنة والإجماع، رحم الله هذا الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى، منهجه في التزكية والسلوك أن منهجه قائم على الاحتكام إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وكل من زعم أنه يصل إلى الله سبحانه وتعالى من غير اعتبار هذه الأسس فهو ضال مفترٍ. لذلك نجد بعض عندهم الشطحات يقول: أنا أصل إلى الله بذوقي، ومنهم من يصل بوجهه، ومنهم من يصل يقول: حدثني قلبي عن ربي، ومنهم من يقول: هتفني هاتف. فكل هذه الهرطقات وكل هذه الأمور التي لا تنبع من كتاب الله وسنة رسوله ليست أبداً مسلكاً للعارفين، وهذا الذي ينبه له المحاسبي في هذه الفقرة أن أساس الطريق وبدايته قبل أن نتكلم هو من هذه المنطلقات.
لذلك بعض الغلاة يظن أو يقول: إن الإنسان إذا سلك إلى الله سبحانه وتعالى وترقى في درجات وصوله إلى الله تسقط عنه التكاليف. يعني هذا يقول غلاة الصوفية: يقول الإنسان إذا أصبح من الواصلين هذا خلاص انتهت عنهم التكاليف فيسقط عنه الأمر والنهي، يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء، لا يحرم محرماً ولا ينكر منكراً. فهل يعقل عندما تقرأ أنت هذا الكلام لمثل هذه الطوائف أن تعتقد أن فعلاً هذا الطريق يوصل إلى الله سبحانه وتعالى؟ أبداً، حاشاه وكلاً. فإذا كان سيد السالكين محمد صلى الله عليه وسلم التزم بأوامر الله ونواهيه إلى آخر نفس من أنفاسه، انظروا يعني سنة السواك يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بأخذ السواك من عبد الرحمن بن أبي بكر وأشار إليه، فما بالكم بأشخاص يقولون إن التكاليف تسقط عنهم إذا ارتقى الإنسان في درجات العبودية والزهد والعلاقة مع الله؟ فهذا كما قلنا لا يصدر إلا من ضال مفترٍ على الله ورسوله وعلى أئمة التابعين وعلى أئمة السلوك في الدين.
في النهاية أحب أن أنقل كلاماً لأئمة السلوك، علماء السلوك الصحيح الشرعي؛ لأن هؤلاء أصحاب الشطحات ينسبون طرائقهم إلى أصحاب السلوك الصحيح الشرعي فيتهمونهم بأنهم يقولون مثلهم فتتشوه الصور. هناك أئمة كبار من أصحاب علم السلوك والتزكية الشرعي الصحيح القائم على الكتاب والسنة شوهت صورهم بسبب المتأخرين الذين يقولون بمثل هذه الشطحات ومثل هذه البدع والمحدثات. فننقل كلامهم كما نقل الشاطبي رحمه الله تعالى في كتاب الاعتصام لنبين أن منهج أئمة السلوك المتقدمين من هذه الأمة كان منهجاً صحيحاً قائماً على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم في جل أمره. فإمام الطريق كما يسمونه الإمام الجنيد رحمه الله تعالى ماذا يقول؟ قال: الطرق كلها مسدودة إلا طريق من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم. هذا من أعظم علماء السلوك المتقدمين، كل الغلاة وأصحاب الشطحات يعني يحبون أن ينتسبوا إليه، فانظر ماذا يقول هذا الإمام رحمه الله تعالى: الطرق كلها مسدودة، لا يوجد طريق إلا من اقتفى آثار النبي صلى الله عليه وسلم. ويقول، أو قيل لإبراهيم بن أدهم وهو من أصحاب علم التزكية والسلوك كذلك، إن الله يقول في كتابه -يعني يُسأل إبراهيم بن أدهم- إن الله يقول في كتابه: ادعوني...
استجب لكم، ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا. فماذا يجيب إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى؟ يقول: ماتت قلوبكم في عشرة، نحن نطلب منها خمسة حتى لا يطول المقام. قال: أولاً عرفتم الله سبحانه وتعالى فلم تؤدوا حقه. والثاني فلم تؤدوا حق، هذا الأساس الأول الذي ذكره الحادث المحاسبي، الالتزام بحدود الله سبحانه وتعالى أمراً ونهياً.
قال الثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به. إذا يدل على كتاب الله سبحانه، قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به. الثالث: ادعيتم حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركتم سنته. إذا هو يأمر بالتمسك بالسنة. الرابع: ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، اتبعتم الشيطان فيما يأمركم وينهاكم. والخامس: قلتم نحب الجنة وما تعملون لها. ثم ذكر بعد ذلك الخصال، فهذا يبين منهجهم رحمهم الله تعالى، أنه قادر على الالتزام بحدود الشريعة وأحكام الله سبحانه وتعالى والتمسك بالكتاب والسنة.
