تسجيل الدخول

شرح كتاب رسالة المسترشدين 3

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

والله ما في هذه الدنيا لذة أطيب من اشتياق العبد للرحمن، أعني هم يسمعون كلامه، هو سعيد. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، سيدنا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا مباركًا إلى يوم الدين.

وبعد أيها الأحبة، فما زلنا نعيش في أفياء هذه الرسالة المباركة للإمام الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله تعالى، رسالة المسترشدين لكل من يطلب طريق الرشاد بسلوك الدرب إلى الله سبحانه وتعالى. وكما قلنا في الدروس الماضية، فقد بدأ المصنف رحمه الله تعالى رسالته بذكر صفات أهل الرشاد، وعرفنا أنه حصرها في ثلاث صفات. الصفة الأولى كانت الوفاء بالعهد مع الله سبحانه وتعالى، الصفة الثانية كانت التحلي بالأخلاق الفاضلة النبيلة، فالصفة الثالثة كانت الخشية من الله سبحانه وتعالى والخوف من سوء الحساب.

ثم بعد ذلك تكلم رحمه الله تعالى عن الأسس التي يقوم عليها منهاج الراشدين، وعرفنا أن هذه الأسس أربعة. الأساس الأول كان الالتزام بالشريعة أمرًا ونهيًا، والأساس الثاني كان التمسك بكتاب الله سبحانه وتعالى، ثالثًا التمسك بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والرابع كان التمسك والرجوع إلى ما أجمع عليه سلف هذه الأمة رضوان الله تعالى عليهم.

اليوم يعود الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى ليسلط الضوء على القرآن الكريم كأساس للمنطلق إلى الله سبحانه وتعالى، في ذكر الأمور التي يجب على كل مسلم أن يفعلها عندما يتعامل مع كتاب الله في حياته. يقول رحمه الله تعالى: واعلم أن فريضة كتاب الله العمل بمحكمه من الأمر والنهي، والخوف والرجاء لوعده ووعيده، والإيمان والاعتبار بقصصه وأمثاله. فإذا أتيت بذلك، فقد خرجت من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن عذاب الشك إلى روح اليقين. قال الله جل ذكره: اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ. وإنما يميز ذلك ويرغب فيه أهل العقل والفهم عن الله، الذين عملوا في أحكام الظاهر وتنزهوا عن الشبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات، تركها خير من أخذها.

إذاً، المحاسبي رحمه الله تعالى عاد إلى كتاب الله سبحانه وتعالى. وقبل أن نخوض في نظرة المحاسبي إلى فريضة كتاب الله عز وجل في حياة الراشدين وفي حياة المسترشدين، ينبغي أن نقف عند ظاهرة تاريخية؛ هذه الظاهرة أيها الأحبة تفهمنا أثر القرآن في حياة المجتمعات، وتفهمنا أثر القرآن في الانطلاقة إلى الله سبحانه وتعالى على منهاج صحيح. هذه الظاهرة أيها الأحبة هي أن كتاب الله سبحانه وتعالى استطاع أن يخرج لنا جيلاً من الناس هو جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، هذا الجيل الذي هو أرقى جيل على مستوى البشرية من لدن آدم عليه السلام وإلى قيام الساعة. ثم بعد ذلك لم يعد يخرج لنا مثل هذا الطراز الراقي الرائع على مستوى أجيال، وإنما يخرجه لنا على مستوى ماذا؟ أفراد في بيئات متنوعة وفي مجتمعات مختلفة.

هنا ينبغي أن نقف: ما السبب في نشأة جيل الصحابة رضوان الله تعالى عليهم هذه النشأة المتكاملة مع كتاب الله سبحانه وتعالى؟ وما السبب في البون الشاسع بين جيلهم والأجيال التي أتت بعدهم إلى يومنا هذا؟ هذا سؤال ينبغي على كل إنسان يطلب السلوك إلى الله سبحانه وتعالى أن يجيب عنه. هل يا ترى السبب كان هو غياب شخصه صلى الله عليه وسلم عن واقع المجتمعات؟ يعني لو قلنا أن هذا هو السبب كان فيه نوع قدح في الشرع. الله سبحانه وتعالى ماذا قال؟ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا. فشرع الله سبحانه وتعالى ودينه ونهجه جاء للأجيال إلى قيام الساعة عربًا وعجمًا، شمالًا وجنوبًا، شرقًا وغربًا. فسبحانه الذي أنزل هذا الدين لا بد وأنه أودع فيه مادة الاستمرارية والقيام إلى قيام الساعة.

هذا الدين يتضمن مادة الاستمرارية بذاته، ويتضمن الحيوية والشمول إلى قيام الساعة حتى ولو غاب شخصه صلى الله عليه وسلم عن واقعنا، وإن كان طبعًا لم يغب هديه وسنته التي نجدها مكتوبة ومسطرة، وفي سيرته التي بين أيدينا. إذاً هناك سبب آخر، يعني لو تمعنا وتأملنا أيها الأحبة في مصدر التلقي في عصر الصحابة، ربما نستطيع أن نمسك بعض الخيوط لحل هذا اللغز أو لحل هذا الإشكال. الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في التنشئة والبناء مع المربي صلى الله عليه وسلم كانوا ينكبون على مصدر واحد وعلى منبع واحد في التلقي وهو كتاب الله عز وجل. ولم يكن انحسار تلقيهم في كتاب الله من نقص في الحضارات، يعني هل كان مجتمع الصحابة بعيدًا عن أي حضارة مجاورة له؟ بالعكس؛ كانت هناك الحضارة الرومانية قائمة بتراثها الفكري، كانت الفلسفة الإغريقية موجودة كذلك، وكانت الفلسفة الفارسية ونظرتهم وأساطيرهم، كذلك كانت الفلسفة الهندية ومعبوداتها ونظرتها للحياة، بل أهل الكتابين من اليهود والنصارى كانوا في الجزيرة العربية.

إذاً، اقتصار الصحابة المتعمد على منهج واحد في التلقي في عصر التنشئة لم يكن من نقص الحضارات أو من نقص الثقافات المجاورة لهم. كان بإمكان الصحابة في فترة البناء والتنشئة أن يتلقوا من ثقافات أخرى حولهم، لكن هناك شيء متعمد قصده صلى الله عليه وسلم بأمر من الله عز وجل، أن يكون المصدر الذي يتلقون منه في بداية الدعوة ما هو؟ مصدر ومنبع واحد هو كتاب الله عز وجل. وعندما نتكلم أيها الأحبة عن مصدر تلقي، نحن نقصد التلقي في بناء المنظومة الفكرية للإنسان، وبناء المنظومة الروحية والوجدانية، وبناء المنظومة الأخلاقية، ولا نتكلم عن التلقي في أمور الدنيا وعلومها كالطب والهندسة والحساب. هذا مفروغ منه، الإنسان يستفيد من كل إنتاج الحضارات. لكن نتكلم في هذا التلقي الذي يبني عقل الإنسان وفكره ونظرته للوجود وللحياة، ويبني سلوكه الروحي وعلاقته مع الله، ويبني سلوكه الأخلاقي، هذا هو التلقي الذي نتكلم عنه حتى نبني على كلامنا وأفكارنا.

إذاً الصحابة في هذه الأمور الثلاث لم يتلقوا في نشأتهم إلا من كتاب الله عز وجل. يفسر لنا لماذا غضب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى في يد عمر بن الخطاب صحيفة من التوراة، فقال له: لو كان موسى حياً لم ينبغي له إلا أن يتبعني، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. إذاً هو كان يغضب عندما يرى أصحابه يذهبون إلى منابع أخرى غير المنبع القرآني خاصة في عصر التنشئة. كذلك النبي صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة أن يكتبوا حديثه في بادئ الأمر، كان ينهى وكان يقول: من كتب عني شيئًا فليمحه. حتى النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى الصحابة أن يكتبوه، لماذا؟ يريد أن يعلقهم بمنبع واحد أصيل، وهو ماذا؟ هو كتاب الله عز وجل.

لذلك أيها الأحبة لو نظرنا بهذه النظرة، ما الفرق بين جيل الصحابة والأجيال اللاحقة؟ يعني ما الذي حدث بعد انقراض عصر الصحابة؟ عرفنا في عصر الصحابة كان الانكباب والمصدر والينبوع الذي منه تتلقى جميع التعاليم مصدرًا واحدًا، كلام الله عز وجل. بعد انقراض عصر الصحابة وبداية توسع الدول الإسلامية واختلاط العرب بالعجم وبداية الفتوحات، واطلاع الصحابة على حضارات أخرى وبدأت حركة الترجمة في الفكر الإسلامي، في الحقيقة بدأت دائرة التلقي وينابيع التلقي تتسع رويدًا رويدًا في الحضارة الإسلامية. بدأت الفلسفة اليونانية تؤثر على عقول المسلمين خصوصًا العلماء، بدأت كذلك التراث الفارسي والتراث الروماني، وكذلك الحضارات الهندية وغير ذلك من الحضارات التي عاشها المسلمون في عصر الفتوحات الإسلامية؛ بدأت تؤثر على الينبوع الواحد، فأصبح القرآن في فترة من الفترات مثله مثل أي مصدر تلقي آخر، لم يعد هو المنبع الوحيد الذي يُستقى منه، لأنه أصبحت هناك ينابيع أخرى ومصادر تلقي أخرى.

ومن هنا بدأ الضعف والهوان في المجتمعات الإسلامية. وحتى يومنا الحاضر، الآن لو تأملنا في يومنا الحاضر إلى نشأتنا وإلى نشأة أبنائنا؛ انظر البيئات المختلفة والمصادر المختلفة التي تؤثر في نشأتك وفي نشأة ابنك منذ نعومة أظفاره، نجد هناك مصادر مختلفة وبيئات مختلفة بخطابات متنوعة، كلها تحاول أن تؤثر في البناء والتنشئة، وكلها تحاول أن تشعر الجيل المسلم، وتحاول أن تشعر الشباب المسلم بأن القرآن الكريم لا يلبي احتياجاتهم في موضوع بناء الفكر وبناء المنظومة القيمية والأخلاقية وبناء المنظومة السلوكية والروحانية. كل هذه المصادر المختلفة التي نعيشها، لاحظ الإعلام، لاحظ العولمة، فلاحظ كل الانفتاح الهائل في وقتنا المعاصر وأثره في بناء عقلية الشاب المسلم في هذه المنظومات الثلاث. إذاً هذا هو الفرق بين عصر الصحابة والعصور التي تليه؛ هو وحدة الينبوع والمصدر في حياة الصحابة، وتنوع المصادر التي يتلقى منها الشاب منظومته الفكرية والأخلاقية والروحانية بعد عصر الصحابة. وكلما ابتعدنا عن عصر الصحابة كلما تنوعت هذه المصادر. اليوم العولمة جعلت الإنسان يقف أمام كل الثقافات وكل الحضارات، وكل الأفكار مفتوحة أمام الشاب المسلم. للأسف يتلقى من هذا ويتلقى من هذا، أصبح القرآن كما قلنا هو أحد المصادر، ليس المصدر الأصيل، هذا إن كان له أصالة أو مجال في حياة الشاب المسلم. كثير من الشباب للأسف أعرضوا حتى عن كتاب الله سبحانه وتعالى، وأصبحوا يبحثون في وجدانهم وأرواحهم وفي تخليصهم من شكوكهم إلى أمور أخرى وإلى الثقافات الأجنبية والثقافات الغربية، والله المستعان.

هناك عامل آخر، إذاً العامل الأول كان هو كما قلنا وحدة المصدر ثم تنوعه بعد ذلك. العامل الآخر كان طبيعة التلقي من كتاب الله، طبيعة التلقي من القرآن الكريم. هل كان الصحابة ينظرون في كتاب الله سبحانه وتعالى على أنه مثلاً كتاب ثقافة واطلاع لأمور تاريخية؟ أم كانوا مثلاً يقرأون القرآن للتبرك به في المواسم الفاضلة في رمضان، ومثلاً في الفجر يقرأ الإنسان صفحتين ثم بعد ذلك يذهب إلى عمله وكأنه لم يقرأها؟ هل كان الصحابة يقرأون القرآن مثلاً في الأحزان والمآتم وما شابه ذلك؟ هل كانت وظيفة القرآن هكذا في حياتهم؟ أم كانوا يقرأون القرآن ليتلقوا التعاليم الإلهية وينفذوها مباشرة على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات؟ يعني ماذا كان دور القرآن؟

هذا هو دور القرآن في حياة الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، فكانوا هم مثل الجندي، كيف الجندي في الميدان ينتظر الأمر من القائد لينفذه؟ الصحابة كانوا ينتظرون الأمر الإلهي من كتاب الله سبحانه وتعالى ثم بعد ذلك ينفذونه مباشرة في ميدان الحياة. لذلك كان الصحابة يجلسون في حفظ السورة الواحدة الخمس سنوات والست سنوات، يروى أن ابن عمر جلس في حفظ سورة البقرة ثمان سنوات. لماذا كان يجلس هذه الفترة؟ هل كان لضعف حافظته؟ هم كانت قرائحهم سليمة وحافظتهم أقوى من قرائحنا التي اختلفت وتغيرت وتبدلت. إذاً هناك أمر آخر كان يجعل ابن عمر وابن مسعود والصحابة الكبار يلبثون هذه الفترة الطويلة في حفظ السورة والسورتين. يقول ابن مسعود: كنا لا نحفظ عشر آيات من كتاب الله سبحانه وتعالى ولا نتجاوزها حتى نفهمها ونتدبرها ونعمل بها. إذاً ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يبين لنا منهج التلقي، أن العشر آيات لم تكن تتجاوز، لم يكونوا يحفظون القرآن في سنتين ثلاث سنوات ثم بعد ذلك يطوى كلام الله عز وجل من واقعهم، كانوا يجلسون في البقرة وفي آل عمران وفي أمهات السور السنوات الطوال. والهدف من ذلك ما هو؟ أن يطبقوا كل شيء يتعلمونه.

إذاً الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا يشعرون بقيمة النص القرآني، هذا هو باختصار؛ يشعرون بقيمة النص القرآني، يعلمون أنه أمانة عظيمة أنزلها الله سبحانه وتعالى ليعمل بها. قال عز وجل: إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. فالقرآن كان بمعنى واضح هو كلام الله، يعني هذه الكلمة عندما تتأملها؛ القرآن هو كلام الله سبحانه، من تأملها وتدبرها يشتعل قلبه، وتتزلزل من هذه الكلمة القلوب الحية، وتقشعر منها الجلود والأبدان. قال الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ. ليس أي جلد هو الذي يقشعر من كلام الله سبحانه وتعالى، جلود الذين يخشون ربهم. وقال سبحانه وتعالى: لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ، شف هذا القرآن العظيم لو نزل على جبل من صلابة هذه الجبال، تخيل جبال الأرض لو نزل عليها كلام الله: لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.

انظروا إذاً القضية فيها نوع خشية. القلوب التي تخشى الله سبحانه وتعالى هي القلوب التي تعرف قيمة النص القرآني وقيمة كلام الله عز وجل. ومن الذي يخشى الله؟ كما قلنا في الدرس الماضي: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. ليس المراد العلماء أصحاب الشهادات الجامعية، العلماء هم العارفون بالله سبحانه وتعالى. قد يكون إنسانًا مغمورًا عاميًا لكن عنده علم بالله عز وجل اكتسبه من تدبر كلام الله ومن قراءة سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ومن إصلاح قلبه، قذف الله في قلبه معرفته. فمن عرف الله حق المعرفة هو الذي يعرف قيمة النص القرآني، وهذا كان حال الصحابة. النبي صلى الله عليه وسلم كان يريد أن يغرس فيهم معرفة الله، كان يعلمهم من هو الله عز وجل بصفاته وأسمائه العلى. عندما عرفوا الله عرفوا نصه، عرفوا قيمة هذه التعاليم. فالصحابة إذاً أيها الأحبة، وكذلك كل الأجيال اللاحقة، ينبغي عليهم أن يكونوا مثلهم؛ كانوا ينظرون إلى كتاب الله عز وجل على أنها تعاليم إلهية ينبغي امتثالها وتنفيذها مباشرة. القرآن الكريم يعني ليس إنتاجًا بشريًا، ليس صنعًا بشريًا مثل كل هذه الكتب التي بين أيدينا وتزخر بها المكتبة الإسلامية وكذلك مكتبات العالم، ليس هو نتاج تجربة إنسانية أو نظريات علمية، يعني هو تعاليم من الله.

سبحانه وتعالى لأفراد يعيشون في مملكته حتى يطبقوا هذه التعاليم في واقع حياتهم. إذا طبيعة هذا القرآن في حياة الصحابة التلقي من أجل العمل والتنفيذ، وليس التلقي من أجل فقط التبرك يعني أو الروحانيات والإيمانيات من دون أن يثمر ذلك ترجمة في واقع حياتهم. هذا التلقي جعل القرآن يمتزج بذوات الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، كما امتزج بذاته صلى الله عليه وسلم، فعائشة عندما سئلت عن خلقه ماذا قالت؟ كان خلقه القرآن، إذا هي ترجمة واقعية.

فالصحابة استطاعوا أن ينقلوا القرآن من الناحية النظرية كما نقول، من الناحية العملية وإلى الترجمة الواقعية على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعة. فلم يغيروا واقع الجزيرة العربية فقط، بل غيروا مسار التاريخ بهذا الكلام العظيم استطاعوا أن يغيروا مسار التاريخ. وهذا هو الفرق بيننا وبينهم، هو باختصار أن القرآن كان لديهم منهج حياة. منهج حياة بهذه الكلمة العامة العظيمة وبما تشمله من مدلولات فكرية وروحية وسلوكية وأخلاقية. هذا كان القرآن للصحابة. هذا كان حياتهم مع القرآن، يحيون للقرآن، وانظر بعد ذلك في واقعنا وفي مجتمعاتنا وما هو موضع القرآن وأين يحل القرآن من قلوبنا.

انظر إلى نفسك كيف تنشئ ولدك. هل يعني همك كأب أن يكون ابنك متعلق بكتاب الله سبحانه وتعالى؟ أم همك في واقع الحياة أن يحصل ابنك الدراسات العليا؟ يعني دعونا نعمل مقارنة. طبعاً هذا ليس ذماً للدراسة، وإنما المراد يعني أن نشعر بقيمة الأمر في وجدان الأب. هل الأب يعني يحزنه أن يكون ابنه بعيداً عن كتاب الله، أم يحزنه أن ابنه لم يحصل دراسة أو لم يحصل وظيفة؟ نجد هناك بوناً شاسعاً بين الأمرين في الحقيقة، نجد طريقة النظر والتعامل مع كتاب الله عز وجل في واقعنا بعيدة، وتحتاج إلى إعادة نظر وتأمل حتى نصل إلى المستوى العظيم الذي كان عليه الصحابة رضوان الله تعالى عليهم.

لذلك الحارث المحاسبي أيها الأحبة كغيره من علماء التزكية أصحاب المنهج الرباني سلطوا الضوء على أهمية القرآن في الانطلاقة إلى الله عز وجل وفي سلوك طريق المسترشدين. فكل مسترشد وكل من يطرق طريق الله عز وجل ينبغي عليه أن ينهل من هذا المعين، معين كلام الله عز وجل، يجلس يتدبر ويتأمل. لأن التعاليم القرآنية بل ومعالم الطريق إلى الله سبحانه وتعالى من أين تؤخذ؟ من أين تستقى معالم طريق المسترشدين؟ كل ما سيذكره المحاسبي رحمه الله تعالى من المعالم: النية، الصبر، الخشية، الخشوع، الخوف، المهابة، الرجاء؛ كل هذه المعاني الإيمانية التي نتكلم عنها من أين تستقى؟ هل هي بالأذواق؟ وهل هي بالأحاسيس والتجارب؟ أم تؤخذ من كتاب الله عز وجل من هذا المنهج؟ إنما تؤخذ من كتاب الله، فكل الأذواق الصحيحة والمعاني الصحيحة والحقائق الصحيحة مصدرها الصحيح الذي يرضي الإله سبحانه وتعالى هو كلام الله عز وجل.

لذلك أيها الأحبة المحاسبي يؤكد على هذه النظرية، والذي يدلنا على صحة فهمه لموضع القرآن في حياة المسترشدين ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه العظيم ليس على لسان الإنس بل على لسان الجن. ماذا قال الجن عن وظيفة القرآن في سورة الجن؟ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا. ما وظيفته؟ قالوا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ. إذاً هو يهدي إلى طريق المسترشدين. هذه وظيفة القرآن التي أدركها الجن أن القرآن يهدي إلى طريق المسترشدين، يخرج الناس من ظلمات الجهل والحيرة والضياع إلى نور العلم واليقين والاطمئنان بالله سبحانه وتعالى.

لذلك يقول ابن تيمية في مقدمة أصول التفسير: وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن الذي هو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن كثرة الترديد، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء. من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم، ومن تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله. قال سبحانه وتعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ. وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا. انظر ضريبة الإعراض عن كتاب الله عز وجل. هذه الضريبة العظيمة التي ندفعها في واقع مجتمعاتنا وحياتنا، بل في واقعنا كملتزمين، لا يدعي الإنسان أنه وصل إلى مرحلة العباد الذين يفهمون كلام الله عز وجل، فكلنا مقصر، وضريبة الإعراض عن ذكر الله الضنك. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا، الشقاء والتعب. فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا. انظر الكلمة المرعبة من الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان. جاءته الآيات في الدنيا فنسيها، نسيها ولم ينساها في الحقيقة بالمعنى النسيان الذي نفهمه، وإنما غفل عنها وأعرض عن تدبرها. فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ.

وقال سبحانه وتعالى: قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ. يعني إذاً هو كتاب هداية وكتاب نور، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. وقال تعالى: وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا. إذاً هو نور، في سورة المائدة وصفه بأنه نور يضيء الطريق، وكذلك في سورة الشورى وصفه بأنه نور يضيء الطريق للمسترشدين والسالكين إلى الله سبحانه وتعالى.

وهنا أن أقف مع ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض مواقفه مع كتاب الله عز وجل، أنا أحب أن أقف مع كلامه حتى نتعلم. طيب كيف ننتفع بالقرآن؟ عرفنا أهمية القرآن وقيمته في حياة البناء، كيف استفيد من كتاب الله عز وجل وأنتفع منه وأتدبره؟ يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في مدارج السالكين ابتداءً مبيناً لقيمة كتاب الله عز وجل: لما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع والعمل الصالح، وهما الهدى ودين الحق، وبتكميل لغيره في هذين الأمرين. يعني كمال الإنسان في هذه الحياة الدنيا لماذا؟ بالعلم والعمل، وبأن يكمل غيره في العلم والعمل، هذا هو الكامل بمفهوم الكمال النسبي طبعاً. كان حقيقاً بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العلية، ويخلص به من الخسران المبين. وليس ذلك يعني كيف يكمل الإنسان في هذه الدنيا؟ وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره، واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه والعكوف بالهمة عليه، فإنه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد، والموصل لهم إلى سبيل الرشاد، وهو سبيل المسترشدين.

طيب الآن كيف ننتفع بالقرآن الكريم كما يراها ابن القيم الجوزي رحمه الله تعالى؟ وهذه قاعدة نفيسة صدر بها كتابه الفوائد يقول رحمه الله: قاعدة جليلة إذا أردت الانتفاع بالقرآن، اجمع قلبك عند تلاوته وسماعه. هذا أول قضية، لا بد إذاً من جمع القلب وحضوره، ولا يصلح للإنسان أن يقرأ القرآن وهو ساهٍ غافل في معامع هذه الحياة الدنيا. وقال: وألقِ سمعك، وأحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه. يعني أحضر عندما تقرأ كلام الله استشعر أن الله يخاطبك به الآن، فأحضر حضور من يخاطبه به سبحانه وتعالى، عليك أن تستشعر هذه الأمور. قال: فإنه خطاب منه أي من الله لك، ولكن على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم. قال عز وجل: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. هذه الآية هي الآية التي تبين لنا كيف ننتفع بالقرآن الكريم، ذكرها الله عز وجل حتى نستنبط منها شروط الانتفاع.

قال سبحانه: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ. وذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفاً عليه؛ الآن يريد أن يبين لك كيف نتأثر بالقرآن؟ هناك شروط وأسباب وموانع. كمال تأثير الإنسان بكلام الله عز وجل وانتفاعه به يتوقف على أربعة أمور ذكرتها هذه الآية. الأول لا بد من وجود المؤثر، والمؤثر هو كلام الله سبحانه وتعالى. الثاني لا بد من وجود المحل القابل للتأثير. إذاً هناك مؤثر وهناك محل قابل ليتأثر. الثالث وجود الشرط لحصول التأثر. والرابع انتفاء المانع الذي يمنع من هذا الحصول.

فيقول تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه وأدله على المراد. فقوله سبحانه: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ، هذه إشارة إلى القرآن الكريم عموماً، أو كما يقول بعض المفسرين إلى أول سورة ق، إلى هذا الموضع، على المهم أنها تشير إلى كلام الله سبحانه، إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ، قال إلى ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا، وهذا هو المؤثر. إذاً المؤثر كلام الله سبحانه. وقوله: لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ، فهذا هو المحل القابل للتأثير. فإذا كان الإنسان عديم القلب، طبعاً عديم القلب من الناحية الوجدانية مات قلبه، مهما سمع من كلام الله عز وجل ومهما وردت عليه الآيات القوارع الزواجر، فإن قلبه لن يتأثر، لماذا؟ لأنه ميت القلب. فالقرآن وحده لا يؤثر إلا بوجود محل قابل مستعد للتأثير وهو القلب الحي. إذاً فهذا هو المحل القابل والمراد به القلب الحي إذاً وليس الميت، الذي يعقل عن الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى: إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا، أي حي القلب.

طيب وقوله سبحانه: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، أي وجّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ماذا؟ إلى ما يقال له في كتاب الله سبحانه وتعالى، وهذا هو شرط التأثير. يعني لو كان الإنسان حي القلب ينبغي أن يكون له سمع يصغي به إلى كلام الله عز وجل حتى يدخل هذا الكلام إلى قلبه. فالسمع هو الوسيلة والشرط لحصول التأثر القلبي. قال ابن قتيبة: استمع كتاب الله عز وجل وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ. فقوله سبحانه وتعالى: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، ما معنى وهو شهيد؟ يقول ابن قتيبة: استمع كتاب الله عز وجل وهو شاهد القلب والفهم ليس بغافل ولا ساهٍ، وهذا هو الإشارة إلى المانع الذي يمنع من تدبر كلام الله سبحانه وتعالى، وهو السهو والغفلة. كثير منا عندما يقرأ كلام الله عز وجل يكون ساهياً في معامع هذه الحياة، غافل، يفكر في الأبناء وفي الرزق وفي الذرية وكيف يفعل وكيف يتقدم ويقرأ الصفحة، لكن الصفحة ما زالت عند العينين أو يسمع الصفحة في الأذنين، هذا السمع وهذا السماع لم يدخل ولم يصل بعد إلى قلبه.

فثمة أربعة شروط لا بد من اجتماعها حتى تنتفع بكلام الله عز وجل. أولاً أن تسمعه وتقرأه، فالمعرض عن كلام الله ابتداءً انتهينا منه، لا يوجد عنده مؤثر. ثانياً لا بد من وجود محل قابل مستعد، إذاً لا بد كما يقول من تهيئة المحل حتى يستقبل هذا الضيف العظيم وهو القلب. لا بد من وجود شرط التأثر وهو الاستماع لكلام الله عز وجل. ولا بد بعد ذلك من وجود المانع، قد تستمع وقد تكون حي القلب لكنك في مواضع تغفل وتسهو وأنت تقرأ كلام الله، فهنا أيضاً تحرم الانتفاع. فإذا اجتمعت هذه الشروط الأربعة أو هذه الأساسيات الأربعة حصل الانتفاع بإذن الله بكلام الله عز وجل.

وهنا يعني نكتة لطيفة ليس لها علاقة بسياق الكلام لكن أحب أن أنبه عليها وهو أن الله سبحانه وتعالى قال: أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ، استخدم "أو" يعني نلاحظ الآن أنا أقول إن شروط الانتفاع بالقرآن هي اجتماع هذه الأمور الأربعة: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ، يعني ينبغي أن تكون كلها بالعطف بالواو. فهمنا الإشكال أننا نقول إن هناك أمور أربعة ينبغي أن تجتمع، الأمر الأول إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ، إذاً وجود المؤثر، لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ، المحل القابل، الأصل على الكلام الذي رتبناه أن تكون هو "ألقى السمع"، مش "أو ألقى السمع"، "أو" هنا يعني كأنها تفيد تخييراً، يعني إما أن تلقي القلب وإما أن تلقي السمع. فلماذا أتى في السياق "أو" التي تفيد التخيير؟ ولم يأتي بالواو التي تفيد الجمع وتأصيل كلامنا قائم على أن الواو بمعنى الجمع؟

يقول ابن القيم بمعنى كلامه الذي نظمته: إن الناس على درجتين. الإتيان بـ "أو" في هذا السياق أريد به التنبيه على أمر وهو أن الناس مع كلام الله عز وجل على مرتبتين. المرتبة الأولى: أصحاب قلوب حية مستعدة مهيأة للالتقاط مباشرة من كلام الله عز وجل. فهناك أناس يستعدون بأرواحهم ويتشوفون ويتشوقون إلى معرفة كل آية وإلى معرفة كل حكم وإلى أخذ كل تعاليم من تعاليم القرآن الكريم ليطبقها في واقع حياتهم، هؤلاء كأن اشتراط إلقاء السمع لديهم أصبح أمراً حاصلاً، كما يقول حاصل حاصل، فتهيئة قلوبهم أغنتهم عن التصريح بقضية إلقاء السمع، لأن استعداد القلوب وتهيئتها كأنه قضية إلقاء السمع في حقهم أمر حاصل ابتداءً لا يحتاج للتنبيه عليه.

وهناك مرتبة أخرى دونها، وهم أناس لم تكمل استعداداتهم القلبية ولم يرتقِ إيمانهم لدرجة التلقي المباشر، وكذلك لم يكن تشوفهم واشتياقهم إلى التدبر وإلى تلقي التعاليم هي كدرجة الطبقة الأولى، فهذه الطبقة الثانية أيها الأحبة يحتاج إلى اشتراط إلقاء السمع، لأن هؤلاء الإلقاء لديهم يحتاج إلى نوع معالجة ومجاهدة. يعني الطبقة الأولى لا تحتاج إلى معالجة ومجاهدة في إلقاء السمع، فلم نحتج إلى اشتراط هذا الأمر لديهم لأنهم على استعداد تام لقبول التعاليم الإلهية، وهذا هو حال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، وحال الطبقات المرتفعة من علماء السلوك والتزكية وكل من هيأ قلبه. الطبقة الثانية كما قلنا هي أضعف حالاً، وهي حال عموم الناس، أنهم يحتاجون إلى معالجة وإلى مجاهدة.

في تدبر كلام الله عز وجل والإصغاء إليه ومحاولة تفريغ القلب من الشواغل؛ فهؤلاء يحتاجون إلى اشتراط إصغاء القلب، وأن ننص على هذا الأمر في حقهم، فكان الطبقة الأولى هي طبقة المحسنين. أليس النبي صلى الله عليه وسلم قسم الناس إلى مسلم وإلى مؤمن وإلى محسن؟ فأعلى الدرجات هي الإحسان، وهؤلاء يعبدون الله كأنهم يرونه، فلم يحتاجوا كما قلنا لإصغاء لأنه حاصل في أمرهم. أما الطبقة الثانية فتحتاج إلى اشتراط شروط أكثر، لذلك نبهت هذه الآية باستخدام أو انظر هذا الحرف الواحد ما الذي نبهنا وما الذي أوصلنا إلى معان في التفكر والتدبر. وهكذا كلام الله سبحانه وتعالى يشبه بعضه بعضاً.

طيب، الآن نعود إلى كلام المحاسبي بعد هذه الجولة في كلام الأئمة رضوان الله تعالى عليهم، ومعرفة أهمية كتاب الله عز وجل ودوره في واقع الأفراد وفي واقع المجتمعات. الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى ماذا قال؟ هو قال: واعلم أن فريضة كتاب الله العمل بمحكمه من الأمر والنهي، والخوف من وعيده، والرجاء لوعده، والإيمان بمتشابهه، والاعتبار بقصصه وأمثاله. إذاً هو يجعل الفرض الذي ينبغي على المسلم أن يقوم به عند تعامله مع كتاب الله عز وجل هو أربعة أمور. الأمر الأول: العمل بالمحكم. الأمر الثاني: الإيمان وأنا هنا نقلتها لأنها أنسب في هذا الموضع، يقابل العمل بالمحكم الإيمان بالمتشابه، وإن كان المحاسبي فرقها وأخرها بعد قضية الوعيد، ولكن الأنسب أن تقدم فنقول: العمل بالمحكم، والإيمان بالمتشابه، والخوف من الوعيد والرجاء للوعد -هذا الطرف الثالث-، والفرض الرابع والأخير: الاعتبار بالقصص والأمثال.

يعني نأخذها ونعلق عليها واحداً واحداً بشكل سريع. بدأ رحمه الله تعالى في الفرض الأول، ما هو الفرض الأول؟ قال: العمل بمحكمه من الأمر والنهي. والثاني معه لأنه متعلق به، والإيمان بمتشابهه. وهذا يجعلنا ندخل قليلاً في فهم ما معنى كلمة المحكم والمتشابه؟ ما معنى العمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه؟ هل هناك فرق بين مصطلح محكم ومصطلح متشابه؟ نقول أيها الأحبة: القرآن الكريم كله محكم وكله متشابه، فيه محكم وفيه متشابه. كيف هذا؟ الله سبحانه وتعالى وصف القرآن في مطلع سورة هود، ماذا قال؟ {الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ}. إذاً وصف القرآن كله بأنه محكم الآيات، هذا يسمى ماذا؟ يسمى الإحكام العام. القرآن بعمومه محكم، معنى هذا الإحكام العام الذي وصف الله به القرآن أنه كله متقن، لا يوجد فيه خلل ولا نقص {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}. فالقرآن كله محكم بمعنى الإحكام العام.

الثاني: المتشابه، والقرآن كله متشابه بمعنى التشابه العام، الله سبحانه وتعالى {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا}. وصف القرآن بأنه متشابه. ما معنى هنا التشابه؟ التشابه العام في القرآن الكريم أن آياته يشبه بعضها بعضاً في البلاغة، ويشبه بعضها بعضاً في اللغة العليا وفي الإعجاز، فلا يوجد في القرآن مثلاً آيات معجزة وآيات غير معجزة يمكن أن يؤتى بمثلها، ولا يوجد في القرآن مواضع البلاغة فيها على مستوى مرتفع ومواضع أخرى البلاغة فيها على مستوى متدنٍ، بل كله يشبه بعضه بعضاً في الإعجاز وفي قوة البلاغة ومتانة النظم والأسلوب.

الآن الآية الثالثة أو الوصف الثالث لكتاب الله عز وجل أن فيه ما هو محكم وفيه ما هو متشابه، وهذا ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران، فقال عز وجل: {هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}. إذاً هنا فصل الله سبحانه وتعالى، فذكر أن منه آيات محكمات، ومنه آيات متشابهات، وهذا ما يسمى عند علماء علوم القرآن الإحكام الخاص والتشابه الخاص. واختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تفسير هذه الآية: ما هو الإحكام الخاص؟ وما هو التشابه الخاص؟ ما معنى أن هناك آيات في القرآن محكمة وآيات متشابهة بهذا التفصيل؟ منهم من ذهب إلى أن الآيات المحكمة هي الآيات التي لا يوجد لها إلا تفسيراً واحداً، ومنهم من ذهب إلى أن الآيات المتشابهة هي التي تحتمل أوجه عدة في التفسير، ومنهم من ذهب إلى أن المحكم هو المتضح المعنى الذي لا يحتاج إلى تأويل، والمتشابه هو الذي يحتاج إلى تأويل لغموض في معناه.

وخلاصة الأمر أن المحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى أو الآيات المحكمة بمعنى الإحكام الخاص هي الآيات الواضحة المعاني، المدركة الحقائق، مثل آيات الأوامر والنواهي من الله سبحانه وتعالى لعبيده. فهنا شرطان في الإحكام: فهم المعنى وادراك الحقيقة في الواقع، لأنه يمكن أن تفهم معنى ولا يمكن أن تدرك حقيقتها في الواقع كما سيأتي معنا في المتشابه. فربنا سبحانه وتعالى مثلاً عندما أخبر {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} هذه الآية مفهومة المعنى ومدركة الحقيقة في الواقع، يمكن تطبيقها أن المطلقة ينبغي عليها أن تعتد ثلاث حيضات، وكذلك كل الآيات التي فيها أوامر ونواه من الله عز وجل لعبيده {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} وآيات الحج والصيام، وكل آيات التكاليف العبادات، المعاملات، في الحدود كالجنايات، كلها من قبيل المحكم، وإن كان صلى الله عليه وسلم أحياناً يفك لنا إجمالها ويبين لنا كيف نعمل بها، لكنها كما قلنا هي أساس المحكمات.

يقابل المحكم بهذا المعنى المتشابه، والمتشابه على نوعين: إما آيات متشابهة غريبة الألفاظ لا يفهم معنى ألفاظها إلا بالرجوع إلى الراسخين في العلم الكبار، مثل ماذا؟ آية الكلالة، الله عز وجل ذكر لنا الكلالة في كتاب الله عز وجل، كثير من الصحابة بل حتى عمر بن الخطاب وغيرهم من كبار الصحابة كانوا لا يفهمون معنى الكلالة في كلام الله عز وجل ما المراد بها؟ هذه كلمة غريبة في استعمالها في السياق القرآني، استعمالها في السياق القرآني كانت غريبة لديهم. كذلك مثلاً {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} ما معنى الأب؟ عمر بن الخطاب استشكل رحمه الله تعالى وسأل الصحابة في مجمعهم ما معنى الأب؟ إذاً هناك بعض الكلمات الغريبة الاستعمال في كتاب الله عز وجل. الآن هذه الكلمات يمكن الوصول إلى معناها؟ نعم، ولكن من الذي يصل إلى معناها؟ الراسخون في العلم، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، ابن عباس رحمه الله تعالى كان يحل مثل هذه الاستشكالات العوصاء على الصحابة للوصول إلى هذه المعاني الغريبة ويترجمها لهم فلقب بترجمان القرآن.

وهناك نوع آخر من المتشابه وهو المتشابه الذي يفهم أصل معناه ولكننا لا يمكن أن ندرك حقيقته في الواقع، لماذا؟ لأنه من كل الأمور الغيبية التي أخبرنا الله سبحانه وتعالى بها هي من المتشابه بهذا المعنى، ما معنى نحن نفهم المعنى ولكننا لا نستطيع أن نتصور حقيقته؟ فكل ما أخبرنا الله عز وجل به من أحوال القبور وأهوالها وحياة البرزخ، نحن نفهم المعنى أن هناك عذاب قبر ويصف الله عز وجل لنا ونبيه صلى الله عليه وسلم في الأحاديث طبيعة العذاب، لكننا في الحقيقة لا نستطيع أن نتصوره في واقع حياتنا لعدم وجود مثيل له نقيس عليه. كذلك الأمور المغيبة في الحشر والحساب والصراط والميزان يوم القيامة، كل هذه الأمور نحن نفهم أصل معناها ولكننا لا ندرك حقائقها لأننا لم نشاهد مثلها فهي أمور مغيبة عنا.

كذلك كيفية اتصاف الله بصفاته العلى، الآن الله عز وجل وصف نفسه في كتابه العظيم بالرحمة والغضب والسخط، ووصفه نبينا صلى الله عليه وسلم بأوصاف كثيرة، الآن نحن نفهم أصل المعنى نعم اتصاف الله بالصفات ونثبته له عز وجل، لكن كيفية اتصافه بهذه الصفات؟ هل ندركها؟ هل ندرك كيفية استواء الله على عرشه؟ وغير ذلك من الآيات لا ندرك مثل هذه الحقائق، فهذا هو نوع آخر من أنواع التشابه، هذا التشابه بالمعنى الثاني هو الذي يقصد عادةً تشابه بالمعنى الثاني وهو الآيات التي نعرف أصل معناها، ولكننا لا ندرك حقائقها لأننا لا نشاهدها في حياتنا كالمغيبات وغير ذلك من، هذا هو المتشابه المتداول في كلام علماء التزكية وهو الذي قصده الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى في قوله: والإيمان بمتشابهه.

طيب نعود إلى المحاسبي بعد أن خضنا هذه الجولة، فقال: فريضة كتاب الله عز وجل العمل بمحكمه من الأمر والنهي، والإيمان، إذاً المحكم فرضه العمل به، والمتشابه فرضه ماذا؟ الإيمان والتسليم، لذلك قال العمل بمحكمه، ومحكمات القرآن أيها الأحبة لأنها مفهومة المعاني متصورة الحقائق في واقعنا يجب علينا أن نعمل بها ونترجمها في حياتنا العملية، وهو أغلب كتاب الله عز وجل، كثير من الآيات هي من قبيل، أكثر آيات الله عز وجل من قبيل المحكمات، لذلك قال بمحكمه من ماذا؟ من الأوامر والنواهي. أما المتشابه وهو القسم الآخر، لأننا لا ندرك حقائقه وإنما هو فقط في أمور الغيبيات وأمور اليوم الآخر والقدر وغير ذلك من الأمور التي فقط نفهم معناها، لكننا لا تثمر عملاً في حياتنا يعني أنها أو لا تقتضي عملاً، هي تثمر عملاً روحانياً ووجدانياً وسلوكياً، لكنها ليس لا يوجد فيها أوامر.

فمثلاً الله عز وجل عندما يخبرنا عن أهوال يوم القيامة، ما وظيفتنا نحن عندما نسمع هذه الآية؟ أن نؤمن ونسلم ونترجمها في واقع حياتنا بماذا؟ بالخشية من الله عز وجل بالمهابة، أما هي نفس الآية عندما يخبرنا الله عز وجل بالحشر وبالصراط أو ما شابه ذلك، يعني لا يمكن أن نطبقها عملياً وهي أصلاً لا يوجد فيها نوع تكليف، وإنما تكليفها روحاني وجداني في الإيمان والتسليم وعدم التكذيب، لأن الفرق المبتدعة أيها الأحبة يعني هذه الآية مهمة خاصة عند علماء أصول الفقه وعلماء العقيدة، الفرق المبتدعة كانت تذهب إلى الآيات المتشابهة من كلام الله عز وجل، الآيات التي نعرف معناها ولا ندرك حقائقها، من هذه الفرق المبتدعة من يخوض في مثل هذه الآيات ويحاول أن يتكلم فيها ويتكلم في حقائق المغيبات ويشبه الله سبحانه وتعالى والعياذ بالله بخلقه في صفاته، فهذا طريق مبتدع بعيد عن منهج أهل السنة والجماعة، وفرقة أخرى من المبتدعة ماذا تفعل؟ تذهب إلى هذه الآيات المتشابهة تعطلها، تقول مثلاً هذه الآية لا نفهم معناها أو ليس لها معنى، أو ما يسمى عندهم بتفويض معناها أنها مجهولة مبهمة، لا يعرف معناها إلا الله، وهذا أيضاً مسلك خاطئ، وإنما طريقة أهل السنة والجماعة في التعامل مع الآيات المتشابهة أنهم يفهمون معناها ويثبتون أصل المعنى ولكن كيفيته وحقيقته بالواقع لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى.

لذلك المحاسبي اهتم بهذه القضية حتى يبين منهج أهل السنة والجماعة، أننا نعمل بالمحكم ونؤمن بالمتشابه، فلسنا بالمتشابه ممن يكذب به ويعطله عن معناه، ولسنا ممن يخوض فيه ويتكلم ويهرف بما لا، أما المحكم الذي نفهمه معنى وحقيقة فإننا نبادر إلى العمل به وامتثاله إذا تضمن عملاً. هذا هو الفرض الأول وهو، وقال: العمل بمحكمه من الأمر والنهي، والإيمان بمتشابهه.

الفرض الثاني أيها الأحبة هو الخوف من الوعيد والرجاء، لذلك عندما المؤمن يتدبر كلام الله عز وجل ينبغي عليه أن يعطي كل آية حظها من العبودية، ينبغي عليك عندما تتلو القرآن أن تعطي كل آية حظها من العبودية، فعندما تتلو الآيات التي تتكلم عن الرجاء وعن سعة رحمة الله سبحانه وتعالى وحسن تصرفه مع عبده وجميل معاملته له، هذا يحدوك ويسهل عليك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى ويخفف عنك لأواءها، وعندما تقرأ الآيات التي فيها التخويف وفيها وعيد لمن يعرض عن الله سبحانه وتعالى ولمن يبارزه العداء، فهذا أيها الأحبة يورث قلقاً ويغض مضجعك ويجعلك تجمع قلبك عن الشرود عن الله سبحانه وتعالى، لذلك المؤمنون عندما يقرؤون كلام الله عز وجل وهم يستشعرون الرجاء والخوف، هذا في الحقيقة يمنعهم من النوم، هذا الأصل يمنعهم من النوم إلا في القليل، لا يكاد يغمض لهم جفن لأنهم يشتاقون إلى قراءة كلام الله سبحانه وتعالى والنظر في آيات الرجاء والنظر في آيات الخوف، لأن هذا هو مستقبلهم الذي ينتظرهم، مستقبلهم إما رجاء مع الله سبحانه وتعالى في جنات النعيم، وإما خوف والعياذ بالله لماذا؟ في دركات، لأنهم ينظرون إلى هذه الحياة بهذا المفهوم، الحياة ينبغي أن تدور بين هذين الجناحين، جناح الرجاء لله سبحانه وتعالى والطمع في وعده وجناح خوف.

فلما أقضت هذه الآيات مضجعهم ماذا وصفهم الله سبحانه وتعالى؟ قال: {تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ}، جنوبهم لا تكاد تنام على الفرش، لماذا؟ {يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} خوفاً من ماذا؟ من وعيده، وطمعاً ورجاء في ماذا؟ في وعده، {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}، فلما أخفوا عبادتهم في هذه الدنيا عن عيون الناس وأخلصوها لله سبحانه وتعالى أخفى الله عز وجل الجزاء الذي أعده لهم، فماذا قال؟ فلا تعلم نفس بعد هذه الآية، قال: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ}، هذا جزاء بالمثل، أخفوا عبادتهم في هذه الدنيا وجعلوها خالصة لله سبحانه وتعالى، كان الشوق يحدوهم إلى قراءة كلام الله عز وجل ليرجو وعد الله عز وجل وليخافوا من وعيده، فكانت الجزاء والهدية من الله سبحانه وتعالى أن غرس كرامتهم بيده، وأخفى لهم جزاءهم ليزداد شوقهم وطمعهم فيما أعده الله عز وجل لهم عند لقائه. أسأل الله العظيم أن يجعلنا من هذا الركب، وأن يجعلنا ممن يحدو حذوهم.

الفرض الثالث والأخير الذي ذكره رحمه الله تعالى هو الاعتبار بقصصه وأمثاله، فالإنسان أيها الأحبة عندما يقرأ كلام الله عز وجل ينبغي أن يقف مع الأمثال ومع القصص التي يوردها الله عز وجل.

فتتدبَّر وتأمَّل. هو قال الاعتبار، ما معنى الاعتبار؟ الاعتبار في اللغة مأخوذ من العبور، مأخوذ من ماذا؟ من العبور، فكأنك تعبر هذه القصص وهذه الأمثال من الماضي إلى الحاضر؛ فلهذا سُمِّيت عبرةً واعتبارًا؛ لأن فيها عبورًا من الماضي إلى الحاضر.

فالمسلم عندما يقرأ قصص الماضيين التي أخبرنا الله عز وجل بها في كتابه العزيز، عندما أخبرنا عن إكرامه لأهل طاعته وكيف فعل الله عز وجل بهم ونصرهم وأيَّدهم، ويعلم أن هذه سُنَّة متكررة: أَنَّنَا نَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ. وعندما ينظر في سخط الله عز وجل على مَن كذَّبهم من الأمم الماضية، ويقرأ قصصهم وكيف أنزل الله عز وجل بهم من العذاب والهلاك، هذا أيضًا يجعله يعلم أن هذه سُنَّة متكررة يعبر بها من الماضي إلى الحاضر. فكل مَن عاند الله سبحانه وتعالى، وكل مَن عصاه ومَن ابتعد عن نهجه، فسوف يُعاقب بمثل تلك القصص؛ يعني هذه القصص ليست قصصًا للترف، وليست قصصًا أدبية المراد بها فقط أن نقرأ ونتسلى ونعرف ما حدث بفرعون وعاد وما حدث بثمود، هي قصص للاعتبار: وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا.

كذلك أيها الأحبة، يعني علاقتنا مع الأمثال القرآنية؛ الله عز وجل ماذا وصف الذين يعقلون هذه الأمثال ويفهمونها؟ قال: وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ. فهي درجة من درجات العلم؛ لذلك سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى يقول: كنت أوتيت فهمًا للقرآن -أو كما قال- ثم سُلِبت ذلك بسبب صُرَّة قبلتها من السلطان. انظروا ماذا يقول! بسبب صُرَّة قبلتها من خليفة العصر في ذلك الوقت. وكان يقول أحد السلف: أحزن إذا لم أفهم مثلًا من أمثال الله. لماذا؟ قال: لأن الله عز وجل وصف الذين يفهمون أمثالهم بأنهم عالمون؛ فإذا لم أفهم المثل إذا لم أصل إلى درجة العلم بعد، ما زلت في جهل.

لذلك أيها الأحبة، عندما تقرأ قوله تعالى: مَّثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا، هذا مثل ما معناه؟ أليس هذا يفيدنا عقوبة الركون إلى غير الله عز وجل والالتجاء إلى غيره والركون إلى الظالمين؟ وعندما نقرأ: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ، أليس هذا المثل ينبهنا إلى عقوبة أو عاقبة العصيان لله عز وجل والفساد في الأرض؟ وأنه تدمير للمجتمعات وللبر والبحر. وعندما نقرأ: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ، كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ، ألا يفهمنا أن كل مفسد وكل فاسد هو كزبدٍ يذهب مع سيل الحياة ولا يكتب الله عز وجل له القبول؟ وأما العلم النافع والمصلحون هم الذين يكتب الله عز وجل لهم البقاء والصلاح في الدنيا وفي الآخرة. إذا هذه الأمثال وغيرها ينبغي علينا أن نتفهمها وأن نعقلها ولا نمر عليها مرورا سريعا.

طيب، الآن بعد ذكر هذه الفرائض التي يتكلم عنها المحاسبي رحمه الله تعالى، ما ثمرة القيام بهذه الفريضة؟ هو قال رحمه الله تعالى: واعلم أن فريضة كتاب الله العمل بمحكمه، الخوف من وعيده، الرجاء لوعده، والإيمان بمتشابهه، والاعتبار بقصصه وأمثاله. طيب من قام بهذه الوظيفة التي ينبغي على كل مسلم أن يقوم بها، ما النتيجة التي يتحصل عليها؟ قال: فإذا أتيت بذلك فقد خرجت من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن عذاب الشك إلى روح اليقين. هذه هي النتيجة وهذه هي الجائزة التي تنالها في هذه الدنيا، وأما في الآخرة: فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ. يكفي الإنسان في هذه الدنيا أيها الأحبة أن يهتدي ويكون على بصيرة في سلوكه في هذه الحياة، يكفي الإنسان نعمة حقيقية نحن لا نلتفت إليها؛ أن الله عز وجل رزقك أيها الحبيب إيمانًا ويقينًا واطمئنانًا.

كثير من الناس من الكفار من غير المسلمين، بل حتى بعض المسلمين الذين نهلوا من ينابيع غير ينبوع كلام الله عز وجل، يعيشون في عذاب الشك؛ يشكون في هذا الكون، يشكون في الخالق، من الذي يسير هذه الحياة؟ يشكون في اليوم الآخر، يشكون في حكمة الله عز وجل وفي مسير هذه الدنيا؛ يرون أن الله عز وجل أمهل الكافرين ويروا المؤمنين في مشارق الأرض ومغاربها في ضعف واستضعاف، فيأتيه الشك ويأتيه الضعف ويأتيه الريب في وجود الخالق سبحانه وتعالى وفي أقداره. إن نعمة اليقين بالله سبحانه وتعالى والثقة به والثقة بوعده، لهي من أجلِّ النعم؛ مَن رُزِقها فقد رُزِق السعادة والاطمئنان حتى لو كان في أضيق لحظات الحياة. كثير من الناس تجدهم في أضيق لحظات الحياة ولكن تجد عليهم الاطمئنان؛ يعني يصف ابن القيم شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: كان دائمًا فرحًا بالله سبحانه وتعالى، وإن كنا نعلم ضيق حاله؛ كان فقيرًا معدمًا، ومع ذلك قد كان الفرح بالله. ما سبب هذه الخصلة؟ هي اليقين؛ عندما يتيقن الإنسان بربه سبحانه وتعالى أنه هو المتصرف المدبر الرازق المعطي المانع الخافض الرافع، كل هذا الكون وكل هذه الحركات تصدر من إله واحد ومن رب عالِم حكيم، عندما تؤمن بمثل هذه القضية وتنطلق من كتاب الله سبحانه وتعالى في فهمها، يرزقك الله عز وجل اليقين؛ وإذا رزقك الله اليقين فاعلم أنك في نعمة عظيمة، ولا يغفل عن هذه النعمة إلا الغافل.

هي نعمة عظيمة، كثير من الناس حتى الملحدون يعني كثير منهم يذهبون إلى أهل العلم يقولون نحن في حيرة، نسألكم بالله أن تدلونا على الله؛ لا تظن أن الملحد هو يشعر بالراحة، لأن هذا القلب لا يطمئن ولا يسكن إلا إذا اتصل بخالقه ومولاه؛ هو هذا سر الاطمئنان والسعادة في هذه الحياة الدنيا، فمن ذهب إلى الإلحاد والإعراض عن الله عز وجل ومن ذهب إلى ينابيع أخرى وذهب ليستقي من غير المصادر الشرعية ومن غير الله سبحانه وتعالى، يُوقعه هذا في اضطراب ويوقعه في حيرة وظلمة وابتعاد عن الله عز وجل، وكأن صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء. لذلك الحارث المحاسبي يتكلم لك من علم دقيق ومعرفة بأحوال القلوب رحمه الله تعالى، أن وظيفة القرآن أن يخرجك من ماذا؟ من ضيق الشك ومن عذاب الشك إلى روح اليقين، "رَوْح" المراد هنا رَوْح بفتح الراء، إلى رَوْح اليقين؛ والروح هو الارتياح والهدوء والطمأنينة، وكذلك أن يخرجك من ظلمات الجهل. الإنسان في حياته الدنيا يجد هناك طرقًا متعددة ومتشعبة كما ذكرنا في الدرس الماضي، والطريق إلى الله والنور إلى الله واحد؛ من الكفيل بإخراجك من هذه الظلمات إلى النور؟ هو كلام الله سبحانه وتعالى.

لكن هناك شرط، هناك شرط حتى تحصل هذه الثمرات؛ ما هي هذه الشروط؟ يقول الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى: وإنما يُميز ذلك -يعني وإنما ينتفع ويقوم بهذه الفرائض- أهل العقل والفهم عن الله، الذين عملوا في أحكام الظاهر وتنزهوا عن وهاد الشبهات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحلال بيِّن والحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات تركها خير من أخذها. إذاً المحاسبي رحمه الله تعالى يجعل بوابة الفهم عن الله سبحانه وتعالى في كتابه ما هي؟ الورع. إذا أردت أن تُعطى فهمًا في كتاب الله عز وجل وتعقُّلًا لمعاني كلامه وتدبُّرًا بحيث تترجمه في واقعك، لا بد وأن تحصِّل هذه الخصلة؛ ما هي؟ الورع وأحكام الظاهر واتقاء الشبهات. وأظن والله أعلم أن قوله "واتقاء الشبهات" أو الابتعاد عن الشبهات هو تفسير لأحكام الظاهر، وليس من العطف المتغاير؛ فأحكام الظاهر، الأحكام هنا بمعنى الضبط والإتقان، والظاهر هي الأقوال والأفعال التي تصدر منك من جوارحك، فكيف يكون إحكام الظاهر وضبطه؟ يكون باتقاء الشبهات؛ فما وجدت فيه وضوحًا من حلال تتبعه، وما وجدت فيه وضوحًا من حرام تجتنبه، وما كان في دائرة الشبهات فإن الإنسان يبتعد عنه. لذلك مَن رزقه الله عز وجل الورع في دنياه، رزقه الله عز وجل الفهم لكتابه.

طيب، ما هو مفهوم الورع؟ يعني حتى نتكلم قليلًا في هذه الخصلة، ما هو مفهوم الورع؟ إبراهيم بن أدهم رحمه الله تعالى يقول: الورع هو الخروج من كل شبهة. كذلك يونس بن عبيد رحمه الله تعالى يقول: الورع هو أن تترك كل شبهة. وكذلك مثلًا سفيان الثوري رحمه الله تعالى فيقول: ما وجدت أسهل من الورع. هو يفسِّر في مفهومه، ما وجدت أسهل من الورع، ما حاك في نفسك فاتركه، ما حاك في نفسك اتركه. هذا هو مفهوم الورع بشكل ميسَّر سهل عند سفيان الثوري؛ أي شيء تجد قلبك غير مرتاح للإقدام عليه اتركه، إنه من قبيل الشبهات.

وسهل التستري رحمه الله تعالى يقول جملة في الحقيقة يعني استوقفتني، يقول رحمه الله تعالى: الحلال هو الذي لا يُعصى الله فيه، والخالص منه الذي لا يُنسى الله فيه. يعني كأنه يجعل الحلال دائرة واسعة وهناك دائرة أضيق منها هي الحلال الخالص. الحلال أيها الأحبة بالمعنى العام تدخل فيه الإكثار من المباحات، ويدخل فيه كذلك المكروهات؛ لأن المكروهات هي من قبيل ماذا؟ الحلال بالمعنى العام؛ لأنه لا يترتب على فعله إثم، فدائرة الحلال تشمل الإكثار من المباحات وتشمل الإكثار من المكروهات. فيقول الحلال بالمعنى العام هو كل شيء لا يُعصى الله فيه يعني لا يترتب عليه إثم، ولكن هناك معنى أدق، وهذا المعنى هو الذي يعرفه السالكون إلى الله، الخالص من الحلال -أعلى درجات الحلال- هو الذي لا يشغلك عن الله سبحانه وتعالى. فالإكثار من المباحات بالمعنى السلوكي والتزكوي لا يعتبر من قبيل الحلال الصافي، وكذلك الإكثار من المكروهات؛ طبعًا بالمعنى الشرعي كما يقول هو من قبيل الحلال، لكن هو ينبه سهل رحمه الله تعالى إلى أن مَن أكثر من المباحات ومَن فعل المكروهات هذا ينسى ربَّه سبحانه وتعالى. فالصافي من الحلال أعلى درجات الحلال هي الذي لا يُنسى الله سبحانه وتعالى معه؛ فكل حلال أشغلك عن الله عز وجل لا يعتبر هذا من قبيل الحلال الصافي، وإنما هو حلال فيه نوع شوك.

لذلك النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يُستغنى عن كلامه وهو الصادق المصدوق، اختصر لنا مفهوم الورع في جملة واحدة ماذا قال؟ قال صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. هذا هو الورع، من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه؛ إذا ترك الإنسان فضول الكلام والسماع، وفضول المآكل والمشارب، والنظر وغير ذلك من الأمور، حصل الورع واتقى الله عز وجل حق التقوى، فهذا هو مفهوم الورع بالمعنى العام وبالمعنى السهل يختصره صلى الله عليه وسلم في هذه المعاني.

طيب، الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى لماذا جعل الورع بوابة الفهم عن الله؟ يعني ما ميَّزت أو قصدت ميزت هذه الخصلة عن دونها من الخصال؟ الورع أيها الأحبة يطهر القلب من الأقذار؛ الورع يطهر القلب من الأدناس ومن الأقذار ومن شهوات هذه الحياة الدنيا؛ لأن ما الذي يجعل الإنسان يفقد الورع؟ هو تكالبه على هذه الحياة الدنيا وشهواتها. ما الذي يجعل الإنسان لا يتورع في مأكله ومشربه؟ ما الذي يجعله لا يتورع في اكتساب المال؟ ما الذي يجعله لا يمتنع في فعل ما ذكره الله سبحانه وتعالى؟ سبب فقد الورع هو باختصار هو حب الدنيا، أن هذه الدنيا متعلِّقة بالقلب، جاثمة على قلب هذا، فهو لا يجد مندوحة عن فعل كل الشبهات حتى يُحصِّلها. أما الإنسان الذي نقى قلبه وطهَّره من أدناس الدنيا ومن شهواتها ومن أهوائها، هذا قلبه طاهر؛ طيب كيف نطهر القلب من خلال الورع؟ يُعلِّم الإنسان نفسه ويدرِّبها على التورُّع في المآكل والمشارب وكسب المال وغير ذلك من الأمور، لأنك لا يمكن أن تفهم كلام الله سبحانه وتعالى حتى نعقله وحتى نفهمه، لا يحل إلا في قلب نقي طاهر، والورع هو الذي يحصِّل لنا هذا النقاء وهذه الطهارة؛ لذلك اشترطه الحارث المحاسبي رحمه الله تعالى كشرط وكبوابة للفهم عن الله سبحانه وتعالى، لأن الله لا يحل في قلب مشتغل بهذه الدنيا، هو هذا باختصار.

لذلك الله عز وجل كما جاء في حديث أبي هريرة عند مسلم، لماذا أوصى الرسل؟ أوصى الأنبياء وليس فقط المؤمنين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أيها الناس، إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال عز وجل: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا. أيها الأحبة هذا يحتاج نظر؛ الله عز وجل يقول: يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ، يأمر الرسل والأنبياء أشرف خلق الله سبحانه وتعالى وخيرة خلق الله من أرضه، يأمرهم بماذا؟ بتطييب المأكل والمشرب، كلوا من الطيبات واعملوا صالحًا. وقال للمؤمنين: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ. فهذا يدل على أن سبيل المسترشدين من الأنبياء وأتباع الأنبياء شرطه الاتقاء من الشبهات وتطييب المآكل والمشارب والملابس وتطييب المال جملة. فمَن كان جسده نبت من سُحت، وأنبت -يعني جسد أبنائه- من سُحت، فهذا سيُحرم الهداية؛ لأن الله عز وجل أو النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يقول في ختام هذا الحديث؟ ثم ذكر الرجل يُطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنَّى يُستجاب لذلك؟ العبد الذي يقول: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صباح مساء، العبد الذي يطلب الهداية إلى طريق المسترشدين، كيف سيهدى إلى هذا؟

الطريق إذا كان مغموساً في الحرام من رأسه إلى قدميه، وإذا كان أبناؤه كذلك يعيشون في الحرام، الأموال الربوية والفوائد البنكية وكثير من القروض وكثير من الأعمال والاكتسابات المالية التي تغضب الله عز وجل موجودة في حياته، ثم يطلب الهداية؛ إذاً يعني هنا في نوع من التناقض.

هناك نوع من التناقض يُفهم من قوله صلى الله عليه وسلم: فأنى يستجاب لذلك؟ إذاً إذا أردت الهداية، إذا أردت السلوك؛ لابد أن تنقي القلب بماذا؟ بالورع واتقاء الشبهات. لذلك قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي ذكره الحارث المحاسبي: الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة. تكملة الحديث عند البخاري قال: فمن ترك ما يشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أوشك أن يواقع ما استبان. والمعاصي حمى الله، ومن يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه. يعني يقول ابن حجر رحمه الله تعالى العسقلاني في فتح الباري في شرح هذا الحديث، في شرح الحديث: الحلال بين والحرام بين، يقول: المعنى أن الحلال حيث يخشى أن يؤول فعله مطلقاً إلى مكروه أو محرم ينبغي اجتنابه. أي حلال أيها الأحبة؟ يعني هناك أناس فقط يقفون مع المحرمات، غير الحرام يفعله، يعني هذه نظرته إلى الحياة الدنيا وإلى علاقته مع الله سبحانه وتعالى، كل ما سوى الحرام فلي الحق أن أفعله. لا، النبي صلى الله عليه وسلم يوجهنا إلى أمر آخر كما فهمه العلماء، أن حتى الأمر الذي تشعر أنه سيقودك وسيؤول بك إلى المكروه أو إلى المحرم عليك أن تجتنبه.

فمثلاً قال: كالإكثار مثلاً من الطيبات. الآن الإنسان قد يكثر من المآكل والمشارب، يقول: هذا حلال، أنا أكلي طيب ومشربي طيب، يحق لي أن أكثر منه. فما الذي يحرمه هذا الرجل؟ قال: كالإكثار مثلاً من الطيبات. قال: إنه يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في أخذ ما لا يستحق. يعني الإنسان الذي عوّد نفسه وعوّد أبناءه على كثرة في الحياة، هذا الرجل إذا وقع في ضائقة مالية في لحظة من لحظات الحياة، ألا يمكن ذلك؟ ما الذي سيفعله؟ الآن هو سفه في الصرف عالٍ جداً، يكثر من الطيبات لأنه عوّد نفسه ولم يهيئها لفترة الضيق، عندما يقع في ضائقة مالية ستجده يقتحم كل عقبة ويفعل كل محرم من أجل ماذا؟ من أجل المحافظة على هذا المستوى الاجتماعي. سيحاول أن يطرق كل باب ويترك كل شبهة من المعاملات حتى يحافظ على هذا المستوى الاجتماعي وحتى لا يشعر أبناؤه بالنقص، لأنه عوّدهم على ماذا؟ على الإكثار من المآكل والمشارب والسيارات ولذات الحياة الدنيا. فيقول ابن حجر: يعني الإنسان لو لم يكن عاقبة إكثاره من الطيبات إلا هذه العاقبة، فكفى بها من أمر يدعوك إلى الاجتناب من الإكثار والإسراف.

قال: طيب إذا لم يوقعك في كثرة الموقف في أخذ ما لا يستحق، أو يفضي إلى بطر النفس. كذلك قد يفضي الإكثار من أكل الطيبات إلى ماذا؟ إلى بطر النفس والتكبر على خلق الله سبحانه، ويشعر الإنسان أن نفسه في طبقة أخرى لا تضاهي طبقة عموم البشر. قال: وأقل ما فيه الاشتغال عن مواقف العبودية. وهذه نظرة إلى الله الذين يهمهم الوقوف بين يدي الله والتعامل معه، يعني لو لم يكن في الإكثار من الطيبات إلا أنك تشتغل في كثرة الأكل والنوم والمناكح والمشارب عن الوقوف بين يدي الله عز وجل لأداء حقوق العبودية؛ فكفى بها مذلة، كفى بها مذمة هذا الخلق، الإكثار من الطيبات الذي يوقع الإنسان في الابتعاد عن مواقف العبودية لله عز وجل. لذلك كان السلف رحمهم الله تعالى يقللون من المطاعم والمشارب، لماذا؟ لأنهم كانوا يتعجلون للقيام بحقوق الله عز وجل من الذكر والدعاء وقيام الليل. ينام الرجل على بطنه، لماذا؟ لأنه يحسب أن هناك قيام ليل، إذا أكلت كثيراً لم أستيقظ، كذلك يحسب أن عمله مباشرة في الحفظ، في المذاكرة، في غير ذلك من الأمور تعتمد على ماذا؟ على قلة الطعام والشراب، فإذاً العبودية عنده في كل حياته هي التي تهمه، فكل شيء يمنعها يبتعد عنه، كالإكثار كما قال من الطيبات.

ثم يقول رحمه الله تعالى: ولا أن المستكثر من المباح تصير فيه الجرأة على ارتكاب المنهي عنه في الجملة كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه السابق، أو يحمله اعتياد ارتكاب المنهي عنه غير المحرم على ارتكاب المنهي المحرم إذا كان من جنسه. يعني مثلاً الإنسان الذي يكثر الجلوس في المجالس التي يكثر فيها الكلام المباح، الضحك وغير ذلك من الكلام المباح الذي هو في أصله لا يخدم أو ليس فيه حراماً يغضب الله سبحانه وتعالى، لكن الإكثار من هذه المجالس التي فيها اللغط والضحك وما شابه ذلك يوقعك في مجالس فيها استغابة ونميمة وذكر ما لا يحسن، ما يغضب الله سبحانه وتعالى. فمن اجترأ وأكثر من المجالس التي يكثر فيها اللهو المباح؛ فإنه رويداً رويداً سيجترئ على المجالس التي يكون فيها الحرام.

ثم يختم رحمه الله تعالى، قال: أو يكون ذلك لشبهة فيه، قال: وهو أن من تعاطى ما نهي عنه يصير مظلم القلب. يقصد رحمه الله تعالى في قوله: وهو أن من تعاطى ما نهي عنه ولكنه لم يصل إلى درجة التحريم، المنهي عنه المكروه يقصد به هنا. من تعاطى ما نهي عنه من المكروه يصير مظلم القلب لفقدان نور الورع، فيقع في الحرام وهو لم يختر الوقوع فيه. يعني كثير من الناس اجتراءهم على المكروهات والإكثار من المباحات يقودهم ذلك إلى الوقوع في الحرام من حيث لا يشعرون. يجد نفسه مغموساً في الحرام من حيث لا يشعر، يقول الشيخ: الأمور اضطرتني إلى هذا الأمر، نقول: ما اضطرك إلى هذا الأمر وما ألجأك إلا أنك اجترأت رويداً رويداً على اقتحام الأبواب التي ينبغي أن تكون مسدودة العين. لذلك ابن المنير ينقل عن أحد شيوخه ماذا يقول؟ يقول: المكروه عقبة بين العبد والحرام، فمن استكثر من المكروه؛ يعني الذي يكثر من فعل المكروهات، هناك أناس إذا قلت له هذا الفعل مكروه يقول لك: خلصنا الحمد لله، مكروه ما هو حرام، افعل. لا، إيش هذه نظرة السلف ونظرة من يريد السلوك إلى الله؟ يقول: من استكثر من المكروه تطرق إلى الحرام، والمباح عقبة بينك وبين المكروه، هي جبايت، الآن من تجاوز الجبل الأول جبل المباح وأكثر منه دخل الآن على جبل المكروه، من استكثر من المكروه وتعود عليه خلاص تجاوز هذه العقبات فوجد نفسه مغموساً في الحرام كما يقول ابن حجر العسقلاني من حيث لا يشعر.

أختم بذكر قصتين من قصص السلف رحمهم الله تعالى عن يعني الورع وتوقي الشبهات ذكرها الشيخ عبد الفتاح في الحاشية. القصة الأولى قصة أخت بشر الحافي، بشر الحافي رحمه الله تعالى كان من أئمة الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. جاءت أخت بشر الحافي إلى من؟ إلى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فقالت له: يا إمام، أنا نغزل على سطوحنا، يعني أنا بدي أعطيك نموذجاً مرتفعاً جداً يعتبر من نماذج الورع، حتى أنا لا أريدك أن تصل لهذه المرتبة، لكن أريدك أن تعقل كيف كانت حياتهم وكيف حياتنا؟ تقول أخت بشر الحافي: أتيت أحمد بن حنبل فقلت له: أنا نغزل على سطوحنا على سطح البيت، فيمر بنا مشاعل الطاهرية. يعني حرس الحريم الطاهري، هؤلاء كانوا جماعة من الأمراء حكموا بغداد في فترة من الفترات، فكان حرسهم وجنودهم يمرون في الطرقات وكان في يدهم ماذا؟ مصابيح، وكان هؤلاء الحرس في يدهم مصابيح حتى ينيروا الطرقات، قال: ويقع الشعاع علينا. يعني شعاع المصباح يقع على سطح البيت الآن هو في ظلام ليل، فعندما يمر الحرس بالليل وهم يحملون المصابيح يقع شعاع هذا المصباح على سطح البيت، قال: أفيحل لنا أن نغزل في شعاعها؟

يعني انظر إلى، هل يحل لنا أن نغزل غزل الصوف في الشعاع هذا الذي ينعكس من ضوء مصباح الحرس؟ هذا الشعاع ليس لنا وإنما هو وقف مسلمين، هل يحل لنا أن نغزل في ضوء هذا أو في ضوء هذا الشعاع؟ فالإمام أحمد بن حنبل يقول: من أنت عافاك الله؟ يعني أحمد بن حنبل ما توقع هذا، إنه يسأل عن امرأة، هي إمام في الورع، لكن أن تأتي امرأة تسأل عن هذا المستوى العالي جداً من الورع هذا شيء غريب كان بالنسبة للإمام أحمد بن حنبل. فقال لها: من أنت عافاك الله؟ فقالت: أنا أخت بشر الحافي رحمه الله، فبكى الإمام أحمد بن حنبل وقال: من بيتكم يخرج الورع الصادق، لا تغزلي في شعاعها. طبعاً هذه فتوى لها؛ لأنه هو يعلم درجتها في الإيمان وفي الارتقاء وفي الورع، في أنها تستطيع أن تتحمل مثل هذا الأمر، فقال: إذا بلغ بك هذا الورع المبلغ فلا تغزلي في شعاعها، رحمهم الله تعالى.

كذلك قصة الإمام أبي إسحاق الشيرازي الفقيه الشافعي في عصره رحمه الله تعالى، وكان على خشونة شديدة من الفقر والإملاق وفي غاية من الورع والصلاح، دخل المسجد يوماً ليأكل فيه شيئاً فنسي ديناراً، فنسي دينارين، طبعاً الدينار أيامها ذهب، فهذا الوضع يعني ربما أشد، أو يعني أثر شوية من حادثة أخت بشر الحافي رحمه الله تعالى. طيب كان على خشونة، دخل المسجد يوماً ليأكل فيه شيئاً فنسي ديناراً من الذهب، فذكره الآن هو نسي الدينار أين؟ في المسجد. قال: فذكره، ذهب رحمه الله تعالى خرج من المسجد ليقضي أموره ثم تذكر الدينار، فذكره في الطريق فرجع، الآن رجع إلى نفس المكان فوجد فيه الدينار، قال: فتركه، فلما وجده تركه ولم يمسه، وقال: ربما وقع من غيري، ولا يكون دينارك، يقول عن هذا الدينار، وما في غير دينار أبي إسحاق الشيرازي، قد يكون واحد مر بهذا الطريق، هو نفس المكان قبل قليل كان فيه عاد، وجد سقط لم يأخذه، من هذا الورع خشي أن يكون رجل من المسلمين عرضاً مر بهذا المكان نفسه فوقع فيه دينار من الذهب، يعني لو كان الرجل لو وجد دينارين ربما لكن، ورحم الله تعالى ترك هذا الدينار ورعاً وخشية من الله سبحانه وتعالى، وبمثل هذا خلد الله ذكرهم. أبو إسحاق الشيرازي أشهر أئمة الشافعية رحمهم الله ومن أشهرهم، لماذا رزقه الله الفهم؟ وبماذا رزقه الله العلم؟ إنما رزقه بالورع، فمن رزقه الله الورع رزقه الفهم عنه ورزقه استخلاص المعاني والأحكام والتدبر لكتاب الله عز وجل. نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا فهماً لكتابه، وإحكاماً لظواهرنا ومواطننا، وورعاً في التعامل معه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.