ويقول أبو علي الحسن بن علي الجوزجاني رحمه الله تعالى: من علامات السعادة على العبد تيسير عليه، هذا أول، تيسير الطاعة عليه. فالعبد الذي إن هؤلاء أصحاب الشطحات إنما قالوا إن التكاليف سقطت عنهم لأنهم استثقلوها. هم لماذا قالوا الإنسان إذا وصل إلى الله سبحانه وتعالى تسقط عنه التكاليف؟ لأن الجماعة تثقل التكاليف في الحقيقة، أما من احتفى بالتكاليف الشرعية فلا يسميها أصلاً تكاليف. يعني هذه تكاليف هي لم يسمها النبي صلى الله عليه وسلم تكاليف، بل هي كما يقول ابن تيمية هي غذاء الأرواح، وهي قوت الإنسان في هذه الحياة الدنيا. ومن عبد الله سبحانه وتعالى حقاً يشتاق إلى الصلاة وإلى الزكاة وإلى الصيام وإلى الحج وإلى الوقوف بين يدي الله سبحانه وتعالى، فيها ليست تكاليف وإنما هي غذاء للبدن وللروح معاً، إذا تيسير الطاعة عليه.
قال الثاني: موافقة السنة في أفعاله. إذا الجوزجاني يقول هل هناك علامة من علامات السعادة للإنسان أن يسقط عنه التكاليف؟ لا. طيب، هل يمكن للإنسان أن يكون من أصحاب طريق السعادة وهو نابذ للسنة وراء ظهره؟ كذلك لا يكون ذلك. إذا موافقاً للسنة في أفعاله وصحبته لأهل الصلاح وحسن أخلاقه مع الإخوان وبذل معروفه للخلق واهتمامه للمسلمين. واهتمامه للمسلمين، يعني ليس علم التزكية أن يجلس الإنسان في خلوة ويطفئ الأنوار ويجلس وحده السنوات، لا. أصحاب علم التزكية الصحيح يهتمون بأمور المسلمين وأحوالهم، وما يشغل المسلمين يشغلهم. ثم قالوا: لأوقاته.
ويقول أبو الحسن الوراق رحمه الله تعالى: لا يصل العبد إلى الله إلا بالله، وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه. انظر ماذا قال؟ قال: ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء يضل من حيث ظن أنه مهتد. يعني من جعل الطريق التي توصله إلى الله في الابتداء وفي غير الاقتداء بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يضل وهو يظن أنه مهتد، قلنا قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا.
وقال أبو محمد بن عبد الوهاب الثقفي: لا يقبل الله من الأعمال إلا ما كان صواباً، ومن صوابها إلا ما كان خالصاً، ومن خالصها إلا ما وافق السنة. لذلك أيها الأحبة كما ذكر المحاسبي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن عاصم بن أبي النجود عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، فقال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، قال: هذه سبل، وعلى رأس كل منها شيطان، وكما قال عليه الصلاة والسلام: يدعو إلى النار، ثم قرأ صلى الله عليه وسلم: وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. إذا الطريق الموصل إلى الله واحد، لا تعدد فيه.
لذلك الله سبحانه وتعالى قال: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ. الظلمات هي سبل الضلال، سبل الضلال كثيرة ومتشتتة. من يشتهي الضلال لا يخاف، طرق كبيرة ومنوعة في الشبهات والشهوات، وهي كلها ظلمات. أما المؤمنون فالله سبحانه وتعالى يخرجهم من الظلمات بالجمع، قال إلى ماذا؟ قال: إلى نور، لأنه نور واحد وطريق واحد موصل إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الصراط المستقيم. يعني وفي علم الهندسة يقولون الصراط المستقيم هو أقصر طريق بين النقطتين، ماذا هو الخط المستقيم الواصل بينهما؟ فالصراط المستقيم هو أقصر الطرق الموصلة إلى الله، وهو أعدل الطرق وأقومها، لا غلو فيه ولا إفراط ولا تفريط.
وقال صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ. والنواجذ أيها الأحبة هي آخر الأضراس، فهذا كناية من النبي صلى الله عليه وسلم بوجوب التمسك بالسنة، وفيه تنبيه وإشارة إلى ما سيحدث من هذه الأمة من الافتراء ونبذ السنة وطرح الاتباع والاقتداء. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: عضوا على السنة بالنواجذ. حتى الإنسان يتمسك بها كما أوصى الله سبحانه وتعالى عبيده فقال: خُذُوا الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ. يعني ما معنى خذوا الكتاب بقوة؟ أي بجد واجتهاد ومواظبة، فلا يظن الإنسان أن التزامه بشرع الله سبحانه وتعالى وأن طريقه إلى الله طريق سهل مذلل. هناك صعوبات، هناك عقبات، هناك اقتداء بالكتاب والسنة يجب عليك أن تفعلها إذا أردت أن تكون من الراشدين. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يجعلنا من المتبعين المهتدين، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل